(وَشَرْطُ كُلٍّ) أي من الحد والرسم (أَنْ يُرَى مُطَّرِدَا) أي كلما وجد التعريف وجد المعرَّف، فيكون مانعًا من دخول أفراد غير المعرف فيه، و (مُنْعَكِسًا) أي كلما وجد المعرَّف وجد التعريف فيكون جامعًا لأفراد المعرف لا يخرج عنه منها شيء، فلا يجوز تعريف الإنسان بالحيوان لدخول غيره فيه فليس بمانع، ولا تعريفه بالحيوان الكاتب بالفعل لخروج أفراد غير الكاتب عنه فليس بجامع (وَ) أن يرى (ظَاهِرًا) أي واضحًا، (لاَ أَبْعَدَا) أي أخفى من المعرف كتعريف النار بأنها جسم كالنفس. ... (وَلاَ مُسَاوِيًا) للمعرَّف في الخفاء، كقولنا في تعريف المتحرك: هو ما ليس بساكن، (وَلاَ) أن يرى التعريف (تَجَوُّزَا) بضم الواو، أي لفظٌ تُجُوِّزَا أي لفظًا مجازيًا، ومحل امتناع المجاز إذا كان (بِلاَ قَرِينَةٍ) معينة للمراد، (بِهَا) أي بتلك القرينة (تُحُرِّزَا) بالبناء للمجهول، يعني محل امتناع التعريف بالمجاز إذا كان خاليًا عن القرينة المعينة للمراد التي يُحْتَرَزُ بها عن إرادة غير المراد، كتعريف العالم بأنه بحرٌ يدخل الحمام أو يصلى ويصوم فيمتنع لالتباس المراد بغيره، فإن كان مع المجاز قرينة تُعَيِّن المراد كقولنا في تعريف البليد: حيوان ناهقٌ يدخل الحمام ويصلي، جاز التعريف به.
ــ - الشرح - ــ
(وَشَرْطُ كُلٍّ) معلوم الشرط، ما يلزم من وجوده الوجود ولا يلزم من عدمه العدم، إذًا لا يوجد المعرَّف أو التعريف لا يوجد التعريف إلا بتحقق هذه الشروط المذكورة، (وَشَرْطُ كُلٍّ) التنوين هنا عوض عن ماذا؟
[عن المضاف]
стр. 142
عن المضاف، وهل المراد بالمضاف كل الثلاثة السابقة الحد والرسم واللفظي أم المراد بعضها؟ المراد بعضها، وهو: الرسم والحد. وأما اللفظي فلا يُشترط فيه شيء من هذه لامتناعها، يعني: يمتنع أن توجد هذه الشروط في اللفظ، إذًا (وَشَرْطُ كُلٍّ) قال الشارح: [أي: من الحد والرسم]. ولم يذكر اللفظي، إذًا هذه الشروط ليست داخلة في اللفظ، وإنما هي شروط للحد والرسم، (أَنْ يُرَى مُطَّرِدَا ** مُنْعَكِسًا) الطرد هو: المنع، والانعكاس أو المنعكس هو: الجمع، يعني: أن يكون الحد جامعًا مانعًا، أن يكون الحد جامعًا لجميع أفراد المعرَّف، أن يكون مانعًا، مَانعًا لماذا؟ من غير أفراد المعرَّف من الدخول في التعريف، يعني: أن يكون محكمًا، يختص التعريف بالمعرَّف، لأن المعرف له أفراد، إذًا ثَمَّ أفراد لا يصدق عليها التعريف، إذًا لا بد من إخراجها، لأنها ليست داخلة تحت المعرف، وثَمَّ أفراد داخلة فلا بد من إدخالها فخروجها حينئذٍ يكون نقضًا في التعريف، [(أَنْ يُرَى مُطَّرِدَا) أي كلما وجد التعريف] الذي هو المعرِّف [وجد المعرَّف، فيكون مانعًا من دخول أفراد غير المعرف فيه]، واضح هذا؟ إذًا المطرد هو المانع، لأنه قال: [فيكون مانعًا من دخول أفراد غير المعرف فيه]. يعني: في التعريف الطرد هو: المنع. [و (مُنْعَكِسًا) أي كلما وجد المعرَّف وجد التعريف] المنعكس هو: الجامع، [فيكون] حينئذٍ التعريف [جامعًا لأفراد المعرف لا يخرج عنه منها شيء، فلا يجوز تعريف الإنسان بالحيوان]، لو قال قائل: ما الإنسان؟ قال: الحيوان. هل هذا جامع؟ نعم جامع لأنه دخل فيه الإنسان بجميع أفراده، هل هو مانع؟ لا، لماذا؟ دخل الفرس و .. و .. إلى آخره، إذًا [تعريف الإنسان بالحيوان] نقول: هذا جامعٌ لكنه ليس بمانعٌ، جامع لماذا؟ لكونه لا يخرج عنه فرد من أفراد الإنسان، لأن الحيوان دخل فيه الإنسان كل أفراد الإنسان دخلت ولا إشكال فيه، فهو جامع، لكنه هل هو مانع؟ لا، لأن الإنسان حيوان حيوَان أعم من الإنسان، كل إنسان حيوان ولا عكس، لماذا؟ لكون الحيوان يصدق على غير الإنسان كالفرس والبغل والحمار، إذًا [فلا يجوز تعريف الإنسان بالحيوان] لماذا؟ [لدخول غيره فيه فليس بمانع] أي مطرد، ولا يجوز تعريف الإنسان بالحيوان الكاتب بالفعل، الحيوان كاتب بالفعل هذا ليس جامعًا، لماذا؟ لأن الإنسان من أفراده [ما لا يكتب أو] (١) من لا يكتب، حينئذٍ الكاتب بالفعل، يعني: الذي يكتب، والذي لا يكتب ليس بإنسان، هذا صحيح؟ ليس بصحيح لو قال: الكاتب بالقوة. نعم، إذًا جميع ما يقال بأنه خاصة إذا قُيِّدَ بالفعل لم تدخل جميع الأفراد، لماذا؟ لأن الوصف بالفعل، يعني: الذي تحقق بهذه الصفة بأن يكون كاتبًا حينئذٍ خرج، لو قيل: الإنسان الحيوان الضاحك بالفعل. خرجتم كلكم الآن، أنتم لستم بإنسان صحيح إلا البعض، حينئذٍ نقول: الوصف إذا قُيِّدَ بالفعل خرج كثير من أفراد الإنسان، إذًا هذا ليس بجامع [لخروج أفراد غير الكاتب عنه فليس بجامع] منعكس ليس بجامع، يعني: ليس منعكس. إذًا هذا الشرط الأول أن يكون مطردًا هذا شرط، أن يكون منعكسًا، نعم.
стр. 143
(وَشَرْطُ كُلٍّ أَنْ يُرَى مُطَّرِدَا ** مُنْعَكِسًا)، يعني: ومنعكسًا على إسقاط حرف العطف. (وَظَاهِرًا لاَ أَبْعَدَا) (وَظَاهِرًا)، يعني: وأن يرى ظاهرًا، [أي واضحًا] عند من؟ عند السامع، (لاَ أَبْعَدَا) الألف للإطلاق عن الذهن، [أي: أخفى من المعرف كتعريف النار بأنها جسم كالنفس]، نقول: هذا بعيد، حينئذٍ نقول: هذا التعريف ليس بظاهر، لماذا؟ لأن النار إذا مُثِّلَت بالنفس النفس واضحة عند المخاطَب أو خفية؟ خفية، ولذلك قيل: ما الروح؟ ما النفس؟ قال: الله أعلم. ولذلك كثر الخلاف فيها حينئذٍ نقول: تشبيه الجسم أو تشبيه النار بأنها جسم كالنفس نقول: هذا أخفى من النار، بل النار أوضح من النفس، لماذا؟ لكون النفس فيها خفاء، حينئذٍ لا يعرَّف المعرَّف بلفظٍ فيه خفاء إنما يكون في شيءٍ واضح ظاهرٍ عند السامع، وأما تشبيهه بالنفس والنفس فيها خفاء نقول: هذا لا يصلح التعريف به، إذًا (كتعريف النار بأنها جسمٌ كالنفس)، فإنه أخفى من المعرَّف لشدة خفاء النفس بدليل كثرة الخلاف فيها.
[(وَلاَ مُسَاوِيًا)]، يعني: (للمعرَّف في الخفاء)، (وَلاَ مُسَاوِيًا) [وأن نعم] (١).
стр. 144
(وَظَاهِرًا لاَ أَبْعَدَا)، (وَلاَ مُسَاوِيًا) [للمعرَّف في الخفاء، كقولنا في تعريف المتحرك: هو ما ليس بساكن]، وما هو ما ليس بساكن؟ هو: المتحرك، وما هو المتحرك؟ ما ليس بساكن، إذًا هذا مساويًا له ولا يصلح التعريف بالمساوي، وهذا إذا استوى كلٌّ منهما عند السامع، [(وَلاَ) أن يرى التعريف (تَجَوُّزَا) بضم الواو أي لفظٌ تُجُوِّزَا] تَجَوُّزًا [أي: لفظًا مجازيًا]، يعني: المجاز لا يدخل التعاريف، لماذا؟ لأن المجاز هو حمل اللفظ على معنًى ثانٍ غير المعنى الحقيقي له، وإن كان اشترط فيه القرينة، [ومحل امتناع المجاز [لدخوله في التعريف [إذا كان (بِلاَ قَرِينَةٍ) معينة للمراد، (بِهَا) أي بتلك القرينة (تُحُرِّزَا)] ولا تَجَوُّزًا بلا قرينة تُحُرِّزَا بها، إذًا لا بد من قرينةٍ معينةٍ للمراد، متى؟ إذا أدخلنا المجاز في التعاريف، الأصل أن التعريف لا يدخله المجاز، فإن دخله المجاز حينئذٍ لا بد من قرينةٍ معينةٍ للمراد، فإن لن لم يكن قرينة حينئذٍ المنع، [(تُحُرِّزَا) بالبناء للمجهول، يعني: محل امتناع التعريف بالمجاز إذا كان خاليًا عن القرينة المعينة للمراد التي يُحْتَرَزُ بها عن إرادة غير المراد، كتعريف العالم بأنه بحرٌ يدخل الحمام]، ما العالم؟ قال: [بحرٌ يدخل الحمام]. هو العالم الذي يدخل الحمام فقط، هذا ما حصل به التمييز، إذًا لا بد من قرينة، وهنا لم توجد قرينة تعين، أما كونه مجازًا لقوله: [بحرٌ]. لما قال: [بحرٌ]. علمنا أنه مجاز، لكن بحر هذا قد يكون في المال، قد يكون في شيءٍ آخر غير العلم، لأن التشبيه بالبحر في الكثرة والاتساع، وهذا ليس خاصًا بالعلم، إذًا [بحرٌ يدخل الحمام] نقول: هذا لا يصلح أن يُعَرَّف به العالم لأنه ليس خاصًا به، أو بحرٌ [يصلى ويصوم]، نقول: هذا لا يصلح أن يكون تعريفًا، وإن كان لفظ البحر هذا مجازًا، لعدم وجود القرينة المعينة، [فيمتنع] تعريف العالم بما ذكر، [لالتباس المراد بغيره، فإن كان مع المجاز قرينة تُعَيِّن المراد كقولنا في تعريف البليد: حيوان ناهقٌ يدخل الحمام] وهذا واضح، لأن الحمار لا يدخل الحمام، وإنما يعني الحيوان الذي هو حيوان ذو الأربع لا يدخل الحمام، وإنما البليد هو الذي يصح منه ذلك، إذًا [حيوان ناهقٌ يدخل الحمام ويصلي، جاز التعريف به]، ولو قيل في العالم: بحرٌ يلاطف الناس يُظْهِرُ الدقائق والنكات. هذا صح التعريف به لأن الذي يظهر النكات الدقائق إنما هو العالم، إذًا المراد هنا إذا وقع المجاز في التعريف فلا بد من قرينةٍ معينة، وليس المراد هنا القرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي لا عندنا قرينتان هنا، المجاز لا يصح أن يكون مجازًا إلا بقرينة تدل على أن اللفظ استعمل في غير ما وضع له في لسان العرب، وهذه القرينة قرينة مانعة، وليست المراده هنا (بِلاَ قَرِينَةٍ) ليست المراد أنها المانعة، لماذا؟ لأننا أطلقنا عليه أنه مجاز، ولا يكون مجازًا إلا بقرينةٍ مانعة، وأما المراد هنا في التعريف القرينة المعينة، يعني: القرينة الزائدة على المجاز، نثبت أولاً أنه مجاز ثم لا بد من قرينةٍ معينةٍ للمراد يحترز بها عن غير المعنى المراد، فقول الناظم: (بِلاَ قَرِينَةٍ).
стр. 145
إنما هي المعينة لا المانعة، لأن المجاز لا يتحقق إلا بقرينةٍ.
- - -
وَلاَ بِمَا يُدْرَى بِمَحْدُودٍ وَلاَ ... مُشْتَرَكٍ مِنَ القَرِينَةِ خَلاَ
(وَلاَ) يكون التعريف (بِمَا) أي بلفظ (يُدْرَى) أي يعلم معناه ... (بِمَحْدُودٍ) أي معرف يتوقف معرفة ذلك التعريف على معرفة المعرَّف لأداء ذلك إلى الدور، فيمتنع كتعريف العلم بأنه معرفة المعلوم، مع أن المعلوم تتوقف معرفته على معرفة العلم لاشتقاقه منه، وأجيب بأن المعلوم مراد منه الذات بقطع النظر عن وصفها بالمعلومية فكأنه قيل: العلم إدراك الشيء. (وَلاَ ** مُشْتَرَكٍ مِنَ القَرِينَةِ خَلاَ) أي ولا يكون التعريف بلفظ مشترك، خالٍ من القرينة المعينة للمراد كتعريف الشمس بأنه عين ومحل امتناع المشترك ما لم يُرَدْ جميع المعاني الموضوع لها كتعريف القضية بأنها قولٌ يحتمل الصدق والكذب مع أن القول مشترك بين الملفوظ والمعقول، لكن لما أريد كل منهما صح التعريف.
ــ - الشرح - ــ
[(وَلاَ) يكون التعريف (بِمَا) أي بلفظ (يُدْرَى)].
وَلاَ بِمَا يُدْرَى بِمَحْدُودٍ وَلاَ ... مُشْتَرَكٍ مِنَ القَرِينَةِ خَلاَ
(وَلاَ بِمَا يُدْرَى بِمَحْدُودٍ)، يعني: ولا بما يعلم بواسطة المعرف، وهذا مر معنا في العلم، ما هو العلم؟ إدراك المعلوم، هذا لا يمكن الوصول إلى حقيقة العلم بهذا التعريف، لماذا؟ لأنه يلزم منه الدور، فهنا توقف التعريف على معرفة المعرَّف، ما هو العلم؟ إدراك المعلوم، طيب كيف نعرف المعلوم، المعلوم هذا اسم مفعول من العلم، كيف نعرف المعلوم؟ صار هذا متوقفًا على معرفة العلم، ما هو المعلوم؟ هو المتصف بالعلم، طيب ما هو العلم؟ هو إدراك المعلوم، حينئذٍ يلزم منه الدور، هذا المراد هنا [(وَلاَ) يكون التعريف (بِمَا) أي بلفظ (يُدْرَى) أي يعلم معناه (بِمَحْدُودٍ)]، يعني: مطلق المعرف، [(بِمَحْدُودٍ) أي معرف يتوقف معرفة ذلك التعريف على معرفة المعرَّف]، يعني: نسأل عن المعرف وهو مجهول. (لأداء ذلك إلى الدور)، يعني: توقف العلم بالمعرَّف على، أو العلم بالتعريف على العلم بالمعرف وهكذا، [فيمتنع كتعريف العلم بأنه معرفة المعلوم، مع أن المعلوم تتوقف معرفته على معرفة العلم لاشتقاقه منه]، فلما جاء بلفظٍ مشتق من مادة المعرَّف حصل الدور، لأنك لا تتصور المعلوم نحن قلنا: التعريف لا بد أن يكون معلومًا عند المخاطَب، والمخاطَب يسأل عن ماذا؟ عن العلم، إذًا هو يجهل حقيقة العلم، فإذا جئت في التعريف بلفظ المعلوم المشتق من العلم لا بد أن يتصور معنًى المعلوم حتى يعرف التعريف، فإذا قلت: المعلوم. لا بد أن يعرف أنه متصفٌ بالعلم والعلم هو معرفة المعلوم، [وأجيب بأن المعلوم مراد منه الذات بقطع النظر عن وصفها بالمعلومية فكأنه قيل: العلم إدراك الشيء] المراد المثال.
