Полный текст (399 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(رب يسر واختم بخير بمنك وكرمك).
الحمد لله المنزه عن كل نقص يعتري البشر الفرد الكامل بصفاته القديمة، فلا تقبل الغيرة، الملك العالم بذنوب عباده ما بطن منها وظهر، العظيم الذي لا يقع في الوجود شيء إلا بقضاء منه وقدر.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له شهادة مخلص يرددها في كل ورد وصدر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر، ﷺ وعلى آله وأصحابه - ما أفل نجم وظهر [وبعد].
فهذا كتاب خطر لي في [شعبان سنة ٨٦٨ هـ] (هذه الأيام) جمعه، تحف نفيس، عميم نفعه، كثير الفوائد والعلوم.
ينبغي لكل طالب الاعتناء به، ومطالعته، وفهمه لينتفع به، وينفع غيره من ذوي الخصوص، والعموم. جمعته من كتب نفيسة عزيزة، ولخصته بعبارة جليلة وجيزة، أذكر فيه - إن شاء الله تعالى - ماذا يجب على السلطان، وولاة الأمور من الأمراء، وغيرهم والعلماء، والقضاة، وأرباب الوظائف الدينية، والدنيوية، وأصحاب الحرب والصناعات على اختلاف مراتبهم؛ لينتفع به - إن شاء الله - كل واقف عليه.
стр. 2
وامتثلت في ذلك بقوله ﷺ مخاطبا لأصحابه ثلاث مرات: " الدين النصيحة - قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم".
فجعلت هذا الحديث الشريف أصلا لهذا التصنيف المنيف، فاقتديت به، ورتبته عليه، وسميته " بذل النصائح الشرعية فيما على السلطان، وولاة الأمور، وسائر الرعية"، وحصرته في مقدمة، وخمسة أبواب، وخاتمة.
المقدمة في الكلام على هذا الحديث الشريف.
الباب الأول
في السلطان وأهل دولته على اختلاف مراتبهم ووظائفهم.
ولا ألتزم ترتيبهم بشرف الوظائف؛ لأنه مشهور عند أكثر الناس، وقد لا ينضبط أيضا، وكذا في الباب بعده.
الباب الثاني
" في القضاة والعلماء، وتوابعهم على اختلاف مراتبهم".
الباب الثالث
في الكلام على حقيقة الحسبة، وما على المحتسب بخصوصه، وما شارك فيه غيره من الحكام.
الباب الرابع
في الكلام على أصحاب الحرف، والصناعات، والتجار، ونحوهم على اختلاف مراتبهم.
стр. 3
الباب الخامس
في الحسبة على كل واحد من أهل كل حرفة، وصناعة ممن تقدم ذكرهم في الباب قبله، وبيان غشهم فيها، وتدليسهم مفصلا.
وهذه الأبواب الثلاثة لنفاستها تستحق أن تفرد بالتصنيف وإنما أطلت فيها، لأن موضوع الحسبة على الخصوص هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهو بذلك أمس من غيره كما سيأتي بيانه مفصلا.
والخاتمة في ذكر درر ملتقطة، وآداب متفرقة. وختامها سؤا الله المغفرة، وحسن الخاتمة.
المقدمة في الكلام على قوله ﷺ : " الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال": لله ، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم".
أقول: الكلام على هذا الحديث الشريف من وجوه:
الأول: أنه رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهو من أفراده عن
стр. 4
(أبي رقية) تميم بن أوس الداري ﵁ وهو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة بن ذراع بن عدي بن عبد الدار.
ويتصل نسبه إلى يعرب بن قحطان، ويكنى أبا رقية بابنة له لم يولد له غيرها، ينسب إلى جده الدار، ويقال فيه أيضا: الديري، نسبة إلى دير كان يتعبد فيه، وهو أخو أبي هند الداري، واسمه: بر بن عبد الله والعقب له، وك ان أخاه لأمه. وكان تميم بالمدينة، ثم انتقل إلى الشام، ونزل بيت المقدس بعد قتل عثمان بن عفان.
