Полный текст (371 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[شرح المطلع على متن إيساغوجي]ـ
المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي
http://alhazme.net
[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ١٥ درسا]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
فنشرُع في هذه الليلة: ليلة الأحد العاشر من شهر ربيع الأول من عام ١ ٤٣٢هـ في شرح كتابٍ يتعلق بعلم المنطق.
وعلم المنطق يُعدُّ عند بعض أهل العلم من علوم الآلة، وإن لم يكن آلةً مباشرة للكتاب والسنة، كما هو الشأن في علم اللغة العربية أو علم أصول الفقه أنه علمٌ يُعتبرا علمي آلة، لكنهما مباشرة يعني: يعتمد فهم الكتاب والسنة على علوم اللغة مباشرة، ويعتمد الاستنباط من الكتاب والسنة على أصول الفقه مباشرة.
وأما فن المنطق كما هو معلوم فيه شيءٌ من الخلاف من حيث الجواز وعدمُه، من حيث الإقبال عليه وتركُه. إلا أنه لو لم يُترجم -كما سيأتي في كلام الشيخ الأمين رحمه الله تعالى- لكان المسلمون في غُنيةٍ عنه، ولكن احتاجه أهل العلم في بيان بعض المصطلحات التي دخلت علوم الآلة أو علوم الشريعة.
وكذلك فيما اعتمد عليه المخالفون، وهذا أهم من الأول؛ لأن المخالفين من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتردية وغيرهم الذين خالفوا أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بذات الخالق جل وعلا، إنما اعتمدوا على عقولهم واحتجوا بما يرونه مناسباً من هذه القواعد، لذلك المنطق يُعتبر قواعد تفكير إن صح التعبير، أو قواعد الاستدلال الذي يكون مناطه العقل، ليس الاستدلال الذي يكون مناطُه الشرع إنما الاستدلال العقلي.
حينئذٍ لما اعتمد المخالفون على هذه الاستدلالات أو هذه القواعد المنطقية تعيَّن في الرد عليهم أن يكون من يرد عليهم من أهل العلم متشبعاً بعلم الشريعة، وأن يكون كذلك مُلماً بأدلتهم؛ لأن من كان معتمداً على دليل وهذا الدليل ليس هو دليل الكتاب والسنة. يعني: لم يعتمد على الوحيين، فحينئذٍ من لم يكن ذا علمٍ بما سوى الوحيين قد يضعف في الرد عليه، فلا بد من معرفة ما استدل به المخالفون من أجل إبطال حُجج هؤلاء المخالفين فتعيّن حينئذٍ تلمُّس هذا العلم، وخاصة طلبة العلم الذين يجدون من أنفسهم مكانة للعلم، وأنه قد يبلغ مبلغاً يفيدون فيه الأمة مستقبلاً بإذن الله تعالى في صون الشريعة وفي الذب عنها.
ولذلك الشيخ الأمين رحمه الله تعالى يعتبر من علماء أهل السنة والجماعة؛ لأن تزكية هذا الفن إن جاءت من المخالف قد يكون فيها شيءٌ من الشبهة، لكن الشيخ الأمين رحمه الله تعالى كما هو معلوم من أهل السنة والجماعة، بل هو إمامٌ في علوم الشريعة، وإمامٌ في علوم الآلة كذلك، ولا إشكال فيه ولا تردد في هذا الحكم عليه رحمه الله تعالى، وقد صنَّف كتاباً أسماه آداب البحث والمناظرة، وقدَّم له مقدمة، هذه المقدمة مقدمة منطقية اشتملت على الخالص من هذا العلم كما سيأتي في كلامه، ونذكره رحمه الله تعالى (يعني: كلامه) من أجل معرفة ما اشتمل عليه.
стр. 3
وننُبه بأن هذا الفن إذا أقدم عليه الطالب وهو عنده شيءٌ من التردد في الإقبال عليه وأهميته ونحو ذلك، فحينئذٍ لن يستفيد، فالشيء الذي يتردد فيه الطالب سواء كان في المنطق أو غيره من العلوم، حينئذٍ لن يتمَّه، وإذا أتمه لن يفهمه على الوجه؛ لأن كل من لم يعلم قيمة العلم فحينئذٍ لن تتوجه إليه النفس، فإذا وقع شيء من النزاع بين طلاب العلم: هل يُدرس المنطق أو لا؟ يقرأ أو لا؟ هل نحضر أو لا؟
فحينئذٍ نقول: كلام أهل العلم في هذا واضحٌ بيِّن، وكلام من عمَّم في ذم علم المنطق، هذا مفصَّل.
كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لا يؤخذ على تراكيبه من حيث المبتدأ والخبر، أو الجملة الإسنادية .. ونحو ذلك، وإنما يُنظر بحاله هو عليه رحمة الله، فهو قد رد على الأشاعرة كما هو معلوم، رد عليهم بماذا؟
يخطئ من يقول بأنه رد عليهم بالكتاب والسنة، هذا ليس بصحيح، وإنما في جملة ما رد عليهم قد يكون يذكر بعض الآيات أو بعض الأحاديث، لكن أصل ردِّه إنما هو معتمدٌ على نقض ما قد اعتمدوه من أدلة، قد يكون القياس صحيحاً في نفسه. يعني: لا يلزم من كون أهل البدعة قد أخطئوا في استخدام الأقيسة والحُجج المنطقية، حينئذٍ يكون الرد عليهم بإبطال القياس وبإبطال المنطق لا.
ولذلك نقول دائماً بأن القياس الذي هو رابع الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
القياس الصحيح وليس كل قياس، حينئذٍ إذا أخطأ من أخطأ من الفقهاء أو تشعَّبت معهم الأمور في الإكثار من القياس حتى صار القياس تُردُّ به بعض النصوص، فيقال: هذا الحديث مخالفٌ للقياس، صار فيه شيءٌ من الغلو من حيثُ الإثبات.
حينئذٍ ماذا نصنع؟
هل نرجع إلى الأصل فننقضه، أم نقول: هذه الفروع ليست على الجادة؟
لا شك أنه الثاني، حينئذٍ لا نرجع إلى الأصل الذي هو القياس ونقول: القياس باطل؛ لأن أكثر المتأخرين من الأحناف والشافعية والمالكية والحنابلة قد اعتمدوا هذا القياس حتى ردوا به بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكونها مخالفة للقياس، بهذه الحجة الفاسدة.
حينئذٍ هل نرجع إلى القياس فنبطله من أصله، نقول: القياس ليس بدليلٍ شرعي؟
الجواب: لا، وإنما ننظر في هذه الأقيِسة التي اعتمدوا عليها، وظنوا أنها مخالفةٌ للشرع، أو أن الشرع جاء مخالفاً لهذه الأقيسة، فنبطلها من حيث هي.
كذلك الإجماع، الإجماع كما قال الشوكاني رحمه الله تعالى لا هيبة له عند المتأخرين؛ لكثرة من يدَّعيه، الإجماع المتيقَّن لا شك أنه دليلٌ شرعي: الكتاب، والسنة، والإجماع. والمقصود به إجماع الصحابة كما هو معلومٌ في محله.
حينئذٍ إذا أكثر المتأخرون من دعوى الإجماع في مسائل معلومة الخلاف، نقول: هذه الادعاءات للإجماعات باطلة في نفسها؛ لأنها لخلاف ثابت، أو لأنها مخالفة لإجماع الصحابة .. ونحو ذلك.
فوجود بعض الإجماعات المدَّعاة التي ليس لها مستند شرعي صحيح نقول: ولو صارت هذه الادعاءات كثيرة لا نرجع إلى الأصل فننقضُه، وإنما نحترم الأصل ونحفظ الأصل وهو الإجماع، ونبيِّن المراد به، ثم إذا وقع شيءٌ من الخلل في دعوى الإجماع نردُّ هذا الفرع ونحفظ الأصل.
стр. 4
وكذلك الشأن في القياس نحفظ الأصل، وهو مجمعٌ على إثباته عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وما وقع من نزاعٍ عند المتأخرين نقف معها ونردها ونفندها، وكذلك المنطق.
حينئذٍ نقول: المنطق الذي خلَّصه أهل الإسلام مما شابه من شُبه الفلاسفة الكفرية ونحوها في قواعده في الجملة صحيحة، لكن استخدمها من استخدمها على وجهٍ منحرف، فحينئذٍ نقول: نردُّ عليهم هذا الاستخدام وهذا الاستعمال، ونبقي الأصل محفوظاً على بابه.
يقول الشيخ الأمين رحمه الله تعالى: ومن المعلوم أن المقدمات التي تتركب منها الأدلة التي يحتج بها كل واحدٍ من المتناظرَين إنما تُوجه الحجة بها منتظمةً على صورة القياس المنطقي.
ومن أجل ذلك كان فنُّ آداب البحث والمناظرة ..
وهذا من العلوم المهجورة -آداب البحث والمناظرة-، لها أصولها، يعني: فنٌ مستقلٌ بنفسه.
ومن أجل ذلك كان فن آداب البحث والمناظرة يتوقف فهمه كما ينبغي على فهم ما لابد منه من فن المنطق؛ لأنَّ توجيه السائل المنعَ على المقدمة الصغرى أو الكبرى مثلاً.
يعني: السائل المعترض، يقول: أمنع المقدمة الصغرى وأمنع المقدمة الكبرى، فإذا كان لا يعرف المقدمة الصغرى من الكبرى فحينئذٍ كيف يتجِّه إليه السؤال؟
أو القدحَ في الدليل بعدم تَكرار الحد الأوسط أو باختلال شرطٍ من شروط الإنتاج ونحو ذلك لا يفهمه (أي: هذا الفن المعتمِد على مثل هذه المسائل) لا يفهمه من لا إلمام له بفن المنطق.
لا بد من فَهم هذا الفن من أجل إتقان فنِّ آداب البحث والمناظرة؛ لأن الاستعمال إنما يكون لهذه المصطلحات وهي غريبة، لأنها مصطلحات.
يعني: لا نرجع إلى المعنى اللغوي (المقدمة الصغرى، والمقدمة الكبرى، والحد الأوسط، والتكرار .. ونحو ذلك) لا نرجع إلى المعاني اللغوية، وإنما ننظر في المعاني الاصطلاحية.
ولا عجب؛ لأن المعاني الاصطلاحية هي المقدَّمة في كل فن، ولذلك نقول: هذا عامٌ وهذا خاص، هذا ناسخ وهذا منسوخ، هذا مقيَّد وهذا مطلق، والإجماع والقياس .. كل هذه اصطلاحات لها معانيها، حقائق عرفية عند أصحابها.
كذلك آدابُ البحث والمناظرة يعتمد على هذا الفن، وهذه الاصطلاحات توجد فيه (مقدمة صغرى امنعها؟ لا، أرتضيها .. نقضٌ للمقدمة الكبرى، الحد الأوسط لم يتكرر .. ) حينئذٍ كيف يجيب؟ بل كيف يقرأ؟
دعك من الدخول في المناظرات، كيف يقرأ ما كتبه المتقدمون؟ كيف يقرأ ما كتبه من كتَب في هذا الفن؟
قال رحمه الله تعالى: وكانت الجامعةُ قد أسندتْ إلينا تدريس فن آداب البحث والمناظرة، وكان لا بد من وضع مذكرةٍ تُمكِّن طلاّب الفن من مقصودهم فوضعنا هذه المذكرة وبدأناها بإيضاح القواعد التي لا بد منها من فن المنطق لآداب البحث والمناظرة.
واقتصرنا فيها على المهم الذي لا بد منه للمناظرة، وجئنا بتلك الأصول المنطقية ..
هذا انتبه له من هذا الإمام الجليل.
وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصة (يعني: غير شائبة، الخلوص والشوب متقابلان) خالصة من شوائب الشُّبه الفلسفية.
انظر هنا النفي إنما هو مسلَّط من أجل أن يفهم طالب العلم ما يذكره أهل العلم.
стр. 5
النفي هنا مسلَّط على الشبه الفلسفية؛ لأنه قد يأتي معنا أن علم المنطق هل هو مقدِّمة لعلم الفلسفة أم جزءٌ منها؟ فيه خلاف.
هل هو علمٌ مستقلٌ بذاته، أم أنه مقدمة لغيره؟
هل هو علمٌ مستقل، أم أنه آلةٌ؟ فيه خلافٌ بينهم.
حينئذٍ إذا كان مقدمةً لعلم الفلسفة، حينئذٍ لا بد فيه شيءٌ من الفلسفة، وهذا لا بد منه .. لا ينفك عنه.
وإذا كان جزءاً من الفلسفة واضح الكلام، لا نحتاج إلى تعليق.
على القولين: أنه مقدمةٌ للفلسفة، جزءٌ من الفلسفة. لا بد وأن يكون فيه شيءٌ من مسائل الفلسفة.
حينئذٍ إذا كان الأمر كذلك فمن أين جاء التخليص؟
نقول: التخليص إنما جاء ليس لكون هذه المسألة فلسفية أو لا، وإنما هل فيها شبهةٌ كفرية أو بدعية، لا يلزم أنها كفر ..
هل فيها شبهةٌ تتعلق بباب المعتقد أو لا؟
حينئذٍ علم الفلسفة على نوعين: منه ما يتعلق بعلم الاعتقاد كالإلهيات وغيرها، وهذا لا شك أنه باطل ولا يوجد في كتب المتأخرين كالإيساغُوجي ونحوه.
وثَم قسمٌ لا يتعلق بالاعتقاد، وإنما بالتفكير والنظر والنفس .. ونحو ذلك، وما يتعلق بالأقيسة والحجج بأنواعها والبراهين.
هذا وإن كان يُطلق عليه في بعضه أنه من مسائل الفلسفة إلا أنه ليس بمحرَّمٍ؛ لأن علم الفلسفة لم يحرِّمه أهل السنة والجماعة لكونه علم فلسفة فقط هكذا لا، نقول: الأصل في العلوم ما هو؟ الإباحة .. الأصل في العلوم الإباحة. هذا الأصل فيها، كما هو الأصل في الأشياء الطيبات ونحوها الأصل فيها الإباحة.
حينئذٍ إذا وُجد فيها أو تعلَّق بها أو تضمنت ما يُخل بالشريعة، أو بباب المعتقد، أو بذات الباري جل وعلا، حينئذٍ مُنعت، وما عداه يبقى على الأصل.
فحينئذٍ ما خلَّصه علماء الإسلام من علوم الفلسفة نقول: خلَّصوه من الشبه التي تتعلق بباب الاعتقاد، حينئذٍ لا يرد الاعتراض على أئمة السنة الذين قالوا بأن هذه كتب كالذي بين يدينا هذا أنه مُخلَّصٌ من علوم الفلسفة.
نقول: أنَّى لنا ذلك .. يَعترض المعترض.
نقول: المراد به أنه خُلِّص من شُبَه الفلاسفة، فليس فيه شيءٌ محرَّم، فمن اعترض على كون المنطق أنه جزءٌ من الفلسفة، أو مقدمةٌ للفلسفة، وأنه يلزم منه التحريم أخطأ؛ لأنه ليس كل علم الفلسفة محرّم.
ولذلك علم الحساب علمٌ فلسفي، علم الهيئة والهندسة علمٌ فلسفي، إذا قلنا الفلسفة بأنواعها السبعة المعلومة –العلوم- أنها محرّمة حرَّمنا جميع هذه العلوم، لكن لا هذا غلط افتراء على الله .
فنقول: الفلسفة يُفصَّل فيها، فإذا كان كذلك فلو سُلِّم بأن هذه المسائل التي بين أيدينا من علم الفلسفة فالأصل فيها الإباحة، حتى يثبت أن هذه المسألة تتعلق بذات الباري جل وعلا، وأنها خطأٌ في باب المعتقد، حينئذٍ تُنزع ويُنظر فيها.
إذاً: قوله هنا: وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصة من شوائب الشبه الفلسفية. يعني: ليست خالصة من المسائل الفلسفية؛ لأن المنطق لا يمكن أن ينفك عن الفلسفة، هو مقدمةٌ لها أو أنه جزءٌ منها، وإنما الذي اعتنى به أهل الإسلام هو: تخليص هذه المسائل من الشبه المتعلقة بباب الاعتقاد.
فيها النفع الذي لا يُخالطه ضرر البتة. توكيد هذا، المعنى الذي ذكرتُه.
стр. 6
"فيها" أي: في هذه الأصول الخالصة من شُبه الفلسفة، فيها النفع الذي لا يخالطه ضرر البتة.
يعني: الضرر هنا من جهة المعتقد.
لأنها من الذي خلَّصه علماء الإسلام من شوائب الفلسفة كما قال العلاّمة شيخ مشايخنا وابن عمنا المختار بن بونة ... إلى أن قال في منظومته في علم المنطق:
فَإِنْ تَقُلْ حَرَّمَهُ النَّوَاوِيْ
قُلْتُ نَرَى الأَقْوَالَ ذِي المُخَالِفَةْ
أَمَّا الَّذِي خَلَّصَهُ مَنْ أَسْلَمَا ... وَابْنُ الصَّلاَحِ وَالسِّيُوطِي الرَّاوِيْ
مَحَلُّهَا مَا صَنَّفَ الْفَلاَسِفَةْ
لاَ بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ عِنْدَ الْعُلَمَا
هذا توجيهٌ لما اشتهر عند بعض أهل العلم من أن المنطق محرّم ولا يجوز دراسته ولا تدريسه، ولا تعلُّمُه ولا تعليمُه.
نقول: المراد فيمن حرَّمه أنه المختلِط بشُبه الفلاسفة، قال: لا. كذلك الذي لا يختلط.
نقول: هذا قولٌ ويُعرض على الكتاب والسنة، والأصل فيه الإباحة.
إذاً: يُوجَّه على جهتين:
إما أن نقول: بأن من حرَّم دراسة علم المنطق مراده المنطق المشوب بشبَه الفلاسفة. وهذا لا إشكال فيه، إلا لمن كانت عنده أهلية النظر فحينئذٍ ينظر، الأصل في النظر في كتب أهل البدع الأصل المنع، إلا إذا كان يستطيع أن يميِّز بين الحق والباطل.
وأمّا قول الأخضري في سُلَّمِه:
وَالخُلْفُ فِي جَوَازِ الاِشْتِغَالِ
فَابْنُ الصَّلاَحِ وَالنَّوَاوِي حَرَّمَا
وَالقَوْلَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَهْ
مُمَارِسِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ ... بِهِ عَلَى ثَلاَثَةٍ أَقْوَالِ
وَقَالَ قَوْمٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَا
جَوَازُهُ لِكَامِلِ القَرِيحَهْ
لِيَهْتَدِي بِهِ إِلَى الصَّوَابِ
ججج
ج
فهذه الأبيات اشتهرت في بيان ما يتعلق بحُكم المنطق، فصلٌ في جواز الاشتغال به، هذا ذكره صاحب السُلَّم في محله.
(وَالخُلْفُ) يعني: الاختلاف.
وَالخُلْفُ فِي جَوَازِ الاِشْتِغَالِ
فَابْنُ الصَّلاَحِ وَالنَّوَاوِي حَرَّمَا ... بِهِ عَلَى ثَلاَثَةٍ أَقْوَالِ
...........................
يعني: (حَرَّمَا) الاشتغال بعلم المنطق.
(وَقَالَ قَوْمٌ) كالغزالي أبي حامد: (يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَا)
اختُلف في (يَنْبَغِي) قيل: واجبٌ على الكفاية، وقيل: مستحبٌ.
وَالقَوْلَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَهْ ... جَوَازُهُ لِكَامِلِ القَرِيحَهْ
جج
يعني: المختلِط، هذا الذي يُحمل عليه كلام صاحب السُلَّم أن المراد به المختلِط.