الشأن لا يعترض المثال ... إذ قد كفى الفرد والاحتمال
стр. 146
هذا التعريف انتقض من هذه الجهة، العلم معرفة المعلوم، أو إدراك المعلوم، أجيب بأن المراد بالمعمول الذات بقطع النظر عن الوصف، يعني: جواب بكون تعريف العلم صحيحًا، وأجيب بكون التعريف السابق ليس بصحيح لأنه يلزم منه الدور بأن لفظ المعلوم الذي جاء في التعريف (مرادٌ منه الذات بقطع النظر عن وصفها)، المعلوم يعني: الذات المتصفة بوصفٍ بقطع النظر عن كونها علمًا، (فكأنه قيل: العلم إدراك الشيء)، وأجيب أيضًا بأن المعلوم المراد به ما من شأنه أن يعلما، على كلٍّ المراد به المثال فقط، (وَلاَ ** مُشْتَرَكٍ مِنَ القَرِينَةِ خَلاَ)، (مُشْتَرَكٍ) مرَّ معنا وهو [ما تعدد] (١) ما اتحد لفظه وتعدد وضعه ومعناه، عَيْن لفظ عين هذا متحد في اللفظ وله معانٍ متعددة، هذا النوع لا يصح أن يقع في التعريف إلا إذا دلت قرينة، أو كان المراد بالتعريف بلفظ العين مثلاً كل المعاني، إن كان المراد به جميع المعاني صح التعريف به، إن كان المراد به بعض المعاني لا بد من قرينة وإلا لم يصح، [(وَلا ** مُشْتَرَكٍ مِنَ القَرِينَةِ خَلا) أي ولا يكون التعريف بلفظ مشترك، خالٍ من القرينة المعينة للمراد كتعريف الشمس بأنه عين] قال: الشمس. ما هي الشمس؟ قال: [عين]. والعين هذا يصدق على الشمس وعلى غيرها، إذًا ليس بمعرِّف لأنه لفظٌ مشترك فلو وجدت قرينة جاز، لو قال: ما هي الشمس؟ قال: عين تضيء في الآفاق. صح التعريف، لماذا؟ لأنه جاء بقرينة معينة تدل على أن المرد بالعين هو الشمس، [ومحل امتناع المشترك ما لم يُرَدْ جميع المعاني] يُرِدْ أو يُرَدْ لا إشكال [ما لم يُرَدْ جميع المعاني الموضوع لها] اللفظ، فإن عنى جميع المعاني التي وضع لها اللفظ فلا إشكال، لأنه لا التباس متى يقع الالتباس؟ إذا أراد بعض المعاني، [كتعريف القضية بأنها قولٌ يحتمل الصدق والكذب مع أن] لفظ [القول] هذا [مشترك] بين المعاني والألفاظ، يعني: المعقولات والألفاظ، [لكن لما] كان المعنى المراد هو جميع مدلول القول صح التعريف به، إذًا [قولٌ يحتمل الصدق والكذب مع أن القول] لفظٌ مشترك [بين الملفوظ والمعقول] فليس خاصًا بالملفوظ بل هو شاملٌ للمعقول، [لكن لما أريد كل منهما صح التعريف]، إذًا (وَلاَ ** مُشْتَرَكٍ مِنَ القَرِينَةِ خَلاَ) يعني: لا يصح أن يقع اللفظ المشترك في التعاريف إلا في حالين:
الأولى: أن تكون معه قرينة تعين المراد.
الثاني: أن لا يوجد قرينة ولكن المراد جميع المعنى الذي أو المعاني التي وضع لها اللفظ.
- - -
وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ ... أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكَامُ فِي الحُدُودِ
стр. 147
(وَعِنْدَهُمْ) الظرف خبر مقدم (مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ) جار ومجرور في محل الحال من الضمير المستتر في الخبر، أو عندهم ظرف متعلق بالمردود، ومن جملة المردود هو الخبر، والمبتدأ قوله: (أَنْ تَدْخُلَ) لتأوله بمصدر منسبك من أن وما دخلت عليه (الأَحْكَامُ فِي الحُدُودِ) والمعنى على الإعراب الأول: ودخول الأحكام في التعاريف كائن عندهم حالة كونه من جملة المردود، أي الممتنع، وعلى الثاني ودخول الأحكام في التعاريف كائنٌ من جملة المردود عندهم أي: المناطقة، وخصهم بالذكر لأنهم الباحثون عن ذلك، ودخول الحكم في التعريف كقولهم: الفاعل هو الاسم المرفوع، فالرفع حكمٌ من أحكام الفاعل، والحكم على الشيء متوقف على تصوره، فإذا أخذ الحكم جزءًا في التعريف توقف المعرف عليه وحصل الدور الذي هو توقف كل من الشيئين على الآخر.
ــ - الشرح - ــ
وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ ... أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكَامُ فِي الحُدُودِ
تَدْخُلَ، تُدْخِلَ، تُدْخَلَ يجوز فيه (وَعِنْدَهُمْ) أي عند المناطقة [الظرف خبر مقدم (مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ) جار ومجرور في محل الحال من الضمير المستتر في الخبر، أو عندهم ظرف متعلق بالمردود، ومن جملة المردود هو الخبر، والمبتدأ قوله: (أَنْ تَدْخُلَ) لتأوله بمصدر منسبك من أن وما دخلت عليه] هذا إعراب [عندهم] الظرف خبرٌ مقدم [(مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ)] هذا [جار ومجرور في محل الحال من الضمير المستتر في الخبر]، أين الضمير المستتر في الخبر؟ عند خبر مقدم (أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكَامُ)، دخول الأحكام، هذا مبتدأ، أين الضمير المستتر؟ عندنا فيها ضمير مستتر؟
.
اسْتَقَرَّ واسْتَقِر، إذًا عندنا ضمير مستتر، لماذا؟ لأن عند الظرف خبرٌ مقدم، هذا من باب الاختصار، وإلا الأصل أن يقال: عندَ منصوبٌ على الظرفية متعلق بمحذوف خبر، المحذوف هو الخبر، تقديره اسْتَقَرَّ أو مُسْتَقِر، وعلى التقديرين فيه ضميرٌ مستتر، إذًا الخبر هو استقر، استقر هو عند ... [(مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ) جار ومجرور في محل الحال من الضمير المستتر في الخبر] محذوف، وأما عندنا ليس هو الخبر، وإنما هو متعلقٌ بمحذوف.
وأخبروا بظرفٍ أو بحرف جَرّ ... نَاوِينَ معنى كائنٍ أو استقر
إذًا كائنٌ هو، استقر هو، هو الضمير في الموضعين قوله: (مِنْ جُمْلَةِ). حالٌ منه، [أو عندهم] ليس بخبر [أو عندهم ظرف متعلق بالمردود، ومن جملة المردود هو الخبر]، يعني: يحتمل في عند أن يكون خبرًا، ويحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: (المَرْدُودِ). يعني: هو اسم مفعول ويتعلق به الظرف والجار والمجرور، [والمبتدأ قوله: (أَنْ تَدْخُلَ). لتأوله بمصدر منسبك من أن وما دخلت عليه]، كقوله: ﴿وَأَن تَصُومُواْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
стр. 148
[(الأَحْكَامُ فِي الحُدُودِ)، والمعنى على الإعراب الأول، ودخول الأحكام في التعاريف] ودخول أن تدخل جاء بالمبتدأ، [ودخول الأحكام في التعاريف كائن عندهم حالة كونه من جملة المردود أي الممتنع، وعلى الثاني]، يعني: بجعل عند متعلق بالمردود، [وعلى الثاني ودخول الأحكام في التعاريف] مبتدأ على الحال نفسه، [كائنٌ من جملة المردود عندهم]، الكلام يختلف بالتقديم والتأخير، [أي: المناطقة، وخصهم بالذكر] دون غيرهم) مع أن البحث مشترك [لأنهم الباحثون عن ذلك]، مبحث التعاريف إنما يكون في فن المنطق، [ودخول الحكم في التعريف كقولهم: الفاعل هو الاسم المرفوع]، المذكور قبله فعلهم، [فالرفع حكمٌ من أحكام الفاعل]، إذًا هو متعلقٌ بالذات فاعل، حينئذٍ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، ولا يحكم على الشيء إلا بعد أن تَعْرِفَهُ فَتُعَرِّفَهُ أولاً، ثم بعد ذلك تأتي بالحكم، (فالرفع حكمٌ من أحكام الفاعل، والحكم على الشيء متوقف على تصوره، فإذا أخذ الحكم جزءًا في التعريف توقف المعرف عليه وحصل الدور الذي هو توقف كل من الشيئين على الآخر) الاسم المرفوع، إذًا المرفوع نقول: هذا أثرٌ من أثار الفاعل، فنثبت أولاً ما هو الفاعل ثم بعد ذلك سيأتي الحكم.
- - -
وَلاَ يَجُوزُ فِي الحُدُودِ ذِكْرُ أَوْ ... وَجَائِزٌ فِي الرَّسْمِ فَادْرِ مَا رَوَوْا
(وَلاَ يَجُوزُ فِي الحُدُودِ) الحقيقية (ذِكْرُ أَوْ) التي للتقسيم، لأن الماهية المحدودة شيء معين لا يتنوع (وَجَائِزٌ) أي وذكر أو التقسيمية جائز (فِي الرَّسْمِ) أي التعريف الرسمي كقولهم في تعريف المعرف للشيء: هو ما يقتضي تصوره أو امتيازه عن غيره، واحترزنا بـ أو التي للتقسيم عن التي للشك أو التشكيك، فلا يجوز دخولها في الحدود ولا في الرسوم، وقوله: (فَادْرِ مَا رَوَوْا) تكملة للبيت هذا.
ــ - الشرح - ــ
وَلاَ يَجُوزُ فِي الحُدُودِ ذِكْرُ أَوْ ... وَجَائِزٌ فِي الرَّسْمِ فَادْرِ مَا رَوَوْا
стр. 149
هذا الحكم الأخير، لا يجوز يعني: اصطناعةً ليس شرعًا (وَلاَ يَجُوزُ فِي الحُدُودِ)، يعني: [الحقيقة (ذِكْرُ أَوْ) التي للتقسيم، لأن الماهية المحدودة شيء معين لا يتنوع] الماهية هي حقيقة متحدة لا تقبل التنويع ولا تتعدد، حينئذٍ لا يصح أن يقال: أو .. أَو .. أو .. . ويراد به التقسيم، لأن لا يعرف الشيء ويدخل في التعريف لفظ أو ويراد به التقسيم، [(وَجَائِزٌ) أي وذكر أو التقسيمية جائز، (فِي الرَّسْمِ) أي التعريف الرسمي كقولهم في تعريف المعرف للشيء] السابق [هو ما يقتضي تصوره تصور المعرف] هذا في سقط عندكم [ما يقتضي تصوره تصور المعرف، أو امتيازه عن غيره)، إذًا ذكر شيئين [ما يقتضي تصوره تصور المعرف] أراد به الحد، [أو] هذا للتقسيم، [امتيازه عن غيره]، هذا جائز، لأن التعريف هنا من قبيل الرسم، [واحترزنا بـ أو التي للتقسيم عن التي للشك أو التشكيك]، يعني: الإبهام، [فلا يجوز دخولها في الحدود ولا في الرسوم]، إذًا أو التقسيمية يجوز دخولها في الرسم لا في الحد، أما الحد فيمتنع، وأو التي للشك أو التشكيك يمتنع دخولها في الحد وفي الرسم، (فَادْرِ مَا رَوَوْا) أي فاعلم الذي رووه من عدم الجواز في الأول، يعني: الحد، والجواز في الثاني، قال: (تكملة للبيت).
- - -
بَابُ القَضَايَا وَأَحْكَامِهَا
مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ جَرَى ... بَيْنَهُمُ قَضِيَّةً وَخَبَرَا
ثُّمَ القَضَايَا عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ ... شَرْطِيَّةٌ حَمْلِيَّةٌ وَالثَّانِي
هذا: باب في القضايا وأحكامها
القَضَايَا جمع قضية، من القضاء وهو الحكم لاشتمالها عليه، وأحكامها بالجر عطف على القضايا، والمراد بالأحكام: التناقض والعكس. (مَا) أي اللفظ الذي (احْتَمَلَ الصِّدْقَ) والكذب (لِذَاتِهِ جَرَى ** بَيْنَهُمُ) أي المناطقة (قَضِيَّةً وَخَبَرَا) أي يسمى بهذين الاسمين، فخرج بقوله: ما احتمل الصدق والكذب ما لا يحتملهما من الإنشاءات، كاضرب فلا يسمى قضيةً ولا خبرًا. وخرج بقولنا: لذاته. ما احتمل الصدق والكذب للازمه، كاسقني الماء فإنه وإن احتمل الصدق والكذب لكن للازمه الذي هو أنا عطشان، لا لذاته أي: مدلوله المطابقي الذي هو طلب السقي، ودخل في قولنا: ما احتمل الصدق لذاته. المقطوع بصدقه من الأخبار كخبر الله وخبر رسوله ﷺ . فإنه إنما قُطِعَ بصدقه النظر إلى قائله لا بالنظر لذاته، ودخل أيضًا المقطوع بكذبه من الأخبار نحو الجزء أعظم من الكل، فإنه وإن قطع بكذبه إنما هو لتحقق خلافه بضرورة العقل.
стр. 150
(ثُمَّ) للترتيب الذكري (القَضَايَا) جمع قضية (عِنْدَهُمْ) أي المناطقة قِسْمَانِ الأول: (شَرْطِيَّةٌ) وهي ما ليس طرفاها مفردين ولا في قوتهما نحو كُلَّمَا كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا، وإن جئتني أكرمتك، والشرطية منسوبة إلى الشرط، وهو إرادة التعليق نحو كُلَّمَا، وإن في المثالين، والثاني: (حَمْلِيَّةٌ) وهي ما كان طرفاها مفردين نحو: زيد قائم، أو في قوتهما، نحو زيد قام أبوه، فالجملة الواقعة خبرًا في تأويل المفرد، والحملية نسبة إلى الحمل باعتبار طرفها المحكوم به، لأنه يسمى محمولاً تشبيهًا له بالشيء الذي حمل على غيره، (وَ) القسم (الثَّانِي) وهو الحملية قسمان:
ــ - الشرح - ــ
(هذا) قدره لك الشارح (بابٌ في القضايا وأحكامها)، وهذا ما يتعلق بالتصديقات، يعني: انتهى الناظم والشارح من بيان ما يتعلق بالتصورات، المبادئ والمقاصد انتقل الآن إلى التصديقات، والتصديقات لها مبادئ ولها مقاصد، العلم بالقضايا والتقسيمات هذه مبادئ، والقياس هو المقاصد. (بَابُ القَضَايَا)، [القَضَايَا جمع قضية] مأخوذة [من القضاء، وهو الحكم لاشتمالها عليه] يعني الحكم المراد بالحكم هنا النسبة بين الطرفين، لا الإيقاع والانتزاع قضية، يسمى قضية لماذا؟ لأنها اشتملت على الحكم، ما المراد بالحكم؟ ثبوت المحمول للموضوع، هذا المراد به، وليس المراد به الإيقاع والانتزاع الذي هو إدراك الوقوع واللا وقوع الذي مر معنا، لماذا؟ لأن الجملة تضمن ذلك، لو قال: قام زيدٌ. قام زيد هذا تضمن حكمًا وهو ثبوت، قلنا: لا بد من كلمة ثبوت، قيام زيد، قيام زيد هذا مضمون الجملة مضافًا إلى الثبوت، هذا مأخوذ من اللفظ هو الذي دل عليه، وأما الإيقاع والانتزاع هذا في النفس ليس في اللفظ، يعني: أنا الذي أدرك بالقوة العاقلة أن مدلول هذا اللفظ وقع أو لم يقع، فهو شيء خارج عن اللفظ وليس هو المراد، فإذا قيل اشتملت القضية أو الجملة على الحكم ليس المراد بالحكم هنا الإيقاع والانتزاع، لماذا؟ لأنه هذا يكون في النفس نفس المدرك، يعني: خارج عن اللفظ شيءٌ خارج عن اللفظ، وأما الذي دل عليه اللفظ فهو الحكم بمعنى ثبوت قيام زيد، إذًا قضية سميت (قضية من القضاء، وهو الحكم لاشتمالها عليه وأحكامها بالجر عطف على القضايا، والمراد بالأحكام التناقض والعكس) المستوي (التناقض والعكس)، والمراد بالعكس العكس المستوي، إذًا القضايا وأحكامها أي أحكام القضايا. والمراد بالأحكام هنا التناقض وسيأتي بابٌ خاص به، والعكس المستوي وسيأتي بابٌ خاص به.
مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ جَرَى ... بَيْنَهُمُ قَضِيَّةً وَخَبَرَا
[(مَا) أي اللفظ الذي (احْتَمَلَ الصِّدْقَ)]. قال: (والكذب). قوله: [(مَا) أي اللفظ]. ما المراد باللفظ هنا؟ هل المراد به اللفظ المفرد أو المركب؟
..