وكان إسلامه سنة تسع مع الهجرة روى له عن النبي ﷺ ثمانية عشر حديثا، روي عنه مسلم منها هذا الحديث الواحد، وهو من رواية عطاء بن يزيد الليثي عنه.
стр. 5
وروى عنه ابن عباس وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وعبد الله موهب، وقبيصة، وغيرهم وروى له الجماعة إلا البخاري.
стр. 6
وقد روي عنه النبي ﷺ حديث الجساسة المشهور المخرج في صحيح مسلم من طريق الحسين بن ذكوان وغيره. وهذه منقبة شريفة لتميم، لا يشاركه فهيا أحد، معدودة من رواية الأكابر عن الأصاغر للتشريع لأمته من بعده، وفيها دليل على قبول خبر الواحد.
ولما قدم على النبي ﷺ في وفد الداريين وأسلم قال: يا رسول الله؟ لنا جيرة من الروم، لهم قريتان يقال لأحدهما " حبري"، والأخري بيت " عينون" فإن فتح الله عليك الشام فهما لي، قال: فهما لك. فلما قام أبو
стр. 7
بكر ﵁ أعطاه ذلك، وكتب له به كتابًا.
وأقام وفد الداريين حتى توفي رسول الله ﷺ وأوصى لهم بجاد مائة وسق. وهو أول من قص في مسجد النبي ﷺ بإذن عمر ﵁، وأول من أسرج المساجد، وكان كثير التهجد باليل. ووجد على نصيبة قبره أنه مات سنة أربعين من الهجرة ﵁.
قلت: وقد أفرد الكلام على خبر السيد تميم هذا، وأحكامه بمصنف نفيس شيخنا حافظ الزمان شهاب الدين أحمد بن حجر - تغمده الله برحمته - وسماه " الجواب الجليل عن حكم بلد الخليل"، وقد قرأته عليه ولله الحمد، وأجازني به، ولمن سمع في السابع والعشرين من شعبان سنة تسع وأربعين، ومما حكاه فيه عن القاضي أبي بكر ابن العربي في " شرح
стр. 8
الموطأ"، أنه كان عند أولاد تميم كتاب النبي ﷺ بالإقطاع المذكور في قطعة أديم صورته: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا ما أقطع محمدٌ رسول الله تميما الداري أقطعه قريتي [حبرون]، وبيت عينون، بلد في الخليل ﵇ بجميع ما فيهن نطية بت ونفدت، وسلمت ذلك لهم، ولأعقابهم من بعدهم أبد الآبدين، فمن آذاهم فيها آذاه الله.
شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي
стр. 9
ابن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وكتب) فبقي ذلك في يده، ويد
стр. 10
أهله من بعده إلى أن غلب الفرنج على القدس، الخليل سنة اثنتين تسعين وأربعمائة. قلت: والكتاب المذكور رأيته، وتبركت به مرارا وهو موجود مستمر في يد الداريين إلى وقتنا هذا، ولا يعارضهم فيه أحد من غيرهم ببركة نبينا محمد ﷺ لكن رأيت فيه ألفاظا لم أجدها فيما وقفت عليه من ترجمته فالله أعلم بها.
الوجه الثاني: قال بعض العلماء، وهذا الحديث عليه مدار الإسلامن وقيل إنه أحد أرباع الإسلام، وصحح بعضهم الأول.
والدين يطلق على ثمان معان:
أحدها: الملة وهي: دين الإسلام، وهي المراد هنا، والعادة، والجزاء، والطاعة، وسيرة الملك، والسياسة، والحال، والداء.
والنصيحة: اسم من النصح، والنصاحة يقال: نصحته، ونصحت له، وهي أفصح. قال تعالى: ﴿وأنصح لكم﴾. والنصيح الناصح، والنصح بفتح النون مصدر نصحت الثوب، خطته والناصح: الخياط، ونصح الرجل ثوبه إذا خاطه، شبه
стр. 11
فعل الناصح فيما يتحراره للمنصوح له بسد الخياط خلل الثوب وإصلاحه، والنصاح السلك يخاط به، والمنصحة الإبرة.
