Полный текст (632 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الأول: أن بعض المكلفين غير موجود وقت الخطاب، وقت تنزل القرآن بعض المكلفين غير موجود، بل هو معدوم وخطاب المعدوم محال، لأنه ليس بشيء، المعدوم ليس بشيء، حينئذ كيف يخاطب؟ بعض المكلفين غير موجود وقت الخطاب، يعني إذا نزل قرآن بأمر أو نهي " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة "، المخاطب به من؟ وقت التنزيل المخاطب به الصحابة ﵃، إذن الصحابة مكلفون، هل هم كل المكلفين من أول الدنيا إلى آخرها؟ لا، ليسوا كل المكلفين، غذن هم بعض المكلفين، نزل القرآن وخاطب الرب جل وعلا الصحابة بقوله " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة "، إذن بعض المكلفين حين التنزيل كان موجودا ولا إشكال أن الحكم كان متعلقا بهم، لكن انقرض عهد الصحابة وجاء بعدهم التابعون وبعدهم إلى يومنا إلى أن تقوم الساعة، هؤلاء مكلفون أم لا؟ إن قلتَ: مكلفون، فحينئذ لا يشملهم الخطاب لأنهم لم يثخاطبوا، لأن معنى الخطاب إلى الغير، أن يكون مباشرة، هذا الأصل فيه في لغة العرب، فحينئذ كيف يكون الخطاب الأول الموجه للصحابة، يكون موجها للصحابة وهم موجودون، وشاملا لمن يأتي بعدهم؟! فبعض الأصوليين أراد أن يأتي بحد جامع للصحابة ولغيرهم، لماذ؟ لأن الخطاب كما يشمل الموجود كذلك يشمل المعدوم، لكن بشرطه كما سيأتي. هذا أولا: أن بعض المكلفين غير موجودين في وقت الخطاب وقت تنزيل القرآن. والمعدوم ليس بشيء فحينئذ كيف يخاطب؟ ونريد في الحد حد الحكم الشرعي الجامع للموجودين ولغيرهم بحد واحد منضبط؟ فاضطربت كلمتهم.
السبب الثاني: أن الأصوليين أكثرهم في باب المعتقد لم يكونوا جميعا على عقيدة الأشاعرة والكلابية والمعتزلة إلى آخره، بعضهم ينكر لكلام كلام الرب جل وعلا ويقول بأن هذا القرآن مخلوق، وبعضهم يثبت الكلام النفسي كالأشاعرة والكلابية، فحينئذ كلام الرب جل وعلا وهو خطابه الذي هو الحكم الشرعي عند الأصوليين، هذا معنى قائم بالنفس مجرد عن الصيغة. بسبب هذين الأمرين اضطربت واختلفت كلمة الأصوليين في حقيقة الحد. وسيأتي في موضعه إن شاء الله في (باب الأمر) إثبات فساد كلام الأشاعرة في إثبات الكلام النفسي.
إذن عرفنا أن المصنف هنا – ﵀ – حكم على كثير من الحدود بأنها مضطربة، وهو جاء بحد يرى أنه أسلم الحدود، وهو فيه نوع اضطراب وإيهام أيضا. قال إنه (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا). (أنه) أي الحكم في الاصطلاح عند الأصوليين (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا).
стр. 37
اعلم أولا أن الحكم الشرعي هذا يرد عند الفقهاء ويرد عند الأصوليين، فله مبحثان: مبحث فقهي، ومبحث أصولي، لماذا؟ لأن الأحكام الشرعية يثبتها الأصولي ويثبتها الفقيه أيضا، ولكن الأصولي يثبتها من حيث هي، والفقيه يثبتها من حيث تعلقها بأفعال المكلفين، ولكن النظر للحكم الشرعي من حيث هو عند الأصوليين، ومن حيث تعلقه بفعل المكلف عند الفقهاء. فحينئذ ترتب على هذا الاختلاف النظري، نظر الأصولي في الحكم الشرعي، ونظر الفقيه للحكم الشرعي، اختلفت عبارة الفقهاء مع الأصوليين في حد الحكم الشرعي. ولذلك حد الحكم الشرعي عند الفقهاء – كما عبر عن ذلك صاحب " مختصر التحرير بقوله – مدلول خطاب الشرع، خطاب الشرع الذي هو القرآن والسنة، مدلوه يعني الذي دل عليه، أثر خطاب الشرع هو الحكم الشرعي، مدلول خطاب الشرع هو الحكم الشرعي. فحينئذ قوله: مدلول، يعني ما دل عليه خطاب الشرع، هذا يشمل الأحكام الخمسة عند الفقهاء: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح. خمسة أحكام دخلت في هذا الحد. ويشمل المعدوم والموجود، لماذا؟ لأن خطاب الشرع كما يتعلق – وإن كان هناك فلسفة لبعض المتكلمين، لكن نقول المسألة محسومة شرعا، الله يقول لنبيه ﷺ : " وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " إذن نحتاج أن نختلف؟ لا نحتاج أن يكون في المسألة خلاف لورود النص، هذا القرآن قانون عام لكل مكلف بشروط التكليف كما سيأتي، كل من وجد على وجه الأرض منذ أن نزل إلى أن تقوم الساعة فالقرآن حاكم عليه شاء أم أبى. فحينئذ نقول: قوله مدلول الشرع يشمل الأحكام الخمسة التكليفية عند الفقهاء، ويشمل المعدوم حين تنزل الخطاب، لكن بشرطه، المعدوم مخطاب لا شك في هذا، لكن مخاطب متى؟ بشرطه وهو إذا وُجد مستجمعا لشروط التكليف، يعني " أقيموا الصلاة " هذا موجه للصحابة، والمكلف منهم قد خوطب بهذا النص، من بعدهم مخاطب بهذا النص لقوله تعالى: " لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ "، لكن مطلقا لا، وإنما تعلق به الخطاب تعلقا معنويا، وهو أنه إذا وُجد وولد وساتكمل الشروط واستجمع شروط التكليف حينئذ تعلق به الخطاب. فقوله " اقيموا الصلاة " نقول متعلق بالمكلفين الموجودين ومتعلق أيضا بالمعدومين إذا وُجدوا مستجمعين لشروط التكليف. يسمى عن الأصوليين التعلق الأول (التعلق التنجيزي) إذا كان الخطاب نزل على المكلفين مباشرة وهم موجودون يسمى تعلقا تنجيزيا. وتعلقه بالمعدومين بشرط وجودهم مستكملين لشروط التكليف يسمى تعلقا معنويا. إذن التعلق نوعان تنجيزي ومعنوي. هذا ماذا؟ تعريف الحكم الشرعي عند الفقهاء: مدلول خطاب الشرع.
стр. 38
مدلول خطاب الشرع المراد به كما في قوله تعالى " وأقيمو الصلاة " وجوب الصلاة، هذا لفظ ومدلول، كلام مفيد أليس كذلك؟ مدلوله ماذا؟ وجوب الصلاة. ونفسه الكلام هذا دليل الحكم الشرعي عند الفقهاء وليس هو الحكم الشرعي، إذا قيل " وأقيمو الصلاة " نقول هذا دليل، ثبت به وجوب الصلاة. ما الحكم الشرعي عند الفقهاء؟ " أقيموا الصلاة " أم وجوب الصلاة؟ إذن: مدلول خطاب الشرع، ما دل عليه خطاب الشرع، " وآتوا الزكاة " نقول نفس الـ[ .. ] كلام الله ، هو خطاب مدلوله الذي دل عليه هو وجوب الزكاة. حينئذ عندنا دليل ومدلول، الدليل نفس الخطاب: كلام الله ، المدلول ما دل عليه الخطاب وهو وجوب الصلاة ووجوب الزكاة. نظر الفقيه إلى المدلول لكون بحث الفقيه في أفعال العباد، في أفعال المكلفين، ولا ينظر إلى الشرع إلا بهذا الارتباط، كل شيء يتعلق بفعل المكلفين يكون هو محلا لبحث الفقيه.
أما الأصوليون فلهم نظرة أخرى. قالوا لا، ليس مدلول خطاب الشرع وهو وجوب الصلاة ليس هو الحكم الشرعي، وإنما الحكم الشرعي هو نفس اللفظ. " أقيموا الصلاة " نفسه اللفظ كلام الله هو الحكم الشرعي، وليس مدلوله. إذن اختلفت العبارات أم لا؟ اختلف النظر أن لا؟ اختلف النظر. عند الأصوليين قد يعترض عليهم بماذا؟ بأن يُقال: اتحد الدليل والمدلول، لماذ؟ لأن دليل وجوب الصلاة هو " أقيموا الصلاة "، وجوب الصلاة ثبت بماذا؟ بقوله " أقيموا الصلاة "، يرد عليهم عند بعضهم أنه اتحد الدليل والمدلول، لكن ليس بصواب هذا، اتحد الدليل والمدلول هذا نقول باختلاف النظرين، أن تفرق بين الحكم الشرعي عند الأصوليين وعند الفقهاء، فإذا علمت أن الحكم الشرعي عند الأصوليين هو نفس الخطاب، حينئذ لا يرد عليهم أنه المدلول، وإذا قلت إن الحكم الشرعي عند الفقهاء هو مدلول خطاب الشرع لا يرد عليهم أيضا ماذا؟ أن " اقيموا الصلاة " هو الحكم الشرعي. وعليه نقول: فرق الأصوليون بين الدليل والمدلول، فقالوا الدليل هو الحكم الشرعي، ولذلك عرفون بأن الحكم الشرعي عندهم هو (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به)، وزاد بعضهم (بالاقتضاء أالتقييد أو الوضع).
(خطاب الله) عبر بعضهم بكلام الله، كما قال صاحب المراقي:
كلام ربي إن تعلق بما ... يصح فعلا للمكلف اعلما
من حيث إنه به مكلف ... فذاك بالحكم لديهم يعرف
إذن ثَمَّ فرق بين الأصوليين والفقهاء في تحديد مفهوم الحكم الشرعي.
стр. 39
بعضهم يقول: الإيجاب هذا تعبير الأصوليين، والوجوب هذا تعبير الفقهاء، فإذا قيل أقيموا الصلاة نقول أوجب الله الله الصلاة إيجابا، فوجبت الصلاة وجوبا، فالإيجاب هذا وصف لنفس كلام الله لأنه هو الحكم الشرعي وهو صفة للحاكم، المدلول الذي هو الوجوب هذا ما دل عليه " أقيموا الصلاة "، إذن " أقيمو الصلاة " له نظران، له اعتباران، نظر الأصولي إذلى ذاته فنسبه إلى الله قائله، وهو حكم، والحكم صفة الحاكم، حينئذ قال " أقيموا الصلاة " هو الحكم الشرعي. الفقيه نظر باعتبار تعلقه بفعل المكلف، فقال ما دل عليه اللفظ " أقيموا الصلاة " وهو وجوب الصلاة. إذن نقول كما قال [ ... ] أن الحكم الشرعي عند الأصوليين والحكم الشرعي عند الفقهاء المعبر عنه بالإيجاب والوجوب هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، متحدان بالذات يعني الذات واحدة، وهي كقوله " وأقيموا الصلاة "، مختلفان بالاعتبار بالنظر، إن نسبت هذا اللفظ غلى كونه كلاما لله ، قلتَ هذا إيجاب وهو صفة له وهو حكم شرعي. إن نظرتَ إلى كونه متعلقا بفعل المكلف، فمدلوله وجوب الصلاة، هذا نظر الفقيه، وكلٌ نظر إلى بحثه؛ لأن موضوع أصول الفقه هو الأدلة، فحينئذ ينظر في نفس اللفظ، هذا بحث الأصولي، وموضوع الفقه هو أفعال العباد، فحينئذ ينظر الفقيه بهذا الاعتبار.
هنا ظاهر كلام المصنف الذي أختار أنه أسلم الحدود أنه يميل إلى الحكم الشرعي عند الفقهاء، ولذلك قال قضاء الشرع يعني ما قضى به الشرع، والذي قضى به الشرع هو مدلول خطاب الشرع، فحينئذ يكون هذا الحد على طريقة الأصوليين أم على طريقة الفقهاء؟ نقول الظاهر إنه على طريقة الفقهاء. والأولى أن يعرف بما عرفه جماهير الأصوليين، وهو أسلم الحدود من النقض والاضطراب ما ذكرناه لكم سابقا: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، هذا الحد تضعه بين قوسين وتقول: أسلمها من النقض والاضطراب، وهو أولى مما ذكره المصنف، ونشرحه ثم نأتي على ما ذكره المصنف.
(خطاب الله) خطاب هذا فِعال:
لِفَاعَلَ الفِعالُ والْمُفَاعَلَهْ = وغيرُ ما مَرَّ السماعُ عادَلَهْ
стр. 40
إذن هو مصدر، خطاب: فاعل، خاطب زيدٌ عمرا خطابا ومخاطبة، قاتل زيد عمرا قتالا ومقاتلة، إذن هو مصدر. له معنيان: قد يُنظر إليه بالمعنى المصدري، يعني معناه المصدري ماهو إذا قيل خاطب زيد عمرا؟ وجه الكلامَ إليه. كذلك توجيه الكلام أو اللفظ المفيد إلى الغير لقصد الإفهام نقول هذا هو الخطاب. لكن هل المراد المعنى المصدري هنا؟ نقول: لا، المراد المخاطب به، غذا قيل تلفظ وملفوظ به. التلفظ غير الملفوظ به، الملفوظ به هو الذي تسمعه، والتلفظ هو الذي تراه من حركة اللسان ونحوه، فالتكلم والتكليم غير الكلام ز أليس كذلك؟ تصور معي: التكليم هو فعل وإصدار الكلام، حركة اللسان من مخارجه إلى آخره نقول هذا تكليم، إذن معناه المصدري هو إخراج الكلام، المعنى المراد من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول هو ما تسمعه، فالكلام غير التكليم والملفوظ به غير التلفظ وغير الللفظ. الخطاب هو توجيه الكلام غلى الغير لقصد الإفهام، هل هو مراد هنا؟ نقول لا، بل المراد به المخاطب به، فحينئذ يكون في الكلام أو في التعريف هنا مجاز مرسل من إطلاق المصدر وغرادة اسم المفعول. بعضهم عدل عن هذه العبارة فقال: كلام الله، لماذا؟ لأنهم يختلفون في الخطاب هل يسمى في الأزل كلاما أم لا ن فعدل صاحب المراقي إلى قوله: كلام ربي .. إلى آخره، إذن عرفنا أن المراد بالخطاب هنا المخاطب به، وليس المراد به المعنى المصدري الذي هو توجيه الكلام إلى الغير. خطاب هذا جنس في التعريف، فيشمل خطاب الله ، ويشمل خطاب الرسول صلى الله عليه سلم، ويشمل خطاب الإنس للإنس والجن للإنس والعكس والملائكة إلى غيره. لكن المراد هنا: خطاب الله، فبإضافته للفظ الجلالة خرج خطاب الإنس لبعضهم وخطاب الملائكة وخطاب الرسول ﷺ . لمذا؟ لأن الإضافة قيد، الإضافة نسبة تقييدية، إذا قيل: جاء غلامٌ، يحتمل أنه غلام امرأة ويحتمل أنه غلام ارجل، فإذا قلتَ: جاء غلام امرأة، تخصص أو لا؟ تخصص. فإذا قلتَ جاء غلام هند ازداد تخصيصا. هنا إقا قيل: خطاب الله، أضيف إلى المعرفة فاكتسب التعريف، فحينئذ نقول هذا قيد أول احترز به المصنفون وأرباب الأصول عن خطاب غير الله ، لماذا؟ لأننا نعرف الحكم الشرعي، ومصدر الحكم الشرعي من؟ الله ! " إن الحكم إلا لله "، إذن لا حاكم إلا الله، " والله يحكم لا مقب لحكمه "، " وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ " إلى آخر الآيات الدالة على أن الحكم محصور في الرب جل علا، فلا حاكم إلى الله، وكل تشريع من سواه فهو باطل مردود على أهله ز
стр. 41
ورد إشكال: إذا قيل: الحكم الشرعي خطاب الله كلام الله ، الأحكام الشرعية نقول في الفقه مثلا: تستمد الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وعند من صحح فعل الصحابي وقول الصحابي والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا إلى آخره، إذا حصرنا الأحكام الشرعية بكونها مأخوذة من القرآن فحسب، أو بكونها كلام الله فحسب حينئذ خرج كثير من الأحكام التي ثبتت بالسنة، والتي ثبتت بالإجماع، والتي ثبتت بالقياس، فحينئذ يكون هذا الحد غير جامع لأن ثم أحكام ثابتة بالسنة وهي أحكام شرعية، وثم أحكام ثابتة بالإجماع وهي أحكام شرعية، وثم أحكام ثابتة بالقياس وهي أحكام شرعية. وإذا قلنا الحكم الشرعي محصور في خطاب الله صار الحد غير جامع. الجواب عن هذا نقول:
أولا: بالمنع، نمنع أن هذه المصادر مصادر الاقتباس للأحكام الشرعية نمنع كونها خارجة عن الحد، لماذا؟ أولا لأن خطاب النبي ﷺ راجع إلى خطاب الله ، لذلك قال المصنف: والرسول ﷺ مبلغٌ ومبين لما حكم به " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ " أليس كذلك؟ وجميع ما في السنة داخل في قوله تععالى – كما نص أهل العلم -: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "، " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ "، " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " إلى آخر الآيات الدالة على أن طاعة الرسول ﷺ طاعة لله، وعلى أنا ما جاء به الرسول ﷺ مما جاء به الرب جل وعلا، حينئذ لا غشكال، فكل حكم شرعي ثبت بالسنة بخطاب النبي ﷺ ، نقول: السنة كاشفة للخطاب الإلهي الأصلي، وهو كونه وحيا، لقوله تعالى " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى "، إذن كل ما ثبت في السنة فهو داخل في القرآن فلا إشكال، فإذا قيل خطاب الله يشمل السنة كما يشمل القرآن.
