ما تمشي أليس كذلك؟ الارتباط بين طار والجدار غير معقول، إذًا النسبة غير مدركة هنا، وإن تصورها فيكون تصور لشيء غير واقع، إذًا إدراك الموضوع، إدراك المحمول، إدراك النسبة بين الموضوع والمحمول، إدراك النسبة بين الموضوع والمحمول الذي يسمى مضمون الجملة وحكم الجملة واقعة أو ليست بواقعة؟ جاء الرابع، هل التصديق مجموع هذه الإدراكات الأربعة، أو المراد به الإدراك الأخير الرابع؟ هذا محل نزاع، الحكماء كما قال التصديق عندهم هو الرابع فقط الإدراك الرابع واقع في الخارج أو ليس بواقع؟ إذا أدرك وقوع زيدٍ في الخارج سمي تصديقًا، إذا أدرك عدم وقوع قيام زيد في الخارج يسمى تصديقًا، وما قبله من الإدراكات هذه شروط وليست بشطور، فالتصور حينئذٍ يكون شرطًا للتصديق لا شطرًا خلافًا للرازي، إذًا علم بأن التصديق بسيط، وهو إدراك وقوع النسبة أو عدم وقوعها، فيكون إدراك الموضوع وإدراك المحمول وإدراك النسبة شروطًا للتصديق، لأنه لا يمكن أن يدرك الوقوع واللا وقوع إلا إذا أدرك هذه الإدراكات الثلاثة، فهي سابقةٌ قطعًا يعني ما يأتي يقول: إذًا لا نحتاج إلى هذه الإدراكات الثلاثة، أدرك مباشرة. وقد يقول قائل: أنا لا أشعر بأني أدرك معنى زيد. لا هو مثل الكمبيوتر مباشرة يعني مبرمج الإنسان، ولذلك إذا مرت به كلمات لا يعرفها لا بد من السؤال عنها.
[وإما مذهب الإمام الرازي فالتصديق] عندهم مركب ليس بسيطًا خالف الحكماء، [فالتصديق هو مجموع الإدراكات الأربعة أعني إدراك الموضوع، وإدراك المحمول، وإدراك النسبة، وإدراك وقوع تلك النسبة أو عدم وقوعها، فتكون الإدراكات الثلاثة الأول شطورًا عنده للتصديق أي أجزاء له] يعني أركان يعتبر أركان، وإذا لم يدرك معنى الموضوع أو المحمول لم يحصل إدراكه بالكلية، وهذا مسلمٌ به حتى على الأول. لماذا؟ لأن التصديق مشروط فيه ما سبق، فإذا كان كذلك حينئذٍ يتوقف المشروط على شرطه، فلا بد أن ينتفي إدراك الوقوع واللا وقوع إذا لم يدرك الموضوع، وإذا لم يدرك المحمول، وإذا لم يدرك النسبة بين الموضوع والمحمول، هذا قطعًا مقطوعٌ به، لكن هل هو شطرٌ أم شرطٌ؟ هذا محل نزاع، [فتكون الإدراكات الثلاثة الأُوَل شطورًا عنده للتصديق أي أجزاءً له والتحقيق الأول، وهو أن التصديق بسيط] وهو ظاهر النظم، بل نص عليه (وَدَرْكُ نِسْبَةٍ) أي نسبةٍ خارجية، (بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ) يعني علم بالتصديق. حينئذٍ نقول: التصور شرطٌ لا شطرٌ. شرطٌ في التصديق التصور، التصورات الثلاثة السابقة شرطٌ في التصديق لا شطرٌ.
- - -
وَقَدِّمِ الأَوَّلَ عِنْدَ الوَضْعِ ... لأَنَّهُ مُقَدَّمٌ بِالطَّبْعِ
стр. 72
(وَقَدِّمِ الأَوَّلَ) أي التصور على التصديق (عِنْدَ الوَضْعِ) أي في الذكر والكتابة والتعلم والتعليم، كما وقع في المتن من تقديم التصور في التقسيم (لأَنَّهُ) أي التصور (مُقَدَّمٌ) على التصديق (بِالطَّبْعِ) أي بحسب اقتضاء طبيعة التصور أي حقيقته، والمقدمُ بالطبع هو الذي يحتاج إليه المتأخر من غير أن يكون المتقدم علةً فيه كتقديمِ الواحد على الاثنين، والاثنين على الثلاثة، ولاشك أن التصور شرطٌ للتصديق أو شطرٌ له، وطبيعة الشرط تقتضي التقدم على المشروط كما أن طبيعة الشطر أي الجزء تقتضي التقدم على الكل، وليس الشرط علةً للمشروط، لأنه لا يلزم من وجُودِه وجُودُه، وكذا الشطر ليس علةً للكل وهو ظاهرٌ.
ــ - الشرح - ــ
ثم قال الناظم:
وَقَدِّمِ الأَوَّلَ عِنْدَ الوَضْعِ ... لأَنَّهُ مُقَدَّمٌ بِالطَّبْعِ
стр. 73
يعني: التصورات مقدمةٌ على التصديق، لأن التصديق مركب، والتصورات مفردات بالنسبة للتصديق، لأنه إدراك مفرد، وذاك إدراك مركب، والعلم بالمفردات مقدمٌ على العلم بالمركبات، فهو سائر على طبيعة الإنسان، فلا يحتاج أن ينظر في مركب إلا إذا علم المفردات، (وَقَدِّمِ) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب وهو كذلك يعني واجبٌ صناعةً لا شرعًا، (وَقَدِّمِ الأَوَّلَ) أي التصور على التصديق، والمراد أنه يجب تقديم ما يتعلق بالتصور على ما يتعلق بالتصديق، [(عِنْدَ الوَضْعِ) أي في الذكر والكتابة والتعلم والتعليم، كما وقع في المتن من تقديم التصور في التقسيم]. إذًا المفردات مقدمةٌ على المركبات (وَقَدِّمِ الأَوَّلَ) لماذا؟ [(لأَنَّهُ) أي التصور (مُقَدَّمٌ) على التصديق (بِالطَّبْعِ) أي بحسب اقتضاء طبيعة التصور أي حقيقته]، لأن حقيقة التصور إدراك المفرد، والمفرد مقدمٌ على المركب، وكل ما كان مقدمًا بالطبع يناسب أن يقدم في الوضع ليناسب الوضع الطبع كما مر معنا كثيرًا، [والمقدمُ بالطبع هو الذي يحتاج إليه المتأخر من غير أن يكون المتقدم علةً فيه] يعني يكون الثاني مرتبًا على الأول من غير أن يكون الأول علةً في وجوده، [كتقديمِ الواحد على الاثنين] إذا أردت أن تَعُدّ واحد، اثنان، ثلاثة. الواحد مقدم على الاثنين، لكنه ليس علةً فيه، الثاني مرتب على، المتأخر الثاني مرتب على ذكر الأول الواحد، لكن الأول الذي هو الواحد ليس علةً في وجود الثاني. هذا المراد به، [والاثنين على الثلاثة]، وليس في الاثنين علةً في وجود الثلاثة بل تدرك الثلاثة دون الاثنين، [ولاشك أن التصور شرطٌ للتصديق أو شطرٌ له] على القول الآخر، [وطبيعة الشرط تقتضي التقدم على المشروط]، ولذلك نقول: وقدم المصنف كتاب الطهارة على الصلاة لأنها شرطٌ فيه، والعلم بالشرط مقدمٌ على العلم بالمشروط. هو هذا الذي يذكره هنا، [وطبيعة الشرط تقتضي التقدم على المشروط، كما أن طبيعة الشطر أي الجزء، تقتضي التقدم على الكل] العلم بالأجزاء مقدمٌ على العلم بالكل، ولذلك يقدم بعض النحاة أقسام الكلمة على تعريف الكلام، وهذا مر معنا أنهم يختلفون منهم من يقدم الكلمة وتعريفها ويقسمها ثم بعد ذلك يبين لك الكلام، لأن الكلام يؤخذ في حده التركيب مركب من ماذا؟ من اسمين أو فعلٍ واسمٍ إلى آخره، [وليس الشرط علةً للمشروط، لأنه لا يلزم من وجُودِه وجُودُه]، الشرط ليس علةً للمشروط نعم، لأنه لا يلزم من وجُودِه وجُود الشرطِ وجود المشروط قد يتطهر ولا يصلي لفوات الوقت مثلاً، [وكذا الشطر ليس علةً للكل وهو ظاهرٌ] إذًا يقدم التصور أو العلم أو ما يتعلق بالتصورات على ما يتعلق بالتصديقات.
- - -
وَالنَّظَرِي مَا احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ ... وَعَكْسُهُ هُوَ الضَّرُورِيُّ الجَلِي
стр. 74
(وَالنَّظَرِي) بسكون الياء للضرورة (مَا) أي الذي (احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ) أي النظر في الدليل كإدراك حقيقة الإنسان المحتاج إلى النظر في التعريف بالحيوان الناطق، وإدراك أن العالم حادث المحتاج إلى النظر في قولك: العالم متغير، وكل متغيرٌ حادث (وَعَكْسُهُ) أي ما لا يحتاج إلى النظر (هو) العلم (الضَّرُورِيُّ الجَلِي) أي الظاهر، فهو ما لا يحتاج إلى النظر، وإن احتاج إلى حدسٍ أي ظنٍ، كالعلم بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، الحاصل باختلاف تشكلاته بحسب القرب منها والبعد عنها، فإنه يورث ظن استفادة نوره من نورها، أو احتاج إلى تجربة كالعلم بأن الدواء الفلاني مسهل للطبيعة عند شربه، فالعلم الضروري التصوري كإدراك وجودك، والتصديقي كإدراكك أن الواحد نصف الاثنين.
ــ - الشرح - ــ
وهذا تقسيم آخر للعلم، قسم لك العلم أولاً إلى تصور وتصديق، والآن شرع في تقسيمٍ آخر، وهو باعتبار الطريق الموصل إلى العلم، والأول باعتبار ما يتعلق به، إذًا لا تنافي بين التقسيمين ينقسم العلم بحسب ما يتعلق به، عرفنا العلم ما هو؟ مطلق الإدراك، يتعلق بماذا؟ بحسب المتعلق به ينقسم إلى تصورٍ وتصديق، بحسب الطريقة الموصل إليه ينقسم إلى نظري وضروري ... (مَا احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ) بحث ونظر وفكر يسمى نظريًّا ما لا يحتاج يسمى ضروريًّا. هذا طريق موصل إلى العلم إلى الإدراك، وأما الأول فهو تقسيم بحسب المتعلق به يعني الإدراك يتعلق بالمفرد فهو تصور، والإدراك يتعلق بالمركب بشرطه السابق فهو تصديق، باعتبار ما يتعلق به، وأما التقسيم إلى النظري والضروري فهو بحسب الطريق الموصل إليه نعم.
стр. 75
[(وَالنَّظَرِي) بسكون الياء للضرورة]، نظري نظريُّ هذا الأصل نسبةً إلى النظر، والمراد به النظر الاصطلاحي ترتيب أمرين معلومين يتوصل بهما إلى أمرٍ مجهول تصوري، أو تصديقي، ترتيب أمرين معلومين إما تصور أو تصديق ليتوصل بهما إلى مجهولٍ تصوري أو تصديقي، [(وَالنَّظَرِي) بسكون الياء للضرورة] يعني ضرورة الوزن (مَا احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ)، (مَا) أي إدراك، لأنه لا بد أن نأخذ العلم جنسًا في حد الأقسام، إذا قسمنا الشيء إلى أشياء لا بد أن نذكر في تعاريف هذه الأشياء الأقسام المقسوم تقول: الكلمة قولٌ مفرد، ثم تنقسم إلى اسمٍ، وفعلٍ، وحرف. ما هو الاسم؟ كلمةٌ دلت على معنًى إلى آخره، ما هو الفعل؟ كلمةٌ دلت على معنًى إلى آخره، ما هو الحرف؟ كلمةٌ دلت على معنى فعل، إذًا تذكر الكلمة في حد كل نوعٍ من أنواع الكلمة، كلمة هي قولٌ مفرد، لها أقسام ثلاثة: اسمٌ وفعلٌ، وحرف، إذا جئت تعرف الاسم لا بد أن تأخذ الجنس الاسم المقسوم الذي هو الكلمة، وكذلك الفعل، وكذلك الحرف، هنا قال: العلم ينقسم إلى نظري وضروري، ما هو النظري؟ (مَا) أي: إدراك، وعرفنا إدراك هو العلم. إذًا (وَالنَّظَرِي مَا) أي إدراكٌ، (احْتَاجَ) على كلام الناظم (لِلتَّأَمُّلِ) أي النظر، (مَا) أي الذي، جعله اسمًا موصولاً، وبعضهم يجعلها في التعريف نكرةً موصوفة، هذا أو ذاك لا بأس، لكن الذي يصدق على ماذا؟ هذا مبهم يحتاج إلى تفسير، يصدق على إدراك أو الإدراك، إذا جعلته مفصولاً الإدراك (مَا) أي الذي أي الإدراك، (احْتَاجَ لِلتَّأَمُّلِ) أي النظر والفكر بالمعنى الاصطلاحي النظر بالمعنى الاصطلاحي ... [النظر في الدليل] والدليل المراد به المركب [كإدراك حقيقة الإنسان المحتاج إلى النظر في التعريف بالحيوان الناطق] يأتي إنسان أو شخصٌ ما لا يعرف معنى كلمة إنسان حينئذٍ يقول: ما الإنسان؟ ما هذا اللفظ؟ إذًا سؤالٌ عن إدراك مفرد، فيأتي الجواب: حيوانٌ ناطقٌ. حصل أو لا؟ حصل العلم بلفظ الإنسان ما المراد به، هذا يسمى نظرًا لأنه رتب أمرين معلومين حيوان وهو الجنس، وناطق وهو فصلٌ، ليتوصل بهما إلى أمرٍ مجهول وهو تصور هنا وهو إدراك معنى إنسان، إذًا حصل النظر أو لا؟ حصل النظر، يسمى نظريًّا، إذًا النظري قد يكون تصورًا يعني التصور علم التصور قد يكون نظريًّا ومثاله ما ذكر، [وإدراك أن العالم حادث] يعني مخلوق، ... [المحتاج إلى النظر في قولك: العالم متغير وكل متغيرٌ حادث] أنتج ماذا؟ العالم حادث، هذا يسمى نظرًا لأنه رتب أمرين معلومين مقدمة الصغرى والكبرى، العالم متغير هذه المقدمة الصغرى، وكل متغيرٍ حادث هذا مقدمةٌ كبرى، وهما معلومان ترتيب أمرين معلومين لِيُتَوَصَّلَ بهما إلى أمرٍ مجهول وهو تصديق، وهو [العالم متغير] (١) العالم حادث.
стр. 76
إذًا النظري قد يكون تصورًا كالإنسان، وقد يكون تصديقًا كالعالم حادث، إذًا التصور قد يكون نظريًّا وقد يكون ضروريًّا، (وَعَكْسُهُ) أي عكس النظر بالمعنى اللغوي، يعني المخالف لهم، [(وَعَكْسُهُ) أي ما لا يحتاج إلى النظر] هو الضروري، هو العلم الضروري، (الجَلِي) هذه صفة كاشفة يعني: (الضَّرُورِيُّ الجَلِي) يعني ظاهر، [أي الظاهر الواضح، فهو ما لا يحتاج إلى النظر، وإن احتاج إلى حدسٍ أي ظنٍ، كالعلم بأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، الحاصل باختلاف تشكلاته بحسب القرب منها والبعد عنها، فإنه يورث ظن استفادة نوره من نورها، أو احتاج إلى تجربة كالعلم بأن الدواء الفلاني مسهل للطبيعة عند شربه، فالعلم الضروري التصوري كإدراك وجودك، والتصديقي كإدراكك أن الواحد نصف الاثنين] يعني العلم الضروري قد يدخل فيه الحدثيات، وهذا يأتي في آخر النظم، وكذلك الأشياء التي تكون من جهة التجربة، إذًا داخلٌ في علم الضروري وسيأتي في آخر النظم، الشاهد هنا في قوله: (فالعلم الضروري التصوري كإدراكِكَ وجودَك) يعني أنت موجود أو لا؟ هذا علم ضروري لا يختلف أو يحتاج أبحاث وأنظر وأسأل وأتأمل وأستخير، أنت موجود أو لا؟ موجود، إذًا العلم بوجودك نقول: هذا علم ضروري، الوجود شيء واحد مفرد، إذًا يسمى تصورًا ضروريًّا.
