← Фикх шафии

Фикх шафии · id 36125

شرح الرحبية للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (456 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[شرح الرحبية]ـ المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي http://alhazme.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - ٢٣ درسا]

стр. 2

عناصر الدرس * نبذة عن المصنف ونظمه. * شروحات النظم. * شرح المقدمة. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. نشرعُ الليلة في متنٍ يتعلقُ بعلمٍ هو من أجلِّ العلومِ وأشرفها، قد وردت بعضُ الأحاديث منها الصحيح ومنها الضعيف في بيان فضلِهِ، من ذلك ما قد اشتهر عند الفرضيين قولِهِ ﷺ : «تعلَّموا الفرائض وعلِّموه فإنه نصف العلمِ وهو ينْسى، وهو أوّلُ علمٍ يُنتزعُ من أمَّتي». هذا الحديث رواه ابن ماجه أولاً وابن المبارك والحاكم في المستدرك، ورواه عن أبي هريرة البيهقي في سننِهِ وقال: انفرد به حفص بن عمر وليس بالقوي. هذا ضعيف وبعضهم يقويه يجعله من قبيل الحسن وخاصةً أن الله قد تولى قسم المواريث بنفسه في ثلاثِ آيات من سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١ ١] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] الاية. وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. هذه الآيات الثلاث جمعت كُلَّ الفرائض، جمعت أصول هذا الفن إن كان بقي شيءٌ من الحساب كما سيأتي بيانه إلا أنه هذا الأصل فيها. ومما اشتهر عند أهلِ العِلْم في الابتداء بهذا الفنّ ((الرحبية)) المسمى بـ ((الرحبية)) نسبةً إلى مؤلِّفِها وإن كان اسمها ((بُغية الباحث)) بِغية أو بُغية يجوز فيه الوجهان وهي لمحمد بن علي بن محمد بن حسن الرحبيّ لذلك قيل ((الرحبية)) واشتهرت بهذا الاسم، أبو عبد الله المعروف بابن المتفننة، عالمٌ بالفرائض شافعي من أهل رحبة مالك بن طوق مولدًا ووفاةً، وهو صاحب هذه الأُرجُوزة المسماة بُغية الباحث المشهورة بـ ((الرحبية)) نسبةً إلى مؤلفها، كالآجرومية مثلاً وهذه الألفية لابن مالك ونحو ذلك. وُلِدَ سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة، وتوفي سنة سبعٍ وسبعين وخمسمائة كما نص عليه أكثير من واحدٍ ممن ترجم له. قلنا هذه ((الرحبية)) تسمى ((بُغية الباحث)) يقالُ: بَغيتُهُ أبْغِيهِ بُغاءً وبُغًا وبُغيةَ بضم الثلاث الأوائل، وبِغية بالكسرِ طلبته، إذًا البُغية والبِغية المرادُ بها الطِلبَة طِلبةُ الباحث، يعني: ما يطلُبه الباحث، باحث عن أيِّ شيء؟ عن عِلمِ المواريث عِلمِ الفرائض يبحثُ عنه فيجد ماذا؟ بغيتَهُ في هذا الكتاب المسمى بـ ((الرحبية))، وبِغية بالكسر طَلَبْتَهُ والبغية كرَضِيّة ما ابتُغيَ، فالبُغيةِ بالكسر والضمِّ وبَحَثَ عنه كَمَنَعَ بَحَثَ فَعَلَ كمنع لأن باحث اسم فاعل، اسمُ فاعل من أي شيء كضَرَبَ على وزنِ فَعَلَ بَحَثَ مَنَعَ، إذًا مثلُهُ فيكون اسم الفاعل على زنةِ فاعِل باحِث، واسْتَبْحَثَ وابْتَحَثْتُ وتَبَحّثْتُ بمعنى فَتَّشَ، إذًا هذه بُغيةٌ لمن فتش علن عِلمِ المواريث، وهذه أرجوزة منسوبةً إلى الرّجَزْ هو بحرٌ من بحورِ الشعر وزنُهُ: مُستَفعلُنْ ستُّ مرات يعني: مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن، هذا الشطر الأول مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن، هذا الشطر الثاني

стр. 3

وليس كل رجز يكون على هذا، لا، قد يكون مُتَعِلُنْ مثلاً، لكن الأصل فيه مستفعِلُن، واختار المصنف هنا النظم على النثر لأنه أسهل في الحفظ كما مرَّ معنا مرِارًا أن المتون العلمية التأصيلية تكون على ضربين: - منها ما هو نظم. - ومنها ما هو نثر. ومن حيثُ الإحكام في الألفاظ النثرُ أجود، من حيث ضبط الألفاظ وضبط الحدود النثر أجود، ولكنَّ النثر هنا بالتجربة عن أهل العلم سابقاً ولاحقاً لا يكادُ يبقى في الذهن يعني حفظه صعب من حيث الإقدام ومن حيثُ استمرار الحفظ في الذهن، حينئذٍ صعُبَ أولاً ابتداء وانتهاءً، فلما كان الأمر كذلك عدل أهل العلم عموماً في جميع الفنون إلى النظم عدلوا إلى النظم خاصةً هذا الذي يسمى حمار الشعراء. والنظم هو كلامٌ موزون مقفَّى مقصودٌ فإن لم يكن مقصودًا حينئذٍ لا يسمى نظماً، ولو جاء كلامٌ على وزن مستفعلن مستفعلن مستفعلن، ولا يقال: مشطور الرجز، لا بُدَّ أن يكون مقصودًا «إنما الأعمال بالنيات». فإن لم يكن كذلك فحينئذٍ لا يُسمى نظمًا، وبعض الحمقى حاول أن يأتي ببعض الآيات على بعض الأوزان ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فجاء بها على بعض الأوزان، إما البحر الطويل أو البسيط فقال قد جاء في القرآن مؤيد لما سبق. قلنا: الموافقة هنا لا تدل على أنه شعر أو على أنه نظم لأنه لا بد، فرقٌ عند العرب بين الشعر وبين النثر، ولذلك هذا أمرٌ أطبق عليه العقلاء الأوائل الذين نزل في شأنهم الشعر فضلاً عن يأتي متأخر ثم يذكر أن في القرآن ما هو وزنٍ من أوزان البحور الست عشر المشهورة. عدد أبيات ((الرحبية)) مائةٌ وخمسةٌ وسبعون بيتًا، وقيل ستٌّ وسبعون كما سيأتي في موضعه. مِن أشهر مَن شرح ((الرحبية)) ولا نستوفي كل ما كتب في الفرائض لأن منها ما منثور ومنها ما هو منظوم كما ذكرنا، والنظم أسهل ولذلك اشتهر هذا النظم لسهولته، وهو أسهل من ((البرهانية)) وإن كان ... ((البرهانية)) أجمع يعني أكثر مسائل، وكثرة المسائل قد لا ترجح أن يكون النظم هو المعتمد وإنما لا بد من شيئين: أولاً: سهولة النظم لأن المراد ما هو؟ لو أردنا الصعوبة نبحث أو نحفظ من المنثور لا المنظوم، هذا إذا أردنا الصعوبة، وإذا أردنا السهولة حينئذٍ لا بد أن ننظر في طبيعة النظم من حيثُ التراكيب ومن حيث المعنى المفهوم من إطلاق اللفظ نفسه. ((الرحبية)) إذا قورنت بـ ((البرهانية)) حينئذٍ هي أوضح، وإن كانت تلك أوسع من حيث المسائل، ثمَّ مرجِحْ أو مرجِّحْ آخر أن يكون ((الرحبية)) هو محل البحث شهرتها وإذا اشتهر النظم واشتهر المتن حينئذٍ كثرت الحواشي والشروحات والمختصرات على ذلك المتن، حينئذٍ إذا وُجِدَ متن أكثر مسائل من متنٍ إلا أن الشروح والحواشي والخدمة ليست متوفرة قليلة صار ماذا؟ صار ذاك الذي هو أقل مسائل مرجحًا على ما كثرت مسائله من هذه الجهة، وهذا مهم جداً أن يراعي الطالب الحفظ أولاً: ما اشتهر عند العلماء. وثانياً: ما كُتِبَ عليه.

стр. 4

والرحبية لا شك أنه أكثر خدمة من غيره، ويكفيه أنه قد كتب عليه الشِّنْشَوري ((الفوائد الشِّنْشُوريّة)) هكذا ضبطه صاحب التحقيق هناك في شرح المنظومة ((الرحبية)) للعلامة الْفَرَضِيّ عبد الله بن محمد الشِّنْشَوْرِيّ كسر الشين الأولى وفتح الثانية هكذا ضبطه الباجوري أو الْبَيْجُورِي في حاشيته على هذا الكتاب وهو أوسع حاشيةً على الشِّنْشَوريّ. خطيب الجامع الأزهر توفي سنة تسعٍ وتسعين بعد المائة التاسعة هذا أسهل شرحٍ يعتمد وهو الذي سيكون فيه الاختبار إن شاء الله تعالى الشِّنْشَوريّ، إن أمكن إحضاره هو أولى، وعليه حاشية لإبراهيم البيجوري تسمى ... ((التحفة الخيرية على الفوائد الشِّنْشُورية)) الشِّنْشَوْرِيّة الشِّنْشُورِيَّة، وشرح ((الرحبية)) كذلك محمد بن محمد سبط المارديني توفي سنة سبع بعد المائة التاسعة، كذلك عليه حاشية لا بأس بها لمحمد بن عمر البقري الشافعي، والنووي كذلك له شرحٌ مخطوط النووي صاحب ((شرح مسلم))، و ((المجموع)) له شرح على هذه المنظومة، وكذلك شرحٌ للشيخ ابن باز رحمه الله تعالى مفرغٌ من الأشرطة، وكذلك الحاشية النفيسة على هذا النظم لابن قاسم رحمه الله تعالى، ابن قاسم رحمه الله تعالى يمتاز بجودة التحشية على المتون، له حاشية على ((السفّارينية)) جيدة، وله حاشية على كتاب ((التوحيد)) من أنفس ما كتب كما ذكرناه البارحة، وله حاشية جيدة ممتازة جدًّا [في] على الرحبية نفسها، فمن لم يجد للشِّنْشَوْرِيّ فليرجع إلى حاشية ابن قاسم، كذلك سبط المارديني لا بأس به لكن حاشية بن قاسم أجودُ منه. إذاً عرفنا الآن الأصل في الدراسة سيكون على متن ((الرحبية)) وسبب الاختيار وتقديمه على ((البرهانية)) وإن كانت ((البرهانية)) أكثر مسائل من ((الرحبية)) فلا يشكل على الطالب كما ذكرنا بالأمس، ما اشتهر هو الذي يُعتمد، وما لم يشتهر حينئذٍ لو كان فيه نوع فائدة زيادةً على المشهور حينئذٍ نرجع إلى الأصل، وما دار عند العلماء من تدريسه والتحشية عليه هو الأولى بالاعتماد، ثم إذا أراد التوسعة حينئذٍ يرجع إلى المطوّلات، [فيأخذ] الشِّنْشَوْرِي له ((الفتح القريب)) شرح كتاب ((الترتيب)) متوسع جداً فقه مقارن في الفرائض.

стр. 5

كذلك الألفية في المذهب الحنبلي بل هي فقه مقارن كذلك فيرجع إليها، أما البداية يعتمد ((الرحبية)) ونكتفي بما يذكره هنا الشِّنْشَوْرِي، ولا نذكر خلافًا كما ذكرناه بالأمس لصعوبة الفن، الفن فيه نوع صعوبة، وكون المتن شافعيًّا صاحبه شافعيّ لا يقدح في التفقه على المذهب الحنبلي، لأننا معاشر الحنابلة نسير على ما خطَّه أولئك الأئمة في هذه البلاد في كونه الذي يُدرّسْ تفقهًا ليس تعصبًا تفقهًا أن نسير على المذهب الحنبلي، هذا الأولى في كل بلدٍ اشتهر فيه مذهبٌ فالأرجح لذلك الطالب أن يدرس ما اشتهر عنده في تلك البلاد، فمن اشتهر عندهم الشافعي حينئذٍ يدرس الفقه الشافعي وكل ما يتعلق بالشافعي، ومن اشتهر عندهم المذهب الحنفي كذلك، والمذهب المالكي كذلك هذا أولى للاعتماد، ولذلك الشوكاني لما كتب رسالته في أدب الطلب ونحو ذلك قال: أذكُرُ ما اشتهر في بلدنا اليمن صنعاء. وكلِّ طالب علمٍ يتجه إلى ما اشتهر عنده، وإنما تذكر تلك الكتب والمصنفات بناءً على أنها مما يُقْرَأُ ولا يلزم أنه إذا قرئ كتاب عندنا هنا أن يقرأ هناك، ولا العكس، حينئذٍ كونه شافعيًّا مع كوننا حنابلة هاه تفقهًا لا تعصبًا لا بأس بهذا # .. ١٢.١٠، نقول: نحن الحنابلة تفقهًا لا تعصبًا، كيف العمل؟ نقول: أولاً فقه المواريث في الجملة أكثر مسائله الأصول مجمعٌ عليها، والفوارق بين المذاهب الأربعة إنما هو شيء يسير، ولذلك يمكن أن يستدرك على ما ذكره الناظم هنا من كونه على المذهب الشافعي نقول: مذهب الحنابلة كذا ونكتفي بهذا، فما كان مرجحًا عند الحنابلة نبدأ به مما لم يذكره المصنف، ولذلك لم يذكر باب الرَّدْ، ولم يذكر توريث [الأرحام] ذوي الأرحام لأنه ليس عندهم توريث لذوي الأرحام، لكن نحن سنزيده، وكذلك باب الرَّد سنذكره إن شاء الله تعالى لأنه هو المرجح، إذًا كونه شافعيًّا نقول: لا يقدح فيما اتجهنا إليه من تدريس المذهب الحنبلي. نبدأ مما ذكره المصنف وهو ابتداءه بالبسملة، فقال رحمه الله تعالى: ... (بسم الله الرحمن الرحيم). وذكرنا مرارًا وتكرارًا أن الابتداء بالبسملة أكثر ما يُستدل له بأنه اقتداء بالكتاب العزيز. ثانيًا: عملاً بالسنة القولية فيما اشتهر من حديث فهو ضعيف «كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر». أي: ناقص البركة، أو أقطع، أو أجذم. وهذه الروايات كلها ضعيفة، وأجمع أهل العلم المصنفين كما نص على ذلك ابن حجر أنهم إذا أرادوا أن يستفتحوا الكتب والرسائل والمصنفات إنما تُبْدَأ بالبسملة، ومفردات البسملة قد شرحناها مرارًا وتكرارًا فنكتفي بما ذكر. أول ما نستفْتِحُ المقالا ... بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا تعالا (أول ما نستفْتِحُ المقالا) الألف هذه تسمى ألف الإطلاق، إطلاق الصوت، (بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا تعالا) تكتب بالألف لمطابقة المقالا، وإن كان الأصل أنها تعالى تكتب بياء هذا الأصل لكن هنا من أجل موافقة نهاية الشطر الأول تكتب كذلك. أوّلُ: هنا بمعنى الأسبق، يأتي أول كذا بمعنى أسبق، يعني الذي يسبق في الذكرِ هو ذكرُ الله تعالى هذا لا ينافي في كما نص بعضهم على أنه لم يفتتح بالبسملة لأنه إذا قال:

