Полный текст (371 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
وقفنا عند قول المصنف رحمه الله تعالى: (ولما فرغ مما يتوقف عليه القياس من القضايا، وما يعرِض لها من تناقضٍ وغيره، أَخذَ في بيان القياس وهو المقصود) يعني: للمنطقي، وهو المقصود الأهم.
(وغيرِه) لا يُعنى به إلا القياس المستوي، وهو عامٌ مرادٌ به خاص.
(أخذ في بيان القياس وهو المقصود) أي: للمنطقي.
(الأهم) يعني: مقدَّمٌ على غيره.
(لأنَّ المقصود بالذات من العلوم المدونة الأحكامُ) هذا المقصود، التصورات هذه وسيلة وليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود هو التصديقات، التصديقات إنما هي الأحكام وهي التي تؤخذ من هذا الباب.
(لأنَّ المقصود بالذات من العلوم المدونة الأحكامُ التي إدراكُها يسمى تصديقاً، والمعاني التي إدراكُها يسمى تصوراً لا تُطلب في العلوم المدونة لذاتها، بل لكونها وسائط ووسائل للتصديقات، والإدراكات التصديقية أشرفُ منها) ولا شك هي العلوم.
(وأعلى) يعني: منها.
(وغرضُ المنطقي: بيان الطريق الموصل إلى المجهول التصوري، والطريق الموصل إلى المجهول التصديقي.
والقياس: هو الموصل إلى التصديق. فهو أشرف الطريقين وإنما لم يُقدَّم في الوضع لتقدُّم التصور عليه في الطبع؛ إذ الحكم على المجهول أو به محال).
حينئذٍ إذا قيل بأنه أشرف وأنه أعلى، لماذا لم يقدمه على التصور؟
نقول: لا يمكن، التصور جزءٌ، كل تصديقٍ يتضمن تصورات ومن غير عكس.
إذاً: لا بد أن يكون مقدَّماً عليه بالطبع، فيقدَّم عليه بالوضع؛ إذْ الحكمُ على المجهول غير المتصوَّر هذا محال.
كذلك الحكم بالمجهول أو على المجهول، به وعليه. نقول: هذا يُعتبر محالاً.
قال: (لأنه العمدة في تحصيل المطالب التصديقية لأنه القياس).
(العمدة) أي: المعوَّل عليه المُعتدُّ به دون الاستقراء والتمثيل، فقال رحمه الله تعالى: (الْقِياسُ) أي: هذا باب القياس. هذه ترجمة لهذا الباب وهو خاتمة هذه الأبواب؛ لأن المباحث خمسة كما مر، خاتمتُها الخامس هو القياس.
قال: (وهو لغة: تقدير شيءٍ على مثالِ آخر. بإضافة مثال إلى آخر) ليس على مثالٍ آخر، على مثالِ آخر بالإضافة: مضاف ومضاف إليه.
(بإضافة مثالِ إلى آخر: على مثالِ شيءٍ آخرَ، كتقدير الثوب على الآلة المسماة بالذراع، فإن الآلة المذكورة مثالٌ لما في الذهن المقدَّر.
فالذراع حقيقةً هو الذي في الذهن، والآلة المحسوسة مثال) كالميزان الذي يُقدَّر به الأشياء.
ولذلك سُمي كذلك القياس بالميزان.
قال المحشي هنا: (على مثالِ آخر أي: يعرِضه على مثال شيءٍ آخر، فمثال مضاف لآخر كتقدير الثوب بعرْضه على الآلة المسماة ذراعاً التي هي مثالٌ للذراع الحقيقي المستحضَر في الذهن).
(واصطلاحاً) أي: هنا عند المناطقة، ليس مطلقاً فيشمل القياس عند الأصوليين.
стр. 317
قال: (هُوَ قَوْلٌ مَلْفُوظٌ أَوْ مَعْقُولٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ مَتَى سُلِّمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ) هذا تعريف القياس هنا.
(قَوْلٌ)، (مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ مَتَى سُلِّمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ).
(قَوْلٌ) مر معنا المراد بالقول، وهذا جنس شمل القياس والقضية الواحدة مطلقاً.
وبعضهم خصَّه بالمركب التام، فإذا قيل أنه جنس كما قال المحشي هنا: شمل القياس والقضية الواحدة مطلقاً. حينئذٍ يكون تاماً.
ومر معنا أن القول قد يُفسَّر بالأقوال التامة والناقصة، وهما اصطلاحان والله أعلم أنه قد يُفسَّر في موضع بمعنى وفي موضع آخر بمعنى آخر، لكن المراد هنا التامة؛ لأنه سيأتي يقول: (قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ) المراد بالأقوال هنا قضايا .. مقدمتين، وكل مقدمة هي قولٌ تام .. مركَّب تام.
إذاً: لا يتأتى هنا المركّب الناقص، ولذلك عيَّنه (أي: مركَّبٌ تامٌ جنسٌ شمِل القياس والقضية) يعني: القضية الواحدة.
قال: (قَوْلٌ مَلْفُوظٌ أَوْ مَعْقُولٌ) وحينئذٍ فسَّر القول بالملفوظ أو المعقول كما هو الشأن في القول الشارح، وكما هو الشأن في تعريف القضية: قولٌ يصح أن يقال لقائله صادقٌ فيه أو كاذب.
فالتعميم هنا لأن الأصل في حملِ هذه المصطلحات على المعقولات، ولكن لما كان اللفظ وسيلة في تأديتها حينئذٍ لا بد من مراعاة اللفظ، هل اللفظ مشترَك، أو أنه حقيقةٌ وفي بعضها مجازٌ، أو أنه متواطئ كما مر معنا؟ هذا محل خلاف، ولكن لا بد من التعميم خاصة في هذه المواضع (قَوْلٌ مَلْفُوظٌ أَوْ مَعْقُولٌ) وأو هنا للتنويع.
(قال بعضهم: القياس، والقضية، والقول) هذه ثلاثة ألفاظ، كذا قال العطار.
(القياس، والقضية، والقول. إما مشترَك لفظي أو حقيقةٌ ومجاز، إما في اللفظ أو في المعنى) كما قيل: حقيقةٌ في اللفظ مجازٌ في المعقول، المعنى المراد به المعقول، وقيل: بالعكس، وقيل: مشترَكٌ بينهما. هذه ثلاثة أقوال.
أما الاحتمال الرابع فلا مساغ له.
(وفي حاشية السيالكوتي على الخيالي: الحق أن إطلاق الدليل على الملفوظ مجازٌ، باعتبار دلالته على ما هو الدليل في الحقيقة أعني المعقول).
إطلاق الدليل، قد يُطلِق بعضهم الدليل يريد به القياس .. إطلاق القياس أو الدليل على المعقول حقيقة، وإطلاقُه على الملفوظ مجازٌ؛ لأن القاعدة في هذا الفن أنه يُبحث في المعقولات لا في الملفوظات.
قال: (الحق أن إطلاق الدليل على الملفوظ مجازٌ، باعتبار دلالته على ما هو الدليل في الحقيقة أعني المعقول.
وقال قبل ذلك: الأظهرُ أن يقال هذا في المؤلَّف أي: الشمولي للملفوظ والمعقول.
وأما القول فيختص بالمعقول) هذا على قول.
قال العطار: فعلى ما حققه السيالكوتي يظهر لك أنه لا وجه لتقديم الملفوظ على المعقول) كما صنع المصنف هنا قال: (مَلْفُوظٌ أَوْ مَعْقُولٌ).
(وقد يقال: التقديم لملاحظة أن الملفوظ دالٌ، فهو من هذه الحيثية سابق في الاعتبار).
إذاً: (قَوْلٌ مَلْفُوظٌ أَوْ مَعْقُولٌ) هذا تعميم؛ ليشمل القول اللفظ، ويشمل القول كذلك المعقول، وإن كان الأصل حقيقةً حملُ اللفظ على المعقول.
стр. 318
ثم هل هو مشترَك أو مجازٌ في الملفوظ أو متواطئ؟ هذا محل نزاع، والأمر فيه واسع.
قال: (مُؤَلَّفٌ) قيل: مستدرَك هذا (مُؤَلَّفٌ) لأنَّ: (قَوْلٌ) و (مُؤَلَّفٌ) بمعنًى واحد.
(قيل: مستدرَكٌ لأن المؤلَّف مرادفٌ للقول في اصطلاحهم، وإنما ذُكر في التعريف توطئة ليتعلق به قولُه: مِنْ أَقْوَالٍ).
حينئذٍ (مُؤَلَّفٌ) هذا هو بمعنى القول، ما الفرق بينهما؟ لا فرق بينهما، فالمؤلَّف هو المركَّب التام معقولاً أو ملفوظاً، وكذلك القول هو المركَّب التام معقولاً أو ملفوظاً.
إذاً: لماذا ذكر هذه اللفظة وهي مرادفة للقول؟ نقول: توطئة، بمعنى أنه يجعلُه متعلَّقاً لقوله: (مِنْ أَقْوَالٍ) تمهيد.
(مُؤَلَّفٌ إنما ذُكر ليتعلق به قوله: مِنْ أَقْوَالٍ، وإلا فقوله: قَوْلٌ مغنٍ عنه).
(مِنْ أَقْوَالٍ) (منْ هذه تبعيضية فلا يَحتاج لتأويل الأقوال بما فوق الواحد يعني: باثنين، وقد قيل: كل جمعٍ يُذكر في التعريف مرادٌ به ما فوق الواحد).
إذا قيل: (مِنْ أَقْوَالٍ) المراد به القولان فأكثر، والمراد بالقول هنا القضية والمقدِّمة .. مقدمتين فأكثر.
فحينئذٍ (مِنْ أَقْوَالٍ) ظاهرُه أنَّ أقل الجمع ثلاثة، حينئذٍ لا يتألف القياس إلا من ثلاث مقدِّمات، هل هذا مراد؟ الجواب: لا.
فحينئذٍ نقول: مِنْ تبعيضية أو نقول: في استخدام هذا الفن كثيراً ما يُطلق الجمع ويُراد به الإثنان، وحينئذٍ (مِنْ أَقْوَالٍ) يُفسَّر بالقولين.
(وقد قيل: كل جمعٍ يُذكر في التعريف مرادٌ به ما فوق الواحد.
والمراد بأقوال هنا القضايا صادقةً كانت أو كاذبة) يعني: لا يُشترط فيها الصدق، ولذلك أطلقها.
قال: (قولين فأكثر) فأكثر هذا أراد به أن الجمع هنا ما فوق الواحد.
(إشارة إلى أنه أراد بالجمع ما زاد على واحد، ضرورةَ صحةِ تأليف القياس من مقدمتين.
(مَتَى سُلِّمَتْ) يعني: هذه الأقوال.
(مَتَى سُلِّمَتْ) هذه الأقوال (لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ).
(مَتَى سُلِّمَتْ) يدخل فيه القياس الصادق والمقدِّمات.
(كقولنا: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم) كل إنسان جسم.
(والكاذب المقدِّمات كقول القائل: كل إنسانٍ فرس) هذه كاذبة (وكل فرسٍ صهَّال) هذه صادقة.
(لأن القياس من حيث هو قياس إنما يجب أن يؤخذ بحيث يشمل البرهاني والجدلي والخَطابي والسفسطائي، والشعري) فيعُم جميع الأدلة الآتية.
فيدخل فيه الشعر، ويدخل فيه الجدل وهو نوعٌ من أنواع الأدلة عندهم، وكذلك يدخل فيه البرهان، والخَطابة .. ونحوها، فلا بد من التعميم.
وبعضها مشتملٌ على قضايا كاذبة قطعاً كالسفسطة فيها قضايا كاذبة، يقول: هذا فرسٌ. ثم يبني عليه، نقول: القضية هذه الصغرى كاذبة.
إذاً: قوله: (مَتَى سُلِّمَتْ) فيه إشارة إلى أن القضايا هذه لا يُشترط فيها أن تكون صادقة. يعني: المقدمتان فأكثر قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة، فشمل حينئذٍ كل قياس. فيُنظر إليه من هذه الحيثية.
(مَتَى سُلِّمَتْ) أي: الأقوال (لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا).
قال هنا: (لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا أي: لزوماً ذهنياً.
стр. 319
بمعنى: أنه متى حصلت الأقوال في الذهن انتقل إلى القول الآخر) الذي هو النتيجة، تتصور القياس .. معلوم، العالم متغيِّر وكل متغير حادث العالم حادث، استحضِر هذا في ذهنك تفهم التعريف.
إذاً قوله: (مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ) من قولين فأكثر: العالم متغير وكل متغير حادث، العالم حادث إذاً: هذه نتيجة.
متى سُلِّم النظر في تلك المقدمتين -يعني: كلٌ منهما صادقة على فرض صدقها وقد تكون كاذبةً كما مر- حينئذٍ يلزم من هاتين المقدمتين قولٌ آخر، هذا القول الآخر يسمى نتيجة؛ إذ كل قياس لا بد له من نتائج.
حينئذٍ إذا نُظر في المقدمتين قد يُتوصَّل بالانتقال الآتي ذكرُه -وخاصة في باب الأشكال- يُتوصل بالنظر والتأمل والتفكر في هاتين المقدمتين لذات المقدمتين، دون واسطة خارجة عن المقدمتين.
ولذلك قال: (لِذَاتِهَا) أي: لذات المقدمتين؛ لأنه قد يأتي قياس المساوي .. أنه قد يستلزم النتيجة لكن بالنظر لمقدمة خارجة عن المقدمتين.
هذا نقول: نعم سُلِّمت القضايا ولزم منها قولٌ آخر وهو النتيجة، لكن لا لذات المقدمتين، حينئذٍ لا يكون داخلاً معنا.
ولذلك قال: (لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا) (أي: لزوماً ذهنياً. بمعنى أنه متى حصلَت الأقوال في الذهن) مع الارتباط كما سيأتي ليس هكذا، إنما لا بد من الموضوع يكون محمولاً، وفي الصغرى موضوعاً في الكبرى، الحد الأوسط يكون داخلاً، التكرار .. سيأتي بحثه.
(في الذهن انتقل إلى القول الآخر).
قال العطار هنا: (قوله: لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا. لا يخفى أن الاستلزام ظاهرٌ في القياس العقلي) هذا واضح.
كون الشيء يستلزم الشيء هذا في العقلي واضح، لكن لو كتبت هكذا في اللفظ: العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث. هل هذا اللفظ يستلزم النتيجة؟ اللفظ لا يستلزم شيئاً، إنما الذي يستلزم الذي يكون في الذهن، هذا واضح بيِّن.
إذاً: يختص حينئذٍ الاستلزام بالمعقول، ونحن قد أدخلنا الملفوظ فكيف يستلزم؟ بل يكاد يكون بحثُنا هنا في الملفوظات، والملفوظات دوال المعقول.
حينئذٍ كيف نقول بأن الاستلزام قد وقع واللفظ لا يستلزم شيئاً؟ وإذا كان كذلك فانحصر الاستلزام في الذهن.
قال العطار: (لا يخفى أن الاستلزام ظاهرٌ في القياس العقلي).
العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادِث، هذا قياسٌ عقلي لفظي. كيف قياس عقلي لفظي؟
لفظي لأنك تنطق به وتكتبه، وقياس عقلي لأن مدلوله في الذهن .. رتَّبته في الذهن: العالم متغيِّر، أدركتَ الموضوع والمحمول، وكل متغير حادث أدركت الموضوع والمحمول، أدركت الترابط بينهما .. هذا كله في العقل.
حينئذٍ هذا قياسٌ عقلي؛ لأنه جاء بالنظر العقلي، وأما إذا تلفَّظت به صار قياساً لفظياً، والذي استلزم هو الذي في العقلي.
قال هنا: (لا يخفى أن الاستلزام ظاهرٌ في القياس العقلي، وأما اللفظي ففيه إشكال؛ لأن التلفظ بالدليل لا يستلزم المدلول.
وأفاد السيالكوتي أنَّ تلفظ الدليل يستلزم التعقُّل بالنسبة إلى العالِم بالوضع.
بمعنى: أن التلفظ آلةٌ لملاحظة ذلك المتعقَّل بالنسبة إلى العالِم) وهو ما يمر معنا دائماً: دال المعقول.
стр. 320
حينئذٍ التلفظ يستلزم التعقل، التعقل الذي هو التصور، فإذا حصل التصور حينئذٍ صار هذا اللفظ دليلاً على المعقول، فحينئذٍ المعقول إما ابتداءً وإما بواسطة اللفظ.
(وليس المقصود من التلفظ إلا إحضارُ ذلك المتعقَّل في الذهن، فالملحوظ المستلزَم هاهنا هو المعاني، إلا أنه في قالَب الألفاظ فيصدق عليه أنه مؤلَّفٌ يستلزم لذاته قولاً آخر، بمعنى أنه كلما تلفظ به العالِم بالوضع لزِمه العلم بالمطلوب الخبري .. ) إلى آخر كلامه.
إذاً: النظر في دلالة المقدمتين استلزاماً للنتيجة باعتبار اللفظ لا لذات اللفظ، بل بكونه متعقَّلاً في الذهن، حينئذٍ رجَع إلى المعقول، واللفظ والتلفظ يكون دالاً فقط، وإلا القياس في الأصل هو القياس العقلي.
قال هنا: (مَتَى سُلِّمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ).
(لَزِمَ) (مراده اللزوم الذهني بمعنى: أن المقدمتين متى حصلتا في الذهن انتقل الذهن إلى النتيجة، سواءٌ كان اللزوم بيِّناً) ما هو اللزوم البيّن؟ الذي لا يحتاج إلى دليل.
(كما في الشكل الأول أو غير بيِّن) وهو الذي يحتاج إلى دليل (كما في بقية الأشكال.
ثم إن أُريد باللزوم عدم الانفكاك عقلاً كان التعريف جارياً على مذهب الحكماء والمعتزلة، وإن أُريد عدم الانفكاك في الجملة سواءٌ كان عقلياً أو عادياً صح على رأي الأشاعرة).
يعني: هل الدليل هنا يستلزم المدلول عقلاً أو ضرورة أو عادة؟ عادة، قد يتخلَّف.
قال هنا: (مَتَى سُلِّمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ).
قال: (قَوْلٌ آخَرُ. فصلٌ مخرجٌ مجموع قولين -يعني: قضيتين- كجاء زيدٌ وذهب عمروٌ، فإنَّ مجموعَهما وإن استلزَم إحداهما استلزام الكل لجزئه لكن اللازم ليس مغايراً لكلٍ منهما، بل عينُ إحداهما.
وأيضاً ليس لكل واحدة منهما دَخَلٌ في استلزام الأخرى، وإلا لزِم أن الجزء يستلزم الكل).
يعني: ليس كلما ضُمَّت قضيتان قيل أنَّ كلاً منهما يستلزم الآخر. نقول: جاء زيدٌ وذهب عمروٌ ليس بينهما استلزام؛ لأن هذا الاستلزام لا بد أن يكون منطبقاً على القواعد الآتي ذكرُها في الأشكال ونحوها. يعني: لا بد من وجود الحد الأوسط، ولا بد من تَكراره، لا بد أن يكون من الأشكال الأربعة، لا بد أن يكون منتِجاً.
حينئذٍ يكون مستلزماً، وأما هكذا ضمُّ قضية إلى قضية ثم يقول: هذا قياس لا، ليس كل قضية تُضم مع أخرى نقول: هذا قياس، بل لا بد من استيفاء الشروط الآتي ذِكرُها.
قال: (مَتَى سُلِّمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ) (أي: مغايرٌ لكلٍ منهما) يعني: عنى بكون هذا القول .. بكونه آخر يعني: مغايِر.
يعني: ليس هو عين المقدمة الصغرى وليس هو عين المقدمة الكبرى، بل لا بد أن تكون النتيجة مغايِرة.
ولو كانت من حيث المادة موجودة مذكورة يعني: من حيث الموضوع والمحمول: العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث العالم حادث، جملة: العالم حادث مبتدأ وخبر وموضوع ومحمول ليست موجودة، لكن كلمة "العالم" ملفوظٌ بها، وكذلك "حادث" ملفوظٌ بها.
إذاً: المراد (قَوْلٌ آخَرُ) هنا أنه مغايرٌ لكلٍ من المقدمتين، ولا يكون عين إحدى المقدمتين.
(قَوْلٌ آخَرُ) (أي: مغايرٌ لكلٍ منها) أي: الأقوال.
стр. 321
(بحيث لا يكون عينَ قضية منها، وإن كان مؤلفاً من حدودها، وحاصل معنى المغايرة هنا: أن لا يكون القولُ عينَ الصغرى ولا نفس الكبرى) عين ونفس بمعنى واحد.
قال هنا: (فالمؤلَّف من قولين. كقولنا: العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث، وهذا مؤلَّفٌ من قولين يلزم عنهما -عن القولين- قولٌ آخر وهو النتيجة) وهو العالم حادث.
(والمؤلَّف من أكثر من قولين) لأنه قال: من قولين فأكثر.
