← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

(بِهِ) نائب فاعل لِ وُصِلْ، وقدم النائب على الفاعل على مذهب الكوفيين، هكذا اعتذر بعضهم، والبصريون يمنعونه، ويمكن تخريجه على مذهب البصريين على أنه من الحذف والإيصال، الحذف والإيصال بابه واسع، بأن يكون في وُصِلْ ضمير مستتر كان مجروراً بالباء، في وُصِلْ ضمير مستتر كان مجروراً بالباء، والأصل: "وما بهِ وصل بهِ"، ثم حذف الباء واستتر الضمير. إذاً وَمَا بِهِ جار ومجرور متعلق بقوله: وُصِلْ، (إِلَى تَعَجُّبٍ) متعلق بقوله: وُصِلْ. (لِمَانِعٍ) جار ومجرور متعلق بـ (وُصِلْ) أو صِلْ، إن علقته بالأول قدرت مثله في الثاني، فحُذف من الثاني لدلالة الأول عليه، هذا إذا قدرته متعلقاً بوصل، حينئذٍ لا بد من تقدير، تقول: بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ لِمَانِعٍ؛ لأن لِمَانِعٍ هنا متعلق بما انتفى في حقه شرط من شروط صوغ فعل التعجب، كلام الشطر الأول فيما يتعلق بالباب السابق (وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ) كيف: وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ؟ الكلام ما يستقيم هنا، لا بد أن تقول: لِمَانِعٍ. طيب (بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ) مطلقاً أو لِمَانِعٍ؟ لِمَانِعٍ. إذاً إما أنك تقول: لِمَانِعٍ متعلق بقوله: وُصِلْ، وحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وإما أن تقول: لِمَانِعٍ متعلق بقوله: صِلْ وحُذف من الأول لدلالة الثاني عليه، والأول أولى، أن يكون لِمَانِعٍ متعلقاً بقوله: وُصِلْ، ثم حذف من الثاني. إعرابُ البيت أكثر من معناهُ، معناه سهل واضح. إذاً (لِمَانِعٍ) اللام هنا للتعليل، يعني لأجل مانع. (بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ) يعني: صل إلى التفضيل به. (بِهِ) جار ومجرور متعلق بقوله: صِلْ. و (إِلَى التَّفْضِيلِ) جار ومجرور متعلق بقوله: صِلْ. أي: صل به إلى التفضيل. (بِهِ) نقول: هذا متعلق بِ: صِلْ على حذف مضاف، يعني بمثله، بِهِ: بمثلهِ، يعني مشابه له ليس عينه، وإنما مشابه له، لماذا؟ هناك فعل أَشَدَّ، وهنا اسم، لو قلنا: بهِ نفسهُ كان بالفعل نفسه، وهنا نقول: لا. أشَدَّ. إذا قيل: ما أشدَّ حمرتهُ، أشدَّ فعل ماضي، طيب: هو أشدُّ حمرةً، أشدُّ هنا خبر، اسم تفضيل .. أفعل التفضيل. (بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ) عند مانع صوغه من الفعل، لكن أشدَّ ونحوه في التعجب فعلٌ وهنا اسمٌ، وينصب هنا مصدر الفعل المتوصل إليه تمييزاً فتقول: زيدٌ أشدُّ استخراجاً من عمروٍ، زيدٌ مبتدأ، وأشدُّ خبر وهو مفرد اسمٌ، أفعل التفضيل أشدُّ، استخراجاً هذا تمييز، من عمروٍ جار ومجرور متعلق بأشد. وأقوى بياضاً وأفجع موتاً، إذاً يؤتى بمصدر العادم بعد أفعل منصوباً على التمييز فتقول: أنت أشدُّ بياضاً من زيد، وأكثر استخراجاً من عمروٍ. إذاً معنى البيت: وَمَا وُصِلْ بِهِ إِلَى التَعَجُّبِ لأَجلِ المَانِع صِلْ بمِثلِهِ إِلَى أَفعَل التَّفْضِيلِ. وَمَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ ... لِمَانِعٍ بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ صِلْ أي اقصد مَا بِهِ إِلَى تَعَجُّبٍ وُصِلْ، تتوصل أنت به: أي بمثله في الوزن إِلَى التَّفْضِيلِ. وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا ... تَقْدِيراً أَوْ لَفْظَاً بِمِِنْ إِنْ جُرَّدَا