الثاني: إدراك أن الواحد نصف الاثنين، أن الكل أكبر من الجزء، هذا يسمى إدراكًا ضروريًّا وهو تصديق، إذًا علمٌ ينقسم إلى تصور وتصديق، والتصور قد يكون نظريًّا وهو ما احتاج للتأمل، وقد يكون ضروريًّا وهو عكسه، والتصديق قد يكون نظريًّا وقد يكون ضروريًّا، ولذلك قلنا: ... (فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ) وهي أربعة مأخوذة من كلام الناظم من جهة الاستقصاء يعني لم ينص على ذلك وإنما هي معلومة.
- - -
وَمَا بِهِ إِلَى تَصَوُّرٍ وُصِلْ ... يُدْعَى بِقَوْلٍ شَارِحٍ فَلْتَبْتَهِلْ
وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُوُصِّلاَ ... بِحُجَّةٍ يُعْرَفُ عِنْدَ العُقَلاَ
(وَمَا بِهِ إِلَى تَصَوُّرٍ وُصِلْ) أي والقول الذي وصل به إلى تصورٍ كالحد في قولك: الحيوان الناطق، والرسم في قولك: الحيوان الضاحك (يُدْعَى) أي يسمى عند المناطقة (بِقَوْلٍ شَارِحٍ) أما تسميته قولاً فلأن القول هو المركب، وأما تسميته شارحًا فلشرحه الماهية، فالمعني والقول الذي وصل به إلى تصورٍ المعرف يسمى بالقول الشارح في اصطلاح المناطقة، وقوله: (فَلْتَبْتَهِلْ) أي تجتهد في الطلب، جملة كمل بها البيت (وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُوُصِّلاَ) أي والقول الذي توصل به للتصديق، وهو القياس في مثل قولنا: العالم متغير وكل متغيرٍ حادث. (بِحُجَّةٍ يُعْرَفُ عِنْدَ العُقَلاَ) أي يسمى عند المناطقة بالحجة أي الدليل، لأن من تمسك به حَجَّ خصمه أي غلبه.
ــ - الشرح - ــ
стр. 77
عرفنا التصور وعرفنا التصديق ما الذي يوصل إلى التصور؟ له طريق له سلم، ما هو؟ قال: (يُدْعَى بِقَوْلٍ شَارِحٍ) يعني المعرفات، إدراك المفرد الذي هو التصور الذي يوصل إليه المعرفات، وهذا سيأتي بحث باب المعرفات، والتصديق الذي يوصل إليه ما يسمى بالحجة، وهو باب القياس سيأتي، إذًا التصور له طريق، والتصديق له طريق، ولذلك قلنا: التصور قد يكون منه شيء صحيح وقد يكون فاسد، ما الذي يميز هذا عن ذاك؟ سلوك الطريق الذي رسمه المناطقة وهو المعرفات، وما الذي يوصل التميز بين التصديق الصحيح وغيره؟ هو سلوك الطريق الذي وضعه المناطقة، (وَمَا بِهِ إِلَى تَصَوُّرٍ وُصِلْ) يعني والذي وصل به يعني بسببه [إلى تصورٍ] أي وصل، أي توصل، [أي والقول] يعني فسر ما هنا بالقول، فسر ما بالقول ... [والقول الذي وصل به إلى تصورٍ كالحد في قولك) يعني كالتعريف ... [كالحد في قولك: الحيوان الناطق] كيف عرفت الإنسان؟ ما الإنسان؟ قال: حيوان ناطق. ما الطريقة الذي وصل إلى تفسير معنى الإنسان؟ كونه حيوان هذا يسمى حدًا يسمي تعريفًا (كالحد في قولك: الحيوان الناطق، والرسم في قولك: الحيوان الضاحك) وهذا سيأتي بحثه في محله [(يُدْعَى) أي يسمى عند المناطقة (بِقَوْلٍ شَارِحٍ)]، قول مصدر بمعنى المقول، وشارحٍ أي كاشفٍ.
[أما تسميته قولاً فلأن القول هو المركب] مرادف للمركب عندهم [القول هو المركب] بمعنى واحد عند المناطقة [هو المركب] يسمى تعريفًا ومُعَرِّفًا، [وأما تسميته شارحًا فلشرحه الماهية] يعني كشفه الماهية الحقيقة، [فالمعني والقول الذي وصل به إلى تصورِ المعرف يسمى بالقول الشارح في اصطلاح المناطقة]، ويسمى المعرف والتعريف، [وقوله: (فَلْتَبْتَهِلْ) أي تجتهد في الطلب]، هذه [جملة كمل بها البيت].
(وَمَا لِتَصْدِيقٍ بِهِ تُوُصِّلاَ) وما توصل به بسببه إلى تصديقٍ [أي والقول الذي توصل به للتصديق، وهو القياس في مثل قولنا: العالم متغير وكل متغيرٍ حادث. (بِحُجَّةٍ يُعْرَفُ عِنْدَ العُقَلاَ)] يعرف بحجةٍ عند العقلاء ... [أي يسمى عند المناطقة بالحجة أي الدليل، لأن من تمسك به حَجَّ خصمه أي غلبه] عقلاء حذف الهمزة والألف العقلا للعهد، والمراد هنا المعهود أرباب هذا الفن، كما مر معنا أرباب الحجا، إذًا الذي يوصل إلى التصور هو القول الشارح، والمرد بالقول الشارح المعرفات سيأتي بحثها في باب مستقل، والذي يتوصل به إلى إدراك تصديق هو ما يسمى بالحجة، ويسمى القياس وسيأتي باب خاص بالقياس هذا حاصل قوله: (فَصْلٌ فِي أنْوَاعِ العِلْمِ الحَادِثِ).
- - -
(فَصْلٌ: فِي أَنْوَاعِ الدَّلالَةِ الْوَضْعِيَّة)
стр. 78
(فَصْلٌ: فِي أَنْوَاعِ الدَّلالَةِ) اللفظية (الْوَضْعِيَّة) والدلالة: كون أمرٍ بحيث يفهم منه أمرٌ آخر سواء فهم بالفعل أم لا، والأمر الأول دال، والثاني مدلولٌ، والدال ينقسم إلى غير لفظ وإلى لفظٍ، فغير اللفظ إما دال بالعقل كدلالة التغير على الحدوث، أو بالعادة كدلالة المطر على النبات، والحمرة على الخجل والصفرة على الوجل، أو بالوضع كدلالة الإشارة باليد مثلاً على معنى نعم أو لا، واللفظ إما دالٌ بالعقل كدلالة اللفظ على وجود اللافظ من وراء جدار، أو بالعادة كدلالة أُحّ على وجع صدرٍ، أو بالوضع كدلالة الأسد على الحيوان المفترس، وهذه هي المعتبرة في المنطق، ولذا بوب لها فقط فقال: أنواع الدلالة الوضعية أي اللفظية كما تقدم، فخرج باللفظية دلالة غير اللفظ، وبالوضعية دلالة اللفظ غير الوضعية فلا يعتبر شيء من هذه الخمسة عند المناطقة وقد تقدم تمثيلها.
ــ - الشرح - ــ
[فصل في أنواع الدلالة اللفظية الوضعية] زاد اللفظية لأن بحث المناطقة في اللفظ، وأما غير اللفظ فهذا لا بحث لهم فيه، الوضعية نسبة إلى الوضعي والوضع نوعان:
وضعٌ شخصي.
ووضعٌ نوعي.
المبحث لغوي هنا.
وضعٌ شخصي يعني يتعلق بالمفردات، وهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى.
وأما النوعي فهو ما يتعلق بالقواعد، يعني كالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، هذا وضعه العرب أو الواضع، جعل الفاعل مرفوعًا، من أين أخذ هذا الوضع؟ بالاستقراء والتتبع لمفردات وآحاد لسان العرب، تراكيب، وكذلك المفعول به منصوب، والتمييز يكون منصوبًا إلى آخره.
стр. 79
القواعد التي يتكلم عنها النحاة هذه موضوعة بالوضع النوعي يعني ليست متعلقةٌ بشخص أو أحاد، والوضع الشخصي هو المتعلق بالمفردات يعني وضع زيد على من؟ وضع بيت، وضع أرض، وضع سماء بمدلوله الخاص، جعل اللفظ دليلاً على المعنى، (في أنواع الدلالة) الدلالة عرفها الشارح هنا ... [كون أمرٍ بحيث يفهم منه أمرٌ آخر سواء فهم بالفعل أم لا]، يعنى: وإن لم يفهم منه بالفعل، المراد بالفعل هنا بالإيجاد المراد به بالإيجاد، تكلم بكلام دل على شيءٍ ما قد يفهم منه وقد لا يفهم منه، لعل الشرح هذا قد يفهمه البعض وقد لا يفهمه البعض، إذًا الكلام يسمى دلالةً، كونه فُهِمَ عند البعض هذا واضح أنه دَلَّ، كونه لم يُفهم عند البعض لا يخرجه عن كونه ذا دلالة بل هو ذو دلالة، إذًا دل [كون أمرٍ] الذي هو الدال [بحيث يفهم منه أمرٌ آخر] أي المدلول، [سواء فهم بالفعل] بأن وجد الفهم، [أم لا]، إذًا لا يشترط في اللفظ الدال أو الدلالة أن يفهم بالفعل، وقيل: المراد بالدلالة فهم أمرٍ من أمرٍ. يعني: بالفعل، فحينئذٍ يكون النزاع في ماذا؟ في شيء لم يفهم هل يسمى دلالة أم لا؟ على التعريف الذي ذكره الشارح هنا يسمى دلالة، وإن لم يفهم منه، وعلى الثاني الذي اشترط الفعل حينئذٍ لا يسمى دلالةً، والظاهر أن الدلالة يطلق بالاشتراك على المعنيين على هذا وذلك، قد يطلق بهذا ويطلق على المعنى الثاني، وإنما الخلاف هل يسمى دلالة حقيقةً أو مجازًا؟ كونه دالاً نقول: هذا واضح بين لا شك أنه يدل، لكن هل يسمى دلالة حقيقةً أو يسمى مجازًا؟ نقول: هذا يطلق عليه بالاشتراك، إذًا [كون أمرٍ] يعني وجود أمرٍ وهو دالٌ، [بحيث يفهم منه] يعني من هذا الأمر الدال، [أمرٌ آخر] وهو المدلول [سواء فهم بالفعل أم لا] يعني وإن لم يفهم منه فهو ذو دلالة، وكونه لم يفهم منه لا يخرج عن كونه دالاً، [والأمر الأول] في الحد السابق هو: [الدال، والثاني مدلولٌ] عكس التعريف الثاني فهم أمر من أمرٍ يعني بالفعل أي فهمه منه بالفعل فهو أخص مما قبله يعني التعريف السابق أعم، والمراد بالأمر الأول المدلول هنا، وبالثاني الدال، عكس ما قبله، وينبني على المعنيين أن الأمر قبل حصول الفهم منه بالفعل يقال له: دال حقيقة أم لا؟ هذا محل النزاع، قال: [والدال ينقسم إلى غير لفظ وإلى لفظٍ]. دال الدلالة ستة أقسام لأنها إما وضعية، وإما عقلية، وإما عادية، عقلية يعني: الفهم يكون من جهة العقل، وضعية يعني: الفهم يكون من جهة الوضع، عادية يعني: طبيعية حينئذٍ يكون من جهة الطبع والعادة، وكل منها من هذه الثلاثة إما لفظ أو لا ثلاثة في اثنين بستة، إذًا الدلالة إما وضعية من جهة الوضع يعني: لسان العرب، وإما عقلية، وإما عادية، هذه ثلاثة، [وكلٌّ منها] (١) وعلى كلٍّ الدال لفظ أو غيره، ثلاثة في اثنين بستة، هنا قال: [والدال].
стр. 80
الدال الذي يدل على شيء [ينقسم إلى غير لفظ وإلى لفظ] إما أن يكون لفظًا يعني ينطق به أو لا يكون لفظًا؟ [فغير اللفظ إما دال بالعقل كدلالة التغير على الحدوث] يعني تغير العالم دل على ماذا؟ على كونه حادثًا، وهذا الدليل كما ذكرنا مرارًا فيه شيء من النظر يعني المراد المثال هنا، [إما دال بالعقل كدلالة التغير على الحدوث] يعني يرى في العالم مطر وسحاب وجبل يزال وبحار إلى آخره، التغير هذا علامة ماذا؟ علامة الحدوث، ما الذي دل العقل؟ يعني: العقل نظر وفهم، فالفهم يكون من جهة العقل لأنه لا يتغير إلا ما كان مخلوقًا وهذا ذكرنا أن فيه شيء من النظر، [أو بالعادة كدلالة المطر على النبات] عادةً أنه إذا نزل المطر يأتي النبات، [والحمرة على الخجل] حمرة الخدين على الوجه [على الخجل] يخجل ويحمر، [أو الصفرة على الوجل] يعني الخوف هذا مأخوذ من عادة طبيعة الناس يعني طبيعة البشر، [أو بالوضع كدلالة الإشارة باليد مثلاً على معنى نعم أو لا]، أو بالرأس على معنى نعم أو لا، أجلس مثلاً للدلالة نقول: دلالة بالإشارة، هل هي لفظية؟ نقول: لا، إذًا غير اللفظ قد يدل بالعقل كالتغير الحدوث، وقد يدل بالعادة كالحمرة على الخجل قد يدل بماذا؟ بالإشارة بالوضع كالإشارة باليد مثلاً الوضع مراد به الاصطلاح هنا، كالإشارة باليد مثلاً على معنى نعم أو لا، وهذه الثلاثة كلها خارجة ليس بحث المناطقة فيها البتة لماذا؟ لأنها ليست بلفظ، ولذلك قال في الفصل: [فصل في أنواع الدلالة اللفظية]. أخرج هذه الأنواع الثلاثة بقي الثاني، [واللفظ] يعني اللفظية الدال إذا كان لفظًا [إما دالٌ بالعقل] يعني لفظ يتلفظ به ويدل على شيءٍ آخر، مدلول ليس معنى اللفظ وإنما على شيءٍ آخر كالمثال الذي ذكره، [كدلالة اللفظ على وجود اللافظ من وراء جدار] تسمع صوت من وراء جدار ما تراه وتكلم كلامه قد ينادي بشيء ليس هذا المراد، اسقني ماء تعلم من وجوده من هذا الصوت التكلم أنه حي وأنه موجود، ولا زال حيًّا هذه الدلالة من أين أخذت؟ من اللفظ لأنه تكلم، وليس المراد عين الكلام، وإنما كونه دل على شيء آخر هذا فهم بالعقل، أما لفظ اسقني ماءً، أو تعالى يا زيد، هذا اللفظ [لم يدل على عقل] (١) لم تكن الدلالة عقلية، وإنما هي وضعية، لكن كونه دالاً على وجوده هذا شيءٌ آخر إنما فهم بالعقل، [أو بالعادة كدلالة أُح] أو [أَح على وجع صدرٍ] واضح هذا؟ هذا معلوم من العدم، [أو بالوضع كدلالة الأسد على الحيوان المفترس]، هذا وضع اللغة يعني لسان العرب، إذًا هذه كم؟ ثلاثة لفظٌ بالعقل، أو بالعادة، أو بالوضع، الأخير الدلالة اللفظية الوضعية هي المعتبرة عند المناطقة، إذًا الدلالة اللفظية العقلية ليست داخلة معنى خرجت، الدلالة اللفظية العادية المعلوم بالعادة والطبع ليست داخلة معنى بقي نوع واحد وهو الدلالة اللفظية الوضعية، هذه التي ستنقسم إلى ثلاثة أقسام.
стр. 81
[وهذه] الأخيرة بالوضع [هي المعتبرة في المنطق، ولذا بوب لها فقط] دون غيرها [فقال: أنواع الدلالة الوضعية أي اللفظية كما تقدم، فخرج باللفظية دلالة غير اللفظ] ثلاثة أنواع من الستة، خرج باللفظية دلالة غير اللفظ ثلاثة أنواع من الستة [وبالوضعية دلالة اللفظ غير الوضعية] وهي نوعان هذه خمسة [لا يعتبر شيء من هذه الخمسة عند المناطقة وقد تقدم تمثيلها] إذًا المراد بهذا تمهيد بالدلالة المراد عند النحاة.
