← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 36126

شرح منظومة التفسير

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (384 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إذًا ومنه ما هو منقولٌ كفضلٍ وأسد لو سميت رجلٍ أسد، هذا منقول عن اسم حيوان معروف أو فضل وهو مصدر، وذو ارتجال كسعاد وأُدَد، سعاد قيل: هذا لم يسبق له استعمالٌ في غير الْعَلَمِيَّة كذلك أُدَد لم يسبق له استعمالٌ في غير الْعَلَمِيَّة، إذًا على هذا القول: بأن القرآن اسمٌ وعلمٌ. حينئذٍ يكون علم شخصٍ اسمٌ علمٌ غير مشتق خاص بكلام الله فإذا أطلق لفظ القرآن انصرف إلى كلام الرب جل وعلا، مثل ما تقول: قال زيد. فتعرف زيد أنه ذات التي أدركت ماهيتها وحقيقتها فهو غير مهموز لأنه وضع هكذا وما وضع بدون همز لا يمكن أن يهمز فإذا قيل: قران. فحينئذ يكون وزنه فُعَال، فُعَال قران فتكون النون أصلية والألف زائدة لأنها تكون لام الكلمة فعال قران ليس عندنا همز والألف هذه مقابلة للألف والنون تكون أصلية قران القاف هي فاء الكلمة والراء هي عين الكلمة قران والنون هي لام الكلمة، فصارت النون أصلية وهو وُضع ارتجالاً ابتداءً بدون همز وهذا منسوب إلى الشافعي. أخرج البيهقي والخطيب عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه يقول: القران اسم وليس مهموزًا ولم يؤخذ من قَرأت. إذًا غير مشتق لأنه لو أخذ من قرأت لكان الأصل فيه أنه مهموز لأن قرأ الهمزة هي لام الكلمة فصارت الهمزة أصلاً حينئذ يكون الأصل في المصدر لأنها وجدت في الماضي ولذلك بعضهم يستشكل يقول: كيف يقال القرآن مأخوذ من قرأ ومعلوم أن القرآن مصدر وقرأ فعل ماضي. والمصدر الأصل وأي أصلِ ... ومنه يا صاح اشتقاق الفعلِ كما هو مقرر عند البصريين على القول الراجح فكيف يقال: القرآن مأخوذ من قرأ؟ نقول: ليس قصدهم أنه فرع العام وإنما المراد أنه اجتمع معه في مادة الاشتقاق وأرادوا بذلك أن يستدلوا على أن الهمزة أصل قَرَأَ على وزن فَعَلَ، إذًا الهمزة هي لام الكلمة، إذًا قران سواء نطق بالهمزة قرآن أم حذفت الهمزة لإسقاط حركتها إلى الساكن قبلها فحذفت قران فحينئذٍ يكون وزنه فعلان كغفران ورجحان كما سيأتي. إذًا قال الشافعي ﵀: القران اسم وليس مهموزًا ولم يؤخذ من قرأت ولو أخذ من قرأت لكان كل ما قرئ قرآنًا ﵀ وهذا ليس بمُسَلَّم - ولو أخذ من قرأت لكان كل ما قرئ قرآنًا. نقول: لا، جعل علمًا على كلام الرب جل وعلا وحينئذٍ لا يجوز إطلاقه على كل ما قُرئ أما كونه مشتقًا منه. نحن نقول: هذا لا شك بتسليمه لو سُلِّمَ بكونه مشتقًا من قَرَأَ هل يَلْزَم منه أنه يُطلق القرآن على كل كلامٍ مقروء؟ الجواب: لا، لماذا؟

стр. 37

لأننا نقول بالاشتقاق ثم نجعله علمًا على كلام الرب جل وعلا فلا يجوز ماذا؟ استعماله في غيره صار توقيفًا، ولو أُخِذَ من قرأت لكان كل ما قرئ قرآن ولكنه اسم لكتاب الله مثل: التّوراة، والإنجيل. يهمز قرأت ولا يهمز القرآن. هذا قول من؟ قول الشافعي رحمه الله تعالى وهو إمام من أئمة اللغة. فقول الشافعي: هو اسم لكتاب الله. يعني: أنه اسم علم غير مشتق بل هو علم مرتجل. وقال آخرون: بل هو مشتق. ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل: مشتق من قرنت الشيء بالشيء إذًا مأخوذ من مادة الاقتران مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر فلماذا سمي القرآن كلام الرب جل وعلا قران وهو من قرنت الشيء بالشيء؟ فسمي بذلك لقران السور والآيات والحروف فيه، حصل اقتران وهو: ضم السورة إلى السورة، والآية إلى الآية، والكلمة إلى الكلمة، والحرف إلى الحرف. ومنه: قيل إذا قرن الحج والعمرة قران. لأنه ضم الحج إلى العمرة أو العمرة إلى الحج فسمي قرانًا من كونه ضم أحدهما إلى الآخر. هذا قول. وقال الفراء: هو مشتق من القرائن. عندنا القول الأول هو مشتق من ماذا؟ من القران وهذا مأخوذ على قول الفراء من القرائن لأن الآيات منه من القرآن يصدق بعضها بعضًا ويشابه بعضها بعضًا وهي قرائن، وعلى القولين يكون بلا همز على القول الأول بأنه مشتق من القران أو من القرائن يكون قران بلا همز ونونه أصلية. وقال الزجاج: هذا القول سهو. القول الأخير بأنه من القرائن سهو وفي بعض النسخ غلط والصحيح أن ترك الهمز فيه من باب التخفيف ونقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها هذا مطرد في الهمز قرآن هذا يحتمل إذا قيل: إنه من القرائن. لا نقطع بأنه ليس مهموزًا إذا قيل من القرائن نقول: قرآن. هذا أصله حصل تخفيف وجه التخفيف أسقطت حركت الهمز يعني: أُرِيد قُصِدَ حذف الهمزة لأن الهمز فيها ثِقَل أريد التخفيف فحذفت الهمزة لا يمكن أن يُحذف الحرف المحرك ابتداءً هكذا، لا بد أن يُتَوفَر إلى حذفه بكونه ساكن فألقيت الحركة الفتحة على الراء لذلك تقول: قُرْآن. بإسكان الراء فإذا حذفت الهمزة تقول: قُرَان. القُرَان بتحريك الراء بالفتح من أين جاءت الفتحة؟ من أين جاءت؟ هي حركة الهمزة إذًا قران أصله قرآن ألقيت حركة الهمزة وهي الفتحة إلى الراء ثم سكنت الهمزة فصح التخفيف حينئذ لأن حذف الحرف المتحرك هذا يستعصي لأن الحرف المتحرك قوي أقوى من الحرف الساكن فحينئذ لا بد من تضعيفه إدخال الضعف عليه فلا بد من إسقاط حركته فإذا سقطت حركته صار ساكنًا فضَعُفَ حينئذٍ تمكنَّا من حذفه.

стр. 38

واخْتَلَفَ القائلون بأنه مهموز قيل: هو مصدرٌ لقرأت كالرجحان والغفران. قَرَأَ يَقْرَأُ قَرْءًا وقرآنًا مصدر زيدت الألف والنون عليه كما سيأتي، إذًا مثل الرجحان والغفران، الغفران هذا مصدر وإن كان سماعيًا غَفَرَ يَغْفِرُ غَفْرًا هذا المصدر القياسي وغفران هذا مصدر سماعي، وقيل: هو الأصل وزيدت عليه الألف والنون - كما سيأتي -. قيل: هو مصدر لقرأت كالرجحان والغفران سمي به الكتاب المقروء من باب تسمية المفعول بالمصدر. وسيأتي هذا بمعنى أنه مقروء يعني: متلو. وقال آخرون - منهم الزجاج -: هو وصف على فُعْلان. وصف ليس بمصدر إنما هو وصف على وزن فُعْلان مشتق من الْقَرْءِ بمعنى الجمع، ومنه: قَرَأْتُ الماء في الحوض. أي: جمعته. إذًا قد يحتمل أن القرآن مشتق من الْقِران قران ويحتمل أنه من الجمع وهذان صوابان يعني: يحمل عليهما دون تفصيل. قال أبو عبيدة: وسُمِّيَ بذلك لأنه جمع السور بعضها إلى بعض. إذًا قيل: القرآن مأخوذ من الجمع لما سمي القرآن كلام الرب جل وعلا قرآنًا؟ لأنه جامع للسور بعضها إلى بعض وسيأتي وجه آخر. وقال الراغب الأصبهاني: بل لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة. وهذا أصح لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزلة لأنه لا يُقال لكل جمعٍ قرآن، هذا لا شك ولا لجمع كل كلامٍ قرآن، هذا لا شك وخاصةً إذا صار علمًا على كلام الرب جل وعلا حينئذٍ لا يصح نقله. وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها. هذه بعض الأقوال التي ذكرها السيوطي رحمه الله تعالى في ((الإتقان)) وكذلك الزكشي في ((البرهان)) ونقول: والأظهر والله تعالى أعلم أن القرآن في اللغة مصدر قَرَأَ - يعني ما سيأتي هو الأصح - مصدر قرأ بمعنى: تلا. أو بمعنى: جَمَعَ. مصدر قرأ بمعنى: تلا. أو بمعنى: جمع. لأن قَرَأَ يستعمل في التلاوة بمعنى التلاوة ويستعمل في معنى الجمع فهو لفظٌ مشترك أو مشترك لفظي مثل القرح والعين زيدت فيه الألف والنون كما زيدتا في الغفران يعني: القرآن الألف والنون زائدتان. تقول: قَرَأَ قَرْءًا وقرآنًا كما تقول: غَفَرَ غَفْرًا وَغُفْرَانًا فعلى المعنى الأول تَلا فهو مصدرٌ بمعنى اسمٍ المفعول، فحينئذٍ يكون القرآن بمعنى الْمَقْرُوء أي: الْمَتْلُوّ. فسمي القرآن قُرْآنًا لكونه مَتْلُوًّا لأنه مأخوذٌ من قَرَأَ بمعنى: تَلا. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧، ١٨]. يعني: تلاوته. فصار القرآن هنا مصدر لمعنى اسمٍ المفعول أي: الْمَتْلُوّ. فلذلك نقول: هذا المعنى صحيح سُمِّيَ الْقُرْآن قُرْآنًا لكونه مأخوذًا من قَرَأَ بمعنى تلا فيكون من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول فالْقُرْآن فُعْلان بمعنى الْمَفْعُول بمعنى الْمَقْرُوء والقرآن كلام الله تعالى مَقْرُوءٌ وهو متلو ولا شك في هذا فالمعنى صحيح.

стр. 39

وعلى المعنى الثاني الذي هو جَمَعَ، قلنا: قَرَأَ يأتي بمعنى تَلا ويأتي بمعنى جَمَعَ - كما ذكرناه في السابق - إنه يقال: قَرَأْتُ الماء في الحوض. بمعنى: جمعته. أي: جمعته. وعلى المعنى الثاني جَمَعَ فهو مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل فالقرآن بمعنى قارئٍ جامع، القرآن جامع، جامعٌ لأي شيء؟ جامعٌ لثمرات علوم الكتب السماوية التي أُنْزِلَتْ قبله وزاد عليها أليس كذلك؟ أليست أصول التوحيد والغيب والإيمان باليوم الآخر موجودة في القرآن؟ إذًا جمع، وموجودة قبل ذلك لأنه متفقٌ عليها بين الأنبياء فهي موجودةٌ في ما سبق وزاد عليها بأمور انفردت بها شريعة النبي صلى عليه وآله وسلم، ولذلك جاء في القرآن ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿مِن شَيْءٍ﴾ هذا نكرة في سياق النفي وزيدت عليها ﴿مِن﴾ فدل على أنها نصٌ في العموم إذًا ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وعليه فالقرآن أصله مهموز لأن أصله ماذا؟ قَرَأَ سواءٌ كان بمعنى تلا أو بمعنى جَمَعَ لأنه يستعمل في المعنيين تلا، وجمع فيكون القرآن الأصل فيه أنه مهموز أو ليس بمهموز؟ مهموز هذا هو الأصل فيه فإذا قرأ ابن كثير قران نقول على أي جهة؟ على جهة التخفيف أصله قرآن، فخفف بإسقاط حركة الهمز إلى الراء فحذفت الهمزة فصار قران. على الهمز وترك الهمز وزنه فُعْلان مطلقًا سواءً ذكرنا الهمز نطقنا بها أو لم ننطق بالهمزة لماذا؟ لأن الهمز هنا حذفت تخفيفًا يعني: لعلة لغرض. فحينئذٍ صارت كالموجودة فتراعى في الوزن، إذًا وعليه فالقرآن أصله مهموز خُفِّفَ بنقل حركة الهمز إلى الساكن قبلها ثم حذفت فوزنه فُعْلان، وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى وزنه فُعَال. فرقٌ بين فُعْلان وبين فُعَال، واستشكل البعض باجتماع معرفين وهي: الْعَلَمِيَّة والألف واللام. القرآن، القرآن صار علم على كلام الرب جل وعلا، والعلم معرفة وال المعرفة لا تعرف المعرفة أليس كذلك؟ لا تدخل على المعرفة وإنما تدخل على النكرة نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا إذًا ضابط النكرة كل ما صَلَحَ لدخول أل عليه والقرآن بدون أل علم على كلام الرب جل وعلا فحينئذٍ نقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. هذا قرآن أَتَى بأل وهي معرفة وقرآن حيث هو قبل دخول أل هو علم فكيف عُرِّفَ الْمَعْرِفَة؟ فالجواب أن يقال: أمرٌ سهل أن أل هذه زائدة وليست للتعريف، وإنما هي للمح الصفة، لمح الصفة يعني: قبل جعل لكونه منقولاً إذا نُقل الاسم فصار علمًا حينئذٍ صار علمًا إذًا صار تعريفه بالْعَلَمِيَّة فهو نوعٌ من أنواع المعارف إذا أردت الإشارة عند التكلم للدلالة على أنه منقولٌ عن ذاك المعنى تُدْخِلُ عليه أل وهذه الأل زائدة ليست معرفة ولذلك قال ابن مالك: نكرةٌ. ﵀ قال: نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا

стр. 40

أل المعرفة. ليست كل أل تكون للتعريف قد تكون أل مؤثر التعريف يعني: استفاد منها مكفولها التعريف رجل الرجل صار معرفةً، وليد الوليد هكذا يقول الناس: أبو الوليد. الوليد وليد تقول: هذا اسم علم منقول وليد فعيل يعني: مولود هو مولود هذا وصف نقل إلى الْعَلَمِيَّة فحينئذٍ إذا أردت الدلالة على المعنى الذي نُقِلَ عنه وأنه مولود تُدخل عليه أل فتقول جاء الوليد تشير إلى ماذا؟ أل هذه ليست معرفة لأنه هو معرفة علم وإنما تشير إلى كونه منقولاً عن ذات الوصف الذي هو كونه مولود. كذلك عباس علم مشتق من العبوسة فإذا رجل اسمه عباس وقد وافق الاسم المسمى في وجه عبوس وكذا فتقول: جاء العباس. تقصد به ماذا؟ أنه جاء عابس الوجه وإلا هو لوحده عباس هذا عَلَم حينئذ لا يعرف، القرآن قرآن علم فإذا أدخلت عليه أل دلَّ على أن منقول من قَرَأَ بمعنى: تَلا. أو من قَرَأَ بمعنى: جَمَعَ، ولا إشكال. واستشكل البعض اجتماع معرفين وهما الْعَلَمِيَّة والألف واللام وواضح أن اللام زيدت للمح الصفة. إذًا عرفنا أن القرآن هذا لفظ إذا أطلق انصرف إلى كلام الرب جل وعلا، إذًا صار علمًا علم جنس أو علم شخص؟ علم شخص، لماذا؟ لأن مدلوله مشخص محدود، وهذا المحدود هل هو في الذهن أو في الخارج؟ في الخارج فحينئذٍ صار علم لشخص هذا من باب التفسير الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص، علم الجنس مدلوله في الذهن لا وجود له في الخارج فحينئذٍ إذا قيل القرآن علم من أي النوعين؟ علم شخص أو علم جنس؟ نقول: علم شخص. شخص من التشخص له شخص له ماهية له حقيقة يدرك حينئذ تقول: هذا القرآن من أوله إلى آخره. إذًا هذا صار شخصًا فصار له كالعَلَمِ الشخصي، ويطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن كل القرآن مسماه قرآن من الفاتحة إلى الناس ويطلق على بعضه، إذا سمعت شخصًا يتلو آية فتقول: يتلو قرآن. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قرأ القرآن ماذا؟ كله أو بعضه؟ بعضه إذًا صح إطلاقه على بعض كلام الرب جل وعلا، ولذلك هو نقول: يطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن كل القرآن من أوله من الفاتحة إلى سورة الناس، وعلى كل سورة من سوره، وعلى كل آية من آياته، ولذلك إذا سمعت من يتلو آية من القرآن صح أن تقول: إنه يقرأ القرآن. والآية واضحة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وإذا قيل: إنها في الصلاة. حينئذ لا يقع في الصلاة في الركعة الواحدة أو الركعتين كل القرآن إنما يقرأ بعض القرآن فصح إطلاق لفظ القرآن عليه، هذا من جهة القرآن من جهة المعنى اللغوي ومن جهة الاشتقاق.