стр. 151
ولماذا؟ البحث في التصديقات وهي مركبات، ثم تقسيم إلى خبر وإنشاء أو خبر وطلب هذا تقسيم لكلام، يعني: الإسناد التام، ما وجد فيه التركيب الذي هو المسند والمسند إليه، المبتدأ والخبر أو الفعل وفاعله، إذًا [(مَا) أي اللفظ]. لو قال: الكلام. لكن أحسن، لو قال: المركب. لكن أحسن، لأن اللفظ هذا يدخل فيه المفرد، وإذا دخل المفرد المفْرد لا يقال فيه صدق وكذب، وإنما هو مقابل للمركب، [أي: اللفظ الذي ... (احْتَمَلَ)] ليجوز فيه (الصِّدْقَ)، قال: [والكذب]. الناظم هنا لم يذكر الكذب وإنما ذكر الصدق، لأن الصدق يستلزم الكذب فما احتمل الصدق لأنه محتمل للكذب قالوا: وتركه كذلك تأدبًا، لأن الخبر يقع في كلام الله تعالى، حينئذٍ ترك لفظ الكذب يكون من باب التأدب، على كلٍّ لو صُرِّحَ به ليس من قبيل سوء الأدب، [(احْتَمَلَ الصِّدْقَ) والكذب]، ما المراد بالصدق؟ المراد بالصدق مطابقة الواقع، والمراد بالكذب عدم مطابقة الواقع، زيدٌ قائمٌ نظرنا في الواقع فإذا به قاعد نقول: هذا اللفظ لم يطابق، إذًا هو كذب، زيدٌ قائمٌ وجدنا في الواقع في الخارج زيد قائم، إذًا هذا مطابق، كونه في الواقع في الخارج مدلول اللفظ موجود علمنا بأنه صدق، إذا لم يكن كذلك فهو كذبٌ، إذًا الصدق مطابقة اللفظ أو الخبر للواقع، الكذب عدم المطابقة، (لِذَاتِهِ) هذا القيد للإدخال والإخراج قيد بذاته، يعني: لذات اللفظ، بقطع النضر عن القائل، فالعبرة هنا باللفظ لا بالمتكلم، لأننا لو نظرنا إلى المتكلم لصار عندنا قسمة ثلاثية: ما لا يحتمل إلا الصدق، وما لا يحتمل إلا الكذب، وما يحتمل الصدق والكذب. وهذا ليس من مراد، إذًا [(مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ) والكذب (لِذَاتِهِ)] بقطع النظر عن المتكلم] (لِذَاتِهِ جَرَى ** بَيْنَهُمُ) أي المناطقة. (قَضِيَّةً وَخَبَرَا) يعني يسمى بهذين الاسمين]، كونه قضية لاشتمالها على القضاء وهو الحكم، وكونها خبرًا لأنها احتملت الصدق والكذب، وهما اثنان لمسمى واحد، [أي: يسمى بهذين الاسمين]، (مَا) أي اللفظ [يسمى بهذين الاسمين فخرج بقوله: ما احتمل الصدق والكذب. ما لا يحتملهما من الإنشاءات]، إذًا يقابل الخبر الإنشاء، أليس كذلك؟ والمراد بالإنشاء هنا كالأمر والدعاء أو النهي أو الطلب والتمني ونحو ذلك، هذا يعبر عنها بالإنشاء، والإنشاء ما كان مدلوله في المستقبل، يعني: لم يقع، بخلاف الخبر فما كان مدلوله في الماضي بأنه وقع فحينئذٍ لو قال: قم. لا يصح أن يوجه إليه صدقت أو كذبت قم، لا تقم، يا زيد، إلى آخره نقول: هذا لا يصدق في الجواب أن يقال له: صدقت، أو كذبت. لماذا؟ لأن المدلول هنا لم يقع أصل لا تقم، قم، يا ليتني، لعلي، إلى آخره فنقول: هذا كله لم يقع حينئذٍ لا يتوجه إليه الإثبات بالصدق أو بالنفي، [فخرج بقوله: ما احتمل الصدق والكذب. ما لا يحتملهما من الإنشاءات كاضرب فلا يسمى قضيةً ولا خبرًا] لماذا؟ لأنه لا يتوجه إليه التعبير بالصدق والكذب، لو قال: اضرب. لا يقال له: كذبت. ولا يقال له: صدقت. [وخرج بقولنا: لذاته. ما احتمل الصدق والكذب للازمه]، يعني: لا لذات اللفظ، بل لما يستلزمه، كقولهم: اسقني الماء.
стр. 152
اسقني هذا طلب، وهو إنشاء فلا يتوجه إليه الصدق والكذب، لكن اسقني الماء هذا يستلزم قوله: أنا عطشان. اسقني ماءً هذا يستلزم أنه عطشان كأنه قال: أنا عطشان فاسقني ماءً. إذًا أنا عطشان هذا يحتمل الصدق والكذب، فاللفظ اسقني ماءً يحتمل الصدق والكذب، لكن لا لذاته بل للازمه، لأنه يلزم من قوله: اسقني ماءً. الإخبار عن نفسه بأنه عطشان هذا الأصل أنه لا يطلب الماء إلا إذا كان عطشان، [كاسقني الماء فإنه وإن احتمل الصدق والكذب لكن للازمه]، لا للفظه اسقني لأنه أمرٌ وهو إنشاء، لكن للازمه [الذي هو أنا عطشان، لا لذاته أي: مدلوله المطابقي الذي هو طلب السقي، ودخل في قولنا: ما احتمل الصدق لذاته. المقطوع بصدقه من الأخبار كخبر الله وخبر رسوله ﷺ ] حينئذٍ نقول: هذا مقطوع بصدقة، وهو لا يحتمل الصدق والكذب باعتبار القائل، بل لا يحتمل إلا الصدق، وأما إذا لم ننظر إلى القائل حينئذٍ نقول: هذا يحتمل الصدق والكذب. [فإنه إنما قُطِعَ بصدقه النظر إلى قائله لا بالنظر لذاته، ودخل أيضًا المقطوع بكذبه من الأخبار نحو الجزء أعظم من الكل] كذب، صحيح؟ كذبٌ أم لا؟ كذب، مقطوع بكذبه؟ نعم مقطوع بكذبه، لكن من حيث هو بقطع النظر عن كون العقل قد دل على كذبه أو مقطوعًا بكذبه نقول: هذا داخل في الحد. [فإنه وإن قطع بكذبه إنما هو لتحقق خلافه بضرورة العقل]، إذًا لقرينة خارجة، فلولا ضرورة العقل الدالة على كذب هذا اللفظ لقلنا: يحتمل الصدق والكذب، حينئذٍ بقطع النظر عن الضرورة أدخلناه في الحد، إذًا ... (لِذَاتِهِ) للإخراج والإدخال، أخرج ماذا؟ أخرج الإنشاءات كالأمر اسقني ماءً، هذا خرج، لماذا؟ لأنه يدل على الخبر بلازمه، اسقني ماءً، يعني: أنا عطشان، أنا عطشان هذا خبر، لكن هنا لا لذاته، ودخل ما احتمل الصدق لذاته، ودخل المقطوع بصدقه والمقطوع بكذبه، إذًا للإخراج والإدخال، (ثُمَّ) بعدما عرف لك معنى الخبر، (ثُمَّ)، (مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ جَرَى ** بَيْنَهُمُ قَضِيَّةً)، (قَضِيَّةً) هذا منصوب على الحال، والضمير المستتر في (جَرَى)، (وَخَبَرَا) هذا معطف عليه.
стр. 153
[(ثُّمَ) للترتيب الذكري (القَضَايَا)] عندهم قسمان: شرطية حملية، القضايا قسمان [(القَضَايَا) جمع قضية (عِنْدَهُمْ) أي المناطقة (قِسْمَانِ) الأول: (شَرْطِيَّةٌ) قسمان شرطية، هذا بدل، ولك أن تجعله خبر لمحذوف، الأول شرطية كما قال الشارح هنا، و (حَمْلِيَّةٌ) يعني: الثاني حملية، إذًا تنقسم إلى نوعين: شرطية، وحملية. عرف الشارح هنا الشرطية بقوله: ... [ما ليس طرفاها مفردين ولا في قوتهما]، [ما ليس طرفاها] يعني المقدم والتالي، ليسا مفردين ولا في قوة المفردين، يعني: لا يؤول بالمفرد، لأنها الشرطية مقابلة للحملية، والحملية هي ما كان طرفاها مفردين، أو في قوة المفردين، طرفاها، يعني: الموضوع المحمول، وطرفا الشرطية المقدم والتالي، حينئذٍ النظر هنا في كونه مفردًا أو ليس بمفرد، [كُلَّمَا كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا]، [كُلَّمَا كانت الشمس طالعة] هذا مقدم، [كان النهار موجودًا] هذا التالي، إذًا الطرف الأول [كانت الشمس طالعة) هذا مفرد؟ ليس بمفرد، هل هو في قوة المفرد؟ لا ليس في قوة المفرد [كان النهار موجودًا]، [النهار موجودًا] هذا التالي، هل هو مفرد؟ ليس بمفرد ولا في قوة المفرد، إذًا نعبر عن هذه بأنها شرطية لوجود أداة الشرط فيها، [كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا، وإن جئتني أكرمتك]، [أكرمتك) جئت هذه جملة، [أكرمتك] هذه جملة، إذًا ليس بمفردين، [والشرطية منسوبة إلى الشرط، وهو إرادة التعليق نحو كُلَّمَا وإن في المثالين]، إذًا ما هي الشرطية؟ ما ليس طرفاها، يعني: المقدم والتالي، مفردين، معلوم المفرد، ولا في قوة المفردين، يعني: لا يؤول بالمفرد. وقيل: الشرطية ما حكم فيها على وجه الشرط والتعليق. وهذا الحد أسلم وأضبط، شرطية ما حكم فيها على وجه الشرط والتعليق، والحملية ما حكم فيها على وجه الحمل، لماذا؟ لأن هذا التعريف [ما ليس طرفاها مفردين ولا في قوتهما] منتقض لقولك في المتصلة: هذا ملزوم لذاك. لأنه قد يأتي ما كان في قوة الطرفين أو المفردين في الشرطية المتصلة والمنفصلة، حينئذٍ انتقض التعريف [ولا في قوتهما] يعني ولا في قوة المفردين، وجد في قولهم: هذا ملزوم لذاك، كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا بينهما تلازم أو لا؟ كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا بينهما تلازم كأنك قلت: هذا ملزوم لذاك. إذًا هو في قوة المفردين، إن جئتني أكرمتك، هذا ملزوم لهذا، بمعنى أن المجيء ملزوم للإكرام، الإكرام لازم حينئذٍ ترتب عليه، والأولى أن يعبر بأن الشرطية ما حكم فيها على وجه الشرط والتعليق.
[والثاني: (حَمْلِيَّةٌ) وهي ما كان طرفاها مفردين نحو: زيد قائم، أو في قوتهما] يعني: قوة المفردين، يعني يؤول بالمفرد، [نحو زيد قام أبوه]، [زيد] هذا مبتدأ، [قام أبوه] جملة خبر في قوة المفرد، قائمٌ أبوه، إذًا أُوِّلَ الثاني بالمفرد، [فالجملة الواقعة خبرًا في تأويل المفرد، والحملية نسبة إلى الحمل باعتبار طرفها المحكوم به]، إذًا (ثُّمَ القَضَايَا) قسمان، القضايا تنقسم إلى قسمين: شرطية، وحملية.
شرطية ما كان الحكم فيه على وجه الشرط والتعليق.
والحملية ما لم يكن كذلك.
стр. 154
إذًا ما وجد فيه أداة الشرط والتعليق ترتيب أمرٍ على أمر يسمى ماذا؟ شرطي، هذا التعريف أولى من ما ذكره الناظم أو الشارح.
والقسم الثاني وهو الحملية قسمان، (وَالثَّانِي)، (شَرْطِيَّةٌ حَمْلِيَّةٌ وَالثَّانِي) أي الحملية. يعني: تقسيمات متداخلة، القضية تنقسم إلى الشرطية وحملية، ثم الحملية تنقسم إلى كلية وشخصية. [(وَ) القسم (الثَّانِي) وهو الحملية قسمان:]
- - -
كُلِّيَّةٌ شَخْصِيَّةٌ وَالأَوَّلُ ... إِمَّا مُسَوَّرٌ وَإِمَّا مُهْمَلُ
(كُلِّيَّةٌ) وأراد بها ما موضوعها كلي، سواءٌ كانت مسورةً بسورٍ كلي أو جزئي، أو مهملة من السور نحو: الإنسان حيوان ليصح التقسيم الآتي، و (شَخْصِيَّةٌ)، وهي: ما موضوعها معين، وتسمى مخصوصة، كزيد كاتبٌ، (وَ) القسم (الأَوَّلُ) من الحملية (إِمَّا مُسَوَّرٌ) بالسور الكلي أو الجزئي، (وَإِمَّا مُهْمَلُ) أي خالٍ عن السور.
ــ - الشرح - ــ
стр. 155
(كُلِّيَّةٌ) وشخصية، [(كُلِّيَّةٌ) وأراد بها] الناظم هنا (ما موضوعها كلي) بمعنى أن المبتدأ، أو الفاعل، أو نائب الفاعل يكون كليًّا، وهو ما أفهم اشتراكًا حينئذٍ نقول: هذه قضية حملية كلية. لماذا؟ حملية لأن الحكم فيها لا على وجه التعليق والشرط، وكونها كلية لأن موضوعها لفظ كلي وهو ما أفهم اشتراكًا (سواءٌ كانت مسورةً بسورٍ كلي) يعني تقدم على الموضوع لفظٌ، ويسمى سورًا يدل على الإحاطة والشمول، [بسور كليٍّ، أو جزئي، أو مهملة]، وهذه ثلاثة أنواع [أو مهملة من السور نحو: الإنسان حيوان]، [الإنسان] مبتدأ [حيوان] خبر، ما نوع القضية هنا؟ نقول: حملية. لماذا؟ لأن الحكم فيها على وجه الحمل لا على وجه الشرط والتعليق، هذا أولاً، ما نوعها من أنواع الحملية؟ كلية، لماذا؟ لكون موضوعها لفظ إنسان وهو كلي وسبق أنه ما أفهم اشتراكًا، هنا لفظ إنسان لم يتقدم عليه لفظ مما يدل على العموم، فلو قيل: كل إنسانٍ حيوان، بعض الإنسان حيوان، الإنسان حيوان. كم هذه؟ ثلاثة، كل إنسان حيوان، هذه كلية لكنها مسورة بسور كلي وهو لفظ كل الدال على الإحاطة والشمول، كلية لأن موضوعها الذي هو المضاف إليه لفظ كل لفظٌ كلي، لكونها مسورة بسور كلي، قلنا: كلية. باعتبار آخر، بعض الإنسان حيوان، هذه كلية على ما أراده الناظم هنا كلية، لأن موضوعها كلي، وهو لفظ إنسان، وهي مسورة بسورٍ جزئي، ولذلك تسمى جزئية كما سيأتي، لكن الكلام هنا في الموضوع، الإنسان حيوان، لم يتقدم لفظ الإنسان سورٌ كلي ولا جزئي يعبر عنها بأنها مهملة يعني خالية عن السور، لم يتقدمها سور لا كلي ولا جزئي، يسمى ماذا؟ تسمى مهملة [أو مهملة من السور نحو الإنسان حيوان ليصح التقسيم الآتي]، يعني: تفسير الكلية هنا ليس بما شاع واصطلح عند المناطقة بأنها المسورة بسور كلي، وإنما المراد ما موضوعها كلي بقطع النظر عن السور من وجوده وعدمه، [ليصح التقسيم الآتي و (شَخْصِيَّةٌ)] هذه مقابل للكلية [و (شَخْصِيَّةٌ) وهي: ما موضوعها معين]، يعني: جزئي، يعني: يقابل الكلية، وهذا يدل على أن مراد الناظم هنا بالكلية باعتبار الموضوع لا باعتبار السور [و (شَخْصِيَّةٌ) وهي: ما موضوعها مشخصٌ معين وتسمى مخصوصة، زيد كاتبٌ] هل هذا القضية كلية أو شخصية؟ أولاً حملية أو شرطية؟ تقول: حملية، لكون الحكم فيها على وجه الحمل لا على وجه الشرط والتعليق، زيدٌ كاتبٌ هل هي كلية أم شخصية؟ شخصية، لماذا؟ لأن النظر هنا في الحكم على الكلية أو الجزئية أو الشخصية باعتبار ماذا؟ باعتبار الموضوع، والموضوع زيد كاتبٌ شخصي، بمعنى أنه بمجرد تعقل معناه يمنع الشركة فيه، أو إن شئت قل: ما لا يفهم اشتراكًا. فزيد لا يفهم اشتراكًا، حينئذٍ نقول: ما موضوعه جزئي تسمى شخصية.