قال الجوهري ومنه التوبة النصوح لقوله ﷺ : " من اغتاب خرق ومن استغفر رفأ".
والنصيحة: كلمة جامعة معناها: حيازة الخير للمنصوح له، ويقال: إنها من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وأنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي العبارة غير معنى هذه الكلمة، وأنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي العبارة غير معنى هذه الكلمة، كما قالوا في " الفلاح ": ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الآخرة، والدنيا منها.
ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة لقوله ﵊: " الحج عرفة "، أي" عماده، وقوامه وهو فيها من الحصر المجازي
стр. 12
دون الحقيقي، كأنه لما أريد به المبالغة في النصيحة جعله كل الدين، وإن كان الدين مشتملا على خصال كثيرة غير النصيحة بخلاف الحقيقي نحو الله ربنا، ومحمد نبينا، وعالم البلد زيد إذا لم يكن فيها عالم غيره، وتارة يكون الحصر أيضا مطلقا وتارة مخصوصا:
فالأول: نحو، ﴿إنما الله إله واحد﴾.
والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿إنما أنت نذيرٌ﴾: أي بالنسبة إلى من لا يؤمن وإلا فصفاته ﵊ لا تحصر من البشارة، والشجاعة، والكرم، وغيرها.
الثالث: قولهم: " قلنا لمن": يتلوح منه أن العالم لا يلزمه استقصاء المبالغة في البيان لما يلقيه من الأحكام، وغيرها، لكن إذا سمعها المتعلم، فإن فهم استغنى عن المراجعة، وإلا سأل، فكان ذلك أوقع في نفسه، مما إذا هجم عليه البيان من أول وهلة.
الرابع: قوله ﵇: " لله". قال الخطابي وغيره: النصيحة لله: منها ما هو منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته،
стр. 13
ووصفه بصفات الكمال، والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه عن جميع أنواع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه، والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمه، وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة، والحث عليها، والتلطف بالناس، ومن أمكن منهم علما.
قال: وحقيقة هذه الأوصاف راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، والله تعالى غني عن نصح الناصحين.
الخامس: قوله ﵇: " ولكتابه" قال العلماء ﵏ تعال: أما النصيحة له؛ فالإيمان بأنه كتاب الله تعالى، وتنزيله لا يشبه شيئا من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق ثم تعظيمه، وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها، والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأول المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتناء بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه، ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه إلى ما ذكرنا من نصيحته.
السادس: قوله ﵇ " ولرسوله " ﷺ : أما النصيحة له
стр. 14
فبتصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره، ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاده، وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته، ونشر سنته، ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعليمها، (وإعظام حقها) وإجلالها والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته، وأصحابهن ومجانبة من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك.
السابع: قوله ﵊: " ولأئمة المسلمين ". فالنصيحة لهم بمعاونتهم على الحق، وطاعتهم وأمرهم به ونهيهم وتذكيرهم (برفق ولطف)، وإعلامهم بما غفلوا عنه [ولم] يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي: ومنها الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم.
قلت: لكن في مذهب الشافعي ومالك – رضي الله تعالى عنهما – تفصيلا في ذلك، (وهو أنه) إنما يجب دفع الزكوات إليهم إذا كانوا ذوي عدل، وإلا صرفها
стр. 15
أربابها لمستحقيها إذا أمكنهم ذلك من غير أذى يلحقهم.
قال أصحابنا: ودفعها إلى السلطان إذا كان عادلاً أفضل فإن كان جائرا فيفرقها بنفسه، أو بوكيله أفضل سواء المال الباطن والظاهر، وفي شرح " المهذب": الأصح دفع زكاة المال الظاهر للإمام، وإن كان جائرا، ومحله ما إذا لم يطلبها السلطان وإلا فيجب الدفع إليه قطعا. ثم قال الخطابي: ومنها ترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم وأن يدعي لهم بالصلاح قال، وعلى هذا كله المشهور أن المراد بهم أئمة المسلمين الخلفاء، وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات قال: وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين، وإن من نصيحتهم قبول ما رووه وتقليدهم في الأحكام، وإحسان الظن بهم.