стр. 41

أما مسماه في الاصطلاح يعني الشرعي المشهور في تعريفه بالطبع لا يمكن في مثل هذا أنه يُؤتى بحد على طريقة المناط إلا اللهم في حالة واحدة. إذا قيل: ما هو القرآن؟ وأردت تعريف القرآن بحد تام يصدق على مسمى القرآن حينئذ تقول: إذا أريد تعريف القرآن بحد تام لا يَدْخُلُ فيه غيره ولا يخرج عنه فرد من أفراده تقول: القرآن هو: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١، ٢] وتقرأه من أوله إلى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ... [الناس: ٦] صحيح إذا أُرِيد تعريف القرآن بحد شامل ما يُسمَّى بالحد الحقيقي لا يخرج عنه فرد من أفراده ولا يدخل فيه غيره ولا يَرِدُ عليه غيره أي إيراد فتقول: القرآن هو: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم تقرأ القرآن كاملاً إلى آخره، وأما ما عداه فحينئذٍ لا بد من التقريب فقط ولو طبقت عليه من باب الإخراج والإدخال هذا من باب التقريب ولذلك يسمى رسمًا، أما الحد الحقيقي فهو كما ذكرناه، وذلك بعضهم يدخل قيدًا وبعضهم يخرج الآخر وهلم جر يعني: يختلفون في القيود التي يمكن أن يُحَدَّ بها القرآن. والمسلم لا يحتاج أن يُعَنْوَنُ له فيقال: القرآن كلام الله إلى آخره إلا من باب إثبات أنه صفة لله وما زاد على ذلك فهو معلوم والمشهور في تأليفه أنه: كلام الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد ﷺ المتعبد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس. وسيأتي أنه زاد في النظم هناك في المقدمة: المعجز بلفظه. وسيأتي أنه هذا من فوائده. إذا قيل: بأن هذا هو مسمى القرآن نحن نُفسر الآن ما هو؟ نُفسر مسمى القرآن عندنا اسم وعندنا مسمى، لو قيل: ما الدليل على أن هذا التعريف هو مسمى القرآن؟ لو قال لك قائل: ما الدليل أنت الآن تقول الله بقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي﴾ [الإسراء: ٩]. وأنت تقول: أن هذا القرآن مسماه كلام الله تعالى إلى آخره ما الدليل؟ نقول: الدليل قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٣]. فدل على أن المنزل هو القرآن وليس ثم منزل إلا كلام الرب جل وعلا كذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]. فدل على أن المنزل هو: القرآن. وهو: كلام الرب جل وعلا. إذًا كلام الله فكلام هذا على اصطلاح المناطقة جنس يشمل كل كلام، كلام الإنس، كلام الملائكة، كلام الجن إلى آخره كل من يمكن أن يتكلم فيصدق عليه أنه كلام، لما أريد تقيده وإخراجه ما عدا كلام الرب جل وعلا أضيف لأن التقيد إما أن يكون بوصف أو بإضافة «خمس صلوات» حصل التقييم هنا بماذا؟ بالإضافة، ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١] حصل هنا بالوصف.

стр. 42

إذًا كلام الله أضيف الكلام إلى لفظ الجلالة فأخرج ما عداه من كلام الإنس والجن والملائكة، كلام الله تعالى كلام مسمى كلام الرب جل وعلا على ما هو المقرر في كتب النحو أنه اللفظ والمعنى معًا، لأن كثير ممن يكتب في هذه المسائل في علوم القرآن وفي التفسير إنما يقصدون بالكلام هو: المعنى دون اللفظ إلا في أصول الفقه فيعنون به اللفظ مجازًا، والمعنى يحيلونه على علم أصول الدين ولذلك عَرَّف القرآن السيوطي في ((الكوكب الساطع)) بقوله: أما القران ها هنا. جزء القرآن. أما القرآن ها هنا فالمنزل ... على النبي معجزًا يفصَّل إذًا القرآن في كتب أصل الفقه المراد به اللفظ، والمراد بالقرآن في أصول الدين عندهم علم الكلام ليس في العقيدة السلفية إنما هو علم محدث مبتدع المراد به الكلام النفسي، وإطلاق الكلام على المعنى النفسي أو الحديث حديث النفس هذا إطلاق حقيقي، واختلفوا في إطلاق الكلام على اللفظ هل هو حقيقي أو مجازي؟ المرجح عندهم أنه مجاز لماذا؟ لأن حقيقة صفة كلام الرب جل وعلا هو المعنى القائم بالناس والكلام أو اللفظ، اللفظ عبارة ودليل عن المعنى القائم بالنفس وهذا باطل بالنص لقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦]. والذي يسمع هو اللفظ دالاً على معناه، وهذا واضح ولا إشكال فيه ولذلك لا يعرف خلاف عن السلف في مثل هذه المسائل، والخلاف محدث وقيل: أول ما قال بالتفرقة هو الكُلابي. ولذلك الأشاعرة كُلابية المعنى هم يرجعون إلى الكُلابي من جهة إثبات أن المراد بالكلام هو المعنى النفسي وإطلاقه بأن المراد به المعنى النفسي يرده النص الذي ذكرناه ويرده إجماع النحاة بأن الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، هذا مجمع عليه عند النحاة، وكذلك لو صح إطلاق القول على، لأن القول كلام بمعنًى لو صح إطلاقه على المعنى النفسي حينئذٍ لم احتاج إلى قيد في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]. لأن حديث النفس هذا لا ينكره أحد هو موجود لا إشكال فيه هل أحد ينكر حديث النفس المعنى القائم في النفس؟ لكن هل هو كلام حقيقة أو لا؟ هذا محل النزاع هم يقولون: إذا أطلق لفظ الكلام؟ هكذا دون أن يقيد انصرف إلى معنى قائم بالنفس ولا يدل على اللفظ إلا بقرينه لأنه مجاز كذلك إذا أطلق القول انصرف إلى ماذا؟ إلى ما في النفس ولا يدل على اللفظ إلا بقرينه لأنه مجاز. نقول قوله جل وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]. ﴿فِي أَنفُسِهِمْ﴾ ... [المجادلة: ٨] جار مجرور متعلق بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ [المجادلة: ٨]. فلو كان القول إذا أطلق عن القيد انصرف إلى المعنى النفسي لما قيده؟ كأنه قال: يقولون في أنفسهم في أنفسهم. لأن القول إذا أطلق انصرف إلى المعنى النفسي فلم قيد؟ فدل على ماذا؟ دل على أن الأصل في اللفظ أن الأصل في القول هو اللفظ لأن العلم معناه ولذلك عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: الكلام للفظ والمعنى كالإنسان للجسد والروح. الآن إذا قيل: هذا إنسان. نقول: هذا إنسان مسماه الجسد والروح معًا. هل هو الروح دون جسد أو الجسد دون الروح؟

стр. 43

لا، لا يمكن أن يطلق ويراد به الإنسان، ولذلك من الباطل أن يقال: ... ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]. أنه بروح دون جسد نقول: العبد إذا أُطلق يحمل على مسماه وهو الروح والجسد معًا. فإثبات الإسراء للروح فقط دون الجسد يحتاج إلى دليل نقول: لا مانع في الشرع لكن ائت بدليل، والأصل حمل اللفظ على ظاهره كذلك الكلام بالنسبة للفظ والمعنى كالإنسان باعتبار الجسد والروح. على كلٍ إطلاق الكلام على ما المعنى القائم بالنفس نقول هذا محدث وبدعة وضلال. لماذا؟ لأنه ينبني عليه تحريف كلام الرب جل وعلا وبأن القرآن الذي بين أيدنا المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور هذا ليس بكلام الرب جل وعلا، حينئذٍ صاروا بذلك يقولون الأشاعرة كالمعتزلة في أن القرآن مخلوق لكن يقولون: لا يُصرح به تأدبًا وإنما يذكر في مقام التعليم فقط عند الطلاب. يقال: القرآن مخلوق. وما عدا ذلك لا يكون كلام الله والإضافة حينئذٍ تكون من باب إضافة تشريف ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣] مثلها كلام الله، وهذا باطل. على كلٍّ كلام الله لفظًا ومعنى وانتبهوا من الكتب التي في التفاسير وفي علوم القرآن ونحوها ولذلك يذكروا حتى في المصطلح لا يكاد يَسْلَم يقولون: الحديث ضد القديم. في تعريف الحديث ضد القديم قد يكون في اللغة لا إشكال يُبحث عنها لكن يقول: هو سمي الحديث حديثًا لماذا؟ لأنه مقابلٌ لكلام الرب جل وعلا لأنه ماذا؟ قديم صفةٌ قديمة قائمةٌ بالنفس. وهذا باطل. فتجد لوثة الأشعرية لا يكاد يسلم منها علم في النحو، في الصرف، في البيان في البيان حدث ولا حرج. كلام الله تعالى المنزل على عبده، المنزل يخرج كلام الله الذي استأثر به هل كل كلام الله جل وعلا منزل؟ هل كلام الله هو القرآن فحسب أم أنه أعم؟ القرآن من كلام الله من بعض كلام الرب جل وعلا وليس كل كلام الرب جل وعلا فلذلك ليس كل كلامٍ يكون مُنَزّل فقوله: الْمُنَزَّل. كلام الله تعالى المنزل احترز به أو أخرج عن كلام الرب جل وعلا الذي استأثر به ولم ينزل ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف: ١٠٩] على محمدٍ ﷺ يُخْرِجُ ما أَنْزَلَ من الكتب أو ما أُنْزِلَ من الكتب على الأنبياء قبله كالتوراة، والإنجيل وغيرهما لأنه مقيد (الْمُنَزَّلُ) على محمد قد أنزل الرب جل وعلا التوراة، وأنزل الإنجيل وهي من كلامه جل وعلا لكنها ليست بقرآن وعند الأشاعرة ونحوهم كلها قرآن المعنى واحد واختلف باختلاف ماذا؟

стр. 44

المنزل عليه، فالقرآن سُمِّيَ قرآنًا لكونه منزل على محمد وسمي عينه توراة وسمي إنجيلاً هذا كله من الخلط. إذًا على محمدٍ ﷺ يُخرج ما أنزل من الكتب على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل وغيرهما كصحف إبراهيم وموسى، متعبد بتلاوته ما المراد بالمتعبد؟ يعني: ما أمر به الشرع أن يُتَّخَذَ عبادة، لأن العبادة هذا شأنها اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الرب جل وعلا ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، نقول: هذا عبادة. كل ما أمر به الشرع فهو عبادة كل ما حبه الشرع فهو عبادة، كل ما جاء النص بأن الرب جل وعلا رضي عنه فهو عبادة، كل ما مُدِحَ فَاعِلُوه فهو عبادة. كيف نحكم على الشيء بأنه عبادة، هل كل قول بأنه عبادة؟ لا. هل كل فعل هو عبادة؟ نقول: لا، لا بد من ضابط وهذه المشكلة قد يُشكل على البعض حتى من طلاب العلم كون هذا الشيء عبادة أو ليس بعبادة ما الذي ينبني عليه؟ ينبني أولاً أنك تعرف أن هذا عبادة وصرف العبادة لغير الله جل وعلا كلها أو بعضها ما حكمه؟ شرك. إذًا الذي لا يميز العبادة عن غيرها كيف يسلم من الشرك، عبادة قد تكون بالقلب، وقد تكون باللسان، وقد تكون بالجوارح، إذًا ثلاثة الأركان محلٌ للتعبد للرب جل وعلا قولاً وعملاً وتركًا فالذي لا يميز هذا عن ذاك لا يكاد يسلم من الوقوع في الشرك ولو كان خفيًّا، إذًا المتعبد بتلاوته أي: المأمور بتلاوته وقراءته في الصلاة وفي غيرها على وجه قربة والطاعة حينئذٍ نقول: القرآن متعبدٌ بتلاوته. أخرج ماذا؟ الحديث القدسي على القول بأن لفظه ومعناه من عند الرب جل وعلا، وأما إذا قيل بأن المعنى من عند الرب جل وعلا ولفظه من عند النبي ﷺ فلا إخراج وإنما يكون الإخراج حينئذٍ للآيات المنسوخة (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) فقل هذا نُزل أولاً لكنه رُفِعَ فحينئذٍ لا يكون متعبدًا بتلاوته، نحن نعرف أن هذه كانت آية لها حرمة ولما نسخت تلاوتها هل يصح أن تُقْرأ في الصلاة؟ لا يصح. هل هي كلام الرب منزل؟ نعم كان ثم رفعت لها الحرمة بالنسخ ولله أن ينسخ ما يشاء كما يشاء فحينئذٍ نقول: هذه منسوخة فلا يُتعبد بتلاوتها. إذًا المتعبد بتلاوته أخرج الحديث القدسي إن قلنا: إنها منزلةٌ من عند الله تعالى بألفاظها فهو غير متعبد بتلاوتها وخرج أيضًا منسوخ التلاوة. إذا عرفنا أيضًا الآن الطرفين المركب الإضافي علوم القرآن علوم في اللغة والاصطلاح، والقرآن في اللغة في الشرع يرد السؤال ما المراد بـ: علوم القرآن بالمعنى الإضافي؟

стр. 45

فبناءً على هذين التأليفين يمكن أن نعرف القرآن بالمعنى الإضافي فنقول: علوم القرآن عبارةٌ عن طوائف المعارف المتصلة بالقرآن. طوائف بمعنى طائفة مثل قوله هناك: جملة. يعني: بعض. طوائف المعارف جمع معرفة والمراد بها المساء لأنها جزئيات ولذلك بعضهم يفرق بين الجزئيات والكليات فيطلق على كليات بأنها علم على الجزئيات بأنها معرفة، المتصلة بالقرآن يعني: كل علمٍ له اتصالٌ من قريبٍ أو بعيدٍ فهو علمٌ من علوم القرآن فيدخل فيه العقيدة والتوحيد، والفقه، والحديث، وأصول الفقه، واللغة العربية بأنواعها، فكل علمٍ له عَلاقة بالقرآن فهو علمٌ من علوم القرآن واضح هذا. فحينئذٍ صار علوم القرآن مرادفًا لعلوم الشريعة صار لفظ علوم القرآن بالمعنى الإضافي مرادفًا لعلوم الشريعة لأن علوم القرآن الفقه من أي مأخوذ؟ السنة عمومًا السنة ما الذي دل عليها في حجيتها وإثباتها؟ القرآن. إذًا هي داخلة في القرآن كل السنة من علوم القرآن، والفقه المستنبط من القرآن والسنة إذًا هو من علوم القرآن، وكلُ علمٍ كان وسيلةً للفقه في الوحيين دل عليه بماذا؟ بالقرآن إذًا كل العلوم الشرعية من علوم القرآن، كل ما اتصل بالقرآن من قريبٍ أو بعيدٍ فهو علمٌ من علوم القرآن، لكن هل هذا يصح هنا أن يجعل عنوان لعلمٍ يستقل بحدٍ أو موضوعٍ يطابق به الحديث والتفسير وأصول الفقه و .. و .. و ... إلى آخره هل يصلح هذا أن يكون فنًا يتميز بنفسه وبموضوعه عن سائر الفنون؟ الجواب: لا، حينئذٍ صار هذا التعريف، التعريف ثابت ولا بد لأن دلالة اللفظ بالتركيب الإضافي تدل على هذا فحينئذٍ نقول: هذا التعريف لا يصلح أن يكون لفنٍ مستقلٍ عن غيره من الفنون فلا بد من تعريفٍ أدق وأضبط بحيث يصير عَلَمًا دون الأول. إذًا نقول: علوم القرآن عبارة عن طوائف المعارف المتصلة بالقرآن. يعني: كل معرفةٍ اتصلت بالقرآن تدخل تحت علوم القرآن بالمعنى الإضافي فيشمل ذلك كل العلوم الشرعية من التفسير والحديث والفقه والأصول واللغةِ فكل هذه العلوم تعين على فهم معاني القرآن ومقاصده، فكل ما يتصل بالقرآن من قريبٍ أو بعيدٍ يدخل تحت هذا التعريف فصار علوم القرآن مرادفٌ لكل العلوم الشرعية، فحينئذٍ لا بد من تخصيص هذا المفهوم فنقول بالحد الثاني وهو كونه لقبًا وعلمًا على الفن المستقل بذاته وبموضوعه علوم القرآن: هو علمٌ ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله، وترتيبه، وكتابته، وجمعه، وقراءته، وتفسيره، وإعجازه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه. إلى غير ذلك من المباحث التي تُذكر في أنواع علوم القرآن. حينئذٍ تقول الاختصار: علمٌ ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله، وترتيبه، وما يتبع ذلك من التتمات التي ستذكر في أنواع علوم القرآن.