ما ثبت من الأحكام الشرعية بدليل الإجماع نقول: معلوم اتفاق أهل الإجماع أن الإجماع لا بد له من مستند يستند عليه، وهو كتاب أو سنة، حينئذ رجع إلى خطاب الله.
ما ثبت بالقياس نقول: هذا لا بد له من أصل يعتمد عليه القائس، الأيس كذلك؟ المجتهد الآن عندما يجتهد لا بد أن ينقل حكم المعلوم إلى الفرع المجهول، المعلوم لا بد الذي هو الأصل الذي قيس عليه، لا بد أن يكون ثابتا بدليل شرعي. فإذا ثبت بالقرآن لا إشكال، فإذا ثبت بالسنة أرجعنا السنة إلى القرآن، فإذا ثبت حكم الأصل بالإجماع أرجعنا الإجماع إلى الأصل. حينئذ نقول لا تخرج هذه المصادر عن كونها خطاب الرب جل وعلا. إذن خطاب الله شامل للسنة ومشامل للإجماع وشامل للقياس. بعضهم عدل هذه العبارة، إذا تسليم الحل، نقول: خطاب الشرع أو قضاء الشارع كما قال هنا، لكن لا نعبر بالقضاء نقول خطاب الشارع أو خطاب الشرع، وإطلاق الشارع على الله من باب الإخبار لا من باب أنه اسم من أسمائه جل وعلا، لقوله تعالى " شرع لكم من الدين ... "، حينئذ لا بأس من إطلاقه، فقيل الشارع هو الله ن وقيل أيضا الشارع هو النبي ﷺ .
стр. 42
يرد إشكال فيما اجتهد فيه النبي ﷺ ، ولم يكن له أصل في الكتاب، لأن السنة كما هو معلوم إما مؤكدة وإما مؤسسة، مؤسسة غذا قلنا " وما ينطق عن الهوى " حينئذ النبي ﷺ قد يجتهد في بعض المسائل فلا تكون موجودة في الكتاب، فهل النبي ﷺ مشرع استقلالا؟ نقول: لا، ما اجتهد فيه النبي ﷺ ووافق الصواب وافق الحق حينئذ نستدل بإقرار الرب جل وعلا على هذا الحق، فهو مرجوع إلى خطاب الله ، وما اجتهد فيه النبي ﷺ وكان خلاف الأولى فحينئذ لا بد ان يأتي الوحي بالتصحيح والإرجاع إلى الصواب. لذلك لما سُئل النبي ﷺ عن الشهادة هل تكفر كل شيء؟ قال نعم، ثم دعا السائل فقال له: إلا الدين أخبرني به جبريل آنفا. فدل على مذا؟ النبي ﷺ قد يجتهد ثم يُصحح من السماء.
إذن (خطاب الله المتعلق)، عرفناأن المراد بخطاب الله هو كلام الله اقلرآن، وجميع المصادر الأخرى راجعة إلى القرآن، خطاب الله متنوع، منه ما يتعلق بذاته، منه ما يتعلقبأسمائه وصفاته ن منه ما يتعلق بأفعال المكلفين ن منه ما يتعلق بذوات المكلفين، منه ما يتعلق بالجمادات، منه ما يتعلق بالبهائم، ونحو ذلك، إذن ليس على وتيرة واحدة، ما هو الحكم الشرعي من هذه المسائل كلها؟ قال: (المتعلق بفعل المكلف) هذا احترازا عن خمسة أشياء، لأن خطاب الله أنواع، فأخرج قوله (المتعلق بفعل المكلف) خطاب الله المتعلق بذاته جل وعلا كقوله تعالى " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ "، هذا خطاب الله أم ماذا؟ خطاب الله، هل هو حكم شرعي؟ من حيث اللفظ نقول لا ليس بحكم شرعي، لأن متعلقه عند الأصوليين ليس بفعل المكلفوإنما بذاته جل وعلا فلا يسمى حكما شرعيا عند الأصوليين. خرج ما يتعلق بصفاته جل وعلا " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ "، " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى "، " وهو السميع البصير "، " إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا "، نقول هذا خطاب الله القرآن، لكن ليس متعلقا بفعل المكلف، وإنما تعلق بصفاته جل وعلا وأسمائه. الثالث ما تعلق بفعله كقوله " الله خالق كل شيء "، الرابع ما تعلق بذوات المكلفين لا بأفعال المكلفين، بذات المكلف " ولقد خلقناكم ثم صورناكم "، " خلقكم من نفس واحدة "، هذا متعلق بماذا؟ بالذات لا بالفعل الذي هو ثمرة الكسب والإرادة عن المكلف. خامسا خرج ما تعلق بالجمادات " يوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة "، نقول هذا خطاب الله هل هو حكم شرعي؟ نقول لا، في الاصطلاح ليس بحكم شرعي، لماذا؟ لأنه وإن كان خطاب الله وإن كان كلام الله غلا أنهليس متعلقا بفعل المكلف، وإنما تعلق بالجمادات. زاد بعضهم سادسا: المتعلق بالبهائم " يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ "، " والطيرُ "، قراءتان، " الطيرَ " منادى، هذا خطاب موجه إلى الطير، هل ننقول هو حكم شرعي؟ الجواب لا لأنه خطاب متعلق بالبهائم.
إذن خطاب الله انواع، كونه المتعلق بفعل المكلف أخرج الخمسة التي ذكرناها أو الستة.
стр. 43
ما المراد بـ (المتعلق)؟ التعلق المراد به الارتباط، يعني يأتي خطاب الله مبينا وكاشفا ورافعا لصفة فعل المكلف، هل هو مطلوب الفعل أو لا، هل هو مطلوب الترك أو لا، هل هو مأذون فيه أو لا. لأن فعلك أنت من ذهابك وإيابك، المشي القيام القعود، الكلام الاعتقاد النية،، كل الأفعال التي يمكن ان تصدر عن الإنسان نقول: هذه الإنسان ليس حرا فيها ن بل هي محكومة من سابع سماء، لماذا؟ لأنك عبد " وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون "، فحينئذ العبادة حاصرة للإنسان في كل وقته وفي كل أنفاسه، فكون خطاب الله متعلقا بمعنى أنه مرتبط ن وهذا الخطاب وهذا النص تعلقه ومفهومه ومدلوله وحديثه وكلامه عن فعل من أفعال المكلقين، من أي جهة؟ من كونه هذا الفعل هل هو مطلوب منك إيجاده، لا بد ان تتي به، على جهة الجزم أو الاستحباب، هل هو مطلوب الترك؟ لا بد أن تتركه جزما أو [ .. ]، هل أنت مخير فيه بين الفعل والترك؟
إذن (المتعلق) لا بد أن تدرك معنى المتعلق بمعنى المرتبط، وفسر بعضهم المتعلق الذي من شأنه أن يتعلق، يعني تسمية للشيء بما يؤول إليه، وهو نوع من أنواع المجاز المرسل عند البيانيين.
قال (المتعلق بفعل المكلف) هذان لفظان (فعل) و (مكلف).
من هو المكلف؟ الآدمي البالغ العاقل غير الملجئ بشرطه. م
االمقصود بفعل المكلف؟ الفعل له إطلاقان: إطلاق لغوي، وإطلاق عرفي اصطلاحي عند الأصوليين، وهو متعَلَّق الخطاب أو الحكم الشرعي عندهم.
стр. 44
أما في اللغة فالفعل ما يقابل القول والاعتقاد والنية. إذا نظرنا في حال الإنسان إما أن يفعل فعلا صريحا، كالسرقة والزنا – والعياذ بالله – أو يمشي أو يجلس أو يقوم فيصلي، نقول هذا فعل ظاهر صريح. وإما أن يقول قولا، وإما أن ينوي، وإما أن يعتقد اعتقادا وإما أن يترك. هذه خمسة أشياء ولا سادس لها، هذا الذي يمكن أن يصدر من الإنسان. قلنا: الفعل في اللغة ما يُقابل القول والاعتقاد والنية، إذن ما هو؟ الفعل الصريح، الفعل في اللغة هو الفعل الظاهر الصريح من الإنسان كالمشي والقيام والقعود. أما القول فلا يسمى فعلا في اللغة، وأما الاعتقاد فلا يسمى فعلا في اللغة، وأما النية فلا تسمى فعلا في اللغة. وهذا من جهة النفي في اللغة فيه إشكال لأنه ثبت في الشرع. أما في الاصطلاح عند الأصوليين والعرف فالفعل: كل ما يصدر عن المكلف، فهو فعل، وتتعلق به قدرته من قول أو فعلا او نية أو اعتقاد. أربعة أمور كلها تسمى أفعالا عند الأصوليين ن وهي محل تعلق خطاب الله تعالى للحكم الشرعي، فنقول ماذا؟ هل سميى الفعل الصريح فعلا، نقول لا إشكال فيه، لأنه متفق عليه عرفا ولغة، فالسرقة تسمى فعلا والمشي يسمى فعلا لغة واصطلاحا، هل يسمى القول فعلا؟ نقول نعم يسمى القول لغة ونفيه في اللغة هذا فيه غشكال لأنه ورد في القرآن قال جل وعلا: " زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ "، أطلق الفعل على القول، غذن يسمى القول فعلا ن هل يسمى الاعتقاد والنية هل تسمى فعلا او لا؟ نقول نعم تسمى فعلا، بدليل مؤاخذة الشرع بها، جاء في النص قوله ﷺ : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " القاتل هذا فعلا فعلا صريحا ن والمقتول ما فعل شيئا، قالوا: يار سول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ فعل فعلا صريحا فأخذ به، إذن الجزاء المترتب كونه في النار مترتب على فعل صريح أما المقتول هاذا ما فعل شيئا ن فقال ﷺ : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه ". لإذن العزم المصمم والنية الجازمة والإرادة الجازمة هذه تسمى فعلا؛ لأنه لا تكليف إلا بفعل كما سيأتي.
ما وجه الاستدلال؟
نقول: كون المؤاخذة مركبة على العزم المصمم والإرادة الجازمة، ولا غثم غلا على فعل. فحينئذ دل على أن العزم المصمم هذا فعل. ماذا بقي؟ الترك.
الترك هذا مختلف فيه عند الأصوليين، هل يسمى فعلا أم لا؟ والأصح والأرجح أنه فعل. ولذلكقال صاحب المراقي:
ولا يكلف بغير الفعل .. باعث الأنبيا ورب الفضل
فكفنا في النهي مطلوب النبي .. والكف فعل في صحيح المذهب
قال عبر عن الترك بالكف لأن الترك نوعان: مطلق ترك، ليس فيه حبس للنفس، هذا أمر عدمي لا يتعلق به التكليف، وهناك ترك مع كف نفس يعني يمنع نفسه من الداخل، فهذا يسمى كفا ويسمى تركا، لكن يسمى كفا لأنه أخص من مطلق الترك. هذا هو الذي هو متعلق التكليف، هل يسمى فعلا في الشرع وهل تترتب عليه الأحكام من جهة الثواب والعقاب أو لا؟ نقول: الصواب: نعم، والكف فعل في صحيح المذهب، الدليل على هذا من الكتاب والسنة واللغة.
стр. 45
أما الدليل من الكتاب فقوله جل وعلا: " كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " هو ترك التناهي عن المنكر، وهذا ترك، فسماه فعلا " لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " والصنع أخص مطلقا من الفعل. كل صنع فعلا ولا عكس، لأن الصنع فعل وزيادة، كونه على هيئة معينة، وإذا ثبت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، حينئذ " لبئس ما كانوا يصنعون " نقول هذا أخص من مطلق الفعل، وثبوت أو إثبات الأخص يستلزم ثبوت أو إثبات الأعم.
من السنة قوله ﷺ : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "، قال " من سلم " وهو كف الأذى، كف الأذى إسلام أو لا؟ إسلام، ترتب عليه الثواب أو لا؟ يترتب عليه الثواب، حينئذ سمي الكف فعلا، سمي إسلاما.
أما من اللغة فقول الراجز، وهو من الصحابة:
لئن قعدنا والنبي يعمل .. لذاك منا العمل المضلَّلُ
(لئن قعدنا) يعني ترك مساعدة النبي في حفر الخندق، تركنا العمل مع النبي ﷺ ، (لذاك منا) الذي هو القعود (العمل المضلل) فسماه الصحابي (العمل المضلل) إذن هو فعل.
إذن نقول الفعل اصطلاحا: كل ما يصدر عن المكلف وتتعلق به قدرته، لماذ تتعلق به قدرته عنا؟ احترازا من المُلجأ الذي ألجئ إلى فعل ليس له قدرة واختيار في دفعه، أُخذ برمته وألقي من أعلى الشاهق على شخص فمات، هذا يثسمى المُلجأ، هل هو قاتل؟ لا ليس بقاتل بالإجماع، بالاتفاق أنه ليس مكلفا، فليس بآثم وليس بقاتل، فحينئذ نقول: هذا الذي لم تتعلق قدرته بالفعل، غير مراد هنا بالتكليف، لو قلنا مكلف لوجب إدخاله في الحد هنا (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف). إذن الفعل في الاصطلاح هو المراد هنا في الحد: كل يصدر عن المكلف وتتعلق به قدرته من فعل أو قول أو اعتقاد أو نية أو كف. هذه خمسة اشياء.
المكلف قلنا نفسره بماذا؟ البالغ العاقل، ولا نقول المكلف من تعلق به التكليف؛ لأنه يلزم علينا الدور وهو ممتنع. من هو المكلف؟ من تعلق به الحكم الشرعي. والحكم الشرعي يتعلق بمن؟ بالمكلف، هذا يسمونه ماذا؟ الدور، وهذا ممتنع، إذا كان أحدهما لا يفسر إلا بالآخر يسمى دورا عنده.
قال (بفعل المكلف)، بعضهم يقول (بأفعال المكلفين) بالجمع، وهذا ليس بسديد، لماذا؟ لأن الحكم الشرعي قد يتعلق بفعل مكلف واحد، كخصائص النبي ﷺ ، زواجه بأكثر من أربع حكم شرعي أم لا؟ حكم شرعي، هل تعلق بأفعال المكلفين؟ ها؟ لا لم يتعلق بأفعال المكلفين، وإنما تعلق بفعل مكلف واحد. كذلك ما ورد من إجزاء الـ[ .. ] لأبي بردة في الأضحية هذا خاص به ولا يتجاوز إلى غيره على قول الجمهور. حينئذ (بفعل المكلف) نقول ناتي بالواحد ولا نأتي بالجمع للدلالة على أن بعض الأحكام الشرعية قد تتعلق بفرد واحد أو بفعل مكلف واحد كخصائص النبي ﷺ .
قال (بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع) هذا ليبين لك أن الحكم الشرعي نوعان، حكم تكليفي وحكم وضعي. قوله (بالاقتضاء أو التخيير) هذا تضع بين قوسين أنه حكم تكليفي، (أو بالوضع) هذا حكم وضعي.