وَالقَوْلَةُ المَشْهُورَةُ الصَّحِيحَهْ ... جَوَازُهُ لِكَامِلِ القَرِيحَهْ
يعني الذكي الألمعي الذي يستطيع أن يميّز بين الغث والسمين، بين الحق والباطل.
مُمَارِسِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ ... لِيَهْتَدِي بِهِ إِلَى الصَّوَابِ
ج
قال الشيخ هنا: أما قول الأخضري (هذا الذي ذكرناه) فمحلُّه: المنطق المشوب بكلام الفلاسفة الباطل ..
يعني: هذا أخطأ الأخضري في ذكر هذه المسألة في هذا الكتاب؛ لأن كتابه إنما هو نظمٌ لإيساغوجي على المشهور، وإن لم يذكر ذلك في مقدمته، وإن زاد فيه بعض الأبواب.
فنظَمَ إيساغوجي، وإيساغوجي معلومٌ أنه (الذي شرحه زكريا الأنصاري هنا) أنه من (الَّذِي خَلَّصَهُ مَنْ أَسْلَمَا) يعني: الخالص من شُبه الفلاسفة.
стр. 7
حينئذٍ كيف تأتي بهذا الخلاف الذي هو ليس في هذا الموطن، فيُذكر فيما خلَّصه العلماء؟ هذا فيه شيءٌ من الخطأ.
وحينئذٍ نقول: هذا محله في المنطق المشوب بشبه الفلاسفة.
قال رحمه الله تعالى -الشيخ الأمين-: ومن المعلوم أنّ فن المنطق منذ تُرجِم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في أيام المأمون كانت جميع المؤلفات توجد فيها عبارات واصطلاحات منطقية.
وهذا توجيه في أن أهل العلم الشرعي، لماذا يدرسُون علم المنطق؟ هو علمٌ دخيل، لا شك أنه دخيل ومُسلَّمٌ بهذا، لكن لماذا ندرُسه، ولماذا نشتغل به؟
لا لذاته وإنما لما يترتب عليه من فوائد.
قال: كانت جميع المؤلفات (يعني: كثير من المؤلفات) توجد فيها عبارات واصطلاحات منطقية لا يفهمها إلاَّ من له إلمامٌ به.
وهذا موجود في علوم الآلة على جهة الخصوص، النحو أُدخل فيه كثيرٌ من الاصطلاحات، وكذلك الصرف أُدخل فيه كثير من الاصطلاحات، وكذلك البيان والبلاغة، وأهمها علم أصول الفقه فقد خُلِط بهذا الفن.
وأما علوم اللغة فهي أخف، ويمكن الاستغناء عن كثير من الكتب التي اشتملت على شيءٍ من المنطق بغيرها، يعني: الانفكاك أمرٌ سهل في علوم اللغة، وأما في أصول الفقه لا يكاد أن يسلم الناظر في هذا العلم، بل لا يكاد أن يتمكن، بل لن يتمكن إلا إذا نظر في هذه الكتب على وجه الخصوص.
لو نظرت في شروح جمع الجوامع وغيرها، والمستصفى والبرهان، لا بد أنه اشتمل على شيءٍ من ذلك. بل جعلوا مقدمات منطقية، حينئذٍ كيف يفهمها طالب العلم الذي لا بد أن يعلم هذا الفن وهو أصول الفقه؟
لأن عديم النظر في كتب أصول الفقه هذا عديمٌ في علم الشرع، لا شك في ذلك؛ لأن الشريعة إنما هي استنباط يعني: استنباط أحكام شرعية من الوحيين، وهذا معتمدُه علم أصول الفقه، ولن يتمكن الطالب في هذا الفن إلا بالنظر في هذه المطولات، وكلها مشتملة على هذه الاصطلاحات، كيف يفهمها؟
إذا ادعى مدعٍ بأنه قد فهم وهو لم يدرس المنطق، هذا لا تُقبل دعواه؛ لأنه قد يكون له شيءٌ من الفهم، لكن الفهم الذي ينبغي لا، لا يمكن أن يتصور المسائل على الوجه الذي أراده الكاتب –المصنِّف- إلا إذا عرف المصطلح الذي تكلم به، وهذا المصطلح إنما هو فن المنطق.
ولذلك نقول: المنطق من أوله إلى آخره كله مصطلحات (قواعد)، حينئذٍ لا بد للناظر في علوم الآلة، وأصول الفقه على جهة الخصوص من النظر في هذا الفن وإتقانه، لا بد من إتقانه من أجل أن يُتقن أصول الفقه.
قال هنا: فيها عبارات واصطلاحات منطقية لا يفهمها إلا من له إلمامٌ به (بهذا الفن)، ولا يفهم الرد على المنطقيين فيما جاءوا به من الباطل إلاّ من له إلمامٌ بفن المنطق.
وهذه فائدة أخرى وهي: أن من درس المنطق ليسوا كلهم على مرتبة واحدة من الحق والباطل، قد يدرس المنطق ويستفيد منه فيما يستفاد في الحق، وفي الذب عن الشريعة، وقد يدرس المنطق من أجل تأصيل المسائل البدعية كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة .. كل هؤلاء دينهم، وعقيدتهم مبناه على الأمور العقلية، وهي مستنبطة أو معتمدة على هذه القواعد، هنا سيأتي السؤال الكبير: كيف ترد عليهم؟
стр. 8
هل تأخذ كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتردده من غير فهمٍ، وخاصةً إذا كان الذي يرُد ليس كتابة الذي يرد بالمناظرة والمجادلة، وحينئذٍ كيف يرُد؟
هذا لا يمكن ولا يتأتى له إلا إذا نظر في هذا الفن.
لأنه أولاً: يفهم عقيدة المخالف بناها على أي شيء؟
ثم بعد ذلك ينقض هذه العقيدة.
فثَم أمران: الأمر الأول: يفهم دليل المستدل؛ لأنك إذا أردت أن ترُد باطلاً فلا بد أن تفهم هذا الباطل، كيف استوى؟ على أي ساق، على أي دليل، على أي وِجهة؟ لا بد أن تفهمه، أم ترد هكذا؟ نقول: لا. لا بد أن تفهم أولاً القول الباطل، فكيف تفهمه وهو قد استند إلى هذا الفن؟
إذاً: لا يمكن أن يُعرف ما عند المنطقيين والمتكلمين من الباطل إلا بمعرفة هذا الفن، ولا يمكن أن يُفهم ما عندهم من استدلالات إلا بفهم هذا الفن.
ثم ثالثاً: لا يمكن أن ننسف ما عندهم من باطل إلا بفهم هذا الفن، ولو قلنا بأن الرد واجب فحينئذٍ نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولكن هذا لا يكون مطلقاً لكل أحد وإنما لمن كانت عنده أهلية النظر في الشرع.
إذاً: قال: ولا يفهم الردَّ على المنطقيين فيما جاءوا به من الباطل إلاّ من له إلمامٌ بفن المنطق.
ثم قال: وقد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية.
"وقد يعين" قد للتحقيق هنا يعني: ليست للقلة، قد إذا دخلت على المضارع أفادت -في المشهور- التكثير أو التقليل، هذا المشهور عند النحاة. ولا تأتي للتحقيق إلا إذا دخلت على الماضي .. إذا دخلت على الماضي أفادت التحقيق أو التقريب.
التحقيق: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:١]، التقريب: قد قامت الصلاة .. قد غربت الشمس.
وعند جماهير النحاة لا تأتي للتحقيق، وهذا ليس بسديد بل الصواب أنها قد تأتي للتحقيق إذا دخلت على الفعل المضارع، قال تعالى: ((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ)) [الأحزاب:١٨] هنا نحملها على التكثير أو التقليل؟ لا هذا ولا ذاك، وإنما على التحقيق.
التحقيق المراد به: وقوع ما بعده. يعني: متحقَّقُ الوقوع، الحدث الذي بعد قد متحقق الوقوع ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون:١] إذاً: الفلاح متحقق أو لا؟ متحقق.
ولذلك تُعد قد من المؤكِّدات عند البيانيين؛ لأنها تؤكِّد وقوع الحدث.
كذلك ((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ)) [الأحزاب:١٨]، ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ)) [الحجر:٩٧] كل هذه نقول: قد هنا للتحقيق، خلافاً لما اشتهر على ألسنة النحاة بأنها لا تكون إلا للتقليل والتكثير.
إذاً: "قد يعين" للتحقيق هنا.
قد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية. فزعموا أنَّ العقل يمنع بسببها كثيراً من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة.
نفوا كثيراً إن لم يكن جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، والتي الأصل فيها التسليم على ما جاء به قول الباري جل وعلا وقول نبيه ﷺ اعتماداً على الأصل في باب الأسماء والصفات.
نفوا كثيراً من مدلولات هذه الأسماء والصفات، بناءً على أقيسةٍ، والأقيسةُ هذه سيأتي أنه الطريق الموصل إلى التصديق.
إذاً: على شيءٍ من فن المنطق.
стр. 9
هذه الأقيسة حقة أم باطلة؟ نقول: باطلة، كيف نفهم بطلانها؟ بهذا الفن، كيف نردُّ عليهم؟ بهذا الفن.
لماذا؟
لأن المعتمِد على النفي إنما اعتمد على أقيسةٍ باطلة ولا يمكن ردُّها إلا بفهم هذا الأصل عندهم.
قال هنا: لأنَّ أكبرَ سبب لإفحام المبطِل أن تكون الحجةُ عليه من جنس ما يُحتج به.
وهو كذلك.
لأنَّ أكبر سبب لإفحام المبطِل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتَج به. فالجهمي في باب الأسماء والصفات لا يؤمن بقرآن ولا بسنة قطعاً، وإنما يؤمن بعقله المقدّس، وعقله المقدّس هذا كالكتاب المقدّس يعني .. من جنس واحد.
فحينئذٍ لا يبني ما عنده إلا على هذه الأقيسة التي ظن أنها حقٌ، فحينئذٍ كيف يُنظر فيما عنده؟ نقول: لا بد من هذا الفن.
قال: لأنَّ أكبر سبب لإفحام المبطل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتج به.
فالرد على الجهمي إنما يكون بالأقيسة الصحيحة الحقة، والرد على المعتزلي كذلك وغيره من أهل البدع.
وأن تكون مركبة من مقدمات على الهيئة التي يعترف الخصم المبطل بصحة إنتاجها.
قال ﵀: ولا شك أنَّ المنطق لو لم يُترجَم إلى العربية ولم يتعلمه المسلمون لكان دينُهم وعقيدتُهم في غنىً عنه كما استغنى عنه سلفهم الصالح.
وهذه مُسلَّمة ولا إشكال فيها، ونحن نتكلم عن واقع لا نتكلم عن شيءٍ في الذهن.
يعني: نتكلم عن واقع بمعنى أن العقيدة الآن -كتب المعتقد- قد خالطها شيءٌ من المنطق.
إذاً لا بد الكلام أو الفتوى أو النظر يكون باعتبار الواقع لا باعتبار شيءٍ في الذهن، وما ذكره الشيخ هنا شيءٌ واقعي أم ذهني؟ لو لم تُترجم لكنا في غنى، هل استغنينا؟ نقول: لا. لم نستغني، لماذا؟ لأنها تُرجمت. العكس.
حينئذٍ لو لم تُترجم كتب المنطق لكنا في غنى كما استغنى السلف الصالح، لكن لم نكن في غنى؛ لأنها تُرجِمت ودخلت في علوم الشريعة.
إذاً: نتكلم عن شيءٍ واقعي ولا نتكلم عن شيءٍ في الذهن.
لكان دينُهم وعقيدتُهم في غنىً عنه كما استغنى عنه سلفهم الصالح.
ولكنه لمّا تُرجم وتُعُلِّم وصارت أقيسته هي الطريقةَ الوحيدة لنفي بعض صفات الله الثابتة بالوحيين، كان ينبغي لعلماء المسلمين أن يتعلموه وينظروا فيه؛ ليردوا حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به على نفيهم لبعض الصفات.
كان ينبغي لعلماء الإسلام أن يتعلموا هذا الفن؛ من أجل الذب عن الشريعة، وباب المعتقد على جهة الخصوص.
لأنّ إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم وإلزامهم الحق.
ثم قال رحمه الله تعالى: واعلم أنّ نفس القياس المنطقي في حد ذاته صحيح النتائج إنْ رُكِّبت مقدماتُه على الوجه الصحيح صورةً ومادة.
يعني: القياس في نفسه صحيح وحق، كما أن الإجماع في نفسه صحيحٌ وحق، كما أن القياس (الدليل الرابع) في نفسه صحيحٌ وحق كذلك.
لكن قد يُردُّ القياس لكونه لم يأت على الصورة الصحيحة، قد يُرد الإجماع لكونه لم يستوفِ الشروط.
حينئذٍ إذا كثُرت الإجماعات ورُدَّت لا نرجع إلى الأصل فنرده من أصله، وكذلك الشأن في القياسات.
هنا الشيخ يشهد -رحمه الله تعالى- على أن القياس المنطقي في أصله صحيح وحق، بل يرى أنه قطعي، لكن متى؟ إنْ رُكِّبت المقدِّمات على الوجه الصحيح من حيث الصورة ومن حيث المادة.
стр. 10
يعني: إن استوفى الشروط، كما أن القياس في باب الشرعيات إذا استوفى الشروط فهو حق كذلك الشأن هنا.
إذاً: لا يُنظر في المنطق من حيث ما رتَّب عليه أهل البدع فحسب، هذه نظرة قاصرة، وهذا الذي أودى ببعض الطلاب هنا إلى مسألة التذبذب في تعَلُّم هذا الفن .. ندرُس أو لا ندرس؟
حينئذٍ نقول: النظر هنا في القواعد من حيث أصلُها، والنظر في استعمال هذه القواعد، حينئذٍ إذا استعمله المبتدئ على وجهٍ مخالف نرد عليه ببيان وجه المخالفة، وأما الأصل فيبقى على أصله.
ولذلك قال هنا: واعلم أن نفس القياس المنطقي في حد ذاته صحيحُ النتائج إن رُكِّبت مقدماته على الوجه الصحيح صورةً ومادة، مع شروط إنتاجه فهو قطعي الصحة (ليس ظني)، وإنما يعتريه الخلل من جهة الناظر فيه فيغلط، فيظُن هذا الأمر لازماً لهذا مثلاً. هذا يلزم من كذا وقد يخطئ، قد يظن أن هذا لازم وهذا ملزوم، وليس بينهما ملازمة، يمكن أو لا؟ يمكن.
قد يظن أن المقدمة الصغرى صحيحة وهي باطلة، أو العكس- الكبرى- .. ونحو ذلك.
فيستدل بنفي ذلك اللازم في زعمه على نفي ذلك الملزوم مع أنه لا ملازمة بينهما في نفس الأمر البتة.
إذاً: يقع الغلط والخطأ من حيث الاستعمال لا من حيث الأصل، فإنه قطعيٌ كما قال الشيخ هنا.
قال: ومن أجل غلطه في ذلك تخرج النتيجة مخالفة للوحي الصحيح لغلط المستدل. ولو كان استعماله للقياس المنطقي على الوجه الصحيح لكانت نتيجته مطابقة للوحي بلا شك؛ لأنّ العقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
إذاً: هذه الجملة نفيسة من كلام الشيخ الأمين رحمه الله تعالى ذكرها في مقدمة كتابه الذي يسمى بالمقدمة المنطقية أو آداب البحث والمناظرة، وجعلَ في القسم الأول قواعد المنطق، بيَّن فيه أنه ينبغي أن يدرُس أهل العلم الذين يتصدون للرد على المخالفين .. أن يدرسوا هذا الفن من أجل الرد على المخالفين، وعلى شبه هؤلاء المبتدعة.
ثم في نفسه كطالب العلم أن ينظر فيه ليفهم كما سيأتي في كلام الشوكاني رحمه الله تعالى .. أن يفهم مصطلحات هذا الفن من أجل أن يفهم كثيراً من كتب أصول الفقه، وما تعلق به من علوم اللغة.
وأصبح دراسة المنطق مطلوبةً عند بعض المتأخرين لدراسة بعض العلوم كالأصول. كما ذكرنا.
لأن كثيراً من مؤلفاتها الصيغة في قالبٍ منطقي فتعذر التمكن فيها إلا بدراسته.
نعم تعذَّر؛ لأنها في جُلِّها إن لم تكن كلها مبنيةٌ على هذا العلم، فلن يتمكن فيه طالب العلم إلا بالتمكن في هذا الفن.
وقد قرر ذلك جماعةٌ من أهل العلم.
قال ابن القاسم العبَّادي في حاشيته على تحفة المحتاج: قال في الإمداد: بل هو (أي: المنطق) أعلاها أي: العلوم الآلية.
وهذا من الغلو، كما هو الشأن في بعض من يغلو في باب القياس الشرعي (الذي هو رابع الأدلة)، هنا كذلك بعضهم يغلو في باب المنطق، حتى قال الغزالي: من لا علم له بالمنطق لا ثقة في علمه. يعني: علمُه هباءً منثوراً. هذا كلام فاسد لا يعوَّل عليه، لماذا؟
стр. 11
لأنه يُعتبر الأصل من حيث الإثبات ثم لا نزيد ولا ننقِص .. لا نقول: كل شيء حرام محرَّم من أصله، ولا نأتي نرفعه نقول: هو أعلى وأجل علوم الآلة، ومن لا معرفة له لا يوثق بعلمه! نقول: لا. هذا يُعتبر من الغلو.
قال: بل هو (أي: المنطق) أعلاها (أي: العلوم الآلية).
ثم قال: وإفتاء النووي كابن الصلاح بجواز الاستنجاء به.
والله أعلم بهذه الفتوى، لكن بناءً على ما كان مشوباً. يعني: فيه شيءٌ مما يخالف الشريعة جوَّزوا الاستنجاء به.
قال: يُحمل على ما كان في زمنهما من خلطٍ كثير من كُتبِه بالقوانين الفلسفية المنابذةِ للشرائع، بخلاف الموجود اليوم فإنه ليس فيه شيءٌ من ذلك ولا مما يؤدي إليه فكان محترَماً.
على كلٍ: الأصل فيه الإباحة، ما كان خالصاً من شُبه الفلسفة الأصل فيه الإباحة، وما كان خليطاً فيُنظر في الناظر، بناءً على أن الأصل في النظر في هذه الكتب الأصل فيه المنع.
فحينئذٍ إذا كان الناظر يستطيع أن يميز بين الحق والباطل (مُمَارِسِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ) كما مضى في قول الأخضري، فحينئذٍ يجوز له النظر وما عداه فالأصل فيه التحريم.
إذاً نقول: الأصل في دراسة علم المنطق غير المشوب بالفلسفة الإباحة؛ لأننا إذا قسَّمنا كتب المنطق إلى قسمين: مشوب وغير مشوب، جاء بعضهم قال: رحمك الله، غير المشوب هذا هو من علم الفلسفة. نقول: ومن الذي قال بأن علم الفلسفة كله حرام؟ وإلا لحرّمنا الحساب والهيئة والهندسة .. ونحوها، كلها صارت محرَّمة، لماذا؟ لأنها علومٌ فلسفية.
فحينئذٍ لا نعترض بكون هذا العلم مباحاً أنه جزءٌ من الفلسفة، نقول: جزءٌ من الفلسفة غير المحرَّمة التي الأصل فيها الإباحة.
ثانياً: الأصل الاستغناء كما ذكرنا عن هذا الفن، لولا أنه أُدخل على العلوم الشرعية ولهج به كثيرٌ من العلماء، فصارت مصنفاتُهم في كثيرٍ من الفنون مشوبةً بهذه الاصطلاحات المنطقية، لا سيما علم أصول الفقه.