стр. 1682

أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ عرفنا مما يشتق، وعرفنا إذا انتفى شرط من شروطه كيف نتوصل إليه، هو على ثلاثة أحوال بعد ذلك، أفعل التفضيل أكثر مسائله المشهورة متفق عليها، ولذلك ابن عقيل لم يذكر خلافا إلا يسيراً، كذلك في أوضح المسالك كذلك في الأشموني. المسائل المشهورة الشهيرة التي نظمها الناظم متفق عليها في الجملة وليس فيها خلاف. وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا ... تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا (وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ) منصوب على أنه مفعول به لفعل يفسره بعده صل أفعل التفضيل. (صِلْهُ) الضمير لو أُسقِط هنا لنصب أفعل التفضيل، إذاً من باب الاشتغال. إِنْ مُضْمَرُ اسْمٍ سَابِقٍ فِعْلاً شَغَلْ ... عَنْهُ بِنَصْبِ لَفْظِهِ أَوِ الْمحَلْ فَالسَّابِقَ انْصِبْهُ بِفعْلٍ أُضْمِرَا ... حَتْماً مُوَافِقٍ لِمَا قَدْ أُظْهِرَا إذاً: (وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ) نقول: هذا مفعول به لفعل محذوف وجوباً يفسره المذكور وهو صِلْ الذي بعده. (صِلْهُ أَبَدَا)، صِلْ هذا فعل أمر، والفاعل أنت ضمير مستتر وجوباً، والضمير هنا في محل نصب مفعول به. (أَبَدَاً) منصوب على الظرفية، وجملة صِلْ هذه لا محل لها من الإعراب. (تَقْدِيراً اَوْ لَفْظاً) تَقْدِيراً اوْ بدون همزة؛ لأن أَوْ حرف والهمزة في الحرف همزة قطع إلى، أم، أو .. هذه كلها همزة قطع، حينئذٍ الأصل فيها الذكر. (تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً) يعني: مقدراً أو ملفوظاً بِمِِنْ، صله بمن. (بِمِِنْ) جار ومجرور متعلق بقوله: صِلْ. (إِنْ جُرِّدَا) هذا إشارة إلى الحالة الأولى وهي أن يكون أفعل التفضيل مجرداً؛ لأن أفعل التفضيل باستقراء كلام العرب لا يخلو عن ثلاثة أحوال: إما أن يجرد عن أل والإضافة، أفضلُ، أعلمُ .. زيدٌ أعلمُ من عمروٍ، مجرد، يعني لا تدخل عليه أل ولا يضاف. الثاني: أن يكون محلىً بأل، زيدٌ الأفضلُ .. دخلت عليه أل. ثالثاً: أن يضاف، وإذا أضيف إما أن يضاف إلى معرفة أو إلى نكرة، وكلاهما داخلان تحت قسم واحد زيدٌ أفضلُ الناس، وزيدٌ أفضلُ رجلٍ أضيف إلى نكرة وأضيف إلى معرفة. إذا جرد عن أل والإضافة فله حكمان: الحكم الأول أشار إليه بهذا البيت وهو: أنه يجب أن يوصل بمن جارة للمفضول عليه، فتقول: زيدٌ أعلمُ من عمروٍ، هذا المراد. إذا جرد عن أل والإضافة تقول: زيدٌ أعلمُ ما تسكت هكذا، وإنما تقول: من عمروٍ .. من عمروٍ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: أعلم. هل هو واجب الذكر؟ نعم، واجب الذكر، وإذا حذف لا بد من تقدير يكون منوياً، وإذا قدر المقدر كالموجود. إذاً أفعل المجرد له حكمان: الحكم الأول الذي ذكره هنا بقوله: صله بمن إن جرد من أل والإضافة، جارة للمفضول، من هو المفضول؟ الذي بعده، والسابق يكون مفضلاً، إذاً عندنا مفضل ومفضل عليه واسم تفضيل، أفعل التفضيل تقع بينهما، والمفضل والمفضل عليه، والأصل في المفضل والمفضل عليه عدم اتحادهما، بمعنى أن يكون المفضل مغايراً للمفضل عليه، زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، ما تقول: زيد أكرمُ من زيدٍ هو عينه، هذا إلا في مسألة الكحل الآتية وهي قليلة.