- - -
دَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ ... يَدْعُونَهَا دَلاَلَةَ المُطَابَقَةْ
وَجُزْئِهِ تَضَمُّنًا وَمَا لَزِمْ ... فَهْوَ التِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ
(دَلالَةُ اللَّفْظِ) أي الوضعية، أخذًا من الترجمة (عَلَى مَا وَافَقَهْ) أي: على المعنى الذي وافق اللفظ بأن وضع له ذلك اللفظ لا لأقل منه ولا لزائد عليه، وسميت الدلالة على الموضوع له بتمامه دَلاَلَةَ المُطَابَقَةْ لمطابقة الدال للمدلول من قولهم: طابق النعلُ النعلَ إذا توافقتا، والدال والمدلول متوافقان ومتطابقان بحيث لا يفهم من اللفظ زيادة على المعنى، ولا يفهم المعنى من أقل من اللفظ، وذلك كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق (وَ) دلالة اللفظ على (وَجُزْئِهِ) أي جزء المعنى الذي وافق اللفظ كدلالة الإنسان على الحيوان أو الناطق فقط يدعونها (تضمنًا) أي دلالة تضمن لتضمن المعنى لجزئه، وقول الناظم: (وَجُزْئِهِ) بالجر عطفٌ على (مَا) المجرورة بعلى، وقوله: (تَضَمُّنًا). عطفٌ على: (دَلاَلَةَ المُطَابَقَةْ). المنصوبة بيدعونها ففيه العطف على معمولين لعاملين مختلفين واغتفر لأن أحد العاملين جار، وقد تقدم، وذلك جائز نحو في الدار زيد، والحجرة عمرو، كما في كتب النحو، (وَ) أما دلالة اللفظ على (مَا) أي المعنى اللازم الذي (لَزِمْ) معناه (فَهْوَ التِزَامٌ) أي دلالة التزامٍ لالتزام المعني أي استلزامه له كدلالة الأربعة على الزوجية، ودلالة العمى على البصر، وقول الناظم: (إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ) شرط حذف جوابه لدلالة قوله فهو التزام عليه، والمعنى أن الدلالة على اللازم تسمى التزامًا إن التزم ذلك اللازم في العقل، أي الذهن، بأن لزم من تصور الملزوم في الذهن تصور ذلك اللازم فيه، سواء لزم مع ذلك في الخارج كالزوجية للأربع، أو لم يلزمه في الخارج بل كان منافيًا له فيه كالبصر للعمى، وخرج بذلك القيد في الخارج فقط دون الذهن كالسواد للغراب فلا يسمى دلالة لفظ الغراب عن السواد دلالة التزام لعدم لزوم السواد له في العقل، وإن لزمه في الخارج.
ــ - الشرح - ــ
ودِلالة ودَلالة ودُلالة يجوز فيها التثليث ولكن دِلالة ثم دَلالة وأردئها دُلالة بضم الدال يعني لغةً لكنه رديء.
وَجُزْئِهِ تَضَمُّنًا وَمَا لَزِمْ ... فَهْوَ التِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ
стр. 82
يعني: الدلالة اللفظية الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام وهذا مأخوذ من كلام الناظم يعني استقصاء كلامه، لأنه قال: مطابقة تضمنًا فهو التزام. إذًا لم ينص على أنها ثلاثة، لكن من حيث الكلام والاستقصاء هي ثلاثة: مطابقة، دلالة تضمن، دلالة التزام. وهذا البحث نفيس يفيد حتى في باب المعتقد وفي باب الأصول، ولذلك تذكر في المعتقد ونظمها ابن القيم في النونية، وكذلك ذكرها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في القواعد المثلى ويذكرها أرباب الأصول يعني مهمة، وتذكر في علم البيان، وتذكر في كتب المنطق، فإتقانه جيد مفيد للطالب، إذًا الدلالة اللفظية الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام كما يعلم من استقصاء كلامه، والحصر فيها عقلي لماذا؟ لأن اللفظ إما أن يدل على المعنى الموضوع له يعني بتمامه، أو على جزئه، أو على خارجه، إما الأول وإما الثاني وإما الثالث، بمعنى أن اللفظ إذا أطلق إما أن يدل على تمام المعنى الموضوع له وهذه المطابقة، أو يدل لا على تمام المعنى، وإنما على بعضه وجزئه وهذه دلالة التضمن، أو لا يدل على الأول ولا على الثاني وإنما على شيء خارجٍ عن مسماه لازمٍ له وهذه دلالة التزام، فالحاصل فيها عقلي.
(دَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ) [دلالة اللفظ أي الوضعية، أخذًا من الترجمة]، لأنه أطلق (دَلالَةُ اللَّفْظِ) فعرفنا دلالة اللفظ كم نوع؟ ثلاثة، ما المراد هنا؟ الوضعية، لماذا؟ لأنه قال: (الدَّلاَلَةِ الوَضْعِيَّةِ). ولذلك الشارح قال في أنواع الدلالة: [اللفظية]. أخذًا من البيت (دَلالَةُ اللَّفْظِ)، وقوله: [دلالة اللفظ أي الوضعية، أخذًا من الترجمة] يعني كل منهما هذا يسمى احتباك عندهم، كل منهما قيد الآخر، فنقيد الترجمة في أنواع الدلالة الوضعية باللفظية أخذًا من قوله: (دَلالَةُ اللَّفْظِ). في البيت، ونأتي إلى دلالة اللفظ وهي عامة ونقيدها بقوله: [الوضعية أخذًا من الترجمة]. واضح هذا؟
стр. 83
(فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الدَّلاَلَةِ الوَضْعِيَّةِ) قلنا: الوضع ليس خاصًا باللفظ، غير اللفظ قد يدل بالوضع كالإشارة باليد، هذا بالوضع وليس لفظًا، إذًا دخل في قوله: (الوَضْعِيَّةِ). فنقيده بقوله: (دَلالَةُ اللَّفْظِ)، (دَلالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَا وَافَقَهْ) قد يكون ماذا؟ بالوضع، قد يكون بالعقل، وقد يكون بالطبع والعادة، فنقيده بما ذكره في الترجمة بقوله: (الوَضْعِيَّةِ). إذًا [(دَلالَةُ اللَّفْظِ) أي الوضعية أخذًا من الترجمة (عَلَى مَا وَافَقَهْ)]، (عَلَى مَا) [أي على المعنى الذي وافق اللفظ] انظر [وافق اللفظ] (على المعنى الذي وافق اللفظ] حينئذٍ الضمير المستتر في قوله: [وافق]. يعود إلى (مَا)، والضمير البارز يعود إلى [اللفظ]، ولذلك قال الشارح: ... [أي على المعنى]. فسر (مَا) بالمعنى، [الذي وافق اللفظ] وافقه، إذًا الضمير البارز يعود إلى اللفظ، والضمير المستتر وافق هو اللفظ يعني المعنى، إذًا إذا وافق المعنى اللفظ فهي دلالة المطابقة [بأن وضع له ذلك] المعنى ذلك [اللفظ لا لأقل منه ولا لزائد عليه] فالمعنى الذي وضعه العرب بذلك اللفظ إذا أطلق اللفظ واستعمل له على وجه التمام لا لمعنى زائد ولا لأقل بل مساوي لما وضعه العرب فيسمى دلالة مطابقة من طابق النعلُ النعلَ.
[(يَدْعُونَهَا) أي يسمونها أي تسمي المناطق تلك الدلالة على المعنى الموضوع له اللفظ (دَلاَلَةَ المُطَابَقَةْ) وسميت الدلالة على الموضوع له بتمامه]، إذًا دلالة المطابق دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، هكذا عَرَّفَه الأمين في المقدمة، دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، لأن اللفظ كما مر في البلاغة أنه قد يطلق اللفظ على بعض المعنى فلا يستعمل في كل المعنى، إذًا العرب تستعمل اللفظ في جميع المعنى الذي وضع له في لسان العرب، وقد تستعمل اللفظ في بعض المعنى.
الأول: يسمى دلالة المطابقة.
والثاني: يسمى دلالة تضمن.
واضح هذا، إذًا دلالة المطابقة دلالة اللفظ على تمام ما وضع له في لسان العرب، قال هنا: [(دَلاَلَةَ المُطَابَقَةْ) وسميت الدلالة على الموضوع له بتمامه]. هذا تعريفه (دَلاَلَةَ المُطَابَقَةْ) يعني وجه التسمية. (لمطابقة الدال للمدلول) تطابقا توافقا [من قولهم: طابق النعلُ النعلَ إذا توافقتا] ما معنى طابق النعلُ النعل؟
..
стр. 84
أي نعم [ها ها] إذا تطابقا استويا حينئذٍ كاللفظ والمعنى، أما هذا واضح هذا، إذًا طابق النعلُ النعل بمعنى استويا (من قولهم: طابق النعلُ النعل إذا توافقتا] أنث هنا لأن النعل مؤنثة (والدال والمدلول متوافقان ومتطابقان بحيث لا يفهم من اللفظ زيادة على المعنى، ولا يفهم المعنى من أقل من اللفظ وذلك] مثاله [كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق]، ما هو الإنسان؟ الحيوان الناطق، هنا فهم المعنى والمعنى مركب المعنى مركب، دلالة الأسماء كل الأسماء على مسمياتها من هذا النوع، كل اسمٍ في لسان العرب وضع لمعنًى دلالته على مسماه من دلالة المطابقة، الأسد حيوان مفترس دلالة مطابقة، الرجل بالغ من بني آدم إلى آخره نقول: دلالة الأسماء الألفاظ سواء كانت معارف أو نكرات على المعاني الموضوعة لها في لسان العرب من دلالة المطابقة، ثم هذه الدلالة قد تكون بسيطة وقد تكون مركبة يعني قد يكون مدلول اللفظ معنًى جزء لا يتجزأ، وقد يكون ماذا؟ قد يكون مركبًا من شيئين كالإنسان مثلاً حيوان ناطق هذا مركب من جزأين، والعلم مثلاً قلنا: هو الإدراك، [هذا مركب من] (١) هذا بسيط مدلوله بسيط، ودلالة اللفظ وجزئه تضمنًا يعني ودلالة اللفظ على جزئه يعني على جزء ما وافقه على جزء ما وفقه، والضمير راجع لما وافقه أي جزء المعنى الذي وافق اللفظ، إذًا دلالة التضمن هنا يشترط فيها أن تكون في المعاني المركبة، أما المعاني البسيطة هذه لا يتأتى فيها دلالة تضمن لماذا؟ لأن اللفظ إذا أطلق وأريد به بعض معناه هذا لا يتأتي في المعنى البسيط وإنما في المعنى المركب لا يتأتى في المعنى البسيط، ولذلك قال: [أي جزء معناه]. جزء المعنى الموضوع له اللفظ، إذًا قد يستعمل اللفظ الذي وضعه العرب لمعنًى عام مركب في بعض مدلوله، يسمى ماذا؟ دلالة تضمن يسمى دلالة تضمن، [(جُزْئِهِ) أي جزء المعنى الذي وافق اللفظ كدلالة الإنسان على الحيوان] فقط ما هو الإنسان؟ الحيوان، تفهم منه الحيوان فقط، تقول: الإنسان معناه مركب حيوان وناطق، فإذا دل الإنسان على الحيوان فقط دلالة تضمن، وإذا دل على الناطق فقط هو دلالة تضمن، ومن هنا جعل ابن القيم رحمه الله تعالى هذه القاعدة معمولاً به في أسماء الله تعالى، الرحمن قال: هذا مدلوله مركب ذاتٌ وصفةٌ. ذات وصفة يعني ذات موصوفة بصفة الرحمة، العليم دال على ذات وصفة، وكل الأسماء على هذا المنوال، حينئذٍ إذا دل أو استعمل الرحمن مرادًا به الذات والصفة معًا فهي دلالة مطابقة، لأن اللفظ هنا طابق المعنى وهو مركب من شيئين ذات ومعنى وهي الصفة، إذا استعمل الرحمن مرادًا به الذات فقط حينئذٍ هذه دلالة تضمن، إذا استعمل الرحمن مرادًا به المعنى الذي هو صفة الرحمة فقط ولم يرد به الذات حينئذٍ قال: دلالة تضمن، لماذا؟ لأن اللفظ هنا استعمل في بعض المعنى جزء المعنى الذي وضع له، إذًا هذه القاعدة مستعملة فيما ذكر.
стр. 85
(تَضَمُّنًا) هذا على حذف المضاف [أي: دلالة تضمن] تضمنًا [أي دلالة تضمن] يدعونها دلالة تضمن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وانتصب انتصابه، [أي دلالة تضمن] لماذا سمي دلالة تضمن؟ ... [لتضمن المعنى لجزئه] لتضمن المعنى الذي أطلق اللفظ له لجزئه أي: لجزء المعنى، [وقول الناظم: (وَجُزْئِهِ). بالجر عطفٌ على] قوله: [(مَا) المجرورة بعلى، وقوله: (تَضَمُّنًا). عطفٌ على] قوله: [(دَلاَلَةَ المُطَابَقَةْ). المنصوبة بيدعونها ففيه العطف على معمولين لعاملين مختلفين]، وليته ما ذكرها هنا قال ماذا؟ [(وَجُزْئِهِ). بالجر] معطوف على ماذا؟ على قوله: [(مَا) المجرورة بعلى] جزئه بالجر، ما العامل هنا؟ نقول: الواو عاطفة، والمعطوف على المجرور مجرور، عرفنا المعطوف جزئه، أين المعطوف عليه؟ ما من قوله: (عَلَى مَا وَافَقَهْ) طيب تضمنًا (وَجُزْئِهِ تَضَمُّنًا)، تضمنًا بالنصب عطف على ماذا؟ على دلالة المطابقة، ودلالة المطابقة معمول لأي شيء؟ يدعونه، إذًا اختلف العامل، ولذلك قال: ... [ففيه العطف على معمولين]. وهما: ما، ودلالة. [لمعمولين # هل سبق] [لعاملين مختلفين] وهما: على، ويدعونها، وهذا مختلف فيه هل هو جائز أم لا؟ قيل بجوازه، وقيل بمنعه، [واغتفر] يعني يرى رأي الجمهور أنه ممنوع، [واغتفر لأن أحد العاملين جار) وهو على، وأما إذا كانا فعلين حينئذٍ المنع، وأما إذا كان أحدهما جار كما هو الشأن هنا فهذا مغتفر [وقد تقدم، وذلك جائز نحو في الدار زيد، والحجرة عمرو] عطف على في الدار زيد هنا مغتفر لأنه جار [كما في كتب النحو]، إذًا (وَجُزْئِهِ) عطف على (مَا) و (تَضَمُّنًا) عطف على دلالتا المطابقة التي هي منصوبة بـ (يَدْعُونَهَا)، وهذا محل نزاع بين النحاة، إذًا دلالة المطابقة دلالة اللفظ على تمام ما وضع له، ودلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له تضمنٌ يسمى تضمنًا، دلالة اللفظ على جزء مسمى في ضمن كله، وهذه لا تكون دلالة تضمن إلا في المعاني المركبة يعني إذا كان مدلوله اللفظ معنًى مركب من شيئين فأكثر جاءت دلالة التضمن وإلا فلا، كما مر دلالة الإنسان على حيوان، أو على الناطق، أو دلالة الأربعة على الواحد، أو على الاثنين، أو على الثلاثة نقول: هذا دلالة تضمن. (وَمَا) ماذا قال الناظم؟ الشارح ذهب بعيدًا .. (وَمَا لَزِمْ ** فَهْوَ التِزَامٌ) يعني دلالة اللفظ على ما لزم، على المعنى الذي لزم للفظ وهو خارج عنه (فَهْوَ التِزَامٌ) هنا ليس عندنا دلالة اللفظ على معنًى كامل ولا على بعض المعنى، وإنما هو شيء خارج عن مدلول اللفظ، لم يوضع له في لسان العرب هذا اللفظ لهذا المعنى، وإنما لشيء خارجٍ عنه قال هنا: [وأما دلالة اللفظ على (مَا) أي المعنى اللازم الذي (لَزِمْ) معناه (فَهْوَ التِزَامٌ)] هنا الشارح ذهب بعيدًا قوله: (فَهْوَ التِزَامٌ). رأى أن الفاء هذه واقعة في جواب شرط حينئذٍ لا بد من التقديم، وأما جعلها في جواب أما، وليس الأمر كذلك بل نحكم على الفاء بأنها زائدة لأجل الوزن ويبقى الكلام متصل بما سبق، [وأما دلالة اللفظ على (مَا)] والظاهر أن نقول: ودلالة اللفظ.
