يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به، واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم.
الفرقة الثامنة عشرة من الرافضة: يسوقون الإمامة من علي بن أبي طالب على سبيل ما حكينا عن القرامطة وينتهون بها إلى جعفر بن محمد، ويزعمون أن جعفر بن محمد جعلها لإسماعيل ابنه دون سائر ولده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه صارت في ابنه محمد بن إسماعيل، وهذا الصنف يدعون المباركية: نسبوا إلى رئيس لهم يقال له المبارك، وزعموا أن محمد بن إسماعيل قد مات، وأنها في ولده من بعده.
الفرقة العشرون من الرافضة: يسوقون الإمامة من علي على ما حكينا عمن تقدمهم وينتهون بها إلى جعفر بن محمد، ويزعمون أن الإمام بعد جعفر محمد بن جعفر، ثم هي في ولده من بعده، وهم السميطية نسبوا إلى رئيس لهم يقال له: يحيى بن أبي سميط.
الفرقة الحادية والعشرون من الرافضة: يسوقون الإمامة من علي إلى جعفر بن محمد على ما حكينا عمن تقدم، ويزعمون أن الإمام بعد جعفر ابنه عبد الله بن جعفر، وكان أكبر من خلف من ولده، وهي في ولده، وأصحاب هذه المقالة يدعون العمارية: نسبوا إلى رئيس لهم يعرف بعمار، ويدعون الفطحية: لأن عبد الله بن جعفر كان أفطح الرجلين، وأهل هذه المقالة يرجعون إلى عدد كثير.
فأما زرارة فإن جماعة من العمارية تدعي أنه كان على مقالتها وأنه لم يرجع عنها، وزعم بعضهم أنه رجع عن ذلك حين سأل عبد الله بن جعفر عن مسائل لم يجد عنده جوابها، وصار إلى الائتمام بموسى بن جعفر بن محمد، وأصحاب زرارة يدعون الزرارية ويدعون التميمية.
الفرقة الثانية والعشرون من الرافضة: يسوقون الإمامة وينتهون بها إلى جعفر بن محمد ويزعمون أن جعفر بن محمد نص على إمامة ابنه موسى بن جعفر وأن موسى بن جعفر حي لم يمت ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهذا الصنف يدعون الواقفة لأنهم وقفوا على موسى بن جعفر ولم يجاوزوه إلى غيره، وبعض مخالفي هذه الفرقة
стр. 212
يدعونهم الممطورة وذلك أن رجلاً منهم ناظر يونس بن عبد الرحمن ويونس من القطعية الذين قطعوا على موت موسى بن جعفر فقال له يونس: أنتم أهون عليّ من الكلاب الممطورة فلزمهم هذا النبز.
والقائلون بإمامة موسى بن جعفر يدعون الموسوية لقولهم بإمامة موسى بن جعفر ويدعون المفضلية لأنهم نسبوا إلى رئيس لهم يقال له المفضل بن عمر وكان ذا قدر فيهم، وفرقة من الموسوية وقفوا في أمر موسى بن جعفر فقالوا: لا ندري أمات أم لم يمت إلا أنا مقيمون على إمامته حتى يتضح لنا أمر غيره وإن وضحت لنا إمامة غيره كما وضحت لنا إمامته قلنا بذلك وأنقدنا له.
الفرقة الثالثة والعشرون من الرافضة: يسوقون الإمامة من علي إلى موسى بن جعفر كما حكينا من قول المتقدمين غير أنهم يقولون أن موسى بن جعفر نص على إمامة ابنه أحمد بن موسى بن جعفر.
الفرقة الرابعة والعشرون من الرافضة: يزعمون أن النبي ﷺ نص على علي وأن علياً نص على الحسن بن علي ثم انتهت الإمامة إلى محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر كما حكينا عن أول فرقة من الرافضة، ويزعمون أن محمد بن الحسن بعده إمام هو القائم الذي يظهر فيملأ الدنيا عدلاً ويقمع الظلم والأولون قالوا: إن محمد بن الحسن هو القائم الذي يظهر فيملأ الدنيا عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
واختلفت الروافض القائلون بإمامة محمد بن علي بن موسى بن جعفر لتقارب سنه؛ وذلك أن أباه توفي وهو ابن ثماني سنين - وقال بعضهم: بل توفي وله أربع سنين - هل كان في تلك الحال إماماً واجب الطاعة على مقالتين:
زعم بعضهم أنه كان في تلك الحال إماماً واجب الطاعة عالماً بما يعلمه الأئمة من الأحكام وجميع أمور الدنيا يجب الائتمام والاقتداء به كما وجب الائتمام والاقتداء بسائر الأئمة من قبله.