стр. 6

أول ما نستفْتِحُ المقالا ... بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا تعالا فالحمد لله) إذًا ابتدأ بماذا؟ بالحمدلة، إذًا هذا قد يشير أو قد يُفهم أنه لم يذكر البسملة نقول: لا الابتداء نوعان: - ابتداء نسبيّ إضافي. - ابتداء حقيقة. والابتداء بالبسملة ابتداء حقيقي، والابتداء بالحمدلة ابتداء نسبي إضافي يعني بالنسبة إلى ما بعده فلا تعارض. أوّلُ برفع أول على ابتداء، مرفوع على الابتداء ونحن سنجري على الطريقة المعهودة لا بد من فك العبارة، تسهيل والاختصار يكون في طرح المسائل أما حلُّ النظم هذا فرض عين لا بد منه، ما يحتاج إلى إعراب أعربناه، وما احتاج إلى لغة بينّاه وما احتاج إلى تصريف ذكرناه، وما لا يحتاج نسير معه. أوّلُ: يرفع أول على الابتداء مبتدأُه قوله: (بِذِكْرِ) خبر بذكر هذا خبر بناءً على أن الباء زائدة أو للتصوير، إذًا أول مبتدأ، أين خبره؟ (بِذِكْرِ)، والباء هذه إما أنها زائدة ولا إشكال فيها [إما أنها زائدة وإما أنها للتصوير والمعنى أولُ استفتاحنا القول ذكرُ حمدِ ربنا] أولُ استفتاحنا القول ذكر جاء الخبر هذا المراد، أولُ ذكر، استفتاحنا على أن ما هذه مصدرية، والقول هذا مفعولٌ به، ذكرُ حمدِ ربنا أو مصوّرٌ هذا الخبر، مصوّرٌ بذكر حمدِ ربنا ويصح قراءته محفوظ بالرفع أوَّلَ بالنصب والعامل حينئذٍ يكون محذوفًا ننطقُ أول استفتاحنا، فيكون ظرفًا منصوبًا على الظرفية، ويصح قراءته أول بالنصب على أنه ظرف لمحذوف يتعلق به قوله: بذكر، والتقدير ننطق (أول) استفتاحنا (بِذِكْرِ) .. إلى آخر البيت. (أول ما)، (ما) هذه اسم موصول بمعنى الذي، أول الذي نستفتح، والأولى أن تكون (ما) هنا مصدرية، أوّل استفتاح وإذا كانت مصدرية حينئذٍ تؤول مع ما بعدها بمصدرٍ هذا هو الظاهر إنها مصدرية، (أول ما نستفْتِحُ) نستفتح السين هنا والتاء زائدتان المراد نفتتح، أي نبتدأ، وإما أن يقال نستفتح، ولم يقل نبتدأ مباشرة، قالوا من باب التفاؤل، لأنه قال نستفتح فيه الفتح، إذًا سيأتيك الفتح في الفهم ففيه تفاؤل فيه نوع تفاؤل. أول ما نستفْتِحُ المقالا ... بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا ..... هل بدأ الناظم هنا بالحمد أو هو إخبار بأنه سيبدأ بالحمد؟ الثاني: إذًا هل ثناءٌ أو لا؟ هذا محتمل، يحتمل أنه ثناء، ويحتمل أنه ليس بثناء، هل الإخبار عن تقديم الحمد على غيره الإخبار مجرد الإخبار بكون رتبه التقديم هل هو ثناءٌ أم لا؟ إذا اعتبرناه ثناء حينئذٍ حصل الحمدُ بالأول البيت الأول، وإن لم نعتبره كذلك فحينئذٍ حصل الثناء بالثاني، والظاهر أن هذا إخبار من المصنف بأنه يذكر الحمدَ بعد، ثم حقق ما وعد به بقوله: (فالحمد لله). ويحتمل أن المصنف قد قصد بذلك إنشاء حمدٍ لأنه اعترافٌ بأن الحمد رتبته التقديم وهذا يتضمن الثناء، إذاً استفتح بالبيت الأول حمدًا وأكَّدَ ذلك تصريحًا لا تلويحًا بالبيت الثاني بقوله: (فالحمد لله).

стр. 7

(ما نستفتح) قلنا: استفتاحنا، (أول ما نستفتح) أول استفتاحنا، فما مصدرية لا موصول اسمي بل موصول حرفي، وقال: (نستفتح). ولم يقل استفتح هنا بالنون، لماذا؟ للدلالة على العظمة لأن النون هذه في الأصل إما للمعظِّم نفسه وإما لمن معه غيره نأكل نشرب إما لوحدك وأنت تأكل تقول: نأكل، نشرب. وإما أنك تعظِّم تأكل أكل الثلاث والأربع حينئذٍ صار فيه نوع تعظيم، نكتب ونحو ذلك فيه نوع تعظيم، وإنما أتى بالنون الدالة على العظمة لإظهار تعظيم الله له حيث أهله بالحمد تحدثًا بالنعمة على وجهٍ لأن الأصل في الحمد أنه ذكر لله والأصل في الذاكر أن يذكر ربه وحد أو معه غيره؟ الأول فلا يحتاج إلى النون، لأن النون تدل على الجمعية، هذا لأصل فيها، واعتبار التعظيم هذا فرع فهو مجاز حينئذٍ لا عدول للمجاز مع إمكان الحقيقة، لكن هنا لا يمكن القول بالحقيقة لأنه شخصٌ واحدٌ وهو الذي نظم حينئذٍ يتعين أن يكون المراد به شخصٌ واحدٌ، إذاً لماذا أتى بالنون وهي لمن معه غيره نقول: من باب التعظيم. (نستفتح) قلنا: السين والتاء زائدتان للتأكيد والمبالغة، لا للطلب كما في قوله: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩] ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ السين هنا زائدة والتاء كذلك زائدة ليس فيه طلب، أي يطلبون الفتح، أي النصر عليهم. (أول ما نستفتح) أي: نبتدئ، أي: بدءًا إضافيًّا كما ذكرناه سابقًا، فلا تنافي حينئذٍ بينه وبين الابتداء بالبسملة، وقد أنكر بعضهم أن يكون الناظم هنا بدأ بالبسملة والصواب ما ذكرناه أنه لا تنافي قوله: (أول ما نستفتح). يعني: نبتدئُ، يعني: ابتداءً إضافيًّا نسبيًّا، وأما الابتداءً بالبسملة فهو ابتداءٌ حقيقي وعرفنا فيما سبق الفرق بينهما. (أول ما نستفتح المقالا)، (المقالا) إش إعرابه؟ مفعولٌ به لنستفتح، نستفتح نحن الفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحنُ.

стр. 8

و (المقالا) هذا مصدر ميمي مقالا بألفي الإطلاق، يعني: طلاق الصوت، عتابا .. إلى آخره. أي القول، والمراد به القول لأنه مصدرٌ ميمي مقال مَفْعَلْ مَقْوَلْ هذا الأصل، أي: القول وهو اللفظُ الموضوعِ لمعنٍ خلافًا لمن أطلقه على المهمل هذا قولٌ، والصواب ما ذكرناه سابقًا أن القول خاص بالموضوع، وأما اللفظ فيعم الموضوع والمهمل، ويطلق على الرأي والاعتقاد مجازًا، والقولُ والمقالُ والمقالةُ مصادرُ لقالَ يقولُ، وأصلُ قَالَ قَوَلَ تحركت الواو وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفٌ، ويقالُ لما فشى من القول قالةً وقالاً وقيلاً، ويقال: أقْوَلتَنِي ما لم أقُلْ، وقوّلتني نسبته إليَّ، ورجلٌ مِقْوَلٌ ومقوالٌ وقوّالٌ كثيرُ القولِ ثرثار يعني، (أول ما نستفتحُ المقالا ** بذكرِ) عرفنا بذكر أنه خبر بناءً على أنّ الباء زائدة أو للتصوير حينئذٍ التقدير أول استفتاحنا القولَ ذِكْرُ أسقِطَ الباء، وإذا جعلناها للتصوير يكون الخبر هكذا أول استفتاحنا القولَ مصورٌ بذكر تأتي بكلمة مصوّر، مصوّر هي الخبر وليست بذكرِ إذا جعلنا الباء هنا للتصوير، بذكرِ هذا مضاف وحمدِ مضاف إليه، وحمدِ مضاف وربِّنا مضاف إليه، إذاً ثلاث كلمات متوالية بالإضافة وليس هذا بقادحٍ كما هو مرجَّح عند البيانيين، تتابُعِ الإضافة ليس بقادحٍ في بلاغةِ الكلام، وقد تأتي أربع أو خمس أو أكثر وهي كلُّها مضافة بعضها مضاف إلى بعض، وبعضهم جعل الأفصح أنه ثمَّ مضاف ومضاف إليه فحسب، وأما المضاف إليه فلا يضاف إلى ما يعده والصوابُ ما ذكرناه. (بذكر حمدِ ربنا)، (ربِّنا) ربُّ من أسمائه تعالى ولا يُقالُ لغيرِه إلا مضافاً، ربُّ الدارِ أليس كذلك؟ نقول: هذا مضاف يجوز أن يُطلق على المخلوق؟ نعم أما الربُّ فهو اسمٌ من أسمائه جلّ وعلا. (ربُّنا) المرادِ به المالك والسيِّد والمصلح والْمُرَبِّي، وإذا أطلق دخل فيه معنى الألوهية حينئذٍ يُفسرُ الرب بماذا؟ بالمعبود، توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ يعني معبودُنا الله، إذاً يفسر الربُّ ليس بالمالك لأن ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] هل هذا يكفي؟ استقامة على ماذا؟ على أنه لا خالق إلا الله ولا مالك إلا الله ولا رازق إلا الله؟ ليس هذا المراد، وإنما لا يستغاث إلا بالله، ولا يتوجه بسائر العبادات إلا لله ، هذا هو المراد حينئذٍ دخل في معنى الرب معنى المعبود ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ يعني معبودنا الله. إذًا (بذكر حمدِ ربِّنا)، (حمد ربِّنا) أي مالِكِنا ومعبودِنا. (تعالا) بمعنى تعاظم وارتفع، يرسمُ بالألِفِ لمناسبة قوله المقال خطًّا هكذا ذكره غيرُ واحد، يعني: تكتبها في البيت هنا خلاف ما كتبه هنا المحقق تكتب كالمقالا ألف منصوبة واقفة يعني، ولا تكتب على صورة الياء، وإن كان أصلحها الياء، ما كان أصله يكتب بصورة الياء تعاليت، إذاًَ أصله ألف هذه أصلها منقلبه عن ياء، أليس كذلك تعالى تعاليت، إذًا قُلبت الألف ياءً رجوعًا إلى الأصل، لكن لمناسبة المقالا تكتبُ بالألف.

стр. 9

(أول ما نستفتح المقالا ** بذِكرِ) ذِكرِ بكسر الذال لغةً كُلِّ مذكورٍ. وشرعاً: قولٌ سيق للثناءِ أو الدعاء، وقد يُسْتَعْمل شرعًا لكل قول يثاب قائله عليه. إذًا ذكر في البيت الأول أنه سيقدمُ ذكرَ حمدِ ربنا تعالى، يعني: سيحمد الله تعالى، وهل في البيت الأول حمدٌ أو لا؟ نقول: نعم فيه حمدِ لكنه من جهة تضمين أو التلويح لا التصريح، لماذا؟ لأنه أخبر أن رتبة الحمد مقدمةٌ على كلِّ شيء وهذا ثناء، إذا قلت بأن الله مقدمٌ حمده على حمدِ من سواه أنت أثنيت على الله بأن جعلت حمده وثناؤه مقدمٌ على كل شيء، هذه شهادة وإخبار إذًا هو في نفسه ثناء، إذًا فيه ثناءُ حينئذٍ حَمِدَ أولاً ضمنًا، ثم نطق بما وعد به وصرح فقال: فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا ... حَمْدًا بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى الفاء هذه تُسمى فاء الفصيحة فعيِلهَ من أفصح إذا أبان وأظهر، وهي الواقعة في جواب شرط مقدر، والتقدير حينئذٍ إذا أردت بيان الحمد الموعود بالاستفتاح به في البيت السابق (فالحمدُ للهِ) إذا أردت بيان الحمدِ الموعودِ به في البيت السابق، (فالحمدُ للهِ) إذا وفَّى بما وعَدَ به سابقًا (فالحمدُ)، الحمدُ أي الثناء على المحمودِ سبحانه مع حبه وتعظيمه، يذكرنه له تعريفات في اللغة وفي الاصطلاح وأكثرها فيه مطعن، لكن أحسن ما يقال الحمدُ هو الثناء على المحمودِ سبحانه مع حبه وتعظيمه وإجلاله، ابن القيم وابن تيمية رحمهم الله تعالى يقول: هو ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله. حينئذٍ يشمل ماذا؟ يشمل الثناء في مقابل الصفات الذاتية، والثناء في مقابل الصفات الفعلية، لأن الحمد يكون في مقابل النعمة وغيرها، فيحمدُ الله على اتصافه بصفةِ الكبرياء والعظمة هذه ليست صفة متعدية، ويحمدُ الربُّ جلّ وعلا على رحمته بالخلق وهذه صفةٌ متعدية، رحيمٌ بالمؤمنين رحيم حينئذٍ هذه الصفة متعدية على إحسانه على خَلْقِهِ ورَزْقِهِ، وهذه كلها صفات متعدية أفعال له جل وعلا، فيحمد على هذا ولا إشكال، ليس محل خلاف وإنما محل الخلاف هو النقد في الحدَّ المشهور أن الثناء يكون بسبب النعمة من حيثُ كونُهُ منعمًا على الحامد، هكذا قال هذا، وفيه نظر لأن الحمدَ أعم فيُحمَدُ من حيثُ كونُهُ منعمًا ومن حيثُ متصفًا بصفاتِ الجلال والكمال فهو أعم، فإذا قلت: ذكر محاسن المحمود. محاسن هذا يشمل النوعين، إذًا هذا التعريف أجود ذكر محاسن المحمود، أو الثناء على المحمود سبحانه مع حبه وتعظيمه وإجلاله، لأنك قد تذكر ثناء وأنت تكرهُهُ هذا في شأن المخلوق، هل كل من أثنيت عليه وبينت له محاسنَهُ تُكنُّ له المحبة؟ لا، وإلا أين المداهنة وأين النفاق، قد تُثني على شخص وأنت تكرهُهُ ولا تحبه،، أما الحمدُ في حقِّ الخالق فلا يكون حمدًا إلى مع المحبة والتعظيم والإجلال، لأنه عبادة والثناء محلُّهُ يكون في مقابلة نعمةٍ وغيرها فهو أعم من الشكر سببًا، الشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة، شكرتُ الله على إنعامه هذا خاص ولا إشكال فيه، وأما حمدتُ ربي هذا يكون على النوعين.