الثامن: قوله ﵇: " وعامتهم ": أي عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة
стр. 16
الأمور فمن نصحيتهم إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، (وإعانتهم على ذلك) بالقول، والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم [وتخولهم] بالموعظة الحسنة، وترك غيبتهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، من الخير ويكره لهم، ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم، وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم، بالفعل، والقول، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه، و [تنسيط] هممهم إلى الطاعات. ولقد كان في السلف الصالح – ﵁ – من تبلغ به النصيحة للمسلمين إلى الإضرار في نفسه ودنياه.
واعلم أن مما يتأكد به العناية لكل مسلم أن يعلم أنه يجب على الإنسان النصيحة والوعظ والأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر لكل صغير وكبير إذا لم يغلب على ظنه ترتب مفسدة على وعظه لقوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، الآية.
وأما الأحاديث بنحو ذلك فكثيرة جدًا. وأما ما يفعله كثير من أهل زماننا من إهمال ذلك في حق كبار المراتب، وتوهمهم أن ذلك من الحياء فخطأ صريح،
стр. 17
وجهل قبيح، فليس هو بحياء بل خور ومهانة وضعف في الدين، وعجز قاله النووي وغيره. انتهى.
قلت: والدليل على ما ذكرته ما في صحيح البخاري عن جابر – ﵁، قال: " بايعت رسول الله – ﷺ – على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم".
(وفي رواية عنه فيه قلت: " أبايعك على الإسلام، فشرط علي: والنصح لكل مسلم)، فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لناصح لكم.
فهذا الحديث بعمومه متناول لكل صغير، وكبير من المسلمين، فلذلك جمعت، هذا التصنيف المبارك إن شاء الله تعالى وأنا أسأل الله من فضله أن يوفقني للإخلاص في القول، والعمل، وأن يجعلني من أهل النصيحة لعباده إخواني من
стр. 18
المسلمين، وما جمعته فيه خالصا لوجهه الكريم، وينفعني به، ومطالعيه، وسامعيه، وسائر المسلمين!
قال ابن بطال – ﵀: وهذا الحديث يدل على أن النصيحة تسمى دينا وإسلاما، وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول ثم النصيحة فرض كفاية يجزي فيه من قام به من المسلمين ويسقط عن الباقين، وهي لازمة على قدر الحاجة إذا علم النصح أنه يقبل نصحه، ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة والله أعلم.
قال العلماء: وينبغي للسلطان وكل ولي أمر " أن يعلم أن صلاح العباد، والبلاد بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهما من جملة النصيحة لله، ولعباده فإن صلاح المعاش، والمعاد في طاعة الله تعالى، ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بهما، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. وقال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر﴾.
وقال تعالى حاكيا عن بني إسرائيل: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس
стр. 19
ما كانوا يفعلون﴾.
وقال تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون﴾. فأخبر تعالى أن العذاب لما نزل نجي الذين ينهون عن السيئات، وأخذ الظالمين بالعذاب الشديد.
وفي الحديث الثابت أن أبا بكر الصديق – ﵁ – خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ فقال:
" أيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية، وتضعونها على غير موضعها ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ وإني سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: إن الناس إذا راوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه".
وفي حديث آخر " إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت، فلم تنكر ضرت العامة، والخاصة". نسأل الله السلامة والعفو والتوفيق لما يحب ويرضى.
стр. 20
الباب الأول
في السلطان وأهل دولته على اختلاف مراتبهم ووظائفهم
أقول: قد أكثر الفقهاء في باب الإمامة من الكلام في أحكامه، وأفرد كثير من العلماء الأحكام السلطانية بالتصنيف، وكذا آداب الملوك وسياسيتها أكثر من أن تحصر، ولكن أشير إلى مهمات (وأصول من ذلك). ونفائس لا يستغني عن معرفتها، باختصار إن شاء الله تعالى.