стр. 46
قوله (بالاقتضاء) هذا جار ومجرور متعلق بفوله (خطاب الله تعالى المتعلق بالاقتضاء)، أخرج ما تعلق بفعل المكلف لا من حيث أنه مكلف به وإنما من حيثية أخرى، قوله جل وعلا: " والله خلقكم وما تعملون " هذا (خطاب الله تعالى متعلق بفعل المكلف) أليس كذلك؟ إذن يصدق عليه الحد إلى هنا، لكن هل هو مطلوب الفعل أو الترك أو مخير في الفعل والترك؟ لا، وإنما من حيثية اخرى وهي الإخبار بأن أفعال العباد مخلوقة، " يعلمون ما تفعلون " هذا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لكن لا من حيث أنه مكلف يعني مطلوب الفعل أو مطلوب الترك أو مخير بين الفعل والترك، وإنما من حيثية اخرى وهو أن الحفظة تعلم فعل أو أفعال المكلفين. " ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون " قالوا فيها ما قيل في الأول، إذن قوله: (بالاقتضاء أو التخيير) هذا مخرج لخطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث غنه مكلف به بل من حيثية أخرى.
(بالاقتضاء) المراد بالاقتضاء هو الطلب، يعني يُطلب الفعل أو يُطلب الترك من المكلفين، وعليه نقول الطلب نوعان: طلب فعل إيجاد شيء، قم، افعل مثلا، طلب ترك، لا تفعل، وطلب الفعل هذا إما أن يكون على وجه الجزم أو لا. إذا طلب الشارع فعلا من المكلفين إما أن يطلبه على وجه الجزم والقطع بأن يرتب الوعيد على الترك، كقوله: " أقيموا الصلاة " نقول هذا خطاب الله تعالى متعلق بفعل المكلفين على جهة اقتضاء الطلب مع الجزم بحيث لا يجوز لهم ترك المأمور به، فإن تركوا تعلق بهم الوعيد. هذا يسمى: إيجابا. نفس النص " أقيموا الصلاة " يمسى إيجابا. طلب الفعل إن لم يكن مع جزم بأن جوز له ترك الفعل هذا يسمى ندبا والفعل الذي تعلق به الندب يسمى مندوبا. إذن هذان نوعان: إيجاب وهو حكم الشرع ن والفعل الذي تعلق به الإيجاب يسمى واجب، النوع الثاني الندب والفعل الذي تعلق به الندب يسمى مندوبا. هذا النوع الأول مطلوب الفعل.
الثاني: مطلوب الترك كقوله " لا تقربوا الزنا " هذا إما أن يكون مع الجزم أو القطع، بان رتب الوعيد والعقاب على الفعل، هذا يسمى تحريما، والفعل الذي تعلق به يسمى حراما أو محرما. فإن كان طلب الترك لا مع الجزم بأن جوز له ارتكاب الفعل ولم يرتب العقاب على الفعل هذا يسمى كراهة والفعل الذي تعلق به يسمى مكروها. إذن أربعة احكام دخلت في قوله (بالاقتضاء).
بقي الحكم الخاص، حكم تكليفي ن وهو الإباحة دخل بقوله (أو التخيير)، و (أو) هذه للتنويع والتقسيم وليست للشك، لأن (أو) التي للشك لا يجوز إدخالها في الحدود.
ولا يجوز في الحدود ذكر أو .. وجائز في الرسم فادرِ ما رووا
حينئذ نقول (أو) هذه للتنويع والتقسيم، (أو التنخيير) يعني استواء الطرفين؛ إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل، نقول هذا حد الإباحة، إذن بهاتين الكلمتين (بالاقتضاء أو التخيير) نقول: شمل الحكمَ التكليفي بأنواعه الخمسة، أدخل الحكم التكليفي بأقسامه الخمسة. الحكم التكليفي – كما سيأتي – بالاتفاق أنه يشمل الإيجاب والتحريم، هذا لا إشكال فيه، وإنما وقع نزاع في الندب والكراهية، هل هما من الحكام التكليفية أم لا؟ الصواب أنهما من الأحكام التكليفية وسيأتي.
стр. 47
الحكم الخامس وهو الإباحة، هل هو حكم تكليفي أم لا؟ يكاد يكون إجماع أنه ليس بحكم تكليفي، إذن إذا لم يكن حكما تكليفيا لماذا أدخله في حد الحكم الشرعي؟ هو حكم شرعي وليس بحكم تكليفي، ولذلك يتنبه طالب العلم أن نفي الأصوليين عن الإباحة كونها حكما تكليفيا لا يلزم من ذلك أن تكون الإباحة ليست حكما شرعيا، بل هي حكم شرعي، وحديثنا الآن في التعريف هل هو من حيث الحكم الشرعي التكليفي فقط أم الحكم الشرعي من حيث هو؟ الحكم الشرعي من حيث هو، حينئذ نقول: إدخال التخيير هنا والمراد به الإباحة لا إشكال فيه أما عدها دون ذكرها في الحد يعني هكذا لو قال قائل: الأحكام التكليفية خمسة، دون النظر إلى حد الحكم الشرعي، فقال خمسة: الإيجاب وكذا وكذا والإباحة، نقول: ذكر الإباحة في ضمن الأحكام التكليفية هذا من باب التسامح والتوسع في العبارة، هكذا ذكر بعضهم، وبعضهم يرى – وهو أحسن – أن الأحكام التكليفية ذُكر فيها الإباحة لن متعلق الإباحة هو المكلف، لأن البهيمة فعلها لا يوصف بكونه مباحا، المجنون الذي لا يتعلق به التكليف لا يسمى فعله مباحا، وإنما هي حكم شرعي، وحينئذ إذا كانت حكما شرعيا كانت خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، والمجنون ليس مكلفا، ففعله ليس مباحا، والصبي بنوعيه المميز وغير المميز ليس مكلفا إذن فعله ليس مباحا، إذن ذُكرت ليس من باب التسامح والتوسع والتساهل، وإنما لكون متعلق الإباحة فعل المكلف، فبالنظر لهذه العلة ذُكرت ضمن أحكام الشرع التكليفية.
(أو بالوضع) هذا لذكر الحكم الثاني وهو الوضع ن المراد بالوضع الجعل، وهو كون الشرع وضع علامة للدلالة على شيء آخر، لكونه إما سببا له، أو شرطا له، أو مانعا، أو كون الفعل صحيحا أو فاسدا، أو وُصف بالأداء أو بالقضاء أو بالإعادة كما يعبر بعضهم ويعمم الحكم الشرعي الوضعي. ولكن اتفق الأصوليونن على أن الأسباب والشروط والموانع أحكام تكليفية، هذا باتفاق، واختلفوا في الصحة والفساد والقضاء والرخصة والعزيمة والأداء والإعادة، هذه أحكام تكليفية ام لا؟ والصواب أنها ليست أحكاما تكليفية وإنما محصورة في الثلاثة كما سيأتي بيانه.
إذن عرفنا الخلاصة أن الحكم الشرعي قسمان: حكم شرعي تكليفي، وهذا يدخل تحته خمسة أحكام، وحكم شرعي وضعي، هذا يدخل تحته ثلاثة أقسام: الشروط والأسباب والموانع.
ثم خطاب الوضع هو الواردُ ... بأن هذا مانع أو فاسد
أو ضده أو أنه قد أوجبا .. شرطا يكون أو يكون سببا
стр. 48
كون الزوال سببا لوجوب الصلاة، نقول هذا حكم وضعي لماذا؟ لأنه لست مكلفا بتحصيل الزوال، هل هو كإيجاب الصلاة وإيجاب الزكاة ونحوها؟ نقول لا، ليسا متساويين، المراد بالحكم الشرعي التكليفي أن يكون الفعل صادرا من المكلف، أن يسعى المكلف في تحصيل ما أمر به أو نهي عنه، أما الحكم الشرعي الوضعي فهذا من وضع الرب جل وعلا، هذا من وضع الرب جل وعلا، كون الحيض مانعا من الصلاة نقول هذا حكم وضعي، إذا وُجد الحيض مُنعت المرأة من اصلاة، غذن هو مانع أو سبب أو شرط؟ نقول: مانع. هل بيدها أن تأتي بالحيض؟ لا ليس بيدها هذا هو الأصل، إذن جُعل الحيض علامة من الرب، إذا وجد هذا السبب الذي هو من فعل الرب جل وعلا أول إذا وُجد ترتب عليه الحكم التكليفي وهو تحريم والصوم. إذن هذا هو حد الحكم الشرعي عند الأصوليين ن وهو أولى ما يُذكر من الدود وعليه جماهير الأصوليين، بأنه (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع).
هنا قال أنه (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نُطقا أو استنباطا) وهذا كما ذكرتُ سابقا أنه يميل إلى حد الحكم الشرعي عند الفقهاء، يعني يميل إلى مذهب الفقهاء، وأولى ما يُعرف به مذهب الفقهاء بأنه مدلول خطاب الشرع، فرق بين أن يُقال: الحكم الشرعي خطاب الشرع، وبين أن يقال الحكم الشرعي مدلول خطاب الشرع.
هنا قال: والحكم قيل فيه حدود أسلمها من النقض والاضطراب أنه قضاء الشارع، أتي بقضاء لماذا؟ لإظهار المناسبة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي. ذكرنا أن القضاء يسمى قضاء لمنعه، إذن وُجد المعنى اللغوي في المعنى الاصطلاحي، وهذا لا بد من ذكره، ليس ثم تباين وتغاير تام بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ليس بينهما تغاير أبدا، فإما أن يأتي العرف فيخصص أو يعمم، وإما أن يأتي الشرع فيخصص أو يعمم، والأكثر التخصيص، الأكثر أن يكون اللفظ في اللغة معناه عاما ثم يأتي الشرع فيخصص إلا في مسألة واحدة وهي مسألة الإيمان، معناه لغة التصديق، لكن معناه في الشرع مركب من ثلاثة أركان، يعني ليس الإيمان الشرعي هو تصديق القلب فحسب، بل جعل هو ركن وجعل القول ركن وجعل العمل الظاهر ركن في الإيمان فإذا فات واحد من هذه الأركان فات الإيمان على مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 49
قال: (قضاء الشارع) إذا أتى بقوله قضاء للدلالة على العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، قضاء الشارع المراد به حكم الشارع، وذكرنا أنه إذا قيل حكم الله في المسالة بالوجوب بمعنى أنه قضى فيها بالوجوب ومنع من المخالفة، قضاء الشارع نقول فيه أنه جرى على الحكم عند الفقهاء من أنه أثر خطاب ومدلوله وليس الخطاب نفسه كما هو عند جمهور الأصوليين، فكأنه فصل وميز بين الدليل الشرعي وبين الحكم الشرعي الذي دل عليه ذلك الدليل، إذن " أقيموا الصلاة " عند الفقهاء دليل وليس بحكم، وجوب الصلاة مدلول ذلك الدليل وليس بدليل، وأما عند الأصوليين " أقيموا الصلاة " هذا حكم شرعي وهو الدليل نفسه. لإذن اتحد الدليل والمدلول عند الأصوليين، (قضاء الشارع) قلنا أضاف الشارع لما ذكرناه في خطاب الله ، للدلالة على أنه لا حكم إلا لله ، وأكثر ما قيل في ذاك الحد قاله هنا. والشارع هذا قلنا يستعمل استعمال الأخبار يعني ليس اسما من أسماء الله ، ويجوز إطلاقه على النبي ﷺ ، لأنه أيضا مشرع من حيث إنه موافق لخطاب الرب جل وعلا وليس بخارج عنه.
قضاء الشارع على المعلوم: يعني على شيء معلوم، معلوم هذا عند الأصوليين كما سيأتي أنه لفظ عام لا أعم منه، يعني إذا قيل اللفظ منه خاص ومنه عام، ثمَّ خاص لا أخص منه، وثم عام لا أعم منه، أعلى كلمة يدخل تحتها ساشر الموجودات، قالوا لفظ المعلوم، لأنه يشمل المعدوم والموجود، وكل ما وُجد فهو داخل تحت لفظ الموجود، والمعدوم كل ما ليس بموجود، إذن المعلوم يشمل الموجود والمعدوم، أليس كذلك؟ لذلك نقول: الله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون لأن متعلق العلم أعم.
(على المعلوم) يعني على شيء معلوم وجودات وعدما، على شيء معلم وجودا وعدما، لأن المعلوم عام لا أعم منه فيشمل الموجود الآن ومن سيوجد، فيشمل المكلف بالفعل والمكلف بالقوة، لو قال متعلق بفعل المكلفين لكان أولى من فعل المعلوم، أيهما أوضح؟ الأول، وليس بهذا، هو يقول أسلمها من النقض والاضطراب، نقول هذا فيه نوع إيهام لماذا؟ لأن المعلوم هذا يحتاج إلى تأمل أكثر من قوله المتعلق بأفعال المكلفين. إذن (على المعلوم) قلنا يشمل الموجود والمعدوم، يعني المكلف بالفعل والمكلف بالقوة، الوصف للشيء عند أهل المنطق ونحوهم قد يوصف كونه موجودا بالفعل، وقد يوصف كونه موجودا بالقوة، كيف؟ قالوا بالفعل يعني أنه الآن متصف بهذا الوصف، أنت جالس أليس كذلك؟ هو الآن متصف بصفة الجلوس، طيب الآن صفة الجلوس كائنة فيه، أليس كذلك؟ نقول هو جالس بالفعل، وهو أيضا في نفس الوقت قائم، تصدقون؟ نعم صحيح، هو قائم لأنه قائم بالقوة، لأنه لو أراد أن يقوم الآن قام مباشرة، يعني لا يمتنع أن يقوم، حينئذ وصف بالقيام بالقوة لأنه لو أراد ووُجدت النية وانتفى المانع لصار قائما، وكونه متصفا بالجلوس نقول هذا بالفعل، أنت الآن مستيقظ لأنه الآن مستيقظ وليس بنائم، لكنك نائم بالقوة [يضحك الشيخ]، لأنه ينام لو أراد أن ينام.
стр. 50
إذن قوله (على المعلوم) يشمل الموجود والمعدوم، يعني يشمل المكلف بالفعل والمكلف بالقوة، المكلف بالقوة مثل المعدوم الذي سيولد فإذا استجمع شروط التكليف صار مكلفا. الطبيب مكلف أو لا؟ هو موجود مخلوق، مكلف أو لا؟ إن قلت مكلف أخطأت، إن قلت غير مكلف أخطأت، على الكلام هذا، فنقول هو ليس مكلفا بالفعل وهو مكلف بالقوة، لأن مآله أن [ ... ] ز
(على المعلوم بأمر ما) هذا متعلق بفوله (قضاء لأمر ما) هذا يريد ما ذكرناه أولا (بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع) وذاك أوضح من هذا التعريف (بأمر ما) نقول أنها نكرة صفة أي بأمر، أي أمر، وهذا الأمر على ما ذكرناه سابقا، إما طلب أو تخيير أو وضع، والطلب إما طلب فعل وإما طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو ليس بجازم. إذن قوله ٠ بأمر ما) أراد أن يوضح التعريف واختار تعريف أسلم وأوضح من ذلك التعريف المشهور فأتى بهذه العبارة، إذن نقول هو نفسه بهذه العبارة ليس سالما من النقض والاضطراب. (بامر ما) إذن فهو شامل لنوعي الحكم الشرعي التكليفي والوضعي، (نطقا أو استنباطا) هذا حال قوله (قضاء الشارع) أو تمييز. قضاء الشارع - حكم الشارع: قد يكون ماخوذا من نطق، يعني دلالة الللفظ على الحكم الشرعي منطوقة، " فلا تقل أف " تحريم التأفيف مأخوذ من النص ما دل عليه اللفظ في محله، نقول هذا تحريم للتأفيف مأخوذ من النص. طيب ضرب الوالدين محرم أو لا؟ محرم لا إشكال بل هو أولى بالتحريم من التأفيف. ما الدليل عليه؟ نفس الآية " فلا تقل لهما أف " من جهة الاستنباط من جهة التأمل من جهة التدبر من جهة قياس الضرب على التأفيف من باب الأولى أو ما يسمى بقياس الأولى نظرنا فيه فاستنبطنا من هذا الدليل ماذا؟ تحريم التأفيف دل عليه قوله " فلا تقل لهما أف " نطقا، وتحريم الضرب - وهو من باب أولى - دل عليه قوله تعالى "فلا تقل لهما أف " استنباطا. إذن الحكم الشرعي قد يكون مأخوذا من النطق وقد يكون ماخوذا من الاستنباط. إذن قوله (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا) نقول الأولى ما ذكرنا سابقا.