مُفادُه: أنَّ القياس قد يتألف من أكثر من مقدمتين، لكن بالتنصيص أنه لا يتألف من قضية واحدة، ولذلك قلنا: من أقوال خرج من قضية واحدة، ولذلك قولُه: (قَوْلٌ) شمل القياس -وهو جنس- شمل القياس والقضية الواحدة، من قولين أو من أقوال أخرج القضية الواحدة.
إذاً: القضية الواحدة لا تسمى قياساً، وإن استلزَمَتْ؟ وإن استلزمت؛ لأن الجملة الواحدة تستلزم نقيضها، وكذلك الأصل يستلزم عكْسَه. إذاً: فيه معنى الاستلزام لكنه لا يسمى قياساً؛ لأن القياس لا يكون من قضية واحدة، فلو كانت مستلزِمة لشيءٍ آخر إلا أنه لا يكون قياساً.
قال: (والمؤلَّف من أكثر من قولين كقولنا: النبَّاشُ) النبَّاش هذا السارق، لكنه سارق خاص يعني: يسرِق الأكفان.
(النبَّاش) (أي: لقبرِ الميت عَقِبَ دفنِه؛ لأَخذِ كفنِه).
(النبّاش آخِذٌ للمال) الكفن يعني، الكفن مال.
(النبّاش آخذٌ للمال خُفْية) هذه مقدمة.
(وكل آخذٍ للمال خفيةً سارق) هذه كبرى، والسابقة صغرى.
(وكل سارقٍ تُقطع يدُه) هذه ثلاث (فهذا مؤلَّفٌ من ثلاثة أقوال، يلزم عنها قولٌ آخر وهو: النبّاش تُقطعُ يدُه).
إذاً: هذا مثالٌ لقياس مؤلَّف من ثلاث مقدمات: الأُولى: النبَّاش آخذٌ للمال خفية.
الثانية: كل آخذٍ للمال خفية سارق.
وكل سارق تُقطع يدُه. فهذا مؤلفٌ من ثلاثة أقوال يلزم عنها قولٌ آخر: والنبّاش تُقطع يدُه، هذا يسمى قياساً مركباً.
والأول قال: يسمى قياساً بسيطاً والثاني: قياساً مركباً.
(يسمى قياساً بسيطاً، تسميتُه بذلك لمقابلة المركّب الذي هو من أكثر من مقدمتين -تقابل بسيط ومركَّب- وإلا فهو مركَّبٌ أيضاً) هو مركَّب .. مؤلَّف من قضيتين.
إذاً: التركيب موجود هنا وموجودٌ هنا، لكن لما كان في مقابلة ما زاد على قضيتين .. مقدِّمتين، فحينئذٍ سُمّي بسيطاً.
يعني: جاء على أصله، أقل ما يصدُق عليه أنه قياس مقدمتان، فسُمّي بسيطاً. إن زاد على ذلك فهو مركَّب لزيادته على الأصل.
(وإلا فهو مركَّبٌ أيضاً، لكنهم قصدوا المغايرة بينهما في التسمية رفعاً للالتباس.
وخصوا البساطة به لأن المقدمتين أقلُّ من الثلاثة فهو إلى البساطة أقرب، بل جاء على أصله.
أو أنه لما كان بحسب الظاهر مركباً من قياسين ناسَب أن يسمى مركَّباً في مقابلة البسيط المركَّب من مقدمتين.
ثم الحقُّ: أن القياس إنما يتركب من مقدمتين فقط) وأما هذه الثلاث المقدمات فهي قياسان متداخلان يعني: قياسان مؤلفان من قياسين بسيطين، حُذِفت فيه إحدى النتيجتين.
يعني: القياس الأول حُذفت نتيجتُه، فحينئذٍ جيء بكبرى جُعلت ضمناً مع صغرى النتيجة -القياس الأول- لكنها لم يُلفظ بها، بل هي محذوفة، فحينئذٍ جُعل قياس في ضمن قياس.
(ثم الحق: أن القياس إنما يتركب من مقدمتين فقط.
стр. 322
فقوله: النبّاش .. ) إلى آخره .. السابق.
(قياسان بسيطان، أُخذت نتيجة إحداهما وجُعِلت صغرى في الثاني، وهو قسمان:
ما ذُكرت فيه نتيجةُ كل قياس ويسمى موصول النتائج) يُنصُّ عليها، سيأتي.
(وما لم يُذكر فيه نتائج يسمى مطويَ النتائج ومفصولها) مطوي النتائج: طويت فيه النتيجة يعني: لم تُذكر بل حُذِفت.
إذاً: ليس عندنا قياس مركَّب من ثلاث مقدِّمات.
إن وُجد كالمثال المذكور نقول: هذان قياسان بسيطان، قد تُذكر نتيجة القياس الأول البسيط وقد تُحذف، إن ذُكِرت فحينئذٍ يسمى متصل النتائج، وإن حُذفت يسمى مطوي النتائج ومفصولها. هذا يسمى قياساً بسيطاً.
قال هنا: (والأول يسمى قياساً بسيطاً) ما هو الأول؟ المؤلَّف من قولين، المثال السابق: العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث العالم حادث، هذا يسمى قياساً بسيطاً.
قال: (والأول يسمى قياساً بسيطاً) أي: المؤلَّف من قولين.
(والثاني قياساً مركباً) الثاني الذي هو النبَّاش .. إلى آخره (مركباً؛ لتركُّبِه من قياسين).
أي: نتيجةُ أولهما صغرى للثاني ولم تُذكر في المثال المذكور؛ لكونها معلومة، والأصل هكذا: النبّاش آخذٌ للمال خفية، وكل آخذٍ للمال خُفية سارق، فالنباش سارق. نتيجة .. هذا قياس.
النبّاش سارق وكل سارق تُقطع يدُه، إذاً: النبّاش تُقطع يدُه.
إذاً: عندنا قياسان حُذفت النتيجة -نتيجة القياس الأول- وجيء بالكبرى مركبة معها وهي محذوفة مقدرة، والمحذوف للعلم به كالمذكور [وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ] لكن لا بد أن يكون المحذوف كالمذكور، فإذا كان كذلك فحينئذٍ نقول: هذا قياسٌ بسيط حُذفت نتيجتُه ورُكِّب مع نتيجته قياس آخر.
قال: (وكل سارقٍ تُقطع يدُه، وكون القياس مركباً فالنبّاش سارقٌ، وكل سارقٍ تُقطع يدُه.
وكون القياس مركَّباً من ثلاث قضايا أمرٌ ظاهري، وفي الحقيقة هما قياسان بسيطان).
قال: (فخرج عن أن يكون قياساً القولُ الواحد أي: عُرفاً. وإن تركب من قولين).
القول الواحد يعني: القضية الواحدة، فلا تكون قياساً.
(فخرج عن أن يكون قياساً القول الواحد أي: عُرفاً).
لماذا قال: عُرفاً؟ يعني: في الحقيقة العرفية؛ لأنه إذا قلت مثلاً: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، هذه قضية واحدة .. شرطية لزومية متصلة.
إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. كم جملة فيها؟ جملتان: الشمس طالعة، والنهار موجود.
لكن في العُرف جُعلت قضية واحدة، إذا قلت: كل إنسانٍ حيوان. هذه قضية واحدة لا شك فيها؛ لأنها حملية، وإذا قلت: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، حينئذٍ نقول: هذا مؤلفٌ من قضيتين .. من جملتين.
لكن في العُرف عند المناطقة هي قضية واحدة، ولذلك تكون مقدَّماً ويأتي تالي .. إلى آخره.
قال: (القول الواحد أي: عُرفاً. وإن تركَّب من قولين بحسب الأصل نحوُ: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، ونحو: متى كان كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) هذه قضية واحدة.
فمتى كان كلما كانت الشمس طالعة فالليل ليس بموجود، كل هذه قضايا واحدة، وإن كانت في الحقيقة مؤلفة من قضيتين .. مقدمتين، أو من جملتين، لكنها مقدِّمة واحدة.
стр. 323
قال: (فخرج عن أن يكون قياساً القولُ الواحد. وإن لزم عنه لذاته قولٌ آخر كعكسه المستوي) كما ذكرتُ سابقاً: أنه ليس كلما لزم عن المقدمة أو الجملة أو القضية قولٌ آخر صار قياساً لا، ولذلك القول الواحد قد يستلزم عكسَه المستوي، لكن لا يكون قياساً.
قال: (وإن لزم عنه لذاته قولٌ آخر نحو: كل إنسانٍ حيوان. فإنه يلزمه عكسُه المستوي وهو: بعض الحيوان إنسان، وعكسُ نقيضِه الموافق وهو: كل ما ليس بحيوان ليس بإنسان، وعكس نقيضه المخالِف وهو: لا شيء مما ليس بحيوان بإنسان).
إذاً: (فخرج عن أن يكون قياساً القولُ الواحد) يعني: القضية الواحدة (عُرفاً).
(وإن لزم عنه) عن القول الواحد.
(لذاته) لا لأمرٍ خارجٍ؛ لأنه موافق هنا، لو كان لأمرٍ خارج لا يرِد، ولكن لما كان لذاته لا بواسطة مقدِّمة خارجة حينئذٍ ورَد الإشكال.
قال: (وإن لزم عنه) يعني: الواو حالية هنا.
(وإن لزم عنه لذاته قولٌ آخر كعكسِه المستوي، وعكسُ نقيضه) ومر المثال.
لماذا؟
(لأنه لم يتألف من أقوال) لو قال: من قولين. لكان أحسن، ما دام أنه شرح فيما سبق (من أقوالٍ أي: قولين فأكثر) لو قال هنا: لأنه لم يتألف من قولين. لكان أحسن.
(لأنه لم يتألف عِلَّةٌ لقوله: خرج القولُ الواحد).
قال: (والاستقراءُ) أي: خرج القول الواحد .. وخرج الاستقراء والتمثيل، كلٌ منهما خرج وهو دليلٌ مستقل –الاستقراء-، وكذلك التمثيل المراد به القياس الفقهي: حملُ جزئيٍ على جزئي لعلةٍ، وهذا يسمى قياساً كذلك، والاستقراء يسمى قياساً كذلك، لكنه لا يدخل في هذا الحد، بل هو دليلٌ مستقل.
قال: (والاستقراء، والتمثيل) أراد به الاستقراء غير التام، وسيأتي تعريفُه في آخره.
والتمثيل أراد به القياس الفقهي.
قال: (والظاهر أن الاستقراء والتمثيل لا يخرجان عن القياس وإلا خرجت السفسطة والجدل والخَطابة والشعر لعدم إفادتها اليقين).
هو سيأتي ذكرُه الاستقراء، قلنا: المراد به هنا: الاستقراء غير التام.
الذي يفيد اليقين ما هو؟ الاستقراء التام، والقياس التمثيلي في الجملة عندهم لا يفيد اليقين .. ليس من اليقينيات.
وحينئذٍ سيُذكر له حدٌ خاصٌ في كل منهما، هل هو داخلٌ هنا؟ نقول: لا. ليس بداخل.
لكن هل معنى ذلك أنه لا يسمى قياساً؟ نقول: لا. ليس البحث هنا في كونه هل يسمى قياساً أو لا، لكنه هل هو القياس الذي هو حجة هنا ويُطلق القياس في باب المنْطِق الذي هو الطريق الموصل إلى التصديق المجهول؟ الجواب: لا.
إذاً: فرقٌ بين مسألتين:
هل القياس يُطلق على الاستقراء فيسمى قياس الاستقراء؟ نعم.
هل القياس يُطلق على التمثيل؟ هذا باتفاق؛ لأن الأصوليين هو الذي يُعنون له عندهم، هل يسمى قياساً للتمثيل؟ نعم يسمى قياساً للتمثيل.
لكن هل هو داخلٌ في هذا النوع من القياس؟ الجواب: لا. هذا الذي أراده هنا وسيأتي في آخر الكتاب ذكرُ النوعين.
(والاستقراء والتمثيل؛ لأنهما وإن تألَّفا من أقوالٍ، لكن لا يلزم عنهما -الاستقراء والتمثيل- شيءٌ آخر؛ لإمكان التخلُّف في مدلوليهما عنهما).
الاستقراء أراد به غير التام. إذاً: يمكن أن يتخلف، وسيأتي فيما يأتي.
стр. 324
إذاً: المراد هنا: أنه لا يلزم عنهما شيءٌ آخر: الاستقراء لا يستلزم شيئاً آخر، وقياس التمثيل لا يستلزم شيئاً آخر، هذا المراد هنا.
ولذلك قال: (لإمكان التخلُّفِ في مدلوليهما) يعني: مدلول الاستقراء والتمثيل (عنهما) يعني: ليس ثَم تلازم بينهما.
قال: (وما يلزم عنه قولٌ آخر لا لذاته).
(وما يلزم) أي: وخرج، هذا معطوفٌ على السابق .. على الأول: (خرج القول الواحد والاستقراء والتمثيل، وما يلزم عنه قولٌ آخر) لكن (لا لذاته) هذا عطفٌ على فاعل خرَج أيضاً.
(بل بواسطة مقدمة أجنبية) مقدِّمة أو خصوص مادة، قد يكون لخصوص المادة .. لذاتها -سيأتي مثاله-، وقد يكون لمقدمة أجنبية يعني: خارجة .. ليست مذكورة في القياس.
(وخرج أيضاً ما يلزم لخصوص المادة كما في قولنا: لا شيء من الإنسان بحجر، وكل حجرٍ جماد. فإنه يلزم منه: لا شيء من الإنسان بجماد) لكن لا من ذات المقدمتين وإنما من أمرٍ خارجي.
قال: بل بواسطة مقدمة أجنبية كما في قولنا: فلانٌ المريض يتحرك) هذه صغرى (فهو حيٌ) هنا حذَفَ الكبرى، يجوز حذفُ الصغرى أو الكبرى المعلومة .. المشهورة، فتأتي بمقدمة واحدة تذكُرُها وإذا كان ثَم قضية أو مقدمة مشهورة بينك وبين الخصم أو المستمع جاز لك حذفُها وتأتي بالنتيجة، لكنها تكون مقدرة.
(فلان المريض يتحرك. هذه صغرى، والكبرى محذوفة أي: وكل من يتحرك فهو حيٌ يُنتِج فلان المريض) هذا المخصوص "حيٌ" هذا يسمى قياساً.
هنا بواسطة أنَّ كل متحركٍ بالإرادة حيٌ، لكن هذا يرد عليه إشكال: أنه لا بواسطة مقدمة ليست مذكورة وإنما محذوفة ويجوز الحذف، فإخراج هذا النوع فيه إشكال؛ لأنه من المقرر أنه إذا تألف القياس من مقدمتين جاز حذفُ إحدى المقدمتين، بل يجوز حذف النتيجة أحياناً، ولذلك كثيراً ما يكتفي بعض الممثلين لبعض المسائل قال: العالم متغير كل متغير حادث فقط، ولا يأتي بالنتيجة لأنها معلومة، فيجوز حذفها، لكن ليس معناها أن هذا القياس لا يستلزم نتيجة.
وكذلك قد تأتي بالصغرى وتحذف الكبرى، أو تأتي بالكبرى وتحذف الصغرى، إذا كان كلٌ من المحذوف مشهوراً عند السامع فيجوز، حينئذٍ لا يكون طعناً في القياس، ولا يكون هذه القضية المحذوفة ليست أجنبية وإنما هي من أصل القياس، لكنه حذَفها للعلم بها.
قال هنا: (كل متحرِّك بالإرادة حيٌّ، وكما في قياس المساواة) قياس المساواة من مقدمة أجنبية خارجة عن القياس.
(وكما في قياس المساواة وهو) أي: قياس المساواة (ما يتركب من قولين) هذا جنس شمِل المعرَّف وغيرَه.
(يكون متعلِّقُ محمولِ أولهِّما موضوعَ الآخَر. كقولنا: أَلِف مساوٍ لباء، وباء مساوٍ لجيم) هل يستلزم ألف مساوٍ لجيم؟ نعم يستلزمه، لكن لا لذات المقدمتين، وإنما لمقدمة خارجة: مساوي المساوي مساوي .. مساوي لشيء ساواه زيدٌ ساواه.
لو قلت: هذا إيهاب ساوى محمد، ومحمد ساوى فؤاد. إذاً: إيهاب مساوٍ فؤاد. مساوي المساوي مساوي، هذه المقدمة خارجة يعني: معلومة من الذهن وليست من ذات القياس.
حينئذٍ لزم عن القولين قولاً آخر، لكن لا لذات المقدمتين وإنما لمقدمةٍ أجنبية خارجة عن القياس يعني: استعانة بشيءٍ منفصل.
стр. 325
ولذلك قال: (كقولنا: ألف مساوٍ لباء، وباء مساوٍ لجيم. فإنَّ هذين القولين يستلزمان ألفاً مساوياً لجيم) ألف مساوي لجيم ليس لباء؛ لأنه لم يقل ألف ساوى جيماً، وإنما قال: ألف ساوى باءً، هذه مقدِّمة.
ثم باء مساوٍ لجيم، ما العلاقة بين ألف وجيم؟ متساويان.
(فإنَّ هذين القولين يستلزمان ألفاً مساوٍ لجيم لا لذاتهما بل بواسطة مقدمة أجنبية).
يعني: ليست إحدى مقدمتي القياس بل هي أجنبية، هذا المراد بالأجنبية هنا.
(وهي) أي: هذه المقدمة الأجنبية (أنَّ مساوي المساوي لشيء مساوٍ له).
(لشيء) متعلِّق بقوله: (المساوي) المُحلى بأل .. المتأخر.
(مساوٍ له) أي: لذلك الشيء.
إذاً: هذا ما يسمى بقياس المساواة.
قال العطار: (سُمّي قياس مساواة لأن إنتاجَه يتوقف على مساواة ملزوم جيم، وملزوم ملزوم جيم في النسبة إلى جيم بالملزومية، ومن لم ينتبه لهذا قال: سُمِّي قياس مساواة باعتبار الفرد المُعْتَبر في المساواة، ثم إنه لا وسطَ في قياس المساواة) ليس عندنا وسط متكرر.
(فليس داخلاً حتى يخرج، لكنه لما لم يذكُر في التعريف قيْد تكرُّرِ الوسط احتِيج إلى إخراجه بقوله: بذاته) لا بد من تكرُّر الوسط كما سيأتي.
(والمقصود من إخراج هذه المذكورات عدمُ تسميتها قياساً منطقياً، لا عدمَ تسميتها قياساً مطلقاً؛ لأنها تسمى قياساً بالتقييد: بالتمثيل والاستقراء والمساواة) فخرجت هذه الثلاثة: قياس الاستقراء، قياس التمثيل، قياس المساواة. خرجت كلها من هذا الحد.
قال رحمه الله تعالى: (ولذلك لا يتحقق الاستلزام فيه).
(ولذلك) أي: كونُ إنتاجِه للمقدمة لا لذاته.
(لا يتحقق الاستلزام فيه) يعني: قياس المساواة.
(إلا حيثُ تصدق هذه المقدمة) يعني: الأجنبية، لا بد أن تكون صادقة، فلو كانت كاذبة ما يصح.
مباين المباين للشيء مباينٌ لذلك الشيء، هذه ليست صادقة هذه كاذبة.
قال: (إلا حيث تصدق هذه المقدمة الأجنبية) لا بد أن تكون صادقة.
(كما في قولنا: ألِفٌ ملزومٌ لباء، وباء ملزومٌ لجيم فألِف ملزومٌ لجيم؛ لأن ملزوم الملزوم ملزوم) هذه صادقة أو لا؟ صادقة .. ملزوم الملزوم ملزوم.
(فإن لم تصدق تلك المقدمة) يعني: الأجنبية.
(لم يحصل منه -قياس المساواة- شيءٌ) يعني: نتيجة صادقة.
(كما إذا قلنا: ألف مباينٌ لباء، وباء مباينٌ لجيم. لا يلزم منه أنَّ ألفاً مباينٌ لجيم).
المباينة يعني: المخالَفة .. إذا ألف باين باء وباء باين جيم، لا يلزم أنَّ ألفاً يباين جيماً.
قال: (فإن لم تصدق تلك المقدمة الأجنبية لم يحصل منه -قياس المساواة- شيءٌ –نتيجة- كما إذا قلنا: ألِف مباينٌ لباء، وباء مباينٌ لجيم. لا يلزم منه أنَّ ألفاً مباينٌ لجيم؛ لأنَّ مباين المباين لشيءٍ لا يلزم أن يكون مبايناً له أي: لذلك الشيء.
بل يجوز أن يكون أعم كالحيوان المبايِن للجماد المباين للإنسان).
الحيوان مباينٌ للجماد مخالِف، والجماد مباين للإنسان، الحيوان والإنسان الحيوان أعم من الإنسان.
(وأن يكون أخص كالإنسان المباين للجماد والجماد المباين للحيوان) إنسان وحيوان إنسان أخص.
إذاً: لا يلزم منه المباينة من كل وجه، وإلا الخصوصية والعموم هذا فيه شيءٌ من المباينة.