стр. 46

أنواع علوم القرآن هي مسمى هذا الفن الذي يكون بالمعنى اللقبي العالمي بحيث إذا أُطلق اللفظ انصرف إلى هذا المعنى، إذا قيل: أصول الفقه انصرف إلى القواعد الكلية الإجمالية التي تثبت بها الفقه، إذا قيل: علوم القرآن. بالمعنى الإضافي ينصرف إلى أي شيء لا يتعين مسماه لأنه يُعم كل العلوم الشرعية لكن نريد أن نحده بحل بحيث إذا أطلق انصرف إلى معنى معين فنقول: علوم القرآن هي المباحث التي ذكرها الناظم هنا (بالخَمْسِ والخَمْسِينا) من الخمسةِ والخمسين نوعًا، فكل نوعٍ من هذه الأنواع الخمسة والخمسين هي من مسمى علوم القرآن ولذلك قيل: علمٌ ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وما يتبع ذلك. ولذلك قال الناظم: (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ ونَحْوِهِ) لأنه لا يمكن أن يعد ثمانين أو يعد مائة واثنين أو يعود خمسة وخمسين ويجعلها تعريف، لا، وإنما كل ما يتعلق بفهم القرآن على جهةٍ معينة خاصة وهي الوقوف على مكيه، وترتيبه، ونزوله، وآياته وعدد سوره إلى آخره هذا هو مبحث فن علوم القرآن. إذًا عرفنا حد علوم القرآن. إذًا يسمى علوم القرآن وهذا هو المشهور يرادفه عند المتقدمين علوم التفسير سواء كان بالإفراد أو بالجمع يقال: علم القرآن. كما ذكرناه عن مقاتل بالأمس ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: الحكمة ما هي؟ علم القرآن. وذاك عن سفيان قال: الفهم والإصابة. علم القرآن مفرد ولكنه أضيف إلى ماذا؟ إلى معنى فاكتسب التعريف فصار علوم القرآن ولذلك يقال: علم القرآن وعلوم القرآن. بالإفراد وبالجمع ويرادفه عند كثيرين علوم التفسير وعلم التفسير ولذلك سمى السيوطي ﵀ كتابه ((التحبير في علم التفسير)) هذا على النسخة المطبوعة، وفي ((الإتقان)) قال: ((التحبير في علوم التفسير)) علوم بالجمع في علوم التفسير وهو مرادفٌ لعلوم القرآن ويسمى أصول التفسير ويسمى علم التفسير ويسمى علم التنزيه ويسمى أيضًا قواعد التفسير كلها أسماء لمسمى واحد. موضوعه: كلام الله تعالى من حيثيةٍ مذكورة يبحث في أي شيء هذا الفن يبحث في ماذا؟ في كلام الله جل وعلا من حيث نزوله وترتيبه إلى سائر الأنواع التي تذكر في مظانها. فائدته: التوصل إلى فهم معاني القرآن والعمل بما فيه بعد الفهم، ولذلك ما أنزل القرآن إلا من أجل العمل ولذلك عند جماهير أهل العلم أن التفسير واجبٌ بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ذمهم أو لم يذمهم؟ ذمهم والذم إنما يترتب على ماذا؟ على ترك واجب، والتدبر إنما يكون بعد الفهم يعني: يتأمل ويتدبر ثم يحصل العبرة والعظة من النظر في القرآن ولم ينزل القرآن من أجل أن يقرأ فقط وإن كان متعبد بتلاوته لكنه ليس هو المقصد الأساسي من إنزال القرآن وإنما المراد به العمل. واضعه: الرب جل وعلا ونبيه ﷺ لذلك هو علم إلهي وإن استنبط بعض أهل العلم بعض الفوائد فمصدرها في الأصل هو: القرآن. استمداده: من القرآن نفسه والسنة وأساليب العرب. مسائله: ما يبحث فيه من معرفة المكي، والمدني، والصيفي، والشتائي إلى آخره.

стр. 47

نسبته: أنه من العلوم الشرعية ولا شك بل يتوقف فهم معاني كلام الرب جل وعلا وهو التفسير على معرفة أنواع علوم القرآن. فضله: أنه من أشرف العلوم وأجلها. لأن العلوم تشرف بشرف موضوعاتها وموضوعه أجل وأشرف لأنه كلام الرب جل وعلا، هذا العلم من حيث النشأة بعضهم يرى أنه لم يكتب في علم علوم القرآن إلا متأخرًا بل ذكر السيوطي أنه لم يعرف إلا الْبُلْقِيني رحمه الله تعالى في كتابه: ((مواقع العلوم من مواقع النجوم)). فقال: أول من ألف في علوم القرآن على جهة الجمع هو الْبُلقيني فبدأ ثم هو أتمه في كتبه الثلاثة لأنه ألف أولاً: ((التحبير))، ثم ألف بعد ذلك ((الإتقان))، و ((التحبير)) ذكر فيه مائة ونوعين من أنواع علوم القرآن، ثم ألف ((الإتقان)) يعني: وسع المدارك. وجمع بعض تلك الأنواع مع بعض فصيرها ثمانين نوعًا، ثم اختصر قيل اختصر ((مواقع العلوم)) للبُلقيني في رسالته ((النقاية)). لكن هذا الكلام ليس بسديد كون البلقيني هو أول من صنف في علوم القرآن ليس بسديد بل علوم القرآن نشأت مع نزول القرآن وإن لم تدون ابتداءً إلا على جهة العلم الجزئي لأن التأليف لما كان هنا وهذا أمرٌ يعني يدرك بالحس أيضًا كالطفل أول ما ينشأ يَنشأ شيئًا فشيئًا مثله العلوم لكنها تكون موجودة أولاً في عهد الصحابة ثم بعد ذلك من جهة التزويد تنشأ كنشأة الطفل شيئًا فشيئًا ولا تولد هكذا وإنما تكون مستقرة، ولذلك كيف صار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تُرجمان القرآن فقد دعا له النبي ﷺ بأن يعلمه الكتاب في رواية البخاري يعلمه التأويل وراوية البخاري أعم يعلمه الكتاب يعني: علم الكتاب، وعلم الكتاب هذا أعلم من التفسير وإن فُسِّرَ التأويل بمعنى التفسير على طريقة السلف. فحينئذٍ نقول: ترجمان القرآن صار مفسرًا صار إمامًا في التفسير صار مرجع الأمة حجة في التفسير وهل يمكن أن يكون كذلك دون الوقوف على المكي والمدني وأسباب النزول ونحو ذلك؟ لا يمكن لأن بالمكي مثلاً والمدني يعرف المتأخر من المتقدم فعند عدم الإمكان يحكم بأن المدني ناسخ للمكي إذًا ينبغي عليه فائدة كبيرة عند المفسرين، كذلك أسباب النزول هذه تفيد في فهم كما نص شيخ الإسلام ﵀ على ذلك أنها تعين على فهم المراد من الآية، قد يغلق المعنى على المفسر فإذا وقف على سبب النزول أدرك حينئذٍ صار معينًا أو لا؟ صار معينًا لا شك فحينئذٍ نقول: العلم كان موجودًا. ولكن الصحابة لكونهم فصحاء وأرباب اللغة واللسان ومعاينته للنبي ﷺ قد يُدركون الكثير دون حاجةٍ إلى السؤال عنها من النبي ﷺ فيدركون ما أشكل عليهم أو خفي عليهم سألوا عنه، ولذلك لم يفسر كل القرآن للنبي ﷺ لماذا؟ لأن بعضه يدرك كما نص ابن عباس على ذلك أنه على أربعة أنحاء بعض يدركه العربي القح فيفهم المراد دون الرجوع إلى النبي ﷺ ولذلك كان ما ثبت في تفسير القرآن من الحديث المرفوع عن النبي أقل لو نظر إلى - هو في نفسه كثير - لكن باعتبار القرآن ستة آلاف آية مثلاً فنقول: هذا قليل. لماذا؟

стр. 48

ما وجهه ما سره الصحابة فصحاء أقحاح يعني: يفهمون من اللغة من النحو والبيان والصرف وإن لم تدون تلك العلوم. ولذلك كما قيل في فن أصول الفقه أنه موجودٌ بالسليقة والطبيعة ومأخوذ في أنفسهم والنحو كذلك فنقول: كذلك علوم القرآن موجودة عندهم وهم أهل القرآن، وهم أهل التفسير وهم أعلم ممن جاء بعدهم بتفسيرهم أو الوقوف على مراد الرب جل وعلا وما هذه العلوم إلا شروط في المفسر، فحينئذٍ نقول: العلم كان موجودًا. لما توفي النبي ﷺ واتسعت رقعة البلاد وكثر الناس ووقع شيءٌ من الخلاف والاختلاف في القراءة ظهر أول نوعٍ من أنواع علوم القرآن وهو: جمع القرآن. ثم نشأ رسم القرآن أو الرسم العثماني وهو نوعٌ من أنواع علوم القرآن إذًا وجد أو لم يوجد؟ وجد، كذلك التفاسير التي وجدت من عهد التابعين ولذلك ينسب تفسيرٌ لسعيد بن جبير وأيضًا الحسن البصري وشعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، كلهم جمعوا تفاسير في أقوال الصحابة أو جمعوا أقوال الصحابة في التفسير وكبار التابعين. والتفسير ما هو التفسير؟ هو نوعٌ من أنواع علوم القرآن، وما علوم القرآن إلا خدمة لعلم التفسير، فهو أجل أنواع علوم القرآن فإذا وجد أجل أنواع علوم علُوم القرآن وكانت سائر علوم القرآن خدمة لهذا الفن وهو فن التفسير هل يمكن أن يقال بأن علوم القرآن لم يدون فيه شيئًا البتة حتى جاء الْبُلقيني؟ والتفاسير هذه من لدن سعيد بن جبير إلى عهد البلقيني كلها نقول: ليست في علوم القرآن؟ الجواب: لا، لأنه ما من تفسير إلا ويذكر فيه سائر الأنواع من جهة الإنزال، من جهة الجمع، من جهة عدّ الحروف، من جهة القراءات، من جهة معرفة لكونه مكيًا، أو مدنيًا، حضري، أو سفري ... إلى آخره، فيذكر في ضمن التفاسير وإلا ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى وهو مُتوفى سنة عشر وثلاثمائة قد جمع أجل تفسير إلى يومنا هذا، أعظم تفسير من تفاسير السلف هو تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى ويغني عن غيرِهِ وغيرُهُ لا يغني عنه البتة فحينئذٍ نقول ماذا؟ نقول: وجد أهم وأعلى درجات أنواع علوم القرآن وما ذكر بأن الْبُلقيني هو أول من صنف إلى آخره فهذا ليس بسديد ولا نطيل في هذا المقام والوقت قد أدركنا. وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 49

عناصر الدرس * تابع للمبادئ العشرة. * الفرق بين القرآن والحديث القدسي. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) أراد أن يبين لك في هذا الباب بعضًا من مقدمة العلم الذي ذكرنا بعضها أو كلها في الدرس الماضي (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) أي: هذا بابٌ (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) حينئذٍ يكون حدُّ هذا خبرًا لمبتدأ محذوف على حدِّ مضاف يعني: أصل التركيب هذا باب حد علم التفسير فقيل: باب حد علم التفسير. ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعًا، لكن لا يصح أن يقال: هذا حد علم التفسير. لا يصح هذا لا بد من تقديم مضاف وأصل التركيب على ما ذكرناه كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى: الكلام وما يتألف منه. لا يمكن أن يقال الكلام هذا خبر لمبتدأ محذوف هذا كلام لا يصح لأنه ليس بكلام هو أراد ماذا؟ أراد شرح حد الكلام، هنا كذلك أراد بيان حد علم التفسير بالمعنى العام حينئذٍ لا بد من تقدير المضاف محذوف هو الأصل خبر والمبتدأ محذوف هذا باب حد هذا حذف للعلم به ثم قيل: باب حد علم التفسير. إذًا باب هو الخبر فحذف الخبر وأقيم وهو المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه، إذًا فإعرابه أن تقول هكذا: حد هذا خبر لمبتدأ محذوف على تقدير ماذا؟ على تقدير مضاف. هذا أسهل ما يقال فيه من جهة الإعراب ومن جهة الحركة يعني: يكون خبر لمبتدأ محذوف وحركته يكون للرفع. (حَدُّ) الحدّ هذا مصدر حَدَ يحُدُّ حَدًّا وله معنيان معنى لغوي ومعنى اصطلاحي. أما معناه اللغوي فهو: المنع. ومنه سمي البواب حدادًا لماذا؟ قالوا: لأنه يمنع من غير أفراد البيت من الدخول فيه كما يمنع الداخل أفراد الداخلين من الخروج عنه لذلك سمي ماذا؟ سمي حدادًا بواب سمي حدادًا لهذا لأنه يمنع الداخلين من الخروج إلا بإذن بالطرق ويمنع غير الداخلين من الدخول، إذًا هو جامعٌ مانع، وهذا هو معناها الاصطلاحي. الحد في الاصطلاح عند أرباب الأصول على جهة الخصوص الجامع المانع الجامع لأفراد المحدود من الدخول في الحد، المانع من دخول غير أفراد المحدود في الحد. الجامع المانع حَدُّ الحدِّ ... أو ذو انعكاس إِنْ تَشَأْ والطَّرْدِ يعني: يعبر بهذا أو يعبر بذاك المشهور أن الحد هو الجامع المانع، جامع لكل الأفراد أفراد المحدود مانع من غيرها أو من غير أفراد المحدود من الدخول في الحد كما تقول: الاسم كلمة دلت على معنى في نفسها ولم تقترن بأحد الأزمنة الثلاثة. كل أفراد الاسم لأن الاسم هذا هو الذي حُدّ كل أفراد الاسم زيد وعمرو وخيل وكتاب وحمار .. إلى آخره كلها داخلة في الحد الذي هو كلمة دلت على معنى في نفسها .. إلى آخره، وهل دخل غير أفراد الاسم من أفراد الفعل أو الحرف في الحد؟ الجواب لا، إذًا صار جامعًا مانعًا.

стр. 50

(حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) علم التفسير علم عرفنا المراد بالعلم، وهنا علم مفرد مضاف إلى التفسير حينئذ يعم كأن العلم هنا ليس واحدًا هي علوم حينئذ نقول هنا: أضف العلم وهو نكرة إلى المعرفة واكتسب ماذا؟ اكتسب العموم من باب قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. يعني: تعدوا نعم الله. إذًا حد علم التفسير علم يعني: علوم التفسير. لأن العلوم متعددة هنا وليست بواحدة كما سيأتي أنه عدها خمسة وخمسين نوعًا. (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) علم التفسير، التفسِير هذا تفعيل من فَعَلَ، فَعَلَ يُفَعِّلُ تَفْعِيلاً خَرَجَ يُخَرِّجُ تَخْرِيجًا كما أخذناه في القريب، حينئذٍ التفسير نقول: هذا مصدر. وعلم أيضًا مصدر فيكون من باب إضافة المصدر إلى المصدر لكن المراد هنا العلم المراد به المعلوم ليس عين العلم لماذا؟ لأنه كما ذكرناه المراد بالآحاد هو المعلوم، والجنس والمعنى الذهني هذا لا تعدد فيه لماذا؟ لأنه وحدة ذهنية وجودها في العقل والتعدد دائمًا يكون الآحاد والتجزئة والتفاوت إنما يكون في الخارج لا في الذهن، ولذلك إذا قيل: الاسم كلمة دلت على معنى في نفسها .. إلى آخر الحد أين وجود هذا الحد؟ في الذهن لا وجود له في الخارج إلا في ضمن أفراده، فإذا كان المحدود معرفًا فإذا كان المعرف جمعًا هذا لا يتصور وجوده في الذهن وإنما لا يكون في ماذا في خارج الذهن لماذا؟ لأن التعدد تعدد الأفراد إنما يكون في الخارج، ولذلك الإنسان يقال حيوان ناطق ماهية الإنسان وجودها في الذهن لكن أفراد الإنسان في الذهن أو في الخارج؟ لا يمكن أن توجد في الذهن زيد وعمرو وخالد يوجد في الذهن هذا مستحيل محال إنما يوجد في خارج الذهن الخارج عن الموجود العام، فتقول: هذا فضل وهذا محمد وهذا خالد. أما في الذهن فماهية الإنسان وحقيقة الإنسان هل هي متعددة؟ نقول: لا هي ليست متعددة بل هي شيء واحد وإنما الآحاد والأفراد تكون في الخارج. إذًا علم التفسير علم مصدر مراد به المعدود الذي هو متعدد في الخارج ولذلك قلنا: علوم التفسير. هذا تفعيل وهو مصدر أيضًا ولكنه معنًى عام ومعنًى خاص، معنًى عام مرادًا به ما يرادف علوم القرآن وهذا هو المشهور عند المتقدمين لذلك السيوطي رحمه الله تعالى والزركشي وغيره ممن كتب في علوم القرآن على جهة الجمع الكلي أو الجزئي بعض العلوم لم يفرقوا بين علوم القرآن وعلوم التفسير وقواعد التفسير وأصول التفسير بل هذه الأصح أنها كلها ألفاظ إن لم تكن مترادفة فهي متقاربة والفروق التي يمكن أن توجد بين هذه الأفراد هي فروق ليست جوهرية بحيث يفتقر كل مصطلح عن الآخر.