стр. 51
إذا عرفنا الحكم الشرعي عن الفقهاء، من هو الحاكم؟ هو الله ، لا حاكم سواه " والله يحكم لا معقب لحكمه "، " إن الحكم إلا لله "." إن الحكم " هذه نافية بمنزلة (ما) نافية تحل محلها، إلا إذا وقعت في جواب ما أفادت القصر والحصر. " إن الحكم إلا لله " يعني ما الحكم إلا لله، فإثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، وهذه أعلى صيغ الحصر (ما) و (إلا)، لذلك قيل الحصر مفهوم منه من النطق، وسيأتي. هو الله سبحانه لا حاكم سواه، يرد عليه ما ذكرناه سابقا، وهو السنة النبوية، والإجماع، والقياس، قال: والرسول ﷺ ، هذا جواتب سؤال مقدر، (الواو) هذه تسمى عند أهل البيان للاستنئناف البياني، وهو ما كان واقعا في جواب سؤال مقدر، يعني المصنف يستحضر سؤال، فإذا قال الحاكم هو الله ، طيب والرسول ﷺ ؟ الأحام المتلقاة من السنة؟ فيستحضر في ذهنه هذا السؤال فيجيب، والرسول ﷺ مبلغ " إن عليك إلا البلاغ " مبلغ عن الله ، ومبين للتشريع، لما حكم به سبحانه، إذن " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم "، إذن هو مبين ﵊، فإن حكم باجتهاد نقول أقره الرب جل وعلا، " وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى ". (والمحكوم عليه) عرفنا الحاكم عرفنا الحكم، والحاكم، بقي المحكوم عليه قال هو المكلف، المكلف اسم مفعول من كُلِّف يُكلف، فهو مكلف، مشتق من التكليف والتكليف من التفعيل، كلف يكلف تكليفا، كـ علم يعلم تعليما، والتكليف في اللغة عندهم إلزام ما فيه مشقة وكلفة:
تكلفني ليلا قد شق وليها ..... وعادت عوادٍ بيننا وخطوب.
يكلفه القوم ما نابهم .. وإن كان أصغرهم مولدا.
стр. 52
إذن التكليف في اللغة إلزام ما فيه مشقة، فإلزام الشيء والإلزام به هو تصييره لازما لغيره، لا ينفك عنه مطلقا أو لا ينفك عنه في وقت ما. هذا في اللغة، وأما في الاصطلاح فعبارات الأصوليين مختلفة ومضطربة، سبب الاضطراب أنهم اتفقوا على أن الإيجاب والتحريم حكمان تكليفيان، هذا متفق عليه ن فمن اقتصر على هذين النوعين أراد أن ياتي بحد يشمل النوعين فقط ويخرج الكراهة والندب والإباحة، ومن يرى أن الإباحة والندب والكراهة أحكاما تكليفية اراد أن يأتي بحد يشمل الخمس. من أراد قصرها على الأربعة دون الإباحة اراد أن يأتي بحد يشمل الربعة دون الإباحة ن فحينئذ تكون التعاريف مختلفة لهذا السبب، فقال بعضهم: التكليف اصطلاحا هو طلب ما فيه مشقة، الإباحة هل فيها طلب؟ ليس فيها طلب لا طلب فعل ولا ترك، إذن خرجت الإباحة بقوله طلب ما فيه مشقة. خرجت الإباحة لأنه ليس فيها طلب. قلنا الطلب كم نوع؟ طلب فعل، وطلب ترك، وطلب الفعل نوعان: مع الجزم، ولا مع الجزم، وطلب الترك نوعان: مع الجزم، ولا مع الجزم، هذه أربعة. أخرج الإباحة وقصر الحكم التكليفي على الإيجاب والتحريم والندب والكراهة، الحد الثاني قال التكليف (إلزام ما فيه مشقة) إذن جزم (لا مع الجزم) خرج بقوله إلا، خرجت الإباحة ليست فيها إلزام، وخرجت الكراهة ليس فيها إلزام، والندب ليس فيه إلزام، إذن اقتصر هذا الحد على ماذا؟ على الإيجاب والتحريم، إذن هذا الخلاف في التعريف لليس خلافا هكذا جاء، وإنما لخلاف سابق، وهخل المندوب مكلف به أم لا، وهل المكروه مكلف به أو لا، الجمهور على عدم التكليف لذلك قال السيوطي:
وليس مندوب وكره في الأصح ... مكلفا ولا المباح فرجح
بحده إلزام ذي الكلفة لا طلبه
المرجح ما هو عند الجمهور؟ (إلزام ما فيه مشقة) لأن المندوب ليس مكلفا به والمكروه ليس مكلفا والمباح مكلفا به حينئذ يقتصر الحكم على الإيجاب والتحريم.
وليس مندوب وكره في الأصح ... مكلفا ولا المباح فرجح
إذا [ ... ] لذلك ربط لك الحدود بالخلاف السابق، إذا تبين أن المندوب ليس بحكم تكليفي وكذلك المكروه وكذلك المباح. (فرجح، في حده) الذي هو التكليف، (إلزام ما ذي الكلفة لا طلبه)، إذن (إلزام ما فيه مشقة) هو الراجح، و (طلب ما فيه مشقة) هو الأرجح [كذا قال الشيخ ولعله يريد المرجوح]، ونقول الصواب العكس، أن طلب ما فيه مشقة هو الأرجح، وإلزام ما فيه مشقة هو المرجوح، والصواب أن المندوب مكلف به وأن الكراهة مكلف بها ن فهما حكمان تكليفيان، وأما المباح فليس حكما تكليفيا، إذن عرفنا تعريف التكليف وهو: إلزام الذي يشق .. أو طلب فاه بكل الخلق.
لكن إذا قيل المندوب هو مكلف به أم لا، وهل المكروه مكلف به أم لا، لا ينبني عليه حكم عملي، وإنما هو خلاف تنظيري تقريري، يعني في تأصيل المسائل، يعني خلاف لفظي، ولذلك قال:
وهو إلزام الذي يشق .. أو طلب فاه بكل الخلق
لكنه ليس يفيد فرعا .. فلا تضق لفقد فرع ذرعا
هكذا قال صاحب المراقي.
стр. 53
(لكنه) يعني في التكليف (ليس يفيد فرعا) لا ينبني عليه حكم من الأحكام العملية، وإنما هو خلاف في التأصيل فقط، خلاف في التأصيل، والمحكوم عليه هو المكلف، من هو المكلف؟ نقول من تعلق به التكليف، متى يُحكم على الشخص بكونه مكلفا؟ نقول شرط المكلف بالفعل أمران، يعني لا يكون الآدمي مكلفا إلا بوجود شرطين اثنين لا ثالث لهما على الأصح: وهما العقل وفهم الخطاب. المسائل المتعلقة بهذا المبحث طويلة وكثيرة ومتفرعة جدا، لكن نقتصر اقتصارا غير مخل بإذن الله، نقول: العقل وفهم الخطاب. ما المراد بالعقل؟ آلة التمييز والإدراك. ما يُدرك به الإنسان يسمى عقلا، قيل سمي عقلا من العقل، يعني المنع، لأنه يمنع صاحبه عن سفاسف الأمور، كما قيل في الحكمة هناك، العقل هو آلة الإدراك، آلة الإدراك والتمييز، لأن العاقل إذا اتصف بهذه الآلة ميز بين حقائق الأمور، أدرك معنى المساء ومعنى الأرض ومعنى الماء البارد وميز بين الحق والباطل والجيد والردئ إلى آخره، بواسطة هذه الآلة.
(فهم الخطاب) المراد بالفهم إدراك الكلام هذا هو الفهم كما ذكرناه بالأمس، الفهعم في اللغة هو إدراك معنى الكلام، إذا أدرك المخاطب معنى الكلام، ما الذي يريده المتكلم بهذا الكلام على وجه التمام نقول هذا قد فهم الخطاب، والخطاب المراد به خطاب الشرع لأن بحثنا في الشرعيات. أجمع العلماء على اشتراط العقل في التكليف، هذا باتفاق. لماذا اشترط الصوليون هذين الشرطين؟ لأن التكليف خطاب كما سبق، حكم الشرع خطاب من الله ، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، تجلس تتحدث مع مجنون؟! تأخذ وتعطي معه تدعوه في بيتك؟! ما يمكن هذا، محال. لمذا؟ لأن من لا عقل له هذا لا يمكن أن يُخاطب. كذلك من لا يفهم هذا لا يمكن أن يخاطب، وإذا كان الله قد شرع العبادات لحكم ومصالح عظيمة حينئذ لا بد أن يكون المكلف عاقلا فاهما للخطاب. إذن نقول: لأن التكليف خطاب وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، أيضا قالوا لأن المكلف به مطلوب حصوله من المكلف طاعة وامتثالا، إذا أمر الله كما قيل في تعريف التكليف عند بعضهم: خطاب بامر أو نهي - إذا أما أنك مأمور أمر إيجاب أو استحباب، أو أنك منهي نهي تحريم أو كراهة. ما المطلوب بهذا الأمر وبهذا النهي؟ الطاعة والامتثال لأنه مأمور، والمأمور إنما يُتصور بعد الفهم، لا يمكن ان يمتثل ما أمر به إلا إذا فهم المأمور، ومن لا فهم له لا يمكن أن يقول له افهم ن هو ما يفهم، هناك لا يمكن أن تأتي برضيع تقول له " وأقيموا الصلاة "! لأنه لا يفهم، لو قيل له افهم يتعذر أن يفهم، لذلك ارتفعه عنه التكليف. هذان شرطان: العقل وفهم الخطاب.
стр. 54
العقل أخرج المجنون فالمجنون حينئذ ليس مكلفا بالإجماع لفقد ما ذكر ولدليل قوله ﷺ رفع القلم عن ثلاث وذكر منهم المجنون حتى يفيق، فإن اعترض على هذا بتعلق قيم المتلفات وأروش الجنايات ووجوب الزكاة بمال المجنون أجبنا بأن هذا من قبيل الحكم الوضعي لا التكليفي ن والذي يشترط فيه العقل وفهم الخطاب هو الحكم التكليفي لا الوضعي، المكلف هنا المراد به المكلف بالحكم التكيفي الذي هو الإيجاب والتحريم، أما الحكم الوضعي فحينئذ هذا لا شترط له عقل ولا فهم الخطاب، ولذلك تجب الزكاة في مال المجنون، كيف وجبت؟ نقول هذا من ربط الأحكامك بأسبابها وهو من قبيل الحكم الوضعي، إذن إذا ورد اعتراض عليك بكون المجنون قد تتعلق به بعض الأحكام كقيم المتلفات، لو خرج مجنون وكسر الزجاج وفعل كذا وكذا، آثم؟ ليس بآثم، هل يضمن؟ نعم يضمن، كيف ضمنته وقد نفيت عنه الإثم؟ نقول الإثم مترتب على التحريم وهذا مرفوع عنه لأنه غير مكلف بالتحريم وكونه قد أتلف وجنى ترتبت قيم المتلفات واروش الجنيات لأنه من ربط الأحكام بأسبابها، وجد السبب كما إذا قيل غذا زالت الشمس وجبت عليكم صلاة الظهر، هذا حكم تكليفي مربوط بزوال الشمس، إذا المجنون أتلف، تعلق بوليه قيم المتلفات ن حينئذ الاعتراض بهذا لا وجه له، فنقول المجنو ليس مكلفا بدليل السنة والتعليل لا نحتاج إليه.
(فهم خطاب) هذا أخرج الصبي لأن الصبي نوعان: مميز وغير مميز، والضابط اختلف فيه الأصوليون، هل يميز بين النوعين بالصفة أو بالسن؟ على خلاف، منهم من قال بصالفة، يعني إذا بدا يفهم الخطاب [ ... ] إذا استطاع أن تقول ويرد، فيأخذ ويعطي معك، تقول هذا يفهم، إذا أراد أيوه أن يختبره فقال اشترِ دجاجا فذهب واشتراه نقول هذا صار مميزا، لو قلت له اشترِ عيشا فراح واشترى ببسي؟! ماذا نقول؟! نقول هذا غير مميز، إذن هذا إذا جعل الفرق بين المميز وغير المميز بالوصف. أن يفهم، إذن لا يُحد بسن، قد يكون صاحب ٥ سنين أو من صاحب ٧ سنين أو ١٠ ولا إشكال.
стр. 55
بعضهم رأى ان يضبط بالسن وهذا أولى واحسن لورود السنة، أولا يضبط بالسن لأن السن معيار يمكن أن يضبط به دون الوصف، لأن قد يختلفون الناس، قد يقول فلان هذا الصبي قد يفهم ويرد، أو أنه قد اتصف بصفة ميزته عن الصبي غير المميز، يختلف الناس في هذا ن لكنه بلوغه سبع سنين هذا لا يختلف فيه أحد، والدليل على هذا قوله ﷺ " مروا أولادكم بالصلاة لسبع " فلما علق الشرع الأمر بالصلاة وهي عبادة من أهم العبادات بعد التوحيد علقها بتمام سبع دل على أن السن هذا معتبر شرعا، فحينئذ الأولى، قد يقول قائل: الحديث لا يدل، نقول الحديث فيه إشارة ولو نوعا ما، والقول بالوصف لا دليل عليه من الكتاب السنة، فتعليق الحكم بمنا يحتمل أنه مراد من الحديث أولى من تعليقه بما لا دليل عليه أصلا، حينئذ نقول: الفرق بين المميز وغير المميز هو سن سبع سنين، يعني إذا تمت السابعة ودخل في الثامن فهذا مميز. كما الذي ينبني عليه؟ ينبني عليه أنه دون التمييز ليس مكلفا بالإجماع، فلو صلة لا تصح صلاته أصلا ن ولا يصح أن يصف بين الصفوف في الصلاة، وأما إذا بلغ ٧ سنين ففيه خلاف في تكليفه والجمهور على أنه ليس مكلفا، إذا الصبي غير المميز ليس مكلفا بالإجماع، والصبي المميز هذا ليس مكلفا على مذهب الجماهير، لأن بعضهم كالإمام أحمد يرى أنه مكلف إذا بلغ العاشرة لأنه قال ﷺ في الحديث " واضربوهم عليها لعشر " فدل على أن العشر موضوع تكليف لأنه علق عليه الضرب وهو عقاب ولا عقاب إلا على ترك واجب، ولا واجب إلا متعلق بمكلف، حينئذ من يلغ العشر فهو مكلف، والجواب عن هذا أن يُقال عند الجماهير - وهو الأصح - أن الضرب هنا ضرب تأديب وليست عقوبة على واجب، وإنما الأمر " مروهم بالصلاة لسبع " من باب التحبيب والتعويد على الصلاة والمخاطب هنا أولياء الأمور، إذن نقول الصواب أن الصبي ليس مكلفا، لماذا؟ لأنه لا فهم له، غير المميز لا عقل له، والمييز قد يوجد عنده عقل لكنه ليس ذا فهم تام، ولو وجد نوع فهم فغنه غير تام والدليل قوله ﷺ " رفع القلم عن ثلاث " وذكر منهم " عن الصبي " نسبة إلى الصبا وهو من الولادة إلى البلوغ، قال " حتى يكبر " وفي رواية " حتى يحتلم "، وفي رواية " حتى يبلغ "، إذن الصبي مرفوع عنه قلم التكليف. حينئذ نقول الأصح أنه ليس مكلفا، إذن نقول الصبي والمجنون غير مكلفين؛ لأن مقتضى التكليف الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف لأن القصد إنما يكون بعد الفهم. والأولى أن يعلل بثبوت السنة، إذا وردحديث عن النبي ﷺ فهو أولى من التعليلات. إذن نقول المحكوم عليه وهو المكلف لا بد أن يكون متوفرا فيه شرطان وهما العقل وفهم الخطاب. كلما فقد العقل نقول ارتفع التكليف، وكلما فقد فهم الخطاب ارتفع التكليف، ولذلك نقول الأصح في الناسي والساهي والغافل ماذا؟ عدم التكليف، هذا هو الصواب لعدم فهم الخطاب.