стр. 1683

فحينئذٍ يشترط في المفضل والمفضل عليه أن يكونا متغايرين، يعني ذاتينِ، أن يكون كل منهما ذاتاً منفصلاً منفكاً عن الأخرى. ولا يتصور اتحادهما إلا في المسألة الأخيرة التي سيأتي ذكرها في هذا الباب. (وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ)، لَفْظاً واضح أنه ينطق بها، فتقول: زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، وأما تَقْدِيراً بأن تحذف مع مجرورها للعلم به، فلو لم يعلم لم يجز الحذف للقاعدة السابقة. إذا قصد به التفضيل حينئذٍ إذا لم توجد (من) مع مجرورها وجب تقديره، متى؟ إذا دل عليه دليل، فتقول: هي منوية، هي مقدرة، وقبل ذلك كانت مذكورة، فإذا لم يدل عليه دليل بعد الحذف لا يجوز للقاعدة العامة: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ. إذاً تَقْدِيراً هنا مراده به بأن تحذف مع مجرورها للعلم به، فلو لم يعلم لم يجز الحذف، وقد تذكر مع العلمِ، أما الحذف بدون علم فلا، ويجوز حذفها مع العلمِ وقد تذكر. إذاً إذا علم لا يلزم منه الحذف، لا، قد تكون مذكورة ولو حذفت تكون معلومة ((قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)) [الجمعة:١١] ما هو المفضل عليه؟ اللَّهْو والتِّجَارَة، لو حذف أحدهما .. حذفت (من) لعُلِم المحذوف بذكر الثاني، إذاً ثم دليل موجود، ومع ذلك ذُكرت ((قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ)) [الجمعة:١١] خَيْرٌ أصلها أخير ((مِنَ اللَّهْوِ)) [الجمعة:١١] هذا متعلق بخير، ((وَمِنَ التِّجَارَةِ)) [الجمعة:١١] كذلك معطوف على من اللهو. لو حذف أحدهما لدل الثاني عليه. (تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ) قلنا: بِمِِنْ هذا متعلق بقوله: صِلْهُ .. صِلْهُ بِمِِنْ. واختلف في معنى (من) هذه، اتفقوا على أنه لا بد من (من)، لا بد من الحرف، لا بد أن يكون المفضل مجروراً بمن، لكن ما المراد بمن؟ (من) لها معاني، اختلفوا فيها على ثلاثة مذاهب: مذهب المبرد، وسيبويه، وابن مالك. والمرجح هو مذهب المبرد لأنه موافق للأصل، وهو أنها لابتداء الغاية. الأول مذهب المبرد: أنها لابتداء الغاية، وهذا لا يحتاج إلى تعليق، لماذا؟ لأنها الأصل كما سيأتي. الثاني مذهب سيبويه: أنها لابتداء الغاية، لكن مع الإشارة إلى التبعيض. خلط بعضهم بين المذهبين، فنسب الأول لسيبويه، والصواب أن سيبويه يرى أنها لابتداء الغاية مع الإشارة إلى معنى التبعيض، ومذهب المبرد أنها لابتداء الغاية فقط، فرق بينهما. إذاً: مذهب المبرد أنها لابتداء الغاية، ومذهب سيبويه وهو ثاني المذاهب: أنها لابتداء الغاية أيضاً، لكن بزيادة فرق بينهما. مع الإشارة إلى معنى التبعيض، فقال في نحو: هو أفضل من زيدٍ فضلَّهُ على بعضٍ ولم يعم، هكذا قال سيبويه: فضله على بعض ولم يعم، قالوا: إذاً هي لابتداء الغاية عند سيبويه مع معنى التبعيض.