стр. 51

علوم القرآن سبق أنه علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وجمعه وكتابته وترتيبه ... إلى آخره، وعلوم التفسير كذلك كل ما يتعلق بالقرآن مما يعين على فهم مراد الرب جل وعلا وهذا أيضًا من ماذا؟ مشتمل على علوم القرآن لأن جوهر أنواع علوم القرآن ولب أنواع علوم القرآن يعتمد عليها التفسير، إذًا لا يكاد أن يثبت فرقًا بين علوم القرآن وعلوم التفسير، ولو وجد بعض أنواع فحينئذ لا تكون من أصول ولب العلم نفسه مثلاً بعضهم نقول عد الآي مثلاً من علوم القرآن وليست من علوم التفسير نقول: لو سلم لكن عد الآي هو لب في فهم علوم القرآن على جهة الخصوص أو فهم القرآن على جهة الخصوص؟ الجواب: لا، لا ينبني عليه والأصل في فهم كلام الرب جل وعلا أنه ما يعين على العمل وما يعين على التدبر وما يعين على الاتعاظ والتفكر والنظر كل ما يفيد وينتج هذه النتيجة العظمى الكبرى التي هي وظيفة المفسر نقول: هذا هو الذي يكون معينًا لعلم التفسير وما عداه كما هو في سائر الفنون كل فن فيه أصول وفيه مكملات، لو نظر في النحو فيه أصول وفيه مكملات، لو نظر إلى الصرف البيان علم مصطلح الحديث، علم الحديث، علم التفسير نفسه علم أصول الفقه لا بد وأن تجد أن ثمرة هذا العلم مثلاً كأصول الفقه تجد أن الثمرة متعلقة ببعض ما يبحث في أصول وليس بكل ما يكتب في أصول الفقه، لا، هذا لا يريد هذا العلم هذا، وإنما يريدون أن ثم بعضًا مما يكتب في فن أصول الفقه هو الذي يعتمد عند تطبيق العملي وما عداه يكون مكملاً، فمثلاً قاعدة مقتضى الأمر للوجوب يكون هذه قواعد أصولية لكن البحث فيها وإثباتها بأدلتها من الكتاب والسنة والنظر الصحيح أن نقول: إثباتها والبحث في دلالة الأمر على الوجوب عند الإطلاق والتجرد عن قرينة هو خارج عن أصول الفقه أو منه؟ منه لا شك، لا نفرق بين القواعد الأصولية وبين إثبات القواعد الأصولية كلاهما من أصول الفقه حينئذ البحث في إثبات أن مقتضى الأمر يقتضي الوجوب أو أن الأمر يقتضي الوجوب هذا يحتاج لمبحث خاص لا بد من الأدلة لا بد من ذكر ما يستقرئ من الكتاب والسنة وأقوال العلماء وحكاية إجماع الصحابة ونحوهم نقول: هذا البحث ثمرته ماذا؟

стр. 52

النتيجة أن الأمر يقتضي الوجوب مطلق الأمر يفيد الوجوب، نقول: القاعدة الأصولية هي الأخيرة هذه الثمرة لكن كونها هي القاعدة لا يلزم منه أن يكون الدليل أو طريقة أو بحث في إثبات هذه القاعدة خارجة عن أصول الفقه، كذلك إذا قيل: أصول التفسير. التي يستعملها مباشرةً المفسر الذي يعتني بإيضاح وكشف وإظهار مراد الرب جل وعلا من كلامه نقول: إثباتٍ كقواعد والنتائج لا يلزم منه أن يكون البحث في النوع من حيث هو خارجًا عن أصول التفسير أو قواعده حينئذٍ ينظر الباحث فيما يتعلق بأسباب النزول يبحثها كلها من أولها إلى آخرها قد يخرج بنتيجة هي التي يطبقها يقول: هذا أصول التفسير ولا شك وقواعد التفسير ولا شك لكن لا يلزم منه أن يكون إثبات قاعدة هو البحث في الفن نفسه أو النوع كله من أوله إلى آخره أن يكون خارجًا عن مقتضى ماذا؟ قواعد التفسير أو أصول التفسير، حاول البعض أن يجزأ هذه المسائل من المعاصرين ولا أظن أن اللفظ يساعدهم أو أن المعنى يقتضي ذلك، بل كل ما يبحث في علوم القرآن وهو لب له في جوهر العلم فلا بد أن يحتاجه المفسر، لذلك السيوطي ﵀ قال: ((التحبير في علم التفسير)). أو ((التحبير في علوم التفسير)). ثم ألف كتابًا ضمنه التحبير وزاد عليه رتبه وهذبه قال: ((الإتقان في علوم القرآن)). إذًا لم يفرق بين علوم التفسير وعلوم القرآن. نعم التفسير له مصطلح خاص لأن التفسير بالمعنى الخاص نوع من أنواع علوم القرآن ولا شك لكن من حيث الأدلة الإجمالية أما من حيث كشف المفردات والتراكيب والجمل وإيضاح أن مراد الرب جل وعلا بكذا هو كذا هذا تفسير بالمعنى الخاص، إذًا (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) المراد به حد علوم التفسير وإن شئت قل: حد علوم القرآن. وإن شئت قل: حد أصول التفسير. أو حد قواعد التفسير، كلها متقاربة أو مترادفة وحصول بعض الاختلاف في دخول بعض الأنواع وخروجها من بعض لا يلزم منه أن يستقل كل فن عن الآخر بل كلها مندمجة في بعض ولو وجد بعض الفروق هذا لا يستلزم الالتفات. (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) أي: علم أصول التفسير لم سمي بذلك؟ سمي بذلك لأنه مفتاح أو كالمفتاح للمفسرين علوم القرآن كالمفتاح للمفسرين كما أن مصطلح الحديث، وقواعد الحديث، وعلوم الحديث ألفاظ مترادفة والمعنى واحد ولم يأت أحد يقول: علوم الحديث مغايرة لأصول الحديث أو قواعد التحديث ... إلى آخره وإنما هي متقاربة أو مترادفة كحاجة المحدث لمصطلح الحديث لا يمكن أن يثبت حديث صحيح أو ضعيف أو إلى آخره أو موضوع أو نحو ذلك لا يمكن أن يحكم عليه إلا بالعلم بمصطلح القواعد وأصول الحديث، كذلك التفسير يعجز المفسر بمعنى كلمة يعجز المفسر أن يفسر كلام الرب جل وعلا وأن يكشف مراده جل وعلا إلا بمعونة هذه العلوم لذلك سمي أصول التفسير أو علوم التفسير لأنه مفتاح للمفسرين ولأنه أيضًا يبين القرآن ويكشفه ويوضحه لأنه ما شَرُفَ هذا العلم إلا بشرف مبحثه بأنه يبحث فيه كما سبق أن موضوعه: كلام الرب جل وعلا من الحيثية المذكورة في حد علوم القرآن. (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) التفسير هذا تفعيل من فَسَّرَ يُفَسِّرُ تَفْسِيرًا وسبق أن فعل يأتي بالتكثير وهل المراد هنا التكثير بعينه؟

стр. 53

نقول: نعم، مراد به التكثير لماذا؟ لأنه كأن المفسر يتبع سورة بعض سورة بإيضاحها وكشف معانيها يعني: ينظر في الفاتحة فيكشف معانيها وأسرارها وحقائقها بما يفتح الرب جل وعلا عليه ثم يتبعها بسورة البقرة، ثم يتبعها بسورة آل عمران وهلم جرا إلى آخر القرآن، إذًا حصل التكثير أو لا؟ نقول: حصل التكثير. إتباع المفسر سورةً بعد سورة وآية بعد آية فهو مأخوذ من الْفَسْرِ يقال: فَسَّرَهُ وَيُفَسِّرُهُ وَيُفَسُّرُهُ يَفْسُرُهُ وَيُفَسِرُهُ بالتخفيف فَسَّرَهُ نصر يَفْسُرُهُ وَفَسَّرَهُ ضربه من باب ضرب يَفْسِرُهُ إذًا يجوز فيه الوجهان، التفسير مأخوذ من الْفَسْرِ وهو: الكشف والإيضاح والإبانة. هذا في الأصل وفعله كضرب ونصر يعني: من باب فَعَلَ يَفْعِلُ فَعَلَ، ومن باب فَعَلَ يَفْعُلُ إذًا فَسَرَ يَفْسُرُ وفَسَرَ يَفْسِرُ والمصدر متحد في البابين فَسْرًا، والفسر المراد به الإيضاح، والكشف، والبيان. وَفَسَّرَهُ هذا بالتثقيل نقول: أبانه. وفي اللسان لسان العرب: الْفَسْر كشف المغطى. يعني: كأنه أراد أن يجعل الفرق بين الفسر والتفسير يعني التفسير فيه زيادة حرف بل حروف حينئذٍ لا بد من زيادة في المعنى فقال: الفسر كشف المغطَّى. لأن المعنى قد يكون مشغولاً حينئذٍ يكشفه المفسر والتفسير كشف المراد عن اللفظ الْمُشْكِل، إذًا فيه بُعد من جهة المعنى، الْفَسْرُ هذا كشف المعنى المغطى الذي ليس فيه إشكال والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل كأنه جعل التفسير أدق وأعمق من الفسر، فالفسر يكون لأمرٍ مغطى في الظاهر فيكشفه ويبينه بأدنى كشف وبأدنى إظهار وبأدنى إبانة لا يحتاج إلى بحث، وأما التفسير فهو: التعمق وزيادة النظر وزيادة البحث وزيادة الكشف فيحتاج إلى عمل أكثر من جهة التدبر والنقل. هذا من جهة المعنى اللغوي لكن من جهة المعنى الاصطلاحي كلاهما بمعنى واحد وقيل: التفسير أو الفسر مقلوب السفر. يقال: أسفر الصبح إذا أضاء. ومنه يقال: السفور أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته. حد علم التفسير قال: عِلْمٌ بِهِ يُبْحَثُ عَنْ أَحوالِ ... كِتابِنا مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ ونَحْوِهِ ...... ... ..... علم مرادف لعلوم القرآن علم ذو مباحث تتعلق بالكتاب العزيز من حيث النزول وكتابته وجمعه وترتيبه وأسمائه وسوره إلى آخره وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابه إلى آخره فحينئذٍ رادف المصنف هنا معنى علوم التفسير بمعنى علوم القرآن السابقة والمراد بالمعنى اللقبي العلمي، وأما المعنى الذي هو الإضافي هذا لا يمكن أن يعرف بعلوم القرآن المدون الذي هو الأنواع التي سيذكرها المصنف بخمسة وخمسين نوعًا نقول: علوم القرآن بالمعنى الإضافي الذي سبق معنا بالأمس طوائف متصلة أو طوائف المعارف المتصلة بالقرآن فيشمل كل علم لكن هنا خصه ببعض العلم لذلك قال: (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ).

стр. 54

(عِلْمٌ بِهِ) (عِلْمٌ) العلم إذا أخذ جنسًا في حد العلوم هذا إما أن يفسر بالإدراك وإما أن يفسر بالمسائل وإما أن يفسر بالملكة، وبكلٍّ قيل يعني: كل قول من هذه الأقوال الثلاثة قال به بعض أهل العلم فأيده ورد الآخر ففسر العلم بالإدراك والإدراك عام يشمل التصور والتصديق إدراك وهو وصول النفس إلى المعنى بتمامه سبق معنا مرارًا، أو المسائل التي تثبت بدليلهم يعني: التصديق بتلك المسائل عن دليل، أو الملكة التي تسمى ملكة الاستحضار التي تحصل بتكرار النظر في تلك التصديقات لأن الإنسان إذا كرر النظر في المسائل بأدلتها حصل له نوع ملكة هذه الملكة لا تحصل إلا بالرسوخ في العلم، وبعضهم يطلق هذه الملكة ملكة الاستحضار ويريد بها ملكة التهيؤ الكامل الذي يُذكر في شأن الفقيه والعلم بالصلاح فيما قبلها لأن الفقه يقال فيه العلم بالأحكام المراد به العلم الحاصل بالفعل في كل مسألة مَسألة إن قيل بذلك خرج أكثر الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة لأن ما من إمام الأئمة الأربعة وهو العمدة في الفقه إلا وقد سئل عن مسائل فقال: لا أدري. فحينئذٍ لو قيل المراد بكل مسألة بالفعل لخرج أكثر الفقهاء ولكن المراد ماذا؟ ملكة التهيؤ التام بحيث لو سئل عن مسألة فيستحضر في نفسه حكم المسألة ودليلها فأجاب وقد يسأل عن مسألة بل مسائل فلا يستحضر فيها حكمًا فحينئذ هو متهيئ للبحث والنظر في الكتاب والسنة فيتوصل إلى النتيجة وهو الحكم بدليله، فحينئذ لو قال الإمام مالك ﵀ وقد سئل عن بعض المسائل تجاوزت الثلاثين في أكثرها لا أدري هل لو بحث الإمام مالك ونظر وتأمل وتدبر الكتاب والسنة هل يستطيع أن يصل إلى نتيجة أو لا؟ يستطيع، ولِمَ نفى أولاً نفى لماذا واستطاع بماذا؟ نفى العلم الحصولي الحضوري واستطاع أن يصل إلى المسئول عنه بالملكة التي تسمى ملكة التهيؤ التام يعني: عنده قدرة بحيث لو نظر في الأدلة لاستطاع أن يصل إلى الحكم الشرعي. هذا ما يُعبر بالملكة وهو عام في كل الفنون يقال: فلان نحوي. وليس المراد كل مسائل النحو تكون في ذهنه بحيث لو سئل عن إعرابها قال: لا أدري. يقال: هذا ليس بنحوي. أو أنه فقيه أو أنه محدث لو سئل عن صحة حديث قال: لا أدري - أو - لم يمر عليّ. وأحيانًا يكون في البخاري أو مسلم يقول: لا أدري عن هذا الحديث. لكن لو تأمل وجلس مع نفسه وكذا قد يصل إلى أنه في البخاري مثلاً أو بحث أن يعرف دليلاً أو يعرف حكمه من جهة الصحة والثبوت. إذًا علم يطلق ويراد به المسائل المخصوصة ويطلق ويراد به التصديقات في تلك المسائل عند دليلها ويطلق على الملكة الحاصلة بتكرار النظر في تلك التصديقات وتسمى ملكة الاستحضار، ويطلق ويراد به الملكة التي تسمى ملكة التهيؤ التام وأيهما أرجح هنا في العلم أيهما أرجح؟ الأظهر الكل. وكل فن في اسمه مشتركة ... قواعد إدراكها هو الملكة وكل فن في اسمه الآن نحن نبحث في ماذا؟

стр. 55

نبحث في اسم الفن يعني: ما يطلق عليه الفن متى يكون مفسرًا؟ متى يكون نحويًا؟ هل يشترط إذا قلنا: المسائل حينئذ إذا قيل: مسمى النحو هو المسائل فحينئذ لو سئل عن مسائل وقال: لا أدري. لا يسمى نحوي لم يوجد النحو لأننا قيدنا النحو بماذا؟ بالمسائل ولو قيدناه الإدراك أيضًا لو سئل عن بضع المسائل قال: لا أدري. نقول: لا يسمى نحوي. كذلك لو قيدناه بالملكة لو سئل عن بعض المسائل قال: لا أدري. نقول أيضًا: لا يسمى نحويًّا. والصواب أن يقال يحمل لفظ العلم في مسمى العلوم على الكل. وكل فن في اسمه مشتركة ... قواعد إدراكها هو الملكة هذه الثلاثة داخلة في المسمى ولا نحتاج إلى الخلاف الطويل بين الشراح هل المراد به المسائل المخصوصة أو الملكة أو التصديق؟ نقول: بل يدخل الجميع يدخل الكل. (عِلْمٌ بِهِ يُبْحَثُ عَنْ أَحوالِ) (عِلْمٌ بِهِ) الباء هنا بمعنى الظرفية وهي بمعنى في ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] الباء هنا بمعنى في إذًا يبحث فيه علم يبحث فيه (يُبْحَثُ) هذا فعل مضارع مغير الصيغة ومن الباحث هو طالب العلم نفسه من يطلب العلم هو الذي يَبْحَثُ (يُبْحَثُ) قلنا: هذا فعل مضارع مغير الصيغة. قال في القاموس: بحث عنه كمنع. ما المراد بهذا الكلام يعني من باب منع يَمْنَعُ أم يَمْنِعُ؟ يَمْنَعُ بالفتح إذًا بَحَثَ يَبْحَثُ ويقال: (يُبْحَثُ). يَبْحَثُ إذًا من باب يَفْعَلُ، واستبحث وابتحث وتبحث تفتيش إذًا البحث بمعنى ماذا في اللغة؟ بمعنى: الفحص والتفتيش. وفي الاصطلاح: إثبات المحمول للموضوع أو نفيه عنه. هذا باصطلاح أرباب الفنون ما المراد بالبحث يبحث يبحَث لماذا يبحث؟ من أراد أن يبحث ماذا يريد؟ في ذهنه مسألة يريد إثبات حكم لها أليس كذلك؟ فحينئذ إثبات المحمول للموضوع يبحث في الفاعل مثلاً يبحث ما حكمه فيثبت أنه مرفوع، إذًا أثبت المحمول للموضوع الذي يسمى بالخبر المبتدأ أو المسند للمسند إليه أو الفعل للفعال أو نائبه، فكلها أسماء لمسمى واحد. إذًا البحث في الاصطلاح إثبات المحمول للموضوع أو نفيه عنه لأن هذه وظيفة الباحث يبحث ليصل إلى نتيجة، إثبات المحمول بالموضوع أو نفيه عنه يعني: عنده موضوع في ذهنه مجهول الحكم في الأصل فإما أن يثبت له وإما أن ينفي عنه فإذا أثبت في نتيجة البحث نقول: هذا هو مراده بالبحث.