стр. 56
لأن الخطاب إذا قيل " وأقيموا الصلاة " وهذا نائم، هل هو فاهمل للخطاب أو لا؟ لا يفهم، هو نائم ويشترط في الإفهام أن يكون المخاطب سامعا، وهذا ليس بسامع، إذن فيما ذكر نقول الأصح عدم التكليف. يرد الإشكال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "، هذا قضاء ولا قضاء إلا لترك واجب. إذن هو مكلف وقت النوم، نقول الصواب أنه مخاطب خطاب أداء في ذلك الوقت، لذلك جاء في بعض الروايات: " وذلك وقتها " فالذي ينام عن الصلاة وقد خرج الوقت ثم قام فصلى الأصح أنه يصلي أداء لا قضاء، ثم يقال هذا من باب ربط الوجوب بسببه، إذا انعقد السبب، حينئذ إما أن يؤدى في وقته وإما أن يتعلق به إلى أن يستيقظ فحينئذ يكون مخاطبا بالأداء لا بالقضاء.
أما المُكره فهذا نوعان عند أهل العلم، الذي يعبر عنه بالمُلجأ، الذي سلب القدرة كأن يحمل ويلقى من شاهق، هذا يسمى الملجأ يعني الذي سلب القدرة والاختيار، ليس له أي قدرة وليس له أي اختيار في الفعل. هذا بالإجماع أنه غير مكلف. ولذلك لو أخذ الشخص وألقي من شاهق على شخص آخر فمات فلا يضمن، ليس آثما، غير مكلف، وهذا بالإجماع، أما من بقي معه قدرته واختياره كأن قيل له افعل هذا الشيء وإلا قتلناك، إذن هو لم يُكبل، هو بقي باختياره يمشي ويقوم ويجلس، حينئذ نقول قد أُكره، يعني حمل على شيء لا يرضاه، هذا المكره الذي قيل له هذه العبارة نقول هذا له أحوال، إما أن يكون الإكراه على القول: قولا واحدا ليس بمكلف لقوله تعالى " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان "، فإذا عفي عنه للإكراه - وهو قول هنا - في كلمة الكفر فما دونها من باب أولى وأحرى، لو أكره قيل له سب الله - والعياذ بالله - أو سب النبي ﷺ أو سب زيد أو عُبيد من الناس، نقول هذا قول محرم، فإذا أكره عليه خينئذ نقول لا تكليف، للدليل السابق أنه إذا أكره عن كلمة الكفر ورفع عنه التكليف فمن باب أولى وأحرى أن ما دون ذلك ألا يكون مكلفا، هذا في القول. أما الفعل فهذا يفصل فيه: إما أن يكونفعلا متعلقا بحق الله أو متعلقا بحق الآخرين. ما كان متعلقا بحق الله كما لو أكمره الصائم على الإفطار، نقول له أفطر وأنت لست مكلفا لأن هذا الفعل متعلق بحق الله ، ومعلوم أن مبناها على المسامحة لا المشاحة. أما الفعل المتعلق بحق الآخر: اقتل زيدا وإلا قتلناك الأصح مع وجود الخلاف أنه مكلف، ولا يجوز له أن يثقدم على قتل غيره حفظا لنفسه، لوجود شرطي التكليف وهما: العقل وفهم الخطاب، ولذلك الأصح عند الكثيرين أنه لا يشترط على هذين الشرطين الاختيار. إذن ثم فرق بين المكره المُلجأ الذي فقد القدرة وسلب الاختيار كمن كبل وأدخل بيتا وقد حلف ألا يدخله، نقول هذا غير مكلف بالإجماع، وبين المكره الذي لم يصل إلى تلك الدرجة وإنما له نوع اختيار ونوع قدرة، نقول هذا نفصل فيه من جهة القول والفعل، فما كان قولا فهو ليس مكلفا به بل هو معفو عنه، ومن كان فعلا متعلقا بالله فهو معفو عنه ليس مكلفا، ما كان متعلقا بحق الآخرين حينئذ نقف ونقول هو مكلف وذلك قرره ابن القيم ﵀ في مواضع عديدة، والمحكوم عليه هو المكلف.
стр. 57
يبقى مسالة واحدة ونختم بها: الفعل الذي كُلف به. عرفنا المكلف، من هو؟ العاقل البالغ غير الُملجأ والذاكر غير الناسي، طيب الفعل الذي كُلف به ن هل كل فعل يكلف به؟ الجواب لا، يُشترط فيه ثلاثة شروط:
أولا: أن يكون الفعل معلوما، أما غير المعلوم هذا لا يمكن أن يفعله، ولذلك يشترط في تنزيل الأحكام عند أهل العلم أن يكون عالما " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " لماذا؟ لأن شرط التعذيب والثواب العلمُ، لا عقاب إلا بعد علم، ولا ثواب إلا بعد علم.
الثاني: أن يكون معدوما، يعني غير موجود، الإنسان مخاطب بصلاة ظهر في يومه هذا مثلا بصلاة واحدة، إذا صلى، هل يخاطب مرة أخرى فيقال له صل الظهر؟ لا يمكن هذا محال، لماذا؟ وُجد، وإيجاد الوجود تحصيل حاصل وهو محال، لا يمكن أن يصلي مرة ثانية، ولو أعاد الصلاة ولم يكن ثمة خلل في الصلاة الأولى تكون الثانية نافلة، لو أعاد مئة مرة نقول هذه الثانية نافلة، لأنه لو اراد أن يعيد الظهر ظهرا امتنع عليه، لأن من باب تحصيل الحاصل وهو محال.
الثالث: أن يكون ممكنا مقدورا عليه ن ولذلك لا تكليف بمحال على الأصح " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "، " فاتقوا الله ما استطعتم "، " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "، هذه شروط الفعل المكلف به.
ثم قال (والأحكام قسمان) سيتكلم عن تفصيل الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية.
وسيأتي غدا بإذن الله تعالى.
وصلِّ اللهم على نبينا محمد.
стр. 58
عناصر الدرس
* اقسام الحكم الشرعي
* الواجب وأقسامه.
الدرس الثالث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ذكرنا أن هذا الباب معقود في بيان الحكم ولوازمه.
وأقسام الحكم أربعة: حكم، ومحكوم فيه، ومحكوم عليه، وحاكم.
وذكر المصنف هذه الأوجه كلها إلا المحكوم فيه وهو فعل المكلف، إلا لما بين لك حد الحكم فيما يراه هو بأنه قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا، وقلنا هذا أقرب إلى مدلول الحكم عند الفقهاء وليس عند الأصوليين؛ لأنه عرفه بماذا؟ بقضاء الشارع، يعني حكم الشارع على المعلوم، حينئذ هذا أقرب إلى قول الفقهاء بأنه مدلول خطاب الشارع، ثم بعدما عرف لك الحكم ذكر ضمنا في الحد السابق أن الحكم الشرعي قسمان: حكم تكليفي، وحكم وضعي.
فقال: "والأحكام قسمان" الأحكام الشرعية وليست غيرها، لماذا؟ لأن الحديث في الحكم الشرعي.
"والأحكام قسمان: قسم يُعنوَن له بالأحكام التكليفية" يقال أحكام التكليف، وعرفنا معنى التكليف مما سبق لغة واصطلاحا، وهذه الإضافة هنا (أحكام التكليف) من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني الأحكام التي تسبب في وجودها هو التكليف، لأن التكليف هو سبب ثبوت الأحكام، إذ لا حكم شرعي إلا إذا وُجد التكليف، فإذا ثبت التكليف حينئذ ذا حكم شرعي، هذا هو الأصل، إذن أحكام التكليف نقول هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، لأن التكليف سبب ثبوت الأحكام.
أحكام تكليفية وأحكام وضعية، أحكام تكليفية مايكون البحث فيها عن التأثيم وعدمه، هل يأثم أو لا يأثم، هل يثاب أو لا يثاب، وهذه المعاني [ .... ] الآتية.
وأحكام وضعية، وهي ما يكون البحث فيها عن النفوذ وعدمه، كالصحة والفساد والأداء والقضاء ونحو ذلك، كما سيأتي بيانه.
وعلى طريقة الأصوليين أن يقال: "الأحكام التكليفية ما اقتضى الخطاب طلبه أو تخييره، إذا اقتضى الخطاب الشرعي طلبا أو تخييرا حكمنا عليه بأنه حكم تكليفي؛ لأن الطلب قسمان كما سبق وسيأتي، والتخيير المقصود به الإباحة، والوضعية هي جعل الشيء علامة أو صفة لشيء آخر، كجعل دلوك الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر ونحو ذلك، حينئذ نقول: الحكم الوضعي هذا مأخوذ من الجعل، كون الشيء علامة على شيء آخر، كأن الرب جل وعلا يقول إذا وُجد هذا في الكون (وهو من فعله سبحانه)، إذا وُجد فقد صار هذا الوجود علامة على وجود الحكم التكليفي وهو إما الإيجاب أو التحريم، حينئذ يكون حكم الجعل في الأصل ليس من فعل العبد وإنما هو من فعل الله .
"والأحكام قسمان" كما ذكرناه سابقا، وهو شامل في الحد الأصح أو المشهور عند جماهير الأصوليين بأن الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، "بالاقتضاء أو التخيير" قلنا هذا مختص بالأحكام التكليفية، "أو الوضع" هذا مختص بالأحكام الوضعية.
قال: "تكليفية" يعني القسم الأول "تكليفية" نسبة إلى التكليف، قال وهي خمسة، أي هذه الأحكام التكليفية محصورة بعدد عند جماهير أهل العلم وأنها خمسة أحكام لا سادس لها، ودليل القسمة هو الاستقراء، هو الاستقراء والتتبع لنصوص الشرع.
стр. 59
فقالوا: "خطاب الشرع إما أن يقتضي طلبا أو تخييرا" لأن الكلام الآن في الأحكام التكليفية، فننظر إليه من جهة القسم الأول، "خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع" وعرفنا أن الاقتضاء المراد به الطلب، خطاب الله تعالى إما أن يقتضي طلبا أو تخييرا، والاقتضاء (الذي هو طلب) إما أن يكون طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو غير جازم [اثنان في اثنين بأربعة]، حينئذ نقول عند التخصيص: "خطاب الله تعالى المقتضي الطالب للفعل على جهة الجزم بحيث لا يجوز معه الترك، بأن يكون رتب العقاب على ترك الفعل، هذا يسمى إيجابا عند الأصوليين، مُتَعَلَّقُه الذي هو فعل المكلف يسمى واجبا.
"خطاب الله المتعلق بفعل المكلف المقتضي لطلب فعل لا على جهة الجزم" هذا يسمى ندبا عند الأصوليين ومتعلقه الذي هو فعل المكلف يسمى مندوبا.
هذا النوع الأول (ما اقتضى طلبا لإيجاب فعله).
النوع الثاني (ما اقتضى طلبا وهو تركه) وهذا أيضا قسمان:
"ترك مع جزم" يعني بأن قطع بالمنهي عنه بحيث رتب العقاب على الفعل (هذا الأول) هذا يسمى عند الأصوليين تحريما، ومتعلقه الذي هو فعل المكلف يسمى حراما أو محرما أو محظورا.
"طلب الترك لا مع الجزم" بأن لم يرتب العقاب على الفعل، هذا يسمى عند الأصوليين كراهة، ومتعلقه الذي هو صفة فعل المكلف يسمى مكروها.
هذه أربعة أقسام داخلة في قوله بالاقتضاء، وهذا بالاستقراء والتتبع لا يوجد لها خامس.
стр. 60
"أو تخييرا" الذي هو خير الشارع بين الفعل والترك، خير المكلف بين أن يفعل أو يترك، هذا يسمى إباحة، وهكذا نقول على قول الجمهور، لماذا؟ لأن بعض الشافعية والحنابلة أيضا زادوا قسما سادسا، وهو المسمى بخلاف الأولى، وخلاف الأولى هذا متعلقه النوع الرابع "ماطلب الشارع تركه لا على الجزم" هذا يسمى ماذا؟ كراهة، ومتعلقه صفة الفعل الذي هو المكروه، قالوا: لا هذا لا نقول مكروها كذا بإطلاق، وإنما نقول: "ما طلب الشارع تركه لا على الجزم، إما أن يرد بنص خاص بالنهي عنه، أو لا، إن ورد بنهي خاص عنه بأن نص الشرع وكان النهي هنا ليس على جهة الجزم نقول هذا مكروه" كقوله ﷺ : [إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس] هذا نهي، مطلوب الترك، هل هو على وجه التحريم؟ نقول لا، لأنه ليس على وجه الإلزام، هل هو طلب ترك للفعل لاعلى وجه الجزم؟ نقول نعم، هل ورد فيه نص خاص؟ نقول نعم، هذا النص، حينئذ يسمى مكروها، لماذا؟ لأن الشارع طلب ترك الفعل لا على الجزم، وقد نص عليه بعينه، فقال: [لا يجلس]، أما إذا طلب الشارع تركه لا على الجزم، ولم ينص عليه، وإنما عُلِمَ من جهة أخرى، من جهة الفهم، من جهة الالتزام فهذا يسمى خلافَ الأوْلَى، وهو كل المأمورات على جهة الندب، قالوا: كل أمْرٍ أمَرَ به الشرع على سبيل الندب فهو مستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده، كما قالوا في باب الأمر: أمر إيجاب. أمر إيجاب الذي هو صيغة (افعل)، نقول: هذا يدل على الوجوب، يستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده نهي تحريم، الأمر على جهة الإلزام، صيغة (افعل) فلا نقول إنها تدل على الوجوب، هذه الصيغة تدل على النهي من جهة المعنى، ما نوع النهي الذي اقتضته من جهة المعنى؟ التحريم.
إذا أمر الشرع بأمر على سبيل الندب، قالوا هذا يستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده نهي خلاف الأولى، قالوا مثل ماذا؟ قالوا إذا أمر الشارع أو كما أمر بصلاة الضحى، صلاة الضحى هذه سنة، هل ورد النهي عن ترك صلاة الضحى؟ قالوا لا، لما أمر بها على سبيل الندب استلزم من جهة المعنى النهي عن تركها، إذن ترك صلاة الضحى هذا لم يرد به نص خاص وإنما استلزم الأمر بها ندبا النهي عن تركها ولكنه لا وجه الكراهة وإنما على وجه خلاف الأولى، ولذلك قعدوا قاعدة [الأمر بالشيء ندبا يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى]، وهو قاعدة عامة كل أمر أمر به الشرع على جهة الندب ولم يرد نهي خاص في ضده فهو محمول على النهي ولكنه نهي خلاف الأولى، هذه ستة، إذن ليست بخمسة، ولذلك قلنا على قول الجمهور.
ثم الخطاب المقتضي للفعل.:. جزما فإيجاب لدى ذي النقل
وغيره الندب وما الترك طلب.:. جزما فتحريم له الإثم انتسب
أو لا مع الخصوص أو لا فَعِ ذا.:. خلاف الاولى وكراهة خذا
لذاك والإباحة الخطاب.:. فيه استوى الفعل والاجتناب
стр. 61
هذا الذي ذكره صاحب المراقي تبعا للسبكي في جمع الجوامع، إذن بعض المالكية كما هو مذهب كثير من الشافعية المتأخرين أم القسمة سداسية وليست بخماسية، والأحناف يزيدون على القسمة الخماسية أمرين؛ فيجعلونها سبعة، زادوا ماذا؟ زادوا الفرض والكراهة على جهة التحريم، الكراهة التنزيهية عند الجمهور، والكراهة التحريمية عند أبي حنيفة وأصحابه، ما وجه التفرقة؟ قالوا: نأتي إلى جزء معين، وهو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، هذا سميناه بماذا؟ بالإيجاب مطلقا، ولا نفصل، يعني سواء ثبت هذا الطلب بدليل قطعي أو بدليل ظني كلاهما يسمى ماذا؟ يسمى إيجابا، عند الاحناف لا، قالوا: ما طلب الشارع فعله على جهة الجزم لا نقول مطلقا هو واجب، وإنما ننظر إلى طريق الثبوت، فإن ثبت ما طلبه الشارع طلبا جازما بدليل قطعي هذا نسميه فرضا، وما طلب الشارع فعله طلبا جازما بدليل ظني فلا نسميه فرضا وإنما نسميه واجبا، إذن القسم الذي أطلق عليه الجمهور أنه واجب مطلقا سواء ثبت بدليل قطعي أو بدليل ظني، عند الأحناف لا، لا يسوون بين الطريقين، بل لابد من التفرقة بين الدليل القطعي والدليل الظني ولذلك عندهم تفرقة بين الفرض والواجب، الواجب ما ثبت بدليل ظني والفرض ما ثبت بدليل قطعي، وعند الجمهور لا، بل هو عينه، ولذلك قال صاحب المراقي: (والفرض والواجب قد توافقا).