وكلام الشيخ فيما مضى واضحٌ بيِّن.
ثالثاً: إذا عرفنا أنه لا بد منه، ليس المراد من هذا أن طالب العلم يقرأ فيه كما يقرأ في كتب الحديث، كل كتاب معتمد لأئمة الحديث أو شرحاً لبعض الأحاديث أنه يقرأه أو يقتنيه، أو الشأن في كتب التفسير الأصل فيها أنه يقرأ ما شاء. وإنما يأخذ ما يحتاجه، يعني: ليس المراد هنا أن يقرأ مائة كتاب ومائة حاشية، أو يحفظ ألفية أو ألفيتين، أو أزود من ذلك، وإنما نقول: نحتاج إلى شيءٍ تكون به القِوامة، وما عدى ذلك يُترك، لماذا؟ لأننا كما ذكرنا الأصل فهم الاصطلاحات.
ثانياً: إذا كانت معك الأصول .. لأنه علمٌ محصور .. علم المنطق محصور، وإنما الثرثرة الكثيرة عند المتأخرين هي التي أطالت هذا الفن، وإلا هو علم اصطلاحات من أوله إلى آخره أشبه ما يكون بقاموس تعاريف.
حينئذٍ ما يحتاجه طالب العلم هو الذي ينبغي التنبيه عليه؛ لنجمع بين الأمرين نقول: الأصل فيه الإباحة، ونحث وبقوة طلاب العلم أن يعتنوا بضبط هذا الفن، وبضبط ما يتعلق بباب المعتقد.
ثم ننبِّه: ليس المراد به أن يقرأ كل ما شاء أو يقرأ ما شاء، أو يحفظ كل شيء لا، إنما يأخذ ما يحتاجه، ولا بد من النظر فيما قاله أهل العلم.
стр. 12
المبتدئ في هذا الفن عليه أن يتدرج في تعلمه، وبعضهم اشترط هنا أن يكون عنده شيءٌ من علم المعتقد، لكن هذا ليس بشرط؛ لأننا قلنا هذا الباب مخلَّص فليس فيه شُبه، وخاصةً إذا قرأه على من هو من أهل السنة والجماعة؛ لأنه يرد الإشكال في بعض الأمثلة.
كل من كتَب في علم المنطق إما أشعري وإما ماترودي .. متأخرون، فحينئذٍ يأتي بعض الأمثلة تتعلق بباب المعتقَد، فالذي لا يعرف ولا يميِّز أو لا يقرأ على من يميِّز له ذلك، فحينئذٍ قد يقع في الإشكال.
فإذا كان لا يقرأ على مُعلِّمٍ من أهل السنة والجماعة، أو يقرأ بنفسه، أو يقرأ على أشعري إن جاز له ذلك. فحينئذٍ نقول: لا بد أن يكون عنده شيءٌ من باب المعتقد؛ ليسلم من الخلط.
من تحركت همته لنيل حظٍ من هذا الفن فعليه قبل الولوج فيه أن يأخذ حظاً من علم الكتاب والسنة دراسةً تأصلية. للأمر الذي ذكرناه.
رابعاً: المبتدئ في هذا الفن عليه أن يتدرج في تعلُّمه، فيأخذَه شيئاً فشيئاً على أهله (يعني: على ما يفهمه)، يشرع أولاً (على المشهور عند أهل العلم) في حفظ متن السلَّم المنورق. وهذا كما ذكرنا أنه نظمٌ لإيساغوجي، وإيساغوجي نثر، وبعضهم يقدِّم النثر فلا بأس، وبعضهم يقدِّم النظم ولا بأس. وكلاهما على خير.
من يحب حفظ النثر فليحفظ إيساغوجي، ومن يحب حفظ المنظومات فليحفظ السلَّم المنورق. هذه الكتب ليست توقيفية يعني: ليست مبناها على التوقيف من خرج عنها فقد وقع في محظورٍ.
فيحفظ متن السلَّم المنورق للأخضري، وهو مختصر مفيد وعليه شروح عديدة لأهل العلم وهو سهل العبارة, واضح الإشارة.
قيل: إنه نظمٌ لإيساغوجي وإن لم ينصَّ الناظم على ذلك, وعليه شروح كثيرة, من أحسنها وأجودها شرح الإيضاح -إيضاح المبهم- لأحمد الدمنهوري، وهو شرح جيد ومفيد جديد في هذا الفن؛ لأنه أشبه ما يكون بكتابٍ عصري. ثم يقرأ بعد إتقانه وإجادته شرح السلَّم المنورق كذلك لأحمد المَلَّوي. وهذا جيد ويفيد كمرحلة ثانية.
وهذا يكتفي به فيما يتعلق بشروح السلَّم، إذا أراد أن يكتفي بواحدٍ منهما فحينئذٍ ينظر في الدمنهوري (إيضاح المبهم)، والأحسن من ذلك أن يدرس أولاً إيضاح المبهم ثم بعد ذلك يضيف إليه شرح أحمد الملَّوي، وعليه حاشية للصبَّان، وهي كذلك حاشية نفيسة في هذا الباب.
ثم إذا أتقن هذا الجانب -الذي هو الأخضري- يرتقي إلى الشمسية وتهذيبِها، إما هذا أو ذاك، تهذيب الشمسية لسعد الدين التفتازاني، وعليه شرح للخبيصي، وعليه حاشية للعطار، والشمسية وشروحُها مشهورةٌ كذلك وعليها شرحٌ للتفتازاني.
ثم يقرأ الطالب بعد ذلك تهذيب الشمسية لسعد الدين مسعود التفتازاني، وعليه شروح أشهرها (التذهيب شرح التهذيب) للعلامة الخبيصي (مطبوع).
وكتبَ على التذهيب أبو السعادات حسن العطَّار حاشية نفيسة محررة. يعني: بالنسبة لفن المنطق، كما هي عادتُه في حواشِيه.
العطَّار له حواشي من أنفس ما يكتبه المحشُّون؛ لأن أكثر المحشِّين قد يعيشون فراغاً. يعني: يريد أن يلتمس حُجةً على صاحب الكتاب، ويذهبون بالصفحة والصفحتين في إعراب وتوجيه كلمات .. إلى آخره.
стр. 13
لكن بعض الحواشي لا، فيها فوائد وفيها درر، كحاشية الخضري على ابن عقيل، وحاشية الصبَّان على الأشموني. حاشيتان في النحو لا مثيل لهما.
كذلك حاشية العطَّار على جمع الجوامع -المحلي- لا مثيل لها، وهي أقوى وأنفس من حاشية البنَّاني.
هنا في باب المنطق شرْحُ زكريا الأنصاري عليه حاشية حسن العطَّار وهي أنفس من عُليِّش الذي معنا.
وكذلك في التذهيب له حاشية وهي حاشيةٌ نفيسة كذلك.
فإذا أتقن الطالب هذين الكتابين يكتفي، ثم تأتي الممارسة والملكة.
الممارسة والملكة لا تأتي بحفظ المصطلحات فقط، وإنما تأتي بماذا؟
الملكة كيف يُنشئها طالب العمل في نفسه؟ إنما يُنشئها بممارسة الفنِّ، ليس بالنظر في الفن.
فأنت لو كنت تحفظ ألفية ابن مالك، تحفظ فقط وتراجع كل يوم وتجرُد ابن عقيل كل أسبوع لن تكون نحوياً، لست معدوداً من النحاة أصلاً.
متى تكون نحوياً؟ عند الممارسة.
إذا مارستَ النحو يعني: نطقتَ وتكلمت وأعربت، ونظرت في الآيات وأعربت، واستخرجت واستنبطتَ .. إلى غير ذلك. حينئذٍ تتدرج في فن النحو، وإذا استمر طالب العلم في ذلك حينئذٍ يصل إلى الملكة -ملكات الفنون-، وهذه لا تكون إلا بالممارسات.
وفي علوم الشريعة تأتي كذلك بالجرد، وأما هنا فالمراد به أن يمارس والممارسة إنما تأتي فيما لو نظرتَ في كتب الأصوليين، تقف مع بعض المصطلحات، أو كتب النحو التي قلنا فيما سبق أنها مشوبةٌ باصطلاحات وعبارات منطقية، فتنظر في كل موضعٍ على جهة التطبيق لهذا الفن.
كما تنظر فيما لو حفظت ألفية ابن مالك في الإعرابات في القرآن، ماذا أُعرِب؟ أُعرب الألفية نفسها مثلاً، أو تنظر في إعراب القرآن فتمارس النحو، كذلك الصرف، كذلك البيان، كذلك المصطلح تدرسه ثم تمارس في التخريج ونحو ذلك.
هنا تدرسه ماذا تصنع تقف؟ لا، وإنما تمارس هذا الفن بالنظر فيما كتبه أهل الأصول من مقدمات أو فيما يتعلق بالمسائل، أو كذلك أهل النحو أونحو ذلك.
ثم فيما يتعلق بالرد تنظر فيما كتبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في إبطال ما ادَّعاه من ادعى في كون عقيدته على قياسٍ صحيح، حينئذٍ بعد ذلك تستمر في هذا النوع، فتمارس الفن فتتكون عندك الملكة.
حينئذٍ إذا أتقنت ما ذكرتُه لك، حينئذٍ لا يُشكل عليك شيءٌ من مصطلحات القوم ولا من قواعدهم، بل فيما يظهر والله أعلم أنك تكون مشاركاً لهم؛ لأن أكثر ما ذُكر في الشمسية وفي السلّم إنما هو الذي يدندن به من يدندن في باب المعتقد من الأقيسة ونحوها.
ثم اعلم أن هذا الفن مسائله النثرية يصعب بقاؤها في الذهن كغيرها من العلوم، كالفرائض .. الفرائض ما تبقى، لكن لو حفظ طالب العلم نظماً سلساً، أو نظماً مطولاً، حينئذٍ يبقى معه شيءٌ من العلم.
стр. 14
ولذلك ننصح في هذا المقام وإن كان فيما سبق يحفظون الشمسية، لكن نقول: لا تحفظون الشمسية؛ لأنها من ضياع الأوقات تعتبر، وإنما تحفظ نظماً، وهذا النظم كما هو معلوم يُعتبر من نوع الرَّجز، ونوع الرجز هذا مستعذبٌ في اللسان وفي الآذان، وإذا حفظه الإنسان يستطيع أن يكرره خاصةً إذا كان النظم سلساً، حينئذٍ إما أن يحفظ السلَّم وهذا لا يكفيه فيما سبق، السلَّم لا يعتبر، كالآجرومية لا تكفيك في باب النحو، وإنما ينظر فيما زاد على ذلك.
فيحفظ السلّم أولاً، ثم بعد ذلك إما الشمسية (نظم الشمسية) وإما التوشيح، الشمسية هذه لبشير الغَزِّي تقع في (٢٣٥) يعني رُبع ألفية .. قريباً من ذلك.
يقول فيها:
وَهَذِهِ أُرْجُوْزَةٌ سَنِيَّهْ
أنِيقَةُ الأَلفَاظِ وَالمَعانِي ... ضَمَّنتُها مَسَائِلَ الشَّمْسِيَّةْ
تَعْذُبُ فِي الآذَانِ وَالأَذْهَانِ
وليس لها شرحٌ للأسف الشديد، وهذا الذي يجعلنا نعزف عنها، ففيها خمسة أبيات فيها إشكالات وفيها رموز، قرأتُها على أحد المشائخ لكنه فيها أعوازٌ كبير وشيءٌ من الغموض.
ثانياً: توشيح عبد السلام على متن السلم المنورق المسمَّى بالاحمرار, هذا يقع في (٤٤٠) بيتاً يعني: نصف ألفية تقريباً.
جمع فيه كثيراً من المسائل التي تركها صاحب السلم فألحقها به من عدة شروح يقول في خاتمتها:
نَظَمتُهُ لِلْمُبْتَدِيْنَ تَبْصِرَهْ
مُعْتَمَدِي فِي نَقْلِهِ قَصَّارَهْ
وَأَصْلُه بَنَّانِي ذُوْ التِّبْيَانِ
وَرُبَّمَا زِدْتُ مِنَ المُخْتَصَرهْ
فَجَاءَ نَظْمَاً جَامِعَاً مُبِيْنَا ... وَلِلشُّيُوخِ المُنْتَهِيْنَ تَذْكِرَهْ
جَمِّ المَعَانِي وَاضِحِ الْعِبَارَهْ
وَشَرْحُ قَدُّوْرَةِ ذِي الاِتْقَانِ
وَشَرْحِهَا مَسْأَلَةً مُحَرَّرَهْ
عَلَى مُهِمِّ فَنِّهِ مُعِيْنَا
وهذا أجود، ولو اعتكف عليه طالب العلم وحفظه وفهمه حق الفهم كفاه.
السلّم موجودٌ فيه بلفظه. يعني: من عنده قدرة أن يبدأ في المطولات، وهذا لا يُنصح به، لكن قد يكون شذوذ من قواعد، من شذ واستطاع أن يصبر على المتن فيبدأ به ابتداءً وانتهاءً، يكون هذا الكتاب الذي تبتدئ به، وهو الذي تتوسط به، وهو الذي تنتهي به. لكن يحتاج إلى شرح، فيه شرحٌ لبعض المعاصرين، لكن فيه إعوازٌ، ويحتاج إلى شرح.
وقد شرح التوشيح بعض المعاصرين ولكن فيه إعوازٌ كثير.
وأشملُ النظمين وأوسعها وأسهلها هو التوشيح.
إن يسَّر الله نشرحه صوتياً وسيكون قريباً إن شاء الله تعالى، لكن موسَّعاً.
يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: وينبغي للطالب أن يطَّلع على مختصرات المنطق، ويأخذه عن شيوخه ويفهم معانيه بعد أن يفهم النحو؛ ليفهم ما يبتدئ به من كتبه ليستعين بذلك على فهم ما يورده المصنفون من مطولات كتب النحو ومتوسطاتها من المباحث النحوية.
"ينبغي" هذه إما على جهة الإيجاب وإما على جهة الاستحباب "ينبغي"، وإن كانت في الشرع تأتي للتحريم المشدد ((وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ)) [مريم:٩٢] وأما في استعمال الفقهاء فقد يعنون بها: ينبغي المستحب، المرادفة عند بعضهم للمستحب.
لكن في مثل هذه المواضع التي ليست في مصاف المسائل الفقهية قد يُحمل على الانبغاء بمعنى الإيجاب أو بمعنى الاستحباب.
стр. 15
قال: ينبغي للطالب أن يطَّلع على مختصرات المنطق ويأخذه عن شيوخه ويفهم معانيه بعد "بعد" تدل على الترتيب- بعد أن يفهم النحو.
وهذا يدل على أن أولئك الأقوام إنما ساروا على الجادة يعني: يأخذوا النحو، ثم إذا أراد أن يرتقي إلى كتب المتوسطين، ومعلومٌ أن عبارات في اصطلاحات المنطقة التي يستعملها النحاة الذين يشرحون الكتب إنما ليست في كتب المبتدئين، لا يوجد في شروح الآجرومية مثلاً (إلا في شرحه الأعلى) .. لا يوجد في شروح الآجرومية مصطلحات المناطقة: تَصَوُّر وتصديق ... إلى آخره، لا يوجد والله أعلم.
وإنما يوجد في القطر وما بعده، حينئذٍ يأخذ ما يحتاجه المبتدئ، ثم قبل الولوج في المتوسطات من كتب النحو يقول: تأخذ شيئاً من مختصرات المنطق؛ لأن العلوم يخدم بعضها بعضاً، ليس عندنا طريق واحد تشقه وتمشي لا، وإنما العلم له شعب، وكل شُعبةٍ تخدم الشعبة الأخرى، بينهما تعاون.
حينئذٍ إذا أراد الطالب أن ينظر في علمٍ ما ويجد مشقة في فهم بعض الاصطلاحات فلا بد أن يقدّم قبل أن يلج هذه الكتب المتوسطة أو المطولة لا بد أن يأخذ شيئاً من العلم الآخر ليعينه.
الطالب الذي يقرأ في الفقه مثلاً، أخَذَ المسألة وحكمَها، ثم إذا أراد أن ينتقل قد لا يحتاج في هذه المرحلة إلى علم أصول الفقه، إذا كان ستُلقَى عليه المسألة تصويراً فقط، بيان الحكم والدليل قد لا يحتاج إلى أصول الفقه، لكن إذا أراد أن يرتقي إلى القولين فحينئذٍ يقع تضارب: حرام، جائز، مكروه .. إلى آخره.
فكيف يميّز بين هذا وذاك؟ كيف يفهم ما يرِد على هذا القول والقول الآخر؟
فلا بد أنه قبل أن يلج في المرحلة المتوسطة أن يأخذ شيئاً من أصول الفقه، كذلك هنا كلام الشوكاني رحمه الله تعالى.
قال: بعد أن يفهم النحو.
النحو مقدّم، وهو أول علوم الآلة التي ينبغي العناية بها، يدرس علم النحو؛ ليفهم ما يبتدئ به من كتبه ليستعين بذلك على فهم ما يورده المصنفون في مطولات كتب النحو ومتوسطاتها من المباحث النحوية.
قال: ويكفيه في ذلك مثل: المختصر المعروف بإيساغوجي -كتابنا-، أو تهذيب السعد وشرحٍ من شروحهما.
يعني: إما إيساغوجي وإما تهذيب السعد للشمسية. إما هذا وإما ذاك.
وليس المراد هنا (بدراسة هذين الكتابين) إلا الاستعانة بمعرفة مباحث التصورات والتصديقات إجمالاً.
يعني: كمرحلة أولية فقط.
لئلا يعثُر على بحث من مباحث العربية من: نحو أو صرف أبو بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكاً على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا يفهمه.
يعني: لئلا يقع في حرج؛ لأنه قد تأتي عليه مسألةٌ فيها اصطلاحٌ للمناطقة، أو مسألة مبناها على قاعدة من قواعد المنطق، فكيف يفهمها؟ لا بد أنه يستعين بذلك يعني: الفن المختصر قبل الولوج في هذه الكتب.
قال: لئلا يعثر على بحث من مباحث العربية من نحو أو صرف أو بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكاً على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا يفهمه، كما يقع كثيراً من الحدود والإلزامات فإن أهل العربية يتكلمون في ذلك بكلام المناطقة، فإذا كان الطالب عاطلاً عن علم المنطق بالمرة لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي.
стр. 16
إذاً قد يفهمها لكن لا يصل إلى الدرجة القصوى، ومن هنا نأتي نرُد على من يقول بأنه قد فهم الأصول مثلاً على وجهه دون أن ينظر في علم المنطق.
نقول: لا. كذبتَ وإنما صار عندك شيءٌ من الفهم لكن ليس على وجه التمام، ومن يدَّعي بأنه فهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مناقشات الأشاعرة ونحوها، حينئذٍ نقول: هل درستَ علم المنطق؟ يقال: لا. وفهمتُ كلام ابن تيمية! نقول: لا. لا يسلَّم، وإنما فهمتَ بعضاً من كلام ابن تيمية، فهمتَ فهماً عاماً من كلام ابن تيمية، أما الفهم القوي الصحيح المتعمق فهذا لا يمكن؛ لأنه سيأتي بعبارات ويأتي بجمل ويأتي بأصول، وقد اعتمدها المناطقة، فإذا لم تفهم هذه الأصول على وجهها كيف تفهم الرَّد؟ كما ذكرناه فيما سبق.
فإذا كان الطالب عاطلاً عن علم المنطق بالمرة لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي.
ثم قال: ثم يشتغل بعلم المنطق فيحفظ مختصراً من مختصراته كالتهذيب أو الشمسية، ثم يأخذ في سماع شروحهما على أهل الفن، فإن العلم بهذا الفن على الوجه الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك.