стр. 56

(عِلْمٌ يُبْحَثُ بِهِ) به جار ومجرور يتعلق بقوله: (يُبْحَثُ)، (عَنْ أَحوالِ كِتابِنا) (عَنْ أَحوالِ) جار ومجرور متعلق بقوله: (يُبْحَثُ). لأن مطلق البحث لا بد من تعينه يبحث في أي شيء قال: (عَنْ أَحوالِ). الأحوال جمع حال والمراد به الصفة صفة ماذا؟ كتابنا (عَنْ أَحوالِ كِتابِنا) أحوال هذا مضاف وكتابنا مضاف إليه لأن مبحث علوم القرآن أو موضوعه كما سبق هو الكتاب العزيز القرآن الكريم هذا هو مبحث علوم القرآن إذا قيل: ما موضوع فن النحو؟ تقول: الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء أليس كذلك؟ وما مبحث أو موضوع علم التصريف تقول: الكلمات العربية من حيث ماذا؟ من حيث كونها مفردة وما يطرأ عليها من تغيير ونحو ذلك كاشتقاق وغيره، ما مبحث فن الحديث؟ علم الحديث ما مبحثه ما موضوعه؟ كلام الرسول ﷺ وقيل: ذاته. لكن الصواب أنه كلام النبي ﷺ ، ما مبحث الطب فن الطب؟ البدن بدن الإنسان من حيث ماذا؟ طوله وعرض؟! لا، من حيث الصحة والمرض. إذًا موضوع فن كل علم ما يُبحث في ذلك الفن عنه فمبحث الطب مثلاً بدن الإنسان من أي حيثية؟ نقول: من حيثية واحدة لأن بدن الإنسان له صفات فيبحث عنه من جهة بدنه من جهة دينه من جهة معتقده من جهة طوله وعرضه من جهة جماله وعدمه من جهة كونه ذكرًا وأنثى جهات متعددة صفات، هل مبحث الطب في الجميع؟

стр. 57

الجواب: لا، وإنما يبحث من حال أو صفة معينة وهي: الصحة والمرض. وعندنا كتابنا القرآن العزيز هو مبحث موضوع علوم القرآن أو الباحث في علم القرآن من أي حيثية قال: (يُبْحَثُ عَنْ أَحوالِ كِتابِنا). أحوال هذا عام وهنا أطلقه فيشمل ماذا؟ يشمل حال كتاب من حيث الإفراد والتركيب والجمل وكل قاعدة كلية إجمالية كالنزول والكتب الكتابة والجمع والناسخ والمنسوخ فيدخل الجميع فيشمل حينئذ الترتيب بالمعنى الخاص والترتيب بالمعنى العام يعني: علم الترتيب بالمعنى الخاص الذي هو كشف معاني كلام الرب جل وعلا كتفسير ابن جرير وابن كثير وغيره فحينئذ هذا التفسير بالمعنى الخاص هل يدخل معنا هنا أو لا؟ يأتي عن قوله: (عَنْ أَحوالِ كِتابِنا) دخل تفسير الخاص ماذا؟ لأنه يبحث عن أحوال أو حال من أحوال كتاب الرب جل وعلا من حيث كشف المعنى سواء كان متعلق المعنى الإفراد أو الترتيب أو الجمل ودخل معنى البحث عن الكتاب من حيث السند ومن حيث النزول ومن حيث كل ما يبحث من أنواع علوم القرآن أراد أن يخرج التفسير الخاص فقال: (مِنْ جِهَةِ) من حيث وحيث هذه للقيد تقيدية من حيث ما استطاع أن يأتي بحيثية بالحيثية فقال: (مِنْ جِهَةِ). وهي: مرادفة لحيث، إذًا البحث عن أحوال كتاب ربنا هذا مطلق يشمل كل ما يتعلق بكتاب ربنا جل وعلا فيدخل فيه التفسير بالمعنى الخاص وليس مراده التفسير بالمعنى الخاص هنا فأراد إفراده فقال: (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ ونَحْوِهِ). إذًا (عَنْ أَحوالِ كِتابِنا) نا هنا أي: معاشر المسلمين والإضافة هنا للتشريف تشريف من؟ المضاف أو المضاف إليه؟ المضاف إليه لا شك تشريف المضاف إليه لماذا؟ لأن الأمة شرفت بهذا الكتاب إذًا (كِتابِنا) الإضافة هنا للتشريف أي تشريف المضاف إليه (كِتابِنا) معاشر المسلمين أي: الكتاب المنزل. (عَنْ أَحوالِ كِتابِنا) أي: الكتاب المنزل إلى نبينا محمد ﷺ وهو القرآن عرفنا أن الكلام المنزل على النبي ﷺ بالأمس هو القرآن ودليله هذا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٣] فدل على أن المنزل هو القرآن ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] فدل على أن كلام الله المنزل على نبينا محمد ﷺ هو: القرآن. لكن هنا ما قال: القرآن. قال: (كِتابِنا). فهل الكتاب هو عين القرآن أم شيء آخر؟

стр. 58

عينه وما الدليل؟ ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، إذًا أُطلق الكتاب وأريد به القرآن إذًا القرآن والكتاب متحدان في اللفظ لفظان متحدين بالإجماع وأطرح دليل على هذا ما جاء في سورة الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ... الْقُرْآنَ﴾ ... [الأحقاف: ٢٩] إلى قوله: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً﴾ [الأحقاف: ٣٠] المسموع واحد أو متعدد؟ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ثم قالوا لما أنذروا قومهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً﴾ [الأحقاف: ٣٠]. إذًا المسموع واحد أم لا؟ واحد فدل على أن القرآن هو الكتاب هذا تحفظه قد يأتيك مجادل الآن يقول لك: الكتاب غير القرآن. تقول: لا، لأن الدليل على أن الكتاب هو القرآن. لأننا في زمن العجائب فقد يأتيك آت يقول: القرآن ليس هو الكتاب. ولذلك يوجد في بعض البلدان الآن يقول: لا بد من أن يكون البخاري ومسلم كالترمذي. بمعنى ماذا؟ لا بد أن يخضع لقواعد التحديث في الحديث حينئذٍ لا بد أن يكون بمنزلة واحدة لأنه تراث، على كل حال (كِتابِنا مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ) يعني ما يتعلق بالكتاب على سبيل الإجمال (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ) المراد به علوم التفسير الإجمالية، الجار والمجرور قوله: (مِنْ جِهَةِ). هذا حال عن أحوال صفات كتابنا (مِنْ جِهَةِ) أحوال من جهة حالة كون البحث عن الأحوال (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ) فصار ماذا؟ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من أحواله، والمراد به علوم التفسير الإجمالية التي تخدم الكتاب (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ وَنَحْوِهِ) يعني: من جهة نزوله لأن الإنزال هذا مصدر والمراد به الْمُنْزَل (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ) أي: نزوله (ونَحْوِهِ) يعني: ونحو الإنزال ونحو عطف على الإنزال وذلك كسنده وأدائه وألفاظه ومعانيه ومكيه ومدنيه وسفريه وحضريه ... إلى آخره من الخمسة والخمسين أنواعًا التي سيذكرها المصنف هذا التفسير بالمعنى العام وإذا أريد التفسير بالمعنى الخاص يقال: التفسير هو علم بأصول يعرف بها معاني كلام الله. وأحسن منه أن يقال: بيان معاني القرآن الكريم. هذا هو حقيقة التفسير وعرفه الزركشي في ((البرهان)) بأنه: علم يعرف به فهم كتاب الله جل وعلا المنزل على نبيه ﷺ وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحِكَمِهِ. إذًا كل ما يرتبط بالمعنى سواء كان مأخوذًا من جهة الإفراد أو التركيب أو الجمل هو التفسير، وعليه كل التفاسير التي نهجت هذا المنهج، ولذلك ترى ثم فرقًا بين كتب علوم القرآن التي هي علوم التفسير وبين كتب التفسير كتفسير ابن جرير، وابن كثير، والبغوي ونحوها، هذا هو التفسير.

стр. 59

وتعلم التفسير بالمعنى الخاص واجب لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. ووجه الاستدلال على الوجوب واضح ولذلك قال في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. ذمهم على ترك التدبر ولا ذم إلا على ترك واجب فدل على أن التدبر واجب، ولا تدبر إلا ببيان معاني كلام الرب جل وعلا حينئذ دل على أن التفسير واجب، ولذلك جاء في قول عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﵌ عشرة آيات لم يجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا. هذا التفسير بماذا؟ بمعناه الخاص ما يتجاوزوا العشر آيات إلا وتعلموا منها ما فيها من العلم والعمل (ونَحْوِهِ) عرفنا المراد بنحوه لأنه يشمل كل ما يدخل تحت علوم القرآن (ونَحْوِهِ) هذا مجمل أراد تفسيره وبيان ما الذي يَبْحث عنه أو يُبْحث فيه في علوم القرآن ذكر لك بعض من هذه الأنواع فقال: بالخَمْسِ والخَمْسِينا ... قَدْ حُصِرَتْ أَنواعُهُ يَقينا هذا تفسير لأي شيء؟ لقوله: (ونَحْوِهِ). (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ ونَحْوِهِ) جهة الإنزال يعني النزول هذا نوع واحد فقط من أنواع علوم القرآن ولا يمكن أن يستوفى جميع أنواع علوم القرآن الخمس والخمسين في حد واحد يقال: حده كذا ثم تذكر الجميع نقول: لا (مِنْ جِهَةِ الإِنْزَالِ ونَحْوِهِ). ثم تعد هذه الأنواع فيقال: هي خمسة وخمسون. لكن هل هي محصورة في الخمسة والخمسين؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن علوم القرآن هذه اجتهادية ليس توقيفية متعلقها توقيفي وقد يكون بعضه اجتهادي لكن من جهة العدّ وإدماج بعضها مع بعض وتصنيفها وترتيبها هذه مسألة اجتهادية جعلية حصر الجعل يرجع إلى نفس المصنف، ولذلك السيوطي ذكر هنا في ((النقاية)) خمسة وخمسين نوعًا وذكر في ((التحبير)) مائة ونوعين وذكر في ((الإتقان)) ثمانين نوعًا، كم هذا خمسة وخمسين ثم ذكر في ((التحبير)) هذا إذا كان التحبير متقدم أو متأخر ذكر في ((التحبير)) مائة نوع ونوعين ثم زاد وأدمج فصار ثمانين لأنه أدمج بعضها مع بعض ولذلك بعضهم - كما سيأتي - قد يذكر ستة أنواع يجمعها شيء واحد ولذلك قال: في (سِتَّةٌ عُقُودُ) كما سيأتي أنه جعل لها عقودًا يعني: رؤوس هامة ليندرج تحتها أنواع فلو عدت العقود حينئذ صارت ستة أنواع ولكن ذكر أفرادها وكلها متداخلة يمكن أن تجعل في نوع واحد فجعلها ماذا؟ أنواع، فالنظر إلى الأصل العام هي ستة والنظر إلى الآحاد التي تكون تحتها جعلها خمسة وخمسين والمسألة اجتهادية ليست توقيفية من حيث العدّ. (بالخَمْسِ والخَمْسِينا) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (حُصِرَتْ). وقد هذه بحرف تحقيق وحصرت بمعنى جمعت والحصر عبارة عن إيراد الشيء على عدد معين أو الحكم بعدم خروج الأقسام عن المقسم قد يراد هذا ويراد ذاك وهنا ثلاثة أنواع: حصر عقلي. وحصر استقرائي. وحصر جعلي.

стр. 60

حصرٌ عقلي أن يكون التقسيم وحصر المقسوم في عدد معين من جهة العقل لا باعتبار ملاحظة الخارج، وحصر استقرائي تتبعي هذا ما يسمى بالاستقراء هو حصر مما حصر النحاة ماذا؟ الكلمة في ثلاثة أقسام هذا حصر واستقرائي لا عقلي، العقل لا يمنع أن تكون الكلمة قسم واحد أو عشرة أقسام أو مائة العقل لا يمنع ولا يوجب أن تكون ثلاثة إذًا هذا يسمى حصرًا استقرائيًّا، وقد يكون حصرًا جعليًا جعلي يعني بجعل المصنف لنفسه قد يأخذ ينظر في المائة نوع مثلاً من التحبير فيقول: أريد منها عشرة. حينئذٍ يذكر أن أنواع علوم القرآن عشرة نقول: الحصر هذا في عشرة من أين جاء بجعل المصنف نفسه فهو اصطلاح خاص. بالخَمْسِ والخَمْسِينا ... قَدْ حُصِرَتْ أَنواعُهُ يَقينا ما نوع الحصر هنا؟ جعلي لماذا ما الدليل؟ هو السيوطي نفسه صاحب النقاية جعلها خمسة وخمسين أكثر عند من؟ عن السيوطي نفسه جعلها في ((التحبير)) مائة نوع ونوعين وجعلها في ((الإتقان)) ثمانين وهنا خمسة وخمسين فدل على أن الحصر هنا جعلي وليس باستقرائي ولا عقلي. (بالخَمْسِ والخَمْسِينا) الألف هنا للإطلاق والخمس هنا مذكر أو مؤنث؟ هنا (بالخَمْسِ) مذكر أو مؤنث؟ مذكر - ولماذا ترددوا - بالخمس ما قال: بالخمسة. (بالخَمْسِ والخَمْسِينا) والتميز ما هو؟ إذًا (بالخَمْسِ والخَمْسِينا) نوعًا محذوف أو مذكور؟ محذوف، وإذا كان التميز مذكرًا حينئذ وجب أن يكون العدد الأول مؤنث والأصل أن يقول: بالخمسة والخمسينا. تقول: عندي خمسةٌ وعشرون رجلاً. صحيح خمسةٌ وعشرون رجلاً وعندي خمسٌ وعشرون امرأةٌ صحيح وعندي خمسٌ وخمسون نوعًا صحيح خمسٌ وخمسون نوعًا فقط هو يقول: (بالخَمْسِ والخَمْسِينا). نوعًا فقط؟ أي نعم نقول: يجب أن إجراء القاعدة وهي المخالفة إذا ذكر التميز، وأما إذا حذف وتقدم على قوله فحينئذ لا يجوز ونذكر دائمًا حديثًا مشهورًا «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال». ستًا بالتذكير التميز دائمًا يكون يومًا أيام وإما أن يكون ليالي والصواب أين يقع؟ الأيام في النهار حينئذٍ «ستًا من شوال» يعني: ستة أيام حذفت التاء فقال: «ستًا». لماذا؟ لكون التميز محذوفًا إذًا (بالخَمْسِ) الأصل أن يقول: بالخمسة. وإنما حذفت لماذا؟ لعدم ذكر التميز، ويجب التأنيث إذا ذكر التميز، أما إذا تقدم أو تأخر لو قال: ونحوه نوعًا بالخمس والخمسينا. نقول: لا يجب التأنيث بل يجوز التذكير والتأنيث (بالخَمْسِ والخَمْسِينا قَدْ حُصِرَتْ) أي: جمعت، والحصر جعلي بجعل المصنف ولا يصح جعله استقرائيًا لماذا؟ لأن المصنف أوصلها بالتحبير إلى مائة ونوعين. (حُصِرَتْ أَنواعُهُ) أي: أنواع علوم التفسير (يَقينا) أي: حصرًا يقينًا. حصرت يقينًا يَقينًا هذا صفة لموصوف محذوف وهو مفعول مطلق صار مفعولاً مطلق لفظي حصرًا يقينًا أي: جازمًا لا شك فيه، لكن هذا أيضًا يؤكد أن المراد به الحصر الجعلي لأنها كيف ينفي الشك في خمسة وخمسين وهي زادت على ذلك. بالخَمْسِ والخَمْسِينا ... قَدْ حُصِرَتْ أَنواعُهُ يَقينا وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ ... وبَعدَها خاتِمَةٌ تَعُودُ