[(وَ) القسم (الأَوَّلُ) من الحملية] الكلية (إِمَّا مُسَوَّرٌ وَإِمَّا مُهْمَلُ) يعني: الكلية نوعان: كلية مسورة بسورٍ، وكلية مهملة عن السور.
стр. 156
((وَ) القسم (الأَوَّلُ) من الحملية) والكلية ((إِمَّا مُسَوَّرٌ) بالسور الكلي أو) بالسور الجزئي، (وَإِمَّا مُهْمَلُ)، أي خالٍ عن السور)، وإذا نظرنا في كلام الناظم السابق واللاحق نقول: الحملية أربعة أقسام، الحملية عند التفصيل أربعة أقسام:
الشخصية وهي ما كان موضوعها شخصيًّا وشخص زيدٌ كاتبٌ.
الثاني: المهملة وهي ما كان موضوعها كليًّا وأهملت عن السور، سواء كان سورًا كليًّا أو جزئيًّا.
ثالثًا: الكلية وهي المسورة بسورٍ كلي، كل إنسان حيوان.
رابعًا: الجزئية وهي المسورة بالسور الجزئي بعض الحيوان إنسان.
إذًا الحملية أربعة أقسام: شخصية، ومهملة، وكلية، وجزئية.
ثم قال:
- - -
وَالسُّورُ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا يُرَى ... وَأَرْبَعٌ أَقْسَامُهُ حَيْثُ جَرَى
إِمَّا بِكُلٍّ أَوْ بِبَعْضٍ أَوْ بِلاَ ... شَيءٍ وَلَيْسَ بَعْضُ أَوْ شِبْهٍ جَلاَ
(وَالسُّورُ كُلِّيًّا) إن دل على الإحاطة بجميع أفراده، (وَجُزْئِيًّا) إن دل على الإحاطة ببعضها، (يُرَى) أي يعلم (وَأَرْبَعٌ أَقْسَامُهُ) أي أقسام السور أربعة، (حَيْثُ جَرَى) أي وقع لأنه إما سورُ إيجابٍ كليٍّ أو جزئي، أو سور سلبٍ كليٍّ أو جزئي كما أشار إلى ذلك بقوله: (إِمَّا بِكُلٍّ). نحو: كل إنسان حيوان (أَوْ بِبَعْضٍ)، نحو: بعض الإنسان كاتبٌ (أَوْ بِلاَ ** شَيءٍ) نحو: لا شيء من الإنسان بحجر. (وَلَيْسَ بَعْضُ) الواو بمعنى أو نحو: ليس بعض الحيوان بإنسان، وقوله: (أَوْ شِبْهٍ) عطف على كل، وقوله: (جَلاَ) أي أظهر السور الإحاطة بجميع الأفراد أو ببعضها، فَشِبْهُ كلٍّ جميع وعامة نحو: جميع الإنسان حيوان، وعامة الإنسان حيوان، وشبه بعضٍ فريقٌ نحو: فريقٌ من الإنسان كاتبٌ، وشبه لا شيء لا أحد ولا دَيَّار، نحو: لا أحد من الإنسان بفرس، وشبه ليس بعض ليس كل فهو من أسوار السلبي الجزئي، لأنها رفع للإيجاب الكلي نحو: ليس كل حيوانٍ بفرس.
ــ - الشرح - ــ
стр. 157
(وَالسُّورُ كُلِّيًّا) السور المراد به ما دل على الإحاطة بجميع أفراده أو بعضها، ما دل على الإحاطة بجميع الأفراد أو بعضها يسمى سورًا، كل إنسان حيوان، لفظ كل يسمى سور، بعض الإنسان حيوان، لفظ بعض يسمى سورًا، إذًا دل على الإحاطة بكل أو ببعض، إذًا السور ما دل على الإحاطة بجميع الأفراد كلفظ كل، أو بعض الأفراد كلفظ بعض [(وَالسُّورُ كُلِّيًّا) إن دل على الإحاطة بجميع أفراده، (وَجُزْئِيًّا) إن دل على الإحاطة ببعضها (يُرَى) أي يعلم (وَأَرْبَعٌ أَقْسَامُهُ) أي أقسام السور أربعة، (حَيْثُ جَرَى) أي وقع لأنه] (حَيْثُ) هنا للإطلاق، [لأنه إما سورُ إيجابٍ كليٍّ أو جزئي، أو سور سلبٍ كليٍّ أو جزئي]، يعني: الكلية المسورة بسورٍ كلي إما موجبة وإما سالبة، والجزئية المسورة بسورٍ جزئي إما سالبة وإما موجبة، فعندنا سورٌ كلي إيجابي، وسورٌ كلي سلبي، وعندنا سورٌ جزئي إيجابي وسورٌ جزئي سلبي، واضح هذا؟ إذًا الكلية نوعان باعتبار ماذا؟ باعتبار السلب والإيجاب، والجزئية نوعان باعتبار السلب والإيجاب، قال هنا: [أي: وقع، لأنه إما سور إيجابٍ كليٍّ أو جزئي، أو سور سلبٍ كليٍّ أو جزئي]. جمع بينهما في الإيجاب والسلب [كما أشار إلى ذلك بقوله: (إِمَّا بِكُلٍّ) نحو: كل إنسان حيوان]، هذه مسورة بسورٍ كل.
أولاً: هي حملية، لأن الحكم هنا وقع على جهة الحمل لا على الشرط.
ثانيًا: هي كلية، لكون موضوعها كلي وهو لفظ إنسان.
ثالثًا: هي كلية باعتبار السور.
كلية لها نظران يعني: اصطلاحان، باعتبار الموضوع بقطع النظر عن السور تُسمى كلية وهي التي جعلها الناظم، كليةٌ باعتبار السور، يعني: ما سورت بسور كلي، هنا كل إنسانٍ حيوان هي كليةٌ باعتبار موضوعها وهي كلية باعتبار السور، ثم هي موجبة أربعة أشياء، حملية كليةٌ لأن موضوعها كلي، كليةٌ لأنها مسورة بسور كلي، ثم هو إيجابي، أربعة أشياء، يعني: ليس سلبية، (أَوْ بِبَعْضٍ)، يعني: بلفظ بعض، [نحو: بعض الإنسان كاتبٌ] حملية، كلية موضوعها كلي، جزئية لأنها مسورة بسور جزئي يدل على البعض بعض الأفراد، موجبة ليست سالبة، أربعة أشياء، [(أَوْ بِلاَ ** شَيءٍ) نحو: لا شيء من الإنسان بحجر]، هذه لا شيء نكرة في سياق النفي تعم، إذًا هو سور كلي لأن النفي هنا لجميع الأفراد، وإذا كان كذلك فهذا سور كلي، إذاً هي حمليةٌ.
ثانيًا: كلية، لأن قوله: [من الإنسان]. هو المحكوم عليه في المعنى.
ثالثًا: مسورة بسورٍ كلي.
رابعًا: السلبي، يعنى: نفي.
стр. 158
[(وَلَيْسَ بَعْضُ) الواو بمعنى أو نحو: ليس بعض الحيوان بإنسان] هذا مثال لقوله: (أَوْ بِبَعْضٍ). هذا بالإثبات، [ليس بعض]، يعني: إذا تقدم على السور الجزئي نفي، سواء كان بالحرف أو بالفعل فهي حملية جزئية سالبةٌ، [ليس بعض الحيوان بإنسان] نعم وهو كذلك، بل هو فرس، [ليس بعض]، إذًا هذا مسور بسور جزئي لكنه سلبي، يعني: منفي. (أَوْ)، [وقوله: (أَوْ شِبْهٍ). عطف على كل]، يعني: شبه لفظ كل، وشبه لفظ لا شيء، وشبه لفظ بعض، وشبه لفظ ليس بعض، يعني: ما يشبه المذكور، ما دل على الإحاطة بجميع الأفراد سواء كان بلفظ كل أو غيرها من صيغ العموم كعامة وجميع فهو سور كلي، إن تقدمه سلبٌ فهو سالب، وإن لم يتقدمه سلب فهو إيجابي، وكذلك ما دل على ما دل عليه لفظ بعض كفريق وطائفة حينئذٍ نقول: هذا سور جزئي. إن تقدمه سلبٌ فهو سلبي، إن لم يتقدمه فهو إيجابي، [(أَوْ شِبْهٍ). عطف على كل، وقوله: (جَلاَ). أي: أظهر السور الإحاطة بجميع الأفراد أو ببعضها، فَشِبْهُ كلٍّ جميع] شبه كلٍّ ما الذي يشبه كل في الإحاطة والشمول؟ [جميع وعامة نحو: جميع الإنسان حيوان]، هذا مثل قولك: كل إنسان حيوان. لأن كل وجميع من ألفاظ الإحاطة والشمول، [وعامة الإنسان حيوان]، عامة مثل كل، [وشبه بعضٍ فريقٌ نحو: فريقٌ من الإنسان كاتبٌ]، يعني: بعض الإنسان كاتبٌ، [وشبه لا شيء لا أحد ولا دَيَّار، نحو: لا أحد من الإنسان بفرس] يعني نكرة من سياق النفي ويدل على العموم، [وشبه ليس بعض ليس كل فهو من أسوار السلبي الجزئي] لأن النفي هنا تقدم على كل، وإذا تقدم النفي على كل قلنا: هذا نفي للبعض. حينئذٍ صار مرادفًا لقوله: [ليس بعض]. على ما ذكرناه بالأمس، [وشبه ليس بعض ليس كل فهي] أي لفظ ليس كل، [من أسوار السلب الجزئي، لأنها رفع للإيجاب الكلي نحو: ليس كل حيوانٍ بفرس]، يعني: بعضه فرس، إذًا (وَالسُّورُ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا يُرَى وَأَرْبَعٌ)، أربعٌ بحذف التاء، الأصل أربعة بحذف التاء للضرورة.
وَالسُّورُ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا يُرَى ... وَأَرْبَعٌ أَقْسَامُهُ حَيْثُ جَرَى
إِمَّا بِكُلٍّ .................. ... ..........................
أن يكون السور متلبسًا بلفظ كل، (أَوْ بِبَعْضٍ) هذا في الجزئية، (أَوْ بِلاَ شَيءٍ) هذا كلية سالبة، وليس بعض أو شبه المذكور.
- - -
وَكُلُّهَا مُوجَبَةٌ وَسَالِبَهْ ... فَهْيَ إِذَنْ إِلَى الثَّمَانِ آيِبَهْ
стр. 159
وقوله: (وَكُلُّهَا) أي جميع القضايا الشخصية والكلية المسورة بالسور الكلي والمسورة بالسور الجزئي والمهملة، (مُوجَبَةٌ وَسَالِبَهْ ** فَهْيَ إِذًا) أي إذا علمت ما سبق من كونها موجبة وسالبة (إِلَى الثَّمَانِ آيِبَهْ) أي راجعة، وهي الشخصية الموجبة نحو زيدٌ كاتبٌ، والسالبة زيدٌ ليس بكاتبٍ، والكلية الموجبة كل إنسان حيوان، والسالبة نحو: لا شيء من الإنسان بحجر. والجزئية الموجبة نحو: بعض الإنسان كاتب، والسالبة نحو: بعض الإنسان ليس بكاتب، والمهملة الموجبة نحو: الحيوان إنسان، والسالبة نحو: الحيوان ليس بإنسان، والمهملة في قوة الجزئية، فلذلك صدق قولنا: الحيوان إنسان، والحيوان ليس بإنسان. لأنه في قوة قولنا: بعض الحيوان إنسان، وبعض الحيوان ليس بإنسان.
واعلم أن للقضية ثلاثة أجزاء، أشار إلى اثنين منها بقوله:
ــ - الشرح - ــ
[(وَكُلُّهَا) أي جميع القضايا الشخصية والكلية المسورة بالسور الكلي والمسورة بالسور الجزئي والمهملة (مُوجَبَةٌ وَسَالِبَهْ ** فَهْيَ إِذَنْ إِلَى الثَّمَانِ آيِبَهْ)] راجعة، إذًا الحملية الأربعة السابقة: شخصية، كلية، جزئية، مهملةٌ. هذا أربعة، قلنا: أقسام الحملية أربعة. كل منهما إما إيجاب أو سلب أربع في اثنين بثمانية، واضح؟ إذًا أقسام الحملية أربعة، إما شخصية ما كان موضوعها شخصية مشخصة زيدٌ كاتب، وإما مسورة بسورٍ كلي كل إنسان حيوان، أليس كذلك؟ أو مسورة بسورٍ جزئي، أو مهملة من السور، أربعة أنواع، هذه الأربعة إما أن تكون موجبة أو سالبة، مشخصة موجبة، مشخصة سالبة، كلية موجبة، كلية سالبة، جزئية موجبة، جزئية سالبة، مهملة موجبة، مهملة سالبة، (فَهْيَ إِذَنْ إِلَى الثَّمَانِ آيِبَهْ)، (فَهْيَ)، [(وَكُلُّهَا) أي جميع القضايا الشخصية والكلية المسورة بالسور الكلي] قيدها هنا لا باعتبار الموضوع، وإنما باعتبار السور، [والمسورة بالسور الجزئي والمهملة] هذه كم؟ كم هذه؟ أربعًا انتبه قال: [جميع القضايا الشخصية والكلية المسورة بالسور الكلي]. قيد الكلية هنا باعتبار السور، وأما باعتبار الموضوع بقطع النظر عن السور هذا من أجل تصحيح التقسيم الذي ذكره الناظم، [والمسورة بالسور الجزئي والمهملة، (مُوجَبَةٌ وَسَالِبَهْ)]، أربع في اثنين، [(فَهْيَ إِذَنْ) أي إذا علمت ما سبق من كونها موجبة وسالبة (إِلَى الثَّمَانِ آيِبَهْ) أي راجعة، وهي الشخصية الموجبة نحو زيدٌ كاتبٌ]، زيد كاتب هذه حملية أو شرطية؟ أولاً قبل ذلك خبرٌ أو طلبٌ؟ هي خبر.
مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ جَرَى ... بَيْنَهُمُ قَضِيَّةً وَخَبَرَا
إذًا من أيّ أنواع القضايا؟ حملية، لأن الحكم فيها على وجه الحمل لا على وجه التعليق والشرط، طيب ما نوعها؟ مشخصة، لماذا؟ لكون الموضوع فيها الذي هو المبتدأ مشخصًا معين، يعني: جزئي، لا يحتمل عند تعقل معناه الشركة، زيدٌ كاتبٌ، موجبة أو سالبة؟
ما الدليل؟
[نعم]؟.
ما الدليل على أنها موجبة؟
لم يسبقه نفي.
ما الذي يحتاج إلى إثبات؟ ما الأصل الإيجاب أو السلب؟
стр. 160
الأصل الإيجاب، لأنه يحتاج إلى تعليل، والسلب هذا فرع لأنه يحتاج أن يقال: تقدمت ما، تقدمت ليس، فالسلب فرعٌ عن الإيجاب لأنه يحتاج إلى قرينة، وما لا يحتاج إلى قرينة من حرف أو اسمٍ فهو الأصل، إذًا الأصل في الجمل هي الإيجاب، والفرع هو السلب، هذا مثال لماذا؟ الشخصية الموجبة هذه الأولى.
والشخصية [السالبة زيدٌ ليس بكاتبٍ] نفي الكتابة عن زيد، هذا حكم الجملة نفي الكتابة عن زيد، [والكلية الموجبة كل إنسان حيوان]، هذه مصدرة بسورٍ كلي وهو موجب، يعني: لم يتقدمه سالب، [والسالبة نحو: لا شيء من الإنسان بحجر]، نعم لا شيء من أفراد الإنسان بحجر، يعني: الحجر الحسي. [والجزئية الموجبة] هذه خامسة (نحو: بعض الإنسان كاتب]، بعض الإنسان لا كل الإنسان، يعني: كاتب بالفعل وليس المراد كاتب بالقوة، [والسالبة نحو: بعض الإنسان ليس بكاتب، والمهملة الموجبة نحو: الحيوان إنسان] هذه مهملة، لأن موضوعها كلي ولم يتقدمها سور لا جزئي ولا كلي، تسمى ماذا؟ تسمى مهملة وهي في قوة الجزئية، [والسالبة نحو: الحيوان ليس بإنسان] هذه سالبة، لأنه تقدم حرف السلب، [والمهملة في قوة الجزئية، فلذلك صدق قولنا: الحيوان إنسان، والحيوان ليس بإنسان. لأنه في قوة قولنا: بعض الحيوان إنسان، وبعض الحيوان ليس بإنسان] المهملة في قوة الجزئية، يعني: مفهومها مفهوم القضية الجزئية، ولذلك قال هنا: [الحيوان إنسان]. هل كل حيوان إنسان؟ لا، إذًا هذه صادقة [الحيوان إنسان]، يعني: [بعض الحيوان إنسان]، إذًا تفسر الجملة المؤلفة من الحيوان إنسان بقضية جزئية، فدل على أن في قوتها، يعني: بمعناها، [والحيوان ليس بإنسان]، يعني: [بعض الحيوان ليس بإنسان] كالفرس، إذًا هي في قوة الجزئية السالبة، [لأنه في قوة قولنا: بعض الحيوان إنسان] هذا في الموجبة، [وبعض الحيوان ليس بإنسان) هذا في المهملة السالبة.