стр. 10

إذًا سببُ الحمدِ أعم من سبب الشكرِ، وهذه تأتيك آيات ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ يعني لا بد أن تعرف ما معنى الشكر تقرأ الفاتحة سبعة عشر مرّة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ويش الحمد هذا؟ إذا ما تعرف مشكلة، أليس كذلك؟ فالحمدُ يكونُ في مقابلة نعمة وغيرها، فهو أعمّ من الشكر سببًا لأنه يُحمد على كل شيء جل وعلا، على كل شيء يحمد، يُثْنَى عليه لأن الثناء يكون باللسان، حينئذٍ يُثْنَى على الرب جلّ وعلا لذاته وصفاته وأحكامه الشرعية والقدرية، لذاته وهذه التي قلنا: محل نزاع مع أصحاب التصنيف، لذاته وصفاته يشمل النوعين متعدية والقاصرة، وأحكامه الشرعية والقدرية، والحمدُ أخص متعلقًا من الشكر، لأن الشكر لا يكون إلا في مقابلة نعمة فهو أخص، والشكر أعمُّ مُتَعَلِّقًا، أي: موردًا لأنه يكون باللسان واليد والقلب. أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا أليس كذلك؟ يدي ولساني والضمير المحجبا، إذًا محل الشكر الأركان كلها القلب واللسان والجوارح، ومحل الحمد بماذا يكون، مورده بأي شيء؟ يكون باللسان فقط. وهذا على القول قول جمهور أهل العلم أن ثَمَّ فرقًا بين الحمد والشكر، وبعضهم يرى أنهما مترادفان وهذا ضعيف، وأظنه اختاره ابن جرير الطبري لكنه ضعيف، والأصح أنه فرق بينهما. (فالحمدُ للهِ) أل هذه للاستغراق وعليه الجمهور جمهور أهل العلم، أو للجنس وعليه الزمخشري، أو للعهد وعليه ابن النحاس والأشهر الأول أنها للاستغراق، وأما قول الزمخشري أنها للجنس وقول ابن النحاس أنها للعهد هذا فيه كلام. (فالحمدُ للهِ) اللام هذه للاختصاص، إذًا الحمد يكون لله وهو الثناء أو الوصف بالجميل - كما قال المصنف هنا أو الشارح - ثابتٌ لله، وكلٌّ من صفاته تعالى جميل وهو وصفٌ لله تعالى بجميع صفاته، (على ما أَنْعَمَا)، (على) هذه تعليلية، الحمد لله لماذا؟ لإنعامه ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١)، أليس كذلك؟ يعني: لهدايته إياكم، حينئذٍ تكون على للتعليل بمنزلة اللام، على تعليلية، وما مصدرية، يعني مثل أن مصدرية، وهي محل خلاف هل هي حرف أم اسم؟ والصواب أنها حرف، وما مصدرية فهو موصولٌ حرفي لا موصولٌ اسمي، ما هنا بعضهم قال أنها موصولٌ اسمي، وقدر حينئذٍ العائد، لأنه لا بد عائد (ما أنعم به) وهذا فيه إشكال سيأتي، والأصح أن ما هنا تكون مصدرية فحسب، ولا يجوز أن تكون اسمية لأنك إذا جعلتها اسمية لا بد من عائد، أين العائد؟ لا بد من ضمير (على ما أَنْعَمَا) أنعما به يعود على ما، إذاَ حُذِفَ العائد، ما هو شرط حذفِ العائد؟ إذا دخل عليه حرفُ جرّ وكان هو عينَ الحرف الذي دخل على الاسم الموصول، وهنا على ما، على الذي دخلت على ما ثم قال: (بِهِ). حذف الضمير، لا يجوز حذف الضمير مع اختلاف الحرف بل لو اتحدا لفظًا واختلفا معنىً لا يجوز. كذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرّ ... كمُرَّ بالذي مررتُ فهو برْ

стр. 11

حينئذٍ لا يصح أن يكون ما موصولية اسمية، قال به بعض المعاصرين ولم ينتبه لهذا والصواب ما ذكرناه، وما مصدرية فهو موصولٌ حرفي لا موصولٌ اسمي وإلا لاحتاج لعائدٍ محذوف مجرور بغير ما جُرّ به الموصول، والتقدير على ما أنعما به، وهذا ما يصح، فالموصول مجرورٌ بعلى، على ما، جُرّ بعلى، والعائد مجرور بالباء ولا يجوز حذفه حينئذٍ إلا شذوذًا، هذا شاذ وهذا مانعٌ لفظي، هذا يعتبرُ مانعٌ لفظي من جعل ما هنا موصولاً اسميًّا، وهناك مانعٌ معنوي أيضًا لكن هذا يمكن أن يُنَازَعْ فيه لكن الأول أشهر، وهناك مانعٌ معنوي من جعل ما هنا موصولاً اسميًّا وهو أنه لو كانت ما موصولاً اسميًّا كان المحمودْ عليه الْمُنعَمَ به، (على ما أَنْعَمَا) على الذي أنعم به، الذي أنعم، الذي اسم موصول وأنعم به صلة الموصول والموصول مع صلته في قوة المشتق، يعني على الْمُنْعَم به، والْمُنْعَم به أثرُ الإنعام، والإنعام وصفٌ لله ، والْمُنْعَم به أثرُهُ وأيهما أقوى؟ أن نُثني على صفةٍ بواسطةٍ أو بدون واسطة؟ بدون واسطة، فإذا قلت الحمد لله على إنعامه على الصفة التي أتصف بها، وهي صفةٌ قائمة به، أليس كذلك؟ أو الحمد لله على الْمُنْعَم به يعني على النعم المخلوقات، فحينئذٍ تستلزم ماذا؟ تستلزم مُنْعِمًا، إذًا أنعَمَ ومُنْعِمْ الثاني يستلزم الأول، وإذا نظرت إلى الأول وأثنيت عليه حينئذٍ أثنيت عليه مباشرةً، وهذا صار مقدمًا. إذًا مانع معنوي وهو أنك لو جعلت ما اسمًا موصولاً حينئذٍ تعلق الثناء بالمخلوق، وهو النعم وهذه نقول هي أثرُ الإنعام والحمدُ في الأصل نقول: الثناء على الربِّ جلّ وعلا ويكون بذكر صفاته هو جلّ وعلا، الصفات القائمة به حينئذٍ تثني على تلك الصفات، وأما على الآثار فليس الأمر كذلك، وإن كان يستلزم الثناء على الآثار الثناء على أصل الصفة، هذا لا إشكال فيه، وأيهما أبلغ؟ الأول، وهذا مانع لكنه مانع ترجيح يعني لا يمنع، لو قيل به ما في بأس. لكن الأول المانع اللفظي هذا واضحٌ بيِّن. وهناك مانعٌ معنويٌ أيضًا وهو أنه لو كانت ما موصولاً اسميًّا كان المحمود عليه الْمُنْعَمَ به الذي هو أثرُ الإنعام مع أنَّ الحمد على الإنعام أبلغ وأولى من الحمدِ على الأثر، لأن الأول يعني الحمد على الإنعام حمدٌ على فعل الله من غير واسطة مباشرة صفة الله وهي قائمةٌ به، والثاني الْمُنْعَم به حمدٌ عليه بواسطة هذا الأثر، ولاشك أن الحمد مباشرةً بدون واسط أبلغ وأولى وأرجح مما كان بواسطة لكنه ليس بمانع من أصله لا بأس باعتباره، لكنّ الأول هو المرجح.

стр. 12

(فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا) والألف هذه للإطلاق، بعضهم قال: ... (فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا) على إنعامه أو نِعَمِهِ، هذا اختار أيّ القولين؟ رجح القولين يجوز هذا ويجوز هذا، لكن خفي عليه به أنه لا يجوز حذفه إلا مع اتحاد اللفظ، الحرف الذي دخل على الموصول، وهو على هنا، لو قال عليه حينئذٍ لا بأس به مع شرط أن يكون المعنى متّحد، أما إذا كان المعنى مختلف فلا، على إنعامه أو نعمه هكذا قال بعضهم وقلنا: فيه نظر. والحمد على الأول قال أمكن لأنه وصفٌ قائمٌ به تعالى، والثاني أثرٌ ناشئٌ عن الأول، فالحمدُ على الأول بلا واسطة، وعلى الثاني بواسطة. (على ما أَنْعَمَا)، (أَنْعَمَا) الألف قلنا للإطلاق النِّعمة بكسر النون وسكونِ العين الإحسان، نِعْمَة يقال نُعْمة ونَعْمة، نِعمة: الإحسان ونُعمة بالضم: الْمَسَرّة، ونَعْمَة بالفتح: الْمُتْعَةُ من العيش اللّيِّن، نِعْمَة نَعْمة نُعْمة فرقٌ بينهم، نِعمة بالكسر بكسر النون وسكون العين بمعنى الإحسان، والنُّعمة بالضم المسرّة، والنَّعمَة بالفتح [بفتحِ النون وسكون العين] المراد به العيش أو المتعةُ من العيش اللين: فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا ... حَمْدًا بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى

стр. 13

حمدًا منصوبٌ على أي شيء؟ منصوبٌ على أنه مفعولٌ مطلق، والعاملُ فيه ما هو؟ الحمدُ لله حمداً [ها] فيه إشكال أو لا؟ هذا مرّ معنا (الحمدُ لله حمدًا لا ينفد) ما هو الإشكال؟ مصدر يعمل في مصدر لا بأس به، عجبتُ من ضربك زيدًا ضربًا شديدًا، بمثله؟ مثله، الشاهد [ها] من شروط إعمال المصدر لا يكون محلًّى بأل، قلنا: له شروط ثمانية منها ألا يكون محلًّى بأل، يعني ألا تدخل عليه أل وهنا حمد مصدر هذا دخلت عليه أل فالأصل أنه لا ينصب، لأنه إنما نصب المصدر لشبهه بالفعل، وهذا ذكرناه فيه خلاف، والمشهور هذا أنه إنما ينصب لكونه أشبه الفعل، ومعلومٌ أنه ما أشبه الشيء لا يُعطى حكمه وهو الإعمال إلا إذا ابتعد عن وصف الاسمية، وهنا المصدر لما أشبه الفعل عمل متى؟ إذا جرِّد عن أل، وأما إذا دخلت عليه أل حينئذٍ [ها] بَعُدَ شبهُهُ عن الفعل فالأصل فيه أنه لا يعمل، وعلى القول بأنه يجوز ولا يشترط لا إشكال، ولكن الأصح، نقدر له محذوفًا، إذًا حمدًا منصوبٌ والعامل فيه لفظ الحمد السابق، إن قلنا إن أل لا تمنع من إعمال المصدر، أو العامل فيه محذوف، والتقدير أحمدُ حمدًا وهذا ظاهرٌ على أنه مبيِّنٌ للنوع، إذا عرفنا أنه مصدر منصوبًا على المصدرية معلومٌ أن المنصوب على المصدرية ثلاثة أنواع: توكيد أو نوعًا أو عددًا، وهنا توكيد مؤكِّد مبيِّن للنوع، [ها ها] يجوز فيه الوجهان، لكن إذا جعلناهُ منصوب بفعلٍ محذوف على كونه مبيِّنًا للنوع لا إشكال، لأن المبين للنوع يجوز حذفُ عامله لا إشكال فيه، أليس كذلك؟ وأما إذا كان توكيدًا مؤكِّدًا هذا ابن مالك يمنع ذلك، لا يجيز أن يحذف عامل المصدر إذا كان مؤكِّدًا، أليس كذلك؟ [ها] أو العامل فيه محذوف والتقدير أحمدُ حمدًا وهذا ظاهرٌ على أنه مبيِّنٌ للنوع، وعلى الأول أنه مؤكِّد إن قلنا بجواز حذف عامل المؤكِّد [ها] خلافًا لابن مالك جاز وإلا فلا، إذا كان على قولنا بأنه لا يصح إعمال أل ولا بد من تقدير عامل فحينئذٍ يتعين أن نجعل الجملة هنا (بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى) صفة فلا بد من ملاحظة الصفة مع الموصوف ليكون مبيّنًا للنوع فلا يجوز أن يكون مؤكِّدًا لأن العامل هنا محذوف، وإذا كَان كان محذوفًا لا يمكن أن يكون مؤكدًا على رأي ابن مالك السابق الذي ذكرناه، وهو مؤكِّد متى؟ إن لوحظ مجرّدَ الموصوف وقُطِعَ النّظرُ عن الصفة وهي الجملةُ التي بعدهُ، يعني: حمدًا ولم تلتفت إلى ما بعده، حينئذٍ صار مؤكِّدًا إن نظرت إلى الصفةِ مع الموصوف حينئذٍ صار ماذا؟ صار مبيّنًا للنوع، فإن لوحظ الموصوف والصفة كان نوعيًّا أيضًا مع كونه مؤكِّدًا ولا إشكال في ذلك.

стр. 14

(حَمْدًا بِهِ) الضمير هنا يعود على الحمدِ، (يَجْلُو) هذا مبني للفاعل، جلا يجلو بمعنى يُذهِبْ، والفاعلُ هنا ضمير مستتر يعود على [ها، تحركوا] من الذي يذهب عن القلب العمى؟ الله، فالحمد لله حمدًا به يجلو الله، يعني: يُذهِبُ اللهُ بِهِ بذلك الحمد عنِ القلب عماهُ، حينئذٍ يجلو الضمير هنا يعود إلى من؟ إلى الله ، ويجلو بمعنى يُذهِبُ و (عَنِ القَلْبِ) جار ومجرور متعلّق بقوله: (يَجْلُو). و (العَمَى) مفعولٌ به ليجلو، يجلو العمى يذهبُ العمى عن القلبِ، فإذا جُعِلَتْ أل هنا نائبةً عن الضمير المحذوف حينئذٍ يُقدَّر عماه. (بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى) عرفنا أن الباء هنا جار ومجرور متعلق بقوله: (يَجْلُو)، والباء هنا سببية، يعني: بسببه بسبب الحمد بسبب ذلك يجلو الله العمى عن القلب، فالضمير في به يعود على الحمد، والضمير في يجلو يعودُ على الله جل في علاه، والمراد بالقلب هنا اللطيفةُ الربانية لأنها هي التي تنجلي بالمعارف، والمراد بالعمى هنا الجهل، يجلو العمى يعني يذهبُ الجهل ومحل العلم هو القلبُ، أي حمدًا يذهبُ الله به عن القلب عماهُ، والقلب معلوم والعمى مقصور يعني ليس ممدودًا يكتبُ بالياء، والمرادُ بالعمى فقدُ البصرِ هذا واضح عدم البصر، وإطلاقه على عمى البصيرة وهو الجهل إطلاق مجازي، يعني إطلاق العمى الأصل فيه العمى فقد البصر هذا الأصلُ فيه، والعلمُ للقلبِ كالبصرِ للعين هكذا قال ابن القيم، ولذلك سمي بصيرًا من البصر فعيلاً مؤخوذٌ من البصر، لماذا؟ ﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، يعني: على علمٍ، قال بن القيم: البصيرةُ للقلب كالبصرِ للعين، فكما أن الإنسان يُبصر الطريق بعينه - الطريق الحسيّ - فكذلك يبصر بقلبه [ها] يعني بالعلم الطريق إلى الآخرة، والفرقان بين الحق والباطل يكون بالقلب، هذا هو الأصل. إذًا إطلاق العمى على الجهل مجازًا، وهو ما يسمى بالاستعارة التصريحية تقريرها أنه شبه الجهل بمعنى العمى يعني فقد البصر بجامع التحيُّرِ وعدمِ الاهتداء بالمقصودِ بسببِ كلٍّ منهما، وأستُعِيرَ لفظ المشبه به وهو العمى للمشبه على طريق الاستعارة المصرَّحة ... (حَمْدًا بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى) سمي الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيرًا يُشبه الأعمى، وأما عمى البصرِ فليس بضارٍّ في الدين. قال الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. نَصّ على أن القلب في الصدر، وهذا واضح ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ قال قتادة: البصرُ الظاهر بُلغَةٌ ومنفعة، وبصرُ القلبِ هو البصرُ النافع. هذا واضح وهذا لا يكونُ إلا بعلم الشريعة الكتاب والسنة. إذاَ حَمِدَ أولاً وذكر حقّ الربِّ جل وعلا، ثم انتقل إلى حقِّ المخلوق. وأفضلُ الخلقِ على الإطلاق ... نَبِيُّنا فمل عن الشقاقِ إذًا لما حَمِدَ اللهَ تعالى شرع في ذكر الصلاةِ والسلامِ على النبي محمد ﷺ ، فقال: ثمَّ الصّلاةُ بعدُ والسلامُ ... على نبيٍّ دينُهُ الإسلاَمُ

стр. 15

(ثمَّ) هذه تفيد الترتيب الذكري، يعني: بعد ذكرِ ما يستحقه الربُّ جلّ وعلا وهو الخالق من الثناء المطلق والحمد المطلق، حينئذٍ ننتقلُ إلى المخلوق وأفضلُ المخلوقات على الإطلاق هو محمدٌ ﷺ ، وهو الواسطة بين الربِّ جل وعلا والعباد، بمعنى أنه هو الموصل الشرع إلى العباد، الأنبياء والرسل لا بأس أن يقال بأنهم واسطة بين الخالق والمخلوق لا إشكال فيه وهذا من حيث ماذا؟ من حيثُ كون النبي أو الرسول مبلغًا عن الرب جلّ وعلا، أما كونه واسطة يصرف له شيءٌ من العبادات هذا باطل.