وزعم بعضهم أنه كان في تلك الحال إماماً على معنى أن الأمر كان فيه وله دون الناس وعلى أنه لا يصلح لذلك الموضع في ذلك الوقت أحد غيره وأما أن يكون اجتمع فيه في تلك الحال ما اجتمع في غيره من الأئمة المتقدمين فلا، وزعموا أنه
стр. 213
لم يكن يجوز في تلك الحال أن يؤمهم، ولكن الذي يتولى الصلاة لهم وينفذ أحكامهم في ذلك الوقت غيره من أهل الفقه والدين والصلاح إلى أن يبلغ المبلغ الذي يصلح هذا فيه.
تم الكلام في الغلاة والإمامية.
واختلفت الروافض أصحاب الإمامة في التجسيم وهم فرق:
منها الهشامية: أصحاب هشام بن الحكم الرافضي يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية وحد طويل عريض عميق طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه لا يوفي بعضه على بعض ولم يعينوا طولاً غير الطويل، وإنما قالوا: طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق، وزعموا أنه نور ساطع له قدر من الأقدار في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وطعمه هو رائحته ورائحته هي مجسته وهو نفسه لون ولم يعينوا لوناً ولا طعماً هو غيره وزعموا أنه هو اللون وهو الطعم وأنه قد كان لا في مكان ثم حدث المكان بأن تحرك البارئ فحدث المكان بحركته فكان فيه وزعم أن المكان هو العرش، وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال له: إن ربه جسم ذاهب جاءٍ فيتحرك تارة ويسكن أخرى ويقعد مرة ويقوم أخرى وأنه طويل عريض عميق لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي قال فقلت له: فأيما أعظم إلهك أم هذا الجبل وأومأت إلى أبي قبيس قال: فقال: هذا الجبل يوفي عليه أي هو أعظم منه، وذكر أيضاً ابن الراوندي أن هشام بن الحكم كان يقول: إن بين إلهه وبين الأجسام المشاهدة تشابهاً من جهة من الجهات لولا ذلك ما دلت عليه، وحكي عنه خلاف هذا أنه كان يقول: إنه جسم ذو أبعاض لا يشبهها ولا تشبهه، وحكى الجاحظ عن هشام بن الحكم في بعض كتبه أنه كان يزعم أن الله إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه الذاهب في عمق الأرض ولولا ملابسته لما وراء ما هناك لما درى ما هناك، وزعم أن بعضه يشوب وهو شعاعه وأن الشوب محال على بعضه، ولو زعم هشام أن الله تعالى يعلم ما تحت الثرى بغير اتصال ولا خبر ولا قياس كان قد ترك تعلقه بالمشاهدة وقال بالحق.
стр. 214
وذكر عن هشام أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل: زعم مرة أنه كالبلورة، وزعم مرة أنه كالسبيكة، وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار، ثم رجع عن ذلك وقال: هو جسم لا كالأجسام، وزعم الوراق أن بعض أصحاب هشام أجابه مرة إلى أن الله على العرش مماس له وأنه لا ينفصل عن العرش ولا ينفصل العرش عنه.
الفرقة الثانية: يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم أنه جسم إلى أنه موجود ولا يثبتون البارئ ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف.
والفرقة الثالثة: من الرافضة الهشامية أصحاب هشام بن سالم الجواليقي - وهو غير هشام بن الحكم - يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحماً ودماً ويقولون: هو نور ساطع يتلألأ بياضاً، وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، له يد ورجل وأنف وأذن وعين وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به، وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم، وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وفرة سوداء وأن ذلك نور أسود.
الفرقة الخامسة: يزعمون أن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمر واحد وليس بذي صورة ولا أعضاء ولا اختلاف في الأجزاء وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان.
والفرقة السادسة: يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس، وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من متأخريهم فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه.
واختلفت الروافض في القرآن وهم فرقتان:
الفرقة الأولى: هشام بن الحكم وأصحابه يزعمون أن القرآن لا خالق ولا مخلوق، وزاد بعض من يخبر على المقالات في الحكاية عن هشام فزعم أنه كان يقول: لا خالق ولا مخلوق، ولا يقال أيضاً غير مخلوق؛ لأنه صفة والصفة لا توصف، وحكى زرقان عن هشام بن الحكم أنه قال: القرآن على ضربين:
стр. 215
إن كنت تريد المسموع فقد خلق الله الصوت المقطع وهو رسم القرآن.
فأما القرآن فهو فعل الله مثل العلم والحركة لا هو هو ولا غيره.
الفرقة الثانية: يزعمون أنه مخلوق محْدث لم يكن ثم كان كما، تزعم المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من المتأخرين منهم.