وهذا هو الأصح، لماذا؟ لاستواء حدهما كما سيأتي، لأن الفرض ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه على ما يذكره المصنف هنا، وكذلك حكم الواجب، إذن استويا في الحد.
أما الكراهة التحريمية فزادوها في القسم السادس، [هو ماطلب الشارع تركه طلبا جازما]، قلنا هذا نسميه تحريما مطلقا، سواء ثبت بدليل قطعي أو بدليل ظني، عند الأحناف لنظرهم في الفرض والواجب من جهة الدليل والثبوت نظروا أيضا في هذا القسم، فقالوا: ما ثبت بدليل قطعي نسميه حراما، وما ثبت بدليل ظني [ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني] لا نسميه حراما، وإنما نطلق عليه الكراهة التحريمية، إذن الفرض عند الأحناف أعلى من الواجب، والحرام عند الأحناف أعلى من الكراهة التحريمية، لأن الفرض ثبت بدليل قطعي والحرام ثبت بدليل قطعي، والواجب ثبت بدليل ظني والكراهة التحريمية ثبتت بدليل ظني، إذن على الترتيب الفرض أعلى ثم الواجب ثم الحرام ثم الكراهة التحريمية، لكن الجمهور يقولون: لا، لا ننظر إلى الدليل بل إلى الحكم نفسه وهو خطاب الله ، لماذا؟ لاستواء حد كل منهما، الحرام والكراهة التحريمية يشملهما حد واحد، ولذلك لو قيل: حُدَّ لنا الكراهة التحريمية، لقال: ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، ما حد الحرام؟ ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، إذن نوع الدليل لا مدخل له في حقيقة الشيء، وإنما ننظر إلى مدلول النص نفسه.
إذن: "تكليفية"، قال: وهي خمسة معلومة بطريق الاستقراء، وهذا قول الجماهير، وعند الشافعية وبعض المالكية زيادة خلاف الأولى، وعند الأحناف زيادة الفرض والكراهة التحريمية.
стр. 62
قال: "واجب"، هذا هو الأول، الحكم التكليفي الأول هو الواجب، وذكرنا أن متعلق الإيجاب هو فعل المكلف، فإذا تعلق الإيجاب بفعل المكلف سمي الفعل واجبا، وهنا يقول أولها واجب، هل هذا مستقيم؟ هل هذا يستقيم؟ هل الواجب حكم شرعي؟ لا ليس بحكم شرعي، الواجب ليس بحكم شرعي، ولذلك ذكرنا فيما سبق أن الأصوليين يقولون إيجاب ووجوب وواجب، ولكل معنى، الإيجاب والوجوب متحدان في الذات مختلفان في الاعتبار؛ لأن الإيجاب هو عين الخطاب، هو نفسه (وأقيموا الصلاة)، وهو نظر الأصولي، والوجوب هو مدلول (وأقيموا الصلاة)، إذن بالنظر إلى فعل المكلف تعلقت الآية (أقيموا الصلاة) فدلت على الوجوب، أما هي عينها فهي إيجاب، ولذلك الأصح أن يقال: "أوجب الله الصلاة إيجابا فوجبت الصلاة وجوبا، مبحث الأصوليين في الأول (أوجب الله الصلاة إيجابا)، ومبحث الفقهاء في الثاني (فوجبت الصلاة وجوبا)، تعلق الإيجاب بفعل المكلف يجعل وصف فعل المكلف أنه واجب، فحينئذ الواجب هذا على زنة اسم فاعل، يدل على ذات وصفة، إذن ذات متصفة بصفة هي الإيجاب، والفعل الذي تعلق به الإيجاب لا يمكن أن يكون هو عين كلام الله ، مع تقرير أن الإيجاب هو عين كلام الله ، ولذلك نقول هو حكم والحكم صفة الحاكم، إذن نقول واجب هذا ليس بحكم شرعي وإنما هو فعلٌ، أو فعل المكلف الذي تعلق به الإيجاب فهو من متعلقات الحكم وليس من أقسامه، إذن هو من متعلقات الحكم، يعني ما تعلق به الحكم هو فعل المكلف كما سبق هناك، ولذلك هذه المسائل كلها التي تأتي في الأحكام التكليفية ما يضبطها حق الضبط إلا من عرف محترزات الحكم الشرعي على وجهه الصحيح، ولو بتعمق ولو بدقة ولو بتكلف، هناك قلنا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، حكم الله أو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، إذن المتعلِّق ليس هو عين المتعلَّق، عندنا متعلِّق ومتعلَّق، ما هو المتعلِّق؟ خطاب، خطاب الله المتعلِّق، نعت لخطاب، المتعلِّق بفعل المكلَّف، فعل المكلَّف متعلَّق به، مثلما نقول هكذا (المروحة) تعلقت بالسقف، المتعلِّق هو الإيجاب، والمتعلَّق به هو فعل المكلَّف، حينئذ الواجب من قسم المتعلِّق أو المتعلَّق؟ المتعلَّق، حينئذ ليس حكما شرعيا، وإنما توسع الأصوليون في ذلك توسعا مما جعل النقد موجها إليهم من هذه الحيثية، وإنما يقال: عرَّف الواجب باعتبار كونه متعلَّقا للحكم الشرعي الذي هو الإيجاب، إذا أردنا أن نحد الواجب باعتبار المتعلِّق لا باعتبار المتعلَّق، فنقول: الواجب باعتبار المتعلِّق وهو الإيجاب، الذي هو الحكم الشرعي الحقيقي، حده ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، وإذا أردنا أن نحده باعتبار المتعلَّق به فنقول كما قال المصنف هنا ما يُثاب أو ما يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك، إذن له حيثيات، ننظر إليه من حيث المتعلِّق فنعرفه من حيث الإيجاب، وننظر إليه من حيث المتعلَّق فنعرفه من حيث كونه صفةً لفعل المكلَّف، نقول الواجب له معنيان: معنى لغوي ومعنى اصطلاحي، أما معناه في اللغة فهو الساقط والثابت، يعني يأتي بمعنى الساقط ويأتي بمعنى الثابت، من مجيئه بمعنى الساقط قوله جل وعلا: [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] ﴿الحج:٣٦﴾، يعني سقطت
стр. 63
ولزمت محلها، هذا هو الأصح، وجاء في الحديث في الميت: "فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً" أي: سقطَ ولَزم محله، ويأتي بمعنى الثابت، ومنه قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ"، موجبات: جمع موجبة، وهي الكلمة الموجبة للرحمة، فالواجب يأتي بمعنى الساقط والثابت، الساقط كما ذكرناه في المثالين: "فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً"، والثابت كما في قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ"، موجبات: جمع موجبة، وهي الكلمة الثابتة أو التي تثبت لصاحبها الرحمة، إذن يأتي الواجب بمعنى الساقط والثابت، طيب الوجوب يكون على هذا بمعنى السقوط والثبوت، وورد أيضا بمعنى اللزوم، لذلك جاء في المصباح: (وجب البيع والحق، يجب وجوبا ووجبا لزم وثبت)، إذن يأتي بمعنى اللازم ويأتي بمعنى الثابت ويأتي بمعنى الساقط.
أطاعت بنو عوف أميرًا نهاهُمُ.:. عن السِّلم حتى كان أول واجبِ.
стр. 64
أما في الاصطلاح فنقول: الواجب له اعتباران: إما أن يُنظَر إليه باعتبار المتعلِّق فحينئذ نقول من حيث كونه حكما شرعيا: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، ووردت حدود كثيرة في تعريف الواجب في الاصطلاح وأكثرها صحيح، وإن كان يعترض كثير من الأصوليين على كثير منها، لكنها كلها متقاربة والانتقاد قليل ويمكن أن يُجابَ عنه، والذي يمكن أن يناسب هذا المقام أن نقول: الإيجاب هو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، (ما) حكم شرعي، أو خطاب الله، (طلب الشارع) أخرج ما لا طلب فيه وهو الإباحة، أخرج المباح، ليس فيه طلب، (ما طلب الشارع فعله) أخرج ما طلب الشارع تركه وهو الحرام والمكروه، (طلبا جازما) أخرج المندوب، إذن صار هذا الحد على جهة التقريب صار هذا الحد مختصا بالإيجاب، ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، (ما طلب) نقول هذا جنس، (ما) جنس يشمل جميع الأحكام الشرعية التكليفية، (طلب الشارع) أخرج الإباحة أو المباح لأن ليس فيه طلب، استوى فيه الطرفان الفعل والترك، (طلب الشارع فعله) خرج ما طلب الشارع تركه وهو الحرام والمكروه لأنهما مطلوبا الترك والإعدام، (طلبا جازما) ما طلب الشارع فعله = لم يخرج الندب بعد، لأنه مطلوب الفعل، (طلبا جازما) طلبا هذا مصدر، (طلبا جازما) يعني على وجه القطع، بأن رتب الشارع على تركه الوعيد، وهذا أخرج الندب لأنه مطلوب الفعل طلبا غير جازم، بأن لم يرتب الشارع على تركه الوعيد، هنا عرفه من جهة أخرى وهو كونه صفة لفعل المكلف، قال: "واجب" حينئذ نقيده من حيث تعلقه بفعل المكلف، لابد من تقييده لأنه أراد أن يعرف الواجب لكونه حكما شرعيا، قلنا هذا لايصح في هذا الحال، وإنما نعرف الواجب من حيث كونه حكما شرعيا، الذي هو الإيجاب في التعريف السابق، ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، الذي ذكره المصنف هنا على المشهور عند المتأخرين ما يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك، هذا تعريف للواجب من حيث تعلقه بفعل المكلف، لأن الواجب صفة الفعل الذي فعله المكلف وليس هو صفة لكلام الله ولا مدلولا لكلام الله ، إذن الواجب ليس هو الحكم الشرعي عند الأصوليين وليس هو الحكم الشرعي عند الفقهاء، لأن مدلول الحكم الشرعي في (أقيموا الصلاة) عند الفقهاء هو الوجوب لا الواجب، والحكم الشرعي عند الأصوليين هو الإيجاب لا الواجب ولا الوجوب، إذن نقول قوله واجب أي من حيث تعلقه بفعل المكلف، قال: واجب يقتضي الثواب على الفعل، (يقتضي) يعني يترتب عليه، والاقتضاء الأصل فيه الطلب، يعني يطلب ويترتب على فعله وإيجاده الثواب، هذا إذا نظرت فإذا به تعريف للواجب فيه بلازمه، لماذا؟ لأن الثواب والعقاب حكمان مترتبان على تحصيل وإيجاد الواجب، وليس هو عين الواجب، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولذلك يقال في هذا إنه رسم وليس بحد، لأن ذكر الثمرة أو ذكر الحكم نقول هذا من قبيل الرسوم لا من قبيل الحدود، حينئذ نقول إذا ذكر الشيء برسمه بثمرته بحكمه بلازمه نقول هذا فرع عن حقيقة الشيء، (يقتضي الثواب) الثواب والعقاب، الثواب هو الجزاء مطلقا، هكذا في اللغة، الثواب هو الجزاء مطلقا، يعني سواء كان الجزاء بخير على خير أو بشر على شر، ولا يختص الثواب بجزاء
стр. 65
الخير على الخير، وهذا وارد في الكتاب: [قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ] ﴿المائدة:٦٠﴾، هنا الثواب على شر إذا وقع الثواب على الشر، [هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] ﴿المطَّففين:٣٦﴾، ثواب الكفار ليس هو بخير وإنما هو بشر جزاء على ما فعلوا، إذن نقول الثواب لغة: الجزاء مطلقا، ومنه قول الشاعر:
لكل أخي مدح ثواب علمته.:. وليس لمدح الباهلي ثواب.
أي: جزاء.
والعقاب في اللغة: التنكيل على المعصية، ومنه قول الشاعر:
ومن عصاك فعاقبه معاقبةً.:. تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد.
إذن عرفنا حقيقة الثواب، وحقيقة العقاب.
(يقتضي الثواب على الفعل) على الإيجاد، وهنا قال الفعل وهو عام، يشمل القول ويشمل النية والاعتقاد والترك ويشمل أيضا الفعل الصريح وهو ظاهر الدخول.
(والعقاب على الترك) إذن لازم الواجب وثمرة الواجب أنه إذا وجد وسقط به المكلف إيجادا له على وجهه الشرعي نقول ترتب عليه الثواب إذا وُجد، وإذا عُدِم ولم يأت به المكلف على وجهه الشرعي حينئذ ترتب العقاب، إذن العقاب وجودا، العقاب والثواب لازمان للواجب وجودا للثواب وعدما في الترك، إذا ترك الواجب هل يثاب؟ نقول لا يثاب، ما الذي يوجد؟ العقاب، إذا وجد الفعل الواجب وجد ماذا؟ الثواب وانتفى العقاب، لكن يذكر أن العلم هنا ضابطين لابد من ذكرهما: (يقتضي الثواب على الفعل) قالوا لابد من القيد امتثالا، لأن شرط الثواب هو النية، نية التقرب إلى الله جل وعلا بكون هذا الفعل طاعة، وقربة إلى الرب سبحانه، ولذلك يقسم الواجب باعتبار اشتراط النية في الاعتداد به وعدمه إلى قسمين: فيقال [واجب لا يعتد به إلا بوجود النية]، إذا وجدت النية _نية التقرب إلى الله سبحانه_ حينئذ صار الواجب صحيحا ويثاب عليه، إذا فقدت النية لا يصلح الواجب ولا يثاب عليه، بل يعاقب عليه إذا تعمد ذلك، وهذا مثل ما يقال فيه إنه من العبادات المحضة، كالصلوات الخمس، هذا واجب، ولا يمكن أن يثاب على هذا الواجب، بل لا يمكن أن يعتبر ويصح إلا إذا وجدت نية التقرب إلى الله ، "لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ"، "إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، فكل عمل يكون مشروطا بالنية في ترتب الثواب عليه، إذن الواجب الذي يترتب عليه الثواب ولا يوجد الثواب إذا انتفت النية وأثرت فيه صحة نقول هذا في العبادات المحضة التي يُعبَّر عنها بأنها غير معقولة المعنى، هذا في الأصل، إذن قسم لا يُعتد به يعني لا يصح إلا بوجود نية التقرب والامتثال كالصلوات الخمس وصيام رمضان والحج ونحو ذلك، القسم الثاني: [واجب يعتد به] يعني يعتبر صحيحا، وبفعله تبرأ الذمة، ويسقط الطلب ولكن لا ثواب عليه إذا فقدت النية، إذا وجدت النية مع هذا القسم ترتب عليه الثواب، إذا لم توجد النية نقول الواجب صحيح وتخلف الثواب لتخلف النية.
وليس في الواجب من نوال.:. عند انتفاء قصد الامتثال.
فيما له النية لا تُشترطُ.:. وغير ما ذكرته فغلط.
стр. 66
لأن بعضهم يرى أنه يثاب مطلقا، مثل ماذا هذا؟ النوع الثاني؟ مثل ماذا؟ النفقة على الزوجة أو على الزوجات، هذه واجبة، أليست كذلك؟ واجبة، لكن إذا أنفق على الزوجة خوفا منها، سقط الواجب أو لا؟ سقط، هل تبرأ الذمة بهذا؟ نقول نعم برأت الذمة وسقط الطلب؛ لكن هل يثاب؟ لا؛ لأنه لم ينفق على الزوجة طلبا لمرضاة الرب جل وعلا، وإنما لأمر آخر، كذلك رد الدين ورد المغصوب، هذه إذا حصل الرد، رد المغصوب كما هو وحصل رد الدين كما هو نقول فعل الواجب، لكن هل يثاب؟ نقول لا يثاب إلا إذا نوى أنه رد الدين امتثالا لأمر الله ، أو أنه رد المغصوب أو العارية لأمر الله ، فحينئذ نقول هذا القسم الثاني يجزيء ويسقط الطلب وتبرأ الذمة ويثاب عليه إذا وجدت النية، وأما إذا فعله بغفلة عن نية الامتثال فأجزأ وأسقط الطلب ولكن لا ثواب، ولذلك هذا الذي نص عليه صاحب المراقي: (وليس في الواجب) هذا نفي، (وليس في الواجب من نوال) يعني من عطاء وأجر وثواب.
وليس في الواجب من نوال.:. عند انتفاء قصد الامتثال.