стр. 16

(ثمَّ) للترتيب الذكري والاختياري الصلاةُ بعدُ يعني بعد الحمدِ، الصلاةُ بعدُ، بعدُ هذا مبني على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه، و (الصّلاةُ) الصلاة اسم مصدر صلَّى وليست مصدرًا، اسم مصدر وليست مصدرًا لأن صَلّى تصليةً هذا المصدر، وأما الصلاة هذه ليست بمصدر، كذلك السلام سلّمَ تسليمًا، وأما السلام فهذا ليس بمصدر، إذًا كلٌّ من الصلاةِ والسلام اسما مصدرٍ وليسا بمصدرين، هذا واضحٌ بيِّن. والصلاةُ في اللغة: الدعاء ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادعُ لهم، والصلاة المطلوبةُ من اللهِ قيل هي الرحمة، وقيل الرحمةُ المقرونة بالتعظيم، وقيل: المغفرة، وقيل: الكرامة، وقيل: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى. هذا رواهُ البخاري معلقًا عن أبي العالية، ورجحه ابن القيم رحمه الله تعالى وخطّأ ما اشتهر عند أرباب التصنيف، وهو ما قاله الأزهري: الصلاة من الله رحمتُهُ، ومن الآدميين الدعاء الثناء، ومن الملائكة الاستغفار. وهذا لا بأس به يجمع بين هذا وذاك. (والسلامُ) السلام قلنا عرفنا أنه اسم مصدر قيل: المراد به التحية السلام، السلامُ عليكم. وقيل: المراد به السلامةُ من النقائِص والعيوب، وقيل اسمُ الله السلام ولا بأس بها كُلِّها. (ثمّ الصّلاةُ بعدُ)، يعني: بعد حمدِ الربِّ جلَّ وعلا، وبعد ما تقدم من البسملةِ والحمدِ (والسلامُ ** على نبيٍّ)، (على نبيٍّ) جار ومجرور متعلق بمحذوفٍ خبر، ولا يصح أن يكون من باب التنازع لأن السلام والصلاة اسما مصدر، والتنازع لا يكون إلا في فعلين. إذًا السلام والصلاة هنا الصلاة مبتدأ والسلام معطوفٌ عليه، وبعدُ هذا في محل نصب بالمحذوف، و (على نبيٍّ) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، تقديره كائنان على نبيٍّ. ثم الصلاة بعدُ والسلامِ كائنان على نبيٍّ فهو متعلق بمحذوف خبر عنهما، وليس من باب التنازع لأنه لا يجري في المصادر ولا في أسماء المصادر، (على نبيٍّ) لم يقل على رسولٍ مع كونِ الرسول أخص وأشرف لِمَ؟ قالوا: امتثالاً وإتباعًا للآية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ما قال على الرسول، إذًا نقول كما قال الله تعالى، ويكون الاختيار موافقًا وتأسيًّا بلفظ الكتاب، وإنما قال على نبي زلم يقل على رسول إتباعًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، والنبي إنسان أُوحيَ إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه على المشهور، فإن أُمر بذلك فرسولٌ أيضًا، فالنبي أعمّ من الرسول، فكلُّ رسول نبي ولا عكس هذا المشهور عند الجمهور، وسبق بعض التنكيت عليه، وقيل هما بمعنى واحد وهو معنى الرسول.

стр. 17

(على نبيٍّ) نبي نبيئُ نبي، إما بالهمز وإما بترك الهمز، بالهمز مأخوذ من النبأ وهو الخبر، حينئذٍ نبي يكون فعيل، وفعيل يأتي بمعنى فاعل ويأتي بمعنى مُفعِلْ وكلاهما مرادانِ هنا لأن النبي ﷺ مُخبِر ومُخبَر، مُخبِرٌ عنِ الله ومُخبَرٌ عن الله بواسطة جبرائيل ﵇، وبلا همزٍ هو الأكثر في النطق لا في التأصيل حينئذٍ يكون مأخوذٌ من النَّبوَةِ وهي الرفعة لأن النبي مرفوع الرتبة على الخلق، فهو مشتق من نبى ينبو إذا علا وارتفع، فياؤه بدلٌ من الواو، نبي الياء الأولى بدلٌ من الواو، ونبي كذلك لا بأس أن يكون ولو بدون همز أن يكون من النبأ، يعني نبيٌّ يحتمل القولين أن يكون من المهموز ومن غير المهموز، من غير المهموز وهو واضح من النَّبْوَة، وأما من المهموز نقول هذا في لغة العرب أنه يجوز إسقاطُ الهمز تخفيفًا، فلا بأس أن يقال نبي ويكون مأخوذًا من النبأ، لا تعارض ولذلك كونه الأكثر لا يلزم منه أن يكون من النبوة لا بل هو محتملٌ للوجهين. (على نبيٍّ دينُهُ الإسلامُ) إيش إعراب ... (دينُهُ الإسلامُ) [ها صفة؟ عجلِّ] (دينُهُ الإسلامُ) الإسلام مبتدأ، ودينه خبر، الإسلا مدينه لكن هذا ما يصح لأن دينُهُ هذا معرفة أم نكرة؟ معرفة لا تتردد، والإسلام؟ معرفة، إذًا كل منهما معرفة، وأيهما أعرف؟ المضاف إلى الضمير أو المحلَّى بأل؟ نحن لا نتعامل مع معنى هنا، النحاةُ ينظرون إلى اللفظ أيهما أعرف؟ [لا إله إلا الله] المضاف إلى الضمير أو المحلّى بأل؟ المضاف إلى الضمير، أيهما أولى بجعله مبتدأ بل قد يتعين، المضاف إلى الضمير لأنه أعرف، إذًا دينه مبتدأ، الإسلام خبر، فالجملة مؤلفة هنا من مبتدأ وخبر، وأما الإسلامُ دينُهُ فهذا يصح عند بعضهم، لكن الصواب لا، لأن المبتدأ الأصلُ فيه أن يكون معرفةً، والخبر أن يكون نكرةً، إذا كانا معرفتين فالأعرف هو الذي يكون مبتدأ والخبر لو كان معرفةً إن كان الأصل فيه أن يكون نكرة إلا أنه لَمَّا كان أدنى مرتبة من المبتدأ في التعريف جُعِلَ خبرًا. إذًا (دينُهُ الإسلاَمُ) هو مواريث ولا إعراب؟ [ها ها] دينُهُ الإسلام إذًا الجملة مبتدأ وخبر، صفة لنبي (على نبيٍّ) نبي هذا نكرة، والجملُ بعد النكرات صفات، ثم الصفة قد تكون مخصِّصَة وقد لا تكون مخصِّصَةْ.

стр. 18

(دينُهُ الإسلامُ) قلنا: نبي هذا نكرة، والجملة بعده مبتدأ وخبر فهي في محلِّ جر صفة، ثم الصفة قد تكون مخصصة للاحتراز، وقد لا تكون كذلك، هنا الإسلام يحتمل أنه الإسلام الخاص الذي جاء به النبي ﷺ ، ويحتمل أنه الإسلام العام، على القولين متى تكون مخصِّصة ومتى لا تكون مخصصة؟ فَهِمْتُمْ دينه الإسلام، لأنه قال على نبيّ نحن ما ندري هل هو محمد ﷺ أو غيره، لا تحدد قول نبي أن المراد به محمد ﷺ قد يكون غيره حينئذٍ ... (دينهُ الإسلامُ) الإسلام هل المرادُ به الإسلام الخاص أو العام؟ إن كان المرادُ به الإسلام الخاص حينئذٍ دينهُ الإسلام تعين أن يكون به النبي ﷺ وهو محمد، فيكون قوله: (محمّدٍ) في البيت الذي يليه بدل من قوله نبيٍّ يكون لبيان الواقع، يعني لم يحصل به الاحتراز، فإن قيل: دينُهُ الإسلامُ. الإسلامَ العام هل حصل بالصفة تخصيص؟ لا، إذًا محمدٍ حصل به التخصيص، واضحة؟ (دينُهُ الإسلامُ) هذه صفة وهي جملة في محل جرّ يحتمل أنها هي صفة مطلقة لا إشكال، لكن هل هي للاحتراز أم لا؟ هذا ينبني على تفسير معنى الإسلام، فإن كان المراد بالإسلام الإسلام الخاص، وهو الذي جاء به محمد ﷺ ، حينئذٍ نبيٍّ دينُهُ الإسلام الخاص وليس عندنا إلا محمد ﷺ . فقوله: (محمدٍ). بعد ذلك لبيان الواقع فحصل التخصيص. إذًا خرج بقوله: (دينُهُ الإسلامُ). الإسلام الخاص خرج به كل من عدا محمدٍ ﷺ ، وإذا قيل: (دينُهُ الإسلامُ) الإسلام العام (نبيٍّ دينُهُ الإسلامُ) كل نبي جاء بالإسلام، أليس كذلك؟ كل نبي جاء بالإسلام وهو القدر المشترك التوحيد حينئذٍ محمدٍ حصل به التخصيص فاحترز به عن غيره. (دينُهُ الإسلامُ) دين لغةً: ما يُدانُ به وينقادُ إليه، وشرعًا: ما شرعُهُ اللهُ من الأحكام والإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءةُ من الشركِ وأهله. هذا الإسلام، إذا أُطْلِقَ الإسلام دخل فيه الإيمان، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، واضحٌ هذا؟ إذًا (دينُهُ الإسلامُ) نقولُ: هذه صفةٌ مخصِّصَة. [نعم] هنا قال (دينُهُ الإسلام) مبتدأٌ وخبرٌ صفةٌ لنبيّ مخصِّصة إن قلنا: بأن الإسلام لا يطلق إلى على دين نبينا ﷺ ، فقول الناظم بعد: (محمدٍ) بالجرِّ بيان للواقع.

стр. 19

وإن قلنا بأن الإسلام عام فليست الجملة صفة مخصصة، هي صفة لكنها ليست مخصصة، فقول الناظم بعد: (محمدٍ) مخصصٌ للنبي المذكور، ومعنى الجملة دينُهُ الإسلامُ أحكامه التي يتديَّنُ بها هي الأحكامُ المُعبَّرُ عنها بالإسلام، دين الأحكام التي يُتدين بها، وهي المعبر عنها بالإسلام، لأن الدين هو الأحكام والإسلام هو الأحكام، فكيف يكون دينُهُ الإسلام، حينئذٍ لا بد من صحة الإخبار أن يكون الثاني وهو الإسلام قد صح حمله على الأول، على التأويل الذي نذكره الآن، أحكامُهُ التي يُتديَّنُ بها هي الأحكام المعبر عنها بالإسلام، أو المعنى يكون طريقته التي أتى بها هي الانقيادُ والخضوع لإلوهيته تعالى، فالدين حينئذٍ على معنيين: إما بمعنى الأحكام المُتدَيَّنِ بها، والإسلام بمعنى الأحكام المنقاد لها، فرقُ بين الأحكام، أحكام يتدين بها يُعمَلُ بها وأحكامٌ ينقاد لها، فرقُ بين النوعين لأن الدين هو ما شرعه الله، والإسلام هو الأحكام، فهل يخبر الشيء عن نفسه؟ الجواب: لا، وإما بمعنى الطريقة هذا واضح دينه، يعني: طريقته التي أتى بها النبي ﷺ الإسلامُ، فصح الحملُ، وإما بمعنى الطريقة والإسلام بمعنى الانقياد والخضوع، وعلى هذه الحلين فالإخبارُ ظاهر يعني بين المبتدأ والخبر، وأما تفسير الدين بما شرعه الله كما ذهب إليه الشِّنْشَوْرِيّ هنا وغيره كثير، وأما على تفسير الدين بما شرعه الله من الأحكام والإسلام بالانقياد والخضوع فالحملُ غير ظاهر إلا بتقدير، لا بد من تقدير مضاف أضيف إليه الخبر، وهو أي التقدير دينُهُ متعلَّقُ الإسلام، فيظهر الإخبار بتقدير هذا المضاف لأن الإسلام بمعنى الانقياد والخضوع متعلِّق والأحكام متعلَّق، الدين الذي هو الخضوع متعلِّق، والأحكام متعلَّق وفرقٌ بين المتعلِّق والمتعلَّق. إذًا (على نبيٍّ دينُهُ الإسلام محمدٍ) بالجرّ وش إعرابه؟ يدل كل من كل قوله: نبيٍّ، ولذلك جُرّ، هل يجوز وجهٌ آخر؟ ما هو؟ أن يكون خبر المبتدأ محذوف محمدٌ بالرفع أي هو محمد هل يجوز وجهُ ثالث؟ هل يجوز النصب؟ مفعول به لفعله محذوف أعني محمدًا، وهذا لا يصح إلى على لغة ربيعة، لأنه على تقدير الوقف محمدًا ولغة ربيعة لا يكتبون الألف. وقِفْ على المنصوبِ منه بالألف ... كَمِثْلِ ما تكتُبُهُ لا يختلف

стр. 20

ضربتُ زيدًا تقف عليها بالألف لو وقفت على محمد هنا ليس به ألف، إذًا لا يجري على لغة جمهور العرب أن يكون محمد هنا منصوب، ولذلك الوجهان الأولان سائغات الجر والرفع، وأما النصب فليس بظاهر وإن كان حائزًا في غير هذا المحل، (محمّد) هو لبيان الواقع إن كانت الصفة يعني في السابق، قول دينُ الإسلامُ مخصصة، وللتخصيص إن كانت الصفة المذكورة غير مخصَّصة، إذًا محمد بدلٌ من النبي فيكون مجرورًا، ويجوزُ رفعه على أنه خبرٌ، خبر مبتدأ محذوف، وهو اسمٌ من أسماء نبينا محمدٍ ﷺ بل هو أشرف أسمائه ﵊، سُمِّيَ به لكثرة خصاله الحميدة، وعلمٌ مأخوذ من حُمِّدَ من اسم مفعول المضعّف حمّد محمِّد، مُحمِّد بالكسر هذا اسم فاعل، ومحمَّد بالفتح هذا اسم مفعول، وهو اسمه محمد إذًا حمِّد مضعف اسم المفعول منه محمَّد وهو منقولٌ منه. وهي كما نقل بن الهايم عن أبي بكر بن العربي والنووي رحمهما الله تعالى ألفُ اسمٍ هذه من شطحات الصوفية لا بد أن يجعلوا للنبي ﷺ عددًا من الأسماء، إمّا موازية لأسماء الربِّ جلَّ وعلا بعضهم يعدها مائة، وبعضهم جاوزها الألف، هذا كله أكثرها لا دليل عليه، وإنما أتوا بصفات بعضها لا يصح ثبوته من جهة النصوص، وبعضها اجتهاد، وبعضها فيه نوع كذب. واختار هذا الاسم دون غيره لوجوهٍ منها أن الله تعالى ذكره في القرآن العظيم في مساق الامتداح، ومنها أنه أشهر وأكثر استعمالاً في السنة للصحابة والتابعين فمن بعدهم، (محمّدٍ) محمدٌ خاتمُ رسل ربه، خاتمِ خاتمُ يجوز فيه الوجهان، خاتمُ بالرفع على أنه صفة لمحمد، محمد هذا علم حينئذٍ ما بعده صفة خاتَم خاتِم يجوز فيه الوجهان خاتِم خاتَم، المرادُ هنا الميم خاتمُ بالرفع لأن الصفة المرفوع مرفوع وذلك إذا كان محمد بالرفع، محمدٌ خاتمُ، محمدٍ خاتمِ يكون بالخفض، خاتمُ رسلِ ربِّه خاتم بفتح التاء اسمُ آلةٍ، أي: الذي خُتموا به.