ومنهم أهل الغلو: ينكرون القيامة والآخرة ويقولون: ليس قيامة ولا آخرة، وإنما هي أرواح تتناسخ في الصور، فمن كان محسناً جوزي بأن ينقل روحه إلى جسد لا يلحقه فيه ضرر ولا ألم، ومن كان مسيئاً جوزي بأن ينقل روحه إلى أجساد يلحق الروح في كونه فيها الضرر والألم، وليس شيء غير ذلك، وأن الدنيا لا تزال أبداً هكذا.
واختلفت الروافض في القرآن هل زيد فيه أو نقص منه: وهم فرق:
منها من يزعم: أن القرآن قد نقص منه، وأما الزيادة فذلك غير جائز أن يكون قد كان، وكذلك لا يجوز أن يكون قد غير منه شيء عما كان عليه، فأما ذهاب كثير منه فقد ذهب كثير منه، والإمام يحيط علماً به، وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
ومنهم القائلون بالاعتزال والإمامة: يزعمون أن القرآن ما نقص منه ولا زيد فيه وأنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ لم يغير ولم يبدل ولا زال عما كان عليه.
واختلفت الروافض في الأئمة هل يجوز أن يكونوا أفضل من الأنبياء:
منهم من يزعم أن الأئمة لا يكونون أفضل من الأنبياء، بل الأنبياء أفضل منهم، غير أن بعض هؤلاء جوزوا أن يكون الأئمة أفضل من الملائكة.
ومنهم من يزعم: أن الأئمة أفضل من الأنبياء والملائكة وأنه لا يكون أحد أفضل من الأئمة، وهذا قول طوائف منهم.
واختلفت الروافض في الرسول ﷺ هل يجوز عليه أن يعصي:
стр. 216
فمنهم من يزعم أن الرسول ﷺ جائز عليه أن يعصي الله وأن النبي قد عصى الله في أخذ الفداء يوم بدر، فأما الأئمة فلا يجوز ذلك عليهم؛ لأن الرسول إذا عصى فالوحي يأتيه من قبل الله، والأئمة لا يوحى إليهم ولا تهبط الملائكة عليهم، وهم معصومون فلا يجوز عليهم أن يسهوا، ولا يغلطوا، وإن جاز على الرسول العصيان، والقائل بهذا القول هشام بن الحكم.
ومنهم من يزعم: أنه لا يجوز على الرسول ﵇ أن يعصي الله ، ولا يجوز ذلك على الأئمة؛ لأنهم جميعاً حجج الله وهم معصومون من الزلل، ولو جاز عليهم السهو واعتماد المعاصي وركوبها لكانوا قد ساووا المأمومين في جواز ذلك عليهم، كما جاز على المأمومين، ولم يكن المأمومون أحوج إلى الأئمة من الأئمة لو كان ذلك جائزاً عليهم جميعاً.
واختلفت الروافض في الإمام هل يعلم كل شيء:
فمنهم يزعم أن الإمام يعلم كل ما كان وكل ما يكون، ولا يخرج شيء عن علمه من أمر الدين ولا من أمر الدنيا، وزعم هؤلاء أن الرسول كان كاتباً ويعرف الكتابة وسائر اللغات، وهذا مخالف لقوله تعالى: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (١) فقد بين الله أنه أمي، والأمي هو من لا يقرأ ولا يكتب.
واختلفت الروافض في الأئمة هل يجوز أن تظهر عليهم المعجزات:
فمنهم من يزعم: أن الأعلام تظهر عليهم، وتهبط الملائكة بالوحي عليهم، ولا يجوز أن ينسخوا الشرائع، ولا يبدلوها ولا يغيروها.
ومنهم من قال: ويجوز أن ينسخوا الشرائع ويبدلوها ويغيروها.
واختلفت الروافض في الإيمان:
فالجمهور منهم يزعمون: أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسوله وبالإمام، وبجميع ما جاء من عندهم، فأما المعرفة بذلك فضرورة عندهم؛ فإذا أقر وعرف فهو مؤمن مسلم، وإذا أقر ولم يعرف فهو مسلم وليس بمؤمن.
стр. 217
هذه بعض طامات الرافضة، وبعض ضلالات فرقها، وهو غيض من فيض، لم نتوسع في ذلك؛ لأن المقصود التحذير منهم إجمالا، فضلالهم بين لكل ذي عقل.
والحمد لله أن ثبتنا على منهج الكتاب والسنة وأبعدنا عن الزيغ والضلال.
تم العمل في هذا الكتاب في يوم الاثنين ١٧/ ٦/ ١٤٣٦ هـ بالمدينة النبوية، سائلا الله أن يُعْظم الثواب لمن كتب، ومن نشر، ومن قرأ، والحمد لله المنعم المتفضل، اللهم صلِ على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين له، وعلينا معهم عدد خلقك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك، ورضى نفسك.