قال هنا: (لا يلزم أي: أن يكون مبايِناً له.
стр. 326
مثلاً: الإنسان مباين للفرس والفرس مباين للناطق، ولا يخفى أن الإنسان مساوٍ للناطق؛ لأن مباين المباين للشيء لا يلزم أن يكون مبايناً له.
وكذا إذا قلنا: ألِف نِصفُ باء وباء نصف جيم) ألِف نِصفُ باء يعني: اثنين نصف أربعة، وباء نصف جيم يعني: أربعة نصف ثمانية. هل يلزم أن ألف نصف جيم؟ لا. غلط.
ألف نصف باء يعني: اثنين نصف أربعة، وباء نصف جيم يعني: أربعة نصف ثمانية، اثنين نصف ثمانية؟ ما يصح، ما يتأتى. إذاً: ليست مطردة، إنما هي في المساوي فقط، أما التنصيف لا.
(لا يلزم منه أن ألفاً نصفُ جيم) اثنين نصف ثمانية لا يلزم.
(لأنَّ نصفَ نصفِ الشيء لا يكون نِصفاً له) يعني: لذلك الشيء.
(نصف نصف الشيء) نصف نصف الثمانية، (لا يكون نصفاً له) للثمانية.
(والمراد باللزوم) لزِم عنه (ما يعم البيِّن وغيره) كما مر معنا.
(فيتناول القياس الكامل) ما الذي يتناول هنا؟ يعني: حد القياس .. تعريف القياس. تفريعٌ على قوله: (المراد باللزوم ما يعم البيَّن وغيره).
(فيتناول) حينئذٍ تعريفُ القياس (القياسَ الكامل) وهو الشكل الأول.
أعظم ما يُعتمد هنا الشكل الأول، ولذلك إذا ضُبط انتهى الباب .. الشكل الأول ضروبُه وإنتاجُه وحقيقتُه انتهى الباب، هو المعوَّل.
ولذلك هو القياس الكامل عندهم من كل وجه، ولذلك الثاني والثالث يُردَّان إلى الأول.
قال: (الكامل) أي: المستقل باستلزام النتيجة، بحيث لا يحتاج إلى ردٍّ ولا استدلال. بل الثاني والثالث يُردَّان إليه.
قال العطار: (الكامل وهو ما يظهر عنه المطلوب من غير تغيير شيءٍ مما في القياس وهو الشكل الأول) يعني: في الشكل الثاني إذا جيء بالقياس لا بد أن يحصل فيه تغيير، أو عَكْس الصغرى مثلاً في الثاني ليرجع إلى الأول. إذاً: يتغير، والثالث يتغير أما هذا لا، والذي لا يتغير أكمل؛ لأنه يعتبر دليلاً على أنه مستقلٌ بذاته لا يفتقر إلى غيره، بخلاف الشكل الثاني يفتقر إلى الشكل الأول، والثالث يفتقر إلى الشكل .. إذاً: ليس لذاته، ليست به قوة مستقلة، وإنما لا بد من ردِّه إلى الشكل الأول فيتقوَّى ثم بعد ذلك يُنتِج.
ولذلك: (الكامل وهو ما يظهر عنه المطلوب من غير تغيير شيءٍ مما في القياس وهو الشكل الأول.
والقياس الاستثنائي غيرُ الكامل: ما يبيِّن لزوم النتيجة عنه بتغيير وضع الحدود كالشكل الثاني والثالث والرابع) هذا غير بيِّن وغير كامل.
(ثم القول اللازم يجب أن يكون مغايراً لكل واحدٍ من المقدمات، فإنه لو لم يُعتبر ذلك لزم أن يكون كلُّ قضيتين قياساً كيف كانتا لاستلزامهما أحدَهما) هذا قولٌ لبعضهم.
(وفيه: أن المتبادر من التعريف أن القول الآخر هو الباعث للتأليف فهو المترتب عِلمُه على علم المقدمتين) إذاً: لا بد من تلازم.
قال هنا: (فيتناول القياس الكامل وهو الشكل الأول، وغير الكامل وهو الاستثنائي والأشكال غير الشكل الأول، وهو باقي الأشكال.
وأشار بقوله: مَتَى سُلِّمَتْ -يعني: تلك الأقوال- إلى أن تلك الأقوال لا يلزم أن تكون مسلَّمة في نفسها) يعني: صادقة.
(بل أن تكون بحيث لو سُلِّمت أي: وإن كانت كاذبة) لكن نقدِّر ونفرض أنها صادقة، فنركِّب عليها القياس دخل في الحد.
стр. 327
لو قال: أقدِّر أن كل ناطقٍ ناهق .. لو قدَّر هكذا ورتَّب عليه قياس، يكون داخلاً في الحد؟ نعم. يكون داخلاً في الحد.
لو قال: (مَتَى سُلِّمَتْ) يعني: سلَّمها الخصم ولو من باب التنزُّل، فدخلت القضايا الكاذبة.
القضايا الكاذبة القياس يكون فاسداً، لكنه يدخل تحت الحد، وهذا كذلك يقال في القياس الفقهي هناك.
يعني: يكون القياس في ظنِّ المجتهد.
قال: (بقوله: مَتَى سُلِّمَتْ. إلى أن تلك الأقوال لا يلزم أن تكون مسلَّمة في نفسها) يعني: صادقة في نفسها مطابقةً للواقع.
(بل أن تكون بحيث لو سُلِّمت) أي: وإن كانت كاذبة.
(لزم عنها قولٌ آخر؛ ليدخل في التعريف القياس الذي مقدماتُه صادقةٌ -كما مر- والذي مقدماتُه كاذبة. كقولنا: كل إنسانٍ جماد، وكل جماد حمار.
فهذان قولان وإن كذَبا في أنفسهما إلا أنهما بحيث لو سُلِّما لزم عنهما أنَّ كل إنسان حمار؛ لأن لزوم الشيء للشيء كونُ الشيء بحيث لو وجِد وُجد لازمُه).
يعني: يدخل معنا القياس الكاذب، هذا مراده.
متى سُلِّمت تلك الأقوال بمعنى أنه لا يلزم أن تكون صادقة في نفسها مطابقة للواقع، بل متى ما اعتقد .. افترض ولو ذهناً عقلاً، ولو سفسطة أنها صادقة وبنا عليها لزِم عنه قولٌ آخر.
فحينئذٍ يكون هذا القياس بهذا النوع داخلاً في التعريف.
قال: (بل أن تكون بحيث لو سُلِّمت لزم عنها قولٌ آخر؛ ليدخل في التعريف القياس الذي مقدماتُه صادقة) وهذا هو الأصل.
(والذي مقدماتُه كاذبة) يعني: القياس الذي مقدماته كاذبة.
كل إنسان جماد كذِب، باتفاق هذا.
كل جماد حمار كذِب، كذِب في كذب كلُّه: المقدمة الصغرى والمقدمة الكبرى.
(فهذان قولان) المقدمتان (وإن كذبا في أنفسهما إلا أنهما بحيث لو سُلِّما) لو أراد أن يجعلهما قياس ويعتقد أن بينهما تلازم، وأَجرى قواعد الأشكال على هاتين المقدمتين (لزم عنهما أنَّ كل إنسان حمار) ولذلك كل إنسانٍ جماد وكل جماد حمار، الحد الأوسط جماد، هو محمولٌ في الصغرى موضوعٌ في الكبرى.
قال: (لزم عنهما أن كل إنسانٍ حمار؛ لأن لزوم الشيء للشيء) الشيء الأول لازم، والشيء الثاني ملزوم.
(كونُ الشيء) الملزوم (بحيث لو وُجِد) الشيء الملزوم (وُجد لازمه) كوجود الأربعة .. وجود الشيء الأربعة وُجد لازمُه الذي هو الزوجية، وحينئذٍ يلزم منه.
(وإن لم يوجدا في الواقع.
وإنما قال -المصنف في تعريف القياس-: مِنْ أَقْوَالٍ. ولم يقل من مقدمات؛ لئلا يلزم على قول مقدِّمات الدور) لئلا يلزم الدور.
(لأنهم عرَّفوا المقدمة بأنها ما جُعلت جزء قياس، فأخذوا القياس في تعريفها، فلو أُخذت هي أيضاً في تعريفه لزم الدور) ما هو العِلم؟ إدراكُ المعلوم، ما هو المعلوم؟ مشتقٌ من العلم.
اعرف أولاً العِلم ثم تعرف المعلوم، كيف نعرف العلم؟ هو إدراك المعلوم، وتبقى هكذا.
هذا كذلك: ما هي المقدِّمة؟ جزء قياس، قال هنا: (ما جُعلت جزء قياس) ما هو القياس؟ قولٌ مؤلَّف من مقدمين أو من مقدمات، ما هي المقدمة؟ ما جُعلت جزء القياس. هذا يسمى دوراً يعني: كلٌ منهما ينبني على الآخر لا يمكن عِلمُه، تبقى في دوامه.
ففراراً من الدور عبَّر بالأقوال.
قال: (لزِم الدور) أي: لتوقُّفش كلٍ منهما على الآخر بأخذِه في تعريفه.
стр. 328
(لأنهم عرَّفوا المقدِّمة بأنها ما جُعلت جزء قياس، فأخذوا القياس في تعريفها، فلو أُخذت هي أيضاً في تعريفه لزم الدور).
هذا ما يتعلق بتعريف القياس، الآن كله تعريف القياس هذا.
(قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ مَتَى سُلِّمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ) يعني: مغاير لهما.
ثم قسَّم لك القياس إلى نوعين: اقتراني واستثنائي.
(وَهُوَ) أي: القياس.
(إِمَّا اقْتِرَانِيٌ، وَإِمَّا اسْتِثْنَائِيٌ) يعني: اقتراني نسبة إلى الاقتران، واستثنائي نسبة إلى الاستثناء، وهو سهلٌ إن شاء الله.
قال: (إِمَّا اقْتِرَانِيٌ).
(وهو) أي: القياس الاقتراني.
(الذي) أي: القياس.
قلنا: الذي إذا جاءت في التعريف لا بد من جعل المعرَّف أو المقسوم موصوفاً له، هو الذي يكون جنساً.
(وهو الذي) الذي صفة لموصوفٍ محذوف أي: القياس.
(الذي لم يُذكر فيه نتيجةٌ ولا نقيضُها بالفعل).
يعني: ليس المراد أنه ليس له نتيجة لا، له نتيجة، لكن النتيجة أحياناً بلفظِها موضوعِها ومحمولِها تكون منصوصةً في القياس نفسه، وأحياناً لا تكون منصوصة، وإنما تكون المادة موجودة يعني: موضوع النتيجة موجود في إحدى المقدمتين، ومحمول النتيجة موجودٌ في إحدى المقدمتين، لكن التأليف والتركيب هذا غير موجود.
"العالم متغير" هذه مقدمة صغرى، كل متغير حادث، ما هي النتيجة؟ العالم حادث.
هل عندنا في المقدمتين العالم حادث؟ ليس عندنا، كلمة العالم هي موضوع الصغرى "العالم متغير".
وكل متغير حادث، حادث الذي هو محمول النتيجة هو محمول الكبرى.
إذاً: هي موزعة، حينئذٍ وجودُها في المقدمتين بالقوة؛ لأنها مبعثرة فيه، وإذا وُجد الشيء مبعثراً في شيءٍ ما قيل: هو موجودٌ بالقوة لا موجوداً بالفعل.
قال هنا: (وهو الذي لم يُذكر فيه) يعني: في ضمن المقدمتين.
(نتيجةٌ ولا نقيضُ النتيجة، بالفعل) أي: هي مذكورة فيه بالقوة، لماذا؟ (لأن القياس مشتملٌ على مادتها) ما هي مادة النتيجة؟ الموضوع والمحمول.
من أين جئنا بموضوع النتيجة من خارج؟ لا. من ضمن القياس، من أين جئنا بمحمول النتيجة من خارجٍ؟ لا. من ضمن القياس.
فالعالَم متغير كلمتان موجودتان في المقدمتين: الكلمة الأولى .. موضوع النتيجة هو موضوع الصغرى، ومحمولُه هو محمول الكبرى.
إذاً نقول: هي موجودة في القياس في المقدمتين، لكنها بالقوة لا بالفعل.
قال هنا: (لأن القياس مشتملٌ على مادتها وهو الموضوع والمحمول.
ومادة الشيء: ما يكون الشيء به بالقوة كالخشب للسرير فإنه سريرٌ بالقوة).
لو أراد أن يصنع .. ليس كل خشب، لو أراد أن يصنع سريراً فوضع الخشب، حينئذٍ نقول: هذا سريرٌ بالقوة؛ لأنه مادة للسرير، بقيت الصورة فقط، تقول: هذا الخشب سريرٌ، كيف جاء السرير؟ تنام عليه مباشرة لا، لا بد أن يُصنع أولاً.
فحينئذٍ نقول: هو سريرٌ بالقوة.
قال هنا: (كالخشب للسرير فإنه سرير بالقوة، فإن انضم إلى ذلك التأليف المخصوص وهو الجزء الصوري حصل ذلك الشيء بالفعل، والمراد بالقوة الاستعداد للحصول بالفعل).
إذاً: الاقتراني ذُكرت .. هكذا بعبارة مخالفة لِما ذكره المصنف: (الاقتراني دل على النتيجة بالقوة لا بالفعل).
стр. 329
القياس الذي يدل على النتيجة بالقوة. يعني: بمادة نتيجة يسمى قياساً اقترانياً، ولا نحتاج أن نقول: بالفعل ولا نقيضها.
(وهو الذي لم يُذكر فيه نتيجة ولا نقيضها بالفعل).
قال: أي: بمادتها وهيئتها قيْدٌ لإدخال الاقتران في تعريفه، ولو حُذف لم يدخل فيه لِذكرِ نتيجته بالقوة؛ لاشتماله على مادتها.
كقولنا: كل جسمٍ مؤلَّف، وكل مؤلَّفٍ حادث، فكل جسم حادث.
هذه هي النتيجة: هل ذُكرت بعينها؟ لا، هل ذُكرت بنقيضها؟ لا، هل ذُكرت بمادتها؟ نعم، المادة يعني: الموضوع والمحمول ذُكِرا منفردين في ضمن الصغرى والكبرى. نقول: نعم وُجدا بالمادة. أي: بالقوة.
فحينئذٍ هذا القياس دل على النتيجة بالقوة لا بالفعل.
قال: (هذه النتيجة ولم تُذكر هي ولا نقيضُها في القياس بالفعل، نعم ذُكرت فيه بالقوة لاشتماله على مادتها).
إذاً: القياس الاقتراني ضابطُه: هو القياس الذي دل على نتيجةِ القياس بالقوة لا بالفعل، ونفسِّر القوة بأنه قد اشتمل على مادة النتيجة وهي الموضوع والمحمول، لا مضمومين وإنما مفترقان.
قال: (وسُمي اقترانياً لاقتران الحدود) المراد بالحدود: الأصغر والأوسط والأكبر، سيأتي بيانها، اقترنت فيه الحدود.
اقترنت بمعنى أنها اتصلت، كيف اتصلت؟ هنا إما أن يُفصَل بلكن أو لا، القياس الاستثنائي هو الذي يؤتى بلفظ لكن استثنائية هنا عندهم اصطلاح خاص.
حينئذٍ قال: (لاقتران الحدود فيه) يعني: في القياس.
(بلا استثناء) أي: عدم الفصل بينها بلفظ لكن، وهذا إنما يكون في قياس الاستثنائي.
ولذلك تَقرأ: كل جسمٍ مؤلَّف، كل مؤلَّف حادث، وكل جسم حادث. ليس عندنا لكن.
إذاً: لم يُفصَل بين هذه الحدود الثلاثة: الأصغر، والأكبر، والأوسط.
قال هنا: (المراد بها الأصغر والأوسط والأكبر.
سُمِّي ما تنحل إليه المقدمة من موضوعٍ ومحمولٍ أو مقدَّمٍ وتالٍ حداً؛ لأنه ظرفٌ للنسبة، وقيل: سُمي بذلك لأن جمْع المقدمتين فيه بحرف دالٍ على الجمع، واجتماع المقدمتين في التحقيق أعني كلمة الواو العاطفة، كما أنَّ جمْعها في مقابلة الحرف الاستثنائي).
المراد: أنه لم يأتي بحرف لكن، وحرف لكن هي استثنائية وهي التي تختص بالنوع الثاني، هذا النوع الأول.
قال: (وَإِمَّا اسْتِثْنَائِيٌ) نسبة إلى الاستثناء.
(وهو الذي ذُكر فيه نتيجةٌ أو نقيضُها بالفعل) متقابلان.
إذاً: كلٌ من القياس الاستثنائي والاقتراني دلا على النتيجة.
فالنتيجة تؤخذ من القياس نفسه .. من المقدمتين، لكن القياس الاقتراني بالقوة لا بالفعل، القياس الاستثنائي بالفعل. النتيجة إما هي بعينها ملفوظة أو نقيضها، هذا أو ذاك.
ولذلك قال: (وَإِمَّا اسْتِثْنَائِيٌ) (وهو الذي ذُكر فيه نتيجةٌ أو نقيضُها بالفعل).
يعني: أن النتيجة أو نقيضَها مذكورٌ بمادته وهيئته، وإن طرأ عليه ما أخرجه عن كونه قضية وعن احتمال الصدق والكذب) لأنه سيكون جزء قضية.
لأنَّ الشرطية المتصلة هذه مؤلفة من حمليتين: إذا كانت الشمسُ طالعةً فالنهار موجودٌ، كلٌ منهما قد يكون النتيجة هي الجزء الأول، وقد تكون النتيجة هي الجزء الثاني، لا يلزم أن تأتي بالشرطية كاملة لا، وإنما يُذكر فيها -كما سيأتي في الأمثلة- بعضُ المقدمة.
стр. 330
قال هنا: (وهو الذي ذُكر فيه نتيجةٌ أو نقيضها بالفعل. أي: بالمادة والصورة) يعني: بذاتها، بنفسها.
فسَّر ذلك -كونه بالفعل .. أو نقيضها بالفعل- فسَّره بماذا؟ بأن يكون طرفاها أو طرفا نقيضِها مذكورَين فيه يعني: في القياس بالفعل، بأن يكون طرفاها: الموضوع والمحمول، أو المقدَّم والتالي.
قال: (أي: موضوعها ومحمولها إن كانت حملية، ومقدمُها وتاليها إن كانت شرطية، فعبّر بالطرفين لشمولها) يشمل الشرطية كذلك (تصويرٌ لِذكرِها أو نقيضها بالفعل فيه).
(بأن يكون طرفاها) أي: طرفا النتيجة أو طرفا نقيضها.
(مذكورَين) يعني: طرفين (فيه) في القياس بالفعل (أي: المادة والصورة).
قال: (كقولنا) في الثاني، ما هو الثاني؟ ما يتعلق بالنقيض (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجودٌ لكن) جاء بحرف الاستثناء، سُمِّي استثنائياً للكن هذه.
قل هنا: (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجودٌ) هذه شرطية متصلة، كبرى مقدَّمها الشمس طالعة، وتاليها النهار موجود.
قال: (لكنَّ النهار ليس بموجود، فالشمس ليست بطالعة) هذه النتيجة، الشمس ليست بطالعة هذه نقيضة الشمس طالعة.
إذاً: ذُكرت النتيجة هنا بنقيضها لا بذاتها، وعرفنا النقيض أنه بالإيجاب والسلب: الشمس طالعة الشمس ليست طالعة. حينئذٍ نقول: الثاني هذا النتيجة نقيضُها مذكورٌ في القياس .. نقيضُ النتيجة مذكور في القياس، فالقياس دل على النتيجة بنقيضها بالفعل، ليست مبعثرة فتجمعُها وإنما بلفظها: الشمس طالعة الشمس ليست طالعة.
هنا قال: (فقد ذُكر في القياس نقيض النتيجة وهو مقدَّم الشرطية بالفعل).
(وفي الأول) ما هو؟ دون النقيض .. بذاتها .. بالفعل، إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجودٌ، لكن الشمس طالعةٌ فالنهار موجود.
النهار موجود هذه نتيجة، ذُكرت بعينها وهي التالي من قوله: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وسيأتي الضابط هنا إذا أَثبتَ ورفعتَ .. إلى آخره فيما يتعلق في الاستثنائي.
(لكن الشمس طالعةٌ فالنهار موجود، فالنتيجة هي عين التالي) نفسُه ذاتُه.
(فهي مذكورةٌ في القياس بالفعل).
قال هنا: (ولا يُشكِل بما مر من أنه يُعتبر في القياس أن يكون القول اللازم وهي النتيجةُ مغايراً لكل من مقدماته).
وهنا ليس كذلك، قلنا: هناك متى سُلِّمت لزِم عنها لذاتها قولٌ آخر، وهنا في هذا النوع بعينها موجودة، يرِد إشكال؟ يرِد إشكال.
مر معنا في التعريف: متى سُلِّمت تلك الأقوال لزم عنها لذاتها قولٌ آخر، قلنا: مغايرٌ لكلٍ منهما: من المقدمتين، أو منها: من الأقوال.