стр. 21

خاتمُ رسل ربه أي الذي خُتموا به، فهو اسم آله، وبالكسرِ اسمُ فاعل أي الذي ختمهم، خاتمِ هو الذي ختم، اسم فاعل فهو منسوبٌ إليه الوصف، منسوب كضارب وقاتل ضارِب نسب إليه الوصف وهو الضرب، خاتِم أسند إليه الوصف وهو الختم، إذًا خاتِمُ وخاتَم يجوز فيه الوجهان إن كان بالفتح خاتَم فهو اسم آلة، وإن كان بالكسر فهو اسم فاعل، على الأول خاتَم اسم آلة، أي: الذي خُتِموا به، فنُظِرَ إليه من كونِهِ من جهة كونه آلة في الختمِ، كأنهم خُتِموا بالنبي ﷺ لذلك شبه به، وبالكسر اسم فاعل أي الذي ختمهم (خاتمُ رُسلِ) رُسْلِ إسكانِ السين ضرورة للوزن، إسكان السين كلامي صحيح أو لا؟ ضرورة للوزن بإسكان السين، بعضهم يعبِّر هكذا، كُتْب كُتُبْ فُعُل كل ما كان على وزنِ فُعُل بضمتين ضم الفاءِ والعين هذا يجوز إسكانه، كُتُب تقول كُتْب بإسكان التاء، كذلك هنا رُسُل رُسْل يجوز فيه الوجهان لغةً، حينئذٍ إذا اضطُرّ الناظم أو الشاعر أن يأتي باللغة التي هي الإسكان لا نقول: ضرورة، لأنه إذا قيل ضرورة معناه أنه عجز نقص عيب، لم يتمكن من الإتيان باللغة الفصحى فعدل إلى الثاني، ولكن نحن نقول ابتداءً: رسْل بإسكان السين لغةٌ في رُسُل كما نقول: كتْبٌ لغةٌ في كُتُب. إذًا لا نقول بأنه لضرورة الوزن. (خاتمُ رسلِ ربِّه) بسِكون السين لغةٌ، أي آخِرُ رُسل ربه ومتمِّمٌ لهم، وهو نعتٌ لمحمدٍ، لا يقال إنه نكرة لأنه اسم فاعل وهو لا يتعرف بالإضافة، محمد قلنا هذا عَلَمْ معرفة وهو موصوف، وشرطُ الصفة الإتحاد تعريفًا وتنكيرًا، وخاتَم إذا قلنا خاتِم على أنه اسم فاعل هل يصح الوصفُ به لكونه أُضيف [ها]؟ اسمُ الفاعل لا يتعرف وإن يشابِهِ مضافُ يفعلُ ... وصفًا فعن تنكيره لا يُعزلُ

стр. 22

وإن يشابِهِ مضافُ يفعلُ وصفًا خاتَم رُسْلِ، خاتِم رسْل، إذًا صار هنا اسم الفاعل مضاهي للفعل، إذًا عن تنكيره لا يعزل، ونحن نقول صفة لمحمد، وشرطُ الصفة أن تكون موافقة للموصوف تعريفًا وتنكيرًا، ما الجوابُ؟ نقول: الجواب: لا يقال إنه نكرة لأنه اسم فاعل وهو لا يتعرف بالإضافة، والمعرفة لا تنعت بالنكرة لأننا نقول: هو معرفة، خاتِم رُسْلِ ربِّه لأن رسل هذا نكرة أضيف إلى ربِّه فتعرَّفَ، إذًا رُسْلِ ربِّه معرفة فأضيف إليه خاتِمْ حينئذٍ نقول: تعرف به، لأنه وإن كان اسم فاعل لكنه بمعنى المضي، وهو حينئذٍ يتعرفُ بالإضافة، خاتِم الآن أو فيما سبق النبي ﷺ منذ أن بُعث وهو خاتم فهو وصفٌ لازمٌ له في حياته وبعد وفاته ﵊، حينئذٍ صار المعنى فيما مضى، ولا يشترط في الفعل الماضي أو دلالة الشيء على المضي أن يكون منقطعًا بل قد يكون مستمرًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ كان فيما مضى وهو مستمرٌ إلى أبد الآبدين، حينئذٍ نقول: [كونه على وزن فاعل لا يدل على] (١) كونه بمعنى المضي لا يدل على الانقطاع، خاتَمُ خاتِمُ الوجهين رُسْل ربِّهِ، قال الشارح: وأنبيائِه. بمعنى أنه إذا كان خاتِم للرسل فأيهما أخص؟ الرسول أخص من النبي، حينئذٍ هل يلزم من ختم الرسالة ختمُ النبوة؟ قد يكون خاتِمًا للرسل وثَمَّ أنبياء، [أي نعم] قد يكون خاتِمًا للرسل وثَمَّ بعده أنبياء لكن لا من التقدير فنجعله من باب الاكتفاء، خاتمُ رسلِ ربِّه أي وأنبيائهِ لا بد من هذا ففي كلامه اكتفاءٌ على حدِّ قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. والبرد حذف الثاني والبرد لدلالة ما سبق عليه، لأن السرابيل هذه لا تقي الحرّ فقط حتى البرد، الناس تلبيس الثياب اتقاءً للبرد كذلك للحرِّ. محمد خاتم رسل ربه وآله من بعده وصحبه. نقف على هذا، والله أعلم. وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 23

عناصر الدرس * تكملة شرح مقدمة الناظم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. وقفنا عند قولِ الناظم رحمه الله تعالى: مُحَمَّدٍ خَاتِمِ رُسْلِ رَبِّه ... # ... وَآلهِ مْنْ بَعْدِهِ وَصَحْبِهِ ... # هذا تابعٌ لما سبق من قوله: ثمَّ الصّلاةُ بعدُ والسلامُ ... على نبيٍّ دينُهُ الإسلامُ محمَّدٍ .................. ... .......................... قلنا: (محمَّدٍ) هذا بالجرِّ بدل أو عطف بيان من قوله: (نبيٍّ). (خاتَمِ رسْلِ ربهِ) كذلك يعتبرُ صفة لمحمدٍ، (وآله) وقفنا على قوله: (وآله). يعني: ثُمَّ الصّلاةُ بعدُ والسلامُ على نبيٍّ وعلى آله، والضمير يعودُ على محمدٍ ﷺ ، والآل المراد به في مقام الدعاء أتباعُهُ على دينِهْ، فيشمل حينئذٍ كُل من كان مؤمنًا بالنبي ﷺ سواءً كان من أقاربه أو لا، وهذا من حيث الدعاء، وأمَّا في مُقام الزكاة فله شأنٌ آخر، وهنا حيثُ الصلاة على الآل نقول: أتباعُهُ على دينه. (من بعدِهِ) هذا حال وثَنَّى بالصلاةِ والسلام على الآل للنص قدّم حق النبي على الله عليه وآله وسلم ثمَّ بعد ذلك ما جاء فيه النص حيث قال النبي ﷺ في التشهد: «اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد». فدل على أنّ الآل يصلى عليهم بالتبع، وجاء فيه النص، (وآله من بعده) هذا جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال، أي حال كونِ آله من بعده في الصلاة والسلام، لأنه لا يمكن أن يقدم على النبي ﷺ ، إذ ما كانت لهما الخيرة ولا الشرف إلا بمتابعتهم للنبي ﷺ ، ولذلك سبق أن النبي قيل أنه مأخوذٌ من النّبْوَة يعني الرفعة فهو نبي فعيل رافعٌ لمن اتبعَهُ، كذلك هو مرفوعٌ ﵊ بالوحي رُفِعَ بالوحي على غيره من الخلق، وهو رافعٌ لمن اتبعهُ لكونه مؤمنًا حينئذٍ يترتبُ عليه الثواب المقدم للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة. (وآله من بعده وصحبه) أي من بعده كذلك، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، (وآله من بعده وصحبه) كذلك من بعده، وثلَّث بالصحب هنا الصلاة والسلام وإن لم يرد فيه نص إلا أنه من باب القياس، قال أهلُ العلم: الصحابة لشرفهم في نصرة النبي ﷺ لحملهم للشريعة الغراء وكُلّ من بعدَهم فهم عالةً عليهم في فهم الشريعة وفي نقل الشريعة، حينئذٍ كان موجبًا للصلاة والسلام عليهم، فهو مجردُ قياس، ولكن لا يصلي عليهم على جهة الاستقلال وإنما على جهة التبع، يقال: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد وصحبه. ولا يقال: اللهم صلِّ على صحب محمد. هكذا ابتداءً، وهذا أمرٌ عام يعني هل يقال فيما لم يرد فيه النص، ورد النص في جهة النبي ﷺ ، وورد النص في جهة الآل، طيِّب ما عدا النبي ﵊ وعدا الآل هل يصلى عليهم؟

стр. 24

الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يصلى عليهم تبعًا لا استقلالاً، ثمَّ هل يُصْلَى عليهم ابتداءً دون أن يكون تبعًا للنبي ﷺ والآل؟ الجواب: نعم، لكن لا على جهة الشعار، يعني لا يكون شعارًا فيقال: اللهم صلِّ على أبي بكرٍ وسلِّم، اللهم صلِّ وسلِّم على عمر مثلاً، فلا بأس به، اللهم صلِّ وسلِّم على الإمام أحمد، لكن لا يكون شعارًا له بحيثُ كلما ذُكر هذا الاسم الإمام أحمد مثلاً ذُكرت معه الصلاة كما يقوله البعض عليٌّ ﵇، وهذا جُعل شعارًا عليه وهذا ممنوع، أما كونه يقعُ فترة في وقتٍ دون وقت، ومرةً دون مرة هذا لا بأس به، وأما أن يُجْعَل شعارًا له دون غيره من الصحابة فهذا يعتبرُ ممنوع. إذًا (وآله من بعده وصحبه) أي من بعده ففيه حذفُ من الثاني لدلالةِ الأول عليه، إذًا صلى في هذا البيت على نوعين في الشطر الثاني وهم الآل والصحب، (آله) قلنا المراد به أَتْبَاعُهُ على دينه في مقام الدعاء، وكل مؤمن فهو داخلٌ في هذا النص، وأما في مقام منع الزكاة فهو خاص ببني هاشم وعبد المطلب عند الجمهور، عند جمهور أهل العلم خاصٌ ببني هاشم وعبدِ المطلب و (من بعده) أي تبعًا له، (من بعده) قلنا: هذا حال جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، (وصحبه) أي أصحابه، صحب اسم جمعٍ لصاحب، أصحابه اسم جمعٍ لصاحب وليس جمعًا، لأن صاحب فاعل لا يجمع على فَعْل، فهو اسم جمعٍ لصاحبٍ بمعنى الصحابي. والمرادُ بالصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، وزاد ابن حجر: ولو تخللت ردته في الأصح. يعني في القول الأصحّ، فكل من أدرك النبي ﷺ واجتمع به وهو مؤمنٌ به بالنبي ﷺ لا بغيره من الأنبياء، ومات على ذلك على الإيمان حينئذٍ نقول: هو صحابي. سواءٌ طالت لقياه بالنبي ﷺ يعني طال اجتماعهُ أو لا، سمع منه أو لا، هذه خصوصية للنبي ﷺ لشرفه ومكانته كُلُّ من رآه ولو من بُعدٍ ثبت له حقُّ الصحبة، وأما غيره فلا، إذِ الصحبة مأخوذةٌ في لسان العرب من الملازمة يعني لا يكون صاحبٌ لك إلا إذا لازمته، فلولاك شخصٌ من على بُعد فهل هو صاحبٌ لك؟ لا، ليس بصاحبٍ لماذا؟ لأنه لابد أن يكون ثمّ ملازمة لك، وهذا خاصٌ بالصحابة الذي ذكرنا الأمر في شأنهم. وقيل: من طالت صحبته له وكثرت مجالسته له والأخذ عنه وقيل غير ذلك، في تفسير الصحابي خلاف بين أهل العلم خاصةً أهل الحديث لأنه ينبني عليه مسائل من جهة الحديث المتصل وعدمه لكن ما ذكرناه هو المشهور. حدُّ الصحابي مسلمًا لاقى الرسول ... وإن بلا روايةٍ عنه وقُول هذا المرجح عند أهل الحديث ولما حَمِدَ الله تعالى وصلى على نبيِّهِ ﷺ . قال: ونسأل الله لنا الإعانَةْ ... فيما تَوَخَّيْنَا مِنَ الإبانَةْ (ونسألُ) السؤال هو الطلب، أي: نطلبُ من الله تعالى الإعانة يعني العون القوة على ما نأتيه، وهذا كما ذكرناه سابقًا من قول ابن مالك:

стр. 25

واستعينُ الله في ألفية. إذًا لا بُدّ من تحقيق معنى الاستعانة في العلم في التعليم، وفي التعلُّم في التعليم ونحو ذلك لكن هنا قال: (نسألُ). أتى بالنون الدالة على العظمة، والأصل في السؤال أن يكون بخضوع وذُلّ لا يكون فيه شيءٌ من العظمة، أتى بالنون نون العظمة إمّا من باب التحدث بالنعمة لأنه فيه إشارة أراد أن يصنف، وهذا لا يمكن أن يصل إلى هذا المقام إلا بعد أن يكون له قدم راسخةٌ في العلم، ففيه اعترافٌ بنعمة ولا شك في ذلك لأنه أراد يُبَيِّن مذهب زيد الإمام زيد بن ثابت في شأنِ الفرائض وهذا أراد به تصنيفًا تأليفًا، وهذا لا يكون إلا لمن له قدمٌ راسخة في العلم في نفس العلم، حينئذٍ هذه نعمة وأراد أن يُبَيِّن في ابتداء الأمر أنه ممن أوتي علمًا في هذا الفن بحيث تأهل أن يصنف فيه، حيثُ صار أهلاً بأن يصنف فيه، إذًا أتى بنون العظمة إما من باب التحدث بالنعمة، أو أراد بها نفسه وغيره من المجتهدين في بيان ما ذهب إليه الإمام زيدُ بن ثابت في الفرائض، يعني يحتملُ أنه أراد نفسه، حينئذٍ تكون النون على بابها، إذا قيل: نقول هذا واحدٌ متكلم، وإذا قيل: نضرب هذا يحتمل أنه هو ومعه غيره، وهنا ونسأل الله لنا الإعانَةْ ... فيما تَوَخَّيْنَا مِنَ الإبانَةْ هذا يحتمل أنه نزّل المجتهدين مُنَزَّلَةَ المتكلِّمِ الواحد فكأنه سأل لنفسه ولغيره، إذًا هذان مأخذان في مجيئِهِ بالنون، والسؤال هو طلبُ (ونسأل الله لنا) نحنُ (الإعانة) مصدر أعان يعين إعانة، فهو من باب الإكرام، أعان أصلهُ أعْوَنَ أَفْعَلَ، حينئذٍ نُقِلت حركت الواو إلى ما قبلها فنقول: تحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قبلها بحسب [الآن] .... # ٩.٤٥ فقلبت الواو وألفًا، حينئذٍ المصدر يكون على وزنِ الإفعال، وتبقى الألف كما هي منقلبة وجي بألف المصدر فالتقى ألفان وحذفت إحدى الألِفَين والمرجح أنها ألف الأصلية التي هي عينُ الكلمة، لأن الألف التي جِئت أو جِئ بها للمصدرية جئ بها لمعنى، حينئذٍ كان بقاؤها أولى من حذف هذه الألف ودعوى أنّ الذي حُذف هو الألف المصدرية وإبقاء عين الكلمة لكونها أصلية نقول: هذا يفوّتُ معنى المصدرية. مثل ما قيل: تَلَظَّى تَتَلَظَّى فالشأن في كالشأن في هذه الألف (ونسأل الله لنا الإعانة)، أي: نسأل الله لنا إعطاء الإعانة الذي هو القوّة العون والقوة، وبين الإعانة والإبانة، إعانة إبانة، إبَانة إعانة ما الفرق بينهما؟

стр. 26

نونٌ وتاء خاتمة. الفرقُ بينهما في العين والباء فقط إعا إبا، نة عانة الفرق بينهما في العين والباء، هذا يسمى بين الإعانة والإبانة جناسٌ أو جناسًا لاحقًا، يسمى الجناس اللاحق وضابطه أن تختلف الكلمتان في حرفين متباعدي المخرج، تختلف الكلمتان في حرفي متباعدي المخرج وهما العين والباء، با، أع أبّ، هذا حلقي وهذا شفوي، أبّ شفتين، أَعْ هذا من أقصى الحلق، حينئذٍ نقول هو حلقي حينئذٍ نقول: بين الحرفين تباعدٌ في المخرج مع استواء بقية الحروف إعانة إبانة يسمّىَ جناسًا لاحقًا، وأصلُ إعانة وإبانة إعوان وإبيان وتصريفهما واحد إلا أن الأول واوي إعوان، والثاني يائي وهو إبيان. إذًا لأنه مأخوذٌ من بان يبين، وذاك من عان يعونُ من العونِ لأن المصدر واوي، وهذا مما يدلُ على أن الألف المنقلبة في إعان أصلية لأنها منقلبة عن واو، والأصل أن تكون الألف المنقلبة في فعلٍ ثلاثي عانَ أعانَ أو رباعي زِيدَ فيه أوله حينئذٍ الأصلُ في هذه الألف أن تكون منقلبة عن أصلٍ سواءً كان هذا الأصل واوًا أو كان ياءً، و (نسأل الله لنا الإعانة) يعني الإقدار على الذي نطلبه وتيسيره (فيما توخينا) في هنا بمعنى على، لأن الإعانة والعون والاستعانة كما سبق بالأمس أنه يتعدَّى بماذا؟ يتعدَّى بعلى ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، إذًا العون وهذه المادة ومشتقاتها تتعدّى بعلى، حينئذٍ القول هنا كما قلنا هنا (واستعين الله في ألفية) يعني أستعين الله على نظم ألفية، هنا (فيما) يعني ونسأل الله لنا الإعانة فيما على الذي ففي بمعنى على، و (ما) هنا موصولة بمعنى الذي (وتوخّينا) بتشديد الخاء هذا الجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، توخّينا والضمير العائد محذوف توخيناه يعني قصدناه أو اجتهدنا في تحصيله، (وتوخّينا) أي تحرينا وقصدنا، وهنا جُمع بين المعنيين، والتوخي قد يطلق ويُرادُ به التحري والاجتهاد، وقد يطلق ويراد له القصد، يطلق ويراد به التحري والاجتهاد، ويطلق ويراد به القصد، وهل المراد هنا بالمعنيين أو المراد به التحري والاجتهاد؟ الظاهر الأول أنه مرادٌ به التحري والاجتهاد، وليس المرادُ به القصد فحسب إلا إذا عُمِّمَ ما أراد به القولين كما ذهب الشارح إليه، ويُقالُ فلانٌ يتوخى الحقَّ ويتأخّاه أي يقصده ويتحراه، ويقال تأخيت الشيء تحريته، جاء بمعنى القصد، وجاء بمعنى التحري، التحري طلب الأحرى، وكثيرًا ما يستعمله الفقهاء بمعنى الاجتهاد، والألفاظ الثلاثة متقاربة التي هي التحري والقصد والاجتهاد هذه كلها متقاربة.