لأنه أشبه ما يكون بالقواعد التي يدندن حولها المعاصرون .. قواعد التفكير، هي من علم المنطق، علم البرمجة العصبية هذا نظرتُ فيه أكثرُه من علم المنطق، وبعضهم يحرِّم المنطق ويزهِّد فيه وهو يعطي دورات في البرمجة العصبية. هذا نسميه تناقضاً؛ لأنه ما درى علم المنطق، فلما جاء هذا العلم ظنه لأنه بأسلوب عصري ومترجم .. إلى آخره، فظن أنه علمٌ يتعلق بالتفكير، وكيف تفهم الآخرين .. إلى آخره.
وكله قواعد منطقية، هو مستقى من فن المنطق لكن بأسلوب عصري فقط، فالعلم هو بعينه.
على الوجه الذي ينبغي يستفيدُ به الطالب مزيد إدراك، وكمال استعداد عند ورود الحُجج العقلية عليه، وأقل الأحوال أن يكون على بصيرة عند وقوفه على المباحث التي يوردها المؤلفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية كما يفعله كثير من المؤلفين في الأصول والبيان والنحو.
على ما ذكره الشيخ الأمين رحمه الله تعالى.
يقول رحمه الله تعالى. يعني بعد أن تفهم علم المنطق لا ينبغي للإنسان أن يتكلم في شيءٍ إلا وهو يتقنه، وأنا قدَّمت بهذه المقدمة من أجل أن تكون على بصيرة؛ لأن بعض العلوم أو بعض المسائل قد يتكلم فيها الإنسان أو الطالب على جهة التقليد، ثم من كان مقلداً الأصل أنه يكتفي بنفسه لا يُلزِم غيره؛ لأنه لا يجوز أن يُحتج لأحدٍ إلا بقول النبي ﷺ .
فإذا تبنَّى قول من يرى التحريم أو التزهيد، أو لا يدرسه إلا الفارغون، أو نحو ذلك من العبارات التي قد تروج على بعض الطلاب. نقول: هذا اكتفي به في نفسك، إن أردت تأصيل المسألة فحينئذٍ لا بد أن تعلم أولاً ما هو المنطق، تدرُسه ثم بعد ذلك تنظر في هل يُقبل أو لا يُقبل.
تدرس المجاز أولاً وتعرف المجاز بتفاصيله وتمارسه ثم بعد ذلك تقول في مجاز أو ما في مجاز، أما أن تأتي هكذا وتقول: لا مجاز لا في اللغة ولا في القرآن نقول: لا.
أولاً تدرس هذا إذا أردت أن تتكلم بعلم، مقلِّد قل: أنا مقلِّد، لا إشكال فيه، يعني: نسلِّم لك إذا كنت مقلداً تقول: أنا مقلّد ونكتفي ولا نناقشك.
стр. 17
أما إذا أراد أن يناقش وأن يُنكر على غيره فحينئذٍ لا بد أن يكون أولاً يفهم هذا العلم أو يفهم هذه المسألة أو هذا الباب على الوجه الذي ينبغي، ليس سطحياً هكذا يأخذ كتاب معاصر ويقرأ، ثم يقول: لا مجاز، أو لا يُدرس المنطق ونحوه.
الشوكاني رحمه الله تعالى يقول (لعله وجد شيئاً من ذلك) يقول: وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم، ويجري على لسانه الطعن في علمٍ من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته، ولا يتصوره بوجهٍ من الوجوه. يعني: لا يدري عنه شيء البتة، هذا طيب إذا عرف أن ثم علماً، ولعله عرف باسمه فقط، وأنكره البعض فأخذ يُنكر معهم.
فحينئذٍ يقول رحمه الله تعالى: وقد رأينا كثيراً ممن عاصرنا ورأيناه يشتغل بالعلم وينصف في مسائل الشرع ويقتدي بالدليل.
يعني: في المسائل الشرعية حلال وحرام يأتي بالدليل لا إشكال فيه، وهذا موجودٌ حتى في عصرنا، يعني: هذه سلسلة (علمٌ متوارث) يأتي في مسائل الفقه فإذا به يقف بين مالكٍ والشافعي ويطالب بالدليل، بل يقف بين الصحابة، بين أبي بكرٍ وعمر ويطالب بالدليل. وهذا حسن إذا كان على وجه الإنصاف ومعرفة الأدلة والأصول، ومع الأدب والاحترام والتقدير. نقول: هذا لا إشكال فيه.
لكن إذا جاءت في بعض المسائل وخاصة في إنكار العلوم فإذا به يدندن حول ما يدندنه غيره ممن ينكر الفن، فيرى هنا الشوكاني رحمه الله تعالى أن بعض أهل العلم ممن له مكانة ويُنصف في المسائل الشرعية، إذا أراد أن يتكلم فإذا به يطالب بالدليل على وجهه، إذا جاء في بعض العلوم أنكرها على وجه العموم فلا ينظر فيها.
يقول هنا: وقد رأينا كثيراً ممن عاصرنا ورأيناه يشتغل بالعلم وينصف في مسائل الشرع ويقتدي به بالدليل. فإذا سمع مسألة من فنٍ من الفنون التي لا يعرفها كعلم المنطق والكلام والهيئة ونحو ذلك نفر منه طبعُه.
لأنه ما يعرفه، جاهل أول ما يسمع شيئاً يجهلُه تنفر منه طبعُه.
ونفَّر عنه غيره وهو لا يدري ما تلك المسألة ولا يعقلها قط، ولا يفهم شيئا منها. فما أحق من كان هكذا بالسكوت، والاعتراف بالقصور، والوقوف حيث أوقفه الله تعالى، والتمسك في الجواب إذا سُئل عن ذلك بقوله: لا أدري.
هل أدرسُ المنطق أو لا -وأنت ما درستَ-؟ تقول: لا أدري.
إن كنت مقلداً قل: قال فلان، وانقل قوله ولا إشكال فيه، تكون ناقلاً للعلم، وناقل العلم ليس من أهل العلم.
ولذلك نقل ابن عبد البر رحمه الله تعالى الإجماع على أن المقلِّد ليس من أهل العلم؛ لأنه إما عامّي وهذا قطعاً، وإما أنه متشبه بأهل العلم يعني: درس وتعلم إلى آخره، لكنه رأى أنه يجب تقليد إمام من الأئمة. هذا ليس من أهل العلم ولا يُعتد به لا بخلافه ولا بوجوده.
وحينئذٍ نقول: هذا يُعتبر من العوام.
قال هنا: والتمسك في الجواب إذا سُئل عن ذلك بقوله: لا أدري.
وإن كان ناقلاً نقل عن غيره، ولا يجعلها مسألة. يعني: يكون عليها ولاء وبراء، إما أن توافق وإما .. إلى آخره.
قال: فإن كان ولا بد متكلماً ومادحاً أو قادحاً فلا يكون متكلماً بالجهل وعائباً لما لا يفهمه، بل يُقدِّم بين يدي ذلك الاشتغال بذلك الفن حتى يعرفه حق المعرفة ثم يقول بعد ذلك ما شاء.
стр. 18
يعني: لو درست علم المنطق أو درست المجاز وفهمته على وجهه ثم قلت: لا مجاز لا إشكال فيه، لكن لا تقل: لا مجاز وأنت ما تعرف المجاز من الحقيقة، وإنما تقلِّد غيرك. تقول: لا. قل: أنا مقلّدٌ.
وأما إذا أردت أن تحكم حكماً ابتدائياً يعني: منشَأً من عندك، فلا بد أن تعلم أولاً ما هو المجاز وتدرسه، ما تأخذ التعريف فقط لا، تعرف أنواع المجاز المرسل والاستعارة المكنية، وتجرب وتمارس .. إلى آخره، وتتلذذ بالآيات الواردة فيها، ثم بعد ذلك إذا ما طابت نفسك لهذا القول تقول: لا مجاز، ولا إشكال فيه والمسألة خلافية.
وأما ابتداءً هكذا تقول: لا مجاز. نقول: لا. وإنما تكون مقلِّداً.
المنطق كذلك دراستُه يزهِّد بعض الناس نقول: هذا إن كان عن علمٍ بالفن لا إشكال فيه، الخلاف معه لفظيٌ، وأما إن كان عن جهلٍ بالعلم وإنما قلَّد غيره، فهذا لا يُلتفت إليه.
إيساغوجي -الذي معنا في المنطق- متن إيساغوجي في المنطق يرجع هذا الاسم على شهرة هذا الكتاب ومكانته عند أهل العلم؛ لذلك كثرت شروحه وحواشيه.
يرجع هذا الاسم إلى منطقيٍ إغريقي قيل اسمه: فرفريوس. من أهالي مدينة صُوْر الساحلية الواقعة في جنوب لبنان. يعني: قبل الميلاد.
قيل: توفي سنة ٢٣٣هـ ألَّف كتاباً اسمه إيساغوجي .. إيساغوجي بهذا الاسم، وهي كلمة يونانية تعني الكليات الخمس: جنس، فصل، عرَضٌ، نوعٌ، وخاص.
وَالكُلِّيَّاتُ خَمْسَةٌ دُونَ انْتِقاصْ ... جِنْسٌ وَفَصْلٌ عَرَضٌ نَوْعٌ وَخاصْ
هذه إيساغوجي معناها الكليات الخمس؛ لأن بحث المنطق في الكليات .. المنطق كله من أوله إلى آخره مختصر في الكليات، وهذه الكليات ليست مطلقاً لأنها عقلية كما سيأتي، وإنما من حيث الإيصال إلى مجهول تصوري أو مجهول تصديقي.
إذاً: إيساغُوجي: هي كلمة يونانية في الأصل معناها -على المشهور-: الكليات الخمس وقيل غير ذلك، قيل: مقدِّمة المنطق، وقيل: المدخل إلى العلم، وقيل غير ذلك كما سيأتي في الشرح.
وقيل: إن كتاب فرفريوس هذا نقلَه إلى العربية أبو عثمان الدمشقي.
إذاً: القول الأول أن الكتاب لصاحبه.
والقول الثاني: قيل: إن كتاب فرفريوس هذا نقله إلى العربية أبو عثمان الدمشقي في القرن التاسع الميلادي، ثم اختصره جماعةٌ واشتهر منهم: اختصارُ أثير الدين الأبهري -صاحبنا هذا.
إذاً: هل هو كتاب مرتجَل ابتداءً أم أنه مختصرٌ من غيره؟ فيه قولان.
واشتهر منهم اختصارُ أثير الدين الأبهري، وقيل: هما كتابان متغايران. فكتاب الأبهري غير كتاب فرفريوس اليوناني.
وهذا أو ذاك نحن لا نلتزم بتحقيق هذه المسائل، أصحاب المصنفات والكتب إلى آخره، الأسماء .. متى مات .. متى وُلد؟
نقول: هذه لا تعني طلاب العلم بالاشتغال بها، وإنما النظر في الكتاب نفسه، ولو كان صاحبه مجهولاً غير معروف.
كتاب المقصود هذا في الصرف، هذا من أنفَس ما كُتب للمبتدئين، هو أولى الاشتغال به من اللامية لابن مالك رحمه الله تعالى، لكن صاحبه غير معروف.
стр. 19
حينئذٍ هل لكون صاحبه مجهولاً نستغني عن الكتاب؟ نقول: لا؛ لأن المراد هذه المعلومات الموجودة صحيحة أم لا؟ إن كانت صحيحة الحمد لله كُفِينا، إن كان فيها خلْط فحينئذٍ ألحقناه بصاحبه، فلا يُلتفت إليها، لكن إذا صحَّت حينئذٍ لا يلتفت إلى المصنف.
ومتن إيساغوجي متنٌ جامعٌ لمهمات المسائل المنطقية، تلقاه العلماء بالقبول واعتمدوه إقراراً وشرحاً ونظماً منذ عهد مؤلفه، ولا يزال عمدةً إلى يومنا هذا.
لكن قد يُشتغل به في بعض البلاد دون بعض، وهذا موجودٌ وشهير وكثير أيضاً، ولذلك من نظر في كتاب أدب الطلب للشوكاني رحمه الله تعالى وهو إمام في علوم الآلة وعلوم المقاصد، تجد بوناً شاسعاً بين ما نقرأه نحن شمال الجزيرة، وبين ما يقرأه اليمنيون في الجنوب.
هم يقرءون في النحو الكافية، لا يعرفون الألفية، ولذلك هو نصَّ لما جاء متن الألفية قال: لا نعرفها ولم نشتغل بها، ونحن عندنا الاشتغال بالألفية والكافية لا نعرفها، قد نقرأ فيها مطالعات أو رجوع، لكن الكتاب المعتمد الذي يُحفظ هو الألفية.
فهذه المسائل دائماً نقول: ليست توقيفية، بعض الطلاب يقع بينهم نزاع وقد يقع هجر، وقد يستحقر الآخر لأنه ما حفظ كتاب كذا نقول: لا. هذا خطأ.
الأصل المعتمد: أن تحفظ، لا بد من هذا.
الأصل الثاني: أن تقرأ على شيخ.
هذان أصلان من حيث الإجمال متفقٌ عليهما بين أهل العلم، لكن ماذا تقرأ؟ هذا مختلف فيه، ولذلك يُعتمد الإقناع مختصر الخرقي، ثم يذهب ويأتي المقنع، ثم يذهب ويأتي اختصار .. تبدَّلت وتغيرت.
اعتمد الناس الخرقي وشرحوه وصار هو الكتاب المعتمد، أراد الله أن ينصرف الناس عن الخرقي وُجد المقنع، فشُرح إلى آخره وهو الذي كان يُحفظ، ثم اختُصر فاعتكف الناس على المختصر.
إذاً: المسألة ليست توقيفية، فلا نجعل الاشتغال: نحفظ هذا أو نحفظ كذا الزاد، الدليل، عمدة الفقه .. هذا عبث واشتغال بما لا يعود بالفائدة على الطالب.
نعم هي على مراتب ولا شك، فالأفضل أن ينتقل الطالب إلى أعلى الدرجة، لكن إذا ما استطاع ينزل إلى ما هو دونه.
قال هنا: وهو الذي يُشتغل به في بعض البلدان إلى يومنا. هذا طبع طبعات لا تحصى كثرة، وعليه شروحٌ متعددة، فأولها شرح مؤلفه نفسه الأبهري سمَّاه: قال أقول. هذا اسم كتاب -قال أقول-، تسمى الفنقلة ذكرها صاحب البلبل في أول شرحه، الفنقلة: فإن قلتَ قلنا .. قال أقول.
قيل: طُبع سنة ١٢٩٣هـ ثم وضع حاشيةً على هذا الشرح سماها مغني الطلاب في المنطق، كذلك طُبعت قديماً سنة ١٢٦٠هـ
ثم توالت الشروح والحواشي على هذا الشرح.
إذاً: أول من شرح إيساغوجي هو صاحبُه، والقاعدة أو المعلومة والمطرد عند أهل العلم أن من شرح كتابه ضاع شرحُه، يبقى المتن ولكن يذهب، نستثني دائماً النخبة لابن حجر رحمه الله تعالى شرحَها فبقيَت، أما من عداه فالغالب أنه لا يُلتفت إليه. وهذه سُنة؛ لأنه إذا جاء يشرح متن غيره يأتي بالملقاط. يعني: يحاول أن يحصْحِص ويقلِّب العبارة باللوازم، وأما إذا جاء هو يفهم المراد فيشرح يختصر.
стр. 20
ولذلك الكافية لابن الحاجب شرحَها هو بنفسه، لكنه ما اشتهر طُبع موجود ويصوَّر، لكنه ما اشتهر إنما اشتهر شرح الرضي لأنه عقَّب كما يقول البعض: بالملقاط.
وابن مالك رحمه الله تعالى في كشف الظنون أنه أوَّل من شرح ألفيته .. ابن مالك صاحب الألفية، الكثير لا يدري أنه شرح الألفية، أين الشرح؟ مع أن المتن محفوظ وباقي، وأما الشرح فلم يبق.
هكذا كثير؛ لأنهم على ما ذكرنا سابقاً لا يلتفتون إلى الألفاظ وتقليب الجمل إلى آخره؛ لأنهم يفهمون المراد .. صاحب البيت أدرى بما فيه، وأما غيره فلا، يحصحص معه، يحاول أن يستقيم معه في العبارة ويشدد معه أحياناً، حينئذٍ لا بد من التقليب.
ومن شروح إيساغوجي شرحُ حسام الدين حسن الكاتي توفي سنة ٧٦٠هـ وعلى هذا الشرح حواشي كذلك، نحن لا نشتغل كما ذكرنا فيما سبق بالحواشي كثيرة على هذا المتن.
ومن الشروح شرح زكريا الأنصاري توفي ٩١٠هـ سمّاه المطلَع أو المُطلِع ضُبط بالوجهين: مطْلَع مفْعَل، أو مُطلِع كما سيأتي، فرغ منه سنة ٨٧٥هـ طُبع في بولاق سنة ١٢٨٣هـ ثم بالحسينية سنة ١٣٢٨هـ، ثم طُبع مراراً بعدها. وهذا يُعتبر أنفس شرحٍ لإيساغوجي وهو مختصر، اثنا عشر يوماً قد تكون كثيرة عليه، لكن نحاول ..
وقد كُتب على هذا الشرح عدة حواشي منها حاشية لشهاب الدين أحمد الغُنيمي سماها كشف اللثام عن شرح شيخ الإسلام، هذا مخطوطٌ بالأزهرية.
وحاشية العلامة الخُرشي المالكي توفي سنة ١١٠١هـ ثم الشيخ أحمد بن علي المصري سماها المَجمَع أو المُجمِع لحل ألفاظ إيساغوجي وشرحِه المْطلَع أو المُطلِع على الضبط الذي ذكرناه.
وحاشية يوسف الحفناوي، هذه مطبوعة توفي سنة ١١٧٨هـ طُبعت في مطبعة بولاق سنة ١٢٨٣هـ ثم بالمطبعة الشرفية بالقاهرة سنة ١٣٠٢هـ، ثم تكرر الطبع، مطبوعة وموجودة.
وحاشية الشيخ حسن العطار شيخ جامع الأزهر كتبها ١٢٥٠هـ وفرغ منها سنة ١٢٣٦هـ وطُبعت في المطبعة العثمانية بالقاهرة سنة ١٣١١هـ ثم بالميمينة سنة ١٣٢١هـ وكذلك موجود الآن، هذه غير موجودة، طبعتها مطبعة مصطفى الحلبي سنة ١٣٤٧هـ ورق أصفر موجودة كذلك، وهي أنفسُ حاشيةٍ على شرح زكريا الأنصاري.
وكذا الشيخ عُلَيِّش أو عِلَيِّش أو عُلَيْش المالكي توفي سنة ١٢٩٩هـ فرغ منها سنة ١٢٨٣هـ وطبعت في المطبعة الوهبية بالقاهرة ١٢٨٤هـ إلى غير ذلك من الشروح.
إيساغوجي إن اعتنى به المعتني فينظر في شرح زكريا الأنصاري من حيث الشروح ومن حيث الحواشي حاشية حسن العطَّار فيكتفي بذلك.
وإن نظر في السلَّم المنورق فيكتفي بما ذكرناه سابقاً ولا يحتاج إلى هذه الكتب، كثرة النظر في هذه الكتب كما ذكرنا فيما سبق ليس هو المراد في الذب -إن صح التعبير- عن دراسة هذا العلم، وإنما المراد أن يعرف ويقف على المصطلحات، ويكتفي بما يمكن الاكتفاء به، فإن وَجد من يتقن السلَّم وشروحه اكتفى به، ثم بعد ذلك التوشيح، وإن وَجد إيساغوجي فكذلك فيكتفي به على السلَّم وهكذا.