فأقول: قال الإمام العلامة أبو الحسن الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية: اعلم أن الإمامة العظمى موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وإن عقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع.
وقال والذي يلزم سلطان الأمة من أمورها سبعة أشياء:
أحدها: حفظ الدين من تبديل فيه، والحث على العمل به من غير إهمال له.
стр. 21
الثانية: حراسة البيضة، والذب عن الأمة من عدو في دين، أو باغي نفس أو مال.
الثالثة: عامرة البلدان باعتماد مصالحها، وتهذيب [سبلها] ومسالكها.
الرابعة: تقدير ما يتولاه من الأموال بسبب الدين من غير تحريف في أخذها وإعطائها.
الخامسة: معاناة المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها، واعتماد النصفة في فصلها.
والسادسة: إقامة الحود على مستحقيها من غير تجاوز فيها، ولا تقصير عنها.
والسابعة: اختيار خلفائه في الأمور أن يكونوا من أهل الكفاءة فيها، والأمانة عليها، فإذا فعل بالأمة ما ذكرناه من هذه الأشياء السبعة كان مؤديا لحق الله فيهم مستوجبا لطاعته، وسأذكر تفصيلها بأبسط من ذلك إن شاء الله تعالى في أمثلة:
الأول: " السلطان نفسه ينبغي أن (يعرف أن) ولاية أمور الناس - وأعني بها
стр. 22
الإمامة العظمى – من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس يجمعهم ويرجعون إليه عند اختلافهم وحاجاتهم، ولهذا قال النبي ﷺ : " إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم"، وقال ﷺ : " لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم"، ففي تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيه على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى، أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".
стр. 23
وقد روي " إذا مررتم ببلدة ليس فيها سلطان، فلا تدخلوها فإنما السلطان ظل الله في الأرض ورمحه"، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح للناس من ليلة واحدة بلا سلطان. وروى أنه ﵇ قال: " عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة".
قال العلماء: خلق الله تعالى الدنيا زادا للمعاد في الأخرى، ليتناول الناس منها ما يؤديهم إلى الدار الآخرة فلو تناولوها بالعدل انقطعت الخصومات ولكنهم
стр. 24
تناولوها بالجور، ومتابعة الشهوات، ومحبة الاستئثار؛ فتولدت بينهم الخصومات، فاحتاجوا إلى سلطان يسوسهم، ويضبط أمورهم، ولولا ردع السلطان، لغلب قويهم ضعيفهم، ولم يكن دافع عن قتل، ولا وازع عن غصب، وقالوا: عمارة الدنيا بأربع: الدين، والملك، والناس، والمال. ومثلوا ذلك بالفسطاط وهو الدين وعمودها، وهو السلطان، وأطنابها، وهم الناس، وأوتادها وهي المال.
" ولا يتم إقامة سائر ما ما أوجبه الله على عباده من الجهاد، والصلوات، والزكوات، وإقامة الحج، والجمع، [والأعياد]، والجماعات، والعدل، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، والتعزيرات إلا بالقوة، والسلطان".
وقد كان جماعة من السلف الصالح كفضيل بن عياض، والإمام أحمد بن
стр. 25
حنبل وغيرهما يقولون: لو كانت لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان.
وقد أوجب الله سبحانه (على العلماء بذل النصيحة) لأئمة المسلمين كما أوجب طاعتهم على سائر الرعايا.
قال ﷺ : " إن الله يرضي لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم"، فمما يجب على السلطان وولاة الأمور أداء الأمانة إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، لقوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" .. الآية، وفي أداء الأمانة نوعان:
الأول الولايات، " فيجب على السلطان أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل مما فيه صلاح المسلمين، ونفع لهم لقوله صلى
стр. 26
الله عليه وسلم: " من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولي رجلا وهو يجد من هو أصلح منه للمسلمين، فقد خان الله ورسوله".