стр. 27

قال الشيخ زكريا رحمه الله تعالى: الاجتهادُ والتحري والتأخي بذلُ المجهودِ في طلبِ المقصود. إذًا إذا لم يبذل مجهود لا يقالُ أنه توخى، ولذلك يقال: اجتهد. وهذا يذكره الأصوليون اجتهد في حمل الصخرة، زلا يقال: اجتهد في حمل نواة، صحيح؟ اجتهد في حمل الصخرة لأنه بذل مجهود تعب وشقِّ عليه، أما النواة هذه لا يقال فيها اجتهد، وإنما يقال: حَمَلَ النواة، إذًا يقال: اجتهد. في حمل الصخرة ولا يقال: اجتهد. في حمل نواةِ وذكر أبو عبيد أن التآخي لا يكون إلا في الخير. ولعل هذا سببٌ في تخصيص الناظم التوخي بالذكرِ هنا دون التحري، وقيل: التوخي هنا الاجتهادُ لا القصدُ فقط، يعني إما أن يعمَّمَ بمعنى القصدِ والاجتهاد، أو يقال الاجتهادُ فقط، أما أن يجعل بمعنى القصد فليس الأمر كذلك، فإن التوخي بمعنى الاجتهاد لا يقال إلا في الأمرِ المهم الجليل من الخير بخلاف التوخي بمعنى القصد فإنه يقال لِمَا هو أعمُّ من ذلك، إذا التوخي بمعنى القصد عام يقالُ في الأمرِ المهم الجلل وفيم هو دونه، وأما التوخي بمعنى الاجتهاد فهو خاصٌ بالأمرِ الجلل كما ذكرناه، اجتهد في حمل الصخرة ولا يقال اجتهد في حمل النواة. إذًا قوله: (فيما توخينا) أي على الذي توخيناهُ، جئنا بعلى مكان في للدلالة على أن في هنا ليست على بابها وإنما هي بمعنى على، والذي دلنا على ذلك أنّ في متعلق بقوله الإعانة، يعني معمولٌ له، والإعانة مادةٌ من العون لأنه مصدر، حينئذٍ هذا في استعمال كلام العرب والنظر فيه إنما يتعدّى بعلى ولا يتعدى بفي، حينئذٍ لا بدّ من القول بتضمين الحرف معنى حرفٍ آخر، ففي بمعنى على لأن الإعانة تتعدى بعلى، و (ما) اسم موصول بمعنى الذي والعائدُ محذوف. (فيما توخينا من الإبانة) الإبانة، يقال في تصريفه ما قيل في الإعانة يعني مصدر أبان يُبِينُ إبانةً أَكْرَمَ يُكْرِمُ إِكْرَامًا، مثل أَقَامَ يُقِيمُ إِقَامَةً، والخلافُ مذكور في كتب الصرف، والإبانة المرادُ به هنا الإظهار لأنه مأخوذُ من بأن يبين إذا أظهر الشيء وكشفهُ وبين حقيقته، يقال فيه: إبانة. وهذا واضحٌ بيِّن إذِ الذي أراد أن يصنف فيه وهو علمُ الفرائض هذا يحتاج إلى كشف ويحتاج إلى إظهار ويحتاج إلى إبانة (من الإبانة) هذا متعلق بمحذوف بيانٌ لِمَا فيما الذي يصدق على ماذا؟ ما الذي توخّاهُ واجتهد فيه وقصد بيانه ما هو؟ (الإبانة). ما الذي توخاهُ؟ نقول: هو الإبانة حينئذٍ تكون مِنْ هذه بيانية والمبين هو

стр. 28

(ما) الاسم الموصول الذي دخل عليه الحرف في، لماذا؟ لكون الاسم الموصول مبهم، وإذا كان مبهمًا حينئذٍ لا بد من مفسرٍ يزيل ويكشفُ هذا الإبهام. وقوله (من الإبانة) متعلق بمحذوف بيانٌ لما الموصولة لأنه من المبهمات. إذًا قوله من (الإبانة) بيان لما توخيناه (عن مذهب الإمام) جار ومجرور متعلق بقوله: (الإبانة)، هذا يسمى تضمين عندهم وهو عيب، الأصل في البيت أن يكون مستقلاً بفائدة ولا يتعلق ما بعده بما قبله، وما قبله لا يتعلق بما بعده، كُل بيت ينتظم فائدة أو ينتظم مسألة مستقلة هذا الأصلُ فيه، فإذا جعله مرتبطًا بما بعده وحينئذٍ يسمى تضمينًا، وهذا تساهل فيه المتأخرون وخاصةً في الأراجيز، لأنهم قصدوا منها القائدة ولم يقصدوا منها أن يكون منضبطين على قواعد العروضيين وأهل القوافي من أجل حصول الفائدة التامة التي تترتب على هذا النظم. إذًا (عن مذهب) جار ومجرور متعلق بقوله: (الإبانة). وتعلق به لكونه مصدرًا، والمصدر يعتبرُ من العوامل، (عن مذهب) مذهب على وزن مَفْعَل، ومفعل كما هو معلوم يصلح أن يكون مصدرًا ميميًّا، ويصلح أن يكون اسم زمان، ويصلحُ أن يكون اسم مكان، هذه الثلاثة. والمراد هنا الأول وهو كونه مصدرًا ميميًّا، فحينئذٍ يفسرُ بالذهاب، يعني ما ذهب إليه زيدٌ الفرائض رضي الله تعالى عنه، ولكن المرادُ به المذهبُ هنا ليس المعنى اللغوي يعني الأرجح من هذه المحاميل الثلاثة التي هي المصدر الميمي واسم الزمان واسم المكان أن يكون بمعنى المصدر، ثم المراد به المذهب الاصطلاحي، وهو: ما قاله المجتهدُ بدليلٍ ومات قائلاً به. يسمى هذا مذهبًا له، بشرط أن يكون قاله بدليل، يعني بنظر في الأدلة، وأما إذا قاله تبعًا لغيره يعني مقلدًا فلا يقال فيه أنه مذهبٌ له، لأنه مقلِّد وإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ لا ينسب إليه القول، المقلِّد لا يُنسبُ إليه قول كما يقال: الساكت لا ينسب إليه قول. المقلد كذلك لأنه تابعٌ لغيره مأخوذٌ من القلادة، كأنما جُرَّ بـ ... . (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ) إذًا مذهب مَفْعَل يَصْلُح للمصدر والمكان والزمان، بمعنى الذهاب المرادُ به المرور، أو محل الذهاب، أو زمان الذهاب، وبعضهم يحملها على المعاني الثلاثة هذا من حيثُ اللغة، وأما في الاصطلاح: فهو ما قاله المجتهدُ بدليلٍ ومات قائلاً به.

стр. 29

بهذا شرط فإن قاله بدليل ثم رجح إلى قولٍ آخر، قاله بدليلٍ ومات على الثاني فالأول لا يعتبرُ مذهبًا له، وهذا ما يعبرُ عنه المذهب الشخصي بخلاف ما سلكه أرباب المذاهب الأربعة، فإنهم لا يعتبرون هذا لأنه هو الذي ينبغي أن يكون أصلاً أنه ما ثبت أن الإمام رجع عن هذا القول وقال بقولٍ آخر بدليل ومات قائلاً بالقول الثاني وجب أن يكون القول الثاني هو المذهب له، والأول لا ينسب إليه، هذا الأصل، حينئذٍ إذا نُظِرَ في هذا التعليل وهذه الكيفية لتحقيق معنى المذهب حينئذٍ لا يُنسب لأبي حنيفة مثلاً أبو مالك أو الشافعي أو أحمد قولاً قد ثبت أنه رجع عنه، وهذا المراد به المذهب الشخصي، وأما المذهب الاصطلاحي هو أشبه ما يكون شيء تعلق به المتأخرون من أجل تنظيم المذهب السابق الذي يعتبر مذهبًا شخصيًّا للإمام نفسه، يعني ينظر في القولين ومن أن يقال بأنه رجع إلى القول الثاني أو لا، مجرد حكاية قولين أو ثلاثة أو أربعة عن الإمام، ينظرون فيها بالقواعد التي أخذوها من طريقة ومنهج الإمام نفسه، حينئذٍ قد يرجحون المذهب الذي قد ثبت أنه رجع عنه ويجعلونه مذهبًا يُفتى به، ولذلك نسمية مذهب اصطلاحيًّا لا شخصيًّا، وفرق بين النوعين، إذا يحل أن نقول الإمام أحمد يقول كذا وهو قد رجع عنه، تكذب عليه أنت، لكن إذا قيل المراد به المذهب الاصطلاحي فلا إشكال، إذًا (عَنْ مَذْهَبِ) المذهب المرادُ به ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلاً به. قاله قول، مجتهد لا بد أن يكون من أهل الاجتهاد والنظر، أما العامي ونحوه لا، بدليل فإن قاله لا بدليل لا يدخلُ معنا، ومات قائلاً به، هذا احتراز إذا هذه كلها قيود. (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ) مذهب مضاف الإمام مضاف إليه [نعم] (الإمام) نقول: يجمع على أئمة، (مَذْهَبِ) مضاف و (الإِمَامِ) مضاف إليه، و (الإمام) يجمع على أئمة، ويقال أيِمة بالتخفيف، والأصل أئمة بتحقيق الهمزتين، وعلى إمام يعني له جمعان، إمامٌ وهو مفرد وإمامٌ وهو جمع، وإمامٌ مفرد وأئمة هذا جمع ولا إشكال في النوعين، ويستعمل مفردًا وجمعًا ومنه ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ فإمام يراد به المفرد ويراد به الجمع، وحينئذٍ القرينة والسياق هي التي تعين المراد وهل المراد هنا الجمع أو المفرد؟ المفرد لأنه أراد أن يبين مذهب زيد الْفَرَضِي، (عن مذهب الإمام) الإمام فِعَالْ بمعنى مفعول، والمرادُ به هنا المؤتمُّ به والمقتدى به، ولذلك صَلُحَ أن يكون إمامًا لأنه لا يُطلق لفظُ الإمام إلا لمن كان أهلاً للاقتداء كان أهلاً للاهتداء. فالإمام أي الذي يقتدى به، وقيل المقدم على غيره، والقدوة والمؤتمُّ به كلها معانٍ متقاربة والمعنى واضحٌ بيِّن.

стр. 30

(زيدِ الْفَرَضِي) عن مذهب الإمام زيد، زيدِ بلا تنوين الأصل زيدٍ على أنه بدل من إمام أو عطف بيان، لكن للوزن حذف التنوين إذًا هنا ممنوع من الصرفِ لماذا؟ للوزن، أما هو في نفسه فليس ممنوعًا من الصرفِ، ليس فهي علّة من العلل التي توجب المنع من الصرف، إنما حذف تنوينه ومنعه من الصرف الذي هو التنوين من أجل الوزن (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زيدِ) المراد به زيد بن ثابت بن الضحاك بن سعد بن خارجة الصحابي أنصاري خزرجي من بني النجار يُكنى أبا سعيد، وقيل أبا عبد الرحمن، وقيل أبا خارجة، هذه يكثر الخلاف في كنية شخصٍ ولعله من السبب الذي يَكْثُر فيه الخلاف أنه لا بأس أن يُعَدِّدَ الشخص كنيته يُكنى بالابن الكبير ويكنى بالابن الصغير، أو يُكنى وليس عنده ولد على الصحيح أنه يجوز، وإذا تعددت الكُنى حينئذٍ كلٌ حكى ما سمعه، ولا بأس أو تتغير تتبدل في وقتٍ يكون أبا كذا ووقتٍ آخر يكون على كنية أخرى، ولذلك يحصل خلاف طويل عريض يكنى بكذا ويكنى بكذا، قد يكون ثمَّ خلافٌ في النقل بعضه يصح وبعض لا يصح هذا لا إشكال واضحٌ بين حيثُ السند، وأما إذا قويت كلها في نسبة فلان مثلاً إلى كنيةٍ معينة، وثبت النقل كذلك بكنيةٍ أخرى لا بأس أن يقال يكنى بكذا ويكنى وبكذا، ولا نجعلها قولين خلاف ولا بد من الترجيح، نقول: لا، يكنى بهذا ويكنى بهذا، لأنه لا بأس أن تتعدد الكُنى. قدم النبي ﷺ المدينة وهو ابن خمس عشرة سنة، وتوفي بالمدينة سنة خمس وأربعين قاله الترمذي، وقيل غيرُ ذلك، ومناقبه شهيرة وفضائله كثيرة. روي أن ابن عمر ﵁ قال يوم مات زيد: اليوم مات عالمُ المدينة. اليوم زيد بن ثابت مات عالمُ المدينة، وهذا فيه نوعُ تزكيةٌ له وليس فيه حصرُ العلمِ فيه، هو تزكيه له بأنه عالم المدينة لكن هذا وصفٌ وليس فيه حصر، صحيح؟ ليس فيه حصر، فمثل هذه الألفاظ حينئذٍ تحمل على ما أريد من معنى يناسب تلك الحال، عندما مات وفُقِدْ قد تطلق بعض العبارات كأنه لا يوجد عالم إلا هو، وقد لا يكون الأمر كذلك، حينئذٍ تفسر أو تحمل هذه الألفاظ قوله مات عالمُ المدينة أنه لا يلزم منه أن يكون هذا الوصف منحصرًا فيه، بل غيرُ عالم الصحابة وهو كذلك عالم المدينة. وخطب عمرُ ﵁ بالجابيةُ فقال: من يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ﵁، وهذا واضحٌ بيِّنِ أنه كانت له مزية عناية بالفرائض، وهذا لا يلزم منه التخصص، وإنما يفسر بما سبق أنه عالم بالقرآن، وعالم بمواقع القرآن، وأسباب النزول، والفقه والحلال والحرام وعالم بالفرائض، إلا أنه اعتنى بالفرائض أكثر من غيره وهذا لا إشكال فيه، وكذلك الحديث الذي يستدل به «أفرضكم زيد». كما سيأتي «وأعلم بالحلال معاذ» .. إلى آخره. أولاً: الحديث ضعيف.