وليس المراد أن الطالب يتوسع فيه يقرأ صباح مساء أو نحو ذلك، فهذا ليس هو المطلوب.
стр. 21
قيل: نظمه الشيخ عبد الرحمن الأخضري وسمّاه السلَّم المنورق، اشتهر وعليه شروحٌ كثيرةٌ جداً، وشروح السُلَّم من حيث الفهم أوعب للطالب من شروح إيساغوجي. يعني: الذي يريد أن يفهم أكثر فشروحات السلَّم أوضح، ولذلك شرح القويسني سهل جداً، كذلك شرح الأخضري نفسه، وكذلك شرح الدمنهوري، كذلك شرح الملّوي المختصر .. كلها سهلة.
لكن زكريا الأنصاري فيه شيءٌ من الغموض وإن كان هذا محسوبٌ عليه هو في تصانيفه، أنه عنده شيءٌ من الغموض.
هذا ما يتعلق بمقدمة تتعلق بفن المنطق من حيث الحكم على جهة الإجمال ويأتي في موضعه سيذكر المصنف مقدمة العلم من حيث المبادئ العشرة الآتي ذكرها.
نقف على هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أَمَّا بَعْدُ:
قال المصنف رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ) أي: أبتدئُ.
قال المصنف: (قال ﵀ هذا فيه إشارة، وهذا نشير إليه لأنه كثُر تغيير هذه العبارة بحجة أنها أبلغ وأفصح، قال: فلانٌ يرحمه الله. عُدولاً عن ﵀، الصواب أن يقال: أن ﵀ أفصح.
يعني: إذا كان يراد بأن يرحمه الله فعلٌ مضارع أفصح من الفعل الماضي هذا غلط ليس بصحيح، بل الصواب أن يقال: هذه الجملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى، يراد بها الدعاء، وأهل العلم قديماً وحديثاً -ولذلك تجد حتى في الحواشي- لا يعترضون هذا التركيب؛ لأنه موافقٌ على مقتضى البلاغة، وموافقٌ للفصيح من كلام العرب.
حينئذٍ تُطلق هذه الجملة ويراد بها الدعاء، فهي خبرية لفظاً إنشائية معنى، وليس المراد القطع بكون الرحمة حاصلة، لا يُفهم هذا. وإنما يُعبِّر بالفعل الماضي من باب حسن الظن بالباري جل وعلا .. أن الرحمة حاصلة، وإلا القطع بأنها حاصلة بدلالة الفعل الماضي ليس هذا المراد.
ولذلك نقول: هذه الجملة كغيرها من الجمل، هي خبرية لفظاً إنشائية معنى؛ لأن المراد بها: اللهم ارحمه.
حينئذٍ ليس ثم نكتة في العدول عن الفعل الماضي إلى الفعل المضارع.
ليس ثم نكتة يعني: فائدة في العدول عن الفعل الماضي إلى الفعل المضارع، يشهد لهذا: أن أئمة اللغة وغيرهم أجمعوا على هذا التعبير: ما من مصنَّفٍ إلا ويُذكر فيه: ﵀.
حينئذٍ نقول: هذا يُعتبر هو المقدَّم.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ) قال الشارح: (أي: أَبتدئُ).
(أي) هذه حرف تفسيري. يعني: ما بعده مفسِّرٌ لما قبله، وليس هذا المراد هنا، وإنما المراد تفسير المتعلَّق؛ لأن البسملة هنا: الباء حرف جر، وما بعده مجرور بحرف الجر الأصلي، وحرف الجر الأصلي لا بد أن يكون له متعلَّق، القاعدة:
لَا بُدَّ لِلجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ اَوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
يعني: بالمشتقات العشرة المشهورة عند الصرفيين ليست عند النحاة، حينئذٍ كل جار ومجرور وإن كان الجار حرفاً أصلياً لا بد له من متعلَّق.
الباء هنا أصلية على الصحيح ومعناها الاستعانة، حينئذٍ إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم. أين المتعلَّق؟
(بسم) هذا متعلِّق بكسر اللام، أين المتعلَّق؟ نقول: مقدَّر محذوف، ولذلك أراد المصنف هنا أن يفسِّره .. يبيّن هذا المتعلَّق.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ) (أي) هذا حرف تفسير وليس بحرف عطف خلافاً للكوفيين.
ولذلك تقول: اشتريتُ عسجداً أي: ذهباً. فيُعرب ما بعد أي على أنه بدل كل من كل، أو عطف بيان. ولا يُعرب على أنه معطوف ومعطوف عليه مثل: جاء زيدٌ وعمرٌ، هذا مذهب الكوفيين، لكنه مذهبٌ مرجوح، الصواب أن يقال: بأن (أي) حرف تفسير، ويُعرب ما بعده بدلاً مما قبله. وهذا مذهب البصريين.
стр. 23
لكن (أي) يؤتى بها في التفسير في المفردات: اشتريتُ عسجداً أي: ذهباً ولا تقل: يعني ذهباً، وإنما: أي ذهباً.
وأما إذا أُريد التفسير للمعاني فيؤتى بالعناية. يعني المصنِّف كذا، إذا أُريد المفهوم التركيب وليس المراد تفسير لفظ بعينه يؤتى بلفظ العناية تقول: يعني المصنف كذا، وأما (أي) الأصل فيها أنها لتفسير المفردات.
هذا هو الأصل وهو الغالب في استعمال أرباب الحواشي والمصنَّفات، لكن قد يحصل تغاير فيؤتى بأي في المعاني الكبار المركبات، ويؤتى بأعني في المفردات، وهذا موجود.
(أبتدئ) هنا بيانٌ لمتعلَّق الجار والمجرور، قدَّره المصنف هنا فعلاً بناءً على الأصل، ما هو الأصل في العمل؟ نقول: للفعل.
فالأصل هنا أن يقدِّره فعلاً؛ لأن الأصل في العمل للأفعال، وقدَّره مؤخراً، ما قال: أبتدئ أي: باسم الله، أو باسم الله وقدَّم الفعل عليه نقول: لا، وإنما يؤخَّر لما سيأتي.
ومؤخراً لإفادة الحصر، وكان الأولى تقديره خاصاً كـ: أؤلف .. بسم الله الرحمن الرحيم أي: أؤلف، أكتُب.
لأن كل شارع في شيء أو حَدثٍ يُضمر ما جُعلت التسمية مبدأً له.
حينئذٍ قوله: (أي أبتدئ) هذا صحيحٌ من وجهين:
الوجه الأول: أنه قدَّره فعلاً، وافق الأصل أو لا؟ نقول: نعم وافق الأصل، يُسلَّم له .. التقدير هنا كونه فعلاً هذا مسلَّمٌ له؛ لأن المتعلَّق عاملٌ في المتعلِّق، والأصل في العمل أن يكون للأفعال، يؤيد ذلك أنه جاء مصرَّحاً به لقوله: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) [العلق:١].
((اقْرَأْ بِاسْمِ)) باسم هذا متعلِّق باقرأ وهو فعلٌ، كذلك: ﴿باسمك ربي وضعتُ جنبي﴾ الحديث، وضعتُ باسمك، وضعتُ هذا فعل.
إذاً: جاء مصرَّحاً به في موضعين: في القرآن وفي السنة.
فحينئذٍ القاعدة هنا: أن كل شيءٍ احتمَل وجهين وجاء مصرحاً في بعض المواضع فما احتمل الوجهين يُحمل على المصرَّح، فإذا صرَّح ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)) حينئذٍ نقول: كل متعلَّقٍ للجار والمجرور فالأصل أن يكون فعلاً للقاعدة النحوية: أن الأصل في العمل إنما يكون للأفعال، وعمل الأسماء هذا يعتبر فرعاً.
ثانياً التصريح به، ولذلك كل (ما) في القرآن فهي حجازية لا تميمية، كل لفظ ((مَا)) في القرآن فهي حجازية لا تميمية؛ لأنه جاء مصرَّحاً به في موضعين: ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١]، ((مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ)) [المجادلة:٢].
حينئذٍ ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ)) [البقرة:٧٤] يحتمِل أنها تميمية والأصل فيها عدم العمل، والباء هذه زائدة للتوكيد، ويحتمل أنها حجازية ودخلت الباء كما دخلت في قوله: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)) [التين:٨].
حينئذٍ نقول: ما احتمَل كقوله: ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ)) [البقرة:٧٤] نقول: (ما) هنا حجازية؛ لأنه جاء إعمالها في مواضع أُخر، وهي قوله: ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١]، ((مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ)) [المجادلة:٢] فما احتمَل يُحمل على المصرَّح، كذلك الوضع هنا.
مؤخراً يُسلَّم له؟ المصنَّف قدَّره مؤخراً نقول: نعم يسلَّم له.
стр. 24
لماذا مؤخراً؟ قالوا: لفائدتين، ذَكر إحدى الفائدتين وهي الحصر، والحصر هو: إثبات الحكم في المذكور ونفيُه عما عداه، هذا مهمٌ حتى في قواعد التفسير.
حينئذٍ ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) [الفاتحة:٥] قدَّم ما حقُّه التأخير فأفاد القصر والحصر ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:٥].
((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) [الفاتحة:٥] ما وجهُ الحصر هنا؟ في تقديم ما حقّه التأخير، ما هو الذي حقه التأخير هنا؟ المفعول وهو إيَّاك .. إيَّا والكاف هذا حرف خطاب.
فالمعنى حينئذٍ يكون: لا نعبدُ إلا إيَّاك. إثبات ونفي، حصرنا ونفينا، حصرنا العبادة في الباري جل وعلا، ونفينا العبادة عن كل ما سوى الباري جل وعلا، هذا يسمى حصراً.
هنا كذلك قال: بسم الله الرحمن الرحيم أبتدئ. على ما ذكره المصنف، حينئذٍ باسم الله لا باسم غيره، هذا فيه تحقيق للاستعانة، وإن شئت قل: توحيد الاستعانة لأن الباء هنا للاستعانة، هذا معنى لطيف يستحضره من يُبسمل بأنه يقدِّر في نفسه ما جعل البسملةَ مبدأً له وأنه مؤخَّر، وأن الاستعانة هنا محصورة في الباري جل وعلا، ومنفية عمَّا سواه ولذلك قال: ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة:٥].
إذاً: بسم الله الرحمن الرحيم مثل: إيَّاك نستعين. إيّاك نستعين .. نستعينُك، (إيَّاكَ) أي: لا نستعين إلا بك، وهنا لا نستعين إلا بالله تعالى؛ لأن الباء هنا للاستعانة.
الأمر الثاني الذي يُزاد: بأن التقديم قد لا يكون للحصر وإنما يكون للاهتمام بالشيء؛ لئلا يتقدم عليه لفظٌ آخر، وهنا كذلك لئلا يتقدم على اسم الباري جل وعلا شيء قدَّمه، فحينئذٍ تكون للفائدتين.
وَقَدْ يُفِيدُ فِي الجَمِيعِ الاِهْتِمَامْ
تَقْدِيرُ مَا عُلِّقَ بِاسْمِ اللهِ بِهْ ... بِهِ وَمِنْ ثَمَّ الصَّوَابُ فِي المقَامْ
مُؤَخَّرًا ........................
هذا ذكره السيوطي في عقود الجمان.
يعني: من فوائد تأخير متعلَّق الجار والمجرور هنا في البسملة أنه يفيد الاهتمام.
وَقَدْ يُفِيدُ فِي الجَمِيعِ الاِهْتِمَامْ
تَقْدِيرُ مَا عُلِّقَ بِاسْمِ اللهِ بِهْ
تَقْدِيمُهُ فِي سُورَةِ اقْرَا ..... ... بِهِ وَمِنْ ثَمَّ الصَّوَابُ فِي المقَامْ
مُؤَخَّرًا، فَإِنْ يَرِدْ بِسَبَبِهْ
((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)) [العلق:١] لماذا قُدِّم؟
نقول: لأن القراءة هنا هي الأهم، وإذا كان كذلك فحينئذٍ بلاغةُ الكلام أن تطابِق مقتضى الحال، فمقتضى الحال هنا جبريل عندما جاء "كما جاء في سبب النزول" إنما أراد ابتداءً ليس أن يحقق الاستعانة للنبي ﷺ ، وإنما المراد أن يقرأ ﴿اقرأ، ما أنا بقارئ .. ﴾ إلى آخره.
إذاً:
..........................
تَقْدِيرُ مَا عُلِّقَ بِاسْمِ اللهِ بِهْ
تَقْدِيمُهُ فِي سُورَةِ اقْرَا فَهُنَا ... .. وَمِنْ ثَمَّ الصَّوَابُ فِي المقَامْ
مُؤَخَّرًا، فَإِنْ يَرِدْ بِسَبَبِهْ
كَانَ القِرَاءَةُ الأَهَمَّ المُعْتَنَى
إذاً: لهذين السببين نقول: يتعيَّن أن نجعل المتعلَّق "متعلق الجار والمجرور" مؤخراً لا مقدماً.
стр. 25
بقي شيءٍ واحد وهو الذي يُعترض به على المصنَّف وهو أنه عامٌ لا خاص، والأصح أن يُقدَّر خاصاً لا عاماً؛ لأن ابتدئ .. الابتداء هذا يصدق على كل حدث: يصدق على شرب الماء، ويصدق على الأكل، ويصدق على النوم، وعلى القراءة، وعلى الكتابة والتصنيف، والخروج والدخول ..
أبتدئ، أبتدئ ماذا؟ فيحتاج إلى تعيين.
حينئذٍ الأفصح والأولى أن يُجعل خاصاً: بسم الله الرحمن الرحيم أؤلف.
والحجة هنا: أن يقال: كل من تلبَّس بحدثٍ فلا بد أن يستحضر في قلبه ما جعل البسملة مبدأً له، ولا يمكن أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم وهو يريد الشرب ويستحضر في قلبه أنه يأكل. يمكن؟ لا يمكن، إلا إذا سمَّى الشرب أكلاً.
فحينئذٍ إذا أراد أن يأكل واستحضر في قلبه الأكل لا يمكن أن يقدّر ابتدَأَ أو أيبتدئُ أو نحو ذلك، وإنما يقدَّر الفعل الخاص الذي تلبّس به. وهذا أفصح.
إذاً: لَا بُدَّ لِلجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ.
أن يكون فعلاً لا اسماً، أن يكون مؤخَّراً لا متقدِّماً، أن يكون خاصاً لا عاماً.
قال: (أي أبتدئ).
قال ﵀: (وابتدأَ بالبسملة).
يعني: المصنّف ابتدأ كتابه المحقَّق "يعني: الموجود" إن كانت الخطبة لاحقةً أو المقدَّر إن كانت سابقة. فلسفة يعني: ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة.
أيّ كتاب؟
هو الآن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ويشرع في المقدمة، طيب الكتاب قد لا يكون موجوداً، فيقول: ابتدأ كتابه المحقَّق إن كان موجوداً، والمقدَّر إن كان غير موجوداً.
ابتدأ بالبسملة، البسملة هذا مصدر لبسمل يبسمل بسملة، والبسملة هذا قياسي، وإنما بسمل هو الذي وقع فيه النزاع هل هو قياسي أم لا؟
قال: (عملاً بكتابه العزيز) ولو قال: اقتداءً لكان أحسن؛ لأن العمل إنما يكون في الأقوال يعني: يأتي أمر فيحتاج إلى امتثال فيقال: عملاً يعني: امتَثل، ولذلك في قوله: كل أمرٍ ذي بال الأولى أن يقال: وعملاً بخبَرِ كل أمرٍ ذي بال، وأما التأسي والاقتداء هذا لا يكون في الأقوال وإنما يكون في الأفعال.
حينئذٍ الأولى أن يقال: عملاً بكتابه "يعني: اقتداءً" بكتابه العزيز؛ لأنه ابتدأ بالبسملة ((بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:١ - ٢] أول القرآن البسملة.
(وبخبر كل أمرٍ ذي بالٍ) يعني: وعملاً.
عملاً هذا مفعولٌ لأجله أو حال من فاعل ابتدأ .. ابتدأ بالبسملة حال كونه عاملاً، أو مفعولاً لأجله يعني: لأجل العمل بكتابه العزيز، وبخبر، وهو مضاف وكلِّ على الإضافة.
(وبخبر كلِّ أمرٍ) يعني: شيء (ذي) يعني: صاحب (بالٍ) يعني: شرف.
(كل أمرٍ ذي بال) يعني: كل شيءٍ يُهتم به شرعاً.
(لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم) أي: بهذا اللفظ، هنا بباءين: ببسم الله. أي: بهذا اللفظ.
(وفي روايةٍ باسم الله) هل يتعين اللفظ؟ على الرواية الثانية باسم الله. لا يتعين اللفظ، لو قال: الرحمن كفى، لو قال: الجبّار العزيز كفى، ولذلك رواية الباءين أصح، وعليه يكون المراد به عين اللفظ.
أي: بهذا اللفظ، وفي روايةٍ (بسم الله) بباءٍ واحدةٍ أي: بأي اسمٍ من أسمائه.
قال: (كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم. أي: مقطوع البركة).
стр. 26
أجذمُ بالذال المعجمة، وهو في اللغة مقطوع الأنف يسمى أجذم.
والكلام من باب التشبيه البليغ أو استعارةٌ على مذهب السعدي في نحو: زيدٌ أسد، فهو أجذم يعني: فهو كالأجذم، التشبيه البليغ يحذف ذات التشبيه، حينئذٍ فهو أجذم أي: فهو كالأجذم هذا التشبيه.
أو استعارة مثل: زيدٌ أسدٌ.
وقوله: (أي: مقطوع البركة) بيانٌ لما آل إليه المعنى؛ لأن قوله: (فهو أجذم) هذا مقطوع الأنف، وهو ليس مقطوع الأنف وإنما المراد به التشبيه.
ما المراد هنا؟
(كل أمرٍ ذي بالٍ) الذي لا يبدأ بالبسملة ما شأن هذا الأمر الذي هو ذو بال؟ نقول: ما شأنه؟ أنه ناقص البركة، مقطوع البركة.
ولذلك قال: وهو وإن تم حساً إلا أنه ناقصٌ من جهة المعنى. يعني: لا يكون فيه بركة، إذا لم يكن فيه بركة يكون عنه الانصراف، فلا يشتغل به الناس.
إذاً: مقطوع البركة هذا تفسيرٌ من المصنِّف، ولذلك قال: (أي) لأنه فسَّر لفظاً مفرداًً (أجذم. أي: مقطوع البركة).
ويحتمل أنه فسَّر مركباً؛ لأنا قلنا: (فهو أجذم) تشبيه بليغ هنا إلى أي شيءٍ يئول؟ إلى كونه ناقص البركة، وحينئذٍ يحتمل الوجهين، وقلنا بعضهم يتوسع في (أي).
إذاً: قوله: (أي: مقطوع البركة) هذا بيانٌ لما آل إليه المعنى.
وفي روايةٍ أخرى للحديث السابق: (بحمد الله) يعني: كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه بحمد الله، وفي رواية: (بالحمدُ لله) بالرفع. رواه أبو داود وغيره وحسَّنه ابن الصلاح وغيره.
والحديثان ضعيفان كما هو معلومٌ في محله، قوله: حسَّنه ابن الصلاح وهو لا يرى التصحيح قيل: نقَل تحسينه، وقيل: إنما يمنع التصحيح دون التحسين.
هذا أو ذاك غلقُ باب التحسين والتصحيح هذا غير مسلَّم عند أهل العلم، سواء حسّنه ابن الصلاح أو غيره فالحديث فيه ضعف.