[واعلم أن للقضية] إذًا هذه ثمانية، ثمانية يأتي تفصيلها في باب الإشكال، يعني: سالبة موجبة، إلى آخره.
[واعلم أن للقضية ثلاثة أجزاء، أشار إلى اثنين منها بقوله:].
- - -
وَالأَوَّلُ المَوْضُوعُ فِي الحَمْلِيَّهْ ... وَالآخِرُ المَحْمُولُ بِالسَّوِيَّهْ
стр. 161
(وَالأَوَّلُ) في الرتبة وهو المحكوم عليه، وإن ذكر آخرًا (المَوْضُوعُ) أي الجزء المحكوم عليه سمي موضوعًا تشبيهًا له بشيء وضع ليحمل عليه كزيد من قولنا: زيدٌ قائم، أو قام زيدٌ، فزيدٌ موضوع في المثالين، وإن كان مؤخرًا في الثاني (بالحَمْلِيَّهْ) أي فيها (وَالآخِرُ) في الرتبة وإن ذكر أولاً هو (المَحْمُولُ) سمي محمولاً لأنه محكوم به، فشبه بالسقف الذي حمل على الجدار مثلاً، وقوله: (بِالسَّوِيَّةْ) أي حالة كونهما مستويين أي مصطحبين في الذكر فلا يذكر أحدهما إلا مع الآخر، والجزء الثالث من القضية هو النسبة أي ثبوت المحمول للموضوع كثبوت القيام لزيد مثلاً، ويسمى اللفظ الدال عليها رابطة لدلالته على النسبة الرابطة بين الجزأين، والرابطة إما غير زمانية كهو في قولنا: زيد هو قائمٌ، أو زمانية ككان، في قولنا: كان زيدٌ قائمًا، ولم يذكر المصنف الرابطة لعدم لزومها في القضية، إذ كثيرًا ما يستغنى عنها في لغة العرب بالإعراب، والرابط اللفظي، وتسمى القضية الحملية عند عدم الرابطة ثنائية لتركبها من جزأين وعند ذكر الرابطة ثلاثية لتركبها من ثلاثة أجزاء.
ــ - الشرح - ــ
وَالأَوَّلُ المَوْضُوعُ فِي الحَمْلِيَّهْ ... وَالآخِرُ المَحْمُولُ بِالسَّوِيَّهْ
يعني: الحملية هي المؤلفة من مفردين أو ما كان في قوة المفردين.
المفرد الأول: المحكوم عليه يسمى موضوعًا، سواء تقدم أو تأخر، وهو محصور في اثنين أو ثلاثة: المبتدأ، والفاعل، ونائبه. ثلاثة أشياء.
والثاني الآخَر أو الآخِر يسمى محمولاً وهو محصور في اثنين: الفعل، والخبر، وهذا مر معنا.
[(وَالأَوَّلُ) في الرتبة وهو المحكوم عليه، وإن ذكر آخرًا]، يعني: المبتدأ قد يتأخر، فالعبرة بماذا؟ بالمعنى المحكوم عليه، (المَوْضُوعُ) وهو ينحصر في ثلاثة: المبتدأ وفاعله، وفاعل الفعل، ونائبه.
стр. 162
[(المَوْضُوعُ) أي الجزء المحكوم عليه سمي موضوعًا تشبيهًا له بشيء وضع ليحمل عليه كزيد] أو [زيدٍ، من قولنا: زيدٌ قائم]، فنقول: زيد هذا موضوع، لماذا؟ لأنه محكوم عليه، وهو متقدم في الرتبة وهو متقدم، ولو تأخر لو قيل: قائم زيدٌ. زيدٌ موضوع، لماذا؟ لأن حقه التقديم وهو مبتدأ، وإن تأخر في اللفظ، وهو موضوعٌ سمي موضوع لكونه وضع من أجل ماذا؟ أن يحمل عليه المحمول، يعني: ليخبر عنه بالخبر، [كزيد من قولنا: زيدٌ قائم، أو قام زيدٌ]. زيدٌ هذا موضوع، لأنه وضع ليحكم عليه، إذًا هو محكوم عليه، فكل محكومٍ عليه في التركيب يسمى موضوعًا، سواء كان مبتدئًا أو فاعلاً أو نائب فاعل، [فزيدٌ موضوع في المثالين] الجملة الاسمية والفعلية، [وإن كان مؤخرًا في الثاني] رتبته التأخير [(فِي الحَمْلِيَّهْ) أي فيها]، يعني: في الحملية. (وَالآخِرُ) بكسر الخاء، يعني: المتأخر، [(وَالآخِرُ) في الرتبة وإن ذكر أولاً هو (المَحْمُولُ)]، وهذا ينحصر في اثنين: الخبر، والفعل. [سمي محمولاً لأنه محكوم به، فشبه بالسقف الذي حمل على الجدار مثلاً]، يعني: حمل على الموضوع. [وقوله: (بِالسَّوِيَّةْ). أي: حالة كونهما مستويين أي مصطحبين في الذكر] المبتدأ لا بد له من خبر، والخبر لا بد له من مبتدأ، والفعل لا بد له من فاعل، والفاعل لا بد له من فعل، إذًا هما مصطحبان في الذكر، [مصطحبين في الذكر، فلا يذكر أحدهما إلا مع الآخر] لا يذكر الموضوع إلا مع المحمول، ولا المحمول إلا مع الموضوع، [والجزء الثالث من القضية هو النسبة أي ثبوت المحمول للموضوع كثبوت القيام لزيد مثلاً]، وهذا مر معنا النسبة هي الارتباط والتعلق بين الموضوع والمحمول، زيدٌ قائمٌ على ثلاثة أجزاء، إدراك زيد، وإدراك قائم، الأول موضوع والثاني محمول، بقي جزء ثالث وهو: ارتباط المحمول بالموضوع، وهو ما يسمى بالنسبة والتعلق، [أي ثبوت المحمول بالموضوع كثبوت القيام لزيد]، انتبه قيام لزيد، وقال: ثبوت.
стр. 163
هذا ما يسمى بحكم الجملة، وهو الثبوت المضاف إلى مضمون الجملة، وعرفنا كيف نأتي بمضمون الجملة، بالنظر إلى المحمول، إن كان مشتقًا جئنا بالمصدر مضافًا إلى الموضوع مع إضافة لفظ الثبوت، ... [ويسمى اللفظ الدال عليها] على النسبة، [رابطة] يسموها المناطقة بالرابطة، [لدلالته على النسبة]، يعني: قد يكون ملفوظًا به وقد لا يكون ملفوظًا، وإنما يدرك بالعقل، أو يدرك بحركة الإعراب، أو بهيئة التركيب، [ويسمى اللفظ الدال عليها] على النسبة [رابطةً لدلالته على النسبة الرابطة بين الجزأين، والرابطة إما غير زمانية كهو، في قولنا: زيد هو قائمٌ]، الذي دل هنا لفظٌ وهو لا يدل على الزمان، يعني: لفظٌ هو هذا مجرد عن الزمان، لأنه اسم، [أو زمانية ككان، في قولنا: كان زيدٌ قائمًا]، الذي دل على الارتباط هنا بين زيد وقائم في الزمن الماضي لفظ كان، وهي رابطة زمانية، [زيدٌ هو قائم]، يعني: الموصوف بالقيام، هنا هو رابط غير زماني، [كان زيد قائمًا] رابط زمانيٌّ، [ولم يذكر المصنف الرابطة لعدم لزومها في القضية، إذ كثيرًا ما يستغنى عنها في لغة العرب بالإعراب]، يعني: مجرد النطق، زيدٌ قائمٌ عرفنا أن زيد مبتدأ بالحركة، وقائمٌ خبر بالحركة، إذًا هذا يكتفى به، ولا نحتاج أن نقول: رابط زماني، وغير زماني. لأن العبرة بالإعراب وهو الأصل، [إذ كثيرًا ما يستغنى عنها في لغة العرب بالإعراب] يعني حركة الإعراب. كذلك هيئة تركيب الجملة، [والرابط اللفظي وتسمى القضية الحملية عند عدم الرابطة ثنائية لتركبها من جزأين] زيدٌ قائمٌ، [وعند ذكر الرابطة ثلاثية لتركبها من ثلاثة أجزاء] لا نحتاج إلى هذا، زيدٌ قائمٌ حملية ثنائية، لماذا؟ لعدم وجود الرابط اللفظي، كان زيدٌ قائمًا هذه حملية ثلاثية لوجود الرابط وهو لفظ كان.
(وَإِنْ عَلَى التَّعْلِيقِ فِيهَا قَدْ حُكِمْ)، هذا النوع الثاني وهو الشرطية، ويأتي بحثه بعد المغرب إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
- - -
стр. 164
عناصر الدرس
* تتمة باب في القضايا وأحكامها.
* فصل في التناقض.
* فصل في العكس المستوي.
أسئلة:
س: هذا يقول: لم يذكر الناظم بعض النسب المهمة، وهي: التساوي ثاني العموم والخصوص المطلق، ثالث العموم والخصوص الوجهي، فهل شرحتموها لنا؟
ج: نعتذر عن الشرح، لأنها مشروحة في المطول، هنا نقف مع كلام الشارح فقط رحمه الله تعالى.
س: هل لفظة كل المذكورة في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]. هي من نوع جميع أو المجموع؟
ج: هذا من إطلاق الكل ويراد الجزء، يعني: من قبيل المجموع لا من قبيل الكل.
س: هذا عنده إشكال، ذكرتم أن قضية واجب الوجود أو الإله الحق لا تصح التمثيل بها في الكلي الذي وجد منه فرد واحد مع استحالة غيره، لأن العقل لا يعارض النقل.
ج: يقول: الكلي من مباحث الألفاظ. أولاً هذا غلط ليس الكلي من مباحث الألفاظ فقط، إنما النظر فيه من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، ولذلك نقول: المفرد ينقسم إلى قسمين: كلي، وجزئي. ثم ننظر في الكلي من أجل أن نفرق بينه وبين الجزئي، ننظر فيه من جهة المدلول، من جهة المعنى، فالذي يفرق بين هذا وذاك هو المعنى، ولذلك نقول: ما أفهم اشتراكًا. إذًا ما يعني: لفظ أفهم. إذًا المفهوم، يعني: المفهوم يكون شيئًا عقليًّا، شيئًا مدرك بالعقل، وكذلك على الحد الآخر ما لا يمنع تعقل مدلوله من وقوع الشركة فيه، إذًا تعقل المدلول، النظر في المدلول، فالذي يفرق بين الكلي والجزئي هو المدلول، والمدلول محله في العقل، إذًا الكلي من مباحث الألفاظ فقط؟ لا فيه نظر، فواجب الوجود والإله الحق من حيث اللفظ كلية، لا ليس من حيث اللفظ كلية، إنما لا بد من مراعاة المدلول، ومن حيث وجود أفرادهما في الخارج ما وجد إلا فرد واحد، ومن حيث الوجود في الذهن جزم العقل باستحالة وجود فرد آخر غيره، كيف جزم العقل وهو جَوَّز؟ العقل يدل على أن واجب الوجود على التسليم به أفهم اشتراكًا، إذًا العقل يجوز وجود أفراد، كل فرد من هذه الأفراد الموجودة في الذهن واجب الوجود، يعني: إله حق. واجب الوجود هو الإله الحق، حينئذٍ جَوَّز العقل تعدد الآلهة، وكل واحد موصوف بكونه حقًّا، هل هذا صحيح؟ لا ليس بصحيح أبدًا، بل هو من أبطل الباطل، والعقل الذي يجوز ذلك عقل فاسد، عقل مفيرس يحتاج إلى فرمته [ها ها]، إذًا فلو لم يُفهم .. على كلٍّ الكلام هذا ليس بصحيح، بل الصواب ما ذكرناه، والعقل لا يُجَوِّز تعدد الآلهة الحقة البتة، وإنما تعدد الآلهة الباطلة نعم لا حصر لها، الإله المعبود بباطل لا حصر له، وأما الإله المعبود بحق، هذا لا وجود له إلا فرد في الذهن وفي الخارج، لماذا؟ لأنك لو جوزت التعدد إله الحق في الذهن حينئذٍ جاز الشرك عقلاً، ومنعه الشرع، وقد قيل به، لكن هذا باطل ليس بصحيح، بل الصحيح أن الشرك ممنوع، وتعدد الآلهة الحق ممنوع بالعقل دلالة العقل، وكذلك دلالة الشرع، بل بالفطرة كما نص على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى. [طيب].
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد.
стр. 165
لا زال الحديث في (بَابُ القَضَايَا وَأَحْكَامِهَا) عرفنا أن القضايا جمع قضية، وأن تعريفها عند المناطقة هو تعريف الخبر عند البيانيين وكذلك النحاة (مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ لِذَاتِهِ)، يعني: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، ويسمى قضية باعتبار اشتمال الجملة على القضاء، وهو: الحكم. ويسمى خبرًا باعتبار الصدق والكذب.
ثم قسم لنا الناظم كغيره القضية التي هي القضية الخبرية، أما الإنشائية فلا ليست داخلة معنا، إنما القضية الخبرية قسمها إلى قسمين: شرطية، وحملية.
والشرطية هي التي حكم فيها على وجه الشرط والتعليق.
والحملية هي التي حكم فيها على وجه الحمل.
هذان الحدان أولى مما اشتهرا من تعريف الشرطية أو الحملية [بأنها ما ليس] الشرطية: (وهي: ما ليس طرفاها مفردين ولا في قوتهما)، لأن هذا منقوض بأن الشرطية قد تؤلف من مفردين وكل مفرد منهما بالقوة، كقولك في المتصلة: هذا ملزوم لذاك. وفي المنفصلة: عدد إما زوج أو فرد هذا معاند لذاك. إذًا وجد فيهما في الشرطية بنوعيها المتصلة والعنادية أو المنفصلة وجد فيهما الطرفان بالقوة، وإذا كان كذلك انتقض الحد، والصحيح في تعريف الشرطية ما حكم فيها على وجه الشرط والتعليم، يعني: لا بد من أداة شرط، لا بد فيها من أداة شرط وتعليق، ثم قد يكون بين الشرط والمشروط التلازم وقد يكون غير لازم، والحملية هي ما كان مفرداها، أو طرفاها مفردين، أو في قوتهما زَيْدٌ قَائِمٌ، زيد موضوع وقائم محمول، حينئذٍ نقول: طرفاها مفردان، زَيْدٌ قَامَ أَبُوهُ، نقول: هذا أحد الطرفين الموضوع مفرد حقيقةً، والمحمول مفرد بالقوة، إذًا شرطية وحملية.
ثم قسم لنا الحملية إلى قسمين: كلية، وشخصية. والمراد بالكلية هنا بالنسبة إلى الموضوع، يعني: ننظر إلى الموضوع، هل هو كلي أفهم اشتراكًا أم جزئي لم يفهم اشتراكًا؟ فإن كان الأول فهي كلية، بقطع النظر عن كونها مسورة أم لا، فدخل في الكلية ثلاثة أنواع: كلية المسورة بسور كلي، الكلية المسورة بسور جزئي، المهملة. يعني: لم تسور بسور كلي ولا جزئي، مع المشخصة التي موضعها لم يفهم اشتراكًا كزيد كاتب صارت كم؟ أربعة، واضح؟ وكل من هذه الأربعة إما موجبة وإما سالبة، أربعة في اثنين بثمانية، إذًا الحملية تنقسم إلى ثمانية أقسام عند التفصيل. (وَالسُّورُ كُلِّيًّا وَجُزْئِيًّا يُرَى) متى نحكم عليها بأنها جزئية أو كلية؟ بالنظر إلى السور، فإن كان السور كليًّا بمعنى أنه يدل على الإحاطة والشمول، حينئذٍ قلنا: هذه مسورة بسور كلي. والمشهور لفظ كل وما دل على معناه، يعني: ما أفاد الشمول كالجميع وعامة وقاطبة وطُرًّا ونحو ذلك، وإن كان دالاً على البعض، يعني: ليس على الشمول وإنما على بعض الأفراد، فالسور حينئذٍ يكون جزئيًّا، كبعض كلفظ بعض فريق طائفة منهم، نقول: هذا كله يدل على البعضية.