" فعليه أن يبحث عن المستحقين للولايات من نوابه في سائر الأمصار التي في عمله من القضاة، والأمراء، والأجناد، ومقدمي العساكر، والوزراء، والكتاب، والشادين والسعادة على الخراج والصدقات، وأئمة الصلاة والمؤذنين، والخطباء، والمقرئين، وأمراء الحاج، وخزان الأموال، وحراس الحصون والبوابين وغيرهم.
وعلى كل من ولي شيئا من أعمال المسلمين من هؤلاء، وغيرهم أن يستعمل فيما
стр. 27
تحت يديه في كل موضع أصلح من يقدر عليه"؛ فتولية الأتقياء الأبرار خير (للأمة) من تولية الظلمة الفجار، وأسلم في الآخرة من عذاب النار.
قال الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾، فاتباع الهوى مفسد للدين والدنيا.
" وينبغي للسلطان أن لا يقدم في الولاية من هذه الأمور من سبق في الطلب لها، بل ينبغي أن يكون سؤاله للولاية، وسبقه لطلبها سببًا لمنعه، (وحرمانه منها) فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لقوم دخلوا عليه وسألوه الولاية: " إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه". وقال لعبد الرحمن بن سمرة: " يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيت عن غير مسألة أعنت عليها".
وقال ﷺ : " من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه، ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده".
стр. 28
وينبغي أن لا يعول في طلب ولاية أو شكوى غريم على من سبق كما يفعل كثير من الترك ذلك فيمن سبق بالشكوى إليهم، وإن كان ظالما فيقولون هو مظلوم ويجزمون بأن خصمه ظالم عليه لسبقه له فطالما اشتكى الرجل، وتظلم وهو ظالم. بل ينبغي لمن له الأمر أن يتأني، ويتبصر، ويفحص حتى يظهر له الأحق والمظلوم؛ ليوليه أو يزيل ظلامته، وأفحش من ذلك من يقدم في الولاية من بذل له مالاً سحتا حرامًا في تولية وظيفة، أو منصب ولاية على المسلمين، فإن من يوليه، أو يساعد في ولايته آثم مأزور من وجهين:
أحدهما: عدوله عن الأحق الأصلح لتلك الولاية إلى هذا الجاهل الظالم.
ثانيهما: قبوله منه هذا السحت الحرام، فإنه يأخذ أضعافه من ضعفة المسلمين، ومساكينهم، فيكون ذلك في صحيفة من ولاه، لأنه السبب، وخصوصا إن كان يعلم منه ذلك، فالبلاء أشد وأعظم.
وإذا قال السلطان لعماله، هاتوا فقد قال لهم: خذوا نسأل الله السلامة، " فإن عدل السلطان عن الأحق إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو صهارة، أو صداقة، أو موافقة في بلد، أو مذهب أو طريقة أو جنس كالعربية، والفارسية، والتركية،
стр. 29
والرومية. أو لرشوة يأخذها منه من مال، أو مفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لبغض منه للأحق أو عداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾. " فإن تعذر الأصلح لتلك الولاية، فيجتهد في اختيار الأحق الأمثل، فالأمثل في كل منصب بحسبه، فإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب، وصار من أئمة العدل - إن شاء الله تعالى -.
وإن اختل بعض الأمور بسبب من غيره، فلا حرج عليه (إذا لم يمكنه) إلا ذلك.
قال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وقال ﵇: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
ثم إنه إذا خالف هواه، وشهوة نفسه، وأدى الأمانة وولي المناصب أهلها أثابه الله تعالى، وحفظه في نفسه، وماله، وولده من بعده، ونصره على أعدائه، وسدده. وإن هو أطاع هواه وحظ نفسه عاقبه الله تعالى وأذهب ملكه،
стр. 30
ونصر عليه أعداءه، وأذل أهله وولده من بعده، " فقد حكي أهل التاريخ: أن السيد عمر بن عبد العزيز دخل عليه بنوه في مرض موته، وكانوا بضعة عشر ذكرا ليس فيهم بالغ وكان قد قيل له: يا أمير المؤمنين أفغرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم، فقال: ادخلوهم علي، فلما رآهم، ذرفت عيناه بالدموع ثم قال: يا بني، والله ما منعتكم حقا هو لكم، ولم أكن آخذ أموال المسلمين فأدفعها إليكم، فإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولي الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني فانصرفوا ولم يعطهم شيئا.