وهنا عينُها بالفعل، فما الجواب؟
قال: (ولا يُشكل بما مر من أنه يُعتبر) بما مر يعني: بالسبب الذي تقدَّم في تعريف القياس.
(من أنه يُعتبر) يعني: يُشترَط، الاعتبار دائماً نفسره بالاشتراط هذا الأصل فيه.
(أنه يُعتبر في القياس) أي: يُشترط في تحقُّقه.
(أن يكون القول اللازم وهو النتيجة مغايراً لكلٍ من مقدماته.
وهنا في الاستثنائي ليس القول الذي هو النتيجة كذلك) يعني: ليس مغايراً لكلٍ من مقدمتيه؛ لأنا نقول: بل هو كذلك).
(بل هو) أي: القول الذي هو النتيجة.
(كذلك) أي: مغايرٌ لكلٍ من المقدمتين. لماذا؟
стр. 331
(لأنه ليس بواحدٍ منهما -من المقدمتين- وإنما هو جزء إحداهما) هو عين التالي أو عين المقدَّم، أو نقيض التالي أو نقيض المقدَّم).
ونحن قلنا: مغاير لكلٍ منهما. يعني: لا توجد بعينها، وإنما وُجدت جزء قضية، ما هي المقدمة إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود؟ هي كلها، هذه مقدمة واحدة، لكنها مؤلَّفة من مقدَّم وتالي.
فإذا كان القول الآخر هو جزءٌ من تلك، حينئذٍ لم يكن عين المقدمة وإنما كان جزءاً منها، يعني: وجدوا مخرجاً.
(لأنا نقول: بل هو كذلك. أي: معارِضٌ لكلٍ من المقدمتين أو مغايرٌ لكل من المقدمتين، ليس بواحدٍ منهما -من المقدمتين-، وإنما هو) أي: القول اللازم (جزءُ إحداهما).
(وإنما هو) أي: القول اللازم (جزء إحداهما) أي: المقدمتين؛ لأنه تالي الشرطية.
(إذْ المقدمة) يعني: الشرطية الكبرى (ليست قولَنا: النهار موجود) وإنما المقدمة، ما هي؟
إذا كانت الشمس طالعة في النهار موجود، والنتيجة النهار موجود) فحينئذٍ هي جزءٌ من المقدمة.
(بل استلزام طلوع الشمس له الحاصل: ذلك من المقدَّم والتالي)
بل استلزام. استلزام هذا ظاهرُه أن المقدمة هي الاستلزام وليس كذلك.
وجوابه أن الكلام على حذف مضاف أي: دال الاستلزام. وهو مجموع قولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. هذه هي المقدمة، والنتيجة هي جزء من المقدمة.
حينئذٍ حصلت المغايرة؟ حصلت المغايرة.
(إذْ المقدمة) يعني: الشرطية الكبرى (ليست قولَنا: النهار موجود) فقط (بل استلزام طلوع الشمس) الذي هو المقدَّم.
(له) أي: النهار موجود الذي هو التالي.
(الحاصل ذلك من المقدَّم) يعني: الاستلزام والتالي، وسُمّي ذلك استثنائياً؛ لاشتماله على أداة الاستثناء أعني: لكن.
يعني: سُمِّي ذلك أي: المشتمل على النتيجة أو نقيضها بالفعل، سُمي استثنائياً لاشتماله على أداة الاستثناء أعني: لكن.
قال العطار: فإنها بمعنى إلا، في الاستثناء المنقطع، فعدَّه المناطقة الناظرون إلى المعنى حرف استثناء كما أنَّ إلا التي هي أداة استثناء حقيقةً بمعنى لكن.
إذاً: هي للاستدراك في الأصل، لكن يسمونها استثناءاً، ليست إلا، وإنما أرادوا به لكنَّ، وهذا مجرد اصطلاح عندهم.
أعني: لكن هذا الاصطلاح لأهل المنْطِق.
قال: (وَالمُكَرَّرُ بَيْنَ مُقَدِّمَتَيِ) يأتي بحثُه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 332
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
بعدما قسَّم القياس إلى اقتراني واستثنائي، عرَفنا الفرق بينهما مع مثال كلٍ منهما قال: (وَالمُكَرَّرُ بَيْنَ مُقَدِّمَتَيِ القِيَاسِ) (فأكثرَ سواءٌ كان محمولاً، أم موضوعاً، أم مقدَّماً، أم تالياً) (يُسَمَّى حَدًّا أَوْسَطَ).
يعني: لا يصح أن يكون ثَم ترابط بين مقدِّمتي قياس إلا إذا كان بينهما وسط يعني: ما يجمع بينهما، وهو ما يسمى هنا بالحد الأوسط، لذلك قال: مكرَّر يعني: الذي تكرر.
(وَ) الحد (المُكَرَّرُ بَيْنَ مُقَدِّمَتَيِ القِيَاسِ) فأكثر مبنيٌ على ما سلف من جواز تركيب القياس الاقتران، وتقدم أن الحق خلافه.
يعني: من باب الظاهر فقط، وإلا هو كذلك قال: بأن القياس لا يتألف أكثر من مقدمتين، فإن وُجدت حينئذٍ هما قياسان بسيطان، وقوله: (فأكثر) حينئذٍ كأنه يخالف ما سبق لا، الحكم هنا باعتبار الظاهر.
(وَالمُكَرَّرُ بَيْنَ مُقَدِّمَتَيِ القِيَاسِ) (فأكثر سواءٌ كان محمولاً) أي: هذا المكرر (فيهما أو في أحدهما، أم موضوعاً، أم مقدماً، أم تالياً) فعمَّم المصنف هنا.
قال: (عمَّم؛ ليدخُل القياسُ الاقتراني المركّب من الحمليات والشرْطيات).
(سواءٌ) هذا فيه تعميم.
(من مقدمتي القياس) والمقدمة تُطلق ويراد به الحملية، وتُطلق ويراد بها الشرطية.
ومعلومٌ أن الحملية موضوع ومحمول، والشرطية مقدَّم وتالي، فهنا عمَّم فجاء بلفظ سواء.
(سواءٌ كان محمولاً) ما هو الذي كان؟ أي: المكرَّر بين مقدمتي القياس (محمولاً، أم موضوعاً، أم مقدَّماً، أم تالياً) هذا فيه تعميم ليشمل القياس الاقتراني المركَّب من الحمليات والشرطيات.
(فالأوسط إن كان تالياً في الصغرى مقدَّماً في الكبرى فهو الشكل الأول) يعني: ليس خاصاً بالحمليات، الحمليات أمرُها ظاهر.
(وإن كان العكس فهو الرابع، وإن كان تالياً فيهما فهو الثاني، وإن كان مقدَّماً فيهما فهو الثالث) فيما سيأتي إن شاء الله.
(وعلى قياس الحمليات شرائطُ إنتاجها حتى يُشترط في الأول -الشكل الأول- إيجاب الصغرى وكُلِّيَّة الكبرى، وفي الثاني اختلافُ المقدمتين في الكيف وكُلِّيَّة الكبرى نحو: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، وكلما كان النهار موجوداً فالأرض مضيئة).
يعني: كل ما سيذكره المصنف هنا مما يتعلق بالحمليات فالشرطيات كذلك، كما أن الحمليات تكون في الشكل الأول والثاني والثالث والرابع، تنقسم الأشكال أربعة أنواع، هذا ليس خاصاً بالحمليات وإنما يدخل كذلك الشرطيات، وكل ما تعلَّق بالشكل من ضروب وأشكال ونتائج كذلك الشأن في الحمليات كالشأن في الشرطيات، والشأن في الشرطيات كالشأن في الحمليات. لا فرق بينهما البتة.
ولذلك عمَّم المصنف هنا قال: (سواءٌ كان محمولاً أم موضوعاً) هذا في الحمليات (أم مقدَّماً أم تالياً) فكل ما سيأتي حينئذٍ يُحمل على الحملية والشرطية.
стр. 333
(وتعميم الشارح فيه توركٌ على المصنف حيث خص البيان بالقياس الاقتراني الحملي بقوله: (يُسَمَّى حَدًّا أَوْسَطَ)؛ لتوسُّطه بين طرفي المطلوب).
(وَمَوْضُوعُ المَطْلُوبِ يُسَمَّى حًدًّا أَصْغَرَ.
وَمَحْمُولُهُ يَسَمَّى حَدًّا أَكْبَرَ).
قال: "موضوع ومحمول" إذاً: ما عمَّم، فأراد الشارح أن يُنكِّت عليه .. يورِّك عليه، فحينئذٍ قال: (سواءٌ كان محمولاً أم موضوعاً، أم مقدَّماً أم تالياً، فإن البيان المذكور إنما يجري فيه دون الشرط) لو قيدناه بالموضوع والمحمول (كما قصر البيان في العكس والتناقض عليه.
ولو قال بدل الموضوع المحكوم عليه، وبدل المحمول المحكوم به فإنَّ هذه الاصطلاحات المذكورة جارية في القياس الاقتراني المركَّب من الشرطيات لكان أضبط وأفيَد) من أجل التعميم؛ لئلا يُظن بأن الحكم خاصٌ بالحمليات.
قال: (وَالمُكَرَّرُ بَيْنَ مُقَدِّمَتَيِ القِيَاسِ يُسَمَّى حَدًّا أَوْسَطَ).
(أما تسميتُه حداً فلِوقُوعه طرفاً للقضية) يعني: جزءاً، الطرف ليس المراد الأخير لا، قد يكون موضوعاً، المراد طرفاً يعني: جزءاً من القضية.
(موضوعاً أو محمولاً، أو مقدَّماً أو تالياً، ولكونه طرفاً للنسبة).
قال الشارح: (لتوسطه بين طرفي المطلوب) المطلوب المقصود به هنا: النتيجة.
(لتوسطه بين طرفي المطلوب) يعني: طرفي النتيجة.
(لتوسطه عِلَّةٌ لتسميته أوسط أي: لأنه وسيلةٌ لنسبة الأكبر للأصغر، فهو في المعنى وسطٌ بينهما).
يعني: إذا قيل: العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادِث، أين المكرَّر هنا بين قضيتين؟ متغيِّر، جاء محمولاً في الصغرى .. العالم متغيِّر جاء محمولاً، وكل متغير هذا جاء موضوعاً.
حينئذٍ ما وجهُ الربط، هو جيء به للتوسط بين طرفي المطلوب يعني: يكون واسطة، كيف واسطة؟ العالم متغيِّر وكل متغيِّر .. دخل فيه العالم، صار من أفراده العالم.
إذاً: صار ارتباط بين المقدمتين، فصار شبه امتزاج بين المقدمتين.
فحينئذٍ العالم متغيِّر. حكَمْت على العالم بكونه متغيراً، ثم جئتَ بمقدمة كبرى قلتَ: كل متغيِّر حادث. هل هذه أجنبية من كل وجه عن المقدمة الصغرى لا، بينهما ارتباط، ما هو؟ أن العالم فردٌ من أفراد موضوعها، كيف عرَفنا؟ لكونه موضوعاً وحُمل عليه الحد الأوسط، ولذلك هو يُدخل الموضوع -موضوع الصغرى- في الوصف ثم يكون فرداً من أفراد موضوع الكبرى، فصار بينهما ترابط.
ولذلك قلنا فيما سبق أن المقدمتين هكذا: جاء زيدٌ وذهب عمروٌ. لا يكون بينهما قياس؛ لأنه ليس بينهما ارتباط، والارتباط إنما يحصل بالحد الأوسط، الحد الأوسط هو المكرر قد يكون موضوعاً في الصغرى محمولاً، قد يكون .. ولذلك عمَّم قال: (سواءٌ كان محمولاً، أم موضوعاً، أم مقدَّماً، أم تالياً) يأتي في هذه المواضع الأربعة.
حينئذٍ نقول: هذا يسمى الحد الأوسط (وَالمُكَرَّرُ بَيْنَ مُقَدِّمَتَيِ القِيَاسِ يُسَمَّى حَدًّا أَوْسَطَ) (لتوسطه بين طرفي المطلوب) العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث العالم حادث، كيف جئنا إلى العالم حادث؟ قلنا: بواسطة، هذه الواسطة هي التحليل السابق الذي ذكرناه في إدخال أحد النوعين تحت الآخر، ولذلك قال هنا: (لتوسُّطه عِلَّةٌ لتسميته أوسط.
стр. 334
أي: لأنه وسيلةٌ لنسبة الأكبر للأصغر، فهو في المعنى وسطٌ بينهما).
قال: (وَمَوْضُوعُ المَطْلُوبِ) (في الحملية ومقدَّمُه في الشرطية) (يُسَمَّى حًدًّا أَصْغَرَ).
موضوع النتيجة العالم، حينئذٍ نقول: العالم هذا موضوع النتيجة، يسمى حداً أصغر.
أين هو موجود؟ هو موضوع الصغرى.
(يُسَمَّى حًدًّا أَصْغَرَ) (لأنه أخصُّ في الأغلب) أخص من ماذا؟ من المحمول.
(والأخصُّ أقلُّ أفراداً، بخلاف الأعم فهو أكثر أفراداً).
قال: (وَمَحْمُولُهُ) (أي: المطلوب في الحملية، وتاليهِ في الشرطية) (يَسَمَّى حَدًّا أَكْبَرَ).
إذاً: عندنا ثلاثة حدود: الأول الحد الأوسط وهو المكرر .. مقدمتين. يعني: الحد الأوسط تنظر إلى القياس .. المقدمتين، المكرر فيهما -في القضيتين .. في المقدمتين- هو الحد الأوسط.
الأصغر والأكبر تنظر إلى النتيجة، فموضوعُها هو الأصغر، ومحمولُها هو الأكبر، أو مقدَّمُها هو الأصغر، وتاليها هو الأكبر.
قال: (وَمَحْمُولُهُ) (أي: المطلوب في الحملية، وتاليه في الشرطية) (يَسَمَّى حَدًّا أَكْبَرَ) (لأنه أعمُّ في الأغلب).
العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث العالم حادث، حادث أعم يشمل العالم وغيرَه.
(لأنه أعمُّ في الأغلب، والأعمُّ أكثر أفراداً).
قال: (وَالمُقَدِّمَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَصْغَرُ تُسَمَّى صُغْرَى) (لاشتمالها على الأصغر).
(وَالَّتِي فِيهَا الْأَكْبَرُ تُسَمَّى كُبْرَى) (لاشتمالها على الأكبر) هذا لا إشكال فيه.
قال: (واقتران الصغرى بالكبرى في الإيجاب والسلب، وفي الكُلّيّة والجزئية يسمى قرينة وضَرْباً).
(اقتران) يعني: اجتماع واصطحاب.
(الصغرى بالكبرى) العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث اصطحبا، ثم نُظر إليهما باعتبار السلب والإيجاب الكُلّيّة والجزئية، النظر هذا في هذه الهيئة من حيث السلب والإيجاب والكُلّيّة والجزئية لا باعتبار الحد الأوسط وتَكراره، أو الأصغر أو الأكبر لا، لا بالنظر إلى الحدود وإنما بالنظر إلى السلب والإيجاب أو الكُلّيّة والجزئية، يسمى قرينة وضرباً.
(ظاهرُه أن القرينة والضرب اسمٌ لذلك الاقتران، ومثلُه يقال في: وهيئة التأليف .. إلى آخره).
قال السعد: التحقيق أنَّ القياس باعتبار إيجاب مقدمتيه المقترنتين وسلبهما وكليتهما وجزئيتهما يسمى قرينة وضرباً.
وباعتبار الهيئة الحاصلة له من كيفية وضْع الحد الأوسط عند الأصغر، والأكبر من جهة كونِه موضوعاً لهما أو محمولاً عليهما، أو محمولاً على أحدِهما، وموضوعاً للآخر يسمى شكلاً). إذاً: فرْقٌ بين الضرب والشكل.
الضَّرْب يُنظر إلى السلب والإيجاب والكُلّيّة والجزئية، وأما باعتبار النظر في الحد في كونه محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى .. إلى آخره هذا يسمى شكلاً.
قال: (يسمى شكلاً. فقد يتعدد الضرب ويتحد الشكل) يتعدد الضرب .. الشكل واحد، حملٌ بالصغرى ووضعُه بكبرى، لكن تكون الأولى موجبة والثانية سالبة، تكون الأولى كُلّيّة والثانية كُلّيّة، الأُولى جزئية والثانية جزئية .. يتعدَّد، لكن الشكل واحد.
(وقد يكون بالعكس كالموجَبتين الكليتين من الشكل الأول والثالث.
وعبارة القطب: واقتران الصغرى بالكبرى في إيجابهما وسلبهما، وكليتهما وجزئيتهما يسمى قرينة.
стр. 335
والهيئة الحاصلة من وضع الحد الأوسط عند الحدين الآخرين بحسب حمله عليهما أو وضعه لهما أو حمله على أحدهما ووضعه للآخر تسمى شكلاً).
إذاً: اتفقا القطب والسعد.
قال هنا: (واقتران الصغرى بالكبرى في الإيجاب والسلب، وفي الكُلّيّة والجزئية يسمى قرينة وضرباً).
(وَهَيْئَةُ التَّألِيفِ) المراد به التركيب.
(وَهَيْئَةُ التَّألِيفِ) (أي: التركيب الحاصلة للقياس من اجتماع الصغرى والكبرى) (تُسَمَّى شَكْلاً) (تشبيهاً لها بالهيئة الحسية الحاصلة من إحاطة الحد الواحد أو الحدود بالمقدار).
إذاً: هيئة التأليف من اجتماع الصغرى والكبرى باعتبار الحد الأوسط. نقول: هذا يسمى شكلاً.
وبالنظر إلى السلب والإيجاب الكُلّيّة والجزئية يسمى ضرباً.
قال: (وَالْأَشْكالُ أَرْبَعَةٌ) الآن شُرُوعٌ في الأشكال (والأشكال أربعةٌ؛ لأن النظر هنا يكون باعتبار الحد الأوسط؛ لأن الحد الأوسط إن كان محمولاً) يعني: على الأصغر (في الصغرى موضوعاً) للأكبر (في الكبرى).
حملٌ بصغرى وضعُه بكبرى، هذا يسمى شكلاً أولاً.
كل جيم باء وكل باء ألف، انظر هنا: باء تكرَّر صار محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى.
إذاً: إذا تكرَّر الحد الأوسط، لا بد من وجود حد أوسط.
إن كان محمولاً في الصغرى، موضوعاً في الكبرى فهو الشكل الأول.
إذاً: (لِأَنَّ الحَدَّ الْأَوْسَطَ إِنْ كَانَ مْحمُولاً) على الأصغر (فِي الصُّغْرَى مَوْضُوعًا) للأكبر (فِي الْكُبْرَى) نحو: كل جيم باء وكل باء ألف (فَهُوَ الشَّكْلُ الْأَوَّلُ)
(الحَدَّ الْأَوْسَطَ إِنْ كَانَ مْحمُولاً فِي الصُّغْرَى مَوْضُوعًا فِي الْكُبْرَى) يسمى شكلاً أول، هذا أهم شيء، إذا حفظتَه طيب هذا.
الحد الأوسط إن كان محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى، حينئذٍ يسمى شكلاً الأول.
العالم متغيِّر وكل متغيِّر حادث هذا من الشكل الأول.
لأن الحدَّ الأوسط وهو متغير وقع محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى.
(فَهُوَ الشَّكْلُ الْأَوَّلُ) لأنه على الترتيب الطبيعي وهو الانتقال من الأصغر للأوسط، ثم الانتقال منه إلى الأكبر.
قال هنا: (وَإِنْ كَانَ مَحْمُولاً فِيهِمَا) يعني: الحد الأوسط محمولاً فيهما: في الصغرى والكبرى، نحو: كل جيم باء ولا شيء من ألف باء.
انظر باء هو الحد الأوسط، جاء مكرراً. محمولاً في الصغرى ومحمولاً في الكبرى نحو: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم مثلاً، حينئذٍ نقول: حيوان هذا حدٌ أوسط جاء محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى.
قال هنا: (فَهُوَ) الشكل (الثَّانِي) يعني: إن كان الأوسط محمولاً فيهما أي: في المقدمتين.
(فَهُوَ) الشكل (الثَّانِي).
(يعني: يتلو الشكل الأول؛ لأنه شابه الأول في حمل الأوسط في صُغراه التي هي أشرف من كُبراه؛ لاشتماله على الأصغر الأشرف من الأكبر.
نحو: كل جيم باء ولا شيء من ألف باء، فهو الشكل الثاني.
(وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعًا فِيهِمَا) يعني: في المقدمتين الصغرى والكبرى نحو: كل جيم باء وكل جيم دال صار موضوعاً في الصغرى والكبرى.
جيم باء، جيم دال. إذاً: جيم هو الحد الأوسط.
(فَهُوَ) الشكل (الثَّالِثُ).
(لأنه أشبه الأول في وضع الوسط للأكبر في الكبرى نحو: كل جيم باء وكل جيم دال.