فيما له النية لا تشترط.:. وغير ما ذكرته فغلط.
يعني الواجب الذي يعتد به ويكون صحيحا ولا تشترط النية في صحته (فيما له النية لا تشترط) يصح الواجب، (وليس في الواجب من نوال) يعني من ثواب، فالنفي يكون للثواب لا للصحة، (وغير ما ذكرته فغلط).
ومثله الترك، اجتناب المحرم قد يجتنب المكلف الحرام فيترك الحرام، هل كل ترك للحرام يقتضي الثواب؟ الجواب لا، بل إذا ترك الحرام ممتثلا أمر الله نقول هذا وُجد شرط النية، وجد شرط الثواب وهو وجود نية التقرب والامتثال فيثاب حينئذ، وأما إذا ترك الحرام ولم ينوِ (يعني تركه بغفلة، ما استحضر في قلبه هيبة أو عظمة الرب جل وعلا أو التقرب من الله أو أنه انتثال لأمره سبحانه) فهل يعاقب؟ لا، لا يعاقب، وإنما نقول انتفى الثواب لانتفاء شرط الثواب وهو النية، فحينئذ ترك الحرام لا يثاب عليه مع الغفلة، ويثاب عليه مع النية، ولذلك لو فكر إنسان كم وكم وكم ترك من الثواب، يعني ترك الربا لأنه مثلا الإنسان قد يكون غير مرابي، وهذه نعمة عظمى، لكن هل ينوي بأنه تارك للربا ما خطر في قلبه أو أنه ما جاءت المناسبة أو أنه تتقزز نفسه منه، نقول إذا كانت هذه هي الموجبات فحينئذ لا ثواب على الترك، أما إذا استحضر في نفسه أنه قد يفتن في هذه البلية ولكن ابتعاده عنها واجتنابه لها خوفا من الله وامتثالا لنهيه حينئذ توجد النية، يوجد الثواب لوجود شرط الثواب وهو النية، لذلك قال:
ومثله الترك لما يُحَرَّمُ.:. من غير قصد ذا نعم مسلم.
стр. 67
ومثله، أي مثل الواجب الذي يعتد به ولا ثواب الترك لما يحرم، لأن الترك للمحرم من غير من قصد ذا (الذي هو الامتثال) نعم مسلم، نعم هو مسلم من الإثم، لماذا؟ لأن الإثم على الزنا مثلا أو الربا مرتب على وجوده، فإذا لم يوجد لا إثم، لكن لا يلزم من ارتفاع الإثم وجود الثواب، ليس بينهما تلازم، قد يرتفع الإثم لعدم وجود المقتضِي، لكن هل يلزم من ذلك وجود الثواب؟ نقول: لا، نقول: لا، ولذلك قال بعضهم: (ترتب الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية)، هكذا قال في شرح الكوكب المنير، وجود الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية، إذا وجدت النية حينئذ ترتب الثواب، إذا انتفت النية نقول: صح الواجب فيما لا يشترط له النية وصح ترك المحرم ولكن لا ثواب، ولذلك يقيد هذا فيقال: يقتضي الثواب على الفعل مطلقا؟ امتثالا لأمر الرب جل وعلا، والعقاب على الترك، إذن يقتضي العقاب، هل كل واجب يقتضي العقاب؟ لابد وأن يعاقب؟ هل كل واجب يقتضي العقاب؟ أم بعض الواجبات قد يحصل العفو من الرب جل وعلا؟ أحسنت، الثاني، من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الفاسق الملي إذا مات من غير توبة فإنه تحت المشيئة، قد يكون فاعلا لمحرم وقد يكون تاركا لواجب وقد يعفو الرب جل وعلا، فإذا قيل والعقاب على الترك، حينئذ يُفهم من هذا في ظاهره أنه يلزم العقاب، ففرق كثير من الأصوليين والشرَّاح عن هذه الجملة (والعقاب) قالوا: يترتب ويستحق، لأن ترتب العقاب لا يلزم منه حصول العقاب، واستحقاق العقاب لا يلزم منه وجود العقاب، ولذلك اعتُرض على ابن مالك (رحمه الله تعالى) في قوله: (وكل حرفٍ مستحق للبنا) قد يستحق الشيء ولا يأخذه، إذن لا يُفهم من هذه العبارة ماذا؟ أن الحرف مبني، لماذا؟ لأن الاستحقاق شيء ووجود الشيء بالفعل شيء آخر، فحينئذ إذا قيل يستحق العقاب لا يلزم منه وجود العقاب، وإذا قيل ترتب العقاب لا يلزم منه وجود العقاب بالفعل، ولكن هذا مع كثرة الناظمين له والقائلين به أنا أقول: لا وجه لهم، لماذا؟ لأن النظر هنا في الواجب باعتبار الفعل فعل المكلف وأما كونه معفوا عنه في الآخرة هذا ليس للناظم في الكتاب والسنة، وإنما دلت النصوص على أن الأصل في تارك الواجب ما هو؟ وجود العقاب أو العفو؟ وجود، هذا هو الأصل، والعفو أصل أم طاريء؟ طاريء، إذن لا نقول الطاريء حدا في الواجب، وإلا لو قلنا للناس مثلا: والعقاب على الترك الواجب ما يستحق، قد لا يقع العقاب، هذا يكون فيه تقوية لهم في الجرأة على ترك الواجبات، ولذلك نقول والعقاب على الترك لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه باعتبار أمر الدنيا والنظر في مدلول النصوص (نصوص الكتاب والسنة) ثبت بالاستقراء أن الأصل في الواجب تركه مقتض للعقاب، يعني يترتب ويستحق والأصل وقوع الشيء، ثم كونه قد يعفو عنه الرب جل وعلا هذا أمر طاريء وليس لنا أن نتدخل فيه، وإنما ننظر فيما يعنينا، أما كونه يعفو عنه أو لا يعفو ليس في نظرنا.
"واجب يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك"، هذا حده، وعرفنا أن الأصح أن الواجب والفرض مترادفان، أن الفرض والواجب مترادفان.
стр. 68
والفرض والواجب ذو ترادف.:. ومالَ نعمان إلى التخالف.
والفرض والواجب قد توافقا.:. كالحتم واللازم مكتوب وما.
هذه الألفاظ كلها مترادفة، يقال هذا فرض وهذا واجب وهذا مكتوب: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ] ﴿البقرة:١٨٣﴾، دل على الوجوب، كذلك اللزوم وكذلك الحتم، محتوم وملزوم، من لزمته [ .... ] كذلك الحتم: [كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا] ﴿مريم:٧١﴾ نقول هذه الألفاظ كلها مترادفة ومصدقها ما يثاب على فعله امتثالا ويعاقب على تركه، إذن كلها أسماء مترادفة في الشرط، والتفرقة بينها وخاصة بين الواجب والفرض لا دليل عليه، ولذلك ابن قدامة في الروضة قال: (لاستواء حدهما) والفرض هو الواجب لاستواء حدهما، يعني حد الواجب هو عين حد الفرض، ولذلك جاء في الحديث قول الرب جل وعلا: "مَا تَقَرِّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِأحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ"، فدل على ماذا؟ ماذا نفهم من هذا؟ "وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إَلَيَّ بِالنَّوَافِلِ"، إذن قابل النوافل بماذا؟ بالفرض، وهذا يشمل ماذا؟ الواجب والفرض عند الأحناف، فحينئذ يستوي النوعان، إذن نقول الخلاصة أن الأصح أن الفرض والواجب والحتم والمكتوب كلها ألفاظ مترادقة، تصدق على محل واحد وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، إذا قيل ما صِيَغ الواجب؟ متى نحكم على الشيء بالشرع أنه واجب؟ نقول:
أولا: بصيغة افعل، صيغة الأمر (افعل)، [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ] ﴿البقرة:٤٣﴾ نقول هذا واجب.
الثاني: المضارع المقرون بلام الأمر، [لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ] ﴿الطَّلاق:٧﴾ نقول هذا واجب وفرض، لماذا؟ لأنه فعل مضارع مقرون بلام الأمر، وهو دال على الوجوب.
ثالثا: اسم فعل الأمر، [عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ] ﴿المائدة:١٠٥﴾ (عليكم) هذه اسم فعل أمر، وهو يدل على الوجوب.
رابعا: المصدر النائب عن فعل الأمر، [فَضَرْبَ الرِّقَابِ] ﴿محمد:٤﴾ يعني (فاضربوا رقابهم).
الخامس: التصريح بلفظ الأمر، [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ] ﴿النحل:٩٠﴾ (يأمر) نقول هذا يدل على الوجوب، والأظهر أنه لا يدل على الوجوب، لماذا؟ لأنه يشمل الندب.
السادس: ترتب العقاب على الترك، [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] ﴿الزُّمر:٦٥﴾ نقول هنا ترتب العقاب، نقول: (صَلِّ وإلا قتلتُكَ) نقول (صَلِّ) هذا يدل على الوجوب من جهتين، من جهة كونه أمرا ومن جهة ترتب العقاب على الترك.
إذا وُجد واحد من هذه الأمور نقول: يُفهم منها الوجوب.
وثم صِيغ يذكرها كثير من الأصوليين.
стр. 69
قال: "وينقسم من حيث الفعل" الآن شرع في بيان أقسام الواجب، الواجب له أقسام ثلاثة، "ينقسم الواجب من حيث الفعل" هذا تقسيم، "وينقسم أيضا من حيث الوقت، وينقسم أيضا من حيث الفاعل" وكلها ذكرها المصنف، إذن له ثلاث حيثيات: ينقسم من حيث الفعل، يعني باعتبار ذاته، نفس الفعل، فعل المكلف، باعتبار ذاته، بحسب فعل المكلف، ننظر إلى فعل المكلف الذي حكمنا عليه بأنه واجب، يعني ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، كالصلاة والزكاة والحج، نقول ننظر إلى الصلاة نفسها، فنقسم الواجب باعتبار الفعل إلى نوعين: إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة، كما ذكره المصنف، إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة، إلى معين، قال في حده: "لا يقوم غيره مقامه"، يعني أن يكون الفعل مطلوبا بعينه، يعني يحدد لك الفعل شيء واحد، وهذا تعرفه وينضبط معك بالواجب المخير، لأن الواجب المخير كما قال: "مبهم في أقسام محصورة" أن يذكر لك الشارع ثلاثة أشياء، ويقول لك يجب واحد منها، هل عيَّن لك الواجب؟ لا، لم يعين، وإنما ذكر لك واحدا في أقسام محصورة، إذن هو مبهم، لو عيَّن لك شيئا واحدا، قال: [أَقِمِ الصَّلَاةَ] ﴿الإسراء:٧٨﴾ هل أنت مخير في الصلاة؟ نقول: لا، لماذا؟ لأن هذا الواجب يسمى واجبا معينا، لا يجزيء غيره ولا يقوم غيره مقامه، لا يمكن أن يؤمر الآن بصلاة الظهر مثلا ثم يقول: لا، أنا أخرج لعرفة، يأتي بالحج، لماذا؟ لأن الصلاة (صلاة الفرض) التي هي الظهر لا يقوم غيرها مقامها، قال: "إلى معين" يعني أن يكون الفعل مطلوبا بعينه لا يقوم غيره (يعني غير الفعل) مقامه، فيتعين عليك إذا قيل لك [أقم الصلاة] أن تصلي ولا خيار لك في الترك، وإذا قيل: [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ﴿البقرة:١٨٥﴾ يتعين عليك الصوم ولا يجزيء غير الصوم مقام الصوم في شهر رمضان، هذا نسميه ماذا؟ واجبا معينا، لا يقوم غيره مقامه، كالصلاة كما مثلنا، والصوم كما مثلنا، ونحوهما كالحج وبر الوالدين والصدق ونحوها من الواجبات، فالمطلوب في هذه الواجبات كلها واحد لا خيار فيه، لماذا؟ لأن الشارع قد طلب منك هذا الفعل وعينه، ولم يخيرك بين شيئين أو ثلاثة وأنت تختار واحدا منها.
стр. 70
"وإلى مبهم" هذا هو القسم الثاني الذي يقابل المعين، "وإلى مبهم" مبهم من الإبهام، وهو عدم التعيين، الإبهام هو عدم التعيين إذا قيل جاء الذي، قالوا: (الذي) هذا اسم موصول وهو مبهم، (هذا) اسم إشارة وهو مبهم، لا يتعين إلا بالمشار إليه، (هذا زيد)، (جاء الذي قام أبوه) إذن (الذي، وهذا) من المبهمات، لماذا؟ لأن المراد منها عند إطلاقها غير معين، لابد أن يأتي شيء آخر يبين المراد منها، هنا قال: "مبهم" غير معين، "في أقسام محصورة" لأنه لو أوجب شيئا مبهما لا في أقسام محصورة صار من التكليف بالمحال، لا يمكن هذا يتصور، أن يأمرك بشيء مبهم، ماهو؟ الله أعلم به، أن يأمرك بشيء مبهم ثم لا يحصره لك في شيء معين، هذا لا يقع وإنما يكون من التكليف بالمحال، وإنما قال: "في أقسام محصورة" لحكاية الواقع الذي جاء به الشرع، وهذه بعضهم ينكر وجوده، لكن الصواب أنه ثابت وجائز عقلا وواقع شرعا، أما جائز عقلا فلا يمتنع أن يقول الأب لولده (ائت بكذا أو كذا)، خيره بين شيئين، أو أن يقول السيد لعبده (خِط لي ثوبا أو ائت بماء) خيره بين شيئين إذا أتى بواحد منهما أجزأ وأسقط الطلب، إذن بالعقل لا يمنع، وبالشرع أيضا هو واقع، قال تعالى: [فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] ﴿المائدة:٨٩﴾، [أو] هذه للتخيير، إذن هل الواجب كل هذه الثلاثة أشياء؟ لا، وإنما الواجب واحد، ما هو؟ نقول مبهم، مطلقا؟ مبهم مطلق؟ نقول: لا، مبهم في أقسام محصورة، عدَّ لك ثلاثة أشياء وخيرك أيها المكلف تخفيفا ورحمة أن تختار أنت، فحينئذ لو ترك الجميع أثم، لو فعل الجميع أُجر، قيل على أعلاها، وقيل على أدناها، قال: "مبهم في أقسام محصورة" وهذا الذي يسميه الأصوليون الواجب المخير، والأول الواجب المعين، واجب معين وواجب مخير، إذن "مبهم في أقسام محصورة" يجزيء واحد منها، يعني يجزيء ويسقط الطلب فعل واحد منها، لماذا؟ لأن الشرع قد خيرك أيها المكلف في فعل واحد، وعين لك ثلاثة أشياء كما في خصال الكفارة، واضح هذا؟ إذن نقول ينقسم الواجب باعتبار الفعل نفسه بالنظر إلى ما طلبه الشارع إلى نوعين: واجب معين وواجب مخير، "واجب معين" عين لك شيئا واحدا ليس لك الخيار في تركه، كقوله تعالى: [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ] ﴿البقرة:٤٣﴾ عين لك الصلاة، هل يقوم غير الصلاة مقامها؟ الجواب: لا، "وإلى واجب مخير" يعني خيرك الشرع بين أشياء هو الذي حصرها لك، فذكر لك عدة أشياء، ثلاثة أو أربعة، وقال لك يجب عليك واحد منها، أي شيء فعلته منها أجزأ وأسقط الطلب وبرأت الذمة، [فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] ﴿المائدة:٨٩﴾ حدد لك ثلاثة أشياء، الواجب منها واحد فقط، نسميه هذا واجب مخير.