стр. 31

ثانيًا: إن صحَّ فالوصف الخاص الذي ذكر في النص دليلٌ على أنه قد اعتنى بما ذكر به ولا يلزم منه أن يُنفى عنه غيره إذا قيل: «أفرضكم زيد». معناه ماذا؟ أكثركم علمًا بالفرائض زيد لشدة العناية بها، ولا يلزم من ذلك أن يكون زيد ليس بفقيه وليس بمفسر ... إلى آخره. قال مسروق: دخلتُ المدينة فوجدت فيها من الراسخين في العلم زيد بن ثابت. من الراسخين ليس هو وحده، إنما هو من الراسخين زيد بن ثابت ﵁. وقال الشعبي: علم زيد بن ثابت بخصلتين: بالقرآن والفرائض ﵁. إذًا توفي سنة خمس وأربعين وله سبعٌ وخمسون سنة. (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زَيدِ الْفَرَضِي)، إيش إعراب الفَرَضِي؟ نعت لزيد.

стр. 32

(الْفَرَضِي) قال الشارخ: بفتح الفاء والراء العالم بالفرائض، يقال له: فَارِضٌ على وزن فَاعِل وفَرِيض على وزن فَعِيل كعَالِم وعَلِيم، (الْفَرَضِي) هذا اسم، إذًا ليس هو بنسبة محضة وإنما فيه معنى العلمية هذا مرادهم، ولذلك قال الشارح: العالم بالفرائض نُسِبَ إلى هذا الفن أو هذا العلم الشرعي لكونه قد عَلِمَ أُصولَهُ وفروعهُ، حينئذٍ يقال له فَارِض كعَالِم، والعالِم من هو؟ من اتصف بصفة العلم، وعَلِيم كذلك فَعِيل صفة مشبهة لمن اتصف بصفة العلم، إذاَ كلٌ منهما فَرَضِي وفَارِض وفَرِيض يدل على ذاتٍ متصفة بهذه الصفة وهي العلم بالفرائض، وفِرَاض وفرْضِ بسكون الراء أيضًا وأجاز بن الهائم رحمه الله تعالى أن يقال فَرَائِضِي هذا محل النزاع، وبعضهم يُخَطِّئ هذه النسبة لماذا؟ لأن فَرَائِض جُمع فَرِيضَة، ومعلومٌ أن النسبة إنما تكون للمفرد لا للجمع، فحينئذٍ تقول: فَرَضِي لأن فَرِيضَة فَعِيلَة حينئذٍ تحذف الياء والتاء كتاءِ مكة وتحذف الياء من فَعِلية فيبقى ماذا معك؟ الفاء والراء والضاد، فتقول: فَرَضِيِّ فَعَِليٌّ كحنيفة تقول فيه حَنَفِيٌّ، صَحِيفَة صَحَفِيٌّ، تقول: صُحُفي جمع؟ لا، إنما صُحُف هذا جمع صحيفة إذا أردت النسبة أن زيد من الناس علمه عن طريق الصحف حينئذٍ تقول صَحَفِي فَعِيلَة، ولا تَقْل صُحُفِي، ومثله ما شاع الآن، يقل مطارٌ دُوَلي خَطَأٌ هذا، إنما هو دُوَلْ جمع دُوَل دَوَلةَ حينئذٍ يقال: مطارٌ دَوْلِيٌّ وليس دُوَلِيّ، نقول: هذا خطأ. إذًا فرائض نقول: هذا جمع فَرِيضة فالنسبة حينئذٍ تكون للمفرد لا للجمع إلا في حالة واحدة، إذا صار الْجَمْعُ كالعلم كالأنصاريّ أَنْصَار هذا جَمع، وقد نُسِبَ إليه فقيل أَنْصَارِيّ، لماذا؟ لأن الأنصار جُعل علمًا، أو استعمل استعمال العلم على فئةٍ وطائفةٍ معينة، حينئذٍ الْفَرَائِض لَمَّا كانت تُسْتَعْمَل استعمال العلم بهذا المعنى صح أن يقال: فَرَائِضِيّ ولذلك صوّبه الشارح، والأكثر على خلاف ما ذكرناه، لأن فَرَائِض جمع وفَرِيضَة هي الأصل فحينئذٍ يُنْسَبُ إليها فيقال: فَرَضِيُّ. والْفَرَائِض قال جلال المحلي: جمع فريضة بمعنى مَفْرُوضَة فَعِيلَة بمعنى اسم المفعول، أي مقدَّرة لِمَا فيها من السهام المقدَّرة، وسيأتي أن فيها بعض التعصب فغُلِّبَت على غيرها، أي فغلبت على التعصيب وجُعلت لقبًا لهذا العلم. إذًا قوله: (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زيد الْفَرَضِي). الْفَرَضِيّ هذا نعت لزيد، وهو نسب لواحد الْفَرَائِض وهو فريضة بوزن فَعِيلَة، وهو اسم للعلم بالْفَرَائِض أو للعالِم بالفرائض، إذ ذاك (إِذْ كَانَ ذَاكَ) من أهم ..

стр. 33

إذْ تعليلية، لِماذا أراد الإبانة عن مذهب الإمام زيد الفرضي على جهة الخصوص؟ إذ ذاك، إذ تعليل وهو حينئذٍ يكون منصوبًا على الظرفية متعلق بمحذوف، (إِذْ كَانَ ذَاكَ) ما هو المشارُ إليه؟ إما الإبانة وإما التَّوخِّي، حينئذٍ إذْ تعليلٌ إما لقوله: (فيما توخينا)، وإما لقوله: (مِنَ الإِبَانَهْ)، (ونسأل الله لنا الإعانة ** فيما توخينا)، (إذ كان ذاك)، أي التَّوخِّي من الإبانة، إذ كان ذاك من الإبانة حينئذٍ إما أن يعود اسم الإشارة إلى التَّوخِّي، وإما أن يعود إلى الإبانة، وإن أعيد إليهما معًا فلا إشكال، لكن لا بد من التأويل، ذا هذا مفرد مذكر، فإذا أُعِيد إلى التَّوخِّي وهو القصد أو الاجتهاد لا إشكال، إذا كان ذاك أي التَّوخِّي فلا إشكال، أما إذا أعيد وكان مرجعه الإبانة وقع إشكال، إذ كان ذاك الإبانة، لا بد أن يقول: تلك. حينئذٍ لا بُدَّ من تأويل الإبانة بالمذكور، إذ كان ذاك المذكور من الإبانة، فأعاد اسم الإشارة إلى الإبانة بتأويل، أعاد اسم الإشارة ذاك، ذا، إلى الإبانة بتأويل بالمذكر وهو المذكور، وهذا دائمًا اللفظ المذكور يأتي عند النحاة، أشبه ما يكون بالخيط الذي يُستمسك به، بدل من أن يغلَّط كيف عاد وكذا .. إلى آخره أوّلُهُ بالمذكور، قد يكون هو ما استحضر شيء من هذا، وقد يكون يريدُ ماذا؟ التعليل للتَّوخِّي لا للإبانة، لكن الشُرَّاح هكذا لا بد أن يشرح هكذا. (إِذْ كَانَ ذَاكَ) أي المذكور من الإبانة والتَّوخِّي (مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ)، (الْغَرَضِ) المراد به القصد، وأصلُ الغرض ما يرمي إليه الرماة، هذا الأصل الْغَرَض تضع الطائر هناك هذا لا يجوز لكن مثلاً، فتصيبهُ، تقول: هذا يُسَمَّى غَرَضًا، فلما كان قاصدًا لطريقة زِيْدٍ سُمِّيَ غَرَضًا قَاصِدًا كأنه نصب طريقة زيد وصوّب إليها فأرادها، فحينئذٍ سُمِّيَ غرضًا للمشابهة. قوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ). ... (إِذْ) للتعليل و (ذَاكَ) أي: المذكور؛ لأن الإبانة مؤنثة. فيحتاج إلى اسم الإشارة المؤنث فلا بد من التأويل. قوله: (مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ) أي من أهم القصد، إِنْ فُسِّرَ اسم الإشارة بالتوخي، أو أهم المقصود إن فُسِّرَ اسم الإشارة بالمذكور من الإبانة فإنها مقصودة، التوخي القصد لا إشكال فيه، الغرض القصد إذا كان التوخي لأنه ذكره بالمصدر، وأما الإبانة فهي مصدر لكن الإبانة هنا مبيَّن أو المراد به المعنى المصدري الأول، حينئذٍ لا بد أن يكون المراد من أهم الغرض أي من أهم المقصود بالتأليف وهو الإبانة، حينئذٍ الإبانة حاصلةٌ وهي أثرٌ للتأليف، هذا هو الأصل فيها، حينئذٍ صارت مقصودة وليست قصدًا، القصد إنما يكون في التوخي، وأما الإبانة فهي مقصودة بالتأليف، أَلَّفَ وصَنَّفَ ونَظَمَ من أجل أن يُبَيِّنَ، فالبيان حاصلٌ بتأليفه، حينئذٍ لا بد أن يفسر الغرض بمعنى المقصود. (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ) أهم (الْغَرَضِ). [ثم قال] قول الشارح هنا قال: (إذ كان ذاك) أي المذكور من الإبانة أو توخيها من أهم الغرض لمن يريد التصنيف في علم الفرائض فهو تعليلٌ لما ذُكر، إما التوخي وإما الإبانة.

стр. 34

قال العلامة سبط المارديني هذا له شرح على ((الرحبية)) وعليه حاشية كذلك: أي ونسأل الله تعالى لنا الإعانة فيما قصدنا من الإظهار والكشف عن مذهب الإمام زيد ﵁، لأن هذا من أهم القصد، فإنه لا يُخَيِّبُ من قصده. قال تعالى ... ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] .. الآية. قال بعض العلماء: لَمْ يَأْمُر بالمسألة إلا لِيُعْطِي. انتهى. وقال الإمام تاج الدين بن عطاء الله - هذا له مصنّف في التصوّف - متى وفقك للطلب فاعلم أنه يُريدُ أن يُعطيك، متى وفقك للطلب يعني السؤال فاعلم أنه يريد أن يعطيك. علمًا بأنَّ العِلْمَ خيرُ ما سُعي ... فيه وأولى ماَلهُ العَبْدُ دُعِيْ (علمًا) إعرابه منصوبٌ على ماذا؟ مفعول لأجله، ولذلك قال الشارح: منصوب على أنه مفعولٌ لأجله. واستشكله البعض هذا المشهور في إعراب هذا البيت أنه مفعولٌ لأجله، واستشكله البعض لأن الشرط فيه أن يتحد مع عامله فاعلاً، يعني المفعول الفعل والفاعل [ها] الفاعل لفاعل الفعل العامل، والفاعل للمصدر، واحد، فالعلم هنا نقول: مفعولٌ لأجله، ما العاملُ فيه؟ هذا يحتمل، هذا يحتمل ولذلك قدره هنا وهو علةٌ لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ). أو علة لقوله: (تَوَخَّيْنَا). إما هذا، وإما ذاك، توخينا واضح، فاعلُ التَّوَخِّي القصد هو المصنف، وعلمًا لأجل العلم هذا كذلك حاصلٌ بفعل المصنف، اتّحدا، فاعل علم وفاعل التوخي واحد اتحدا، أما (عِلْمًا) كونه علةً لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ). هذا منفصلٌ لا بد من التأويل، واستشكله البعض بأن الشرط في أن يتحد مع عاملة فاعلاً، فالفاعل يكون واحدًا للمصدر وللعامل، وهنا ليس كذلك فإن مرفوع كان اسم إشارة (إِذْ كَانَ ذَاكَ) هذا مرفوع كان، وفاعلُ العلمِ المصنف وهذا على جعل (عِلْمًا) علة لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ). إذًا انفكت الجهة، وإذا كان كذلك لا يصلح أن يكون علمًا مفعولاً لأجله وعلةً لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ). وإنما يُحمل على الثاني، وأما على جعله علةً لتوخَّيْنَا فلا إشكال لأن فاعل التوخي والعلم واحد وهو المصنف. وأُجيب عن الأول بالتأويل (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ) عندي (عِلْمًا) إذًا اتحدا، واضح؟ اتحدا، فثَمَّ تقدير في الأول من أجل أن يُجعل قولُه (إِذْ كَانَ ذَاكَ)، (ذَاكَ) هذا مرفوعٌ بكان، وليس العامل فيه هو عامل أو ما اتصف به المصنف، لأن الإشارة هنا لما سبق الإبانة أو التوخي، حينئذٍ انفكت الجهة، فكَوْن إذ كان ذاك عاملاً في (عِلْمًا) على أنه مفعولٌ لأجله فيه نظر لعدم اتحاد الفاعل، حينئذٍ لا بد من تقدير في الأول من أجل أن يتحد عامل الأول مع عامل الثاني في الفاعل، فقيل: إذ كان ذاك الغرض عندي (عِلْمًا) فاتحدا، هكذا قيل، وقيل: الاتحاد في الفعل موجود معنًى، فكأنه قال أعُدُّه من أهم الغرض عندي علمًا .. إلى آخره، قدَّره في الأول، لأن المراد (إذ كان ذاك من أهم الغرض) عندي. على كلٍّ (عِلْمًا) مفعول لأجله، والأحسن جعله من التوخي لعدم الاحتياج إلى التقدير.

стр. 35

(علمًا بأن العلم)، (بأن العلم) جار ومجرور متعلق بقوله: (عِلْمًا) لأنه مصدر، (علمًا بأن العلم) أي علم، [ها] الفرائض أو العلم الشرعي؟ العلم الشرعي، مراده العلم الشرعي عام، سواء كان علم التفسير، أو علم الحديث أو علم الفقه، لأنه أراد أن يثني على العلم على جهة العموم، ثم يخصص فقال: وأن هذا العلم مخصوصٌ بما قد شاع. إذًا ذكر العلم أولاً على الجهة العموم، ثم خصَّ علم الفرائض على جهة الخصوص (عِلْمًا بَأَنَّ الْعِلْمَ) والعلم هو فسره الشارح وهذا بعيد أن يفسر العلم هنا بحكم الذهن الجازم المطابق للواقع، هذا للعلم من حيثُ هو إذا كان مقابلاً للظن والشك ونحو ذلك، وأما العلم المرادُ به هنا العلم الشرعي علم الكتاب والسنة (علمًا بأن العلم) فأل حينئذٍ تكون للعهد الذهني، إذ الذي خيرُ ما سعي له العبدُ ودعى العبدُ غيره للسعي في طلب العلم هو العلم الشرعي العلم، إذ العلم إذا أُطلق وأثني عليه من جهة الإطلاق انصرف إلى العلم الشرعي. (عِلْمًا بَأَنَّ الْعِلْمَ خَيْرُ مَا سُعِيْ) ولذلك قال هنا والألف واللامُ فيه للاستغراق أو العهد الشرعي، وهذه أو مرة تمر علينا هذا اللفظ العهد الشرعي، أليس كذلك؟ العلم أل للعهد الذهني، ما هو المعهود؟ العلم الشرعي حينئذٍ قد يكون المعهود إمّا ثابتًا من جهة الحس، وإما ثابتًا من جهة العقل، وإما ثابتًا من جهة الشرع، وهذا يعتبر مثال للشرع. أو العهد الشرعي وهو علم التفسير والحديث الفقه، ويلحق ذلك ما كان آلةً له، فالعلم كما قال الناظم هنا (خيرُ ما سُعي ** فيه) خيرُ هذا خبر أنَّ، بأن العلم أن العلم، هذا اسمُ أنَّ، خبرها خيرُ، يعني أفضل، و (خَيْر) هذه أفعلْ تفضيل، فالخيرية ثابتةٌ للعلم الشرعي بإطلاق ليست من وجه دون وجه كما هو الشأن في العلوم الأخرى، العلوم الاصطناعية الدنيوية، حتى علوم الآلة هذه فيها خيرية من جهة دون جهة، كل ما أعان على فهم الكتاب والسنة فهو الذي يعتبر علمًا شرعيًّا، سواءً كان مقصودًا لذاته أو كان مقصودًا لغيره، فما زاد عن ذلك من العلم المقصود لغيره حينئذٍ لا تكون الخيرةُ ثابتة فيه بإطلاق، واضحٌ؟ إذًا (خيرُ ما سُعي) هنا أطلق الناظم الخيرية فدل على أنه المراد به العلم الشرعي، وما يخدمه يعني من علوم الآلة، (خيرُ) هذا خبر وهو مضاف و (ما) اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه، و (سعي) هذا مبني لِمَا لم يسمَّ فاعله، و (فيه) جار ومجرور متعلق بمحذوف، إيش إعراب (فيه)؟ (سُعِي) [نعم] يعتبر نائبُ فاعل والضمير في (فيه) عائدٌ على (ما)، وجملة (سُعي ** فيه) لا محل لها من الإعراب صلة الموصول. إذًا العلمُ خيرٌ وأفضلُ ما سعى فيه العبدُ، يعنى طرق الطريق من أجل الوصول إلى هذا العمل، فكل سَعْيٍ موصل للعلم فهو خيرٌ لأنه موصل لأصل وثبت فيه الخيرية المطلقة، [فالوسائل لها أحكام المقاصد].