стр. 86
كما قال الشارح هناك، ودلالة اللفظ على ما لزم فهو دلالة التزم، فهو معطف على ما قبله، والفاء زائدة، وهذا أولى مما في الشرح هنا من أن الفاء هنا واقعة في جواب أما المحذوفة والتقدير وأما ما لزم على أن المعنى [وأما دلالة اللفظ على (مَا لَزِمْ)] إلى آخره لماذا؟ لأنا إذا قلنا: وأما. فصلنا الكلام ومر معنى بالأمس أن جعل الكلام بسياقٍ واحد أولى من فصله، إذًا نجعل ودواء وما لزم معطوف على ما سبق أولى من فصله، ونجعل الفاء هذه فاء زائدة، ولا نحتاج أن نجعلها في جواب شرط مقدر، [وأما دلالة اللفظ على (مَا) أي المعنى اللازم الذي (لَزِمْ) معناه] يعني معنى اللفظ، لأن اللازم معنى لا شك أنه معنى، لكن اللفظ لم يوضع له، إذًا اللازم هو معنى، لكنه ليس المعنى الذي وُضع له اللفظ، [(فَهْوَ التِزَامٌ) أي دلالة التزامٍ] لماذا؟ [لالتزام المعني أي استلزامه له] [أي استلزامه] استلزام المعنى الذي وضع له في لسان العرب ذلك اللفظ (له) لذلك المعنى الخارج فعندنا معنيان، معنًى وضع له اللفظ، وهذا لا علاقة له بدلالة التزام، دلالة اللفظ على المعنى كله، أو على بعضه دلالة وضعية على الصحيح في النوعين، دلالة اللفظ على معناه لازمٍ لهذا المعنى الذي وضع له في لسان العرب هذا الذي يسمى دلالة التزام، إذًا اللازم هو الخارج، والملزوم هو المعنى الذي وضع له اللفظ، حينئذٍ نقول: فرق بين اللازم والملزوم. فالملزوم ما هو؟ هو المعنى الذي وضعت العرب هذا اللفظ لهذا المعنى، يسمى ملزومًا لا علاقة له بدلالة التزام، وأما اللازم فهو الخارج قال هنا: (لاستلزام المعنى أي لاستلزامه له)، عندنا ضميران هنا استلزامه الضمير الأول المعنى الذي وضع له اللفظ في لسان العرب، (له) لذلك المعنى الخارج الذي هو اللازم استلزامه أي: الملزم، له للازم، وضع اللفظ للأول أو للثاني؟ استلزامه له للأول أو للثاني؟ للأول، إذًا استلزامه الضمير هنا يعود للملزوم يعني المعنى الذي وضع له اللفظ في لسان العرب، (له) أي لذلك الخارج، مثاله قال: (كدلالة الأربعة على الزوجية).
стр. 87
الأربعة معلوم أنها وضعت للعدد المعلوم، أربعة، واحد اثنان ثلاثة أربعة المسمى هذا أربعة، كونه زوجًا هذا خارج عنه يعني قد تقابل إلى الانقسام على اثنين، حينئذٍ نقول: دلالة اللفظ إذا سمعت أربعة تعلم أنها زوج يعني لا فرد، سمعت واحدًا أو ثلاثة تعلم أنها فرد لأنها لا تقبل القسمة على اثنين، دلالة العدد على الزوجية أو على الفردية نقول: هذا من دلالة الملزوم على اللازم، فهي دلالة التزام، دلالة الأربعة على الزوجية، لفظ الأربعة لم يوضع لمعنى الزوجية، وإنما وضع لمسمًى هو: الواحد والاثنان والثلاثة والأربعة، مجموع هذه الأعداد فيسمى أربعة، لكن كونه دالاً على الزوجية نقول: هذا شيء فهم من خارج المعنى الذي وضع له في لسان العرب، وهو معنًى لكنه لم يوضع له في لسان العرب وإنما دل عليه المعنى الذي وضع له اللفظ في لسان العرب، إذًا دلالة الأربعة على الزوجية، الأربعة ملزوم والزوجية لازم ودلالة التزام هو الزوجية (ودلالة العمى على البصر) ما هو العمى؟ سلب البصر، هل يمكن أن يتصور العمى دون أن يفهم معنى البصر؟ لا يمكن، إذًا العمى، لفظ عمى عمي معناه سلب البصر، إذًا هو عدم، والبصر وجود، هل يمكن أن يدرك معنى العمى دون أن يدرك البصر؟ لا، لا يمكن، إذًا دلالة العمى على البصر دلالة التزاميه واضح هذا؟ (فَهْوَ التِزَامٌ إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ)، [(فَهْوَ التِزَامٌ) أي دلالة التزامٍ]، إذًا دلالة التزام هي دلالة اللفظ على معنًى خارج عن مسماه دلالة اللفظ على معنًى خارج عن مسماه لازمٍ له لزومًا ذهنيًا بحيث يلزم من فهم المعنى المطابق فهم ذلك الخارج اللازم، كدلالة العمى على البصر، والأسد على الشجاعة، والأربعة على الزوجية قوله: (إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ). هذا شرط لمعنى أن الدلالة السابقة يشترط أن يكون اللزوم لزوم عقليًّا (بِعَقْلٍ) الباء هنا بمعنى في يعني التزم اللازم في العقل، اللازم حقيقته عندهم ما يمتنع انفكاكه عن الشيء فليس عندنا عدد أربعة ينفك عن الزوجية، وليس عندنا عمى ينفك عن معنى البصر، وليس عندنا معنى الأسد ينفك عن الشجاعة، إذًا هو لازم يمتنع انفكاكه عنه، ينقسم اللازم من حيث اللزوم في الذهن والخارج إلى ثلاثة أقسام من أجل أن نعرف كلام الناظم إلى ثلاثة أقسام.
اللازم في الذهن والخارج معًا يعني يلزم في الذهن في داخل الذهن وفي الخارج معًا، [كدلالة الأربعة على الزوجية] يعني يفهم معنى الزوجية وهو لازم للأربعة في الذهن، وكذلك في الخارج في الوجود.
الثاني: اللازم في الذهن فقط دون الخارج كلزوم البصر للعمى، هذا لا وجود له في الخارج، إذا قيل: ما معنى العمى؟ هو أعمى، إذًا سلب البصر، هل الأعمى يكون بصيرًا؟ الجواب: لا، إذًا هذا اللازم يكون في الذهن فقط لا في الخارج.
الثالث: اللازم في الخارج فقط لازم في الخارج فقط كدلالة الغراب على السواد هذا لا يلزم العقل لا يمنع أن يكون الغراب أسود أحمر أخضر إلى آخره، العقل لا يمنع، لكن وجوده في الخارج قالوا: لا غراب إلا وهو أسود. إذًا هذا لزوم في الخارج لا في الذهن.
стр. 88
الأول والثاني دلالة التزام (إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ) واللازم العقلي قد يوافقه الخارج وقد لا يوافقه، إذًا نوعان من اللازم يسمى دلالة التزام، وأما الثالث الذي هو اللازم الخارج فقط فهذا لا يسمى دلالة التزام عند المناطقة، هنا قال: (إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ). إن في عقلٍ شرطٌ حذف جوابه لدلالة قوله: ... [فهو التزام عليه، والمعنى أن الدلالة على اللازم تسمى التزامًا]. متى عند المناطقة؟ [إن التزم ذلك اللازم في العقل] يعني عدم الانفكاك يكون بالعقل لا بالعادة، [إن التزم ذلك اللازم في العقل أي الذهن، بأن لزم من تصور الملزوم] الذي هو مدلول اللفظ الذي وضع له معنى اللفظ في لسان العرب [بأن لزم من تصور الملزوم في الذهن تصور ذلك اللازم فيه، سواء لزم مع ذلك في الخارج كالزوجية للأربع، أو لم يلزمه في الخارج بل كان منافيًا له فيه كالبصر للعمى] هذان نوعان للازم، لازم في الذهن والخارج كالزوجية للأربع، لازم في الذهن فقط لا في الخارج كالبصر للعمى، [وخرج بذلك القيد] (إِنْ بِعَقْلٍ التُزِمْ) [القيد اللازم في الخارج فقط دون الذهن كالسواد للغراب] فهو لازم له، لكنه في الخارج، [فلا يسمى دلالة لفظ الغراب عن السواد دلالة التزام]، وإن كان لازمًا له في الخارج، لأنه من جهة العادة لا العقل [لعدم لزوم السواد له في العقل، وإن لزمه في الخارج]، إذًا فهو دلالة التزامٍ بشرط أن يكون اللازم مستصحبًا في العقل سواء وجد معه في الخارج أو لا، وأما ما كان لازمًا في الخارج فقط فهذا لا يسمى دلالة التزام عند المناطقة، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
- - -
стр. 89
عناصر الدرس
فصل في مباحث الألفاظ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
الفصل السابق (فَصْلٌ فِي أَنْوَاعِ الدَّلاَلَةِ الوَضْعِيَّةِ)، بقي التنبيه على أن قوله: (الوَضْعِيَّةِ). هذا صريح في أن الأنواع الثلاثة كلها وضعية، واتفق المناطقة وغيرهم على أن المطابقية وضعية يعني دلالة المطابقة لا خلاف فيها في أنها وضعية، وأما دلالة التضمن ودلالة التزام هذه فيها خلاف [بين ... النحاة] (١) بين الأصوليين، والبيانيين، والمناطقة، وقيل: وضعيتان. وعليه عامة المنطقيين، وهو الذي أشار إليه المصنف هنا وضعية حينئذٍ حكم على الأنواع الثلاثة بأنها وضعية، وقيل: عقليتان. يعني: دلالة التضمن عقلية، ودلالة التزام عقلية، وعليه عامة البيانيين يرجحون هناك أنها عقلية، وقيل: التضمن وضعية، والالتزام عقلية. وعليه جمهور الأصوليين، وهو المرجح، والصحيح أن دلالة التضمن وضعية وليست بعقلية، لأن أول ما يفهم من اللفظ هو الكل ثم ينتقل منه إلى الجزء، وهذا إنما فهم من جهة الوضع، والصحيح أن التضمنية وضعية والتزاميه عقلية، الالتزام واضح أنه من جهة العقل، والقول بأنها وضعية فيه شيء من النظر.
- - -
فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ
(فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ) اعلم أن المنطقي لا بحث له إلا على المعاني، لكن لما كانت المعاني مفتقرة في فهمها إلى الألفاظ عقد المنطقيون لها بابًا وقسموا المستعمل منها إلى المركب والمفرد كما قاله المصنف.
ــ - الشرح - ــ
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: [(فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ) اعلم أن المنطقي]. يعني: العالم المنسوب إلى المنطق (المنطقي)، كالنحوي والصرفي والبياني (لا بحث له إلا على المعاني)، لأن البحث في المعقولات، والمعقولات معاني، إذًا الأصل في بحثه إنما هو المعقول مع الذي يكون في الذهن، حينئذٍ إذا كان كذلك فيكون البحث في الألفاظ تبعًا لا أصلاً، لأن الأصل في الفن إنما يبحث عن المعاني يعني عن المعقولات. فبحثهم عن الألفاظ يكون تبعًا، ولذلك ثَمَّ قدر مشترك بين المباحث اللفظية بين النحاة والمناطقة والأصوليين وغيرهم ثَمَّ أبحاث مشتركة، البحث يكون هنا ويكون في علم البيان ويكون في الأصول (لا بحث له إلا على المعاني، لكن لما كانت المعاني) المعقولات التي تكون في النفس، (مفتقرة) محتاجة أشد الاحتياج (في فهمها إلى الألفاظ)، لأن من يدرك الشيء كما ذكرنا اليوم أن من أدرك الشيء إن لم يحتج إلى الإخبار حينئذٍ لا إشكال لأنه لا يحتاج إلى اللفظ، إنما أدركه في نفسه وكانت الفائدة له هو، وأما إذا أراد أن يخبر غيره فلا بد أن يعبر بلفظٍ، إذًا صار تعبير للغير، أو صار إيصال المعاني، أو المعقولات للغير مفتقرًا إلى الألفاظ، لأنه لا يمكن أن يصل بذلك إلا بلفظ، [لكن لما كانت المعاني مفتقرة في فهمها إلى الألفاظ عقد المنطقيون لها ... بابًا] أو فصلاً كما قال الناظم هنا: (فَصْلٌ فِي مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ)
стр. 90
[وقسموا المستعمل منها إلى المركب والمفرد كما قاله المصنف]، إذًا بحثهم هنا إنما هو من جهة التبعة، (مَبَاحِثِ) جمع مبحث، والمراد به المسائل التي يذكرها المنطقيون في هذا الموضع، فإن كان المبحث مَفْعَل في الأصل استعمال لغوي هو اسم مكان لمكان البحث ثم اسُتعمل عرفًا في بيان الشيء والكشف عنه كقولهم: مبحث كذا. بمعنى مكان بيانه والكشف عنه مبحث كذا حينئذٍ مكان البحث عنه يعني الكشف والبيان.
(مَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ) أي هذا محل ومكان للبحث والكشف والإيضاح عن الألفاظ، والمراد به المسائل التي سيذكرها المصنف رحمه الله تعالى.
- - -
مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ حَيْثُ يُوجَدُ ... إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ
(مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) أي المستعمل منها، فخرج منها المهمل كديز، وقوله (حَيْثُ يُوجَدُ) أي في أي مكان يوجد اللفظ المستعمل فهو) (إِمَّا مُرَكَّبٌ) كزيد قائم، (وَإِمَّا مُفْرَدُ) كزيد.
ــ - الشرح - ــ
(مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) احترز به عن مهمل الألفاظ، ألفاظ جمع لفظ، واللفظ عند النحاة عند أهل اللغة: الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء، مهملاً كان أو مستعملاً، فاللفظ ينقسم عند النحاة إلى لفظ مستعمل ولفظ مهمل، ما حقيقة اللفظ المستعمل؟ هو ما وضعته العرب، يعني لمعنى. جعل اللفظ دليلاً على معناه أو لمعنى.
الثاني: المهمل، مُهْمَل مُفْعَل مأخوذ من الإهمال، وهو: الترك، وهو الذي لم تضعه العرب، إذًا (مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) احترز به عن المهمل حينئذٍ يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، الألفاظ المستعملة (مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ) يعني المستعمل من الألفاظ، [أي: المستعمل منها، فخرج منها المهمل كديز] فلا معنى له، حينئذٍ لا ينقسم إلى المركب والمفرد، وإنما الذي ينقسم إلى المركب والمفرد هو المستعمل كديز هذا مهمل مقلوب زيد ورفعج مقلوب جعفر، هذا لا ينقسم إلى مفرد ومركب لأنه لا معنى له، وإنما الذي ينقسم هو الذي له معنى، (مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ حَيْثُ يُوجَدُ)، (حَيْثُ) هذه للإطلاق أي إطلاقية، لأن حيث تأتي للتقيد وتأتي للتعليل وتأتي للإطلاق ولها ثلاث معاني، [(حَيْثُ يُوجَدُ). أي: في أي مكان يوجد اللفظ المستعمل فهو] حينئذٍ (إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ)، إما لفظ مركب وإما لفظ مفرد، فانحصر اللفظ المستعمل في هذين القسمين الدليل وهو الاستقراء والتتبع، ((إِمَّا مُرَكَّبٌ) كزيد قائم، (وَإِمَّا مُفْرَدُ) كزيد) مركب زَيْدٌ قَائِمٌ (وَإِمَّا مُفْرَدُ) كزيد.
ثم أراد أن يعرف وإن كان الشارح هنا ذكر مثالين مثالاً للمركب ومثالاً للمفرد، والناظم ذكر التعريف قال:
- - -
فَأَوَّلٌ مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى ... جُزُءِ مَعْنَاهُ بِعَكْسِ مَا تَلاَ
стр. 91
(فَأَوَّلٌ) أي المركب، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعها في مقام التفصيل (مَا) أي هو الذي (دَلَّ جُزْؤُهُ) خرج ما لا جزء له كباء الجر ولامه وماله جزء لا يدل كزيد وعبد الله وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، أعلامًا، وما يتوهم من دلالة أجزاء الأعلام الأخيرة فإنما كان قبل جعلها أعلامًا أما بعده فصارت أجزاؤها كزاي زيد لا تدل على شيء، ودلالتها السابقة صارت نسيًا منسيًا، (عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ) بضم الزاي متعلق بدل فهو تكملة له فلا يخرج به شيء، وقوله (بِعَكْسِ) أي حال كون المركب ملتبسًا بعكس (مَا) أي المفرد الذي (تَلاَ) المركب في الذكر، أي تبعه، فالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه بأن لم يكن له جزء كباء الجر أو له جزء لا يدل على معنى كالأعلام المتقدمة.