стр. 61

(وقَدْ) هذه بالتحقيق (حَوَتْهَا سِتَّةٌ) (حَوَتْهَا) الضمير يعود على الأنواع (سِتَّةٌ) هذا فاعل (حَوَتْهَا) أي: شمل وجمع تلك الأنواع الخمس والخمسين (عُقُودُ) (سِتَّةٌ عُقُودُ) (سِتَّةٌ) ما إعرابها؟ فاعل و (عُقُودُ) بدل من الفاعل والأصل (وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودٍ) هذا هو الأصل لكن لا يتأتي معه في النظم (وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ) صار (سِتَّةٌ) هذا فاعل و (عُقُودُ) هذا بدل من الفاعل، (عُقُودُ) جمع عقد والمراد بها القلادة شبهت المسائل بالجواهر الثمينة وإثبات العقود ... كأنه عقدٌ، وكل عقدٍ فيه بعض الأنواع وهذه الستة العقود هي الأصل ويندرج تحتها واحدٌ وخمسون نوعًا. (سِتَّةٌ عُقُودُ) العقد الأول: في ما يرجع إلى النزول وهو اثنا عشر نوعًا ذكر تحته اثني عشر نوعًا. العقد الثاني: ما يرجع إلى السلف وهو ستة أنواع ذكر تحته ستة أنواع. العقد الثالث: ما يرجع إلى الأداء وهو ستة أنواع. هذه كم اثنا عشر وستة وستة أربعٌ وعشرون العقد الرابع: ما يرجع إلى الأسفار وهو سبعة أنواع. كم هذه واحد وثلاثون. العقد الخامس: ما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالأحكام وهو أربعة عشر نوعًا. خمسة وأربعون. العقد السادس: والأخير ما يرجع إلى المعاني المتعلقة بالعقاب وهو ستة أنواع. مجموع واحد وخمسون وهو يقول: (بالخَمْسِ والخَمْسِينا قَدْ حُصِرَتْ أَنواعُهُ يَقينا). بقي كام أربعة أي هي؟ في الخاتمة، جعل الخاتمة تحتها أربعة أنواع. (وقَدْ حَوَتْهَا سِتَّةٌ عُقُودُ وبَعدَها) أي: بعد الستة العقود (خاتِمَةٌ) تشمل أربعة أنواع فصارت كلها خمسة وخمسين نوعًا (تَعُودُ) يعني مقاصده إلى تلك الأنواع الخمس والخمسين. (وقَبْلَها) أي: قبل الشروع في ذكر شيئًا من العقود أو من الخمس والخمسين (لا بُدَّ) لا محالة ولا مفر من ذكر مقدمة يُبَيَّنُ فيها ما يتعلق بعلم التفسير من مسائل وأحكام كتعريف القرآن والآية والسورة ونحو ذلك. لا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةْ ... بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ مُعْلِمَةْ

стр. 62

(مُعْلِمَةْ) هذا اسم فاعل من الإعلام يعني: مشعرة صفةٌ لمقدمة من مقدمةٍ معلمةٍ (بِبَعْضِ) جار مجرور متعلق بقوله: (مُعْلِمَةْ) لأنه اسم فاعل (بِبَعْضِ) نقول: هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (مُعْلِمَةْ) (بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ) (بِبَعْضِ ما) ببعض الذي أو الشيء الذي خُصِّصَ فيه أي في علم التفسير أي ذكر في هذا الفن على جهة الخصوص والمراد بالمقدمة هنا مقدمة كتاب وليست مقدمة علم، لأن مقدمة العلم هي ما ذكره أولاً ذكر فيه الحدّ والاسم فقط وذكرنا ما سبق بالأمس الحد والاسم وهذا يحصل به تطور الفن بوجهٍ ما لأن أهم ما يذكر في تلك المبادئ العشرة والحد، والحد يوصل إلى إيقاع أو وجود التصور الفني لكنه تصور ما بمعنى أنه من وجهٍ دون وجه ى على وجه التمام، إذًا قوله: (بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ مُعْلِمَةْ) يعني لا بد من مقدمة مُعلمةٍ مشعرةٍ مبينةٍ (بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ) ببعض المصطلحات والأحكام التي خُصِّصَ ذكرها في علم التفسير كالسورة مثلاً هذا أين تذكر؟ في علم الحديث في المنطق؟ لا تذكر هذا، إنما تذكر في علم التفسير، إذًا لا بد من معرفة هذه الأحكام لا بد من معرفة هذه المصطلحات وهذه مقدمة الكتاب كما ذكرناه في السابق أن مقدمة الكتاب ما يشمل الأربعة الأنواع التي يعبر عنها بالوجوب الاصطلاحي والأربعة الأخرى المعبر عنها بالاستحباب الصناعي يزيد على ذلك إن كان ثَمَّ للمصنف اصطلاحات خاصة حينئذٍ تذكر في مقدمة الكتاب وليس في مقدمة العلم لأن مقدمة العلم خاصة بالعشرة مبادئ ولا يزاد عليه وكل ما عدا ذلك من المقدمات حينئذٍ يندرج تحت مقدمة الكتاب، وهنا الذي ذكره مرادًا به بعض المصطلحات التي تختص أو يختص بها فن علم التفسير. إذًا (وقَبْلَها لا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةْ) هل يتعارض هذا مع ذكر حد التفسير هل يتعارض؟ الجواب: لا، لماذا لأن المقدمة هنا مقدمة الكتاب والذي ذكر فيه أو تحته تحت عنوان (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) إنما هو من شأن مقدمة العلم، لكن يرد السؤال قوله: تَبارَكَ المُنْزِلُ للفُرقانِ ... على النَّبِيِّ عَطِرِ الأَرْدانِ هذه مقدمة كتاب أو علم؟ كتاب، فيكون فصل بين بعض أجزاء المقدمة والأصل أنه يذكر مقدمة الكتاب متصلة الحمدلة والشهادة إلى آخره وما يتعلق بالمصطلحات ثم يذكر بعد ذلك باب (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) هذا هو الأصل لكنه جزء لعله ذكر المقدمة الأولى لأنها منفكة عن النقاية ثم بدأ في (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) من هنا يبدأ نظم كتاب ((النقاية)) قد يكون هذا الذي ألجأه إلى هذا الصنيع.

стр. 63

(مُقَدِّمَةْ) قال المصنف رحمه الله تعالى: (مُقَدِّمَةْ) والأولى أن يقول المقدمة نعم صحيح الأولى أن يقول: المقدمة. لأن الأكثر في لغة العرب أن إعادة النكر نكر يدل على أن الثاني غير الأول حينئذٍ (لا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةْ) المقدمة التي ذكرت أولاً فإعادة نكرة معرفة يدل على أن الثاني هو عين الأول ولذلك قال في الأخير الخاتمة: لأنه قال: (وبَعدَها خاتِمَةٌ) ثم قال: الخاتمة. جاء الوجه الأفصح لكن يقال بأن هذه قاعدة ليست مطردة وإنما هي قاعدة أغلبية على حد قوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. السبكي انتقض هذه القاعدة بمثل هذا الآيات ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. إعادة النكرة نكر يدل على أن الثاني غير الأول هذا هو الغالب لكنه في الآية هذه هو عينه، النكرة الثانية هي عين النكرة الأولى لأنك لو قلت غيره لأثبت إلهين وهذا باطل أثبت التعدد، فحينئذٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. نقول: هذا ماذا الإله الثاني هو عين الإله الأول، وإن كان الأكثر إعادة النكرة معرفة ثم من القواعد المشتهرة ... إذا أتت نكرة مكررة تغايرا وإن يعرّف ثاني ... توافقا كذا المعرفان تغايرا يعني: الثاني غير الأول شاهدها الذي رُوينا مُسندا ... لن يغلب اليسرين عسرٌ أبدا إذًا الأولى أن يقول المقدمة ولو قال مقدمة لا إشكال. (مُقَدِّمَةْ) إعرابها أنها خبرٌ مبتدأٍ محذوف هذه مقدمةٌ، و (مُقَدِّمَةْ) هذه محلها أو هذا محلها مقدمةٌ هذا محلها فيصح أن تكون مبتدأ ولو لم تحل بأل لماذا؟ لأنها صارت علمًا فصارت ماذا من ما يجوز الابتداء به وإن كانت في الأصل نكرة (مُقَدِّمَة) بكسر الدال كمقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منهم يقدم اللازم بمعنى ماذا؟ بمعنى تقدم ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تتقدموا، ويجوز فتح الدال على قلة مُقَدَّمَة من قَدَّمَ الْمُتَعَدِّي كَمُقَدَّمَة الرحل في لغة من قَدَّمَ الْمُتَعَدِّي أي في أمور مُتَقَدِّمَة أو مُقَدَّمَةٍ، في أمور مُتَقَدِّمَة بنفسها أو مُقَدَّمَةٍ، مُتَقَدِّمَة بنفسها إذا كان من قَدَّمَ اللازم أو مُقَدَّمَةٍ إذا قُدِّمَتْ يعني بفعل فاعل إذا كانت مأخوذة من الْمُتَعَدِّي من قدم الْمُتَعَدِّي، وحقيقتها مسائل تذكر أمام المقصود لارتباطٍ بينها وبين المقصود وهذا هو المراد بمقدمة الكتاب. فذاكَ مَا عَلى مُحَمَّدٍ نَزَلْ ... ومِنْهُ الإعجاز بِسُورَةٍ حَصَلْ

стр. 64

هذا تعريفٌ للقرآن (فذاكَ) الإشارة هنا للتعظيم لذلك قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. ولم يقل هذا كتاب لماذا؟ لإفادة التعظيم لأن التعظيم يشار إليه بالبعد (فذاكَ) المشار إليه، هنا الإشارة بالبعد للدلالة على التعظيم (فذاكَ) الفاء فاء الفصيحة أي فأقول لك ذلك لماذا؟ لأنه قال: (بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ مُعْلِمَةْ) فكأن سائلاً قال: ما هو الذي خُصِّصَ به علم التفسير قال: (فذاكَ) فأقول لك ذاك فيكون المشار إليه القرآن ضمنًا إذا كان المشار إليه قوله: (بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ مُعْلِمَةْ) ويكون المشار إليه القرآن صراحةً إذا كان المشار إليه قوله: (عَنْ أَحوالِ كِتابِنا) (فذاكَ) المشار إليه ما هو؟ القرآن ذُكِرَ القرآن في السابق مرتين (حَدُّ عِلْمِ التفسيرِ) (كِتابِنا) وهو القرآن، وذكر ضن في قوله: (بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ مُعْلِمَةْ) لأن أهم ما يذكر في المقدمة تعريف القرآن ثم السورة ثم الآية ... إلى آخره فأعظم ما يعرف القرآن فذكر مرة ضمنًا وذكر مرة صراحة، فحينئذٍ لما استحضر أن ثم سائلاً ما هو الذي خُصِّصَ به أو ما هو كتابنا؟ حينئذٍ قال: (فذاكَ) فالفاء فاء الفصيحة، فَصِيحَة فَعِيلَة بمعنى مُفْصِحَة من الإفصاح وهو البيان والإيضاح لأنه أفصحت عند جواب شرطٍ مقدم. إذًا الإشارة للتعظيم (فذاكَ مَا عَلى مُحَمَّدٍ نَزَلْ) (مَا) أي: كلام الله كما ذكرناه سابقًا، وتجد بعضهم يقول الأولى أن يفسر ما هنا بلفظ لماذا؟ قالوا: لأنك لو قلت معي كلام الله كلام الله يشمل النفسي واللفظي والمراد به هنا ماذا على حد ... زعمهم؟ النفسي، حينئذٍ لو قلت لفظٌ تعين أن المراد به غير النفسي، ونقول هذا باطل كما ذكرناه بالأمس إذًا (مَا) أي كلام الله ولو قلت اللفظ أيضًا صح على طريقة أهل السنة كلام الله الذي نزل على محمد هنا ذكر ماذا؟ ذكر جنس (مَا) هذا جنس و (نَزَلْ) على صلة الموصول (عَلى مُحَمَّدٍ) هذا فصلٌ (ومِنْهُ الإعْجازُ) هذا فصلٌ ثان، ذكر جنسًا وثلاثة فصول، الجنس قوله: (مَا) و (نَزَلْ) هذا فصلٌ أول و (عَلى مُحَمَّدٍ) هذا فصلٌ ثانٍ (ومِنْهُ الإعْجازُ) هذا فصلٌ ثالث، الجنس يُدْخِل والفصل يُخْرِج فحينئذٍ لا بد من دخول وخروج (مَا) أي: كلام الله أَخْرَجَ ماذا؟ كلام غير الله جل وعلا من كلام الإنس والجن والملائكة خرج بقوله كلام الله بالإضافة وحينئذٍ يَرِدُ السؤال كيف عين أن المراد بـ (مَا) هنا كلام الله، (مَا) اسم موصول مبهم والإبهام يحتاج إلى تعيين حينئذٍ كيف فسرنا (مَا) هنا بكلام الله؟

стр. 65

من السياق والقرائن من سياق الكلام وقرائن المقام نفسر (مَا) هنا بمعنى جنس بمعنى كلام الله وهذا في كل حدٍّ يُصَدَّرُ بما نقول جنس حينئذٍ نفسرها بماذا؟ إما بلفظٍ أو بكلامٍ أو لفظٌ عام أو حقيقة أو مجاز على حسب ما يذكر في موضعه، والذي يُعَيِّنُ مفهوم (مَا) هو السياق والقرائن. (نَزَلْ) هذا فصلٌ خَرَجَ به ما استأثر به الرب جل وعلا - كما ذكرناه بالأمس - وخَرَجَ به الأحاديث النبوية، الأحاديث نوعان: قدسية - ربانية كما يعبر البعض -، ونبوية: يعني لفظها ومعناها من عند النبي ﷺ وهي لم تنزل لا شك، حينئذٍ ... (نَزَلْ) خرج به فصلٌ خرج ما لم ينزل مما استأثر الله جل وعلا به وخرج به الأحاديث النبوية لأنها من كلام النبي أليس كذلك؟ لماذا؟ لأن المعنى قد يقال بأنه من عند الله ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. حينئذٍ المعنى في الأصل أنه موحى به وحينئذٍ يكون التعبير واللفظ من جهة النبي ﷺ ، هل اللفظ لفظ النبي ﷺ سواءٌ عبر به عن معنى أُنْزِلَ أو معنًى اجتهادي هل اللفظ مُنْزَل أو لا؟ نقول: ليس بمنزل وإن كان يمكن إخراجه بقوله كلام الله لأنه ليس بكلام الرب جل وعلا وليس بمنزل أيضًا، إذَا (نَزَلْ) نقول: هذا فصلٌ أول خرج به ما استأثر به سبحانه والأحاديث النبوية لأن ألفاظها لم تنزل أو لم تُنْزل عليه، (عَلى مُحَمَّدٍ) هذا فصلٌ ثان خرج به ماذا؟ ما نزل على غيره من الأنبياء كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف موسى وصحف إبراهيم ...