стр. 1684

وفهم بعضهم أنه لا يصح أن يقال: بأنها للتبعيض إلا إذا وجد فيها شرط التبعيض السابق الذي مر معنا في حروف الجر، وهو أن يؤتى ببدل (من) كلمة بعض، وليس هذا مراد سيبويه، وإنما أراد أنها مُشربة المعنى، وإذا كان كذلك لا يلزم أن يُصرح ببعض، فرق بين أن يقال: (من) للتبعيض أصالةً، وبين أن يقال: أُشربت معنى التبعيض، هذا مثل ما سبق أن نقول في الظرف: هذا تضمن معنى في، لكن لا يلزم منه أن يصرح بفي، هنا كذلك فهم البعض أنه لما قال سيبويه: مشربةٌ معنى التبعيض أنه لا بد أن يوجد فيها شرط (من) التبعيضية، وهو صحة حلول لفظ (بعض) محلها، نقول: لا، ليس هذا المراد، وإنما أراد أن اللفظ لابتداء الغاية وهو الأصل وأُشرب معنى التبعيض، يعني: يلاحظ فيه معنى التبعيض، وإن لم تكن (من) متمحضةً للتبعيض، وإن لم يصح حلول لفظ (بعض) محل (من)، فاللفظ عام. أنها لابتداء الغاية مع الإشارة إلى معنى التبعيضِ فقال في نحو: هو أفضل من زيدٍ، ما معناه عند سيبويه؟ قال: فضله على بعضٍ، يعني بعض الناس ولم يعم. والمراد بالتبعيض هنا: كون مجرورها بعضاً لا التبعيض المتقدم في حروف الجر، كما فهم ذلك ابن هشام فردَّ هذا القول بناء على أنه لا يصلح لفظ (بعض) محل (من)، نقول: لا، ليس هذا المراد؛ لأن التبعيض هنا بالإشارة ليس بمعنى (من) لفظها، لا، هي لابتداء الغاية، فالمعنى المراد: "زيدٌ أفضلُ من" المراد ابتداء الغاية، وأُشربَ وأُشيرَ وضمن معنى أو ملاحظة التبعيض، فلا يلزم أن تكون بمعنى (من) التبعيضية فيحل محلها لفظ (بعض) خلافاً لما ذهب إليه ابن هشام. المذهب الثالث وهو مذهب الناظم: أنها بمعنى المجاوزة: أي مجاوزة الفاضل للمفضول بمعنى زيادته عليه في الوصف، والمراد أنها تفيد ذلك مع بقية التركيب، ليست مطلقة، فكأن القائل زيدٌ أفضلُ من عمروٍ: "جاوزَ زيدٌ عمراً في الفضلِ"، وهذا تكلف، وإن كان مذهب ابن مالك "جاوز زيدٌ عمراً في الفضلِ"، ليس هذا المراد. والأول أولى. يعني: مذهب المبرد: أنها لابتداء الغاية فقط. ووجهه أن (من) لا تحُمل على غير الابتداء إلا إذا منع منه؛ لأنه أشهر معانيها، وهنا لا مانع من حملها عليه فلا حاجة لإخراجها عنه؛ لأنها الأصل، فإذا كان كذلك فحينئذٍ تبقى على ما هي عليه. (وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا تَقْدِيراً) عرفنا المراد بالتقدير، (أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا). قوله: (صِلْهُ أَبَدَا) نفهم منه أنه يجب أن يكون (من) ومجرورها متصلاً بأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، قال: وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَاً بِمِِنْ، إذاً إذا زيدت (من) حينئذٍ نقول: لا بد أن يكون متصلاً بأفعل التفضيل. يقتضي قوله: (صِلْهُ أَبَدَا) أنه لا يفصل بين (أفعل) وبين (من)، وليس على إطلاقه، بل يجوز الفصل بينهما بـ (لو) وما اتصل بها وبمعمول أفْعَلَ التَّفْضِيْل وزاد بعضهم النداء. ثلاثة أشياء. وليس على إطلاقه، بل يجوز الفصل بينهما بمعمول أفْعَلَ التَّفْضِيْل، وقد فصل بينهما بـ (لو) وما اتصل بها كقوله: وَلَفُوكِ أَطْيَبُ لَو بَذَلتِ لَنَا ... مِنْ مَاءِ مَوهَبَةٍ عَلَى خَمْرِ (وَلَفُوكِ أَطْيَبُ) أَطْيَبُ أفعل التفضيل.