ــ - الشرح - ــ
стр. 92
(فَأَوَّلٌ) الفاء هذه فاء الفصيحة (أي المركب) أراد أن يعرف المركب، ما حقيقة المركب؟ قال: (مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ)، (مَا) أي لفظ مستعمل له جزء وجزؤه دل على جزء المعنى، هذا حقيقة المركب، (فَأَوَّلٌ) هذا مبتدأ (وسوغ الابتداء بالنكرة) هنا (وقوعها في مقام التفصيل) أولٌ بعكس ما تلا، إذًا عندنا تفصيل، وإذا وقعت النكرة في مقام التفصيل حينئذٍ صار مسوغًا لها لأنها مفيدة فائدة ما فجاز الابتداء بها على المشهور عند النحاة (مَا دَلَّ جُزْؤُهُ) [(مَا) أي هو الذي] اللفظ مستعمل لو فسره بلفظ مستعمل كان أولى، أو اللفظ المستعمل وجعلها بمعنى الذي، لأن قوله: [هو الذي]. طيب ما هو الذي؟ أي: اللفظ المستعمل. (دَلَّ جُزْؤُهُ)، إذًا له جزء، المركب ما له جزء، وهذا الجزء دل على جزء معناه يعني على بعض المعنى، [خرج ما لا جزء له] أصلاً [كباء الجر ولامه] وهذا ليس له جزء، أليس كذلك؟ زيد مؤلف من ثلاثة أجزاء (ز، ي، د)، لكن اللام لام الجر هي جزء واحد، ولا يعبر بأن له جزء أليس كذلك؟ فخرج ما لا جزء له، ليس له جزء بل هو شيء واحد [كباء الجر ولامه، وماله جزء لا يدل كزيد وعبد الله وتأبط شرًا والحيوان الناطق، أعلامًا] يعني في الثلاثة المتأخرة. عبد الله، وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، هذه لها جزء، لكن الجزء لا يدل على جزء من المعنى الذي استعمل اللفظ له، فزيد عَلَم، ما معناه؟ الذات، أليس كذلك؟ له أجزاء مؤلف من ثلاثة أجزاء (ز، ي، د) هل الجزء (ز) يدل على شيء مما دل عليه لفظ زيد؟ لا يدل، إذًا زيد له جزء وهو (ز) ولا يدل هذا الجزء على جزء المعنى الذي وضع له لفظ زيد، لأن لفظ زيد مدلوله ما هو؟ ذاته الذات المشخصة، هل (ز) يدل على الذات المشخصة؟ لو قال: جاء (ز)، جاء (ي)، جاء (د) دل على شيء؟ لم يدل على شيء، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مفردًا وليس مركبًا، إذًا خرج ما له جزء، لكن هذا الجزء لا يدل على جزء المعنى كزيد عبد الله علمًا عبد الله قبل جعله علمًا له جزء ويدل على جزء المعنى، لكن بعد جعله علمًا صار عبد الله مثل زيد، لأنه في الأصل عبدٌ لله، عبد دل على العبودية، الله لفظ الجلالة دل على المعنى المراد له، ذات متصفة بصفة الإلوهية، لكن بعد جعله علمًا صار المعنى السابق نسيًا منسيًا، فعَبْدُ الله يسمى شخصًا عَبْدَ الله، هل يدل على اللفظ عبد الله على أنه عبد متحقق بالعبودية وصف العبودية لله ؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن هذا المعنى العبودية لله كان قبل جعله علمًا من حيث كونه مركبًا تركيبًا إضافيًّا، لكن لما جعل علمًا حينئذٍ سلب المعنى الذي دل عليه اللفظ قبل التركيب، إذًا عبد جزء الله جزء، هل يدل عبد على ما دل عليه لفظ عبد الله؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن عبد الله يدل على الذات فقط لا يدل على وصف معه، لماذا؟ لأن هذا شأن الأعلام.
اسْمٌ يُعَيِّنُ الْمُسَمَّى مُطْلَقًا ** عَلَمُهُ ..
стр. 93
فالعلم يدل على الذات فقط دون وصف، وهذا معنى قول النحاة: الأعلام جامدة في الأصل. يعني: أعلام البشر ما عدا النبي ﷺ ، فالأعلام جامدة بمعنى أنها لا تدل إلا على الذات فقط، ولا تدل على وصف يتعلق بالذات فزيد مدلوله الذات فقط، وعبد الله مدلوله الذات فقط، ولا يدل على وصف العبودية البتة، كذلك تأبط شرًا، تأبط شرًا يعني: جعله في إبطه، تأبط فعل ماضي، والفاعل هو، وشرًا مفعول به، تدل على معنى أو لا؟ تدل على معنى مركب، لكن لما جعل علمًا سلب منه المعنى السابق، تأبط شرًا مثل زيد يدل على الذات فقط ولا يدل على الشر ولا على التأبط ولا على غيره، وإنما دل على ذلك قبل جعله علمًا، حيوان ناطق لو سمي زيد أو سمي شخص بحيوان ناطق حينئذٍ نقول: حيوان كونه متصفًا بالحيوانية، وناطق كونه متصفًا بالناطقية، ويقول لك: تعريف الإنسان: حيوان ناطق، فلو سمي بهذا حينئذٍ نقول: سلب عنه المعنى السابق فصار المعنى السابق نسيًا منسيًا. إذًا هذه الألفاظ الثلاثة عبد الله، وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، لها أجزاء فعبد الله مؤلف من جزأين عبد ولفظ الجلالة، الجزء عبد لا يدل على ما دل عليه لفظ عبد الله علمًا لأنه لا يدل إلا على الذات، كذلك تأبط شرًا جملة فعلية ولم تدل إلا على ذات زيد لأنه صار علمًا، وأما قبل جعله علمية فله معنى آخر والكلام في كونه علمًا، والحيوان الناطق مركبًا تركيبًا توصيفيًّا لا يدل بعد جعله علمًا على ما دل عليه قبل العَلَمِيّة، إذًا له جزء؟ نعم له جزء، وهو حيوان هذا جزء، وناطق هذا جزء، لا يدل لفظ الحيوان على مسمى الحيوان الناطق، لماذا؟ لأن هذه الألفاظ عبد والحيوان وتأبط مثل زاي زيد (ز) لا تدل على شيء البتة، واضح هذا؟ إذًا ما له جزء لكن هذا الجزء لا يدل يعني: على جزء المعنى الذي دل عليه اللفظ، فالعرب وضعت اللفظ زيد لمدلول هو الذات لو جيء بلفظ (ز) فقط لا يدل على شيء مما دل عليه زيد فهو الذات، وكذلك فيما تلاه من الأسماء، (لا يدل كزيد، وعبد الله، وتأبط شرًا، والحيوان الناطق، أعلامًا) يعني حال كونها الثلاثة المتأخرة أعلام، وأما زيد فهو علم، (وما يتوهم من دلالة أجزاء الأعلام الأخيرة) عبد الله وتأبط شرًا والحيوان الناطق هذا يتوهم الناظر أنها تدل على معنى نقول: هذا المعنى متى؟ قبل جعله علمًا، وأما بعد جعله علمًا فلا فرق بين الأربعة البتة، فعبد مثل (ز) من زيد، وتأبط تأبط جزء مثل (ز) من زيد، والحيوان الناطق الحيوان جزء لكنه مثل (ز) من زيد فلا يدل على شيء مما دل عليه اللفظ كله، قال: (وما يتوهم من دلالة أجزاء الأعلام الأخيرة فإنما كان). يعني: الدلالة. (قبل جعلها أعلامًا)، فهي أوصاف لأن المركب الإضافي، والجملة الفعلية، وكذلك الاسمية، والمركب التصريفي لها دلالات، أما قبل جعلها أعلامًا، (أما بعده) يعني بعد نقله وجعلها أعلامًا. (فصارت أجزاؤها كزاي زيد لا تدل على شيء) البتة (لا تدل على شيء ودلالتها السابقة) قبل جعلها علمًا (صارت نسيًا منسيًا) حينئذٍ تكون هذه الدلالة غير مقصودة، وإنما كانت قبل جعلها أعلامًا، إذًا ما حقيقة المركب؟ قال: (مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ).
стр. 94
إذًا له جزء ويدل الجزء على جزء المعنى، هذا يسمى مركبًا ما عداه فهو المفرد قال هنا: [(عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ) بضم الزاي]. للوزن هنا ولغة، [متعلق بدل فهو تكملة له فلا يخرج به شيء] يعني ليس للاحتراز، وقد جعلها بعضهم للاحتراز وأخرج به نحو أبكم. قال: أبكم هذا مؤلف من جزأين، أبكم يعني: لا يتكلم أخرص، أليس كذلك؟ إذًا أبكم يعني: أخرص، هو مؤلف من جزأين أب كم، أب دل على الأبوة، كم إما استفهامية أو خبرية سؤال عن عدد أو إخبار عن عدد كثير، إذًا له جزء لكنه لا يدل على جزء المعنى، واضح؟ أبكم مدلوله أخرص هو مؤلف من كلمتين جزأين، إذًا له جزء [لكنه] (١) وله معنى ليس كعبد الله وتأبط شرًا له جزء وليس له معنى، هذا له جزء وهو أب ومدلوله الأبوة، وكم ومدلوله عدد كثير إذا كانت [إخبارية] (٢) خبرية أو عدد سؤال عددي إن كانت استفهامية، لكن هل الاستفهام أو الإخبار العدد من مدلول أبكم؟ الجواب: لا، هل أب الأبوة من مدلول أبكم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه وإن تألف من جزأين وكل جزء له معنى لكن هذا المعنى ليس جزء المعنى الذي دل عليه المركب أبكم حينئذٍ هذا يكون مفردًا ولا يكون مركبًا، إذًا (عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ) بعضهم جعله تكملة يعني لم يحترز به عن شيء، وبعضهم أخرج به ما له جزء وله معنى له دلالة لكن لا على جزأ معناه ومثل له بأبكم وهذا الذي جرى عليه الشيخ أمين في المقدمة المنطقية، وقوله: (بِعَكْسِ مَا تَلاَ). يعني: بعكس ما تلاه. ما هو الذي تلاه؟ (فَأَوَّلٌ) يعني: المركب. (مَا دَلَّ جُزْؤُهُ عَلَى ** جُزُءِ مَعْنَاهُ بِعَكْسِ) العكس هنا المراد به الخلاف مخالف يعني بخلاف ما أي الذي تلاه أي تلا المركب، ما الذي تلا المركب؟ المفرد، إذًا تعريف المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، تعريف المركب ما دل جزؤه على جزء معناه، إذًا له جزء ويدل على جزء المعنى، المركب الإضافي كغلام زيد وليس علمًا يدخل تحت المفرد أو تحت المركب؟ غلام زيد يعني: غلام منسوب لزيد. هذا معناه هذا مدلوله غلام منسوب لزيد، غلام لوحدها جزء ودلت على معنى، وهذا المعنى جزء من مفهوم غلام زيد، أليس كذلك؟ لأن غلام داخل في مفهوم غلام زيد، إذًا الغلام له معنى وهو جزء ودل على جزء معناه معنى غلام زيد، زَيد هذا جزؤه الثاني وله معنى ودل على جزء المعنى الموضوع له اللفظ وهو غلام زيد، إذًا غلام زيد هذا مركب وليس بمفرد والتقيد كحيوان ناطق مثلاً حيوان ناطق له جزءان:
الجزء الأول: حيوان.
والجزء الثاني: ناطق.
стр. 95
حيوان ناطق، حيوان موصوف بالناطقية، إذًا حيوان فقط له معنى ودل على جزء معنى حيوان ناطق، وكذلك الناطق، إذًا له جزء وله دلالة وهذه الدلالة هي جزء المعنى، إذًا المركب التقيدي داخل في المركب، والإسنادي قَامَ زَيْدٌ، زيْدٌ قَائِمٌ، هذا واضح من باب أولى، ولذلك مثل به الشارح [(إِمَّا مُرَكَّبٌ) كزيد قائم] فأول ما يدخل في المركب هو الإسنادي، ويلحق به المركب الإضافي والمركب التقييدي، وهذه داخلة في مفهوم المركب، والمفرد يختص بالاسم والفعل والحرف، الاسم والفعل والحرف، فالاسم مفرد، والفعل مفرد، والحرف مفرد، ويدخل في الاسم الْعَلَم الإضافي كعبد الله لأننا جعلناها من ماذا؟ عبد الله، غلام زيد، حيوان ناطق، قبل جعلها أعلامًا هي مركبات، بعد جعلها أعلامًا هي مفردات، واضح؟ المركب الإضافي، المركب التقييدي، توصيفي بل الإسنادي قبل جعلها أعلامًا هي مركبات بعد جعلها أعلامًا هي مفردات يرد السؤال هنا.
إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ ... وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ
قلنا: إدراك النسبة أي الخارجية الوقوع واللا وقوع مراد به المركبات يعني المركبات الإسنادية، فإدراك المركب الإضافي، هل هو تصديق؟ لا، إذًا خرج عن المركب، دخل في ماذا؟ في إدراك المفرد، وهنا المركب الإضافي دخل في المركب وليس بمفرد، واضح هذا؟
إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ
إدراك المفرد يعني ما ليس وقوع نسبة حكمية أو لا وقوعها كما ذكر الشارح، حينئذٍ إدراك المفرد الذي هو غلام زيد ليس بتصديق وإنما هو تصور، غلام زيد عرفت معنى غلام زيد مدلوله غلام منسوب لزيد، هذا تصديق؟ ليس بتصديق، لماذا؟ لأنه ليس إدراك وقوع نسبة في الخارج حينئذٍ يكون من قبيل المفرد وهنا جعلناه من قبيل المركب، هل هذا تعارض أم لا؟ نقول: المفرد في باب التصور والتصديق يختلف عن المفرد في هذا المقام، كالمفرد عند النحاة في باب الإعراب له معنًى، وفي باب المنادى واسم لا له معنًى آخر، فاللفظ واحد والمعنى مختلف، المفرد عند المناطقة في باب التصور والتصديق تقسيم العلم إلى التصور والتصديق يدخل المركب الإضافي والتقييدي في قسم المفرد، لأنه إدراك مفرد يعني ما ليس وقوع نسبة خارجية أو لا وقوعها، وهنا في هذا المقام المفرد يدخل فيه ما لا يدل جزؤه على جزء المعنى، فخرج حينئذٍ المركب الإضافي والمركب التوصيفي قبل جعلها علمًا، إذًا المركب الإضافي يكون مفردًا في باب التصور ويكون مركبًا في باب مباحث الألفاظ، وكذلك المركب التقييدي أو التوصيفي يكون مفردًا في باب التصور ومعنا هنا يكون مركبًا حينئذٍ لا تعارض بين الاصطلاحين، والاصطلاح يختلف فالمفرد بالتصور والتصديق كل ما ليس بإسناد خبري تام، وفي مبحث المركب والمفرد هنا فله اصطلاح آخر على ما ذكرناه، إذًا
مُسْتَعْمَلُ الأَلفَاظِ حَيْثُ يُوجَدُ ... إِمَّا مُرَكَّبٌ وَإِمَّا مُفْرَدُ
فَأَوَّلٌ ...................... ... ........................
стр. 96
أي: المركب. (مَا) أي لفظ مستعمل. (دَلَّ جُزْؤُهُ) إذًا له جزء، وهذا الجزء له دلالة خرج ما لا جزء له أصلاً كباء الجر، وخرج ما له جزء لكن ليس له دلالة، وهذا الذي ذكره الشارح هنا (عَلَى جُزُءِ مَعْنَاهُ) يرى الشارح كغيره من بعض الشراح أنه من باب التكملة يعني ليس له محترز، والصحيح أن له محترز وهو نحو أبكم، (بِعَكْسِ مَا تَلاَ) يعني (بِعَكْسِ مَا) أي المفرد الذي تلا المركب، بعكس العكس المراد به المعنى اللغوي [أي: حال كون المركب] هو قال: [ملتبسًا]. والأولى أن يقول: متلبسًا. [بعكس (مَا) أي المفرد الذي (تَلاَ) المركب في الذكر أي تبعه] أي بعكس المفرد الذي، أو بعكس مفرد تلاه، حينئذٍ الضمير المستتر في تلا يرجع لما، والضمير المقدر المنصوب يرجع للمركب تلاه تلا في ضمير مستتر يعود إلى ما [بعكس (مَا)]، والضمير المنصوب المحذوف.
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ ... كَحذْفِ مَا سِيقَ جَوَاباً أَوْ حُصِرْ
الضمير، تلاه الهاء هذا في محل نصب مفعول به يعود على المركب، ... (فالمفرد) هو (ما لا يدل جزؤه على جزء معناه)، والمركب ما دل جزؤه على جزء معناه، إذًا نعلم من هذا التقسيم ومن هذين الحدين أن المفرد هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه أن هذا اصطلاح خاص للمناطقة، ففعل كثير من النحاة المتأخرين في تعريف المفرد بقولهم: الكلمة قول مفرد، والمفرد هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه. هذا غلط، لماذا؟ لأنه اصطلاح المناطقة، فالمفرد عند المناطقة مخالف للمفرد عند النحاة، فلا يعرف بمثل ما عرف به النحاة، وإن شاع عند ابن هشام وغيره على دلالته إلا أن هذا غلط يعتبر لأنه من تَدَاخُل الاصطلاحات، قد نص على ذلك غير واحد كابن اللحام في مختصر أصول الفقه، وكذلك الفتوحي في شرح الكوكب المنير، ويسير الحمصي في حاشيته على مجيب الندا، والبيجوري في شرح العمريطي، نظم الآجرومية، كلهم نصوا على أن هذا من تداخل الحدود التعاريف والاصطلاحات، حينئذٍ المفرد عند النحاة هو: الكلمة الواحدة، أو الملفوظ لفظًا واحدًا عرفًا يعني مرة واحدة. وأما تعريفه بأنه (ما لا يدل جزؤه على جزء معناه) نقول: هذا غلط، ولذلك لما جاءوا عند عبد الله علمًا قالوا: هو كلمة واحدة. قد التزم ذلك السيوطي في ((همع الهوامع)) وكذلك الأشموني في ((شرح الألفية)) وهو غلط كذلك، نقول: غلط، لأنه من تداخل الحدود كما علمنا، إذًا نقول هنا المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، والمركب ما دل جزؤه على جزء معناه [(مَا) أي المفرد الذي (تَلاَ) المركب في الذكر أي تبعه، فالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه بأن لم يكن له جزء] أصلاً [كباء الجر أو له جزء لا يدل على معنى]، مقصود وإنما معناه قبل جعله علمًا [كالأعلام المتقدمة]، سواء جعل علمًا ابتداءً كزيد أو بعد النقل كعبد الله وما عطف عليه.