стр. 66

إلى آخره سواء علمناه أو لم نعلمه، (عَلى مُحَمَّدٍ) لا على غيره كالتوراة والإنجيل والزبور (ومِنْهُ الإعْجازُ) هذا فصل ثان هذا الفصل الثاني وهو الْمُعَبَّر عند بعضهم بالْمُعْجِز بلفظه، كلام الله تعالى الْمُنَزَّلُ على محمدٍ ﷺ الْمُعْجِزُ بلفظه، وتلحظون أن المصنف لم يقل الْمُتَعَبَّد بتلاوته - وقد ذكرناه بالأمس - لماذا؟ للاحتراز عن الأحاديث القدسية والآيات المنسوخة (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، هذه كانت آيةً نسخت إذًا لم يُتعبد بتلاوته هي كلام الله ونزل على محمدٍ ﷺ لكنه لم يتعبد بتلاوته إذًا خرجت الآيات المنسوخة وخرجت الأحاديث القدسية على القول بأن اللفظ والمعنى من عند الرب جل وعلا، لكن قيل أن قوله: (المتعبد بتلاوته) هذا حكمٌ من أحكامه والحكم على الشيء فرع عن تطوره، إذًا لا يمكن إدخاله في الحدود، ونزيد بما ذكرناه بالأمس أن المراد في حد القرآن هو التقرير فقط والرسم وليس المراد إجراءه على طريقة المناطقة ونحوهم هذا هو المراد، وبذلك يذكر كل وصفٍ يمكن أن ينفصل القرآن عن غيره (المتعبد بتلاوته) أي: لازم يكون ذكره أولى من حذفه لأنه يمتاز به القرآن عن غيره، وأما صفة المعجز بلفظه نقول هذا نعم اختص به القرآن على جهة القصد (ومِنْهُ الإعْجازُ) ... (ومِنْهُ) الواو واو الحال يعني والحال أن منه من القرآن من ذلك الكلام ... (الإعْجازُ) للخلق أن يكون مُعْجِزًا للخلق أن يكون هذا الكلام الْمُنَزَّلُ على النبي ﷺ معجزًا للخلق لإظهار صدق النبي ﷺ في دعواه الرسالة لأنه رسول ادَّعى الرسالة لا بد من دليل يثبت ذلك صدق الرسول ﷺ وعلى أن القرآن الذي معه حق حينئذٍ يكون الإعجاز هنا كونه معجزًا بلفظه هل هو لذاته أم لغيره؟ نقول: لغيره، وهو إثبات أن القرآن حق كون القرآن معجزًا لإثبات القرآن حق ولإثبات أن دعوى الرسول ﷺ أنه رسول دعوى صدق وحق فصار ماذا؟ فصار كون القرآن معجزًا بلفظه ليس المقصود به الزعم وإنما المقصود به إثبات شيئين اثنين وهما: أن القرآن حق، وأن النبي ﷺ صادق في دعواه الرسالة. ولذلك صار القرآن معجزًا أو قل آية والمعجزة عندهم أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بالتحدي مع عدم المعارضة.

стр. 67

والتحدي ما هو؟ هو طلب المعارضة ولذلك صار القرآن معجزًا لماذا لكونه طولب أن يعارض به من كلام البشر فعجزوا عن ذلك ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فتحداهم أن يأتوا بمثل القرآن كله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سورٍ من مثله مفتريات فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فدل على ماذا؟ دل على أن القرآن حق وأنهم عاجزون لماذا؟ لكون القرآن نزل بأعلى درجات لسان المخاطبة وهم فصحاء العرب وهم أرباب اللسان وهم مساطيع الفصحاء فلما كانوا على هذه الدرجة وكانوا يتنافسون في منثور الكلام وشعره فنزل القرآن بلغتهم فعجزوا عن أن يأتوا بسورةٍ من مثله فدل على أن القرآن حق فصار القرآن معجزًا دلالة على أنه حق وهذا الوصف مميز له عن غيره والذي يقصد في الحد هنا من باب التقريب ما يحصل به تمييز القرآن عن غيره، فحصل أو لا؟ نقول: حصل. وأما ما يُذكر في كتب البيان البلاغة كما مر معنا في ((الجوهر المكنون)) أن للبلاغة طرفان حدٌ أعلى، وحدٌ أدنى، والحد الأعلى فُسِّرَ هناك - وذكرناه سابقًا - أنه القرآن قالوا وما يقرب منه وما قاربه وذكرنا ماذا أن المراد به كلام النبي ﷺ ولذلك جاء «فاختصر لي الكلام اختصارًا»، «أُوتيت جوامع الكلم». فدل على أن النبي ﷺ قد يكون كلامه معجزًا أليس كذلك؟ ولأنه أبلغ الخلق في البلاغة والفصاحة والبيان فيجب أن يكون كلامه أعلى الدرجات حينئذٍ كيف يوصف القرآن بكونه معجزًا وقلنا هذا يتميز به القرآن دون غيره وأثبتنا أن النبي ﷺ قوله معجز وأنه أدنى من القرآن في البلاغة - وإن كان معجزًا - أجيب: بأن المقصود هناك الإعجاز من باب التحدي وهو مقصودٌ لذاته والنبي ﷺ قوله معجز إلا أنه مقصود تبع لا لذاته. ويوصف اللفظ بتلك باعتبار ... إفادة المعنى بتركيب يُصار وقد يسمى ذاك بالفصاحة ... ولبلاغة الكلام ساحة بطرفين حدّ الإعجاز علُ ... وما له مقارب ...... علُ يعني أعلى ................ ... وما له مقارب والأسفل هو الذي إذا لدونه نزل صار كصوت الحيوان مستفل إذًا البلاغة لها درجتان أعلى وأدنى، أدنى ما يصل إلى درجة أصوات البهائم هكذا قيل وأعلى هذا هو القرآن وما قاربه بطرفين حدّ الإعجاز عل ... وماله مقارب ..... وهو قول النبي ﷺ لكن الأول مقصودٌ لذاته لكونه معجزًا ولإثبات كون القرآن حقًا وأن دعوى الرسول ﷺ الرسالة صدق، والثاني يكون ماذا؟ يكون لغيره (ومِنْهُ الإعْجازُ) قلنا (ومِنْهُ الإعْجازُ) (الإعْجازُ) ماذا إعرابه هنا؟ مبتدأ مؤخر وأين خبره (ومِنْهُ الإعْجازُ) ومن ذلك الكلام (الإعْجازُ). ما هو الفاعل؟ [أحد الإخوة قال: فاعل فقال له الشيخ: أنت كوفي، إذا كنت كوفيًا نقبل منك الكوفيون يرون تقدم الفاعل على العامل، والصواب عدمه].

стр. 68

والإعجاز منه حصل بسورة يحتمل الإعجاز هذا مبتدأ وجملة حصل بسورة منه هذا خبر المبتدأ هذا أولى ولو جعلت منه الإعجاز من ذلك الكلام الإعجاز ثم وقفت أو جعلت الجملة حصل بسورةٍ أنها في موضع نصب حال أيضًا صح، لكن الأولى جعل (الإعْجازُ) مبتدأ وجملة حصل بسورةٍ منه يعني من ذلك الكلام (ومِنْهُ الإعْجازُ) إذًا أَخْرَجَ ماذا هذا الفصل الثالث؟ أخرج الحديث القدسي لأنها نزلت كلام الله تعالى نزل على النبي ﷺ ولكنها ليست معجزة لماذا؟ لأنه أسقط حد أو الفصل الرابع الذي ينبغي أن يُذكر وهو متعبدٌ بتلاوته فحينئذٍ ينبغي إخراج الأحاديث الربانية القدسية التي يقول فيها النبي ﷺ قال الله تعالى هذا يُسمى حديثًا قدسيًا الذي يصرح به «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي»، «قال الله تعالى: يا عبادي» ... الحديث. فنقول: هذا حديثٌ قدسي واختلف العلماء هل لفظه ومعناه من عند الله أم أنه المعنى من عند الله واللفظ من عند النبي ﷺ ؟ إذا قلنا: المعنى من عند الرب جل وعلا واللفظ من عند النبي ﷺ فلا إشكال أنه خالف لا إشكال لماذا؟ لأنه لم ينزل من عند الرب جل وعلا، والكلام هنا في كلام الله (الْمُنْزِلُ) وهذا لم ينزل لفظه لم ينزل وإن كان المعنى من عند الرب جل وعلا. وإذا قيل بأن لفظه ومعناه نزل على النبي ﷺ حينئذٍ لا بد من إخراجه وفصله عن القرآن، فكونه معجزًا - الذي هو القرآن - ينفك وينفصل عن الحديث القدسي، ولذلك أثبت أهل العلم فروقًا بين الحديث القدسي والقرآن وهو: أن القرآن معجزُ بلفظه، والحديث القدسي ليس معجزًا بلفظه. القرآن لا يجوز روايته بالمعنى، والحديث القدسي يجوز روايته بالمعنى. القرآن متعبدٌ بتلاوته، والحديث القدسي ليس كذلك. القرآن في الأصل لا يكون إلا متواترًا، والحديث القدسي منه الصحيح ومنه الضعيف بل الموضوع. القرآن على قول الجمهور لا يجوز قراءته للجنب والحائض، والحديث القدسي ليس كذلك. القرآن إذا أَنْكَرَ حرفًا واحدًا متفقًا عليه بين القراء كَفَرَ، والحديث القدسي لو أنكر حرفًا واحدًا ليس معلومًا من الدين بالضرورة نقول: لم يكفر. إذًا فرقٌ بين الحديث القدسي والقرآن. (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ) قلنا: أن الإعجاز حاصلٌ بلفظ القرآن. هل المقصود أنه باللفظ فقط أم من جهاتٍ متعددة؟ القرآن معجز تحدى العرب وهو معجزٌ بلفظه يعني بألفاظه ومعانيه وأوامره ونواهيه وأخباره وقصصه وكل ما ذكر من موضوعات القرآن فهو معجز فأحكامهما كلها عدل وأخبارها كلها صدق، حينئذٍ لا يختص اللفظ فقط لماذا؟ - وإن ذكر المعجز بلفظه - لأن المقام مقام تحدي لكن نحن نفهم أن عموم الإعجاز حاصلٌ لعموم موضوعات القرآن في أوامره ونواهيه وأخباره وقصصه، أما بالنسبة للمخالفين فحينئذٍ الحاصل فيه اللفظ باللفظ، ولذلك ذكرت مسألة هنا وهي كونهم عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن هل هو لعجزهم وضعفهم أم ما يُسمَّى ... بالصرفة، يعني صُرفوا مع قدرتهم؟

стр. 69

الأول لا شك، والثاني مذهب المعتزلة وقال به أو أَوْمَئَ إليه بعض أهل السنة أيضًا، لأنهم وجدوا فيه معنًى بليغًا، والأصح الأول أنه ماذا؟ أنه لعجزهم وضعفهم، وهذا واضح لأن القرآن كلام الله، كلام الخالق، والبشر الذين هم ذوات كلامهم كلام مخلوق فلا يمكن أن يكون كلام المخلوق مساويًا ولو بوجه ما لكلام الخالق، أليس كذلك؟ لأن الكلام صفة للذات فإذا حصل التباين بين ذاتين فالتباين فالصفات من باب أولى، فإذًا لا يمكن أن يجيز العقل أصلاً أنهم يستطيعون في أنفسهم لأن المعنى في الصرف ماذا؟ أنهم يستطيعون قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن كلهم لكن الله صرفهم حجز بينهم وبين أن يأتوا بمثله، وهذا قولٌ باطل وليس في طوق الورى من أصله ... أن يستطيعوا سورةً من مثله ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالصواب المقطوع به أن الخلق كُلَهم عاجزون عن معارضته لا يقدرون على ذلك. فالصواب المقطوع به، لا شك في هذا. فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته لا يقدرون على ذلك. ثم قال ﵀: بل ولا يقدر محمدٌ ﷺ نَفْسُه من تلقاء نفسِه على أن يبدل سورةً من القرآن لأنه بشر وهو داخلٌ في كون كلامه صفةً لبشر والقرآن صفةٌ للخالق فتم تباين كلي بين الذات والذات وبين الصفة والصفات. (بِسُورَةٍ حَصَلْ) الإعجاز بماذا حصل؟ حصل بسورةٍ، بسورةٍ واحدة، وإن حصل بالقرآن كله في آية الإسراء ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨]. ثم لما عجزوا تحداهم بماذا بعشر سورٍ قال: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]. فعجزوا فتحداهم بماذا ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. وهذا في سورة البقرة حينئذٍ صار التحدي في مكة وفي المدينة. (بِسُورَةٍ حَصَلْ) أقل السور كم آية أقل سورةٍ؟ ثلاث آيات فحينئذٍ يحصل الإعجاز بماذا بثلاث آيات فأكثر، هل ورد تحديهم بآيةٍ واحدة؟ ورد في القرآن سورة، هل ورد التحدي بآية؟ هنا قال: (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). يقتضي أنها أقل ما وقع التحدي به هو السورة، وأقل سورةٍ ما هي ثلاث آيات، فما كان من قدرها يحصل التحدي به وما كان أدنى من ثلاث وأدنى من السورة بآية من ضمن السورة لا يحصل الإعجاز به ولا التحدي به هذا مفهومه، لأنه قال: (بِسُورَةٍ حَصَلْ). اختصر على السورة نقول: لماذا؟

стр. 70

لأنه لم يكن في القرآن آيةٌ مفردة لا يتصور وجود آيةٍ مفردة بل كل آيةٍ مستلزمهٌ لآيةٍ قبلها وآيةٍ بعدها، ولذلك لم يحصل التحدي بآية الواحدة لأن أقل آية في القرآن كلمة واحدة ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]. هل يعجز العربي الفصيح .. أن يقول: مُدْهَامَّتَانِ أو أن يأتي بمثلها لا يأتي، لكن ... ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] في موضعها باعتبار ما قبلها وما بعدها لو اجتمع الإنس والجن أن يأتوا بكلمة في هذا الموضع ثم لا يخل المعنى بلاغةً عن المعنى السابق لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، وهذا أحسن ما يقال ولذلك قال بعضهم: القرآن كله معجز، هذا نحكم به القرآن كله معجز، لكن فيه ما لو انفرد لكان معجزًا بذاته لو انفردت سورة البقرة من ضمن القرآن لكانت معجزةً بذاتها لا شك في ذلك وحتى أقل سورة التي هي سورة الكوثر نقول معجزة بذاتها. ومنه ما إعجازه ما لانضمامه إلى غيره كالآية المفردة هذه معجزة لكن لا من حيث هي لأن العربي لا يعجز أن يقول: ثم نظر. هل قبل نزول القرآن لم يتلفظ أحد بقوله: ثُمَّ نَظَرَ. أو ثُمَّ عَبَسَ هذا لا يتصور، حينئذٍ نقول قبل نزول القرآن لا يمتنع أن يقول قائلٌ مُدْهَام أو يقول ماذا؟ ثُمَّ نَظَرَ، فحينئذٍ نقول: هذه الآية من حيث كونها مفردة لم يحصل التحدي بها لأن في إمكانهم أن يأتوا بالمفردة لكن في موضعها بانضمامها إلى ما قبلها وما بعدها يعجز البشر عن أن يأتوا بمثل هذه الآية باعتبار ما قبلها وما بعدها لذلك قال بعضهم: القرآن كله معجز - وهذا أحسن ما يقال في هذا الموضع - لكن فيه ما لو انفرد لكان معجزًا بذاته، ومنه ما إعجازه مع الانضمام فإن القرآن يتفاوت إعجازه ويتفاضل ثوابه كما أن الثواب سيأتي متفاوت كذلك الإعجاز يتفاوت. (ومِنْهُ الإعْجازُ ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ) يعني حصل بسورةٍ ومثلها فيه قدرها من غيرها، لأنه لا يقال مثلاً لا يحصل الإعجاز بآية لو انفكت آية الدين هل يحصل الإعجاز بالآية، نعم يحصل الإعجاز لأنها بقدر سورة الكوثر بل أكثر فكل آية موازية في الكلمات والأسطر لسورة الكوثر فأكثر يحصل إعجازٌ بها وما أدنى من ذلك سيأتي الكلام الذي ذكرناه سابقًا. إذًا اقتصر على السورة لماذا؟ لأنه لم يكن في القرآن آيةٌ مفردة بل الآية تستلزم مناسبةً لما قبلها وما بعدها (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ) أي حصل بسورةٍ واحدة. والسُّورَةُ الطائِفَةُ المُتَرْجَمَةْ ... ثَلاثُ آيٍ لأَقَلِّها سِمَةْ نقف على هذا وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 71