стр. 1685

(مِنْ مَاءِ) فصل بين أَطْيَبُ وقوله: مِنْ مَاءِ بقوله: لَو بَذَلتِ لَنَا، جملة: لَو بَذَلتِ لَنَا، لو وما دخلت عليه فاصلة بين أفعل التفضيل ومن، هذا جائز في سعة الكلام وليس ضرورة. قال بعضهم: ولا يجوز غير ذلك. وأجاز بعضهم الفصل بالنداء، حكاه العصفور، وكذلك على الصحيح يجوز الفصل بمعمول أفْعَلَ التَّفْضِيْل ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) [الأحزاب:٦] جاء في فصيح الكلام، وإذا جاء في فصيح الكلام انتهينا، ((أَوْلَى)) هذا أفْعَلَ التَّفْضِيْل، ((مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) هذا المفضل عليه، ((أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ)) [الأحزاب:٦] إذاً بالمؤمنين جار ومجرور متعلق بقوله: أولى، إذاً تعلق بأفعل التفضيل. إذاً: ما كان متعلقاً أو معمولاً لأفعل التفضيل جاز الفصل بينه وبين (من) ومجرورها. وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا ... تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا لا يخلو أفعل التفضيل عن أحد ثلاثة أحوال: الأول: أن يكون مجرداً، فإن كان مجرداً فلا بد أن يتصل به (من) لفظاً أو تقديراً، جارة للمفضل عليه. زيدٌ أفضلُ من عمروٍ ومررت برجلٍ أفضلَ من عمروٍ، وقد تحذف (من) ومجرورها للدلالة عليهما كقوله: ((أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ)) [الكهف:٣٤] هذا (من) والكاف هو المفضل عليه، والجار والمجرور متعلق بقوله: ((أَكْثَرُ)). ((مَالاً)) منصوب على التمييز، ((وَأَعَزُّ نَفَرًا)) [الكهف:٣٤] يعني: أعز منك، إذاً: حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، ((وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى)) [الضحى:٤] هذا فصل بينهما. وفهم من كلامه أن أفْعَلَ التَّفْضِيْل إذا كان بأل أو مضافاً يمتنع وصلهما بـ (من)؛ لأنه قال: إِنْ جُرِّدَا، وعرفنا بالاستقراء أن الأحوال ثلاثة: إما أن يحلى بأل، أو يضاف، أو يجرد، خص الحكم هنا بالمجرد، فدل على أن ما عداه لا يجب، بل يمتنع أن يوصل بـ (من)، فلا يقال: زيدٌ الأفضلُ من عمروٍ لا. ولا يقال: زيدٌ أفضلُ رجلٍ من عمروٍ أو أفضلُ الناس من عمروٍ .. نقول: لا. لا يجوز وسيأتي التعليق. وفهم من كلامه أن أفعل التفضيل إذا كان بأل أو مضافاً يمتنع وصلهما بـ (من) .. لا تصحبه (من)، فلا تقل: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، ولا زيد أفضلُ الناس من عمروٍ .. هذا فاسد. وأكثر ما يكون ذلك إذا كان أفعل التفضيل خبراً يعني الحذف، -ابن عقيل فصل بينهما-. وأكثر ما يكون ذلك المشار إليه يعني: حذف (من) ومجرورها، إذا كان أفعل التفضيل خبراً كالآية ونحوه، وهو كثير في القرآن، وقد تحذف منه وهو غير خبر كقوله: دَنَوْتِ وَقَدْ خِلْنَاكِ كَالَبْدرِ أَجْمَلاَ ... فَظَلَّ فُؤادِي فِي هَوَاكِ مُضَلّلاً أَجْمَلَ مِن مَن؟ أَجْمَلَ من البدرِ، حذف من البدر للعِلم به. فأجمل أفعل تفضيل وهو منصوب على الحال من التاء في دَنَوْتِ، وحذفت منه (من)، والتقدير دَنَوْتِ أجملَ من البدرِ وَقَدْ خِلْنَاكِ كَالَبْدرِ. ((وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) [الأعلى:١٧] كلاهما أفعل تفضيل خير من الدنيا، وأبقى من الدنيا .. حذفا منهما للعلم بهما.