- - -
وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَعْنِي المُفْرَدَا ... كُلِّيٌّ اوْ جُزْئِيُّ حَيْثُ وُجِدَا
(وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ) بمصدوق الضمير (المُفْرَدَا كُلِّيٌّ اوْ) بوصل الهمزة (جُزْئِيُّ) متروك التنوين للضرورة (حَيْثُ وُجِدَا) الضمير للمفرد والألف للإشباع.
стр. 97
ــ - الشرح - ــ
ثم قسم لك المفرد إلى قسمين، والبحث هو الناظم هنا يريد أن يصل إلى تقرير مبادئ التصورات، لأن العلم ينقسم إلى قسمين: تصور، وتصديق. كل من التصور والتصديق له مبادئ وله مقاصد، ولذلك حصر الفن في مبادئ التصورات ومقاصدها وفي مبادئ التصديقات ومقاصدها، مبادئ التصورات هو الكليات الخمس: جنس، وفصل، عرض، نوع، وخاص، هذا مبادئ التصور لأنها هي التي تجعل في الحدود، ومقاصدها هو المعرف المعرفات، وهذا سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَهْوَ). أي: المفرد (عَلَى قِسْمَيْنِ) لما كان قوله: (وَهْوَ). قد يوهم أن الضمير يعود إلى الكلي إلى المركب، قال: (أَعْنِي المُفْرَدَا كُلِّيٌّ اوْ جُزْئِيُّ). ينقسم المفرد إلى نوعين (كُلِّيٌّ) بالتنوين (اوْ) بإسقاط همزة القطع (جُزْئِيُّ) بترك التنوين للضرورة، (حَيْثُ وُجِدَا) هذه إطلاقية ... [(وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَعْنِي) بمصدوق الضمير] يعني الضمير يقع على ماذا؟ (المُفْرَدَا) الألف للإطلاق [(كُلِّيٌّ اوْ) بوصل الهمزة (جُزْئِيُّ) متروك التنوين للضرورة (حَيْثُ وُجِدَا)] يعني المفرد، أين ما وجد المفرد فهو لا يخرج عن قسمين، ضمير للمفرد يعني: نائب الفاعل (حَيْثُ وُجِدَا) هو أي: المفرد. الضمير المراد به هنا نائب الفاعل، والألف إطلاقية يعبر عنها للإشباع، إذًا ينقسم المفرد إلى قسمين: كلي، وجزئي. ما المراد بالكلي؟
- - -
فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ الكُلِّيُّ ... كَأَسَدٍ وَعَكْسُهُ الجُزْئِِيُّ
(فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) بين أفراده بمجرد تعقله (الكُلِّيُّ) والمعنى فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا بين أفراده بمجرد تعقله (كَأَسَدٍ) وإنسان وحيوان سواء لم يوجد منه فرد مع استحالة أن يوجد منه شيء كالجمع بين الضدين أو مع إمكان أن يوجد منه فرد كبحر من زئبق، أو وجد منه فرد مع استحالة كالآلة، أو مع إمكان غيره كشمس، أو وجد منه أفراد متناهية كالإنسان أو غير متناهية كصفة وموجود وشيء فإنها تصدق بصفات الله تعالى القائمة بذاته التي لا نهاية لأفرادها كما دلت عليه السنة، واستحالة وجود ما لا نهاية له إنما تثبت في حق الحوادث (وَعَكْسُهُ) أي عكس الكلي (الجُزْئِِيُّ) فهو ما لا يفهم الاشتراك بين أفراده بحسب وضعه كزيد فإنه موضوع لمعنى مشخص لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه لأشخاص لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه لأشخاص، لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص.
ــ - الشرح - ــ
стр. 98
(فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) الفاء هذه فاء الفصيحة (فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) هذا خبر مقدم و (الكُلِّيُّ) هذا مبتدأ مؤخر، إذًا (فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا) يعني ما دل على اشتراك في المعنى بين أفراده على السواء فهذا يسمى ماذا؟ لا يشترط السواء قد يكون بينهما تفاوت، ما أفهم اشتراكًا بين أفراده يسمى كليًّا، فاللفظ الذي إذا تعقل مدلوله يعني فهم معناه، ولا يختص بفرد دون فرد يسمى كليًّا، (فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) قال: (بين أفراده بمجرد تعقله). يعني: تصوره، أو فهم معناه. منذ أن تفهم المعنى العقل لا يمنع أن يشترك في هذا المعنى اثنان فأكثر، كرجل رجل ما مدلول رجل؟ رجل، إنسان بالغ من بني آدم، هذا معناه منذ أن يتصور الذهن معنى رجل كلمة رجل هل يمنع العقل أن يشترك في هذا المعنى اثنين فأكثر؟ الجواب: لا، لأنه بالفعل يشترك فيه زيد وعمرو وخالد إلى آخره، فنقول: هذا القدر المشترك بين الأفراد يسمى كليًّا، لماذا؟ لأن بمجرد تعقل مدلول اللفظي لا يمنع تعقله من وقوع الشركة فيه، عكسه الجزئي بمعنى أنه بمجرد تعقل معناه يمنع الشركة فيه، فحينئذٍ يختص كالعلم زيد منذ أن تتصور معنى زيد وهو علم حينئذٍ يختص بمدلوله وهو الذات فلا يدخل تحت ذات زيد ذات عمرو، لماذا؟ لأن عمرو مختص بمدلوله وزيد مختص بمدلوله، بمجرد تعقل المعنى امتنعت الشركة، وأما الكلي فلا فلفظ امرأة ولفظ أسد ولفظ رجل ولفظ إنسان بمجرد تعقل معاني هذه الألفاظ الذي هو النكرة المعنى الشائع في جنسه نقول: هذا لا يمنع الشركة فيه، بل يشترك فيه أفراد قد تنحصر وقد لا تنحصر، ... [(فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ) بين أفراده] يعني أفراد الكلي بسبب مجرد تعقله أو الباء تكون للتصوير [بمجرد تعقله (الكُلِّيُّ)، والمعنى فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا بين أفراده بمجرد تعقله] هذا الذي عناه الناظم، واعلم أن الاشتراك نوعان: اشتراك معنوي، واشتراك لفظي.
الاشتراك المعنوي: أن يتحد اللفظ والوضع والمعنى.
الاشتراك اللفظي: أن يتحد اللفظ ويتعدد الوضع والمعنى.
стр. 99
أن يتحد اللفظ، إذًا كل منهما المعنوي واللفظي اتحدا في اللفظي، وأما المعنوي اتحدا في اللفظ والوضع والمعني، وأما اللفظي فاتحد في اللفظ وتعدد الوضع والمعنى، فلفظ رجل قلنا: هذا أفاد الاشتراك. والمراد هنا في تعريف الكلي بالاشتراك الاشتراك المعنوي، ليس عندنا تعدد في الوضع بل الوضع واحد، فوضع الواضع لفظ رجل وفهم المعنى منه حينئذٍ هذا المعنى مشترك بين زيد وعمرو وخالد وفؤاد إلى آخره، فنقول: هنا اشتراك معنوي أولاً اتحد اللفظ زَيْدٌ رَجُلٌ، عَمْرٌ رَجُلٌ، بَكْرٌ رَجُلٌ، اتحد اللفظ أو لا؟ اتحد اللفظ، المعنى واحد؟ المعنى واحد، هل الوضع واحدًا أو متعدد؟ الوضع واحد، وضعه الواضع مرة واحدة فحمل على أفراده حمل مواطئة فقيل: زَيْدٌ رَجُل، أخبرت عن زيد بكونه رجلاً ونفس اللفظ بوضعه السابق قلت: بَكْرٌ رَجُلٌ، وَعَمْرٌ رَجُلٌ، وَخَالِدٌ رَجُلٌ. هنا نقول: هذا اشتراك معنوي بمعنى أن اللفظ واحد لم يتعدد والمعنى واحد والوضع واحد، وضعًا معنويًّا واحدًا والاشتراك اللفظي هذا سيأتي معنا، (فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ الكُلِّيُّ)، (فالكلي هو ما أفهم اشتراكًا بين أفراده بمجرد تعقله)، (اشتراكًا) أي الاشتراك المعنوي، كأسد هذا ليس خاصًا بحيوان مفترس دون آخر، (وإنسان وحيوان) حيوان نقول: الإنسان حيوان، والفرس حيوان، والحمار حيوان، إذًا هذه مشتركة فهي أفراد صدق عليها لفظ حيوان، حينئذٍ نقول: اللفظ واحد والمعنى واحد وهو ما اتصف بالحيوانية يعني فيه حياة فيه حركة، والثالث المعنى واحد، المعنى واحد والوضع واحد لم يتعدَّ، إذًا اتحدا الاشتراك الْمَعْنِي في ثلاثة أشياء: في اللفظ، وفي الوضع، وفي المعنى، وهذه الألفاظ كلها سائغة هنا، وهنا أشبه ما يكون بأن الكلي مرادف في الجملة للنكرة نكرة حينئذٍ يكون المعنى واحد، النكرة ما هي؟ ما شاع في جنس موجود، أو مقدر ما شاع في جنس، إذًا شاع وذاع في جنس قلنا: لا بد من التقدير يعني في أفراد جنس، لأن الجنس لا يتعدد إذا قلت: مفهوم رجل. ما هو المفهوم؟ إنسان بالغ من بني آدم، أو بالغ ذكر من بني آدم، هذا المعنى موجود في الذهن هو شيء واحد لا يقبل التعدد، وإنما التعدد يكون في ماذا؟ في الأفراد، والأفراد تكون في الخارج لا تكون في الذهن، وإنما الحقيقة التي تكون في الذهن هي التي توصف بكونها معقولاً وهي التي يعبر عنها بالجنس، حينئذٍ ما شاع في جنس يعني معنًى شاع وذاع وانتشر في جنس يعني في أفراد جنس، وهذا هو الاشتراك الذي عناه المناطقة فهما متقاربان [(كَأَسَدٍ) وإنسان وحيوان]، (الكُلِّيُّ) عرفنا أنه نوع من أنواع المفرد، قال هنا: [سواء لم يوجد منه فرد]. أراد أن يبين لنا أن الكلي أقسام يعني الكلي باعتبار أفراده في الخارج هل هي موجودة أو لا؟ وهل هي متناهية أو لا؟ أقسام، فالكلي ينقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث الجملة، وإلى ستة أقسام من حيث التفصيل، لأنه إما أن لا يوجد منه فرد في الخارج، كلي أفهم اشتراكًا بين أفراده، هذا في الذهن طيب في الخارج قد لا يكون له فرد أصلاً، قالوا: [كبحر من زئبق].
стр. 100
مثلاً بحر زئبق، بحر من لبن، عسل، تصور ما شئت حينئذٍ يقول: بحر من زئبق هذا لا يمنع تصوره لا يمنع الاشتراك، عندك بحر هناك وبحر إلى آخره، إذًا قد يتصور الذهن أن هذا البحر مشترك بين أفراده، هذا في الذهن، خرجنا في الخارج أين هو؟ لا وجود له، إذًا كلي لا فرد له في الخارج أصلاً، أو يوجد منه فرد واحد، أو توجد منه أفراد كثيرة هذه ثلاثة أقسام من حيث الجملة، إما أنه لا فرد له في الخارج أصلاً أو له فرد واحد، ونحن نقول ماذا؟ ما أفهم اشتراكًا اشتراك بين ماذا؟ بين أفراده، إذًا له أفراد لكن وجدنا في الخارج ليس له إلا فرد واحد، إذًا هذا كلي باعتبار الذهن، وأما باعتبار الأفراد فهذا شيء آخر، هل له أفراد أم لا؟ هل له متعدد أم لا؟ أو توجد منه أفراد كثيرة هذه ثلاثة أقسام على جهة الجملة، وكل واحد من هذه الأقسام ينقسم إلى قسمين وذكرها الشارح هنا، إذًا قال: [سواء]. أراد التعميم في مفهوم الكلي [لم يوجد منه فرد]، إذًا كلي لم يوجد منه فرد البتة، وهذا نوعان: إما مع استحالة وجود فرد ثاني، أو مع الإمكان لكنه لم يوجد. معي؟ كلي لم يوجد منه فرد، لماذا لم يوجد منه فرد؟ إما الاستحالة وإما مع الإمكان لكنه لم يوجد، طيب، فرد مع استحالة أن يوجد منه شيء كالجمع بين ضدين، الجمع بين الضدين هذا له مفهوم ومفهومه لا يمنع الاشتراك يعني بمجرد تعقله في الذهن لا يمنع الاشتراك، لكن في الخارج ليس له فرد البتة، لماذا؟ لاستحالته لأنه يستحيل أن يجمع بين الضدين أو النقيضين ليل نهار في وقت واحد العقل لا يمنع، لا يمنع أن يكون الشيء ليل ونهار في وقت واحد، وأن يكون الإنسان حيوان فرس حمار في وقت واحد، العقل لا يمنع، لكن وجوده في الخارج هذا شيء آخر، العقل يجوز ما لا وجود له أصلاً يعني يتصور إنسان بعشرة ألسن بثلاث رؤوس عشرة أيدي تصور ممكن، لكن وجوده في الخارج شيء آخر، إذًا [لم يوجد منه فرد مع استحالة أن يوجد منه شيء كالجمع بين الضدين]، إذًا تقول: الجمع بين الضدين كلي، لأنه أفهم اشتراكًا بين أفراده، لكن باعتباره في الخارج لا وجود له، لماذا؟ لاستحالة وجود فرد يصدق عليه بأنه جمع بين الضدين، [أو مع إمكان أن يوجد منه] لكنه ما وجد لا مانع لكنه ما وجد ما خلقه الله ما تعلقت به الإرادة مثل ماذا؟ بحر من زئبق، هذا نقول: كلي أفهم اشتراكًا بين أفراده لكن في الذهن، هل له فرد في الخارج؟ لا، لماذا؟ لاستحالته؟ لا ما يستحيل على الله أن يخلق بحرًا من زئبق، من لبن، من عسل إلى آخره، لكن ما وجد، لماذا مع إمكانه؟ لعدم تعلق الإرادة به، هكذا نُعَلِّم التعاليم الشرعية، إذًا النوع الأول انقسم إلى اثنين: كلي لا يوجد منه في الخارج فرد أصلاً هذا تحته نوعان:
إما لاستحالته كالجمع بين ضدين.
النوع الثاني: مع الإمكان لكنه لم يوجد.
مثال الأول: الجمع بين الضدين.
والثاني مثال: بحر من زئبق.
стр. 101
[أو وجد منه فرد]، هذا النوع الثاني القسم الثاني [أو وجد منه] يعني من الكل، [فرد] في الخارج فرد واحد فقط [مع استحالة] غيره يعني لم يوجد له في الخارج إلا فرد واحد لم يوجد له فرد ثاني لماذا؟ قال: لأنه مستحيل. مثلوا لهذا النوع بالإله قالوا: الإله لم يوجد في الخارج إلا فرد واحد، وهو الله ، هل يوجد فرد ثاني؟ العقل لا يمنع قالوه، لماذا؟ لأنه أفهم اشتراكًا بمجرد تعقل مدلوله حينئذٍ نقول: كونه في العقل أفهم اشتراكًا نظرنا في الخارج فليس إلا فرد، لم يوجد فرد آخر لماذا؟ لكونه يستحيل أن يوجد مع الله تعالى إله آخر، وأنا أقول: هذا المثال غلط. لماذا؟ لأن الإله هو فِعَال بمعنى مفعول من أَلِهَ يَأْلَهُ إِلهَةً وَأُلُوهَةً يعني ما عبد، فكل ما عبد سمي إلهًا، كل ما توجه له بعبادة ما قَلَّت أم كثرت سمي إلهًا سواء كان معبودًا بحق أو لا؟ إذًا الإله له أفراد، لماذا؟ لأن الآلهة التي عبدها المشركون سماها الله من سابع سماء أنها آله، ولذلك هم اعترفوا ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] حينئذٍ تسمى آلهة، فكل ما جعل معبودًا وتوسل إليه بأصناف العبادات أيًّا كانت قَلَّت أم كثرت هذا يسمى إلهًا، منزلة أخرى الإله الحق هذه مختصة بالله ، ولذلك نقول: لا إله حق إلا الله، فنفي الإلوهية الحقة عما سوى الله تعالى وإثباتها خالصة لله تعالى لو كانت هذه لا تسمى آلهة لما صح أن يقال: لا إله. لماذا؟ لأن لا النافية للجنس إنما تدخل على اسم جنس هو الذي يفهم اشتراكًا بين أنواع، وهذه الاشتراك بين الأفراد منها ما عبد بحق وهذا هو الله ، ومنها ما عبد بباطل وهو من صُرِفَت إليه العبادة سوى الله تعالى، إذًا مرادي بهذا أن تمثيل المناطقة بكلي له فرد في الخارج مع استحالة غيره بالإله، قالوا: لأنه خاص بالله. نحن نورد عليهم أمرين:
الأمر الأول: أن الإله ليس خاصًا بالله ، فقط الإله ليس الإله حق يعني بوصف الأحقية هذا خاص بالله ، لكن مطلق لفظ الإله هذا يصدق على الأصنام كما أنه يصدق على من عبد الشمس بأنها إله، ويصدق من عبد القمر أو غيرها بأنه إله، هذا أولاً.