стр. 336
وإن كان موضوعاً في الصغرى محمولاً في الكبرى -عكس الشكل الأول- نحو: كل باء جيم وكل ألف جيم فهو الشكل الرابع المخالِف للأول في مقدمتيه البعيد عن مقتضى الترتيب الطبيعي جداً؛ لأنَّ فيه انتقالاً من الوسَط للأصغر، ثم من الأكبر إليه).
إذاً: هذه أربعة أشكال: الأول: حملٌ بصغرى وضعٌ بكبرى. الذي هو الشكل الأول.
الثاني: أن يكون محمولاً فيهما.
الثالث: أن يكون موضوعاً فيهما.
الرابع: عكس الأول: أن يكون موضوعاً في الصغرى محمولاً في الكبرى.
قال رحمه الله تعالى: (فإن قلتَ) اعتراض (فلا يتكرر الحد الأوسط إلا في الثاني والثالث) يعني: دون الأول والرابع (فلا يتكرر الحد الأوسط فيهما، وتَكراره شرطٌ في كل شكلٍ).
يعني: مرادُه ما مرَّ معنا مراراً وهو: أن الموضوع إذا نُقل هل يُنقل بِصدقِه على ما صدق عليه في الأول أو لا؟ هذا المراد.
يعني: إذا قلنا: كل العالم متغيِّر، المتغيِّر المراد به المفهوم لا الأفراد. وكل متغيِّر هنا مكرر، هل المراد به المفهوم؟ لا. المراد به الأفراد، فكيف تكرر؟ إذاً: اختلفا.
قال السعد: الحد الأوسط في الشكل الأول والرابع ليس بمكررٍ؛ لأنه إذا وقع محمولاً فالمراد به المفهوم، وإذا وقع موضوعاً فالمراد به الذات) يعني: الأفراد، والجواب ما سيذكره المصنف.
قال: (فإن قلتَ: فلا يتكرر الحد الأوسط إلا في الثاني والثالث؛ لأنَّ المراد بالأوسط: إذا وقع موضوعاً الذات -يعني: الأفراد- وإذا وقع محمولاً المفهوم).
اللفظ ولو اتحد، ولو كان عينَه، إذا وقع موضوعاً فالمراد به الذات -يعني: الأفراد- وإذا وقع محمولاً فالمراد به المفهوم.
يعني: المعنى الحقيقي الذي يكون ذهنياً.
قلنا: (وقوعُه) يعني: الأوسط.
(محمولاً) في صغرى الأول مثلاً.
(وإن أُريد به) يعني: بالأوسط (المفهوم، لكن ليس المراد أن ذات الموضوع عينُ المفهوم).
(ليس المراد أن ذات الموضوع) يعني: أفراد الأصغر (عين المفهوم) للأوسط.
(بل أنه يصدُق عليه المفهوم) يعني: المراد به الأفراد ولا شك أنه إذا أُريد به الأفراد لا ينفك عنه المفهوم كُلّياً .. متباينان لا، الأفراد يصدُق عليه المفهوم.
الإنسان حيوان ناطق، إذا اعتبرت الإنسان أنه محمولاً، فالمفهوم هو الحيوان الناطق، وإذا اعتبرتَه أفراداً فحينئذٍ الأفراد هذه لم تنفك عن المعنى، بل يصدُق عليها. هذا المراد هنا.
ولذلك قلنا: العالم متغيِّر. أدخلتَ العالم، فحكمت عليه بأنه متغيِّر، ثم صار العالم متغيِّر داخلاً في كل متغيِّر، صار فرداً من أفراده.
فيصدُق عليه المفهوم كما يصدُق عليه الذات، فحينئذٍ لا انفكاك.
قال: (قلنا: وقوعُه محمولاً) يعني: الأوسط محمولاً في الصغرى .. الأول مثلاً.
(وإن أُريد به المفهوم) لا نخالِف في هذا. ما دام أنه وقع محمولاً فالمراد به المفهوم.
(لكن ليس المراد أن ذات الموضوع) إذا جُعل موضوعاً (عين المفهوم) للأوسط.
(بل أنه يصدُق عليه) أي: أن ذات الموضوع وأفراده يصدق عليها المفهوم للأوسط، فيتكرر الأوسط في جميع الأشكال لأنه بمنزلة أن يقال: ذات الأصغر يصدُق عليه مفهوم الأوسط، وكلُّ ما يصدُق عليه مفهوم الأوسط يثبُت له الأكبر.
стр. 337
ذاتُ الأصغر يصدُق عليه مفهوم الأوسط: العالم ذات الأصغر، يصدق عليه مفهوم الأوسط أنه متغيِّر، وكلُّ ما يصدق عليه مفهوم الأوسط أنه متغيِّر يثبُت له الأكبر وهو أنه حادِث.
قال رحمه الله تعالى: (وقدَّم الشكلَ الأول لأنه المنتِج للمطالب الأربعة كما سيأتي) يعني: له إنتاجات أربعة وكلُّها مستوفاة.
قال هنا: (للمطالب الأربعة أي: الموجَبة الكلية والجزئية والسالبة كذلك).
قال: (ولأنه على النظم الطبيعي).
(أي: موافق للطبع في الاستدلال على المطلوب بخلاف باقي الأشكال، ولذا تُرَدُّ إليه عند الاحتياج إليها، فمن ثَم جُعل في الرتبة الأُولى، والنظم الطبيعي هو الانتقال على التدريج من الأصغر إلى الأوسط) العالم تُدخِله في المتغير، ثُم تنتقل إلى المتغير فيكون موضوعاً، فدخل فيه العالم متغيّر وانتقلتَ إلى أنْ صدَقَ عليه محمولُ الكبرى ثم النتيجة.
إذاً: فيه ترتيب، وهذا الترتيب موافق للطبيعة.
(الانتقال على التدريج من الأصغر للأوسط، ثم منه إلى الأكبر. وهذا لا يوجد إلا في الأول فهو أقرب إلى الطبع، بمعنى أن الطبيعة مجبولةٌ على الانتقال من الشيء إلى الواسطة، بأن يتصور العقل أولاً شيئاً، ثم يحكُم عليه بالواسطة بأن يحمِلها عليه، ثم يحكم على الواسطة بأن يحمل عليه شيئاً آخر، فيلزم من هذين الحُكمين الحكمُ على الشيء الأول بالشيء الآخر نحو: العالم متغير وكل متغير حادث؛ فإنك لما حكمتَ على جميع أفراد العالم بالمتغير، وحكمت على جميع أفراد المتغير بحادث لزِم أن يُحكم على جميع أفراد العالم بحادث، فيكون حكم الواسطة مقتضياً للمطلوب) على ما ذكرناه (أي: الحُكم على العالم بأنه حادث).
قال رحمه الله تعالى: (ولأنه على النظم الطبيعي وهو الانتقال من الموضوع إلى الحد الأوسط، ثم منه إلى المحمول حتى يلزم الانتقال من الموضوع إلى المحمول).
يعني: لو قال من الحد الأصغر إلى الحد الأكبر كان أحسن، من الموضوع يعني: الحد الأصغر. إلى المحمول يعني: الحد الأكبر. هذا أحسن.
(ثم الثاني) يعني: ثنَّى به .. الشكل الثاني.
(لأنه) أي: الشكل الثاني.
(أقربُ الأشكال الباقية إليه) يعني: الأَول.
(لمشاركته الثاني إياه) الأول، في ماذا؟ (في صغراه التي هي أشرف المقدمتين؛ لاشتمالها على الموضوع الذي هو أشرف من المحمول؛ لأن المحمول إنما يُطلب لأجله) للموضوع (إيجاباً أو سلباً).
إذاً: هنا الثاني ثنَّى به لأنه اشترك مع الأول في الصغرى، في أن الحد الأوسط في كلٍ منهما محمولاً. الشكل الأول: الحد الأوسط محمول في الصغرى، وفي الثاني: كذلك محمولٌ في الصغرى بخلافه في الكبرى؛ لأنه محمولٌ فيهما.
فحينئذٍ نقول: اشترَكا. إذاً: الجزء الأول استوى فيه الشكل الأول والثاني فصار قريباً منه.
(ثم الثالث لأن له قُرباً ما إليه؛ لمشاركته إيَّاه في أخص المقدمتين) وهي الكبرى.
وإنما كانت أخص لاشتمالها على محمول المطلوب الذي يُطلب لأجل الموضوع فيكون الموضوع أشرف منه وهو أخص) القضية المشتملة عليه أخص.
(ثم الثالث لأنَّ له) يعني: الثالث (قُرباً ما إليه) للأول.
(لمشاركته) يعني: الثالث (إيّاه) الأول (في أخص المقدمتين، بخلاف الرابع لا قرب له أصلاً) لأنه عكْس السابق.
стр. 338
يعني: في الصغرى خالفَه صار موضوعاً، وفي الكبرى خالفَه فصار محمولاً.
(لمخالفته إياه فيهما، وبُعدِه عن الطبع جداً؛ إذ لا يُستحصل به المطلوب إلا بعد أعمالٍ كثيرة، ولذا أًسقَطه الرئيس والفارابي من الأشكال) يعني: عدوا الأشكال ثلاثة، الرابع هذا لا يُلتفت إليه.
الخِسَّة المراد بها اشتمالها على محمول المطلوب الذي يُطلب لأجل الموضوع، فيكون الموضوع أشرف منه وهو أخص.
عندهم قاعدة: الموضوع أشرف من المحمول، والنتيجة فيها موضوعٌ وفيها محمول. حينئذٍ المقدِّمة التي اشتملت على موضوع النتيجة أشرف، وأشرف من المقدمة التي اشتملت على المحمول، هذا الذي يترتب عليه قضية الشرف.
(وَالشَّكْلُ الثَّانِي مِنْهَا) من الأشكال أي: الأشكال الأربعة، وهو ما حُمل فيه الأوسط في المقدمتين نحو: كل فرسٍ حيوان ولا شيءٍ من الحجر بحيوان، يُنتِج لا شيء من الفرس بحجر.
(يَرْتَدُّ إِلَى الْأَوَّلِ) يعني: يَرجع إلى الأول، فالرِّدة هنا اصطلاحية عُرفية يعني: رجَع إلى الأول.
(وَالشَّكْلُ الثَّانِي مِنْهَا يَرْتَدُّ إِلَى الْأَوَّلِ) يعني: يرجع إلى الأول. بماذا؟
(بَعَكِسِ الْكُبْرَى) يعني: تأتي بعكسها، لا بد أن تكون ضابط العكس، لا بد أن تأتي بالعكس.
(وهي في قولنا في المثال المتقدم: لا شيء من الحجر بحيوان وعكسُه: لا شيء من الحيوان بحجر؛ لأنها سالبةٌ كُلِّيَّة، عَكْسُها كهي) يعني: السور السلبي يبقى كما هو.
(ويُضم هذا العكس للصغرى فيَرجع للأول هكذا: كل فرسٍ حيوان) جاء محمولاً (ولا شيء من الحيوان بحجر) جاء موضوعاً، هذا الشكل الأول. رَدَدته بعد أن كان محمولاً فيهما إلى الشكل الأول (يُنتِج: لا شيء من الفرس بحجر).
إذاً: (الثَّانِي مِنْهَا يَرْتَدُّ إِلَى الْأَوَّلِ) يعني: ترُده إلى الأول، كيف ترُده؟
إذا وقع محمولاً فيهما، ترُده (بَعَكِسِ الْكُبْرَى) تأتي بالعكس.
وحينئذٍ ينتظم منها قياس، فيكون محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى.
قال: (لأنها المخالِفة للنظم الطبيعي) لأنها أي: العكس .. الكبرى.
الكبرى مخالفة للنظم الطبيعي يعني: لماذا نأتي بعكسها؟ لأنها مخالفة للنظم الطبيعي، فنحتاج إلى تقريبها ما يكون موافقاً للطبيعة.
يرد السؤال أولاً، الشكل الثاني مخالف للأول، يمكن أن ترُده إلى الشكل الأول، ماذا تصنع؟ تعكس الكبرى، لماذا الكبرى دون الصغرى؟ لأنها هي التي خالفت النظم الطبيعي، ونحن قلنا الشكل الثاني أقلَّ موافقة للطبيعة، حينئذٍ نريد أن نرُده، نرُده بماذا؟ بعكس الكبرى؛ لأن الكبرى هي التي وقع فيها الخلاف.
(لأنها) أي: الكبرى في الشكل الثاني هي المخالفة للنظم الطبيعي.
(بأن تقول في مثاله السابق) هذا تصوير لعكس الكبرى (في مثاله السابق: ولا شيء من باء ألف) ذكرناه فيما مضى.
(ولا شيء من باء ألف لأنها سالبة كُلِّيَّة عكسُها مثلُها).
قال هنا: (وَالثَّالِثُ يَرْتَدُّ إِلَيْهِ) يعني: إلى الأول.
(وَالثَّالِثُ) ما هو الثالث؟ أي: الذي الحد الأوسط موضوعٌ فيه فيهما: كل جسمٍ مؤلَّف وكل جسم حادث .. جسم جسم، وقع موضوعاً في المقدمتين.
قال: (وَالثَّالِثُ يَرْتَدُّ إِلَيْهِ) يعني: الأول.
(بِعَكْسِ الصُّغْرَى) لأنها هي المخالفة.
стр. 339
(لأنها) أي: الصغرى في الثالث (المخالفة لذلك) أي: للنظم الطبيعي.
(بأن تقول في المثال السابق: بعض باء جيم) لأنها كُلِّيَّة.
(يَرْتَدُّ) أي: يَرجع (إِلَيْهِ بِعَكْسِ الصُّغْرَى) بأن يقال في المثال: بعض المؤلَّف جسم؛ إذ عكسُ الموجبة الكُلِّيَّة سالبة جزئية.
قال: (إذ عكسُ الموجَبة الكُلِّيَّة موجَبة جزئية، ويُظم هذا العكس صغرى لكبرى، فيرجع للأول هكذا: بعض المؤلَّف جسمٌ وكل جسمٍ حادث يُنتِج بعض المؤلَّف حادث.
حينئذٍ ينتظم الثالث مع عكس الصغرى فيكون كالأول) رجع إلى الأول، بأنْ كان محمولاً في الصغرى موضوعاً في الكبرى.
قال هنا: (بأنها المخالفة لذلك -أي: النظم الطبيعي- وهي صغرى الأَول، بأن تقول: تصوير العكس الصغرى، مثاله السابق -أي: في قوله: وإن كان موضوعاً فيهما- نحو: كل جيم باء وكل جيم دال بعض باء جيم) هذه الصغرى بعد عكسِها؛ لأنها موجبة كُلِّيَّة وعكسها موجبة جزئية.
(وَالرَّابِعُ) (أي: ما وُضع فيه الحد الأوسط في الصغرى، وحُمل في الكبرى نحو: كل إنسانٍ حيوان وكل ناطقٍ إنسان).
صار موضوعاً في الصغرى محمولاً في الكبرى، عكس الشكل الأول، هذا أبعدُها.
(يَرْتَدُّ إِلَيْهِ) يعني: يرجع إلى الأول (بِعَكْسِ التَرْتِيبِ).
تصوير هذا العكس الترتيبي:
بأن تقول في مثاله السابق: كلُّ باء ألف كل جيم باء. إذاً: عكَسَه قال: كل ألف باء وباء جيم. يعني: يَجعل الموضوع محمولاً والمحمول موضوعاً وهكذا.
قال هنا: (بِعَكْسِ التَرْتِيبِ) (أي: بين المقدمتين بتأخير الصغرى وجعلِها كبرى، وتقديمِ الكبرى وجعلِها صغرى، بأن تقون مثال المتقدم: كل ناطق إنسان وكل إنسان حيوان، يُنتج: كل ناطقٍ حيوان).
إذا رَدَدتَه إلى الأَول وهو الشكل الرابع رَدَدته إلى الأول (بِعَكْسِ التَرْتِيبِ) يعني: بقلْب المقدمتين.
قال هنا: (أَوْ بِعَكْسِ المُقَدِّمَتَيْنِ جَمِيعًا) (أي: بعكس كل واحدة باقيةً في محلها) يعني: تأتي بعكسها، المقدمة الصغرى تُبقيها كما هي وتأتي بعكسِها، والمقدمة الكبرى تبقيها كما هي وتأتي بعكسها، فتُثبت العكس.
كأنه يقول: الارتداد في الرابع له صورتان: إما عكسُ الترتيب، وإما إثبات الصغرى في محلها لكن بعكسها -العكس الاصطلاحي المستوي- أو إبقاء الكبرى في محلها مع عكسها –الذي هو عكس المستوي- فله صورتان.
(أَوْ بِعَكْسِ المُقَدِّمَتَيْنِ جَمِيعًا) (أي: بعكس كل واحدة باقيةً في محلها، بأن تقول في المثال المتقدم: بعض الحيوان إنسان) هو كل (وبعض الإنسان ناطق فقد رجع إلى الأول لكن لضربٍ عقيم لعدم كُلِّيَّة الكبرى) يعني: لا يُنتج.
يعني: الرابع رَدَدناه بلا فائدة؛ لأنه لن ينتج، هو رجَع لكنه صار عقيماً، والعقيم الذي لا يُنتج. هذا المراد به هنا.
(أَوْ بِعَكْسِ المُقَدِّمَتَيْنِ جَمِيعًا) (بعكس كل واحدة باقيةً في محلها).
(بأن تقول) يعني: التصوير لهذا العكس (فيه: بعض جيم باء وبعض باء ألف، وإن كان هذا غير منتجٍ لعدم كُلِّيَّة الكبرى.
ومثال ما يُنتج منه) من الرابع (كلُّ جيم باء ولا شيء من ألف جيم فيُردُّ بالعكس) الصورة الثانية (إلى بعض باء جيم ولا شيء من جيم ألف) هذا تمثِّله بالحيوان الناطق وتأتي معك.
стр. 340
ذكَره هنا: (بأن تقول فيه) أي: المثال السابق (تصويرٌ لعكس المقدمتين: بعض جيم باء .. ) إلى آخره.
(لأن الموجبة الكُلِّيَّة عكسُها موجَبة جزئية، وإن كان) هذه الواو حالية (منه) أي: الرابع (بعكس مقدمتيه).
قولُه: جيم باء أي: كل إنسان حيوان. كل جيم باء السابق هذا.
ولا شيء من ألف جيم أي: من الحجَر إنسان بالعكس أي: لكل مقدمة مع بقائها في محلها، قولُه: بعض باء جيم أي: هذا، فيُرد بالعكس إلى بعض باء جيم.
أي: لأن عكس الموجَبة الكُلِّيَّة موجبة جزئية، ولا شيء من جيم ألف؛ لأن السالب الكُلِّيَّة عكسُها مثلها، يُنتج ليس بعض باء ألف: ليس بعض الحيوان حجراً مثلاً.
قال رحمه الله تعالى: (وَالْكامِلُ) أي: الشكل الأول.
(الْبَيِّنُ الْإِنْتَاجِ) الكامل إنما كان كاملاً لإنتاجه المطالب الأربعة.
أي: لإنتاجه المطالب الأربعة مع كونه على النظم الطبيعي.
(الْبَيِّنُ) أي: الظاهر الذي لا خفاء في إنتاجه.
(الْبَيِّنُ الْإِنْتَاجِ) إنما (هُوَ) الشكل (الْأَوَّلُ) لما مر؛ لأنه موافقٌ للطبع .. إلى آخره.
(وَالشَّكْلُ الرَّابِعُ مِنْهَا بَعِيدٌ عَنِ الطَّبْعِ جِدًّا.
والَّذِي لَهُ طَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ وَعَقْلٌ سَلِيمٌ) سليم من موانع الإدراك، أو لا خلل فيه.
(والَّذِي لَهُ طَبْعٌ) أي: ذهن (مُسْتَقِيمٌ) مستقيم أي: لا عوج فيه.
(لاَ يَحْتَاجُ إِلَى رَدِّ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ) وإنما مباشرة يأتي بالنتائج.
(لاَ يَحْتَاجُ إِلَى رَدِّ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ) في استنتاجه لأَقربِيَته إليه كما مر؛ لأنه قريبٌ منه يعني: اشتركا في المقدمة الصغرى، كلٌ منهما: الحد الأصغر صار موضوعاً، فهو قريبٌ منه لا يحتاج إلى أن يُعمل ذهنه فيرُده إلى الشكل الأول، مباشرة يأتي بالنتائج.
قال: (في استنتاجه لأقربيته) يعني: الثاني (إليه) يعني: إلى الأول.
(كما مر) أي: في قوله: (ثُم الثاني لأنه أقرب الأشكال الباقية إليه .. ) إلى آخره.
قال هنا –فائدة-: (ولأن حاصل الثاني الاستدلال بتنافي اللوازم على تنافي الملزومات مثلاً: كل إنسانٍ حيوان ولا شيء من الحجر حيوان، قد تنافى لازم الإنسان وهو الحيوان ولازم الحجر، لا شيء من الحجر حيوان، مع أنه أثبت كل إنسان حيوان، ولا شيء من الحجر حيوان) نفاه (وقد تنافى هنا لازم الإنسان وهو حيوان، ولازم الحجر وهو لا حيوان، فلزم تنافي الإنسان والحجر).