لكن العمل بهما من حيث المعنى من أدلة أخرى ثابت، لا يلزم أنه إذا ضعف الحديث قلنا: حديث ضعيف، أن مدلول الحديث الضعيف ألا يكون ثابتاً بحديثٍ صحيح.
ولذلك جاء أن النبي ﷺ كما في صحيح البخاري: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إلى هرقل عظيم الروم .. ﴾.
بدأ رسالته بالبسملة، وبدأ في خطبة النكاح بالحمدلة، وكذلك جرى عليه الصحابة والتابعون والأئمة .. إلى آخره، بل قال الشافعي: يستحب لكل دارسٍ ومدرسٍ وخطيبٍ وخاطبٍ .. إلى آخره أن يبدأ بالحمدلة، دل ذلك على أن الحكم ثابت، ولكن هم يتوسعون في العمل بالحديث الضعيف، أنه في مقام الأعمال التي هي ليست بإيجابٍ ولا تحريم، والعمل بالحديث الضعيف في مثل هذا مقبولٌ عندهم، الصواب المنع منه.
قال: (نَحْمَدُ اللهَ) بعدما بدأ بالبسملة ثنى بالحمدلة.
قلنا: تُورد في مقدمات الكتب ثمانية أشياء .. مقدمة الكتاب تشتمل على ثمانية أشياء:
أربعة واجبة وهي: البسملة، والحمدلة، والشهادتان، والصلاة والسلام على النبي ﷺ .
وأربعة مستحبة: أما بعد، تسمية نفسِه، تسمية كتابِه، براعة الاستهلال. هذه أربعة.
стр. 27
إن أتى بها خاصةً الواجبة لأنه يُلام في تركها فعلى ما جاء به، وإن لم يأت بها فحينئذٍ نعتذر عنه نقول: لعله أتى بها لفظاً؛ لأن النص هنا ﴿كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه﴾ فيه عموم، قال: ﴿لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم﴾ هذا يحتمل الكتابة ويحتمل النطق.
إذاً: لو بدأ كتابه ونطق بالبسملة لا مانع منه؛ لأنه أطلق النص، وأنت إذا قيّدته في الكتابة دون النطق حينئذٍ صار تقييد بغير مقيِّد، فيحتاج إلى دليل ولا دليل. إذاً: فيه عموم.
قال: (نَحْمَدُ اللهَ) (أي: نثني عليه بصفاته).
يعني: فسّر الجملة الفعلية "نحمدُ" بنثني عليه "على الباري جل وعلا" بصفاته.
صفاته الذاتية وصفاته الفعلية على الصحيح، هو لم يرد ذلك، بصفاته أي: بصفات الباري جل وعلا.
الذاتية والفعلية، المتعدية واللازمة.
اشتهر عندهم أن الحمد في العرف: فعلٌ ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعمٌ على الحامد أو غيره. "من حيث إنه منعم" هذه حيث هنا للتقييد.
حيث تأتي في الكلام لثلاثة أشياء: تأتي للتقييد، وتأتي للتعليل، وتأتي للإطلاق. ثلاثةٌ لا رابع لها.
من حيث ُكذا.
الإنسان من حيث هو إنسان. هذا للإطلاق.
من حيث إنه منعِمٌ. هذه تكون للتقييد.
حينئذٍ من حيثُ نقول: له مفهوم، من حيث إنه منعمٌ.
إذاً: من جهة الإنعام يعني: الصفات المتعدية، وأما الصفات غير المتعدية هذه ليست داخلة في الحد، وهذا سبب الخلل في هذا التعريف من كونه غير مقبول عند أهل السنة والجماعة: فعلٌ ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعمٌ، إذا لم ينعم لا يُحمد؟ نعم لا يُحمد، وإنما يُمدح أو شيءٌ آخر.
ولذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: الحمدُ هو ذكرُ محاسن المحمود، مع حبه وتعظيمه وإجلاله.
شيخ الإسلام لا يسير على الطريقة المعهودة: الجنس وإلى آخره وفصل، وإنما يبيِّن ما دل عليه الكتاب والسنة.
"ذكر محاسن المحمود" الذكر قد يكون باللسان وقد يكون فالفعل.
"محاسن المحمود" أطلق رحمه الله تعالى وهو الصحيح، فيشمل حينئذٍ الصفات الذاتية كالكبرياء، هل يُحمد الله تعالى على كبريائة؟ نعم، هل هو متعدي؟ لا.
هل يُحمد على استوائه على العرش؟ نعم يُحمد.
هل يُحمد على إنعامه؟ نعم يُحمد وهذا محل وفاق، لكن تقييد الحمد أنه يكون في مقابل الإنعام فقط، هذا ليس بصواب.
إذاً: نُثني عليه بصفاته.
(إذْ الحمد هو الثناء) إذ هذا للتعليل، يعني: لماذا فسَّرت؟ هو يعلل لنفسه، لماذا قلت: (نَحْمَدُ اللهَ) (أي: نثني عليه) لماذا فسَّرت الحمدَ بالثناء؟
والثناء معلومٌ أنه الذكر بالخير على قول الجمهور أنه يختص بالخير، يعني: إذا قال: يثني زيدٌ على عمرٍ هكذا أثنى، ولم يقيده بخيرٍ ولا شر يُحمل على الخير. يعني: ذكره بخير؛ لأن الثناء محصورٌ في الذكر بالخير، لكن ذهب بعضهم إلى أنه ليس خاصاً، وإن كان أكثر الاستعمال إنما يكون الثناء في الخير، استدل على ذلك بحديث: ﴿مُرَّ بجنازةٍ فأثنَوا عليها خيراً، قال: وجبت .. فأثنوا عليها شراً﴾ هذا الشاهد ﴿أثنوا عليها خيراً﴾، ﴿أثنوا عليها شراً﴾ إذاً الثناء يكون في الخير ويكون في الشر، وهذا مذهب ابن عبد السلام رحمه الله تعالى.
(إذ الحمدُ هو الثناء باللسان) وهذا في اللغة، الثناء عرفنا المراد.
стр. 28
(باللسان) المراد به الحمد هنا حمد المخلوق، وإذا كان كذلك فالثناء إنما يكون باللسان، واللسان هو آلة النطق المعهودة.
إذا كان الثناء لا يكون إلا باللسان حينئذٍ يكون قوله: (باللسان) هذا قيدٌ لبيان الواقع. يعني: كالصفة الكاشفة.
الصفة الكاشفة التي يؤتى بها لتأكيد المعنى فقط، أو لتوضيح المعنى لا للاحتراز، فإذا لم يكن إلا زيدٌ العالم، إذا قلت: جاء زيدٌ العالم. ليس احترازاً ليس عندنا زيد آخر ليس بعالم، فحينئذٍ صارت للكشف والإيضاح ليس للاحتراز.
لكن لو عندنا زيد عالم وزيود جهلاء، وقلت: جاء زيدٌ العالم. صارت للاحتراز.
إذاً: زيدٌ العالم لا غيرَه، زيدٌ الجاهل لم يأتِ.
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)) [البقرة:٢١] ((الَّذِي)) نعت ((رَبَّكُمُ)) هذه صفة كاشفة.
لو قلت: للاحتراز. جاءت مصيبة.
((رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)) إذاً: ربَّك الذي لم يخلقك لا تعبده، يكون فيه إثباتٍ لربٍ ليس بخالق! لا ليس هذا المراد، وإنما المراد به للكشف فقط والإيضاح والتأكيد.
إذاً: باللسان يكون للتوكيد .. يكون لبيان الواقع.
(الثناء باللسان على الجميل الاختياري) على هنا للتعليل، وعلى تأتي للتعليل كاللام أي: لأجل فعل الجميل. "فعلى" بمعنى لام التعليل.
وقوله: (على الجميل الاختياري) أي: حقيقة.
قال العطّار: أي حقيقة كأفعالنا الصادرة عنَّا، وأفعالِه تعالى الصادرةِ عنه.
(أو حُكماً كحمده تعالى على صفاته الذاتية، فإنها كانت منشأ أفعالٍ اختيارية نُزِّلت مُنزلتها) هذا جئنا في المحذور.
أنه جَعلَ حمد الباري جل وعلا يعني: حمد المخلوق للباري. جعله منصبّاً ابتداءً حقيقة على الصفات المتعدية، وأما الصفات غير المتعدية فهذه لأنها منشأ للصفات المتعدية، حينئذٍ صار حمدُها تبعاً لا أصالة، ولذلك يقول: (أو حكماً) يعني: لا حقيقة.
(كحمده تعالى على صفاته الذاتية، فإنها) تعليل (كانت منشأ أفعالٍ اختيارية نُزّلت منزلتها) والأفعال الاختيارية يقصد بها هنا المتعدية كالإنعام ونحوه.
(على الجميل الاختياري) احترز به عن الجميل الاضطراري كالجمال، فإذا أثنيت على زيدٍ بكونه جميلاً أو طويل القامة أو نحو ذلك، هذا لا يسمى حمداً وإنما يسمى مدحاً؛ لأنه ليس له فِعلٌ فيه.
الذي يُثنى ويُنسب للعبد هو الفعل الاختياري له الذي فعَله وصنَعه هو الذي يُثنى عليه، وأما الشيء الذي يكون بفعل غيرِه كفعل الباري جل وعلا بأنْ خلقَه جميلاً مثلاً أو طويلاً، أو كان طوله محموداً فحينئذٍ إذا أثنى عليه بذلك يسمى مدحاً لا حمداً.
إذاً: (الاختياري) احترازاً عن الاضطراري والقهري.
(على جهة التبجيل والتعظيم) والتعظيم هذا عطف تفسير، لأن التبجيل هو عينُه التعظيم يعني: نفسّره به، ما معنى التبجيل؟ هو التعظيم.
قال: (على جهة التبجيل والتعظيم).
هذا القيد قوله: (على جهة التبجيل) ليس مِن ماهيِّة الحمد. يعني: ليس داخلاً في الماهيّة، بل شرطٌ إما لتحقُّقه أو للاعتداد به .. إما ليتحقق وإما ليُعتدَّ به.
والجار والمجرور حال من الثناء أي: حالة كون ذلك الثناء واقعاً على جهة التبجيل، وعلى للاستعلاء المجازي.
стр. 29
قال: (سواءٌ تعلَّق بالفضائِل أم بالفواضل) هذا بيانٌ لمتعلَّق الحمد.
تصريحٌ بمتعلَّق الحمد، وإلا فالتعريف تصويرٌ لماهيّة المحدود لا بيانُ عمومه، فيكون هذا خارجاً عن التعريف، وسواء هنا بمعنى الاستواء.
(سواءٌ تعلَّق بالفضائل) تعلَّق ما هو الذي تعلّق؟ الثناء.
(سواءٌ تعلَّق) الثناء على الوجه المذكور السابق بالقيود السابقة (بالفضائل).
قال هنا: أي وقعَ الثناء على جميلٍ من الفضائل، وقوله: الفضائل جمع فضيلة أي: الصفة التي يتوقف إثباتُها للمتصف بها على ظهور أثرها في غيره.
هي التي لا يتوقف إثباتها للمتصف بها على ظهور أثرها في غيره كالعلم والتقوى؛ فإنها لازمةٌ في الأصل، هذه غير متعدية، ولذلك قال: لا يتوقف.
(أم بالفواضِل) جمع فضيلة أي: الصفة التي يتوقف "عكس السابقة" إثباتُها لموصوفها على ظهور أثرها في غيره كالشجاعة، الشجاعة هذه ما يكون شجاع وهو في بيته أغلق الباب، لو ادَّعى الشجاعة ما يُقبل منه؛ لأنه لا بد من دليل. هذه دعوى فلا بد أن يثبتها بالقول أو بالفعل.
قال: (كالشجاعة والكرم والعفو والحِلم) هذه كلها صفاتٌ متعدية.
إذاً: (الفضائل) المزايا الغير متعدية كالعلم والقدرة، (والفواضل) عكسها: المزايا المتعدية.
بمعنى أن النسبة إلى الغير مأخوذةٌ في مفهومها كالإنعام.
إذاً: عرَّف المصنف الحمد هنا -الحمد اللغوي- بقوله: (الثناء باللسان على الجميل الاختياري) إلى هنا انتهى الحد.
(على جهة التبجيل والتعظيم) هذا قلنا ليس من ماهيِّة الحمد، وإنما هو بيان شرطٍ إما للاعتداد به أو لتحقُّقه.
(سواءٌ تعلَّق .. ) إلى آخره، هذا بيانٌ وتصريحٌ بمتعلَّق الحمد.
وسواءٌ هنا قيل مرفوعٌ على الخبرية للفعل المذكور بعده، كأنه قال: تعلُّقُه بالفضائل وتعلقه بالفواضل سواءٌ، وهو خبرٌ مُقدَّم وما بعده ..
قال هنا: (وابتدأ ثانياً بالحمد لما مرَّ).
ما هو الذي مر؟ ابتداءً بالقرآن وعملاً بالحديث .. السنة، جمَع بينهما.
(وجمع بين الابتدائين عملاً بالروايتين السابقتين).
جمعَ المصنِّف بين الابتدائين. يعني: ابتدأ بالبسملة وابتدأ بالحمدلة. لماذا؟
(عملاً بالروايتين السابقتين) يعني: الجمع بين الحديثين أولى من أن يَعمَل بأحدهما ويَهجُر الآخر.
(وإشارةً إلى أنه لا تعارض بينهما) نعم لا تعارض بينهما؛ لأنه متى ما أمكن .. هذا بناءً على التسليم بصحة الحديث وإلا ما جاء في القرآن يكفي ((بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ)) [الفاتحة:١ - ٢] وجرى على ذلك أهل العلم وهو محل إجماعٍ عملي.
ولذلك ذكر ابن حجر في الفتح قال: وقد استقر عمل الأئمة المصنِّفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية، وهذا محل وفاق ولا إشكال فيه، لكن الكلام في الحديث.
قال: (وإشارةً إلى أنه لا تعارض بينهما) يعني: بين الحديثين.
(إذْ) للتعليل (الابتداء نوعان: ابتداءٌ حقيقي وابتداءٌ إضافي).
ابتداءٌ حقيقي هو الذي لم يُسبَق بشيء البتة ولا حرف. (بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ) هل سبقه شيء؟ لا.
стр. 30
الابتداء الإضافي يعني: بالإضافة إلى ما بعده، بالنسبة إلى ما بعده، حينئذٍ الابتداء الإضافي هو الذي لم يُسبَق بشيءٍ من المقصود، وقد يسبقه شيءٌ من غير المقصود، فإذا قال: ((بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ)) [الفاتحة:١ - ٢].
((الْحَمْدُ لِلَّهِ)) هل سبقها شيءٌ مما يتعلق بشرح الكتاب أو المنطق؟ لا لم يسبقه شيء، لكن هل سبقه شيءٌ آخر غير المقصود؟ نعم.
هذا يسمى ابتداءً إضافياً يعني: بالنسبة إلى ما بعده.
إذْ الابتداء حقيقي وإضافي، فالحقيقي حصل بالبسملة، والإضافي بالحمدلة جمعاً بين النصين.
(وقدَّم البسملة) هذا سؤال أو اعتراض، إذا أمكن الجمع بين النصين.
قلنا كلٌ منهما يصح الابتداء به، لماذا قدَّم البسملة وأخّر الحمدلة، لم لا يعكس؟ ما دام هذا ابتداءٌ حقيقي وهذا ابتداءٌ إضافي لماذا لا يعكس؟ يقول: الحمد لله رب العالمين، بسم الله الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله. يصح أو لا يصح؟
من حيث الجواز لا إشكال فيه، لكن من حيث الترتيب الشرعي الذي هو المستحب فيقدِّم البسملة ثم الحمدلة؛ اقتداءً بالكتاب، لأننا وجدنا الكتاب العزيز الذي هو القرآن جمعَ بين الابتدائين: الابتداء بالبسملة والابتداء بالحمدلة، وقدَّم البسملة على الحمدلة، وهذا محل وفاق.
قال: (وقدَّم البسملة عملاً بالكتاب والإجماع) لو قال: اقتداءً بالكتاب لكان أولى أو تأسياً بالكتاب "يعني: بالقرآن" حيث بدأ أول الكتاب بالبسملة ثم ثنَّى بالحمد ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:٢] أول آية في الفاتحة.
قال هنا: (واختار الجملية الفعلية على الاسمية هنا وفيما يأتي قصداً لإظهار العجز عن الإتيان بمضمونها على وجه الثبات والدوام).
قال: (نَحْمَدُ اللهَ) جاء بالجملة الفعلية، ولم يأت بالجملية الاسمية.
قال: (واختارَ الجملية الفعلية).
اختار يعني: قدَّم.
يعني: يجُوز الوجه الآخر وهو الجملة الاسمية، لكن اختارَ يعني: قدّم.
قدّم الجملية الفعلية يعني: المبدوءة بالفعل وهي: (نَحْمَدُ اللهَ) على الاسمية وهي: الحمد لله، وإن كانت هي الصيغة الشائعة، ولذلك جاء في القرآن دائماً في أول الآيات وفي خواتمها يأتي: والحمدُ لله رب العالمين، الحمدُ لله رب العالمين. يأتي بالجملة الاسمية.
لكن قد يُعدَل عن الجملة الاسمية إلى الجملة الفعلية لنكتة، ولذلك جمع بينهما النبي ﷺ في خطبة الحاجة: إنَّ الحمدَ لله. هذه جملة اسمية.
"إنَّ" إذا دخلت على المبتدأ لا تخرجه عن أصله.
"إن الحمد لله" جملة اسمية، "نحمده" جملةٌ فعلية.
إذاً: لو كانت الجملة الفعلية هي عين الجملة الاسمية في المعنى والدلالة لكان هذا حشواً، إذاً: لا بد من الفرق بينهما، وإلا لقلتَ بأن النبي ﷺ قد زاد جملة هنا وهو أفصح البشر ﵊، فحينئذٍ نحكم عليه بكونها حشواً لأنها لا فائدة فيها، ولذلك نقول: الجملة الفعلية تغاير الجملة الاسمية.
الجملة الاسمية قالوا تدل بالوضع على مطلق الثبوت، والمراد بالثبوت الحصول.
لو قلت: زيدٌ قائم. دلت الجملة الاسمية على ثبوت قيام زيد، وعرفنا كيف أخذنا ثبوت قيام زيد.
стр. 31
زيدٌ قائمٌ: ثبوت قيام زيد. دلَّت على الحصول يعني: وُجد.
تَفهَم من هذا التركيب: زيدٌ قائمٌ. أنَّ زيداً لم يكن قائماً ثم قام، حينئذٍ نقول: دلَّت الجملة الاسمية على مطلق الثبوت والمراد به الحصول يعني: الإيجاد.
هل تدل على الاستمرار؟
الجواب: لا. لا تدل على الاستمرار.
اتَّصف زيدٌ بالقيام فقط، هل قيامه مستمر إلى زمن التكلُّم أو ما بعده؟ الجملة لا تدل على ذلك، هل هذا القيام مقيَّد بزمن؟ الجواب: لا. ليس مقيداً بزمن وإنما قائم إذا أردنا النظر فيه على حد ذاته فهو اسم فاعل ويدل على الحال فقط، قائمٌ يعني: في وقت، هـ قائمٌ هو زيدٌ، زيدٌ قائمٌ هو.
إذاً: الجملة الاسمية لا تدل على الزمن ولا تدل على التجدُّد، وإنما تدل على حصول الشيء بعد أن لم يكن .. اتصف زيدٌ بالقيام بعد أن لم يكن.