стр. 1686

إذاً: عرفنا الحكم الأول وهو: أن أفْعَلَ التَّفْضِيْل إذا كان مجرداً من أل والإضافة وجب أن يؤتى بعده بـ (من) جارة للمفضول، وقد يحذفان. ومن ثم اختلف النحاة في مسألة هنا: إذا حذفا الجار والمجرور، هل أفْعَلَ التَّفْضِيْل باقٍ على بابه، أم أنه خرج عن الباب؟ بمعنى: أنه لا يدل على المفاضلة، إذا قيل: أفْعَلَ التَّفْضِيْل على بابه، يعني المشاركة والزيادة .. دلَّ على المشاركة والزيادة وإذا لم يكن على الباب حينئذٍ نقول: خرج عن بابه، وعندنا مثال مشهور نأتي به دائماً وهو: ((أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا)) [الفرقان:٢٤]. ((أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ)) [الفرقان:٢٤] خيرٌ ممن؟ من أصحاب النار، إذا قلنا على بابها، معناه: أن النار فيها خير، والجنة فيها خير، إلا أن الزيادة –الوصف- في الجنة أكثر من زيادتها في النار، لو قلنا على بابها، ((وَأَحْسَنُ مَقِيلاً)) [الفرقان:٢٤] أَحْسَنُ إذاً النار فيها مقيل، وهو حسن ممدوح، ولكن مقيل الجنة أَحْسَن .. أكثر حسناً، نقول: لا. ليست على بابها، سُلبت المعنى، المراد الوصف فحسب دون مفضل، ليس عندنا مفضل ولا مفضل عليه. إذا حذف هل تبقى على بابها مطلقاً أم أنها تخرج عن الباب؟ ومن ثم اختلف النحاة عند حذف (من) ومجرورها، وهو المفضل عليه في صيغة أفْعَلَ التَّفْضِيْل حينئذٍ، هل تكون دالة على التفضيل أم خلت أفعل عن هذه الدلالة، يعني سلبت المفاضلة والتفضيل؟ فذهب الكسائي والفراء ووافقهما الرضي، إلى أن هذه الصيغة لا تخلو قط من الدلالة على التفضيل .. دائماً للتفضيل، فإنك إذا ذكرت أفعل من، يعني جئت بـ (من) ذكرتها فدلالتها على التفضيل ظاهرة لا إشكال فيه، إذا قلت: زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، بعض النحاة يختصر يقول: أفعلُ من -انتبه لا تقل خطأ في النسخة-، يقول: إذا كانت (أفعَل) (أفعَلَ من) يريد بها أنه ذُكرت (من) مع المجرور. فإنك إذا ذكرت (أفعلَ من) فدلالتها على التفضيل ظاهرة .. واضح بين، وإن أضيفت فإن المضاف إليه هو المفضل عليه، زيدٌ أفضل رجلٍ المضاف إليه هو المفضل عليه، وإن اقترنت بأل، فإن أل هذه عوضٌ من المضاف إليه، ماذا بقي؟ إذا ذُكرت (من) (أفعلُ من)، فالمفضل عليه واضح، زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، عمروٍ مفضل عليه، وإذا دخلت أل فأل قائمة مقام المفضل عليه، زيدٌ الأفضلُ، كأنه قال: زيدٌ أفضلُ الناس مثلاً. وإذا أضيف فالمضاف إليه هو المفضل عليه، ماذا بقي؟ بقي إِنْ جُرِّدَت. وإن لم تضف ولم تقترن بأل، ولم يذكر معها (من) جارة للمفضول؛ كان الكلام على أحد تقديرين، يعني لا بد من ردها إلى أصلها: الأول: تقدير (من) ومجرورها. إما أن نقدر (من) مع مجرورها. والثاني: تقدير الصيغة مضافة، وقد حذف المضاف إليه وهو منوي الثبوت.