قال هنا: (وَإِنَّمَا يُنْتِجُ الثَّانِي عِنْدَ اخْتِلاَفِ مُقَدِّمَتَيْهِ بِالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ).
أخَّر شرط الإنتاج، يعني: الأشكال الأربعة كل واحد لها شروط.
قال هنا: (وَإِنَّمَا يُنْتِجُ الثَّانِي عِنْدَ اخْتِلاَفِ مُقَدِّمَتَيْهِ بِالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ).
(عِنْدَ اخْتِلاَفِ مُقَدِّمَتَيْهِ) (أي: وعند كُلِّيَّة كبراهما).
يعني: شرطُه الاختلاف في الكيف: إحداهما موجبة والأخرى سالبة، مع كُلِّيَّة الكبرى يعني: له شرطان.
(أي: وعند كُلِّيَّة كبراهما، فإنتاج الثاني متوقفٌ على شرطين: اختلاف المقدمتين في الكيف في السلب والإيجاب، وكُلِّيَّةِ كُبراهما).
لكن اقتصر على أحد الشرطين.
стр. 341
قال: (وَإِنَّمَا يُنْتِجُ الثَّانِي عِنْدَ اخْتِلاَفِ مُقَدِّمَتَيْهِ بِالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ)
قال: (بأنْ) الباء هذه للتصوير يعني: أراد أن يفصِّل لك ما سبق، الاختلاف ما المراد به؟
(بأن تكون إحداهما موجَبة) إحدى المقدمتين الصغرى أو الكبرى، لكن إذا كانت الصغرى موجبة لزم الثانية أن تكون سالبة، وإذا كانت الصغرى سالبة لزم أن تكون الكبرى موجبة.
(بأن تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة؛ إذ) للتعليل، لماذا هذا القيد؟
(لو كانتا موجبتين أو سالبتين لاختلفت النتيجة) يعني: اضطربت، تصدُق تارة ولا تصدُق تارة، ومر معنا أنه إذا كانت النتيجة مضطربة غير مطردة لا قاعدة؛ لأن القوم هنا لا يُقعِّدون هنا إلا للمطّرد، فغير المطَّرد حينئذٍ لا يقعِّدون له.
(لاختلاف النتيجة؛ إذ لو كانتا موجَبتين) هذه علة (لاشتراط اختلافهما كيفاً في إنتاجه).
(لاختلاف النتيجة) أي: بصدقِها تارة وكذِبها أُخرى، وهذا يفيد أنها ليست لازمة.
(يُفيد عدمَ لزومها القياس، وأنها ليست نتيجتَه؛ إذ يستحيل انفكاكُ اللازم عن ملزومه) الملزوم الذي هو المقدمتان، واللازم الذي هو النتيجة.
فَإِنَّ لاَزِمَ المُقَدِّمَاتِ ... بِحَسَبِ المُقَدِّمَاتِ آتِ
(إذ لو كانتا موجَبتين أو سالبتين لاختلفت النتيجة) أراد أن يبين .. أمثلة ما نحتاجها.
(أما في الموجبتين، فلأنه يصدق كل إنسان حيوان وكل ناطق حيوان).
كل إنسان حيوان صادق، كل ناطق حيوان صادق.
(والحق الإيجاب) أي: كون النتيجة موجبة (وهي: كل إنسانٍ ناطق كما استلزمه القياس).
إذاً: صدَقتْ هنا.
(ولو بدَّلنا الكبرى: كل ناطق حيوان بقولنا: وكل فرسٍ حيوان كان الحق السلب أي: كون النتيجة سالبة وهي: لا شيء من الإنسان بفرس أي: والذي أنتَجه القياس الإيجاب).
(الحق السلب) يعني: الحق الذي ينبغي أن تكون النتيجة عليه لكن لم تكن وإنما جاءت موجَبة إذاً: لم تطرد النتيجة.
(والحقُّ السلب) يعني: الحق أن تكون سالبة، لكن النتيجة ليست سالبة بل هي موجبة.
قال هنا: (السلب أي: كون النتيجة سالبة وهي: لا شيء من الإنسان بفرس أي: والذي أنتجه القياس الإيجاب وهو: بعض الإنسان فرس. وهي كاذبة.
وأما في السالبتين فلأنه يصدُق: لا شيء من الإنسان بحجر، ولا شيء من الفرس بحجر، والحق السلب.
أي: وهو لا شيء من الإنسان بفرس كما أنتجه القياس) صدَقَت يعني.
(ولو بدّلنا الكبرى بقولنا: ولا شيء من الناطق بحجر كان الحق الإيجاب أي: وهو كل إنسانٍ ناطق. والقياس المذكور يُنتج: لا شيء من الإنسان بناطق وهو كاذب).
إذاً: هذا السر في اشتراط اختلاف الكيف: أنَّ إحداهما تكون سالبة والأخرى تكون موجبة.
إذ لو كانتا سالبتين صدَقت تارة وكذَبت تارة، أو كانتا موجبتين صدقت تارة وكذبت تارة أخرى. هذا المراد.
قال هنا: (ويُشترط في إنتاجه) أي: الثاني.
(أيضاً كُلِّيَّة الكبرى) لم يذكره الماتن، وإنما ذكره زيادة الشارح.
(ويُشترط في إنتاجه) يعني: إنتاج الثاني (أيضاً كما اشتُرط فيه اختلاف الكيف) فهما شرطان لا بد من توفرهما معاً.
قال: (كُلِّيَّة الكبرى، وإلا) أي: تكن كُلِّيَّةً بأن كانت جزئية.
стр. 342
(لاختلفت النتيجة) يعني: لم تطرد، وهذا ينافي كونها لازمة للقياس، إذا لم تطرد بمعنى أنها تصدق تارة وتكذب أخرى، فحينئذٍ نقول: هذا ينافي كونها لازمة للقياس؛ لأن اللازم لا يتخلف عن ملزومه.
قال هنا: (وإلا لاختلفت النتيجة).
أي: بصِدقها مع صدق القياس تارة وكذِبها معه أخرى.
وهذا يستلزم أنها ليست نتيجة لأنها لازمٌ وهو لا ينفك عن ملزومه. كقولنا: لا شيء من الإنسان بفرس، وبعض الحيوان فرس، والحق الإيجاب: كل إنسانٍ حيوان، فنتيجة القياس: بعض الإنسان ليس بحيوان وهو باطل.
ولو قلنا: وبعض الصاهل فرس كان الحق السلب أي: بعض الإنسان ليس بصاهل كما أنتجه القياس.
قال هنا: (وكقولنا: كل إنسانٍ حيوان) صادقة (وبعض الجسم ليس بحيوان) نعم. جماداً مثلاً.
(وبعض الجسم ليس بحيوان، والحق الإيجاب) أي: كل إنسانٍ جِسم، ونتيجة القياس: بعض الإنسان ليس بجسم كاذبة.
(ولو قلنا: وبعض الحجر ليس بحيوان كان الحق السلب) أي: بعض الإنسان ليس بحجر كما أنتجه القياس، فصدقت هنا (كان الحق السلبَ).
فشرط إنتاج الثاني بحسب الكيف اختلاف مقدمتيه سلباً وإيجاباً، وبحسب الكم كُلِّيَّة الكبرى، لا بد أن تكون الكبرى كُلِّيَّةً، فلو كانت جزئية حينئذٍ يكون عقيماً.
قال: (وشرطُ إنتاج الثالث بحسب الكيف) يعني: اختلاف مقدمتيه في الكيف (هذا يفيد أن الثاني لا ينتج إلا السلب كُلِّيَّاً أو جزئياً إذ النتيجة تتبع الخسيس دائماً) النتيجة تتبع الأخص منهما.
يعني: إن كان إحداهما سالبة والأخرى موجبة، كانت النتيجة سالبة، إن كانت إحدى المقدمتين جزئية والأخرى كُلِّيَّة كانت النتيجة جزئية .. وهكذا.
قال هنا: (وشرطُ إنتاج الثالث بحسب الكيف: إيجابُ الصغرى، وبحسب الكم: كُلِّيَّةُ إحدى مقدمتيه) سواءٌ كانت الصغرى أو الكبرى، ليس كالسابق.
(وشرطُ إنتاج الرابع بحسب الكيف والكم: إمَّا) للتخيير.
(إما إيجابُ المقدمتين مع كُلِّيَّة الصغرى، أو اختلافُهما بالكيف مع كُلِّيَّة إحداهما) يعني: هذا أو ذاك.
(وشرطُ إنتاج الأول بحسب الكيف: إيجاب الصغرى، وبحسب الكم: كُلِّيَّة الكبرى. كما يؤخذ من كلامه الآتي) ولذلك أخَّره، قدَّم ما يتعلق بالثاني والثالث والرابع؛ لأنه لن يفصِّل فيها، وإنما يفصِّل في الشكل الأول وهو الكامل.
قال: (وَالشَّكْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي جُعِلَ مِعْيَارَ الْعُلُومِ) يعني: النظرية .. ميزان، معيار كميزان وزْناً ومعنًى.
(وَالشَّكْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي جُعِلَ مِعْيَارَ الْعُلُومِ).
قال العطار: (كمكيال: ما يُقدَّر به الشيء، والمراد بالعلوم: النتائج) ولكن هنا عمم الشارح لم يخصَّه بالنتائج إلا إذا قيل: النتائج تستلزم المقدِّمات.
(والمراد بالعلوم النتائج، ولما كانت بقية الأشكال تُرَد إليها عند تحقُّق إنتاجها جُعل كأنه ميزانٌ لها، يُرفع به صحيحُها من فاسدها).
قال هنا: (وَالشَّكْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي جُعِلَ مِعْيَارَ الْعُلُومِ).
قال في الحاشية: (النظرية أي: ميزانُها؛ لارتداد البقية إليه كما مر).
стр. 343
(لارتداد البقية إليه المناسب لإنتاجه المطالب الأربعة، وكونه على النظم الطبيعي) هذه العِلَّة أحسن، لا لكون الأربعة أو الثلاثي ترتَد إليه وإنما لكونه على النظم الطبيعي وإنتاجه الأربعة. ولذلك سُمّي كاملاً لهذه العِلَّة، لا لكون الثاني يُرد إليها والثالث أو الرابع لا، ليس لهذه العِلَّة.
(فَنُورِدُهُ) (هنا وحدَه) يعني: نذكره هنا في التفصيل (وحدَه) الذي هو الكامل، الشكل الأول.
(مع ضروبه) (لِيُجْعَلَ دُسْتُورًا).
قال: (الدُّستور: بالضم النسخة المعلومة للجماعات التي فيها تحريرُها، مُعرَّبة والجمع دساتير).
فقول الشارح: (أي: قانوناً تفسيرُه باللازم) هكذا قال في القاموس: الدُّستُور: بالضم النسخة المعلومة للجماعات.
قال: (لِيُجْعَلَ دُسْتُورًا) بالضم، أي: قانوناً .. الدستور بمعنى القانون.
(وَليُسْتَنْتَجَ مِنْهُ المَطَالِبُ كُلُّهَا) وهي الموجَب الكُلِّيّ، والسالبُ الكُلِّيّ، والموجب الجزئي، والسالب الجزئي .. الإنتاجات الأربعة. بخلاف بقية الأشكال أي: لأن الثاني لا يُنتِج إلا السلب، والثالث لا يُنتج إلا الجزئي، والرابع لا يُنتج الإيجاب الكُلِّيّ. هذه فوائد طيبة.
الثاني لا ينتج إلا السلب، والثالث لا ينتج إلا الجزئي، والرابع لا ينتج الإيجاب الكُلِّيّ.
بخلال الشكل الأول فإنه ينتج المطالب كلها.
تُستنتَج منه المطالب كلها: الموجب الكُلِّيّ، والسالب الكُلِّيّ .. الكُلِّيّة بنوعيها.
والموجب الجزئي، والسالب الجزئي .. الجزئية بنوعيها، بخلاف بقية الأشكال.
قال: (وضُروبُه كضروب سائر الأشكال بحسب القسمة العقلية ستة عشر).
ضروب الشكل الأول (كضروب سائر) سائر بمعنى باقي، تأتي بمعنى جميع وتأتي بمعنى باقي.
(كضروب سائر الأشكال بحسب القسمة العقلية ستة عشر) كيف وصلنا إلى هذه الستة عشر؟
(لأن كلاً من مقدمتيه إما موجبة أو سالبة، وكلٌ من هاتين إما كُلِّيَّة أو جزئية) اثنين في اثنين= بأربعة، فجملةُ كلٍ منهما= أربعة .. مقدمتيه.
إما كُلِّيَّة أو جزئية، ثم إما سالبة أو موجبة. اثنان في اثنين بأربعة، صارت أربعة.
(والحاصل: من ضرب أربعة في أربعة ستة عشر) من أين جاءت الأربعة الثانية هذه؟
يعني: المقدمة الصغرى لها سالب موجب، كُلِّيَّة جزئية: اثنين في اثنين بأربعة، إذاً: أربعة.
ثم أربعة في الكبرى مثلها.
قال: (من ضرْب أربعة في أربعة ستة عشر، يسقط منها) من هذه الستة عشر، ليست كلها منتجة بل بعضُها عقيم.
(يَسقط منها بشرطي إنتاجه السابقَين) هما: إيجاب الصغرى وكُلِّيَّة الكبرى.
(اثنا عشر عقيمةً) يسقط اثنا عشر فاعل يسقط.
إذاً: من الستة عشر اثنا عشر عقيم، بقي أربعة من ستة عشر، والعقيمة كاسمها عقيمة .. لا تُنتج.
(اثنا عشر) هذا فاعل يسقط (عقيمة. ثمانية خرجت منها) من اثني عشر (بالأول) إيجاب الصغرى.
(حاصِلَةٌ: مِن ضرْب الكُلِّيَّة والجزئية السالبتين من الصغرى في الأربع الكُبْرَيات).
سقَطَ من الصغرى قلنا: إيجابُ الصغرى، اشترطنا إيجابَ الصغرى.
ما الاحتمالات للصغرى؟
كُلِّيَّة موجبة، جزئية موجبة. بقي اثنان.
стр. 344
كُلِّيَّة سالبة، جزئية سالبة خرجَت ليست مرادة، ولذلك قال: هما (إِيجَابُ الصُّغْرَى وَكُلِّيَّةُ الْكُبْرَى) (عقيمة لا تنتج منها) أي: الاثني عشر (بالأول) أي: إيجاب الصغرى.
(حاصلةٌ) أي: الثمانية.
(من ضرب الكُلِّيَّة والجزئية السالبتين من الصغرى) هذه خارجة.
(في الأربع الكُبريات) يعني: الكبريات الأربع كما هي.
فنأتي إلى الصغرى، اشترطنا الإيجاب، حينئذٍ السالبة الكُلِّيَّة والجزئية السالبة اثنان، اثنين في أربع بثمان، خرَجتْ بالشرط الأول.
قال: (يسقط منها بشرطي إنتاجه السابقين اثنا عشر عقيماً ثمانيةٌ منها بالأول) إيجاب الصغرى.
من أين جاءت الثمانية هذه؟ (حاصلة) الثمانية يعني: تحصَّلنا عليها.
(من ضرب الكُلِّيَّة والجزئية السالبتين من الصغرى) من الصغرى هذا حالٌ من الكُلِّيَّة والجزئية، يعني: هذا لا يُنتج؛ لأننا اشترطنا إيجابَ الصغرى.
إذاً: الكُلِّيَّة السالبة خرجت، وهي لها أربعة أحوال، والجزئية السالبة خرجَت ولها أربعة أحوال هذه ثمانية في الأربع الكبريات.
(وأربعة بالثاني) ما هو الثاني؟ الشرط الثاني: كُلِّيَّة الكبرى، كُلِّيَّة الكبرى سواء كانت موجبة أو سالبة، خرجت الجزئية الموجبة والجزئية السالبة، مع اثنين، اثنين في اثنين بأربعة.
قال: (وأربعة بالثاني) يعني: بالشرط الثاني "كُلِّيَّة الكبرى".
(حاصلةٌ من ضرب الجزئية الموجبة والجزئية السالبة من الكبرى في الكُلِّيَّة والجزئية الموجبتين من الصغرى) اثنان في اثنين بأربعة.
قال: (وَضُرُوبُهُ المُنْتِجَةُ أَرْبَعَةٌ)
(الضَّرب الأول: أن تكون المقدمتان موجبتين كليتين، والنتيجة: كُلِّيَّة موجَبة).
المقدمتان -الصغرى والكبرى- موجبتين كليتين، إيجاب الصغرى تحقَّق، الكُلِّيَّة الكبرى تحقق، النتيجة: كُلِّيَّة موجبة نحو: (كل جسمٍ مؤلَّف، كل مؤلَّفٍ حادث) أولاً هو من الشكل الأول، مؤلَّف هذا الحد الأوسط، محمولٌ في الصغرى، موضوعٌ في الكبرى.
النتيجة: فكل جسمٍ حادث، جعلَه أولاً لاشتماله على شرَفين: الكُلِّيَّة والإيجاب.
قال هنا: (فكل جسمٍ حادث) هذه النتيجة كُلِّيَّة موجبة؟ كُلِّيَّة موجبة. إذاً: أَنتَج.
(الثاني: أن تكونا -أي: المقدمتين- كليتين، والكبرى: سالبة، والنتيجة: سالبة كُلِّيَّة) تتبَع الأخص (كُلُّ جِسْمٍ مُؤَلَّفٌ) هذه صغرى، كُلِّيَّة موجبة.
(وَلاَ شَيْء مِنَ المُؤَلَّفِ بِقَدِيمٍ) هذه كُلِّيَّة سالبة.
(فَلاَ شَيْءَ مِنَ الْجِسْمِ بِقَديمٍ) هي النتيجة لأنها تتبَع خسيس المقدمتين في السلب أو الجزئية.
الثالث: (أن تكونا موجَبتين، والصغرى: جزئية، والنتيجة: موجبة جزئية نحو) (بَعْضُ الْجِسْمِ مُؤَلَّفٌ) هذه موجبة جزئية.
(وَكُلُّ مُؤّلِفٍ حَادِثٌ) كُلِّيَّة موجبة.
(فَبَعْضُ الْجِسْمِ حَادِثٌ) هذا موجبة جزئية، جعلَه ثالثاً لاشتماله على شرف الإيجاب.
(الرابع: أن تكون الصغرى موجبة جزئية، والكبرى سالبةً كُلِّيَّة، والنتيجة: سالبة جزئية نحو) (بَعْضُ الْجِسْمِ مُؤَلَّفٌ) جزئية موجبة.
(وَلاَ شَيْءَ مِنَ المُؤَلَّفِ بِقَدِيمٍ) هذه سالبة كُلِّيَّة.
(فَبَعْضُ الْجِسْمِ لَيْسَ بِقَدِيمٍ) هذه النتيجة سالبة جزئية.
стр. 345
قال: (والمنتج من ضروب الشكل الثاني أربعةٌ أيضاً -أي: كما أنتج السابق-، ومن الثالث ستة، ومن الرابع ثمانية عند المتأخرين، وخمسة عند المتقدمين. وعليه ابن الحاجب.
وتفصيل ذلك وأمثلتُه وإقامةُ البرهان عليه يُطلب من المطولات).
قال رحمه الله تعالى: (وَالْقِيَاسُ الاِقْتِرَانِيُّ).
عرفنا القياس الاقتراني: الذي دل على النتيجة بالقوة يعني: لا بالفعل.
قال: (وَالْقِيَاسُ الاِقْتِرَانِيُّ: إِمَّا أَنْ يَتَرَكَّبَ مِنْ حَمْلِيَّتيْنِ كَمَا مَرَّ:
وَإِمَّا مِنْ مُتَّصِلَتَيْنِ، وَإِمَّا مُرَكَّبٌ مِنَ مُنْفَصِلَتَيْنِ).
يعني: أراد أن يبين لك الاقتراني مما يتألف.
فقال: (إِمَّا أَنْ يَتَرَكَّبَ مِنْ حَمْلِيَّتيْنِ كَمَا مَرَّ) في الأمثلة السابقة كما في قولنا: كل جسمٍ مؤلَّف وكل مؤلَّف محدَث، هذا قياسٌ اقتراني مركبٌ من حمليتين، المقدمة الصغرى حملية، والمقدمة الكبرى حملية.
الصورة الثانية مما يتألف منه الاقتراني: وإما من الشرطيتين، المراد بالشرطيتين هنا: يعني: ما تقابل الحمليّة.
الحمليّة: قلنا لها ضابطان:
الأول: أن تنحل إلى مفردين، الثاني: أن لا يكون فيها تعليق.
الشرطية: أن تنحل إلى مفردين أو ألا تنحل؟
لو انحلَّت -على الخلاف- فحينئذٍ يكون بالقوة ولكن الشرط الثاني وهو أن يكون الحُكم فيها مُعلَّقاً، فالتعليق مهمٌ في الحمليّة والشرطية.