زاد هنا -كما قال هنا-: (على وجه الثبات والدوام) ولذلك لعله يمر بك أن الجملة الاسمية تدل على الدوام، الدوام هذا كيف نأخذه؟
يعني: زيدٌ متصفٌ بالقيام على جهة الدوام. أحدُ احتمالين:
إما أن يؤخذ هذا الدوام والثبات أن القيام استقر لزيد حتى يأتي دليل آخر يدل على أن زيد تركَ القيام، هذا المراد بالدوام هنا.
زيدٌ قائمٌ. إذاً: ثبت له القيام، فنحتاج إلى دليل آخر يدل على عدم القيام؛ على أنه تركَ القيام، من أين نأخذه؟
قالوا: من غلبة الاستعمال. يعني: أكثرُ استعمال العرب الجملة الاسمية للدلالة على الثبوت والدوام، الدلالة على الثبوت هذا لازمٌ لأنه في أصل الوضع. يعني: الحصول.
لكن بقرينة خارجية وهي غلبةُ الاستعمال نقول: تدل على الدوام، فحينئذٍ (الحمدُ لله) نقول: الحمد دائمٌ ما دام الله تعالى موجود وهو باقٍ. إذاً: الحمد هنا رُكِّب هنا وعُلِّق على لفظ الجلالة، الحمدُ هذا يُعتبر محمولاً وللهِ يُعتبر موضوعاً.
ولما كانت الذات مستمرة باقية أبد الآباد بصفاته جل وعلا وأسمائه ناسب أن يأتي بما يدل على الثبوت والدوام، لكن الثبوت والدوام ليس من أصل وضعِ الجملة الاسمية وإنما هو بغلبة الاستعمال.
والغالب عند أهل البلاغة يقولون: الجملة الفعلية أصلٌ للجملة الاسمية. يعني: الجملة الاسمية معدولة يعني: حُوِّلت الجملة الفعلية فصارت جملة اسمية، كيف؟
قالوا: أصلُ "الحمدُ لله": حمدتُ حمداً لله، حُذِف الفعل اكتفاءً بدلالة المصدر .. حُذف الفعل استغناءً عنه واكتفاءً بدلالة المصدر؛ لأنهما متحدان من حيث الدلالة، صار: حمداً لله.
النصب هنا يُشعر بوجود الفعل ونحن نريد أن يكون الفعل نسياً منسياً .. ذهب في خبر كان، إذاً: ماذا نصنع؟
قالوا: إذاً نعدل عن النصب إلى الرفع للدلالة على الدوام، فقيل: حمدٌ لله، ثم دخلتْ أل المعرِّفة فقيل: الحمدُ لله، هذا إذا صح أن يُقدَّر بهذه السهولة في هذه الجملة، لكن العشرات بل مئات الجمل لا يمكن أن تأتي بالجملة الاسمية وتكون معدولة عن الجملة الفعلية.
وإنما نقول الصواب -فراراً من التكلُّف والتعسّف-: أن الجملة الاسمية تدل بالوضع على مطلق الثبوت الذي هو الحصول وتدل على الدوام لكن من جهة غلبة الاستعمال، أما العدول هذا وإن أكثر منه البيانيون إلا أن فيه تكلفاً واضحاً بيِّن.
الجملة الفعلية تدل على التجدد والاستمرار.
стр. 32
أي جملة هذه؟ جملة فعلية يعني: مبدوءة بفعل، ومعلوم أن الفعل إما ماضي وإما مضارع؛ لأنه هو الذي يدل على الحدوث، أما صلِ لم يكن هو في المستقبل، قم هذا ليس الحدث موجوداً، إنما الذي يدل على وجود الحدث هو الفعل الماضي والفعل المضارع.
"قام زيد" ماذا تفهم لو قيل لك: قام زيدٌ، صلى عمروٌ؟
حدوث القيام، قام زيدٌ حدَث القيام، حدث بعد أن لم يكن .. نتركُ الزمن.
حدث بعد أن لم يكن، لم يكن قائماً ثم قام.
إذاً: هذا تجدُّد أو لا؟ تجدد. بمعنى أن زيداً لم يكن متصفاً بالقيام ثم كان.
فنقول: حدث له قيامٌ لم يكن، وهنا نقف نرجع إلى درس أمس قلنا: أنواع العلم الحادث.
الحادث قالوا: هذا احترازاً عن علم الله ، وهذا خطأ.
هل يَلزم من كون الشيء حادثاً أن يكون مخلوقاً؟ الجواب: لا.
حتى في اللغة حدث حادث المرور مثلاً تقول: شيءٌ لم يكن ثم كان، يسمونه حادث، سواء كان في الأرض أو في الجو .. حدث حادث يعني: لم يكن ثم كان، هذا معناه اللغوي والاصطلاحي.
هل يدل على أنه مخلوق؟ الجواب: لا؛ لأننا قد نصفُ بعض صفات الباري جل وعلا بأنها لم تكن ثم كانت، وهذا هو المعنى: لم يكن القيام ثم قام.
"قام زيدٌ" لم يكن متصفاً بالقيام ثم قام، هذا تغيُّر، قد يوجد هذا المعنى في صفات الباري جل وعلا، في صفات المخلوق، الحدوث هذا مخلوق لم يكن ثم كان، قيام فعلٌ له وهو حادث إذاً مخلوق.
لم يكن مستوياً ثم استوى. حدَث؟ حدث نعم، لم يكن ثم كان.
الآن نجزِم ونحن هنا بأن الباري لم ينزل النزول اللائق به جل وعلا في ثُلث كل ليلة، الآن نعتقد عدم النزول أو النزول؟ نعتقد عقيدة ما فيه شك لم ينزل، إذا جاء ثلث الليل الأخير نزل، إذاً لم يكن ثم كان .. لم يكن النزول ثم كان.
إذاً: العالم متغيِّر، وكل متغيرٍ حادث فالعالم حادث هذا فيه نظر، ليس بصحيح.
فقولهم: احترازاً عن علم الله . نقول: هذا ليس مسلَّماً؛ لأن مرادهم أن الحدوث ملازمٌ للخلق والإيجاد، فكل حادثٍ فهو مخلوق.
ولذلك يقال: سبحانه الذي لا يتغيَّر. ويلتقطها بعض عوام أهل السنة .. سبحان الذي لا يتغير نقول: لا. هذا غلط، هذا على عقيدة الأشاعرة وليس على عقيدة أهل السنة والجماعة.
"قام زيدٌ" قلنا هذا فيه تجدُّد وهو عدم القيام ثم كان.
يقوم زيدٌ. ماذا تفهم منه؟ ثبوت القيام، وباعتبار التجدُّد: لم يكن القيام ثم كان.
إذاً: يتحد الفعل الماضي والفعل المضارع في الدلالة على التجدُّد بمعنى واحد وهو لم يكن ثم كان، ثم يزيد الفعل المضارع بالدلالة على الاستمرار، وهو الذي يُعنَى به بأن الجملة المضارعية تدل على التجدد والاستمرار، ومرادهم بالتجدد ليس هو التجدد الذي يدل عليه الفعل الماضي، الفعل الماضي كذلك يدل على التجدد لكن بمعنى: لم يكن ثم كان. وهذا القدر مشترك مع الفعل المضارع كذلك ولكن يزيد على الماضي بكونه يقع مرة بعد أخرى، فرْقٌ بين النوعين.
ولذلك قال: إن الحمد لله نحمده، حَمِد أولاً بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام لتعليق الحمد بالذات الدائمة المستمرة، ونحمده المراد هنا بالحمد المتعلق بالإنعام المتجدد مرةً بعد مرة، فحصل الفرق بين الجملتين.
стр. 33
هنا قال: (واختار الجملة الفعلية على الاسمية هنا) يعني: في الحمد وفيما يأتي، قوله: نصلي ونسأله لكن ليس بظاهر، الصواب أنه مخصوصٌ هنا، وأما نصلي ونحوه فهذا الأولى أن يقال بأنه للمُشاكلة فقط، لو أسقطه لكان أولى، والأولى في توجيه الاختيار فيها بمُشاكلته جملة الحمد لتناسُق الجُمل، ويحسن العطف.
قال هنا: (قصداً لإظهار العجز عن الإتيان بمضمونها على وجه الثبات والدوام).
والدوام هذا قيل: تفسيرٌ للثبات.
يعني: لماذا لم يأت بالجملة الاسمية؟ وهذا فيه تكلُّف وإلا النبي ﷺ قال: إن الحمد لله، والصحابة يحمَدون الله تعالى، والتابعون كذلك، والقرآن أوله ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:٢] ففيه تعليمٌ للناس أن يقولوا: الحمدُ لله رب العالمين.
ولذلك قدَّر بعضهم في أول الفاتحة: قولوا: الحمد لله رب العالمين، والجملة في محل النصب.
إذاً لا إشكال فيه، لكن هذا التعسُّف من أجل الاعتذار عن المصنف.
قال: (قصداً) العدول هذا قصداً (لإظهار العجز عن الإتيان بمضمونها) لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام، فإذا حمِد وأثنى على الله تعالى بهذه الجملة هو عاجز لا يستطيع أن يُثني على الباري جل وعلا بما دلت عليه هذه الجملة، فعَدل عنها إلى ما يفيد التجدد تارة بعد أخرى، فقد يقع منه حمدٌ ثم يقف، ثم يقع منه حمدٌ ثم يقف .. إلى آخره.
لكن نقول: هذا فيه شيءٌ من التعسُّف لأنه مخالفٌ للسنة أصلاً، ومخالفٌ لتعليم القرآن.
(قصداً لإظهار العجز عن الإتيان بمضمونها على وجه الثبات والدوام).
وأتى بنون العظمة: نحمد، النون هذه تدل على المتكلم ومعه غيرُه إما حقيقة وإما ادعاءً، وهنا يحتمل أنه تكلم واستشعر معه غيرَه، من باب التواضع والانكسار، وأنه لا يستطيع بنفسه أن يحمَد الله تعالى، وإنما يُشرِّك معه غيره.
فنقول: لو شَرَّكت معك غيرك هل أعطيت الباري جل وعلا حقه من التعظيم والتبجيل؟ إذاً: فيه شيءٌ من التكلف.
قال: (إظهاراً لملزومها) الذي هو العظمة.
(الذي هو نعمة من تعظيم الله تعالى له بتأهيله للعلم امتثالاً).
يعني: ليس المراد هنا أن معه غيرَه، وإنما فيه شيءٌ من التعظيم: عظَّم نحمد الله، يعني: فيه إشارة إلى تعظيم نفسه، لماذا تعظيم نفسه؟
لأن الله تعالى هو الذي عظَّمه، عظّمه بأن جعله من أهل العلم، وقال تعالى: ((وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)) [الضحى:١١] ولذلك قال: (إظهاراً) أي: قصداً لإظهار ملزومِها الذي هو التعظيم.
ولا شك أن تعظيم الله تعالى للعبد بتأهُّله للعلم من أجل النعم، فيكون التعظيم من أفراد النعم. ففيه إشارة إلى هذا المعنى.
(إظهاراً لملزومها الذي هو نعمة من تعظيم الله تعالى).
من تعظيم. هذا بيانٌ للملزوم، فتكون العظمة لازمة والتعظيم ملزوم.
امتثالاً لقوله تعالى: ((وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)) [الضحى:١١].
ثم قال: (أي: نحمده حمداً بليغاً) أعاد نحمده لطول الفصل.
(نحمَده) يعني: نحمد الله تعالى أي: نُثني عليه الثناء اللائق به جل وعلا.
стр. 34
(حمداً بليغاً) أي: بالغاً غاية الكمال؛ حيث صدر عن كمال الحضور القلبي بحسب الظن يعني: حسن الظن بالمصنِّف، مع ما أفادته الجملة الفعلية التجدُّد والحدوث.
(عَلَى تَوْفِيقِهِ) ومر معنا التوفيق كلام ابن القيم رحمه الله تعالى: أن لا يكلك الله إلى نفسك. يعني: أن لا يُخلي بينك وبين نفسك؛ لأنه لو خُلِّي بينك وبين نفسك فإن النفس لأمّارة بالسوء.
والخذلان عكسُه: أن يكلك الله تعالى إلى نفسك، فيُخلي بينك وبينها. فحينئذٍ النفس تكون هي الآمرة والناهية، فإذا كان كذلك هلك الإنسان.
قال هنا: (أي خلقِه قدرة الطاعة فينا عكسُ) يعني: ضد "خلاف" (الخذلان، فإنه خلق قدرة المعصية).
وهذا بناءً على طريقة الأشاعرة، وهو المراد بالكسب، لذا قال هنا: أي الكسب المقارِن لها.
الاستطاعة والطاقة والقدرُ والوسعُ هذه ألفاظٌ متقاربة. يعني: إذا تكلَّم أهل السنة في هذا المقام قالوا: الاستطاعة مرادهم القُدرة، ومرادهم كذلك الطاقة، ومرادهم كذلك الوُسع.
فإذا جاء اللفظ في الكتاب والسنة بالوسع والقدرة .. كلها بمعنى واحد.
وتنقسم الاستطاعة -أي: القدرة- إلى قسمين عند أهل السنة والجماعة، وهو قول عامة أهل السنة والجماعة، أشار إلى ذلك التفصيل الطحاوي رحمه الله تعالى في قوله: والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق، الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به تكون مع الفعل.
وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكُّن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، إذاً: المسلم عنده استطاعتان: استطاعة مع الفعل لا يكون الفعل إلا بها، وهذه التي عناها المصنف وينفُون ما قبلها، واستطاعة قبل الفعل وهي كونُه أهلاً بالتكليف.
حينئذٍ عنده من سلامة الآلات ما يُقبِل على الصلاة، ما يُقبل على الحج ونحو ذلك.
هذه تسمى استطاعة أو لا؟ تسمى استطاعة، عند بعضهم لا تسمى استطاعة وهو الذي قدَّمه المصنف هنا.
قال هنا: وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)) [البقرة:٢٨٦] يعني: ما في وسعها، والذي في وسعها هو الذي تقدِر على التلبُّس به.
فالعبد له قدرةٌ هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله، لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرةٍ معدومة، وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكُّن وسلامة الآلات فهذه قد تتقدم الأفعال، وهذه القدرة هي المذكورة في قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) [آل عمران:٩٧] إلى آخر الكلام الذي ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية فليُرجَع إليه.
والمراد هنا التشويش على المصنف فقط، ليس المراد تحقيق المسألة.
أي: (خلقِه قدرة الطاعة فينا عكس الخذلان، فإنه خلق القدرة المعصية) هذا تفسير الكسب عند الأشعرية.
قال: (وإنما حمِد الله على التوفيق أي: في مقابلته لا مطلقاً).
يعني: الحمد هنا مقيَّد أو مطلق؟ مقيّد (نَحْمَدُ اللهَ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِهِ) إذاً قيَّده.
أيهما أفضل الحمد المطلق أو الحمد المقيّد؟ قولان: منهم من قدّم المقيد، ومنهم من قدّم المطلق.
стр. 35
لكن ظاهر الكتاب والسنة التقييد كثير فيه .. في القرآن أكثر الحمد مقيّد.
قال هنا: (وإنما حمد الله على التوفيق أي: في مقابلته لا مطلقاً؛ لأن الأول واجب) يعني: المقيَّد (والثاني مندوب).
(الأول واجب) أي: اعتقاد كون النعمة من الله تعالى واجب.
(والثاني مندوبٌ) أي: يثاب عليه ثواب المندوب.
فقد ظهر أن الحمد المقيَّد أفضل من المطلق، ولأنه أكثرُ ما ورد في القرآن والسنة، وقيل: المطلق أفضل لصِدقه على جميع المحامد كلها معلومِها وغير معلومها. والحمد المطلق أن لا يلاحِظ شيئاً من النعم، والحمد المقيّد بأن يلاحظ نعمة معيّنة.
قال هنا: (وَنَسْأَلُهُ طَرِيقةً هَادِيةً) أي: دالّة على الطريق المستقيم.
(نَسْأَلُهُ) هذا الذي قال هناك، هنا وفيما يأتي نسأله، داء بالنون الدالة على العظمة، لماذا؟ للعلة السابقة، لكن الصواب أن يقال هنا: من باب المشاكلة يعني: ليوافق العطف. يعني: يعطف جملة فعلية مضارعية مبدوءة بالنون على سابقتها.
(نَسْأَلُهُ طَرِيقةً هَادِيةً) أي: دالةً لنا على الطريق، هذا بيان لمتعلَّقها لا تفسيرٌ لكلمة طريق في كلام المصنف.
قال: وفي نسخة (وَنَسْأَلُهُ هِدَايَةَ طَرِيقِهِ) وهذه أحسن لأنها مراعاة للسجع (عَلَى تَوْفِيقِهِ.
وَنَسْأَلُهُ هِدَايَةَ طَرِيقِهِ).
توفيقه .. طريقه. فهي أولى.
قال: (وَنُصَلَّي) كذلك جاء بالنون الدالة على العظمة للمشاكلة.
(عَلَى مُحَمَّدٍ) ﷺ ، قلنا: هذا علمٌ شخصي منقولٌ من حُمِّد المضاعف.
قال: (من الصلاة عليه) يعني: نصلي ليست الصلاة التي هي الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، وإنما المراد من الصلاة عليه المأمور بها في خبر ﴿أَمرنا الله أن نصلي عليك. فكيف نصلي عليك؟
فقال: قولوا: اللهم صل على محمدٍ .. ﴾ إلى آخره.
(وَنُصَلَّي عَلَى مُحَمَّدٍ).
قال: (من الصلاة) يعني: مأخوذةٌ من الصلاة، وقيّد بالظرف (من الصلاة)؛ لإخراج الصلاة بمعنى الأقوال والأفعال، ولإخراج الصلاة بمعنى الرحمة.
وقوله: (المأمور بها في قوله كذا) نقول: قبل ذلك قوله تعالى: ((صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [الأحزاب:٥٦] فحينئذٍ نقول: صلَّوا. هذا أمرٌ، وجاء النص في الخبر المذكور الذي ذكره المصنّف، فحينئذٍ امتثالاً لهذين الأمرين في الكتاب والسنة نقول: نصلي على النبي ﷺ . ولذلك قدَّمه المصنف وهو يعتبر من الأمور الواجبات في مقدمة الكتب كما مر معنا.
قال: ﴿فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمدٍ .. ﴾ إلى آخره.
قال المحشي هنا: وهو كما في رواية ابن سعدٍ ﵁ قلت: ﴿يا رسول الله! أَمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فسكت ثم قال .. ﴾ الحديث.
وفي رواية: ﴿عرفنا كيف نسلِّم عليك فكيف نصلي؟﴾.
هذا أخذ منه بعض أهل العلم أن الصلاة كما تكون في التشهد الأخير تكون كذلك في التشهد الأول؛ لأنه هنا ليس فيه تفصيل قال: ﴿إذا نحن صلينا﴾ إذاً: ما قيَّد، هل الصلاة تكون في التشهد الأول أو تكون في التشهد الثاني؟
стр. 36
حينئذٍ جاء الاحتمال، الاحتمال قائم والسؤال وارد، وتركَ النبي ﷺ الاستفسار، هذا يُحمل على العموم.
وَنَزِلَنَّ تَرْكَ الاِسْتِفْصَالِ ... مَنْزِلَةَ العُمُومِ فِي المَقَالِ
حينئذٍ يعم النص يعني: يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول بعد السلام، ويصلي في التشهد الأخير. وهذا مذهب بعض أهل الحديث وهو اختيار الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وهو ظاهر النص أنه يُصلَّى على النبي ﷺ في التشهد الأول والثاني.