عناصر الدرس * شرح تعريف السورة والآية. * هل في القرآن فاضل ومفضول. * الخلاف في ترجمة القرآن. * شرح أقسام الترجمة. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. لا زال الحديث في مقدمة التي عنون لها المصنف رحمه الله تعالى بذكر بعض ما اختص به علم التفسير وقَبْلَها لا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَةْ ... بِبَعْضِ ما خُصِّصَ فيهِ مُعْلِمَةْ وبين أول ما ذكر في المقدمة وهو تعريف القرآن وهو ما نزل على محمدٍ ﷺ ، قال: (ومِنْهُ الإعْجازُ). وذكرنا أن هذا الحدّ هو من باب التقريب وليس الحدّ الذي يكون عند المناطقة ولذلك بعضهم يذكر بعض الفصول وبعضهم يحذفها على حسب ما يقع في نفسه من تميز القرآن على غيره ببعض الفصول دون بعض. وهنا ذكر ما أجيز ثم ذكر الفصل الأول الذي هو أول الإنزال، والفصل الثاني وهو على محمدٍ، ﷺ وبينا محترزات هذين الفصلين. قال: (ومِنْهُ الاعْجازُ). هذا هو الفصل الثاني (ومِنْهُ الاعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). هذا فصلٌ ومعه تسمية لأن قوله: (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). (بِسُورَةٍ) هذا جار مجرور متعلق بقوله: (حَصَلْ) أي: حصل الإعجاز بسورة، وهذا من باب التسمية لماذا؟ لأنه لو قال: (ومِنْهُ الإعْجازُ) يعني المعجز بلفظه وسيأتي إعرابه المعجز بلفظه قد يتوهم متوهمٌ أنه لا إعجاز إلا بكل القرآن ودفعًا لهذا الوهم قال: (بِسُورَةٍ حَصَلْ). حينئذٍ يحصل الإعجاز بسورةٍ لا بأقل منها كما سيأتي فقوله: (ومِنْهُ الإعْجازُ). ذكرنا توجيهًا في الإعراب أن منه الواو بالطبع واو الحال، (ومِنْهُ) منه جار مجرور متعلق بمحذوف خبرٌ مقدم (والإعْجازُ). هذا مبتدأ مؤخر وجملته حصل بسورة في محل نص الحال من المبتدأ هذا وجهٌ، والوجه الأحسن منه أن يعرب الإعجاز مبتدأ، وحصل بسورةٍ هذا الجملة الخبر يبقى الإشكال بقوله: (مِنْهُ). منه الأصل أنه متأخر وهو مقدم عن تأخير والإعجاز حصل بسورةٍ منه، فمنه جارٌ مجرور في الأصل جار مجرور متعلقٌ بمحذوف صفة لسورة لأن الظروف كذلك الجار والمجرور بعد النكرة تعرب صفات، والمشهور أن الصفة صفة النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالاً، عليه يكون قوله: (ومِنْهُ). ومنه جار مجرور متعلق بمحذوف حال وصاحب الحال هو السورة وهذا الإعراب أولى وأوجه لماذا؟ لأننا لو قلنا: ومنه الإعجاز. مبتدأ وخبر، منه يُفهم التبعيض بعضه يحصل فيه الإعجاز إلا إذا جعلنا من هنا لابتداء الغاية بمعنى ما يذكره البعض المعجز بلفظه حينئذٍ صار الابتداءٌ من اللفظ وحصل الإعجاز مبتدأ بماذا؟ بلفظ القرآن، وهذا أيضًا وجهٌ حسن لكن الأولى أن يعرب الإعجاز مبتدأ، ومنه هذا حال مقدم وحصل بسورةٍ هذه الجملة خبر حصل بسورةٍ منه لأنه لا بد من التقديم.

стр. 72

(ومِنْهُ الإعْجازُ). قلنا: الإعجاز هذا مصدر أَعْجَزَ يُعْجِزُ إِعْجَازًا، والْمُعْجِز هذا يطلق عليه الآية وهو استعمالٌ القرآن وهو أولى وإن شاع عند كثير من المتأخرين إطلاق الإعجاز على الآية والعكس هو الصواب أن يطلق الآية على الإعجاز لأنه ما جاء في الكتاب والسنة إلا لفظ الآية والمعجزة عندهم أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بالتحدي مع عدم المعارضة، والمراد بالتحدي طلب المعارضة أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بالتحدي يأتي صاحبه يتحدى بهذه الآية هذا الأمر الخارق للعادة مع عدم المعارضة يعني لا يعارضه أحد والمعارضة هنا هي ما يكون في مثل هذا الموضع أن يُؤتى بلفظٍ معجز ولما انتفى ذلك لما تحداهم الرب جل وعلا ليأتوا بمثله فعجزوا ولم يستطيعوا تحداهم أن يأتوا بعشر سورٍ مثله، أيضًا لم يستطيعوا تحداهم أن يأتوا بسورةٍ أيضًا لم يستطيعوا. إذًا عدم المعارضة لم يتمكنوا من المعارضة لذلك قلنا: الصواب هو قول من يرى أن عدم المعارضة هنا لذواتهم. يعني قصورهم لذاتهم لا لكونهم قادرين وصُرِفُوا، لا، لا نقول بالصرف كما يقول المعتزلة ومن على شاكلتهم. ما اختص به علم التفسير وليس في طوق الورى من أصله ... أن يستطيعوا سورةً من مثله وليس في طوق الورى من أصله. ليس في قدرة وطاقة الورى الخلق من أصله من أصل الخلق نفسهم لذواتهم ولكونهم عاجزين أن يستطيعوا سورةً من مثله، إذًا لا كونهم قادرين ولكنهم صُرِفُوا، وإنما هو فرقٌ بين القولين أن نقول: أنهم يقدرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور أو بسورةٍ ولكنهم حُجبوا وصُرفوا عن ذلك، لكن الصواب أنهم عاجزون بأنفسهم لذواتهم والعلة واضحة أن الكلام الْمُتَحَدَّى به كلام الرب جل وعلا وهو صفة للخالق سبحانه، والكلام الذي يُؤتى من جهة المخلوق صفةٌ له وحاش أن تكون صفة المخلوق مساوية لصفة الخالق كما أن الفرق واضح بيِّن بين الذات ذات المخلوق وذات الخالق، كذلك صفات الذات تابعةٌ لها لذلك عند أهل السنة أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات كما أن ذاته جل وعلا لا تشبهه ذوات، كذلك صفاته لا تشبهه الصفات ومنه صفة الكلام، إذًا لا يمكن أن يقال بأنهم قادرون ولكنهم صُرفوا، هذا قول باطل بما يلزم عليه. (ومِنْهُ الإعْجازُ) يعني للخلق إعجازه للخلق لإظهار صدق النبي ﷺ في صحة دعواه لأن الإعجاز المقصود به إثبات أن القرآن حق وأن الرسول، رسول صدقٍ صلى عليه وآله وسلم. حصل بسورة هذا مفهومه أو هذا بيان لأقل ما يحصل به الإعجاز، اقتصر عليه على السورة دون ما دونه وهو الآية لماذا؟ لأنه لم يأت نص صريح - أقول: صريح - في التحدي بالآية وإن جاء التحدي بالآية ضمنًا، إذًا اقتصر على السورة لماذا؟ لأنه لم يكن في القرآن آية صريحة في التحدي بالآية لأنه كما ذكرنا أنه لا يوجد آية مفردة ليس عندنا في القرآن آية مفردة بل هي مستلزمة لما قبلها ولِمَا بعدها فصدق أن أقل ما يحصل به الإعجاز والتحدي هو السورة وأقل سورة هي سورة الكوثر وآياتها عددها ثلاث آيات فدل على ماذا؟ على أنه لا تكون الآية بمفردها دعوى التحدي وإنما تكون بثلاث آيات فأكثر.

стр. 73

إذًا اقتصر على السورة لأنه لم يكن في القرآن آية مفردة بل الآية تستلزم مناسبة لِمَا قبلها وما بعدها (بِسُورَةٍ) قلنا: هذا يقتضي أنه لا أقل منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]. بحديث تحداهم أولاً بأن يأتوا بمثل القرآن ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ ... [هود: ١٣]، ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] هذا واضح لا إشكال ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] قال الزركشي ﵀: هذه يقتضي الإعجاز بآية. لأنها حديث أليس كذلك قلت: لم يرد التحدي بالآية صريحًا وإنما جاء ضمنًا وهو داخل في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]. لأنه يشمل الآية، بل قال بعضهم: إن الإعجاز يكون بجملة يعني: بعض آية وليس بآية فقط، وإنما يكون بجملة جملة مركبة من مبتدأ وخبر وفعل وفاعلها أو نائبه وهذا أيضًا يستقيم مع ماذا؟ مع القول بكونه لم يصرح بالتحدي بآية والسبب في ذلك أنه لا آية مفردة وكذلك لا جملة مفردة فنقول: لم يرد التصريح بالتحدي بالآية لا لكونها ليست معجزة، لا، بل القرآن كله معجز لكنه بعضه معجز بذاته فيما لو انفرد عن غيره كسورة البقرة مثلاً كاملة أو عشر آيات كاملة أو سورة أكثر من ثلاث آيات تقول هذه معجزة بذاتها فيما لو لم تنضم إلى غيرها، ومنه ما هو معجز بالانضمام إلى غيره وهو الآية والجملة. إذًا لا يخرج القول بكون الآية ليست معجزة لا يخرج عن كون القرآن معجزًا بل نقول: كله معجز. لماذا؟ لأن القرآن جاء متحديًا لمن اتصف بأعلى درجات الفصاحة حينئذ لا يعجز أن يأتي بكلمة واحدة، وقد وردت آية واحدة في القرآن بكلمة واحدة وهي: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤]. قال بعضهم: لا يوجد غيرها ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. والغريب أن السيوطي ﵀ مثل بقوله: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: ١]. أنه كلمة واحد ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١]، ﴿وَالْفَجْرِ﴾ [الفجر: ١] أنه كلمة واحدة وهذا مثال صحيح؟! ليس بصحيح لماذا؟ لأنها جملة وليس بكلمة ولا كلمتين ﴿وَالضُّحَى﴾ هذه جملة ﴿وَالْعَصْرِ﴾ هذه جملة فعلية ﴿وَالْفَجْرِ﴾ تقول هذه جملة فعلية لماذا؟ لأن أصلها أقسم بالضحى، أقسم بالفجر هذا الأصل فيها ونابت الواو مناب فعل القسم لذلك لا يجوز الجمع بينها وبين فعل القسم. إذًا نقول: عجبنا من السيوطي مع كونها نحويًا إلا أنه مثل في التحبير بكلمة واحدة وهي قوله: ﴿وَالضُّحَى﴾. والصواب أنه يقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾. كلمة واحدة في آية قيل: لا يوجد غيرها أما ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] هذه جملة ثم حرف عطف على ونظر هو المركب من فعل فاعل فيكون جملة ولا يكون كلمة واحدة.

стр. 74

إذًا نقول: قوله: (بِسُورَةٍ). يقتضي أنها أقل ما وقع التحدي به لقوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. لكن قوله تعالى: ... ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]. يقتضي الإعجاز بآية وقيل: إن الجملة الواحدة معجزة والجواب ما ذكرناه أن الآية مع غيرها والجملة مع غيرها. قال بعضهم: (الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُعْجِزٌ، لَكِنْ مِنْهُ مَا لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُعْجِزًا بِذَاتِهِ. وَمِنْهُ مَا إعْجَازُهُ مَعَ الِانْضِمَامِ إلَيْهِ) (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ). حصل الإعجاز بسورة كسورة الكوثر مثلاً، ومثلها فيه قدرها من غيرها لأنه يقال: سورة الكوثر. هذه ليست في الآيات أو ليست في الكلمات والحروف مثل آية الدَّيْن أيهما أكثر؟ آية الدَّيْن ولا شك لكن من حيث عدد الآيات سورة الكوثر أكثر لكن من حيث الكلمات نقول: آية الدين. هل يحصل الإعجاز بآية الدين؟ نعم كيف نقول بآية لا يحصل؟ باعتبار ما تضمنه من كلمات إذًا بسورة حصل ومثلها مثل السورة فيه يعني في الإعجاز به قدرها من غيرها فحينئذٍ ننظر في سورة الكوثر عدد كلماتها وأسطرها ومثله من غيرها أيضًا يكون معجزًا كآية الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ... إلى آخره نقول: هذه معجزة لأن في عدد الكلمات أكثر من سورة الكوثر إذًا مثل سورة الكوثر في قدرها في كلماتها والأصل مثلاً وعد الجمل نقول: مثلها في غيرها معجزٌ سواء كان آية مستقلة أو بعض آية وعليه نقول: ما كان آية لو انفرد وليس بمعجز هذا ما أمكن أن يؤتى بمثله فيما إذا كان كلمة أو كلمتين أو جملة فعلية أو جملية اسمية يعني: من قصار السور. وأمكن أن يُؤتى بمثله وأما ما كان طويلاً كآية الدين ونحوها نقول: هذا لا يمكن أن يُؤتى بمثله ولا نقول هنا معجزًا لاستلزامها ما قبلها وما بعدها إذًا مثل مسألة الآية أو الإعجاز والتحدي بالآية نقول: ليس كل آية نَدَّعِي أنها معجزة في ذاتها بل ما كان يُتصور في العقل أن يأتي العربي الفصيح بمثله فيما لو انفرد. نقول: هذا ليس بمعجز بذاته بانضمامه إلى غيره وما لم يكن كذلك فلا. نقول: لا، هو معجز بذاته إذًا تصريح أهل العلم بكون الآية لم يرد التحدي به نقول: أولاً لم يرد التحدي به صريحًا أما ضمنًا فقد ورد ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وكون الآية ليست معجزةً بذاتها نقول: فيما - لا بد من تقيده - فيما لو أمكن أو تصور العقل أن يأتي العربي الفصيح القح بمثله وما عدا ذلك فلا نقول: الآية معجزة سواء انضمت إلى غيرها أو انفردت عن غيرها. فالمسألة فيها تفصيل.

стр. 75

لَمَّا ذكر السورة وهو كونه يحصل الإعجاز بها شرع في بيان حقيقة السورة ما هي السورة؟ إذا قيل: (ومِنْهُ الإعْجازُ بِسُورَةٍ حَصَلْ) حصل بسورة من القرآن ما هي هذه السورة متى نحكم على بعض الآيات بكونه سورة قال: (والسُّورَةُ). بدون همز وقد تهمز ويقال: السؤرة. وإن لم يكن مستعملاً إذًا يقال: السورة. ويقال: السؤرة. تهمز ولا تهمز اختلف في اشتقاقها فقيل: مشتقة من سور البلد لارتفاعه. وسميت السورة سورة مع كونها مشتقة من سور البلد لشرفها وارتفاعها وقيل: السورة المنزلة الرفيعة. أصلها المنزلة الرفيعة كما قال النابغة: ما اختص به علم التفسير أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ حولََهَا يَتَذَبْذَبُ سورة. يعني: منزلة رفيعة، ألم تر أن الله أعطاك سورة. إذًا يحتمل أن يكون لفظ السورة مشتقًا من سور البلد أو من المنزلة الرفيعة وكلٌ مسموع من لغة العرب وعليه إذا كان مشتقًا من سور البلد أو من المنزلة الرفيعة فلا يكون مهموزًا لا يُتصور أن يهمز لأنه إذا اشتق مما لا همز فيه فلا يمكن أن يكون الفرع مهموزًا بل يكون تابعًا لأصله وقيل: مشتقة من سؤر الإناء. وهو بقيته لأنها جزء من القرآن فأصلها سؤرة بالهمزة ولكنها خففت بإسقاطها سؤرة إذًا همزة ساكنة ومعلوم أن الهمز ثقيل خاصة مع الواو فأسقط تخفيفًا من باب التخفيف وكل يحتمل، يحتمل أن يكون اشتقاق لفظ السورة من سور البلد أو من المنزلة الرفيعة أو من سؤر الإناء وهو بقيته، ومعلوم أن السورة منزلتها رفيعة لأنها جزء من القرآن ولأنها كلام الرب جل وعلا إذًا منزلتها رفيعة وهي أيضًا مرتفعة ولها شرف كما أن السور سور البلد مرتفع وإن كان هذا ارتفاع حسي إلا أن ارتفاع السورة يكون معنويًّا ويحتمل أنها من السؤر سؤر الإناء حينئذ تكون مهموزة في الأصل إلا أنها خففت بماذا؟ بإسقاط الهمزة. والسورة اصطلاحًا: الطائفة المترجمة. زد عليه توقيفًا. السورة الطائفة المترجمة توقيفًا لا بد من هذا في الحد، الطائفة المراد بالطائفة الجملة. طائفة من أي شيء؟ جملة من أي شيء؟ من القرآن، الطائفة هي الجملة من القرآن وإن شئت تقول: القطعة من القرآن. الطائفة قطعة من القرآن أو جملة من القرآن. (المُتَرْجَمَةْ) أي: المعنونة لها عنوان والمراد بالعنوان هنا أن تكون مسماة باسم خاص سورة البقرة سورة آل عمران هذا عنوان سورة النساء هذا عنوان سورة التحريم هذا عنوان طائفة سورة التحريم من أولها إلى آخرها هذه طائفة جملة قطعة من القرآن أو لا؟
следующие страницы →