قال: (وإمَّا من الشرطيتين المتصلتين).
قال: (الأَولى وإما من الشرطيات، فيصدُق تركُّبُه منها وحْدَها، أو مع الحمليَّة، فإنَّ أقسامَه خمسة ويسمى شرطياً، فإن كانت أجزاءُه شرطيات فالتسمية ظاهرة، أو بعضُها حملي وبعضُها شرطي فتسميتُه بذلك لعلاقة الجزئية، وغلَّبوا في التسمية الجزء الشرطي لكونه أعظم).
يعني: قوله: من الشرطيتين، لو قال: من الشرطيات لكان أحسن؛ لأنه يصدق على الشرطيتين محضاً وعلى الشرطية والحملية، لا مانع أن تكون الصغرى حملية والكبرى شرطية. وبالعكس كما أنه قد يتألف من حمليتين أو شرطيتين كذلك باختلاف الحمليّة والشرطية.
قال هنا العطار: (قولُه: وإما من الشرطيتين المتصلتين. لما كان الأحق بهذا الاسم من بين الأقسام ما يتركب من متصلتين؛ لأن إطلاق الشرطية المتصلة حقيقي دون المنفصلة) وهو كذلك.
(وقع البَداءةُ في البحث به وهو على ثلاثة أقسام: لأنَّ المشترَك بينهما إما أن يكون جزءاً تاماً منهما -المقدَّم المقدم والتالي-، أو غير تامٍ، وإما جزءاً تاماً من أحدهما غير تامٍ من الآخر.
والمطبوع منه -يعني: المقبول، الذي تقبله النفس والطبيعة- ما كانت الشركة في جزءٍ تامٍ من المقدمتين، وتنعقد فيه الأشكال الأربعة؛ لأنه إن كان تالياً في الصغرى مقدَّماً في الكبرى فهو الشكل الأول، وإن كان تالياً فيهما فهو الشكل الثاني، وإن كان مقدماً فيهما فهو الشكل الثالث، وإن كان مقدماً في الصغرى تالياً في الكبرى فهو الشكل الرابع) يعني: عكْس الأول.
стр. 346
(وشرائطُه وعددُ الضروب والنتيجة في الكمية والكيفية في كل شكلٍ كما في الحمليات من غير فرقٍ) لا فرق بينهما البتة (حتى يُشترط في الأول: إيجاب الصغرى وكُلِّيَّة الكبرى، وفي الشكل الثاني: اختلافُ مقدِّمتيه في الكيف وكُلِّيَّة الكبرى إلى غير ذلك.
وكذلك عددُ ضروبها إلا في الشكل الرابع، فإن ضروبَه هنا خمسة .. ) إلى آخر ما ذكَره؛ لأنا لم نذكر ما يتعلق بالشكل الرابع.
إذاً: (وإما من الشرطيتين المتصلتين) (كَقَوْلِنَا: إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالنَّهَارُ مَوْجُودٌ وَكُلَّمَا كَانَ النَّهَارُ مَوْجُودًا فالْأَرْضُ مُضِيئَةٌ، يُنْتِجُ: إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالْأَرْضُ مُضِيئَةٌ).
(إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالنَّهَارُ مَوْجُودٌ) الشمس طالعة هذا مقدَّم، فالنهار موجودٌ هذا تالٍ.
(وَكُلَّمَا كَانَ النَّهَارُ مَوْجُودًا) هذا حد الوسط محمولٌ في الصغرى موضوعٌ في الكبرى.
(فالْأَرْضُ مُضِيئَةٌ) هذا التالي مقدِّمة كبرى.
(يُنْتِجُ: إِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً فَالْأَرْضُ مُضِيئَةٌ).
قال: (وإما من شرطيتين منفصلتين) يعني: كما تألَّف من المتصلتين، تألّف كذلك من المنفصلتين.
قال العطار: (وأقسامُه ثلاثةٌ أيضاً، والمطبوع منه ما كانت الشركة في جزءٍ غير تام من المقدمتين، وشرطُ إنتاجه: إيجابُ المقدمتين وكُلِّيَّةُ إحداهما.
وصِدقُ منع الخلو، وتنعقد فيه الأشكال الأربعة أيضاً بحسب الطرفين المشاركين، والشرائط المعتبرة بين الحمليتين معتبرة هنا بين المشارِكَين ومحلُّه المطولات).
قال: (كَقَوْلِنَا: كُلُّ عَدَدٍ إِمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ).
(كل عدد فهو: إما زوجٌ وهو المنقسم بمتساويين) أي: صحيحين، أخرج الفرد.
(أو فردٌ وهو ما ليس كذلك) يعني: ما لا ينقسم إلى متساويين.
(وَكُلُّ زَوْجٍ فَهُوَ إِمَّا زَوْجِ الزَّوْجِ أَوْ زَوْجُ الْفَرْدِ).
الأربعة زوج الزوج.
(وَكُلُّ زَوْجٍ فَهُوَ إِمَّا زَوْجِ الزَّوْجِ).
قال: (وهو ما يتركب من ضرب زوجٍ في زوج) يسمى زوج الزوج، زوج في زوج: اثنين في أربعة، اثنين في ستة، ستة في ثمان .. كل هذا يسمى زوج الزوج؛ لأنه ضرْبُ زوجٍ في زوجٍ.
(أَوْ زَوْجُ الْفَرْدِ) (وهو ما تركب من ضرب زوجٍ في فردٍ) كالستة مثلاً: ثلاثة في اثنين، اثنين هذه زوج ضُرِب في ثلاث، يسمى زوج الفرد.
والعشرة: اثنين في خمسة إذاً: زوجٌ في فرد.
(وفسَّره بعضُهم بما لو قُسِم قسمةً واحدة لانتهت قسمتُه إلى عددٍ فردٍ غير الواحد) هذا زوج الفرد يعني: إذا قسَمه قسمة واحدة .. مرة واحدة، لانتهت قسمته إلى عددٍ فردٍ غير الواحد -يعني: نصف الاثنين- كستة وعشرة.
ستة تقسمها على اثنين= ثلاثة، إذاً: انتهى إلى فرد، عشرة تقسمها على اثنين انتهى إلى فرد .. خمسة.
(يُنْتِجَ: كُلُّ عَدَدٍ إِمَّا فَرْدٌ، أَوْ زَوْجُ الزَّوْجُ، أَوْ زَوْجُ الْفَرْدِ).
قال هنا: (وفسَّره بعضهم بما لو قُسِم قسمة واحدة) الذي هو زوج الفرد.
(لو قُسم قسمة واحدة لانتهت قسمتُه إلى عددٍ فردٍ غير الواحد كستة وعشرة.
(يُنْتِجَ: كُلُّ عَدَدٍ إِمَّا فَرْدٌ) وهو الذي لا ينقسم إلى متساويين.
стр. 347
(أَوْ زَوْجُ الزَّوْجُ) وهو ما تركب من ضرب زوجٍ في زوج.
(أَوْ زَوْجُ الْفَرْدِ) على المعنيين المذكور: إما أنه يتركب من ضرب زوجٍ في فرد، أو أنه يُقسم قسمة واحدة تنتهي إلى عددٍ فردٍ غير الواحد.
(وبقي زوج الزوج والفرد، وهو ما انقسم أكثر من مرة وانتهى تنصيفُه إلى عددٍ فردٍ ليس بواحد) احترز به عن اثنين (كاثني عشر) هذا ينقسم أكثر من مرة (إذ كلٌ من نصفيها ستة.
(وهي) أي: الستة (زوجٌ، وكلٌ من نصفي الستة ثلاثة وهي فردٌ.
بقي زوج الزوج والفرد، وهو ما انقسم أكثر من مرة) وما سبق انقسم مرة واحدة، هذا الفرق بينهما .. ما مر السابق انقسم مرة واحدة، هنا انقسم أكثر من مرة.
تقول: اثني عشر تقسِمه على اثنين= ستة، ستة على اثنين= ثلاثة. إذاً: انقسم أكثر من مرة.
(وهو ما انقسم أكثر من مرة وانتهى تنصيفُه إلى عددٍ فردٍ –ثلاثة- ليس بواحدٍ) وهذا احترز به عن الأربعة، فإنها زوج الزوج فقط.
(كاثني عشر؛ إذْ كلٌ من نصفيها ستة) يعني: إذا قُسِمت على اثنين.
(وهي زوجٌ) يعني: الستة.
(وكلٌ من نصفي الستة ثلاثة -إذا قُسِمت على اثنين- وهي فردٌ، فهذا مركَّبٌ من القسمين قبلَه؛ لأنه من حيث إنه انقسم نصفين كلُّ نصفٍ منهما زوجٌ).
انقسم قسمين: اثني عشر على اثنين= ستة.
(كل نصفٍ منهما زوجٌ أشبه زوجَ الزوج، ومن حيث إنه وُصِل به التقسيم إلى عددٍ فردٍ) إلى الثلاث، ستة على اثنين= ثلاثة.
(ومن حيث إنه وصل به التقسيم إلى عددٍ فردٍ غير الواحد أشبه زوج الفرد) إذاً: المراد المثال هنا فقط .. المثال السابق.
(أو من حمليَّة ومتصلة) يعني: الاقتراني يتألف من حملية ومتصلة.
(وأقسام هذا القياس أربعة) لأن الحمليّة إما أن تكون صغرى أو كبرى، وأياً ما كان فالمشارك لها إما مقدم متصلة أو تاليها.
(والمطبوع من بين الأقسام ما تكون حمليَّة كبرى والشرِكة مع تالي المتصلة؛ لأنه كلما يصدق المقدَّم يصدُق التالي بالضرورة) الاستلزام السابق: كلما صدق المقدَّم صدَق التالي.
(والحمليَّة صادقةٌ في نفس الأمر، وتنعقد فيه الأشكال الأربعة باعتبار تأليف التالي مع الحمليَّة) كما مر معنا.
قال هنا: (أو من حمليَّة ومتصلة سواءٌ كانت الحمليَّة صغرى والمتصلة كبرى، أم بالعكس) أي: المتصلة صغرى والحمليَّة كبرى.
(وهو المطبوع منها) أي: الموافق للطبع.
(بشرط اشتراك المقدمتين في تالي المتصلة) كما في مثال المصنف.
(ولذا مثّل به المصنف هنا وفيما يأتي).
قال: (وهو) ما هو الضمير هنا، يعود إلى ماذا؟
(سواءٌ كانت الحمليَّة صغرى والمتصلة كبرى، أم بالعكس)، قال: (وهو المطبوع منهما) في نسخة العطار (بينهما) ومنهما أحسن.
(وهو) ردَّه هناك الضمير يعود إلى العكس أي: الموافق للطبع، ورده هنا إلى الجميع وهو الظاهر.
(كقولنا: كلما كان هذا إنساناً فهو حيوان، وكل حيوانٍ جسمٌ يُنتج: كلما كان هذا إنساناً فهو جسمٌ) هذا مؤلَّف من ماذا؟ (كلما كان هذا إنساناً فهو حيوان، وكل حيوانٍ جسمٌ) إذاً: الصغرى شرطية متصلة، والكبرى حمليَّة.
(يُنتِج: كلما كان هذا إنساناً فهو جسمٌ.
ومثال كون الحمليَّة صغرى: كل إنسانٍ حيوان، وكلما كان الشيء حيواناً فهو جسمٌ، يُنتِج كل إنسانٍ جسمٌ).
стр. 348
قال: (وإنما كان الذي متصلتُه صغرى مطبوعاً؛ لأن مقدم المتصلة متميزٌ عن تاليها، بحسب المفهوم؛ لأن المقدَّم ملزومٌ والتالي لازمٌ، فيقدَّم الأول ليوافق الوضعُ الطبعَ).
مطبوع المقبول يعني، الذي يوافق النفس.
قال هنا: (وإما من حمليَّةٍ ومنفصلة سواءٌ كانت الحمليَّة صُغرى والمنفصلة كبرى أم بالعكس كقولنا: كل عددٍ إما زوجٌ أو فردٌ، وكل زوجٍ فهو منقسمٍ بمتساويَين) الصغرى منفصلة والكبرى حمليَّة.
(يُنتِج: كل عددٍ إما فردٌ أو منقسمٌ بمتساويين).
(فنتيجةُ هذا منفصلة مانعة خلوٍ) الظاهر أنه المراد به القياس، هذا النوع يعني الذي ذكره هنا.
(فنتيجة هذا منفصلةٌ مانعة خلوٍ) أي: وجمعٍ أيضاً (فهي حقيقية مركّبةٌ مما لم يُشارَك ومن نتيجة التأليف الحاصل مما يُشارَك ومن الحمليَّة).
(فنتيجة هذا منفصلة مانعة خلوٍ مركّبة مما لم يُشارَك -بفتح الراء- أي: الطرف الذي لم تُشارِك الحمليَّةُ الشرطيةَ فيه) الذي لم يُشارَك وهو فردٌ هنا مثلاً.
لأنه قال ماذا؟ كل عددٍ إما زوجٌ أو فردٌ، وكل زوجٍ فهو منقسم ومتساوي يُنتِج كل عدد إما فردٌ أو منقسم متساويين، والذي لم يُشارَك فهو فردٌ في مثال المصنف.
قال هنا: (فنتيجة هذا مانعة خلوٍ مركّبة مما لم يُشارَك، ومن نتيجة التأليف الحاصل مما يُشارَك ومن الحمليات).
قال العطار هنا: (قوله: مركَّبة مما لم يُشارَك. والذي يظهر ليس في حل هذه العبارة أن المنفصلة القائلة: كلُّ عددٍ إما زوجٌ وإما فردٌ، الواقعة صغرى مركبة من قضيتين حمليتين هما العدد زوجٌ العدد فرد).
يعني: ردَّ المنفصلة إلى حمليتين.
(لِما تقرر أن أجزاء الشرطيات متصلة كانت أو منفصلة حمليات) يعني: المقدَّم هو في الأصل حمليَّة: إذا كانت الشمس طالعة، الشمس طالعة حمليَّة فالنهار موجود هذه حمليَّة.
إذاً: أجزاء الشرطيات حمليات.
قال: (وأن الحمليَّة الواقعة كبرى هي كل زوجٍ منقسمٌ بمتساويين، فموضوع الحمليَّة الكبرى أحد أجزاء المنفصلة وهو الزوج، وهذا معنى المشاركة) أنه شارك.
(إذ مُقدَّم المنفصلة وقع موضوعاً في الحمليَّة، وأما التالي وهو فردٌ فلم تقع فيه مشارَكة) وإنما وقعت المشاركة في الزوجي لا في الفردي.
(فإذا ركَّبنا قياساً من حمليتين) ولذلك قال: (ومن نتيجةِ التأليف الحاصل).
التأليف يعني: القياس، الحاصل: مما يُشارَك ومن الحمليَّة، هذا الذي عناه هنا العطار.
(فإذا ركّبنا قياساً من حمليتين: صُغراهما مقدم المنفصلة، وكبراهما الحمليَّة الواقعُ كبرى مع المنفصلة. انتظم قياساً اقترانياً من الشكل الأول.
هكذا العدد زوجٌ، وكل زوجٍ فهو منقسمٌ بمتساويين يُنتِجُ: العدد منقسمٌ بمتساويين.
فإذا ضممتَ هذه النتيجة إلى الجزئي الغير المشترِك وهو العدد الفرد، وأدخلتَ عليه أداة الانفصال صار هكذا: العدد إما فردٌ أو منقسمٌ بمتساويين.
فهذه المنفصلة التي حكمنا عليها بأنها نتيجةُ القياس، المركب من منفصلة وحمليَّة، مركبة من الجزء الغير المشارِك ومن التأليف أي: نتيجة التأليف أي: المؤلَّف الذي هو القياس الاقتراني.
الذي قررناه لك: المركب من الجزء الغير مشارَك ومن الحمليَّة).
стр. 349
إذاً: قوله: (ومن نتيجة التأليف الحاصل مما يُشارَك ومن الحملي) المقصود به: الفرد الذي لم يُشارَك كان في النتيجة.
قال: (وقد تتعدد فيه الحمليات).
هنا قال: (نتيجةُ هذا منفصلة: مانعة خلوٍ مركّبةٌ) النتيجة هي: كل عددٍ إما فردٌ أو منقسمٌ بمتساويين .. إما فردٌ أو منقسمٌ.
لذلك قلنا: مانعة جمعٍ، زِد: مانعة خلوٍ، زِد: وجمعٍ.
لا بد من الزيادة؛ لأنه قال: كل عدد إما فردٌ أو منقسمٌ بمتساويين، ما هو المنقسم بمتساويين؟ الزوج، إذاً: هذه مانعة جمعٍ وخلو.
هو قال: مانعة خلوٍ فقط، زِد: وجمعٍ؛ لأنها هي الحقيقية.
هذه مؤلَّفة من فردٍ لم يُشارَك الذي هو الفرد، من فرد يعني: يقصد به الفرد الذي هو الجزء .. من جزءٍ لم يُشارَك.
(ومن نتيجة التأليف الحاصل مما يُشارَك -بفتح الراء- أي الطرف الذي شاركت الحمليَّة الشرطية فيه وهو زوجٌ في مثال المصنف).
قال رحمه الله تعالى: (وقد تتعدد فيه الحمليات).
(فيه) الضمير يعود إلى: القياس المؤلَّف من منفصلة صغرى وحمليَّةٌ كبرى.
يعني: الاقتراني قلنا: يتألف من حمليَّة ومنفصلة، قال: (وقد تتعدد فيه) أي: القياس المؤلَّف من منفصلة صغرى وحمليَّة.
(تتعدد فيه الحمليات) هذا مقابل قولِه: (وإما من حمليَّة ومنفصلة) أشار به إلى أن هذا القِسم تارة تكون الحمليَّة فيه واحدة كمثال المتن، وقد تتعدد وهو القياس المقسَّم. هذا كلامٌ منفصل.
(وقد تتعدد فيه) يعني: القياس الاقتراني.
(الحمليات، بتعدد أجزاء الانفصال) يعني: عدِّد ما شئت، تقول مثلاً: الجسم إما ترابٌ وإما ماءٌ وإما نارٌ .. إلى ما شاء الله، هذا يسمى تعدُّد.
وقلنا: كل واحدٍ من هذه الجزئيات في قوة حمليَّة: هذا ترابٌ، هذا ماءٌ. إذاً: تعددت الحمليات، هذا المراد هنا.
(بتعدُّدِ أجزاء الانفصال) يعني: المنفصلة.
(كقولنا: كل جيم إما باء وإما دال وإما هاء، وكل باء طاء، وكل دال طاء، وكل هاء طاء. يُنتج: كل جيم طاء.
فنتيجة هذا حمليَّة ويسمى القياس المقسَّم) أو المقسِّم ضَبَطَه بالاثنين.
قال هنا: المقسَّم بفتح السين لاشتماله على أقسامٍ متعددة.
هنا قوله: (كل جيم إما باء وإما دال) أي: كل كلمة إما اسمٌ وإما فعلٌ وإما حرفٌ، تعدَّد.
(وكل اسمٍ قولٌ مفرد، وكل فعلٍ قولٌ مفرد، وكل حرفٍ قولٌ مفرد. يُنتج: كل كلمة قولٌ مفرد) مثلاً، حصل التعدُّد؟ حصل التعدد.
المراد: أنه كالسابق، لكن في السابق زوجٌ فردٌ، وهنا زاد التعدد، ويسمى القياس المقسَّم. قاله العطار.
(أي: يسمى هذا القسم الثاني وهو ما تعدَّد فيه الحمليات بتعدد أجزاء الانفصال، واتحد تأليفُ النتيجة بهذا الاسم) بهذا الاسم مقسَّم.
(فأما إن اختلف تأليف النتيجة كقولنا: كل جسمٍ فهو إما نباتٌ أو حيوانٌ أو معدنٌ، وكل نباتٍ نامٍ، وكل حيوانٍ حسَّاس، وكل معدنٍ جوهر فنتيجتُه منفصلة مانعة خلوٍ هي: كلُّ جسمٍ إما نامٍ أو حسَّاسٍ أو جوهرٍ، ولا يسمى قياساً مقسِّماً) أو مقسَّماً.
قال: (وضبطَهُ المحشِّي بصيغة اسم المفعول).
стр. 350
قال العطار: (والذي يظهر لي صحةُ قراءته بصيغة اسم الفاعل على طريق الإسناد المجازي، وعلى صيغة اسم المفعول على أنه من الحذف والإيصال أي: المقسَّمُ فيه؛ لأن صورته على صورة التقسيم) إذاً: يجوز فيه الوجهان.
قوله: (فنتيجةُ هذا حمليَّة؛ وذلك لأنه لا بد من صِدق أحد الأجزاء -أجزاء الانفصال-؛ إذ شرطٌ هذا القياس أن تكون منفصلة موجبةً كُلِّيَّة، مانعة خلوٍ وحقيقية.