قال الراوي: فلقد رأيت بعضهم حمل على مائة فرس في سبيل الله تعالى يعني: دفعها لمن يغزو عليها. وكان ما حصل لكل واحد من أولاده من
стр. 31
تركه أبيهم ﵁. يقال: أنه أقل من عشرين درهما، هذا وقد كان عمر خليفة المسلمين، من أقصي المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بالأندلس وجزيرة قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس وغيرها إلى أقصى اليمن. قال:
ولقد حضرت موت بعض الخلفاء بعده وقد اقتسم بنوه تركته، فحصل لكل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ثم رأيت بعضهم يتكفف الناس بعد ذلك – أي يسألهم بكفه" فليتأمل العاقل هذه الحكاية، فإن فيها عظة وعبرة لمن يعتبر، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.
وقد دل الكتاب العزيز والسنة الشريفة على أن الولاية أمانة يجب أداؤها لأهلها، قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾.
стр. 32
" فهذان الأمران جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة". " فقد ذكر العلماء أنها نزلت في ولاة الأمور، أن عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل"، وأن سبب نزولها أن النبي – ﷺ – " لما فتح مكة، وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة، طلبها منه عمه العباس، ليجمع بين سقاية الحاج، وسدانة البيت أي (خدمته) وهم النبي ﷺ – بدفعها له؛ فنزلت فأمر – عليا – ﵁ – بدفع المفاتيح إلى أصحابها بني شيبة". وقال ﷺ – لأبي ذر في الإمارة: إنها أمانة وإنها
стр. 33
يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وقد أخبر النبي ﷺ بأن إضاعة الأمانة من علامات قرب الساعة، وأن من إضاعتها: ولاية المناصب لغير أهلها.
ففي البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة، قيل يا رسول الله: وما إضاعتها؟ قال": إذا وسد الأمر إلى غير أهلها فانتظر الساعة"، فعلى كل من له ولاية على شيء، ولو وصي يتيم، وناظر وقف أن يتصرف له بالأحظ الأصلح، لأن الولي راع، وكل راعٍ مسئول عن رعيته.
كما قال النبي ﷺ : " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه، وهو مسئول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده، وهو مسئول عن رعيته"، وقال – ﷺ : " من يسترعيه الله رعية، يموت بوم بموت، وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة".
وفي رواية: " من ولي أمرًا من أمور أمتى فلم ينصح لهم، ولم يجتهد؛ فالجنة
стр. 34
عليه حرام".
ولما دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان قال له: السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل السلام عليك أيها الأمير، فأعادها ثلاثا، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول: فقال أبو مسلم: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، (فإن أنت) هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وفاك سيدها أجرك، وإن أنت لم تفعل ذلك، عاقبك سيدها ولم يوف أجرك.
واعلم أن الله – جل ثناؤه – وتقدست أسماؤه – افترض على كافة الخلق الطاعة،
стр. 35
والإذعان لأئمة الحق كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾.
افتتحها سبحانه بإيجاب طاعته على الخلق، وثني بطاعة رسوله ﷺ ، وثلث بطاعة أولى الأمر، وأراد بهم الأئمة الراشدين الذين إليهم أمور هذه الأمة، وأحكامها ولهم التصرف فيها بنشرها وطيها وإثباتها، وإحكامها، هكذا قال أنس بن مالك حين سئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿وأولي الأمر منكم﴾، فقال: هم الأئمة الراشدون فمنهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ومن يلي أمور هذه الأمة إلى قيام الساعة. هكذا سمعت نبيكم ﷺ .