стр. 102
ثانيًا: قلتم بأن الإله الحق في الخارج لا يصدق إلا على فرد واحد حينئذٍ يقال: كيف تصور اللفظ أوقع الاشتراك بين أفراد متعددة؟ لو جوز العقل تعدد الآلهة في الذهن لكان ماذا؟ لكان شركًا، لماذا؟ لأن تصور فرد وفرد وَفرد كل منها يوصف بكونه إلهًا مألوهًا ولا يوجد مألوه إلا الله ، نقول: العقل يدل على ما جاء به الشرع، ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الدلالة على التوحيد من جهة الشرع ومن جهة العقل، فلا يدل الشرع على أن ما عدا الله لا يسمى إله ويجيزه العقل، لا هذا باطل وعلى هذا الكلام الذي قرره المناطقة حينئذٍ يكون دلالة الشرك أو عدم الدلالة على التوحيد مأخوذة من العقل، وهذا باطل فهمتم هذا؟ إله ما أفهم اشتراكًا بين أفراده، إله هذا كلي لأنه له أفراد، إذًا لا يمتنع أن يكون عندنا أفراد متعددة كل منها يوصف بكونه مألوهًا، طيب، هذه كونها مألوهًا بحق أو بباطل؟ إن قلنا: بحق. فجوز العقل التعدد الشرك، وهذا باطل العقل لا يدل على الشرك إن كانت بعدم أحقية، وحينئذٍ نقول: تخالف الفرد الخارج مع المدلول الذهني.
الحاصل: أن هذا المثال فيه نظر ويحتاج إلى مثال آخر ولم أقف على مثال إلا ما ذكروه.
إذًا [أو وجد منه فرد مع استحالة غيره كالآلة، أو مع إمكان غيره كشمس] لم توجد في الدنيا إلا شمس واحدة ولا مانع أن يكون ثَمَّ شمس ثانية وثالثة ورابعة، لكن لم تتعلق بها الإرادة وحينئذٍ لم توجد إلا شمس واحدة، والشمس هي: كوكب نهاري مضيء ينسخ وجوده أو ظهوره وجود الليل. وهذا يصدق بواحد أو باثنين أو بثلاث إلى ما لا نهاية، إذًا هذا النوع الثاني كلي لا يوجد منه في الخارج إلا فرد واحد إما مع الاستحالة كالإله على مثال المصنف أو مع الإمكان وهو كالشمس، أو وجد منه أفراد، وهذه الأفراد إما متناهية تنتهي أو غير متناهية، أفراد متناهية قالوا: كالإنسان والحيوان ينتهي. يعني: في الدنيا كلها تزول تنتهي، إذًا مدلول إنسان أفهم اشتراكًا حيوان ناطق، لكن هذه الأفراد موجودة بكثرة لكنها متناهية يعني تنتهي لها نهاية، [أو غير متناهية] كنعيم الجنة، نعيم الجنة هذا أفراد وهو غير متناهي، قال هنا: [كصفة]. صفة له مدلول وهو معنى قائم في النفس لا يمنع الاشتراك له أفراد ولكنها غير متناهية، لأنها تصدق على الله وصفات الله تعالى غير متناهية كذلك موجود يطلق على الله وهو صفة وهو غير متناهي كذلك الشيء إلى آخر ما يعيد، [فإنها تصدق بصفات الله تعالى القائمة بذاته التي لا نهاية لأفرادها] يعني الصفات. [كما دلت عليه السنة، واستحالة وجود ما لا نهاية له إنما تثبت في حق الحوادث] يعني الحوادث هو الذي يوصف بكونه [لا بأنه يستحيل أن يكون له أن] (١) يستحيل أن يكون ما لا نهاية له من الحوادث، هذا كلام الشارح، إذًا الكلي ستة أقسام من حيث التفصيل وثلاثة من حيث الإجمال.
стр. 103
(وَعَكْسُهُ الجُزْئِِيُّ)، [(وَعَكْسُهُ) أي عكس الكلي (الجُزْئِِيُّ)، فهو ما لا يفهم الاشتراك بين أفراده بحسب وضعه كزيد] وهو علم [فإنه موضوع لمعنى مشخص لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه لأشخاص لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص] يعني زيد وزيد وَزيد هذا زيد وهذا زيد وهذا زيد، نقول هنا الاشتراك لفظي وليس هو باشتراك معنوي، فتعدد اللفظ هنا بتعدد الوضع والذي معنا الاشتراك يكون الوضع متحدًا، حينئذٍ نقول: الوضع هنا متعدد، إذًا [ما لا يفهم الاشتراك بين أفراده بحسب وضعه كزيد] فإن زيد [موضوع لمعنى مشخص لا يتناول غيره] يعني مدلول زيد ذاته، إذًا لا يدخل ذات عمر تحت مدلول زيد [لا يتناول غيره ولا يضر عروض الاشتراك اللفظي عند تعدد وضعه] يعني لا يضر بكونه جزئيًا عند تعدد الوضع، [ولا يضر] يعني وصف زيد بكونه جزئيًا، [عروض الاشتراك اللفظي] لأن الاشتراك المراد به هنا المعنى، وهو ما اتحد معناه ولفظه ووضعه، وأما الاشتراك اللفظي فهو تعدد في الوضع نعم [عند تعدد وضعه لأشخاص، لأنه باعتبار كل وضع لا يدل إلا على معين مشخص] فهذا زيد وهذا زيد وهذا زيد، هذا وضعه له معناه المشخص، وهذا وضعه له معناه المشخص وهكذا الثالث.
وَهْوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَعْنِي المُفْرَدَا ... كُلِّيٌّ اوْ جُزْئِيُّ حَيْثُ وُجِدَا
فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ الكُلِّيُّ ... كَأَسَدٍ وَعَكْسُهُ الجُزْئِِيُّ
وَأَوَّلاً لِلذَّاتِ إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ ... فَانْسُبْهُ أَوْ لِعَارِضٍ إذَا خَرَجْ
- - -
وَأَوَّلاً لِلذَّاتِ إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ ... فَانْسُبْهُ أَوْ لِعَارِضٍ إذَا خَرَجْ
(وَأَوَّلاً) مفعول لفعل محذوف يفسره انسبه الآتي أي انسب أولاً، وهو الكلي (لِلذَّاتِ) أي الماهية (إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ) أي إن اندرج فيها بأن كان جزءًا لها جنسًا كالحيوان للإنسان أو فصلاً كالناطق له، (فَانْسُبْهُ) أي انسب الأول، وقد ذكر المصنف في شرحه أن أولاً مفعول لفعل محذوف كما قدرناه وأن فانسبه مفسر لذلك المحذوف. اعترض عليه بأن انسبه واقع بعد فاء الجواب، وما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها فلا يفسر عاملاً فيه. وأجيب بأن انسبه مؤخر من تقديم، والتقدير وأولاً انسبه للذات أن اندرج فيها، وعلى هذا فيكون جواب الشرط محذوفًا لدلالة انسبه المذكور عليه قاله الملوي، ولا يخفى بعد الجواب لما فيه من التكلفات. وقوله: (أَوْ لِعَارِضٍ) أي انسب لعارض (إذَا خَرَجْ) عن الذات فلم يكن جزءًا لها بل كان خالصًا كالضاحك للإنسان، أو كان عرضًا عامًا كالماشي له فانسبه لعارض بأن تقول كلي عرضي، والنسبة على غير قياس، فعلم أن ما كان جزء الماهية جنسًا، أو فصلاً فهو كلي ذاتي، وما كان خارجًا عنها خاصةً أو عرضًا عامًا فهو كلي عرضي، وقضية ذلك خروج النوع كالإنسان عن الذاتي والعرضي فيكون واسطة بينهما، وهو أحد الأقوال الثلاثة. والقول الثاني: أن النوع ذاتيٌّ. وفسر الذاتي بما ليس خارجًا عن الماهية بأن كان جزءها أو تمامها. والقول الثالث: أن النوع عرضي. وفسر العرضي بما ليس داخلاً فيها بأن كان تمامها أو خارجًا عنها.
ــ - الشرح - ــ
стр. 104
(وَأَوَّلاً) ما هو؟ الكلي أراد أن يقسم الكلي إلى قسمين، هذا تدرج قسم اللفظ المستعمل إلى مركب ومفرد، ثم قسم المفرد إلى كلي وجزئي، ثم أراد أن يقسم لنا الكلي إلى ذاتي وعرضي، فما كان داخلاً في الذات فهو كلي ذاتي، وما كان خارجًا عن الذات فهو كلي عرضي.
[(وَأَوَّلاً) هذا مفعول لفعل محذوف يفسره] قوله: (فَانْسُبْهُ). الآتي [أي: انسب أولاً، وهو الكلي] حينئذٍ يكون من باب الاشتغال.
إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ ... عَنْهُ بِنَصْبِ لَفْظِهِ أَوِ الْمحَلّ
فَالسَّابِقَ انْصِبْهُ بِفِعْلٍ أُضْمِرَا ... حَتْمًا مُوَافِقٍ لِمَا قَدْ أُظْهِرَا
стр. 105
يعني: واجب الإضمار، إذًا [انسب أولاً وهو الكلي (لِلذَّاتِ) أي الماهية] تقول: كلي ذاتي. انسبه يعني: أضفه إليه وائت بياء النسبة فقل: كلي ذاتي. (إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ) إن اندرج فيها يعني [بأن كان جزءًا لها]، وهذا يصدق على شيئين اثنين من الكليات وهو: الجنس، والفصل. ولذلك قال: [أي إن اندرج فيها]. يعني: في الذات [بأن كان جزءًا لها] جزءًا من الذات داخلاً في الذات، وهذا إن ما أن يكون [جنسًا كالحيوان للإنسان] لأن الإنسان تعريفه حيوان ناطق، حيوان ناطق يعني: مفهوم الإنسان ذاته حيوان ناطق، فالحيوان جزء من الماهية، وهو الجنس، والناطق جزء من الماهية وهو فصل، إذًا الكلي الذاتي محصور في شيئين: الجنس، والفصل. [بأن كان جزءًا لها جنسًا كالحيوان للإنسان أو فصلاً كالناطق له، (فَانْسُبْهُ) أي انسب الأول، وقد ذكر المصنف في شرحه أن أولاً مفعول لفعل محذوف كما قدرناه] يعني وافق الشارح هنا صاحب الأصل، [وأن فانسبه مفسر لذلك المحذوف] وأعربه على ما أعربه الشارح نفسه يعني: الأخضري رحمه الله تعالى، حينئذٍ فيه اعتراض وهو أن قوله: (وَأَوَّلاً)، (فَانْسُبْهُ). هذا جاء متى؟ وأولاً للذات إن فانسبه إن ما بعد الشرط أو الفاء الواقعة في جواب الشرط لا يفسر ما قبله، والأصل أنه يتعين الرفع هنا على القاعدة النحوية أن أول هنا واجب الرفع، وأول بالذات هذا الأصل لكن الناظم نصبه فأراد به أن يكون من باب الاشتغال لكن يرد عليه ماذا؟ أنه يجوز أن يتسلط العامل المتأخر على السابق المتقدم فينصبه بشرط أن لا يوجد مانع، وعده من الموانع أن يكون الفاصل بين الاسم والمتأخر إن الشرطية أو فاء الجزاء، وهنا وجد فيه أداة الشرط وهو إن ووجد فيه كذلك فاء فَاء الجزاء، وما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله فلا يفسره كيف يقول هذا؟ قال: [واعترض] هنا [عليه بأن انسبه واقع بعد فاء الجواب، وما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها فلا يفسر عاملاً فيه]. حينئذٍ يجب رفعه على أنه مبتدأ والمسوغ التفصيل، [وأجيب] بجواب متكلف فيه بجواب يعني: فيه نظر لا يسلم، بأن قوله: [انسبه مؤخر من تقديم]. يعني: الكلام فيه تقديم وتأخير، وأصل التركيب هكذا وأولاً انسبه للذات إن فيها اندرج، أين جواب الشرط؟ ليس قوله: (فَانْسُبْهُ). المتأخر لا، هذا متأخر أصله بعد قوله: (وَأَوَّلاً). وأولاً انسبه للذات، إذًا عمل لا إشكال فيه وواضح، (إِنْ فِيهَا انْدَرَجْ) فصلها (فَانْسُبْهُ) قدرها جملة ثانية، نقول: هذا فيه تكلف، [وأجيب بأن انسبه مؤخر من تقديم، والتقدير وأولاً انسبه للذات أن اندرج فيها] فانسبه للذات هذا الجملة محذوفة، (وعلى هذا] التقديم [فيكون جواب الشرط محذوفًا لدلالة انسبه المذكور عليه قاله الملوي) يعني في شرحه. [ولا يخفى بعد الجواب لما فيه من التكلفات] حينئذٍ الاعتراض باقي على المصنف، كيف نصبت والأصل أنك ترفع؟ [وقوله: (أَوْ لِعَارِضٍ)]. أو للتنويع يعني انسب الكل لعارض يعني انسب الأول لعارض فقل عرضي، كما نسبت الكلي إلى الذات فقلت: ذاتي.
стр. 106
[(إذَا خَرَجْ) عن الذات فلم يكن جزءًا لها بل كان خالصًا كالضاحك للإنسان] الإنسان حيوان ناطق، الضاحك يعني: قابل الضحك يعني قابل للضحك لا يشترط فيه أن يكون بالفعل، الإنسان يقبل أن يضحك لكن ليس المراد به أن يضحك أربعة وعشرين ساعة لا المراد أنه لو وجد سبب لضحك وعنده قابلية فالصفة موجودة فيه، حينئذٍ الضاحك يكون على مرتبتين: ضاحك بالفعل، وضاحك بالقوة.
ضاحك بالفعل يعني: وقعت الضحك يضحك.
وضاحك بالقوة يعني: لم يكن ضاحكًا بالفعل ولكنه عنده قابلية.
وهذه في جميع أوصاف الناس يعني يكون نائم بالفعل، أنت نائم الآن لكن بالقوة لا بالفعل، إذا نمت بالفعل حينئذٍ أنت نائم، وكذلك الأكل والشرب أنت الآن آكل لكن بالقوة فكل صفة فيك قابلة للإيجاد والعدم حينئذٍ إذا وجدت بالفعل فتقول: هذا صفة بالفعل آكل بالفعل، شارب بالفعل، جالس بالفعل، وإذا لم تكن حينئذٍ أنت قابل لها، فمثلاً القيام أنت الآن قائم أليس كذلك؟ أنت الآن جالس أو قائم؟ أنت الآن جالس وقائم في وقت واحد، لكنك جالس بالفعل وقائم بالقوة لأنك لو أدرت أن تقوم قمت أليس كذلك؟ أنت الآن جالس مستيقظ ونائم، مستيقظ بالفعل ونائم بالقوة، إذًا كل صف للإنسان يجوز فيه الوجهان هنا قال: [إذا خرج عن الذات فلم يكن جزءًا لها بل كان خاصًا كالضاحك للإنسان]. هذا عرض [أو كان عرضًا عامًا] خص هو العرض لكنه عرضٌ خاص يعني أوصاف متعلقة بالإنسان خارجة عن الذات، لكنها متعلقةٌ به لأن الذي يضحك هو الإنسان، قيل: مختصٌ الضحك بالإنسان. [أو كان عرضًا عامًا] يعني للإنسان وغيره لا يختص به بخلاف الأول الضاحك هذا عرض، لكنه عرضٌ خاص، خاصٌ بمن؟ بالإنسان، الماشي هذا عرض كذلك لكنه عام لأنه لا يختص بالإنسان، التحرك الحركة هذا عرض لكنه عرضٌ عام لأنه ليس خاصًا بالإنسان، أو [عرضًا عامًا كالماشي له] يعني الإنسان [فانسبه لعارض بأن تقول كلي عرضي، والنسبة على غير قياس]، لأن عارض عارضيُّ سابق وفيه نظر، [فعلم أن ما كان جزء الماهية جنسًا، أو فصلاً فهو كلي ذاتي]، [أن ما كان جزء الماهية ٍ يعني بعض الماهية داخلاً في الماهية، والركن جزء الذاتي والشرط خرج هنا نقول: الفصل والجنس جزء الذاتي والعرض العام والخاص يكون خارجًا عن الذات، [جنسًا، أو فصلاً فهو كلي ذاتي وما كان خارجًا عنها خاصةً] يعني عرضًا خاصًا، [أو عرضًا عامًا فهو كلي عرضي].