ومعلومٌ أنَّ الحمليات صادقةٌ في نفس الأمر، فأيُّ جزءٍ يُفرض صدقه من أجزاء المنفصلة صدَق ما يشاركه في الحمليات ويُنتِج النتيجة المطلوبة؛ لأنه في قوة الحمليَّة).
قال: (أو من متصلة ومنفصلة) نقف على هذا. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 351
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
وقفنا عند قول المصنف رحمه الله تعالى: (أو من متصلة ومنفصلة) وهذا كله بيان لما يتركب منه القياس الاقتراني؛ حيث قال: (القياس الاقتراني يتركب إما من الحمليتين -كما مر-، وإما من المتصلتين، وإما من المنفصلتين، أو من حمليَّة ومتصلة، أو من متصلة ومنفصلة).
إذاً: جاء دَور المنفصلة والمتصلة معاً، وحينئذٍ يتألف القياس الاقتراني منهما.
قال: (أو من متصلة ومنفصلة).
(سواءٌ كانت المتصلة صغرى والمنفصلة كبرى. وهذا هو المطبوع، أمْ بالعكس).
العكس بأن تكون المنفصلة صغرى والمتصلة كبرى، هذا هو العكس.
(كقولنا: كلما كان هذا إنساناً فهو حيوان) هذه متصلة (وكل حيوانٍ فهو إما أبيض أو أسود) وهذه منفصلة (يُنتِج: كلما كان هذا إنساناً فهو إما أبيض أو أسود) مركباً من نوعين.
قال هنا: (واعلم أن الاشتراك الواقع بين الشرطيتين إما في جزء تامٍ بهما) أي: أو بين الشرطية والحمليَّة، وليس الحكم خاصاً بالشرطيتين؛ لأن الجزء غير التام لا يخص الشرطيتين، بل يكون في الحمليَّة والشرطية أيضاً.
قوله: (التام) أي: فيهما. يعني: في الشرطيتين أو في الشرطية والحمليَّة.
(وهو) أي: الجزء التام.
(المقدَّم أو التالي بكماله) لا جزءٌ منه يعني: الجزء هنا المقصود به المقدَّم أو التالي، إمَّا أن يؤخذ بكماله فهو التام، أو جزءٌ منه فهو غير التام.
قال: (إما في جزءٍ تامٍ فيهما وهو المقدَّم) أي: الجزء التام الذي اشترك فيه المقدِّمتان.
(وهو المقدَّم أو التالي بكماله، وإما في جزءٍ غير تامٍ) كذلك فيهما نقدِّر، يعني: في المقدَّم والتالي.
(وإما في جزءٍ غير تامٍ فيهما من ذلك) أي: المقدَّم والتالي.
(فالتامُّ كقولنا: كلما كان ألف باء فجيم دال، ودائماً إما جيم دال أو هاء زاي).
كلما كان ألف باء أي: الشمس طالعةً، فجيم دال: الأرض مضيئة.
ودائماً إما جيم دال أي: الأرض مضيئة مثلاً.
أو هاء زاي: أو الليل موجود.
(يُنتج دائماً: إما ألف باء) الشمس طالعة أو الليل موجود.
كلما كانت الشمس طالعة فالأرض مضيئة، وكلما كانت الأرض مضيئة فالليل موجود، يُنتج دائماً: الشمس طالعة أو الليل موجود؛ باعتبار ما مضى.
(وغير التام. كقولنا: كلما كان ألف باء -الشيء حيواناً- فكل جيم دال -فكل ناطق إنسان-.
ودائماً إما كل دال هاء -كل ناطق إما أبيض أو أسود- كل دال هاء أو زاي. يُنتج: كلما كان ألف باء -أي: الشيء حيواناً- فإما كل جيم هاء أو زاي -كل إنسان إما أبيض وإما أسود-).
هم يقولون: الحروف هذه ميسِّرة للمبتدئ، والظاهر أنها العكس، الظاهر أنها ليست تسهيلاً، التسهيل إنما يكون الاختصار في ذِكر المسميات لا الكناية، كل حيوان .. إلى آخره.
стр. 352
على كلٍ هنا: (كلما كان الشيء حيواناً فكل ناطقٍ إنسان، ودائماً إما كل ناطقٍ إما أبيض أو أسود يُنتج: كلما كان الشيء حيواناً، وإما كل إنسانٍ إما أبيض أو أسود، وتفصيلُ ذلك وبيان شروطه يُطلَب من المطولات).
قال: (وشرطُ الحمليَّة والمتصلة -فيما ذُكر-: لزوميتُهما) يعني: لزومية الحمليَّة والمتصلة، هذا الأصل.
فخرج الاتفاقية في المقدمتين أو إحداهما، وفيه بسطٌ يُعلَم من المطولات، لكن وصفُ اللزومية لا يأتي في الحمليَّة، لكن ظاهر كلام المصنف .. لو قال: وشرطُ الحمليَّة والمتصلة أو والحمليَّة والمتصلة وشرطُها لزوميتها، لاختص الشرط بالمتصلة، لكن قال: (وشرطُ الحمليَّة والمتصلة لزوميتُهما) أي: الحمليَّة والمتصلة، فقدَّم الشرط على الحمليَّة، والحمليَّة يُشترط فيها على كلامه.
لكن المشهور أنه لا يتأتى في الحمليَّة، وإنما اللزوم يكون في المتصلة فقط.
قال: (وأما القياسُ الاستثنائي) هذا شروعٌ فيما يتعلق بالنوع الثاني.
(وأما القياس الاستثنائي) وهذا لا يكون من حمليات محضة.
(وتنعقد فيه الأشكال الأربعة، وأقسامُه خمسة؛ لأنه إما من متصلتين، أو منفصلتين، أو متصلة ومنفصلة، أو حمليَّة مع إحداهما) منفصلة أو متصلة.
(وشروطُه ثلاثة:
الأول: كون المتصلة لزومية والمنفصلة عنادية) على الأصل فيها.
(فإن كانت إحداهما اتفاقية فهو عقيم، والثاني كون الشرطية موجبة؛ إذ مدلول السالبة رفعُ اللزوم أو العناد، فلا يلزم من وضْع أحدهما وضع الآخر ولا رفعه) وضْع يعني: ثبوت .. لا يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ولا رفعه.
(والثالث: كليتُهما أو كُلِّيَّةُ وضع أحد الطرفين أو رفعِه؛ إذ لو كانتا جزئيتين لجاز أن يكون اللزومُ فيهما في بعض الأوقات والحالات.
وثبوتُ المقدَّم في وقتٍ أو حالٍ آخر فلا يلزم ثبوتَ الآخر.
قال السنوسي: المدار على كون الاستثناء في وقت اللزوم وإن لم يُصرَّح بالكُلِّيَّة).
لزوم وقت ماذا؟ على كون الاستثناء في وقت اللزوم يعني: الاستثناء حاصلٌ مقيَّداً باللزوم، أما في غير اللزوم فهذا ليس مراداً هنا.
(وأما القياس الاستثنائي فيتركَّب من مقدمتين: إحداهما شرطية، والأُخرى وضعُ أحدِ جزئيها أي: إثباتُه أو رفعُه) يتركب من مقدمتين.
(إحداهما شرطية أي: وهي ما قبل لكن، والأخرى ما بعد لكن) هذا الفرق بين المقدمتين .. ما قبل لكن هذه مقدمة، وما بعد لكن هذه مقدمة أُخرى.
(والأخرى) يعني: مقابل الشرطية.
(وضعُ أحدِ جزئيها) إما المقدَّم أو التالي.
وضع يعني: إثبات، ولذلك قال: (أي: إثباتُه) يعني: يقول: كذا لكنَّ النهار موجود، هذا إثبات.
(أو رفعُه) يعني: رفع أحد الجزأين: المقدم أو التالي، يقول: لكنه ليس بموجود أو ليس النهار موجوداً .. وهكذا.
فالرفع المراد به السلب، والوضعُ المراد به الإثبات.
لأحد جزئيها يعني: إما المقدَّم وإما التالي.
قال: (ورفعُه أي: نفيُه؛ ليلزم وضعُ الجزء الآخر أو رفْعَه) لفٌّ ونشرٌ مرتَّب.
(أي: يلزم من وَضْعِ أحد جزئي الشرطية وضعُ الجزء الآخر، ومِن رفْعِه رفعُ الجزء الآخر. وهذا إنما يتأتى في القياس الاستثنائي الذي تكون إحدى مقدمتيه متصلة.
فأما إذا كانت منفصلة فإنَّ الوضع يستلزم الرفع وبالعكس) يأتي مثالُه.
стр. 353
قال هنا: ليلزم وضعُ الجزء الآخر أو رفعُه راجعان للوضع وللرفع.
قال رحمه الله تعالى: (فالشرطية الموضوعة فيه إن كانت متصلة).
(الشرطية الموضوعة) أي: المذكورة في القياس.
(فيه) أي: القياس الاستثنائي.
قلنا: مِن شرطية، الأُولى شرطية وهي ما قبل لكن.
(فيه) أي: القياس الاستثنائي.
(إن كانت متصلة) وسيأتي ذِكرُ المنفصلة.
(فاستثناءُ عين المقدَّم ينتج عين التالي).
استثناء عين المقدَّم: لكنَّه أو لكنَّ، تأتي بعين المقدَّم لا بنقيضه .. بعينه بذاته، يُنتِج ماذا؟ يُنتِج عين التالي.
أمَّا أن نقول: أنه مؤلَّف من مقدَّم وتالي، إذا استثنينا عينَ المقدَّم لا نقيضَه أنتَج عينَ التالي لا نقيضَه.
(وإلا) أي: بأن لم ينتِج استثناء عين المقدَّم عينَ التالي.
(لزم انفكاكُ اللازم عن الملزوم فيبطُل اللزوم) لأن المقدَّم ما علاقته بالتالي؟ يستلزمه، المقدَّم ملزوم واللازم تالي، فإذا أثبتنا المقدَّم .. عين المقدَّم إذا لم يستلزم، النتيجة تكون التالي .. عين التالي بطَل اللزوم.
إذْ العلاقة بينهما التلازم، فالمقدَّم ملزوم والتالي لازم: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، النهار موجود هذا لازم، والشمس طالعة هذا ملزومٌ.
لكن الشمس طالعةٌ فالنهار موجود، هكذا .. استثناء.
إذا كانت الشمسُ طالعةً فالنهارُ موجودٌ.
فتقول: لكنَّ الشمس طالعةٌ، يُنتج: فالنهارُ موجودٌ.
قال: (وإلا) يعني: وإن لم يكن النتيجة كالسابق -استثناء عين المقدّم ينتج عين التالي- (لزم انفكاكُ اللازم) الذي هو التالي.
(عن الملزوم) الذي هو المقدَّم.
(فيبطُل اللزوم) أي: كون التالي لازماً للمقدَّم. وهذا فيه إشكال.
قال العطار: (قولُه: وإلا يُنتج عين التالي بل أنتج نقيضَه، لزم .. إلى آخره).
(كقولنا: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان، لكنه إنسان فهو حيوان).
انظر: إن كان هذا إنساناً، هذا مقدَّم فهو حيوان .. حيوان التالي، لكنه إنسان أين الصغرى وأين الكبرى؟
لكنه إنسان كبرى، فهو حيوان هذه النتيجة.
إذاً: عندنا مقدمتان هنا ليس مقدمة واحدة:
المقدمة الأولى: ما قبل لكن، المقدمة الثانية: ما دخلت عليه لكن: لكنه إنسان.
(فهو) الفاء دخلت على النتيجة، فهو حيوان.
هنا انظر: إن كان هذا إنساناً هذا مقدَّم، فهو حيوان هذا التالي، استثنيتَ بلكن عينَ المقدَّم: إنسان، ما قلت: لكنه ليس بإنسان، استثنيت عين المقدَّم أنتَج: فهو حيوان. عين التالي.
(فلا يُنتج استثناء عين التالي عينَ المقدَّم).
إن كان هذا إنساناً فهو حيوان، لكنه حيوان فهو إنسان. لا ينتج، استثنينا المقدَّم .. عين المقدَّم أنتج عين التالي، لو عكسْنا يعني: استثنينا عين التالي: لكنه حيوان فهو إنسان؟ لا. كذَبَت ليس بإنسان.
(فلا يُنتج استثناءُ عين التالي عينَ المقدَّم؛ إذ لا يلزم من وجود اللازم) الذي هو التالي (وجود الملزوم) الذي هو المقدَّم .. (لا يلزم من وجود اللازم وجود الملزوم).
أي: لجواز كون اللازم أعم من الملزوم، ولا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص، كالإنسان الملزوم للحيوان، فيلزم من وجود الإنسان وجود الحيوان ولا يلزم من وجود الحيوان وجود الإنسان.
стр. 354
لأنه إذا ثبَت الأعم لا يثبت الأخص، فقد تقول: هذا حيوان والمراد به فرس ولا يرد الإنسان .. ليس عندنا إنسان. نقول: ما دخل هذا البيت إلا كذا ولا يكون إنساناً، وهو كذلك.
قال هنا: (وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ التَّالِي يُنْتِجُ نَقيضَ المُقَدَّمِ).
(وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ التَّالِي) إن كان هذا إنساناً فهو حيوان، لكنه ليس بإنسان فهو ليس بحيوان.
إذاً: استثناء نقيض المقدم، النقيض يكون بالسلب، يُنتج ماذا؟ نقيض التالي.
(وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ التَّالِي يُنْتِجُ نَقيضَ المُقَدَّمِ).
(وإلاَّ يُنتِج نقيض المقدَّم لزِم وجود الملزوم بدون لازمه وهو محال، فيبطُل به قاعدة اللزوم.
وإلا لزم وجود الملزوم وهو المقدَّم بدون اللازم وهو التالي، فيبطل اللزوم.
كقولنا: إن كان هذا إنساناً فهو حيوان، لكنه ليس بحيوان) استثنى نقيض التالي: ليس بحيوان (فلا يكون إنساناً) نقيض المقدَّم.
(فلا يُنتِج استثناءُ نقيض المقدَّم نقيضَ التالي) عكْسُه.
(إذ لا يلزم من عدم الملزوم عدم اللازم) أي: لجواز كون الملزوم أخص من اللازم، ولا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم، بخلاف العكس فهو لازم.
قال: (والحاصل) هذه الخلاصة.
(أنه يلزم من إثبات عين المقدَّم إثبات عين التالي ولا عكْس، ويلزم من إثبات نقيض التالي إثبات نقيض المقدَّم ولا عكس.
فللمتصلة أربعة أضرُب: ضربان منتجان وضربان عقيمان).
ما أثبته -ضربان منتجان- عكسُهُما لا يُنتج وهما ضربان عقيمان.
قال هنا: (وشرطُ إنتاج المتصلة لزوميتُها، وإيجابُ الشرطية وكليتُها أو كُلِّيَّةُ الاستثناء) هذا مر معنا.
قال الرازي في شرح الشمسية: ويُعتبر لإنتاج هذا القياس شرائط:
يعني: وشرط إنتاج المتصلة، ذَكَر ثلاثة شروط: لزوميتها، وإيجاب الشرطية، وكليتها أو كُلِّيَّة الاستثناء.
قال: (أحدُها: أن تكون الشرطية موجبة، فإنها لو كانت سالبة لم تُنتج شيئاً لا الوضع ولا الرفع، فإن معنى الشرطية السالبة: سلب اللزوم أو العناد.
وإذا لم يكن بين أمرين: لزومٌ أو عناد، لم يلزم من وجود أحدهما أو عدمِه وجود الآخر أو عدمه) وهو كذلك.
إذا لم يكن بينهما تلازم فحينئذٍ لا يأتي عندنا رفعٌ ولا إثبات، لأنَّ الإثبات يلزم منه رفع المقابل، إذاً: ليس عندنا تلازم، فإذا لم يكن بينهما تلازم فحينئذٍ لا إثبات ولا رفع.
ولذلك قال: (فإنها لو كانت سالبةً لم تُنتِج شيئاً) فاشترطنا أن تكون موجبة، لماذا؟ (فإنَّ معنى الشرطية السالبة سلبُ اللزوم أو العناد.
وإذا لم يكن بين أمرين: لزومٌ أو عناد، لم يلزم من وجود أحدهما أو عدمِه وجودُ الآخر أو عدمه.
(وثانيهما) الشرط الثاني (أن تكون الشرطية لزومية إن كانت متصلة، وعنادية إن كانت منفصلة؛ لأنَّ العِلم بصدق الاتفاقية أو كذبها موقوفٌ على العلم بصدق أحد طرفيها أو كذِبه، فلو استُفيد العلم بصدق أحد الطرفين أو بكذبه من الاتفاقية للزم الدور.
стр. 355
(ثالثُها: أحد الأمرين: وهو إما كُلِّيَّة الشرطية، أو كُلِّيَّة الاستثنائية) أي: كُلِّيَّة الوضع أو الرفع، الاستثنائية المقصود بها الوضع أو الرفع (فإنه لو انتفى الأمران، احتمل أن يكون اللزوم، أو العناد على بعض الأوضاع والاستثناء على وضعٍ آخر –افترقا-، فلا يلزم من إثبات أحد جزئي الشرطية أو نفيه ثبوتُ الآخر أو انتفاءه، اللهم إلا إذا كان وقت الاتصال والانفصال ووضعُهما هو بعينه وقت الاستثناء ووضعِه.
فإنه يُنتِج القياس ضرورة. كقولنا: إن قدِم زيدٌ في وقت الظهر مع عمروٍ أكرمتُه) قيَّده: وقت الظهر (لكنه قدم مع عمروٍ في ذلك الوقت فأكرمتُه.
والمراد بكُلِّيَّة الاستثناء ليس تحقق الاستثناء في جميع الأزمنة فقط، بل هو مع جميع الأوضاع التي لا تنافي وضع المقدَّم). انتهى كلامه.
إذاً: وشرطُ إنتاج المتصلة لزوميتها، فإن لم تكن فحينئذٍ لا تلازم؛ لأن الوضع والرفع إنما يتصف به ما كان بين المقدمتين تلازُم.
وإيجابُ الشرطية وكليتُها أي: الشرطية، أو كُلِّيَّةُ الاستثناء.
قال: (وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً) انتهى من المتصلة.
(وَإِنْ كَانَتْ) (أي: الشرطية الموضوعة في الاستثناء)
(مُنْفَصِلَةً حَقِيقِيَّةً) يعني: مانعة جمعٍ وخلو المعنى، يعني: المركبة من الشيء ونقيضه أو الشيء ومساوي النقيض.
قال هنا: (وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً) (أي: الشرطية الموضوعةُ في الاستثناء منفصلة).
(حَقِيقِيَّةً فَاسْتِثْنَاءُ عَيْنِ أَحَدِ الجُزْئَيْنِ يُنْتِجُ نَقِيضَ الجُزْءِ التَّالِي).
(فَاسْتِثْنَاءُ عَيْنِ أَحَدِ الجُزْئَيْنِ).
العدد إما زوجٌ أو فردٌ، لكنه زوجٌ فليس بفردٍ. هنا الاستثناء لأي شيء؟ لعين المقدَّم، وهنا قيل: مقدَّم وتالي لا أثَر له، العدد إما زوجٌ وإما فردٌ، لكنه فردٌ فليس بزوجٍ. هذا المراد هنا.
قال: (فَاسْتِثْنَاءُ عَيْنِ أَحَدِ الجُزْئَيْنِ) مقدَّماً كان أو تالياً.
(يُنْتِجُ نَقِيضَ الجُزْءِ التَّالِي) ليس بزوجٍ ليس بفردٍ.
(أي: الآخر) التالي يعني: الآخر، عبَّر بالآخر هنا المراد به أنَّ المقدَّم والتالي ليس بوصفٍ لازم، كما هو الشأن في المتصلة.
(لامتناع الجمع بينهما) لأنها مانعة جمع وخلو (كَقَوْلِنَا: الْعَدَدُ إِمَّا زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ لكِنَّهُ زَوْجٌ، يُنْتِجُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْدٍ، أَوْ لكِنَّهُ فَرْدٌ يُنْتِجُ أَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ.
وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ أَحَدِهِمَا يُنْتِجُ عَيْنَ التَّالِي) يعني: أحد جزئي الحقيقية.
(أي: الآخر؛ لامتناع رفْعِهما) لأنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان .. لا ينتفيان معاً، هذا الكلام في الحقيقية.
(كقولنا في هذا المثال: لكنه ليس بزوجٍ يُنتج أنه فردٌ) استثنى نقيض المقدَّم، أصل المثال: العدد إما زوجٌ. إذاً: نقيض المقدَّم.
ولكنه ليس بفردٍ يُنتج أنه زوجٌ، هذا في الحقيقية.
(وأما مانعةُ الخلو -أي: فقط- وهي المركبة من قضيتين، كلٌ منهما أعم من النقيض).
قال: (فاستثناء نقيض أحد الطرفين يُنتج عينَ الآخر؛ لامتناع الخلو عنهما).
قال هنا في الحاشية: كلٌ منهما أعم من نقيض الأُخرى نحو: هذا إما لا شجر وإما لا حجر.
следующие страницы →