стр. 71
"ومن حيث الوقت" يعني ينقسم الواجب من حيث الوقت، يعني باعتبار الزمن الذي يقع فيه الواجب، يعني باعتبار زمن أدائه، متى يُفعل هذا الواجب؟ الأصل فيه أو الغالب الكثير أن بعض الواجب قد يكون مؤقتا محددا، وبعضه يكون غير مؤقت وغيرمحدد، غير مؤقت يعني لم يُجعل له وقت معين، مثل الزكاة، الزكاة متى تجب؟ هل لها وقت أول وآخر؟ ليس لها وقت، متى ما تم الحول والنصاب ودار الحول وجبت الزكاة، في وقتها، منذ أن وجد الشرط والسبب وجدت الزكاة، إذن نقول الزكاة لا وقت لها، وإنما وقتها حيث وجبت، وبعض الواجبات عين له الشارع وقتا، فحينئذ يكون هذا الوقت مقدرا من الشرع، ولذلك يُعَرَّف الوقت بأنه الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، قدره الشارع للعبادة، لأنك لو نظرت نظرا عقليا هكذا، العبادة المأمور بها إما أن يكون الوقت مساويا لها (لفعلها) ولا يسع الوقت أكثر من فعل الواجب، وإما أن يكون الوقت أكثر من فعل العبادة، وإما أن يكون أقل، قسمة عقلية، إما أن يكون أقل من وقت العبادة (من فعل العبادة)، يعني لا يسعها، مَثَّلَ بعض الأصوليين كأربع ركعات في طرفة عين، لو كلفك الشارع بأربع ركعات في طرفة عين، هكذا، غَمَّض عينك وافتح، أربع ركعات، قالوا: هذا محال؛ لأنه تكليف بالمحال لا يوجد هذا، ماذا بقي؟ بقي أن يكون الوقت أكثر من فعل العبادة، وإما أن يكون مساويا لفعل العبادة، إذن قسمان، قالوا: نسمي الوقت أو الواجب الذي كان مساويا للعبادة نسميه واجبا مضيقا، والوقت الذي يكون أكثر من العبادة نسمي الواجب الذي حل فيه واجبا موسعا، إذن قوله: "ومن حيث الوقت" أي ينقسم الواجب من حيث الوقت الذي يقع فيه الواجب، والوقت هو الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، "إلى مضيق" يعني إلى واجب مضيق، ضيق فيه على المكلف، بحيث لا يجد سعة إلى تأخيره، فلو أخره لصار قضاءً، عرفه المصنف بقوله: "ما تعين له وقت لا يزيد على فعله" (ما) أي فعل، واجب، قول وعمل إلى آخره، تعين له وقت، يعني حُدِّدَ له وقتٌ من قِبل الشارع لا يزيد على فعله من جنسه، قال: "كصوم رمضان" صوم رمضان نقول هذا واجب مضيق، لماذا؟ لأن من جنس رمضان الواجب صوم النفل مثلا أو واجب آخر، كالكفارة أو النذر، فحينئذ لو صام أول يوم من رمضان هل يسع أن يجمع بين صوم رمضان وصوم النافلة وصوم النذر مثلا؟ هل يمكن؟ لا يمكنه، إذن نقول: هذا الوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يسع إلا عبادة صوم رمضان فقط، وأما ما كان من جنس الصوم كالنفل أو الواجب الآخر غير صوم رمضان فلا يسعه، لماذا؟ لأن الوقت هنا مواز ومساو لوقت العبادة، لذلك قال: "ما تعين له وقت" يعني حدد له وقت في الشرع، لا يزيد هذا الوقت على فعله، بل هو مساو له، من جنسه، لا بد من قيد من جنسه لأن الصوم قد يأتي بواجب آخر يصوم مثلا ويتصدق ويزكي ويبر والديه ويأتي بواجبات أخرى، إذن جمع في وقت واحد بين الصوم وبين غيره من الواجبات، أما من جنس الصوم فلا، "كصوم رمضان"، "وإلى واجب موسع، وهو ما كان وقته المعين يزيد على فعله من جنسه" يعني يسع الوقت الفعلَ وزيادة، كالصلاة والحج، كالصلاة، أوقات الصلاة مثلا إذا صلى الظهر نقول هل الوقت موازٍ للصلاة بحيث لا يزيد الوقت على
стр. 72
فعل الصلاة أم يزيد؟ نقول: يزيد، هل له أن يفعل من جنس الواجب الموسع الذي هو الصلاة نفلا أو واجبا آخر في نفس الوقت أو لا؟ يسعه، يمكن أن يأتي بصلاة واجبة غير صلاة الظهر، أن صلاة الظهر الآن هل يمكن أن تأتي بصلاة واجبة أخرى؟ يمكن، مثل ماذا؟ القضاء، لو تذكر صلاة منسية واجبة، ما صلى صلاة الظهر أمس، فصلى صلاة الظهر اليوم، نقول جاء بالواجب، وهذا الواجب موسع، لأن الوقت يسع هذه الصلاة الأربع ركعات، ويسع غيرها من جنسها، وهو قضاء صلاة أخرى، القضاء للصلاة الأخرى هو عين أو من جنس الواجب الموسع الذي هو صلاة الظهر أولا، كذلك له أن يتنفل بما شاء من النوافل للصلوات، نسمي هذا الوقت أو نسمي هذا الواجب واجبا موسعا، كصوم رمضان، قال: "كالصلاة" يعني المراد بها الوقت، "والحج" الحج هل وقته موسع أم مضيق؟ هل المراد أن يحج مرتين في سنة؟ أو المراد أنه يستطيع أن يرمي في الصباح ثم يتفرغ لسائر العبادات ببقية يومه؟ أو أن يطوف بالصباح ويتفرغ لسائر العبادات في يومه؟ نقول باعتبار أفعال وأعمال الحج هو واجب موسع، وباعتبار كونه لا يسع غيره بمعنى أنه لا يستطيع أن يحج مرتين هو واجب مضيق، لأن هذه السنة مثلا إذا حج لا يسع أن يحج مرة أخرى كما إذا صام رمضان لا يسع أن يصوم رمضان آخر سابق أو يقضي صوما، أما باعتبار الآحاد وباعتبار الأفراد نقول: يسع أن يأتي بالرمي وهو واجب ثم يتفرغ لسائر العبادات، إذن وَسِعَ الوقت الرمي وزيادة، وإن كان المثال فيه نوع إشكال، قال: "فهو مخير في الإتيان به في أحد أجزائه" (فهو) أي المكلف، (مخير في الإتيان به) أي بالواجب الموسع (في أحد أجزائه) يعني في أي جزء من أجزاء وقته، ولذلك فيه إن الوجوب يتعلق بجميع الوقت، ثم هو مخير في أي جزء من أجزاء الوقت أوقع هذا الفعل، فوقت الظهر مثلا جميعه نقول محل لأداء الصلاة الواجبة وهي الظهر، هل إذا وقعت في أول الوقت تكون أداء؟ نعم، هل إذا وقعت في أثناء الوقت (منتصفه) تكون أداء؟ نقول: نعم، هل إذا وقعت في آخر وقت الظهر تقع أداء؟ نعم، معنى هذا الكلام يستفاد منه أن جميع وقت الظهر محل أداء صلاة الظهر، فحينئذ صار الوقت كله وقت أداء، ولذلك نص الأصوليون على أن تعلق الواجب يكون بجميع الوقت، وقتا موسعا، أداء لا قضاء، لأن بعضهم يرى أن فعل العبادة في آخر وقتها يكون قضاء، كما هو مذهب بعض أو ما يُنسب إلى الأحناف، والصواب أنه يكون أداء، فلو أخر الصلاة إلى آخر وقته الظهر نقول جائز أو لا؟ جائز، هل يجب عليه أن ينوي التأخير؟ أو يعزم على التأخير؟ نقول: لا، هذا هو الصواب، والجمهور على أنه لابد أن يأتي بالعزم، بدل التأخير، والصواب أنه لا يجب ذلك.
جميع وقت الظهر قال الأكثر.:. وقت أداء، وعليه الأظهر.
لا يجب العزم على المؤخر.:. وقد علم وجوبه للأكثر.
стр. 73
يعني عند الجمهور أنه إذا أخر الواجب الموسع إلى آخر وقته يجب عليه أن ينوي ويعزم أنه سيأتي به في آخر الوقت، لماذا؟ لأن هذا واجب، والوجوب قد تعلق بأول الوقت، فحينئذ إما أن يأتي به وإما أن يأتي ببدله، إما أن يأتي به، بفعله في أول الوقت، وإما أن يأتي ببدله، ببدل الفعل وهو العزم، والصواب أنه لا يجب، لماذا؟ لأمرين: أولا: التعريف، قالوا: إما أن يأتي به ومن أتى به في آخر الوقت فقد أتى به في وقته، إذن هو لم يخرجه عن وقته حتى لابد أن يأتي ببدله كالقضاء والعزم، الثاني: وهو أصرح أن النبي ﷺ لما نزل جبريل ﵇ علمه أول الوقت ثم جاء بعدها في اليوم التالي وصلى به في آخر الوقت، هل قال له في اليوم الأول: انوِ؟ اعزم أن تأتي به متأخر؟ هل قال له ذلك؟ لا، لم يُقَل هذا، فدل على أنه لا يجب العزم على من أخر الصلاة في الواجب الموسع إلى آخر الوقت، لماذا؟ لأنه فعل ما يجوز له فعله وهو التأخير، إذن ما المراد إذا قيل هو واجب موسع؟ معناه أنه مخير في أي وقت من أوقات الفعل أن يوقع الصلاة، هذا حيث لا تعليل آخر، قد يقول قائل: طب صلاة الجماعة تقع في الأول فلا يجوز أن يتأخر، نقول هنا النظر ليس لفعل الصلاة، وإنما لأمر آخر، لنصوص أخرى، دلت على وجود الجماعة في أول الوقت فحينئذ وجوب التقديم هنا لا لذات الصلاة وإنما لأمر آخر تعلق بالصلاة وهو وجوب الجماعة على قول من يرى وجوبها، إذن لا يعتبر بوجوب صلاة الجماعة على أنه يجب أن يأتي بها في أول الوقت وإنما النظر إلى الصلاة نفسها، فنقول وجبت الصلاة، قد يكون مسافرا وعند بعضهم لا تجب عليه الجماعة، فحينئذ نقول: له أن يؤخر في آخر الوقت، ولا يجب على الصحيح أن يأتي ببدل هذا التأخير وهو العزم، (جميع وقت الظهر قال الأكثر وقت أداء وعليه) إذا قيل وقت أداء حينئذ كيف نقول يجب عليه العزم؟ (وعليه الأظهر لا يجب العزم على المؤخر وقد علم وجوبه للأكثر) لكن الجمهور والأكثر إذا لم يكن الدليل معهم حينئذ لا نوافق وإن كان الأكثر إصابة الجمهور لكن الدليل أولى بالاتباع، إذن قال: "فهو مخير في الإتيان به في أحد أجزائه" ولذلك هو من جهة المعنى فيه نوع الواجب المخير، الواجب المخير هناك التخيير وقع في ماذا؟ في عين الواجب، واحد من ثلاث، وهنا وقع في ماذا؟ في إيقاع الفعل في أي وقت، إذن الاختيار هنا والتخيير في الوقت، بين أجزاء الوقت، وهناك وقع بين الواجبات أنفسها، وهنا في الوقت، فلو أخر ومات قبل ضيق الوقت لم يعص لجواز التأخير بخلاف ما بعده، هذه مسألة تتفرع على مسألة الواجب الموسع، إذا جاز له أن يؤخر فتأخيره إما إلى أن يضيق عليه الوقت أم قبله، كيف يضيق عليه الوقت؟ فلو أخر صلاة الظهر إلى أن بقي عشر دقائق ويخرج الوقت، نقول: عشر دقائق هذا في الغالب تسع أربع ركعات، صار الوقت مضيقا عليه، إذن قد يصير الواجب الموسع مضيقا، متى؟ إذا أخر الواجب حتى بقي عليه ما لا يسع إلا الواجب، ولذلك يجوز للمرأة مثلا أن تؤخر قضاء شهر رمضان حتى (هي مخيرة وموسعة) من شهر شوال (هي عليها ستة أيام مثلا) من شهر شوال هي مخيرة أو الواجب موسع في أن تؤخرها إلى أن يبقى ستة أيام من شعبان، حتى يبقى
стр. 74
ستة أيام من شعبان، يعني وينتهي شهر شعبان، إذا بلغت القدر المعين لها في قضائها نقول: ضاق عليها الوقت فتعين، فيجب عليها أن تصوم ثاني يوم، أما ما قبل ذلك فهي مخيرة أن توقع الصيام في شهر شوال في شهر ذي القعدة إلى آخره، حتى يبقى قدر الأيام التي عليها، فإذا بقي قدر الأيام حينئذ نقول ضاق عليها الوقت فصار الوقت مضيقا، هنا من المسائل [ ... ]
стр. 75
فلو أخر ومات، أخر من جاز له التأخير حتى بقي وقت يسع الصلاة وغيرها، يعني لم يضق عليه الوقت، أخر صلاة الظهر حتى الساعة الثالثة، نقول: بقي عليه وقت موسع، يسع الصلاة الأربع ركعات وزيادة، لو مات قبل أن يصلي هل يموت عاصيا أم لا؟ هل عصى؟ مات، ما صلى الظهر، ترك واجبا أو لا؟ تراك واجبا، نعم ما صلى الواجب، هل يعصي أو لا؟ نقول: لم يعص، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وحُكي إجماعا أنه ليس عاصيا، لذلك قالوا هنا: فلو أخر من له التأخير ومات قبل أن يفعلها كالصلاة فإنها تسقط بموته عند الأئمة الأربعة، لماذا؟ لأنها تسقط بموته يعني لا يطلب قضاؤها من غيره من الورثة، لأنها لا تدخلها النيابة فلا فائدة في بقائها في الذمة بخلاف الزكاة والحج، يعني سقط وجوب الصلاة فلا تتعلق بها الذمة، لماذا؟ لأن الصلاة لا نيابة فيها، بخلاف الزكاة، لو لم يُزكِّ فمات حينئذ وجبت الزكاة في التركة، "قبل ضيق الوقت" هنا قيدٌ هذا، له مفهوم، قبل أن يضيق عليه الوقت، الجواب: لم يعص، لم يعص بالتأخير كما قلنا عند الأئمة الأربعة وحُكي إجماعا، لماذا لم يعص بالتأخير؟ لأنه لم يضق عليه الوقت، يعني لم يتعين عليه فعل الصلاة في ذلك الوقت، أنت مخير دخل الوقت الساعة الثانية عشرة والنصف، يجوز أن تصلي الساعة الواحدة، أنت وشأنك، تريد أن تصلي الواحدة والربع، الواحدة والنصف، الثانية، الثانية والنصف، أنت مخير في أي جزء من أجزاء الوقت أنت مخير أن توقع الصلاة فيه، إذن فعل ما يجوز له، لأنه لما أخر إلى الساعة الثانية مثلا فمات قبل الساعة الثانية نقول: قد فعل جائزا، وإذا فعل جائزا لا يترتب عليه العقاب، لذلك قوله: "قبل ضيق الوقت" هذا قيد، لم يعص، لماذا؟ قالوا: لجواز التأخير، اللام هنا للتعليل، تعليل الحكم، ما هو الحكم؟ عدم العصيان، عدم العصيان بترك الصلاة حتى قُبِضَ، لجواز التأخير لأنه فعل ماله فعله، فلماذا لا يقدر في نفسه أنه قد لا يعيش؟ هل ممكن الإنسان يجعل في نفسه ابتداء من نومه كل لحظة ممكن يأتيه ملك الموت، لماذا لم يحسب حساب هذه الجزئية؟ قالوا: واعتبار السلامة العاقبة ممنوع لأنه غيب، يعني قد يعتذر معتذر فيقول لماذا لم يعتقد في نفسه أنه قد يقبض في هذه اللحظة؟ نقول لاعتبار سلامة العاقبة ممنوع، لماذا؟ لأنه غيب، أنت ما تدري، الأصل أنك تعيش، الأصل السلامة أما عدم السلامة فهذا أمر غيبي، لا تدري متى سيأتيك ملك الموت، لكن الأصل أنك تعيش، ولذلك أنت الآن قدرت نفسك أنك بعد العصر ستذهب إلى كذا وكذا وكذا، أليس كذلك؟ لأنك جريت على الأصل وأنك باق بإذن الله تعالى، "بخلاف ما بعده" بعد ماذا؟ بعد ضيق الوقت، فإنه يعصي، وهو من أخر الفعل في الوقت الموسع مع ظن مانع منه، فعدم البقاء أثم إجماعا، يعلم أنه سيقتل قبل خروج الوقت بنصف ساعة، يعلم هذا أن القصاص سيأتي عليه الساعة الثالثة فأخر حتى الساعة الثالثة، ولم يُصل فقتل، يعصي أو لا؟ يعصي، هل خرج الوقت؟ هل خرج الوقت في حقه؟ خرج الوقت في حقه، أما الوقت باعتبار نفسه فهو باق، حينئذ نقول أثم إجماعا، لماذا؟ لأنه يعتبر تاركا للصلاة عمدا، لذلك قال: "بخلاف ما بعده وهو ضيق الوقت، وهو من أخر الفعل في الوقت الموسع مع ظن
следующие страницы →