وأما أنه ﴿كأنه قاعدٌ على جمرٍ﴾ الحديث ضعيف هذا، ثم لو صحَّ لا يدل على أنه لا يُصلَّى وإنما يُكتفى بالسلام، وإنما يدل على الخفَّة كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في ركعتي الفجر: ﴿لا أدري هل قرأ بأم الكتاب أم لا﴾ هل معنى ذلك أنه لا يقرأ بالفاتحة في ركعتي الفجر السنة؟ يعني: تقول: لا أدري هل قرأ بالفاتحة أم لا؟
يدل ذلك على الخفَّة فقط "السرعة يعني" تكون خفيفة، كذلك لو صلى في التشهد الأول يكون خفيفاً إذا صحَّحنا الحديث.
قال: (وهي من الله رحمةٌ).
(وهي) يعني: الصلاة.
(من الله رحمةٌ) لعبده.
(ومن الملائكة استغفار، ومن الآدميين تضرعٌ ودعاء) دعاء هذا عطف وتفسير، وهذا هو المشهور وهو ما حكاه الجوهري عن أئمة اللغة، ولكن ذكر أبو العالية معلَّقاً في البخاري ﴿صلاةُ الله تعالى على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى﴾.
ولابن القيم رحمه الله تعالى كلامٌ كثير في هذه المسألة.
(وَعلى عِتْرتِهِ) عِتْرتِهِ بالمثناة فوق.
(أي: أهلُ بيته لخبرٍ وردَ به).
يعني: يُفسّر عِتْرتِهِ –العترة- بأهل بيته، قال: (هم عليٌ وفاطمة والحسن والحسين، أمهات المؤمنين، وقدّم هذا لوروده في الحديث.
وقيل: أزواجُه وذريته، وقيل: أهله وعشريته الأدنَيْن، وقيل: نسله ورهطه الأدنين. وعليه اقتصر الجوهري).
على كلٍ المسألة فيما يتعلق بالعِترة مسألة فقهية يتعلق بها مسألة الزكاة وغيرها، وذكر أقوالاً هنا.
قال هنا: (الأدنين) هذا قيدٌ لإخراج الأباعد (أهله وعشريته الأدنين) الأدنين هذا جمع أدنى، ذكره في الحاشية في التصنيف.
(وقيل: نسلُه ورهطه الأدنين) كذلك فيه احتراز عن الأباعد.
قال: (أَجْمَعِينَ) تأكيد.
(أَمَّا بَعْدُ) هذا من المستحبات، وذكرناها في مقدمات الكتب.
(يؤتى بها للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر).
يعني معناها الذي يؤتى به لأجله هو: أنه يُنتقل بها من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخر، أُسلوب بضم الهمزة يعني: نوعاً من الكلام، وليس المراد هنا أسلوب المدح أو الأمر إلى أسلوب النهي أو العكس، أو العام إلى الخاص لا، ليس هذا مرادهم.
وإنما مرادهم أنه ينتقل من المقدمة إلى الشروع في المقصود، وعملُهم جارٍ على هذا .. أنه يؤتى بها في ذكر أو الانتقال من المقدمة يعني: انتهت المقدمة (أَمَّا بَعْدُ) فحينئذٍ تشرع في المقصود بعد ذكر (أَمَّا بَعْدُ).
وهذا أسلوب في المقدمة، لها أسلوب، وكذلك المقصود له أسلوبٌ خاص، فحينئذٍ لا إشكال في أن كلاً منهما أسلوب.
هذا أسلوبٌ يعني: نوعٌ من الكلام وهذا أسلوبٌ يعني: نوعٌ من الكلام، فلا إشكال فيه ولا اعتراض.
стр. 37
قال: (يؤتى بها) يعني: بلفظ (أَمَّا بَعْدُ) وهي السنة، وإن اشتهر: (وَبَعْدُ).
وهي سنة يعني: مستحبة عند المصنفين، وهي سنة كذلك نُقل عن النبي ﷺ .
(للانتقال من أسلوبٍ إلى آخر) يعني: من أسلوب المقدمة إلى أسلوب الشروع في المقصود، وكان النبي ﷺ يأتي بها في خُطبه يعني: على ما هي عليه (أَمَّا بَعْدُ) فصارت سنّة من جهتين: شرعية وسنّة اصطلاحية.
قال: (والتقدير: مهما يكن من شيءٍ بعد البسملة وما بعدها).
(أَمَّا) هذا حرف شرطٍ وتفصيل، لكن التفصيل ليس لازماً لها في جميع أحوالها واستعمالاتِها، فهي هنا لمجرد التأكيد وهو تحقُّق وجود ما بعد الفاء لا محالة؛ لأنه عُلِّق على محقق الوقوع سواء جُعل بَعْدُ من متعلقات الشرط أو الجزاء، هذا أمّا، وهي ضُمِّنت معنى الشرط. ولذلك لزمها الفاء في الجواب.
(أَمَّا بَعْدُ. فَهذِهِ) الفاء هذه واقعة في جواب الشرط، أين الشرط؟
نقول: أمَّا مضمنة معنى الشرط؛ لأنها نائبةٌ عن: (مهما يكن من شيء) مهما، يكن، من شيء. هذه ثلاثة أشياء.
حُذِفت مهما، مهما هذا اسم شرط، وحُذف فعل الشرط، وحُذف ما تعلَّق به وهو قوله: من شيء.
وأُنيبت أمَّا مُنابها، ولذلك قال ابن مالك: أَمَّا كَمَهْمَا. أما مثل مهما ليست مثلها في الاسمية، أمّا هذا حرفٌ باتفاق، ومهما فيه خلاف والصحيح أنه اسم.
إذاً: أَمَّا كَمَهْمَا يعني: مثلها في الشرط.
قال هنا: (والتقدير: مهما يكن من شيءٍ بعد البسملة وما بعدها) من الصلاة، والسلام .. ونحو ذلك.
(فَهذِهِ) الفاء واقعة في جواب الشرط.
هنا المصنّف فيما مضى -ما نبّهنا عليه- قال: نصلي ولم نقل ونسلّم، والمشهور عند كثير من المتأخرين أن إفراد الصلاة عن السلام مكروه والعكس بالعكس، فهل وقع في المكروه؟ نقول: الجواب: لا؛ لأن الصحيح أنه لا يُكرَه إفراد الصلاة عن السلام، يصح أن نقول: صَلَّى اللَّهُ على محمد. يصح وبدون كراهة، ولا إشكال فيه.
ويصح أن نقول: سلَّم الله على محمد، سلّم تسليماً. لا إشكال فيه، لا نقول بالكراهة.
وأما ((صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا)) [الأحزاب:٥٦] نقول: هنا جمع بين أمرين، كما قال: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)) [النور:٥٦] فالمراد هنا المقارنة في الذكر كما قال: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)) [النور:٥٦] الواو دلَّت على المقارنة في الذكر يعني: ذُكِرا معاً.
كذلك ((صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا)) [الأحزاب:٥٦] يعني: اجمع بين الأمرين.
ولا تعرُّض هنا لكراهة ولا غيرها، إن جَمع بينهما لا شك أنه كمال الامتثال، لو ترك أحدهما حينئذٍ نقول: لا إشكال فيه ولا نقول بالكراهة؛ لأن الكراهة هذه نهيٌ خاص. أين دليل النهي؟ من أين أخذتَه؟
إن أخذه من الجمع من الواو نقول: هذه دلالة اقتران، ودلالة الاقتران في الأصل أنها ضعيفة، لكن ليس مطلقاً.
стр. 38
دلالة الاقتران ضعيفة في الأصل، لكن قد يحتف بها قرينة فيُعمل بها كما إذا وقع على المقترِنين خبر موحَّد .. إذا جمعت بين متعاطفات وحكمت عليها بخبر واحد، الأصل فيها دلالة الاقتران معتبرة، ولذلك ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ)) [المائدة:٩٠] رجسٌ هذا خبر الخمر، وما عُطف عليه داخلٌ تحته.
الأصل في مقتضى اللغة وكذلك في الشرع أنه إذا حُكم على متعددٍ بحكمٍ واحد الأصل فيه الاستواء.
على كلٍ المراد هنا: التنبيه إلى أن دلالة الاقتران لا تؤخذ من هذا النص ((صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا)) [الأحزاب:٥٦] فيقال بكراهة إفراد أحدهما على الآخر؛ لأن دلالة الاقتران ضعيفة في الجملة "يعني: في الأصل" وقد يحتف بها قرينة فيُعمل بها، وذلك فيما إذا حُكم على المقترِنات بحكمٍ واحد.
قال: (والتقدير: مهما يكن من شيءٍ بعد البسملة وما بعدها).
(فَهذِهِ) اسم الإشارة هنا قال: (المؤلفة الحاضرة ذهناً) يعني: الألفاظ الذهنية.
وإذا كان كذلك فحينئذٍ اسم الإشارة يكون مجازاً؛ لاستعماله في المعقول، والأصل أن يُستعمل في المحسوس، نقول: هذا زيدٌ، هذا الأصل في وضع الإشارة. يعني: لا يُستعمل في المعقولات، فإن استُعمل في المعقولات حينئذٍ نقول: هذا من قبيل المجاز.
(فَهذِهِ) (المؤلفة الحاضرة ذهناً، إن أُلِّفت بعد الخطبة، وخارجاً أيضاً) أي: كما أنها موجودة ذهناً فاسم الإشارة حقيقة حينئذٍ إن أُلِّفت قبلها.
هذا في التفصيل على المشهور.
والصحيح: أن المشار إليه ما في الذهن مطلقاً تقدَّمت الديباجة أو تأخرت؛ إذ لا حضور للألفاظ المرتبة ولا لمعانيها في الخارج.
إذا قيل: وجود ذهني ليس المراد أن هذه الألفاظ موجودة بذاتها في الذهن، وإنما المراد بها الملاحظة والاعتبار.
فالوجود الذهني عند بعض الحكماء: أنه يوجد لكل شيء مرسوم في الذهن "محسوس" وليس الأمر كذلك، وإنما المراد به: معانٍ قامت بالذهن -يعني: في الذهن- والمراد الملاحظة.
وإذا كان كذلك فلا إشكال في تسميته وجوداً ذهنياً.
قال: (فَهذِهِ رِسَالَةٌ) مبتدأ وخبر.
(رِسَالَةٌ) بكسر الراء مشتقةٌ من الرَسْلِ بفتح الراء وسكون السين، وهو الانبعاث على تُؤدَة يقال: ناقتٌ رَسْلٌ أي: سهلة السير.
(ففيه إشارة واضحةٌ إلى سهولة هذا المؤلَّف وقلّته كماً وإن عظُم كيفاً) لأن الرسالة في عُرف أصحاب التدوين: اسمٌ لأوراقٍ قليلة تحتوي على مسائل من العلم، لكنها من أنفس ما يُصنَّف في العلم، ومن أشد ما يزهد فيه طلاب العلم الآن ..
الرسائل المختصرات هذه من أنفس ما يُعتنى به؛ لأنها تشتمل على جمهور المسائل العلمية التي يكثر استعمالها. يعني: لو نظرت في الآجرومية أكثر ما يحتاجه الناطق المتكلم مما يتكلم به الكثير: مبتدأ وخبر وفعل وفاعل، ومتعلَّقات الجميع. تجدها كلها مفصَّلة في الآجرومية
وما قلَّ كالتنازع والاشتغال ما تجده؛ لأن التنازع قد يبقى الإنسان أيام هذا إن درى أنه قد تنازع عنده فعلان أو أكثر، حينئذٍ نقول: هذا قليل. فلا يحتاجه الإنسان.
стр. 39
ولكن هذه المؤلفات الصغيرة كالورقات، والآجرومية، والرحبية، والرسالة التي معنا .. هذه من يعتني بها عناية فائقة، يستحضرها استحضاراً. هذا ينطلق في العلم انطلاق كبير جداً، بخلاف الموجود الآن، يريدون العكس: فتح الباري، والمطولات، والألفية قبل أن يتقن الآجرومية، ويستعجل الآجرومية ومباشرة الألفية، لا بد من واسطة أو لا. على كلٍ تشويش .. الذهن مشوش عندهم.
فأقول: هذه الرسائل وإن صغُرت لكنها عظيمة لما اشتملت عليه من المسائل، فيحتاج الطالب أن يقرأها مرة ومرتين وثلاث وأربع .. حتى يضبطها حفظاً وفهماً، الفهم ليس بالهيّن.
يعني: لا يظن الظان أنك الآن تسمع هذا الكلام تفهمه مباشرة وانتهيت لا، بعض الفهوم تحتاج إلى تدرج يعني: قد تفهم فهماً عاماً ابتداءً، لكن الفهم العميق والغوص في المعاني هذا ما يأتيك، كمبتدئ تحلم إذا أردت أن تفهم كالمتكلم.
يعني: كتاب درسه المعلِّم قبل ثلاثين سنة ويعيده ويكرره تأتي أنت أول مرة تجلس وتريد تفهم مثله؟ يعني: لو نظرنا بمسألة عقلية هكذا صحيح؟ يعني: يدرس الآجرومية ويدرّسها عشرات السنين ثم تأتي أنت مباشرة ورِجل على رِجل وتريد .. ما فهمت الدرس، فيغضب ويمشي إلى آخره، أو يتكلم، هذا خطأ هذا غفلة.
لا يمكن أنك تفهم ابتداءً من أول مرَّة كفهم المتكلم، فهم المتكلم هذا طبَخ واحترق عنده. فمع السنين، ومع النظر، ومع التدريس، ومع التأليف، ومع الكتابة والإعادة، والنظر والمراجعة، والسؤال والنقاش نضجت المعلومات، ما تأتي هكذا في يوم وليلة.
فهذه الرسائل انتبهوا لا تزهدوا فيها يا إخوة، وأكثر ما ضيّع الطلاب الآن هو هذا: العزوف عن الرسائل، ما يريد ورقات يريد مراقي وكوكب .. مباشرة، ما فيه بأس صحيح. الهمّة لا بد أن تكون متعلقة بمعالي الأمور.
لكن هناك سلَّم، هناك طريقة لأهل العلم لا يمكن أن يصلوا إلى هذه المطوَّلات إلا بعد إتقان، لو نظرت في أول الحاشية التي بين يديك يقول: كتبتها للمبتدئين، وأنا كنت أريد أن أعلِّق عليها لكن الوقت.
كتبتها للمبتدئين، هذه الحاشية للمبتدئين، ونحن تركنا كل الحاشية، أحاول أني ما أطالع حتى لا أقرأ؛ لأن فيها تشتيت، المبتدئون السابقون يختلفون عن المبتدئين الحاضرين، بل لعل المتصدِّرين الآن كالمبتدئين السابقين، ما هو بعيد؛ لأنك تجد الآن بعض المتون المختصرات تُشرَح بشروح مطولات.
يعني: لو وجدت مثلاً الورقات. العبَّادي شرحها في مجلدين وحققها أربعة.
كذلك حاشية النفحات للجاوَى من أصعب ما يُقرأ، ومع ذلك تعتبر للمبتدئين.
حواشي إيساغوجي الموجود: العطَّار والذي معنا، هذا يُعتبر للمبتدئين؛ لأن المبتدئ في السابق ليس كالمبتدئ الحاضر، كان يترقى في دراسة المتن مرة ومرتين، وشرح وشرحين .. ثم إذا قرأ الحواشي هذه من أسهل ما يكون عنده، فإذا وصل إلى المطولات من أسهل ما يكون عنده.
стр. 40
ولذلك لو رجعتم إلى السير والتراجم تجدون أنهم كانوا يبرزون قبل العشرين، نحن نبدأ بعد العشرين، هم يبرزون ويتصدرون قبل العشرين يعني: العقلية مهما كانت هذا أمر فطري .. العقلية مهما كانت ابن عشرين هذا فيه شيءٌ من القصور، لكن مع ذلك بفضل الله أولاً وآخراً عليهم، ثم بطريقتهم المثلى في التعلُّم استطاعوا أن ينتجوا.
السيوطي يقول في الأشباه: وكتبتُ رسالة في إعراب البسملة ومعانيها. وعمرُه تسع سنين، بلاستيشن يلعب تسع سنين عندنا.
خمسة عشر سنة الآن يعتبر نفسه صغير، يبتدئ العلم عمره ثمانية عشر سنة يقول: بدأت العلم وأنا صغير، كيف صغير؟ خلاص.
قال: (رِسَالَةٌ) وهي في عرف أصحاب التدوين: اسمٌ لأوراقٍ قليلة تحتوي على مسائل من العلم.
(لطيفة) رسالةٌ لطيفة يعني: حسنَة .. حسنةُ الوضع، بديعةُ الصنع.
(فِي المَنْطِقِ) في علم المنطق.
هذا تقييدٌ لموضوع الرسالة، في أي فن؟ قال: في علم المنطق.
هذا شروعٌ من المصنف -رحمه الله تعالى- فيما يتعلق بذكر بعض المبادئ العشرة، سيذكر التعريف والموضوع، وأظنه ذكر الثمرة، هذه مجموعة في قول الصبَّان:
إِنَّ مَبَادِي كُلِّ فَنٍّ عَشَرَةْ ... الحَدُّ وَالمَوْضُوعُ ثُمَّ الثَّمَرَةْ
وَفَضْلُهُ وَنِسْبَةٌ وَالْوَاضِعْ ... وَالاِسْمُ الاِسْتِمْدَادُ حُكْمُ الشَّارِعْ
مَسَائِلٌ وَالْبَعْضُ بِالْبَعْضِ اكْتَفَى ... وَمَنْ دَرَى الجَمِيعَ حَازَ الشَّرفَا
وهذه كذلك من الأشياء التي يُفرَّط فيها الآن، يعني يظن أن هذا تحصيل حاصل، اتركنا منه ندخل في الكتاب مباشرة! وهذا غلط، لماذا؟
لأنه مهما أُوتي الإنسان من ذكاء إذا لم يضبط -على جهة العموم- الفن الذي سيدرسه وفائدة الفن لن يمشي فيه، لن يستمر.
ولذلك من الأسباب أن الطالب يبدأ ويرجع، يبدأ ويرجع، يبدأ وينقطع .. إلى آخره، من الأسباب أنه لا يدري ماذا يطلب، فلا يعرف النحو، قد يدرس الآجرومية وينتهي قل له: ما هو النحو؟ صوِّر لي النحو؟ ما يستطيع أن يعبّر.
ما الفائدة؟ لا يستطيع أن يعبِّر.
كيف تطلب علم وتنتهي وتقرأ وتحفظ وأنت ما تعرف الفائدة المرجوَّة من هذا الفن، ما هي الثمرة.
الذي ينبغي أن يُعتنى في كل فنٍ أن يكون لك دراسة معيَّنة في كل فنٍ تدرسه على نمط هذه المسائل العشرة.
"إِنَّ مَبَادِي كُلِّ فَنٍّ عَشَرَةْ" والتي يسمونها مقدمة العلم، وما مضى الثمانية الأمور .. الأربعة المستحبات هذه مقدمة كتاب، وأما مقدمة العلم فيذكرون فيه الحد والموضوع.
قال: (في علم المنطق).
المنطق على وزن مَفْعِل.
قال في الإيضاح في شرح السلَّم: مصدر ميمي، وتلقاه البعض على أنه مصدرٌ ميمي.
وهذا فيه إشكال عندي، كيف يكون مصدراً ميمياً وفعلُه ينطق؟ منطِق مفعِل، كيف يكون مصدراً ميمياً وفعلُه المضارع على وزن يَفْعِل.
((هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ)) [الجاثية:٢٩]، ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى)) [النجم:٣] إذاً من باب يَفْعِل، وباب يفْعِلُ -بكسر العين- المصدر الميمي منه على وزن مفْعَل ليس على وزن مفعِل؛ لأنك تقول: يفعُل يفعَل يفعِل. ثلاثة أبواب.
следующие страницы →