قال العلماء فيها: إنها نزلت في الرعية من الأمراء، والجيوش، وغيرهم،
стр. 36
فعليهم أن يطيعوا أولياء الأمر الفاعلين لما ذكرنا في قسمهم، وحكمهم، ومغازيهم، وغيرها إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء من ذلك ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإن لم تفعل ولاة الأمور ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله تعالى ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله، وأعينوا على البر والتقوى، ولا يعاونون على الإثم، والعدوان.
وعلى الرعية أيضا ألا يطلبوا من ولاة الأمور ما لا يستحقونه، وليس لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه إليه من الحقوق عليهم التي قدمنا ذكرها، وإن كان ظالما كما أمر به النبي ﷺ – لما ذكر له جور الولاة، فقال: " أدوا إليهم الذي لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا كانت بنو إسرائيل تسوسهم [الأنبياء]، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا [نبي] بعدي، وستكون خلفاء فتكثر قالوا بما تأمرنا قال: فواببيعة الأول فالأول، ثم اعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما
стр. 37
استرعاهم".
وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرا فعليه الوزر، وعليك الصبر.
وينبغي على السلطان أن يتبصر في الولايات على المسلمين في جميع جهاته، وأن يستعمل الرجل للمصلحة الراجحة للناس، لأنهم كانوا في زمن الصحابة ﵃ – يستعملون الرجل ومعه من هو أفضل منه في العلم والإيمان طلبا للمصلحة.
فيتعرف الأصلح في كل منصب بحسبه، فإن " الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة.
قال تعالى: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾. وقال صاحب مصر ليوسف ﵇: ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾.
стр. 38
وقال تعالى في صفة جبريل ﵇: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوي عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين﴾.
أما ": القوة ففي كل ولاية بحسبها، فالقوى في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وهي الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، والقدرة على أنواع القتال: من رمي، وضرب، وركوب، وكر، وفر ونحو ذلك". " والقوة في الحكم بين الناس، ترجع إلى العلم والعدل الذي دل عليها الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام، ولا يكون إلا بالعلم.
وأما الأمانة فترجع إلى خشية الله تعالى، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، وترك خشية الناس وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله تعالى على كل من حكم على الناس في قوله: ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. " ولكن ينبغي للسلطان، ولكل ذي ولاية إذا كان خلقه يميل إلى اللين أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وبالعكس، ليعتدل الأمر، وتتم السياسة، فقد كان أبو بكر ﵁ يؤثر استنابة خالد بن الوليد لشدته، وكان عمر ﵁ يؤثر عزل خالد، واستنابة [أبي] عبيدة
стр. 39
ابن الجراح للينه، فكان ذلك الأصلح لكل منهما ليكون أمره معتدلا، ويكون به من خلفاء رسول الله ﷺ –".
قال ابن تيمية من أئمة الحنابلة في كتابه السياسة الشرعية: " فإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، (لحفظ الأموال) قدم الأمين، وأما استخراجها وحفظها، فلابد فيه معها من قوة فيولي عليها شاد قوي يستخرج بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته، وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع بين عدد" " ويقدم في ولاية القضاء الأورع الأعلم، الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع قدم – فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوى – الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم ففي الحديث مرفوعًا: " إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول
стр. 40
الشهوات" ويقدمات على الأكفأ، إن كان القاضي مؤيدًا بتأييد تام، من جهة وإلى الحرب، أو العامة.
ويقدم الأكفأ، إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة" " والكفاءة إما بقهر ورهبة، وإما بإحسان ورغبة.
وفي الحقيقة لابد منها" " فأي صفة من هذه الصفات [نقصت] ظهر الخلل"، " وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولي القضاء إلا فاسق عالم، أو جاهل دين، فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر لخفاء الحكومات، قدم العالم. وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين، فإن الأئمة متفقون، على أنه لابد في المتولي للقضاء من أن يكون عدلا أهلا للشهادة، واختلفوا في اشتراط العلم: هل (يجب أن) يكون مجهتدا، أو يجوز أن يكون مقلدًا أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ ثلاثة أقوال.
ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجودين، يجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس، ما لابد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها، كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان
следующие страницы →