(وَأَرْبَعٌ أَقْسَامُهُ حَيْثُ جَرَى)، يعني: السور إما كلي وإما جزئي، والكلي إما سالب وإما موجب، والجزئي إما سالب وإما موجب، اثنان في اثنين بأربعة، أربع أقسامه ثم مثل لذلك.
ثم قال: ...
وَالأَوَّلُ المَوْضُوعُ فِي الحَمْلِيَّهْ ... وَالآخِرُ المَحْمُولُ بِالسَّوِيَّهْ
стр. 166
(وَالأَوَّلُ) يعني: في الحملية، (المَوْضُوعُ فِي الحَمْلِيَّةْ)، (وَالأَوَّلُ المَوْضُوعُ فِي الحَمْلِيَّةْ) في الحملية هذا متعلق بمحذوف صفة للأول، الأول الكائن في الحملية الموضوع، هذا الترتيب الأول مبتدأ، (المَوْضُوعُ) خبر، (فِي الحَمْلِيَّةْ) هذا متعلق بمحذوف صفة للأول، (وَالآخِرُ) بكسر الخاء، يعني: المتأخر، (المَحْمُولُ بِالسَّوِيَّةْ).
ثم قال بعدما انتهى عن ما يتعلق بالحملية شرع في الشرطية، قبل ذلك نقول: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ما نوعها؟ شخصية موجبة، وإن كلية ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مدلوله مشخص مثل زيد كاتب، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ هذه جزئية شخصية موجبة، «يؤذن بلال بليل». أمثلة من الشرع «يؤذن بلالٌ بليل». ما نوعها؟ شخصية موجبة، لماذا؟ لأن الموضوع، أين الموضوع هنا؟ بلال، لأنه فاعل، «يؤذن بلال». والحكم المحمول «يؤذن»، إذًا مثل قام زيد، زَيد موضوع، وقام محمول، «يؤذن بلال». طيب، ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، شخصية سالمة [أحسنت] ﴿أَنْتَ﴾ هذا الموضوع، ﴿بِتَابِعٍ﴾ هذا المحمول، ما تقدم عليه سالم، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]
نعم؟
..
شخصية سالمة، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] كلية موجبة [أحسنت]، لأنها مسورة بسور كلي، ثم الموضوع.
.
لفظ عام [أحسنت]، لأن ﴿مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذا موضوع وهو يفيد العموم والشمول والإحاطة مثل كل، ﴿كُلُّ مَنْ﴾، إذًا دخل السور الكلي على مهملة في الأصل، مهملة يعني: موضعها كلي ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ موجبة كلية ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] موجبة كلية، «كل بني آدم خطاء». موجبة كلية، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر: ٧٠] ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾.
...
وين السلب؟ هنا، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أين السلب؟ لا يوجد سلب ولا إثبات، إيجاب، و ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ نائب فاعل، ﴿وَوُفِّيَتْ﴾ وفى الله كل نفس، واضح هذا؟ طيب ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] جزئية موجبة، أين السور؟ فريق، إذًا فريق مثل بعض، واضح هذا؟ طيب، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ... [الأنعام: ١٦٥] جزئية موجبة جميل، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] جزئية، السور هنا قليل، انتبه ﴿فَرِيقٌ﴾، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾، ﴿وَقَلِيلٌ﴾، طيب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥] جزئية موجبة، ﴿مَنْ يَمْشِي﴾ هذا عام لكنها سورت بسور جزئي وهو ﴿فَمِنْهُمْ﴾ جميل، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ جزئية سالمة ... [أحسنت] ﴿أَكْثَرَ﴾ هذا بعض ليس الإحاطة والشمول، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] جزئية سالمة [أحسنت]، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ﴿النَّاسَ﴾ أل هنا للجنس وليست للاستغراق.
نعم؟
стр. 167
﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ لفظ ﴿النَّاسَ﴾ مُفْهِم اشتراك، أليس كذلك؟ مفهم اشتراك، نعم .. #١٣.٣٨ أفهم اشتراكًا، هل تقدمها سور؟ لا، ما نوعها؟ مهملة موجبة، واضح هذا؟ طيب.
- - -
وَإِنْ عَلَى التَّعْلِيقِ فِيهَا قَدْ حُكِمْ ... فَإِنَّهَا شَرْطِيَّةٌ وَتَنْقَسِمْ
(وَإِنْ عَلَى التَّعْلِيقِ فِيهَا) أي القضية (قَدْ حُكِمْ) أي حكم فيها بالتعليق) أي ربط إحدى القضيتين بالأخرى، كقولنا: كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا (فَإِنَّهَا شرطية) لاشتمالها على أداة الشرط أي الرابط لتشمل المنفصلة نحو: العدد إما زوج أو فرد، وأن القضية مشتملة على أداة الربط وهي إما الدالة على العناد بين الزوجية والفردية، (وَتَنْقَسِمْ) القضية الشرطية.
ــ - الشرح - ــ
هذا النوع الثاني من نوعي القضية، لما قدم الكلام على الحملية نظرنا في الكلام على ماذا؟ الشرطية.
стр. 168
[(وَإِنْ عَلَى التَّعْلِيقِ فِيهَا) أي القضية (قَدْ حُكِمْ) أي حكم فيها بالتعليق]، [(وَإِنْ عَلَى التَّعْلِيقِ فِيهَا) أي القضية. (قَدْ حُكِمْ) أي فيها بالتعليق]، قال الشارح: [أي: ربط إحدى القضيتين بالأخرى]. والأصل في التعليق توقيف شيء على شيء آخر، هذا الأصل إِنْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ، فيه توقف الإكرام على المجيء، إذا انتفى المجيء انتفى الإكرام، هذا معنى التعليق توقيف شيء على شيء آخر، لكن إذا عرفنا التعليق بهذا المعنى حينئذٍ اختص التعريف هنا بالمتصلة، لأن الشرطية على نوعين: شرطية متصلة، وشرطية منفصلة. التعليق بهذا المعنى إنما يصدق على المتصلة، وأما المنفصلة فالأمر غير ذلك، وفسره الشارح هنا بالربط، لماذا؟ ليعمم التعريف، لأن التعليق بالمعنى السابق فيه ربط، والربط أعم منه حينئذٍ كل تعليق، يعني: توقيف شيء على شيء آخر، ربط وليس كل ربط يكون تعليقًا بهذا المفهوم، ولذلك نصرف قول الناظم هنا: (قَدْ حُكِمْ). على التعليق أي الربط. يعني: الربط بين المقدم والتالي فيعم حينئذٍ ما كان التعليق على وجه التوقيف وما لم يكن كذلك ليدخل معنى المنفصلة، وفسره الشارح هنا بالربط بين الجزأين ولو على وجه العناد ليعم النوعين، [العدد إما زوج أو فرد]، هذه شرطية منفصلة، أين التعليق؟ لو فسرنا التعليق بالمعنى السابق توقيف شيء على شيء، كلما كانت الشمس طالعةً فالنهار موجود فيه توقيف، توقف طلوع النهار على طلوع الشمس، يعني: وجود النهار موقوف على وجود الشمس الاتصال واضح هنا، لكن [العدد إما زوج أو فرد] أين التوقيف؟ ليس عندنا وإنما عندنا ربط بأداة الشرط وهي إما المقابلة بـ أو، إذًا من أجل التعميم ليدخل معنا في الحد في التعليق نفسر التعليق بالربط بين الجزأين فيشمل المتصلة والمنفصلة، [أي: حكم بالتعليق. أي: ربط إحدى القضيتين بالأخرى، كقولنا: كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا] نعم [كلما] أداة شرط، [كان هذا إنسانًا كان حيوانًا]، إذًا يتوقف هذا على ذاك، أليس كذلك؟ يعني: يلزم من كونه إنسانًا كونه حيوانًا، أليس كذلك؟ يلزم من كونه إنسانًا كونه حيوانًا، إذًا توقف هذا على ذاك وهو موجود فيها، (فَإِنَّهَا) أي القضية التي توقف الحكم فيها على التعليق بمعنى الربط بين الجزأين شرطية، يعني: تسمى شرطية نسبة إلى الشرط، [لاشتمالها على أداة الشرط]، إذًا سميت شرطية [لاشتمالها على أداة الشرط أي الرابط لتشمل المنفصلة نحو: العدد إما زوج أو فرد]، هنا حصل ربط بين المقدم وهو زوج وبين التالي وهو فرد، والرابط هو إما، وهي بالنسبة لهذا الموضع تسمى ماذا؟
تسمى شرطية، لأن إما هنا شرطية [العدد إما زوج أو فرد وأن القضية مشتملة على أداة [الربط] (١)، وهي إما الدالة على العناد بين الزوجية والفردية)، (لاشتمالها على أداة الشرط أي الرابط. لتشمل المنفصلة، نحو: العدد إما زوج أو فرد، [والقضية] مشتملة) هكذا؟
..
стр. 169
ما يصلح هي عندي [إن]، [وأن القضية مشتملة على أداة [الربط]] هي تصلح أداة الرابط، لو قال: على الرابط. نعم، أما إذا جمع بين الأداة من أداة الربط، الرابط، يعني: ما كان متضمنًا للأداة، وأما إذا ذكرت الأداة فلا (على أداة الربط، وهي أما الدالة على العناد بين الزوجية والفردية)، إذًا فإنها شرطية لاشتمالها على أداة الشرط، وحينئذٍ يشمل الرابط الدال على المنفصلة والرابط الذي هو أصل في الشرط وهو كلما، المثال السابق.
ثم قال: (وَتَنْقَسِمْ:
- - -
أَيْضًا إِلَى شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَهْ ... وَمِثْلِهَا شَرْطِيَّةٍ مُنْفَصِلَهْ
(أَيْضًا إِلَى شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةْ) كقولنا: كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا، وكلما كان الإنسان ناطقًا كان الحمار ناهقًا، سميت بذلك لاتصال طرفيها أي اجتماعهما في الوجود، (وَمِثْلِهَا) بالجر عطف على مجرور إلى، (شَرْطِيَّةٍ) بدل منه، (مُنْفَصِلَةْ) وذلك كقولنا: العدد إما زوج أو فرد فهذه قضية شرطية منفصلة لانفصال طرفيها، وتعاندهما لعدم اجتماعهما في الوجود.
ــ - الشرح - ــ
стр. 170
هذا تقسيم للشرطية، إذًا التعريف السابق لا بد أن يعم النوعين، بعدما عرف لك الشرطية من حيث هي، قسمها إلى قسمين مشهورين [وتنقسم القضية الشرطية (أَيْضًا)]، يعني: كما انقسمت الحملية السابقة آضَ يَئِضُ أَيْضًا واستعمل على المفعولية المطلقة، [(إِلَى شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةْ)، كقولنا: كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا، وكلما كان الإنسان ناطقًا كان الحمار ناهقًا، سميت بذلك لاتصال طرفيها أي اجتماعهما في الوجود]، مثل لك بمثالين ليبين لك أن المتصلة على نوعين: شرطية متصلة لزومية العلاقة بين المقدم والتالي التلازم، وشرطية متصلة اتفاقية، اتفاقية يعني: ليست العلاقة بين المقدم والتالي التلازم، وإنما في الوجود (كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا) ما العلاقة؟ تلازم، يلزم من كونِهِ إنسانًا كونُهُ حيوانًا، إذًا العلاقة بين المقدم والتالي التلازم، هذه تسمى شرطية متصلة لزومية، (وكلما كان الإنسان ناطقًا كان الحمار ناهقًا) لا علاقة بينهما، وإنما في الوجود فقط، يعني: اتفق أن الإنسان ناطق، والحيوان والحمار ناهق، هل بينهما تلازم؟ ليس بينهما تلازم، إذًا تسمى شرطية متصلة اتفاقية، ولذلك قال هنا: (سميت بذلك لاتصال طرفيها أي اجتماعهما في الوجود ... (وَمِثْلِهَا) بالجر عطف على مجرور إلى]، (وَمِثْلِهَا)، يعني: وإلى مثلها [(شَرْطِيَّةٍ)] بالخفض [بدل منه (مُنْفَصِلَةْ) وذلك كقولنا: العدد إما زوج أو فرد] هذا تسمى شرطية متصلة عنادية، [فهذه قضية شرطية] لماذا؟ لأن الحكم فيها على وجه الشرط إما وإما، [منفصلة لانفصال طرفيها، وتعاندهما لعدم اجتماعهما في الوجود]، العدد إما زوج وإما فرد، هل يجتمعان؟ إذًا بينهما تعاند، ولذلك سميت [منفصلة]، يعني: لا يجتمع الطرفان في الوجود إما هذا أو ذاك، فإذا ثبت الأول ارتفع الثاني، وإذا ثبت الثاني ارتفع الأول، إذًا لا يجتمعان في الوجود العدد إما زوج وإما فرد، حينئذٍ بينهما تعاند في الوجود، وهذا يسمى ماذا؟ شرطية منفصلة، وهي عنادية، وقد تكون اتفاقية، ما أدري ذكرها أو لا، وقد تكون اتفاقية، لكن الذي هو مشهور هنا كونها عنادية، إذًا [فهذه قضية شرطية منفصلة، لانفصال طرفيها، وتعاندهما لعدم اجتماعهما في الوجود]، لأنه كلما تحقق أحدهما انتفى الآخر، كلما وجد أحد القسمين والطرفين المقدم أو التالي انتفى الآخر، أو كلما انتفى أحدهما تحقق الآخر، فبينهما التنافي والعناد.
- - -
جُزْآهُمَا مُقَدَّمٌ وَتَالِي ... أَمَّا بَيَانُ ذَاتِ الِاتِّصَالِ
مَا أَوْجَبَتْ تَلاَزُمَ الجُزْأَيْنِ ... وَذَاتُ الِانْفِصَالِ دُونَ مَيْنِ
стр. 171
وقوله: (جُزْآهُمَا) أي جزآ القضيتين المتصلة والمنفصلة، الأول منهما في الرتبة أو في الذكر (مُقَدَّمٌ)، لتقدم رتبته في المتصلة وتقدم ذكره في المنفصلة، (وَ) الثاني منهما في الرتبة أو الذكر (تَالِي) لتلوه أي تبعيته، لأنه جواب في المتصلة رتبته التأخير ولتأخره في الذكر في المنفصلة (أَمَّا بَيَانُ) القضية الشرطية، (ذَاتِ الاتِّصَالِ) أي المتصلة. فهي (مَا) أي القضية التي (أَوْجَبَتْ) أي اقتضت (تَلاَزُمَ) أي تصاحب (الجُزْأَيْنِ) المقدم والتالي في الوجود لزومًا بأن كان لعلاقةٍ أو اتفاقًا بأن كان لا لعلاقة فشمل الاتفاقية (وَ) القضية (ذَاتُ الانْفِصَالِ) حال كونها (دُونَ مَيْنِ) أي كذب.
ــ - الشرح - ــ
(جُزْآهُمَا مُقَدَّمٌ وَتَالِي)، (جُزْآهُمَا)، إذًا قسم لك الشرطية إلى متصلة وشرطية منفصلة، والمتصلة كما ذكر الشارح هنا بالمثالين إما لزومية، وإما اتفاقية، ثم بين لك الجزأين.
في الحملية الجزء الأول يسمى موضوعًا.
والجزء الثاني: يسمى محولاً.
في الحملية هنا ماذا يسمى الجزء الأول؟ يسمى مقدمًا، والجزء الثاني يسمى تاليًا، [كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا] كان إنسانًا كان هذا إنسانًا هذا يسمى مقدمًا، كان حيوانًا هذا يسمى تاليًا وهكذا [(جُزْآهُمَا) أي جزءا القضيتين المتصلة والمنفصلة]، حينئذٍ التثنية هنا باعتبار النوعين [(جُزْآهُمَا) أي جزءا القضيتين المتصلة والمنفصلة، الأول منهما في الرتبة أو في الذكر (مُقَدَّمٌ)] يعني مسمى مقدمًا، (لتقدم رتبته في المتصلة) وقوله: (الأول منهما في الرتبة أو في الذكر). يعني: في الرتبة جاء في محله، إن جئتني أكرمتك، جئتني فعل الشرط جاء في محله، أكرمتك جواب الشرط جاء في محله، أكرمتك إن جئتني، حصل تقديم وتأخير فقوله: أكرمتك. إما أنه متقدم عن متأخر، يعني: أصله التأخير، وإما أنه دليل على الشرط، يعني: إما أنه هو جواب الشرط، وإما أن يكون دليلاً لجواب الشرط على خلاف بين النحاة، [(مُقَدَّمٌ) لتقدم رتبته في المتصلة، وتقدم ذكره في المنفصلة، (وَ) الثاني منهما في الرتبة أو الذكر]، [في الرتبة] هذا خاص بالمتصلة أو الذكر بالمنفصلة [(تَالِي) لتلوه أي تبعيته، لأنه جواب في المتصلة] إن جئتني أكرمتك، أكرَمتك هذا جواب في المتصلة، [رتبته التأخير] لأن جواب الشرط مؤخر عن فعل الشرط، (ولتأخره في الذكر في المنفصلة)، العدد إما زوج أو فرد، إذًا (جُزْآهُمَا مُقَدَّمٌ وَتَالِي)، (مُقَدَّمٌ) في المتصلة في الرتبة، والمنفصلة في الذكر، (وَتَالِي) [في الرتبة هذا في المنفصلة، وفي الذكر هذا في] (١) فِي الرتبة في المتصلة، والذكر في المنفصلة.