- - -
وَالكُلِّيَاتُ خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقَاصْ ... جِنْسٌ وَفَصْلٌ عَرَضٌ نَوْعٌ وَخَاصْ
стр. 107
(وَالكُلِّيَاتُ) بتخفيف الياء للضرورة جمع كلي (خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقَاصْ) أي من غير نقص، أي ولا زيادة أيضًا. أولها (جِنْسٌ) وهو الكلي المقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب ما هو كالحيوان فإنه يقال على الإنسان والفرس والحمار، ويصدق عليها في جواب قول القائل: ما الإنسان والفرس والحمار؟ فقال في الجواب: حيوان. وإن شئت قلت في تعريف الجنس: هو جزء الماهية الصادق عليها وعلى غيرها. (وَ) ثانيها (فَصْلٌ) وهو جزء الماهية الصادق عليها في جواب أي شيءٍ المميز لها عن غيرها، كالناطق بالنسبة للإنسان. وثالثها (عَرَضٌ) عام، وهو: الكلي الخارج عن الماهية الصادق عليها وعلى غيرها كالماشي بالنسبة للإنسان، ولا يقع العرض العام في الجواب.
ورابعها (نَوْعٌ) وهو الكلي المقول على كثيرين متحدين في الحقيقة في جواب ما هو كإنسان فإنه يصدق على زيد وعمرو وبكر فيقع جوابًا عنها في مثل قولك: ما زيد وعمرو وبكر؟ فيقال في الجواب: إنسان.
(وَ) خامسها (خَاصْ) أي خاصة فحذفت التاء للضرورة، وهو الكلي الخارج عن الماهية الخاص بها كالضاحك للإنسان.
ــ - الشرح - ــ
إذًا أربعة أقسام بَيَّن حكمها الجنس والفصل ذاتيان، كلها كليات الجنس والفصل ذاتيان، والخاص والعرض العام عرضيان، ماذا بقي؟ بقي النوع، هل هو ذاتيٌ أم عرضي؟ فيه ثلاثة أقوال، الجنس والفصل باتفاق ذاتيان، الخاصة والعرض العام باتفاق عرضيان، النوع فيه خلاف، ولذلك قال هنا: [وقضية ذلك]. يعني: التقسيم من الناظم على ما سبق، [خروج النوع كالإنسان عن الذاتي والعرضي فيكون واسطة بينهما] حينئذٍ [الذاتي سبق] (١) النوع [ليس] (٢) هو كلي قطعًا لكنه ليس بذاتي ولا بعرضي، حينئذٍ الكلي يكون ثلاثة أقسام: كليٌ ذاتي، كليٌ عرضي، كليٌ لا ذاتي ولا عرضي. وهو النوع.
[والقول الثاني: أن النوع ذاتيٌّ]، لأنه إذا قيل: النوع لا عرضي ولا كلي والأقوال ثلاثة، إذًا قيل: النوع ذاتيٌّ، وقيل: النوع عرضيٌّ، وقيل: النوع لا ذاتي ولا عرضي، وهذا هو المشهور أنه لا ذاتي ولا عرضي، [والقول الثاني: أن النوع ذاتيٌّ] يعني داخلٌ في جزء الماهية منسوبٌ إليها، [وفسر الذاتي] حينئذٍ ليس بما اشتهر بأنه جزءٌ الماهية، [بما ليس خارجًا عن الماهية] وفسر ذلك وصور [بأن كان جزءها أو تمامها]، لأن تمام الماهية هو النوع، نحن نقول ماذا؟ الإنسان حيوانٌ ناطقٌ، حيوانٌ جزء الماهية جنس ناطقٌ جزء الماهية فصلٌ تمامها هذا النوع يعني جمع الحيوان مع الناطق يسمى نوعًا، لأنه هو المرادف للفظ إنسان فصار نوعًا، حينئذٍ فُسِّرَ الذاتي بما ليس خارجًا عن الماهية بأن كان جزءها كالحيوان والناطق أو كان تمامها.
[والقول الثالث: أن النوع عرضي، وفسر العرضي بما ليس داخلاً فيها بأن كان تمامها أو خارجًا عنها] فُسِّرَ العرضي بماذا؟ [بما ليس داخلاً فيها] يعني ليس داخلاً في الماهية، ثم تفسير ما ليس داخلاً في الماهية [بأن كان تمامها] وهو النوع، [أو خارجًا عنها] وهو الخاصة، والعرض العام، إذًا ثلاثة أقوال في النوع لكن المشهور هو أنه ليس بذاتي ولا بعرضي.
أسئلة:
стр. 108
س: هذا يقول: كليٌّ وجد منه فرد مع استحالة غيره لا يمكن أن نمثل بواجب الوجود؟
ج: كلي وجد فرد مع استحالة غيره، إذا قلت ذلك معناه أن العقل لا يمنع تعدد واجب الوجود صحيح؟ لأن إذا كان كلي، ما معنى كلي؟ ما أفهم اشتراك يعني له أفراد في الذهن له أفراد، فالعقل لا يمنع تعدد واجب الوجود، وهذا باطل لأنه صار مجوزًا للشرك، وهذا باطل فالعقل يمنع الشرك، والعقل يدل على وجوب التوحيد، وهذا متطابق مع الشرع، فإذا قلنا: الإله المراد به الإله الحق في الخارج، وجوزنا التعدد في الذهن جوزنا الشرك تعدد الآلهة وكل واحد إله بحق، وهذا لا يمكن، كذلك واجب الوجوب إذا قلنا: أنه كلي حينئذٍ له أفراد ما لا نهاية في الذهن، وهذا واجب الوجود، وهذا واجب الوجود، وهذا واجب، وهذا باطل هذا، إذًا لو جوز ذلك لدل على أن العقل يجيز الشرك، وهذا باطلٌ بإجماع أهل السنة والجماعة، إذًا عرفنا الآن أن الكلي إما ذاتي، وإما عرضي، والذاتي هو ما كان داخلاً في الذات ويدخل تحته نوعان من أنواع الكليات وهو: الجنس، والفصل. والثاني: الكلي العرضي وهو ما كان خارجًا عن الذات، ويدخل تحته نوعان الخاصة ويسميه البعض بالعرض الخاص، والثاني: العرض العام، بقي النوع ففيه ثلاثة أقوال: ذاتي، عرضي، لا ذاتي ولا عرضي. والمراد بالنوع تمام الماهية يعني عندنا جزء الماهية يعني بعض الماهية، وجاء الجزء الثاني كملها، أليس كذلك؟ نقول: الإنسان ما هو؟ حيوانٌ ناطق، هل الحيوان هو عين الماهية ماهية الإنسان؟ لا هو جزءٌ منها، ناطق هل هو عين الإنسان؟ لا هو جزءٌ منها، إذًا الماهية أو الكلي الذاتي جزءٌ من الماهية (تمامها) تركيبها الحيوان ناطق فنقول: هذا هو النوع. إذًا ما كان جزء الماهية أو تمامها التمام هنا يكون هو النوع فهو خارجٌ عن الذاتي وخارجٌ عن العرضي، ثم أراد أن يفصل لنا الكليات الخمس، الكليات الخمس هذه هي مبادئ التصورات لأن المقاصد هي المعرفات تعرف بماذا؟ تركب التعريف بماذا؟ إمَّا جنس، وفصل، إما جنس بعيد، وفصلٌ قريب ونحو ذلك، هذه هي المادة التي تركب منها التعريفات، ولذلك يقال: مبادئ التصورات. وهي الكليات الخمس، وما سبق كله مقدمات.
ثانيًا: المقاصد، مقاصد تصورات وهي المعرفات يعني التي تكون هيئةً للمادة السابقة وهي الكليات الخمس.
قال: [(وَالكُلِّيَاتُ) بتخفيف الياء للضرورة]. كليّ أصلها بالتشديد [بتخفيف الياء للضرورة جمع كلي (خَمْسَةٌ)] يعني بالاستقراء والتتبع لا تخرج عنها، [(دُونَ انْتِقَاصْ) أي من غير نقص أي ولا زيادة أيضًا].
стр. 109
فالحاصل [أولها (جِنْسٌ)] أولها الجنس [وهو] أي تعريف الجنس، [الكلي] لا بد أن نأخذ الاسم المقسوم نأخذه جنسًا في حد القسم، وهذا مر معنا مرارًا، [الكلي] ينقسم إلى جنس وفصل إلى آخره، إذا أردنا أن نعرف الجنس نقول: [هو الكلي]. إذًا كليٌّ بمعنى أنه أفهم اشتراكًا بين أفرادٍ، [الكلي المقول] المقول والقول والحمل هنا بمعنى واحد يعني الذي يحمل على غيره هذا المراد بـ[المقول]، فالقول هنا والصدق بمعنى الحمل، كلي مقولٌ [المقول على كثيرين] على متعددين، هذا الأصل لماذا؟ لأن مفهوم الكلي ما أوقع اشتراكًا، وأوقع اشتراكًا لا بد أن يكون بين متعدد، أليس كذلك؟ وأقل التعدد اثنان، إذًا قوله: [على كثيرين]. اثنان فأكثر وليس المراد به ثلاثة فأكثر، إنما المراد به اثنان فأكثر، [مختلفين في الحقيقة] إذًا حقائقها مختلفة ليست متحدة [في جواب ما هو] يعني يقع الجنس من حيث الضابط في جواب ما هو، [كالحيوان] الحيوان جنس هذا جنس، لأن [الكليٌّ المقولٌ على كثيرين] يعني محمول يصدق يخبر به عن كثيرين مختلفين في الحقيقة، ويقع في جواب ما هو، قد يقال ما هو الإنسان والفرس والبغل والحمار؟ أعطيني جواب هذه الأفراد كلها يكون قدرًا مشتركًا بينها حيوان، إذًا هذا يسمى جنسًا فرد إنسان وفردٌ بغل، وفردٌ فرس، هل هذه متفقة في الحقيقة أو مختلفة؟ مختلفة في الحقيقة، إذًا هذا يسمى جنسًا كل لفظٍ يصدق يعني يخبر به على كثيرين اثنين فأكثر، وكانت هذه الكثرة أو التعدد بين حقائق مختلفة يعني هذا له ماهية، وهذا له ماهية، الإنسان مختلف عن البغل، إذًا هذا له حقيقة، وهذا له حقيقة، اختلفت الحقائق وصدق عليهما لفظٌ واحد وهو حيوان، ومن ضوابطه أن يصح الإخبار به عن كل فردٍ على حدة، فيقال: الإنسان - العوام يسمعون هذا - حيوان، والفرس حيوان، والبغل حيوان، صح أو لا؟ صح، إذًا هذا [ها ها] يسمى جنسًا، هنا قال: [في جواب ما هو كالحيوان فإنه يقال]. يعني: يحمل ويخبر به على الإنسان والفرس والحمار هذه حقائق كثيرة مختلفة، [ويصدق عليها في جواب قول القائل] السائل [ما الإنسان والفرس والحمار؟ فقال في الجواب: حيوان]، إذًا واضح هذا الجنس؟ حقائق مختلفة متعددة أفراد كل فردٍ له حقيقة، القدر المشترك بينها هو الذي يسمى جنسًا، [فقال في الجواب: حيوان. وإن شئت قلت في تعريف الجنس: هو جزء الماهية الصادق عليها وعلى غيرها]. [جزء الماهية] من الإنسان، [الصادق عليها] على الإنسان وعلى غيرها، فإذا قلت: الإنسان حيوانٌ ناطق. حيوان هذا جنس يصدق على الإنسان وعلى غير الإنسان كالفرس والبغل، واضح هذا؟ [جزء الماهية) يعني ماهية الإنسان مثلاً، [الصادق عليها] ماهية الإنسان (وعلى غيرها) فلا يمنع الاشتراك على الأصل، هذا الجنس.
стр. 110
[(وَ) ثانيها (فَصْلٌ) وهو: جزء الماهية الصادق عليها] فقط دون غيرها الذي يحصل به التمييز لأنك إذا قلت: الإنسان حيوانٌ. اشترك دخل في الفرس إلى آخره، فإذا قلت: الناطق، حيوانٌ ناطق. [كونهم] (١) ما معنى ناطق؟ ليس المراد منه أنه لا يلفظ لا، المراد به القوة العاقلة العقل الذي يميز به بين البهيمة والإنسان، هذا المراد بالناطق، حينئذٍ قولك: الناطق. حصل تمييز لغير الإنسان عن الإنسان، جزء الماهية وهو جزءٌ من الماهية لأن القوة العاقلة داخلةٌ في مفهوم الإنسان [الصادق عليها] فقط دون غيرها، ولذلك حصل بها التمييز، [في جواب أي شيءٍ هو) يعني في ذاته، ... [المميز لها عن غيرها، كالناطق بالنسبة للإنسان]، إذًا الفصل [جزء الماهية الصادق عليها] فقط يعني الذي يميز الإنسان عن غيره، فإذا قلت: الإنسان. في تعريفه وجئت بالجنس فقط أنه حيوان، حيوان يصدق على الإنسان وعلى غيره، هذا لم يكن مانعًا حينئذٍ لا بد من كلمةٍ تُخْرِج ما عدا الإنسان، فتقول: الناطق. إذًا الناطق لو كان مشتركًا بين الإنسان وغيره ما حصل به التمييز، أليس كذلك؟ لو كان لفظ الناطق مشتركًا بين المعرف أو الإنسان وبين غيره ما حصل به التمييز، وإنما يحصل التمييز بين الحقائق المختلفة بالفصل وهو داخلٌ في الماهية.
[وثالثها (عَرَضٌ) عام، وهو: الكلي الخارج عن الماهية] عرفنا الخارج فيما سبق، [الصادق عليها وعلى غيرها] هذا أشبه ما يكون قريبًا من الجنس، لكن الجنس داخلٌ في الماهية ويصدق عليها وعلى غيرها، العرض العام خارجٌ عن الماهية ويصدق عليها وعلى غيرها، أليس كذلك؟ [كالماشي] والمتحرك [بالنسبة للإنسان، ولا يقع العرض العام في الجواب]، إذًا الماشي لو قيل: الإنسان هو الماشي. ما حصل به التمييز، لماذا؟ لأن الماشي يصدق على الإنسان وعلى غيره، إذًا لا يحصل به التعريف.
[ورابعها (نَوْعٌ)] النوع الذي قلنا: ليس بذاتي ولا بكلي، [وهو الكلي المقول على كثيرين متحدين في الحقيقة في جواب ما هو]، هنا اتحد النوع مع الجنس لأنه في جواب ما هو هذا أولاً، ثم كلي مقول على كثيرين اتحد على الجنس، إلا أن الفرق أن الجنس مختلفة الحقائق والنوع متحدة الحقائق زيدٌ، وبكرٌ، وعمرو، وخالد حقائقهم واحدة لو قلت: ما زيدٌ، وبكرٌ، وعمرو؟ قلت: إنسان. إذًا زيدٌ إنسان، وبكرٌ إنسان، وعمرو إنسان، كما قلت هناك في الحيوان كذا إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذا يسمى نوعًا، إذًا كليٌّ مقولٌ على كثيرين متحدين في الحقيقة يعني حقائقهم متحدة ليست مختلفة كما هو الشأن في الجنس [في جواب ما هو] كلفظ إنسان فإنه نوعٌ، [فإنه يصدق على زيد وعمرو وبكر] فزيدٌ إنسان، وعمرو إنسان، وبكرٌ إنسان، وحقيقة زيد هي عينها حقيقة عمرو بخلاف إذا قلت: الحيوان فرس، وبغل، وعقرب، وحية. حقائقها مختلفة، أليس كذلك؟ هنا الحقائق متحدة مع أن الجنس يصدق على متعددين، ولكن حقائق مختلفة، ذلك النوع هنا يصدق على متعددين ولكنها حقائق متحدة، [فيقع جوابًا عنها في مثل قولك: ما زيد وعمرو وبكر؟ فيقال في الجواب: إنسان] واضحٌ؟ نعم.