стр. 36

(وَأَوْلَى مَا لَهُ الْعَبْدُ دُعِيْ)، وأولى هذا معطوف على (خَيْرُ)، فالمراد به الأحق والأجدر أولى الأحق والأجدر ما له الذي له لهذا العلم العبدُ أي الشخص فليس مراد العبدُ مقابل الحرّ المراد به الشخص، (دُعي) هذا مغير الصيغة مبني لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، وبين (دُعي) و (سُعي) هذا جناس يسمى ماذا؟ يسمى جناسًا. قال هنا: فالعلمُ من خير ما سُعي فيه ومن أولى ما له العبدُ دُعي قال اللهُ تعالى: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. هنا أطلق العلم وأثنى على أصحابه فدل على أنه يُثْنَى عليه مطلقًا بدون تخصيص وبدون تقييد، ولا يصرفُ هذا العلم من حيثُ الإطلاقِ إلا على علم الكتاب والسنة فحسب، وما عداه فلا، وإنما يكون له حكم المقاصد، يعني العلوم الدنيوية الحساب والطب والهندسة ونحوها هذه ليست محمودة لذاتها، وإنما هي مباحة في الأصل فإن أُريد بها بنية صاحبها خدمة الإسلام مثلاً وكفّ المسلمين بالنظرِ إلى غيرهم ونحو ذلك أُثيب على هذه النية، وأمّا العلم نفسه فلا ينقلبُ شرعيًّا يبقى كما هو كما ذكرناه في شأن ماذا؟ في شأن المباح. المباح لا ينقلبُ مستحبًا نفسُهُ، وإنما بنيته نقول: حينئذٍ لما نوى بنومه التقوى على الطاعة وعلى قيام الليل مثلاً يُثابُ على هذه النية، وإما النوم نفسه لا يكون عبادة، لأن العبادات توقيفية لا بد من دليل، أين الدليل في إثبات كون النوم أو الأكل أو الشرب أو نحو ذلك أنه عبادة في نفسه. نقول: لا، هو يبقى على ما هو مباح. وإنما أحتسب نومَي وقومَي وأكلتي وشربتي، نقول: هذه كلها المراد بها الثواب على النية. هكذا يفسر كلام الأصوليين أن المراد بأن المباح يبقى على كونه مباحًا ولا ينقلبُ المباح فيصيرُ طاعةً، النومُ مباح في الأصل ولا ينقلبُ عبادةً، وإنما العبادة في كونه يستعين به وحينئذٍ الاستعانة والنية تكون محلها القلب. والأحاديث في فضائل العلم كثيرة شهيرة منها قوله ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ أتاهُ الله مالاً فسلطهُ على هلكتِهِ في الخير، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها للناس». والحكمة المراد بها هنا السنة، وهو العلم الشرعي على جهة العموم. رواه البخاري من حديث ابن مسعود. ومنها قوله ﷺ : «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة». انظر «من سلك»، «من» شرطية وهي عامة، وهذا يدخل في حتى العوام وليس الحكم خاصًّا بطلاب العلم، لا، هذه الفضائل التي وردت في شأن العلم كُلّ من سأل أو كل من بذل أو سلك فهي عامة، حينئذٍ كلُّ شخصٍ وُجدَ منه شيء من هذا الوصف الذي رُتِّبَ عليه هذا الثواب حينئذٍ استحق هذا الثواب بحدِّهِ، حينئذٍ الثواب يتبعض كما أن ما توقف عليه الثواب يتبعض، العلم يتبعض، أليس كذلك؟ العلم يتبعض أو لا؟ لا إله إلا الله، يتبعض أو لا؟ يتجزأ أو لا؟

стр. 37

يتجزأ [نعم] تتعلم الفرائض، وتتعلم الفقه، وتتعلم التفسير، هذه متبعضة، تتعلم الفرائض المسألة الأولى الحقوق المتعلقة بالتركة هذه مسألة تضبطها من أصلها، وتجهل الحساب، وتجهل الحجب والتعصيب، لا بأس، تعلم هذه وتجهل هذه، إذًا هذا معنى التبعيض، حينئذٍ يتبعض، فكلما وُجد جزءٌ أو بعضًا منه ترتب عليه الثواب، إذًا «من سلك طريقًا يلتمس»، «طريقًا». هنا نكرة في سياق الشرط فيعُمْ، أدنى وأقل ما يُسمى طريقاً ولو سؤال بالهاتف نقول: دخل في النص، أليس كذلك؟ دخل في النص، لو ترفع سماعة تسأل مسألة حكم شرعي نقول: هذا يعتبرُ من طلب العلم ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] حينئذٍ اسألوا عمّا لا تعلموا، قد لا تعلم مسألة واحدة وأُمرتَ بالسؤال، فهو داخلٌ في هذا النص، إذًا طريقًا نقول: هذا نكرة في سياق الشرط فيعُم أدنى ما يُسمى طريقًا، والطرق مختلفة، والطرق والمناهج في طلب العلم مختلفة. «من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة». قال: ... «يلتمسُ فيه علمًا». علمًا هنا نكرة في سياق الإثبات، لأنها ليست داخلة على قول «سلك طريقًا». الذي هو فعلُ الشرط، وإنما قال: «يلتمسُ فيه علمًا» يعني يطلبُ فيه علمًا، أدنى ما يسمى علم أدنى، فهي نكرة في سياق الإثبات «سهّلَ» هذا الجواب «سهل الله له طريقًا إلى الجنة». رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة ﵁. وقال الشافعي في ((بيان فضل العلم)): طلب العلم أفضلُ من صلاة النافلة. انتبه طلب العلم أفضلُ من صلاة النافلة، وليس بعد الفريضة أفضل من طلب العلم. هذا عند التعارض، هذه تفهمُ عند الطلاب بفهمٍ سقيم، هذه العبارات نقول: تفهمها على ما قاله الإمام الشافعي، يعني هو يقولُ شيء وهو يعملُ به، فتنظر في سيرته كيف هو مع قيامه وقرآنه وصيامه ودعوته وتعلُّمِهِ وتعليمه، تفهم هذه العبارة، وأما أن تقف مع هذه العبارة ليس بعد الفريضة أفضل من العلم، ثم لا وتر [ها ها] ولا صلاة ولا قراءة قرآن بحُجّة ماذا؟ أن العلم أفضل من غيره، نقول: لا، ليس الأمر كذلك، إذ لو كان طالب العلم لا يقف إلا على الفرائض لماذا يتعلم؟ لماذا يتعلم ويحفظ السنن ويعرف المكروهات؟ لا، هذا مثل العوام، اعمل الفرائض واجتنب المحرومات والكبائر، وما بيْنَ بينْ حينئذٍ تكون كغيرك في تلك المسائل.

стр. 38

إذًا طلبُ العلم أفضلُ من صلاةِ النافلة إذا تعارضا، وأما الأصل لا، تعمل بكل سنة كُلّ سنة تعلمها قوليه أو فعلية أو تركية فالأصل - وخاصة طالب العلم فالأصل أن يكون سبّاقًا في تطبيقها - ثم إذا حصل تعارض بين المذاكرة بين الحفظ بين حضور الدرس مع بعض النوافل حينئذٍ لا بأس أن يقال: بأن هذا واجب فرض كفاية، وهذا نفل، ولا يمكن جمع بينهما فيقدم الفرض على النفل، هذا المراد، وليس المراد وأن يكون من سنن طالب العلم أن يهجر السنن ويهجر المستحبات ويفعل المكروهات بحجة ماذا؟ هذه العبارات، وليس بعد الفريضة أفضلُ من طلب العلم ولا شك في ذلك. وكفى بالعلم شرفًا أن كُل أحدٍ يدعيه وكفى بالجهل قبحًا أن كل أحدٍ ينكره. كُلّ واحد يظن أنه عالم، وإذا قيل له: يا جاهل. غضب مع كونه جاهلاً، فكل من انتسب إلى العلم ولو بالدعوى والكذب فَرِحَ وارتفع ونفح صدره، وإذا قيل له يا جاهل فهو محلّه [ها ها] حينئذٍ غضب (علمًا بأن العلم خيرُ ما سُعي) أي أفضل الأمرُ الذي سعى الإنسانُ فيه. ........ ما سُعي ... فيه وأوْلَى ماله العبدُ دُعي أي ومن أولى الأمر الذي طُلِبَ العبدُ له، يعني أمر العبد بتحصيله وهو العلم الشرعي، ولا يخفى التجنيس بين (سُعي) و (دُعي). وأنَّ هَذا العِلْمَ مخصوصٌ بما ... قَدْ شاعَ فِيهِ عِندَ كُلِّ العُلَمَا بأنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُفقَدُ ... في الأرضِ حَتَّى لا يَكَادُ يُوجدُ (وأنَّ) هذا معطوفٌ على ما سبق، (علمًا بأن العلم) وعلمًا بأن هذا العلم فهو معطوفٌ على ما سبق، فهو تعليلٌ للسابق، أن هذا العِلمَ هذا العلم الْمُحلَّى بأل إذا وقع بعد هذا وهو اسم إشارة حينئذٍ فسرت أل بالعهد الحضوري، أي العلم الحاضر الذي سيؤلفُ فيه وهو الفرائض، حينئذٍ قوله: (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ) المرادُ به علمُ الفرائض علمُ المواريث، والذي خصّهُ وقوعه بعد هذا، وهذا اسمُ إشارة لأنها تدل على الشيء الحسي هذا الأصلُ فيها أن يكون المشار إليه محسوسًا، وإذا كان كذلك فما بعده لا بد أن يكون حاضرًا، لا يشيرُ إلى شيء غائب وإنما يشير إلى شيء حاضر، ولذلك تفسر أل بعده بماذا؟ بالعهد الحضوري. (وأن هذا العمل مخصوصٌ)، ... (هذا) هذا اسم أنّ، والعلم بدل أو عطف بيان أو نعت، (مخصوصٌ) هذا خبر، (مخصوصٌ) يعتبر خبرًا عنه، يُقال اختص فلانٌ بكذا، انفرد والشيء اصطفاهُ واختاره، (وأن هذا العلم) قلنا: علم الفرائض مخصوصٌ يعني انفرد، (بِأَنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُفْقَدُ).

стр. 39

وقوله: (بما ** قَدْ شَاعَ فِيْهِ عِنْدَ كُلِّ الْعُلَمَا). هذه يبدُل ما بعدها منها حينئذٍ يفسر ما قبله بما بعده (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مَخْصُوْصٌ بِمَا)، يعني بالذي جار ومجرور متعلق بقوله: (مَخْصُوْصٌ). (قد) هذه للتحقيق. (شاع) أي: فشا واشتهر، (فيه) أي في هذا العلم وهو علم الفرائض، (عند) هذا متعلق بـ (شاع)، وهو مضاف وكل مضاف إليه، وكُل مضاف و (الْعُلَمَا) بالقصر للوزن مضافٌ إليه، بما قد شاع واشتهر وفشا فيه في ذلك العلم (عِنْدَ كُلِّ الْعُلَمَا) جميع العلما، (بأنه أوّلُ علمٍ يفقدُ ** في الأرضِ) يعني من الأرض، أول علمٍ يُفقد هو علم الفرائض، وردت آثار في ذلك، ولذلك قال: (بأنه). هذا متعلق بقوله: (مَخْصُوْصٌ)، (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مَخْصُوْصٌ) ويصح أن يكون بدلاً من قوله: (بما ** قد شاع). ما هو الذي قد شاع؟ [ها]؟ (بأنه أول علمٍ يفقدُ)، لأن قوله: (بما ** قد شاع فيه عند كل العلما). نقول: كأن # ٥٨.١٨ .. عن مذهب الإمام من هو؟ زيدٍ هنا، (بما ** قد شاع فيه عند كل العلما) ما هو؟ (بأنه أوّلُ علمٍ يفقدُ) حينئذٍ الجار والمجرور قد يبدلُ من الجار والمجرور، فيحتمل أن قوله: (بأنه). جار ومجرور بدلٌ من قوله: (بما قد شاع). (بأنه) أي علم الفرائض (أَوَّلُ) وأسبق علمٍ من علوم الشريعة (يفقدُ) أي يذهبُ ويزولُ، يقال فقد الشيء فقدًا فِقْدانًا ضاع منه والمال ونحوه عَدِمَهُ، والثاني مرادٌ. (في الأرض) في بمعنى من، من الأرض، لأن في الأرض دلت على الظرفية ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١]، يعني: على الأرض وليس المراد سيروا في الأرض يعني في داخل الأرض، وإنما سيروا على الأرض (في الأرض) أي من الأرض (حَتَّى لاَ يَكَادُ يُوْجَدُ) أي يُفقد في الأرض لفقدِ العلماء به، لا بانتزاعِهِ منهم لحديث: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال ولكن بموت العلماء». هنا قال الشارح: وعلمًا بأن هذا العلم هو علم الفرائض مخصوص بما قد شاع فيه عند كل الماء بأنه أول علمٍ يفقدُ في الأرض بالكلية، يعني قد يبقى منه شيء فلا يعارض ما ورد من الآثار، وإنما شاع عند العلماء أنه أول علمٍ يفقد لِمَا رواه ابن ماجه وابن المبارك والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «تعلموا الفرائض وعلموه، فإنه نصفُ العلمِ، وهو يُنسى وهو أول علمٍ ينتزع من أمتي». رواه البيهقي في سننه، وقال: انفرد به حفص بن عمر وليس بقوي. حديث مضعّف عند أهل الحديث. ولَمَّا كان علم الفرائض من يشتغلُ به قليل لتوقفه على علم الحساب وتشعب مسائله وارتباط بعضها ببعض كما في مسائل الجد والإخوة وغيره كان عرضة للنسيان، هذا عام في كل فن، فلأجل هذا حثّ ﷺ على تعلُّمِهِ وتعليمه. ولَمّا كان علم الفرائض من يشتغلُ به قليل لتوقفه على علم الحساب وتشعُّب مسائله وارتباط بعضها ببعض كما في مسائل الجد والإخوة وغيره كان عرضةً للنسيان، فلأجل هذا حثَّ ﷺ على تعلمه وتعليمه. قد يكون لأمرٍ ما - الله أعلمُ بحال هذا إن صحّ الحديث -. وأما قوله: فإنه نصف العلم فاختلف في معناه على أوجه أقربها أو المشهور أن للإنسان حالين:

стр. 40

- إما حيّ - وإما ميت. إما في حال حياة، وإما في حال موت، وهذا يتعلق بك متى؟ بعد موتك، إذًا هو نصف العلم. علم الشرع كله إما أن يتعلق بحياة الإنسان، وإما أن يتعلق بموته، هذا العلم متعلق بموت الإنسان لا بحال حياته، أقربها أن الإنسان حالتين حالة موت وحالة حياة، وفي الفرائض معظم الأحكام المتعلقة بالموت. وقال ابن عيينة لأنه يبتلى بها الناسُ كلهم. وقيل غير ذلك مما أضربنا عنه خوف الإطالة. وقد ورد في علم الفرائض أيضًا من الأحاديث والآثار مما يدل على فضله وشرفه أشياء كثيرة فراجعها في المطولات. إذًا (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مَخْصُوْصٌ)، قلنا: هذا العلم أي العلم الحاضر الآن، وقيل: أل هنا للعهد الذهني لقوله: (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زَيْدِ الْفَرَضِيْ). إذًا كنَّى هناك عن الفرائض بذكر زيد، لأنه زيد كلما ذُكر ذكرت الفرائض بناءً على ما ذُكر، حينئذٍ تكون أل للعهد الذهني لأنه ذكر الفرائض مكنيًّا عنها بزيد بن ثابت، وكونها للعهد الحضوري أولى.
следующие страницы →