ثم شرع في بيان الحد ذات الاتصال، يعني: المتصلة والمنفصلة، نعم. فقال:
.................. ... أَمَّا بَيَانُ ذَاتِ الِاتِّصَالِ
مَا أَوْجَبَتْ تَلاَزُمَ الجُزْأَيْنِ ... .........................
стр. 172
(أَمَّا) هذه تفصيل، (بَيَانُ ذَاتِ الاتِّصَالِ)، يعني: صاحبة الاتصال، يعني: المتصلة، ما هي؟ قال: (مَا أَوْجَبَتْ). واقتضت واستلزمت (تَلاَزُمَ الجُزْأَيْنِ)، يعني: ما كان بين الجزأين تلازم، هذا ظاهر عبارته، لكن لا بد من صرفه من أجل إدخال الاتفاقية، [(أَمَّا بَيَانُ) القضية الشرطية، (ذَاتِ الاتِّصَالِ)] أي صاحبة الاتصال، [أي: المتصلة فهي (مَا) أي القضية التي (أَوْجَبَتْ) أي اقتضت (تَلاَزُمَ): تصاحب]، فرق بين التلازم وبين التصاحب، التلازم بمعنى أن بينهما توقيف، الثاني متوقف على الأول، المصاحبة لا يلزم قد يكون وقد لا يكون، لماذا صرف الشارح التلازم إلى التصاحب؟ لأن ظاهر الحد أنه خاص بالمتصلة اللزومية، فخرجت المتصلة الاتفاقية، أردنا إدخالها في الحد حينئذٍ لا بد من صرف كلام الناظم: [تَلاَزُمَ] إلى تصاحب، لأن كلما كان هذا إنسانًا كان الحمار ناهقًا، متصاحبان لكن ليس بينهما تلازم، إذًا من أجل إدخال الاتفاقية لا بد من صرف اللفظ تلازم إلى تصاحب، وقد يقال بأن مراد الناظم هو تعريف المتصلة اللزومية لأنها هي التي يبحث فيها كثير من المناطقة، وأما الاتفاقية فذكرها قليل، فلما كان ذكرها قليلاً حينئذٍ لا نحتاج إلى إدخالها، [(تَلاَزُمَ) أي تصاحب (الجُزْأَيْنِ)، المقدم والتالي في الوجود لزومًا) لزومية، [بأن كان لعلاقةٍ أو اتفاقًا بأن كان لا لعلاقة]، كيف هذا؟ تصاحب الجزأين لزومًا بأن كان لعلاقة بينهما، يعني: أحدهما مرتب على الآخر أو لازم له، [كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا]، إذًا بينهما تلازم، [أو اتفاقًا بأن كان لا لعلاقة] ليس بينهما علاقة، وإنما اتفقا في الوجود فحسب [كلما كان الإنسان ناطقًا كان الحمار ناهقًا] هنا تصاحبا لكن ليس بينهما علاقة، الإنسان منفك بناطقيته، والحمار منفك بناهقيته، [فشمل الاتفاقية] فشمل الحد الاتفاقية واضح هذا؟ إذًا (أَمَّا بَيَانُ ذَاتِ الاتِّصَالِ)، [(مَا) أي القضية التي (أَوْجَبَتْ)] واستلزمت واقتضت [(تَلاَزُمَ) أي تصاحب] أو إن شئت ابْقِهِ على حالها فيختص حينئذٍ التعريف بالمتصلة اللزومية، ولا داعي لذكر الاتفاقية لقلة ذكرها في هذا الموضع، (تَلاَزُمَ الجُزْأَيْنِ)، يعني: [المقدم والتالي في الوجود لزومًا [، إذا كان لعلاقة بينهما، [أو اتفاقًا] إذا كان لا علاقة بين المقدم والتالي.
ثم قال: (وَذَاتُ الانْفِصَالِ دُونَ مَيْنِ) يعني: وصاحبة الانفصال قضية، [(وَ) القضية (ذَاتُ الانْفِصَالِ)] يعني صاحبة الانفصال. أي المنفصلة [حال كونها (دُونَ مَيْنِ)]، هذا مقدم من تأخير، والمين هو: الكذب.
- - -
مَا أَوْجَبَتْ تَنَافُرًا بَيْنَهُمَا ... أَقْسَامُهَا ثَلاَثَةٌ فَلْتُعْلَمَا
مَانِعُ جَمْعٍ أَوْ خُلُوٍّ أَوْ هُمَا ... وَهْوَ الحَقِيقِيُّ الأَخَصُّ فَاعْلَمَا
стр. 173
(مَا) أي القضية التي (أَوْجَبَتْ) أي اقتضت (تَنَافُرًا) أي تعاندًا وتنافيًا (بَيْنَهُمَا) أي بين جزأيها في الصدق أو في والكذب أو فيهما ... (أَقْسَامُهَا) أي القضية المنفصلة (ثَلاَثَةٌ فَلْتُعْلَمَا) الفاء زائدة، واللام للأمر، وتعلم مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المنقلبة ألفًا في الوقف. أحدها: (مَانِعُ جَمْعٍ) أي قضية مانعةُ جمع بين طرفيها، فلا يجتمعان في الوجود ويمكن ارتفاعهما ويمكن ارتفاعهما وتتركب من الشيء والأخص من نقيضه، كقولنا: هذا الشيء إما أسود أو أبيض، فالسواد والبياض لا يجتمعان في المحل الواحد، ويمكن ارتفاعهما كأن يكون آخر (أَوْ) بمعنى الواو، أي والثاني مانع (خُلُوٍّ) أي قضية مانعة خلوٍ عن طرفيها، فلا يمكن ارتفاعهما ويمكن اجتماعهما، وتتركب من الشيء والأعم من نقيضه، كقولنا: هذا إما غير أسود أو غير أبيض فيمكن اجتماعهما في الأحمر، ولا يمكن ارتفاعهما بأن يكون أسود أبيض معًا (أَوْ) بمعنى الواو، أي والثالث مانعـ (هُمَا) أي [الجمع] والخلو، عطفٌ على مانع، وأقام المضاف إليه مقام المضاف، أي قضية مانعة جمع وخلو، فلا يمكن اجتماع طرفيها ولا يمكن ارتفاعهما، وتتركب من الشيء ونقيضه، كقولنا: هذا إما حيوان أو غير حيوان، أو من الشيء والمساوي لنقيضه كقولنا: هذا العدد إما زوجٌ أو فردٌ فلا يمكن اجتماع الزوجية والفردية في العدد المعين ولا يمكن ارتفاعهما)، (وَهْوَ) أي مانع الجمع والخلو، (الحَقِيقِيُّ) لأن التعاند فيه بين الطرفين في الصدق والكذب بخلاف ما قبله، فإن العناد في أحدهما، وهو (الأَخَصُّ) من الأولَيْن، لأن كل ما منع الجمع والخلو منع الجمع فقط ومنع الخلو فقط، فيلزم من وجود مانعة الجمع والخلو وجود كلٍّ من الآخرين، ولا يلزم من وجود منع الجمع وحده أو منع الخلو وحده منعهما معًا، وقوله: (فَاعْلَمَا) كمل به البيت.
ــ - الشرح - ــ
(مَا أَوْجَبَتْ تَنَافُرًا بَيْنَهُمَا)، هذا الأصل، وذات الانفصال ما أوجبت تنافرًا بينهما دون مين، قوله: (دُونَ مَيْنِ). يعني: من غير [كذب]، هذا متأخر فقدمه الناظم، [(مَا) أي القضية]، (مَا أَوْجَبَتْ تَنَافُرًا بَيْنَهُمَا) [(مَا) أي القضية التي (أَوْجَبَتْ) أي اقتضت، (تَنَافُرًا) أي تعاندًا وتنافيًا، (بَيْنَهُمَا) أي بين جزأيها في الصدق أو في والكذب أو فيهما]، حينئذٍ هذا يختص بماذا؟ بأن النوع هذا سينقسم إلى ثلاثة أقسام: مانعة جمعٍ، ومانعة خلوٍ، ومانعة جمعٍ وخلوٍ معًا. وسيأتي.
[(أَقْسَامُهَا) أي القضية المنفصلة]، إذًا ما أوجبت تنافرًا وتعاندًا بين المقدم والتالي، بمعنى أنهما لا يجتمعان في الوجود، العدد إما زوجٌ أو فردٌ، لا يكون العدد زوجًا أو فردًا في وقتٍ واحد، ولا يرتفعان، يعني: لا يكون العدد لا زوجٌ ولا فرد، إما هذا، أو ذاك.
[(أَقْسَامُهَا) أي القضية المنفصلة، (ثَلاَثَةٌ)]، يعني: بالاستقراء، [(فَلْتُعْلَمَا) الفاء زائدة، واللام للأمر، وتعلم مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد المنقلبة ألفًا في الوقف] واضحٌ؟
стр. 174
[أحدها: (مَانِعُ جَمْعٍ)] الأصل أن يقول: مانعة جمعٍ. لكن ذكر باعتبار كونها خبرًا، (مَانِعُ جَمْعٍ) يعني القضية باعتبار كونها خبرًا (مَانِعُ جَمْعٍ)، والخبر يمنع لأنه مذكر [(مَانِعُ جَمْعٍ) أي قضية مانعةُ جمع بين طرفيها، فلا يجتمعان في الوجود ويمكن ارتفاعهما]، يعني: مانعة جمع ما دلت على عدم صحة الاجتماع بين المقدم والتالي، يعني: لا يجتمعان ويرتفعان، واضح؟ هي مانعة جمعٍ مجوزةٌ للخلو، مانعة جمعٍ يعني: لا يجتمعان ويرتفعان يمكن أن لا يوصف هذا ولا ذاك، مثاله ماذا؟ مثاله أن يقال: الجسم إما أبيض أو أسود، يجتمعان؟ لا، لا يجتمعان في محلٍ واحد ووقتٌ واحد، لا يكون المحل الواحد أسود أبيض في وقتٍ واحد، هل يمكن أن يرتفعا؟ نعم يكون أحمر، أخضر، إذًا هنا منعت الجمع وجوزت الخلو، هذا يسمى مانعة جمعٍ وهي ما دلت على عدم صحة الاجتماع بين المقدم والتالي، وإن جوزت الخلو نحو: الجسم إما أبيض أو أسود، والعناد هنا بين طرفيها في الوجود فقط، يعني: مانعة الجمع وجوزت الخلو، قال هنا: ... [فلا يجتمعان في الوجود ويمكن ارتفاعهما]. كالمثال السابق، [وتتركب من الشيء والأخص من نقيضه، كقولنا: هذا الشيء إما أسود أو أبيض، فالسواد والبياض لا يجتمعان في المحل الواحد، ويمكن ارتفاعهما كأن يكون آخر] أحمر، أو أخضر، أو غيره، إذًا مانعة الجمع هنا قال: ... [وتتركب من الشيء والأخص من نقيضه] يعني: الأسود أخص من نقيض أبيض، الشيء والأخص من نقيضه، الآن أسود هذا المراد بالشيء ... (والأخص من نقيضه) ما نقيض أبيض؟
..
لا
..
لا، ما نقيض أبيض؟
..
[ليس بأبيض، نعم] ليس بأبيض، إذًا أبيض لا أبيض هذا نقيضه زيدٌ لا زيد، قام لم يقم، نقيضه تأتي باللفظ نفسه وتدخل عليه حرف السلب، هذا النقيض، موجود غير موجود، قائم غير قائم، جالس غير جالس، هذا النقيض، إذًا هنا تركب من الشيء وهو الأسود والأخص من نقيضه، يعني: فإن الأسود أخص من نقيض أبيض وهو لا أبيض، لا أبيض يصدق على الأسود وغيره، أليس كذلك؟ يصدق على الأسود وغيره لشموله الأسود والأحمر وغيره، إذًا حصل التركيب هنا في هذا النوع بين الشيء والأخص من نقيضه، لأن الأسود أخص من نقيض لا أبيض صحيح؟ الأسود أخص من نقيض أبيض وهو لا أبيض، لأن الأسود خاص لونٌ واحدٌ، ولا أبيض يصدق على الأسود وغيره، نعم [(أَوْ) بمعنى الواو أي والثاني مانع (خُلُوٍّ) أي قضية مانعة خلوٍ عن طرفيها، فلا يمكن ارتفاعهما ويمكن اجتماعهما]، يعني: عكس السابقة، السابقة لا يجتمعان ويمكن أن يرتفعان، هنا العكس لا يجتمعان؟
الأولى: لا يجتمعان في الوجود، ويمكن أن يترفعا إما أسود، وإما أبيض، أسود أبيض لا، لا أسود ولا أبيض نعم، هنا العكس حينئذٍ يجتمعان لكن لا يرتفعان، [قضية مانعة خلوٍ عن طرفيها فلا يمكن ارتفاعهما]، إذًا لا تجوز الخلو، [ويمكن اجتماعهما] هذه مانعة خلوٍ وهي ما دلت على امتناع الخلو من طرفيها وإن جوزت الاجتماع، منعت الخلو من طرفيها وإن جوزت الاجتماع، [مانعة خلو عن طرفيها فلا يمكن ارتفاعها ويمكن اجتماعهما]، نعم قال: [وتتركب من الشيء والأعم من نقيضه، كقولنا: هذا إما غير أسود أو غير أبيض]. يجتمعان؟
стр. 175
يجتمعان نعم، غير أبيض وغير أسود، أحمر، لكن هل ينتفيان؟ ... [فيمكن اجتماعهما في الأحمر] لكن هل يمكن أن يرتفعا؟ الجواب: لا، لا يمكن أن يرتفعا، [فيمكن اجتماعهما في الأحمر ولا يمكن ارتفاعهما بأن يكون أسود أبيض معًا]، قال: [تتركب من الشيء] الذي غير أسود [والأعم من نقيضه]. غير أبيض ما نقيضه؟ غير أسود ما نقيضه؟ أسود، فإن غير أسود أعم من نقيض غير أبيض، غير الأبيض نقيضه الأبيض، إذًا غير الأسود أعم، يقابله ماذا؟ أبيض، أيهما أعم وأيهما أخص؟ الأبيض خاص وغير الأسود أعم، إذًا تتركب من الشيء والأعم من نقيضه، هنا عندهم مثال مشهور زيدٌ إما في البحر وإما أن لا يغرق، هنا لا يجتمع طرفها، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن لا يكون في البحر ويغرق، لو اجتمعا لجوزت أن يكون في غير البحر ويغرق، ممكن؟ لا يمكن، واضح هذا؟ زيدٌ إما في البحر وإما أن لا يغرق، حينئذٍ نقول: هذه مانعة جمعٍ، يعني: يمكن أن يكون في البحر وأن لا يغرق، لكن في غير البحر ويغرق، نقول: هذا لا يوجد. [(أَوْ) بمعنى الواو أي والثالث مانعـ (هُمَا) أي [الجمع] (١)] أي: الجمع والخلو، (الجميع) غلط هذه (أي: الجمع والخلو، عطفٌ على مانع) (مانعـ (هُمَا)]، (وأقام المضاف إليه مقام المضاف)، حينئذٍ حذفه وأقيم مقامه، (أي: قضية مانعة جمع وخلو فلا يمكن اجتماع طرفيها ولا يمكن ارتفاعهما)، هذه ما دلت على امتناع الجمع والخلو معًا، بمعنى أن طرفيها المقدم والتالي لا يمكن اجتماعهما في الوجود ولا في العدم، فلا يوجدان معًا ولا يعدمان معًا، بل لا بد من وجود أحدهما وعدم الآخر، وهذا المثال المشهور السابق العدد إما زوجٌ أو فردٌ، لا يجتمعان ولا يرتفعان، لا يجتمعان بأن يكون العدد زوج فرد في وقتٍ واحد عدد واحد، ولا يرتفعان بأن لا يكون العدد لا زوجٌ ولا فرد. هذا يسمى ماذا؟ [مانعة جمعٍ وخلوٍ] معًا، [فلا يمكن اجتماع طرفيها، ولا يمكن ارتفاعهما وتتركب من الشيء ونقيضه، كقولنا: هذا إما حيوان أو غير حيوان]، الشيء الذي هو حيوان، ونقيضه غيرُ حيوان، هذا واضحٌ، [أو من الشيء والمساوي لنقيضه كقولنا: هذا العدد إما زوجٌ أو فردٌ]، المساوي لنقيضه العدد إما زوجٌ نقيضه ليس زوجًا، ليس زوجًا مساوي لفرد، واضح؟ ليس زوجًا، هذا نقيض الزوج مساوي لقوله: أو فرد.
стр. 176
إذًا تركبت من الشيء والمساوي لنقيضه، [العدد إما زوجٌ] نقيض الزوج الفرد، نقيض الزوج عدم الزوج أو ليس زوجًا، حينئذٍ تركبت من الشيء والمساوي لنقيضه وهو الفرد، لأن الفرد مساوي لقولنا: ليس بزوجٍ، [فلا يمكن اجتماع الزوجية والفردية في العدد المعين ولا يمكن ارتفاعهما]، (وَهْوَ الحَقِيقِيُّ الأَخَصُّ فَاعْلَمَا)، (وَهْوَ) أي الثالث، هذا النوع الثالث مانع الجمع والخلو ... (الحَقِيقِيُّ) يعني: الذي يعتبر مانعًا حقيقةً، لماذا؟ لأنه منع من الطرفين، وأما مانعة الجمع من طرفٍ واحد، مانعة خلو هذا من طرفٍ واحد، من جهةٍ واحدة، وأما هذه النوع الثالث: فهو مانعٌ من الجهتين، [الجمع والخلو، (الحَقِيقِيُّ)، لأن التعاند فيه بين الطرفين في الصدق والكذب بخلاف ما قبله، فإن العناد في أحدهما، وهو (الأَخَصُّ) من الأولَيْن]، وهذا واضح لماذا؟ لأن الأولى منعت الجمع وجوزت الخلو، [فهي أخص من هذه] (١) فهي أعم.
والثانية: منعت الخلو وجوزت الجمع فهي أعم من هذه، أعم من الثالثة.
[وهو (الأَخَصُّ) من الأولَيْن، لأن كل ما منع الجمع والخلو منع الجمع فقط ومنع الخلو فقط، فيلزم من وجود مانعة الجمع والخلو وجود كلٍّ من الآخرين]، يعني: العدد إما زوجٌ أو فردٌ، هنا مانعة جمع ومانعة خلوٍ. إذًا اجتمع معها مانعة الجمع من جهةٍ، واجتمع معها مانعة خلو من جهةٍ أخرى فاجتمعا، وهذه الثانية أخص بأنها منعت الجمع وزادت عليه الخلو، ومنعت الخلو وزاد عليه الجمع، لأن كلما منع الجمع والخلو منع الجمع فقط ومنع الخلو فقط فيلزم حينئذٍ [من وجود مانعة الجمع والخلو وجود كلٍّ من الآخرين، ولا يلزم من وجود منع الجمع وحده أو منع الخلو وحده منعهما معًا]، لا يلزم نعم، إذا منعت الخلو فقط لا يلزم أن تمنع الجمع والعكس بالعكس، [وقوله: (فَاعْلَمَا). كمل به البيت]، والألف هذه مبدلةٌ عن النون.
قال: (بَابُ القَضَايَا وَأَحْكَامِهَا) عرفنا المراد بالقضايا ما سبق، وأحكامها هو التناقض والعكس المستوي.
- - -
فَصْلٌ فِي التَّنَاقُضِ
تَنَاقُضٌ خُلْفُ القَضِيَّتَيْنِ فِي ... كَيْفٍ وَصِدْقُ وَاحِدٍ أَمْرٌ قُفِي
стр. 177
(فَصْلٌ فِي التَّنَاقُضِ) وقدمه على العكس لأنه يعم سائر القضايا، وهو لغةً: إثباتُ شيءٍ ورفعه، واصطلاحًا ما ذكره المصنف بقوله: (تَنَاقُضٌ) مبتدأ، والمسوغ إرادة مفهوم اللفظ) (خُلْفُ) أي اختلاف (القَضِيَّتَيْنِ فِي ** كَيْفٍ) أي إيجابٍ وسلب (وَصِدْقُ وَاحِدٍ) أي واحدةٍ من القضيتين، والتذكير باعتبار كونها قولاً، وَكَذِب الأخرى (أَمْرٌ قُفِي) أي تبع دائمًا، والمعنى أن التناقض هو اختلاف القضيتين في الكيف والحال أن صدقَ واحدةٌ منهما وكذب الأخرى أمر لزم فخرج باختلاف القضيتين اختلاف المفردين، نحو: زيد لا زيد، والمفرد والقضية نحو: زيدٌ عمرٌو قائمٌ، وبقولنا في كيف أي إيجابٍ وسلبٍ اختلاف القضيتين في الكلية والجزئية نحو: كل إنسان حيوان، بعض الإنسان حيوان واختلافهما في الموضوع نحو: زيد قائمٌ، عمرٌ قائمٌ، واختلافهما في المحمول زيدٌ قائم، زيد جالس، وبقولنا: (وَصِدْقُ وَاحِدٍ أَمْرٌ قُفِي) اختلاف قضيتين لا يلزم صدق أحدهما، بل يجوز صدقهما أو كذبهما، فالأول كقولنا: بعض الحيوان إنسان، بعض الحيوان ليس بإنسان، والثاني كقولنا: كل حيوان إنسان، لا شيء من الحيوان بإنسان.
ــ - الشرح - ــ
(فَصْلٌ فِي التَّنَاقُضِ) يعني: في تعريفه وأحكامه، [وقدمه على العكس لأنه يعم سائر القضايا] يعني يدخل كل القضايا السابقة الأربعة: الحملية، والشرطية كذلك.
[وهو لغةً: إثباتُ شيءٍ ورفعه]. يعني: زيدٌ لا زيد، قائم لا قائم، أبيض لا أبيض، هذا المراد بالتناقض هنا.
وأما في الاصطلاح، يعني: في اللغة عام يشمل الْجُمَلْ ويشمل المفردات والمركبات، فيدخل فيه الجمل الحملية والشرطية، وأما في الاصطلاح وهو الذي ذكره المصنف بقوله:
تَنَاقُضٌ خُلْفُ القَضِيَّتَيْنِ فِي ... كَيْفٍ وَصِدْقُ وَاحِدٍ أَمْرٌ قُفِي
стр. 178
(وَصِدْقُ) بالرفع، (وَصِدْقُ وَاحِدٍ أَمْرٌ قُفِي)، (تَنَاقُضٌ) هذا ... [مبتدأ، والمسوغ] له بالابتداء [إرادة مفهوم اللفظ]، يعني: الجنس، أو وقوعه في مقام التفصيل، يحتمل هذا، ما هو التناقض؟ (خُلْفُ القَضِيَّتَيْنِ فِي ** كَيْفٍ وَصِدْقُ وَاحِدٍ)، [(خُلْفُ) أي اختلاف] هذا اسم مصدر، [(خُلْفُ) أي اختلاف]، واختلاف هذا جنس دخل فيه جميع أنوع الاختلافات، فأضافه إلى القضيتين من أجل إخراج الاختلاف الواقع بين غير القضيتين، فإذا وقع الاختلاف بين مفرد ومفرد زيدٌ لا زيد ليس بتناقض، يعني: اصطلاحًا، لماذا؟ لأن التناقض اصطلاحًا خاصٌ بالقضيتين، يعني: بالجمل، وأما التناقض أو التنافي بين المفرد زيدٌ لا زيد، فلا يسمى في اصطلاح المناطقة تناقضًا، غلام زيد، لا غلامَ زيد، كذلك مركبٌ إضافي حينئذٍ ليس داخلاً معنا، وخرج بإضافته إلى القضيتين خلف غيرهما من المركبات الإنشائية قم لا تقم، هذا خرج، أو المركبات الإضافية غلام زيد، لا غلامَ زيد، كذلك المفردات زيد، لا زيد. إذًا (خُلْفُ القَضِيَّتَيْنِ) للاحتراز من خلف غيرهما، في ماذا اختلافا؟ قال: [(فِي كَيْفٍ) أي إيجابٍ وسلب]. وهنا يعبر عنده بالكيف ويراد به الإيجاب والسلب، ويعبر بالكم ويراد به الكلية والجزئية، يعني: إذا قيل: اختلفا في الكم. يعني: في الكلية والجزئية، إحداهما كلية والأخرى جزئية، أو العكس، اختلفا في الكيف، يعني: في السلب والإيجاب، إحداهما سالبة والأخرى موجبة، إذًا (خُلْفُ القَضِيَّتَيْنِ فِي ** كَيْفٍ) أي إيجابٍ وسلبٍ، مع ماذا؟ يشترط مع التخالف صدق أحدهما، لأنه إذا قيل: تناقض. يفهم من التناقض أن أحدهما ثابت والآخر منتفي، حينئذٍ القضية نفسها عينها يختلفان في الكيف في السلب والإيجاب، ويشترط في صحة الوصف بكونه تناقضًا أن تصدق إحداهما وتكذب الأخرى، فليس المراد هنا بين قضيتين منفكتين لا، المراد به قضيتان في نفس الوقت بمعنى أن الموضوع هو عين الموضوع، والمحمول هو نفس المحمول إلا ما يقتضي التغيير فيما يأتي ذكره، [(وَصِدْقُ وَاحِدٍ) أي واحدةٍ من القضيتين، والتذكير باعتبار كونها قولاً، وَكَذِب الأخرى] لا بد من هذه الزيادة، هذا يسمى اكتفاءً، (وَصِدْقُ وَاحِدٍ) أي وكذب الأخرى ففي كلامه اكتفاء، [(أَمْرٌ قُفِي) أي تبع دائمًا] كناية عن كونه مطردًا، يعني: لا بد من شرط صحة التناقض [أن تصدق الأخرى وتكذب] (١)، أن تصدق إحداهما وتكذب الأخرى، [والمعنى أن التناقض هو اختلاف القضيتين في الكيف والحال أن صدقَ واحدةٌ منهما وكذب الأخرى] هنا قال: [والحال]. لماذا؟ لأن قوله في النظم: (وَصِدْقُ وَاحِدٍ). الواو هنا محتملة للاستئناف، ومحتملة للحال، إن جعلناها للاستئناف أخرجنا هذا الشرط عن التعريف، وإن جعلناها للحال جعلناه داخلاً في التعريف، والأولى أن يجعل داخلاً في التعريف.
стр. 179
إذًا قوله: [والحال أن صدقَ واحدةٌ منهما وكذب الأخرى أمر لزم]. ماذا قال هو؟ (وَصِدْقُ وَاحِدٍ أَمْرٌ قُفِي)، [أمر لزم] يعني أمرٌ لازم، ... [والحال أن صدق واحدةٍ منهما] من القضيتين المختلفتين إيجابًا وسلبًا (وكذب الأخرى أمرٌ لزم) يعني: أمر لازم. [فخرج باختلاف القضيتين اختلاف المفردين، نحو: زيد لا زيد]، فلا يسمى تناقضًا، لأن الشرط أن يكون بين القضيتين، وخرج اختلاف المفرد والقضية، فلا يسمى تناقضًا، [نحو: زيدٌ عمرٌو قائمٌ] هذا بينهما اختلاف، لكن لا يسمى تناقضًا في الاصطلاح، [وبقولنا في كيف] أخرج ماذا؟ [أي: إيجابٍ وسلبٍ اختلاف القضيتين] في الكم، يعني: [في الكلية والجزئية نحو: كل إنسان حيوان، بعض الإنسان حيوان] انظر هنا اتحدا في الموضوع والمحمول، أليس كذلك؟ إنسان حيوان، إنسان حيوان ما الفرق بينهما؟ كل منهما موجبتان، فرق بينهما في الكلية والجزئية، وأما الموضوع والمحمول، فهما متحدان، هل هذا تناقض؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن الاختلاف هنا وقع في الكم، والشرط أن يكون الاختلاف واقعًا في الكيف، [واختلافهما في الموضوع نحو: زيد قائمٌ، عمرٌ قائمٌ] هذا لا يسمى تناقضًا، لماذا؟ لأن الاختلاف هنا زيد وعمرو ما نوعها؟ ما نوع القضية؟ شخصية موجبة، والأخرى عمرٌ قائم شخصية موجبة، ما الخلاف بينهما؟ كلاهما موجبتان وكلاهما شخصيتان، والفرق بينهما أن الموضوع في الثاني ليس هو عين الأول، هذا الفرق بينهما، [واختلافهما في المحمول زيدٌ قائم، زيد جالس] الحكم واحد، [وبقولنا: (وَصِدْقُ وَاحِدٍ أَمْرٌ قُفِي)] يعني: قوله، [اختلاف قضيتين لا يلزم صدق أحدهما، بل يجوز صدقهما أو كذبهما]، بمعنى أن هذا الشرط، وهو صدق واحدٍ مع كذب الأخرى شرط في صحة التناقض، فإن صدقتا مع الاختلاف لا يسمى تناقضًا، إن كذبتا مع الاختلاف فلا يسمى تناقضًا، لأنه إذا اختلف الكيف اختلاف القضيتين في الكيف هنا عندنا الصور ثلاثة: إما أن يصدقا، وإما أن يكذبا، وإما أن تصدق إحداهما وتكذب الأخرى. الأول والثاني لا يسمى تناقضًا، والثالث هو الذي يسمى تناقضًا، [اختلاف قضيتين لا يلزم صدق أحدهما، بل يجوز صدقهما أو كذبهما، فالأول كقولنا: بعض الحيوان إنسان، بعض الحيوان ليس بإنسان]، [بعض الحيوان إنسان] هذه جزئية موجبة، ... [بعض الحيوان ليس بإنسان] هذه جزئية سالبة، إذًا لم يختلفا في الكم، وإنما اختلفا في الكيف، في السلب والإيجاب، كلهما صادقتان أو لا؟ [بعض الحيوان إنسان] صادقة [بعض الحيوان ليس بإنسان]، إذًا صدقتا.
[والثاني] إذا كذب النوعان (كل حيوان إنسان، لا شيء من الحيوان بإنسان]، [كل حيوان إنسان] كلية موجبة، [لا شيء من الحيوان بإنسان] كلية سالبة، اختلفا في السلب والإيجاب في الكيف، صدقتا؟
كذبتا [كل حيوان إنسان]؟ لا، منه فرس، [ولا شيء من الحيوان بإنسان] هذا كذب، إذًا كذبتا، متى يكون تناقضًا؟ إذا صدقت إحداهما وكذبت الأخرى، كيف نأتي بالتناقض؟
- - -
فَإِنْ تَكُنْ شَخْصيَّةً أَوْ مُهْمَلَهْ ... فَنَقْضُهَا بِالكَيْفِ أَنْ تُبَدِّلَهْ
وَإِنْ تَكُنْ مَحْصُورَةً بِالسُّورِ ... فانْقُضْ بِضِدِّ سُورِهَا المَذْكُورِ
стр. 180
فََإِنْ تَكُنْ مُوجَبَةً كُلِّيَّهْ ... نَقِيضُهَا سَالِبَةٌ جُزْئِيَّهْ
وَإِنْ تَكُنْ سَالِبَةً كُلِّيَّهْ ... نَقِيضُهَا مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّهْ
(فَإِنْ تَكُنْ) أي القضية) (شَخْصيَّةً) نحو: زيد قائمٌ، (أَوْ مُهْمَلَهْ) نحو: الإنسان حيوان، (فَنَقْضُهَا بِـ) حسب (الكَيْفِ أَنْ تُبَدِّلَهْ) أي كيفها فنقيض الأولى زيد ليس بقائم، ونقيض الثانية الإنسان ليس بحيوان، وهذا في المهملة ضعيف، والصحيح أن نقيض المهملة كليةٌ تخالفها في الكيف، فنقيض الإنسان حيوان، لا شيء من الإنسان بحيوان، (وَإِنْ تَكُنْ) أي القضية، (مَحْصُورَةً) أي مسورة، (بِالسُّورِ) الكلي والجزئي، (فانْقُضْ) أي انقضها، (بِضِدِّ سُورِهَا المَذْكُورِ) بعد تبديل كيفها فحينئذٍ يتفرع على ذلك ما ذكره بقوله: (فََإِنْ تَكُنْ مُوجَبَةً كُلِّيَّهْ) نحو: كل إنسان حيوان، (نَقِيضُهَا سَالِبَةٌ جُزْئِيَّهْ) نحو: ليس بعض الإنسان بحيوان، (وَإِنْ تَكُنْ سَالِبَةً كُلِّيَّهْ) نحو: لا شيء من الإنسان بفرس، فـ (نَقِيضُهَا مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّهْ) نحو: بعض الإنسان فرس.
ــ - الشرح - ــ