стр. 1687

إذاً: لا بد من أن تكون أفعل دالة على التفضيل في كل حالٍ من الأحوال، والحال التي معنا واختلفنا فيها وهي إذا حذف (من) ومجرورها، لا بد من ردها إما إلى (من) ومجرورها تقديراً، وإما أن يكون ثم مضاف محذوف منوي الثبوت، إما هذا وإما ذاك، لكن هذا لا يتصور في المثال الذي ذكرناه، لا يتصور أن يكون هناك تفضيل، الكلام هذا فيه نظر، الصواب أنها قد تخرج، لكنه يدل عليه بقرينة. الحكم الثاني الذي يتعلق بأفعل إذا كان مجرداً، هو ما أشار إليه بقوله: وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا ... أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا وهو أنه يلزم الإفراد والتذكير، يعني: يكون مفرداً فلا يثنى ولا يجمع، ويكون مذكراً فلا يؤنث، فتقول: زيدٌ أعلمُ من عمروٍ، والزيدان أعلمُ من عمروٍ، وهندٌ أعلمُ من عمروٍ .. وهلم جرَّا .. تبقيه على أصله. أن يكون مفرداً مذكراً دائماً نحو: ((لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ)) [يوسف:٨] أَحَبُّ هذا مفرد، ((لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ)) [يوسف:٨] مثنى هذا المفضل، والمفضل عليه (أَحَبُّ إِلَى). ((قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ)) [التوبة:٢٤] إلى أن قال: ((أَحَبَّ)) عدَّد ثم قال: أَحَبَّ فأفرد، لماذا؟ لكونه مجرداً من أل ومن الإضافة. ومن ثم قيل: إن "أُخر" معدول عن آخر، وفي قوله: كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَقَاقِعِهَا لحنٌ هكذا قيل، لُحِّن أبو نواس؛ لأنه قال: صغرى وكبرى، والأصل أن يقول: أصغر وأكبر؛ لأنه مجرد عن أل والإضافة، فلا يطابق الموصوف، بل يلزم الإفراد والتذكير. حيث أتى بصغرى وكبرى مجرداً من أل والإضافة مؤنثة، وكان حقه أن يقول: أصغر وأكبر. وأجيب بأنه لم يقصد التفضيل فخرج عن الوصف فصار صفة مشبهة. (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا أُلْزِمَ تَذْكِيرَاً) يعني: أُلْزِمَ أفعل التفضيل تذكيراً فيكون مذكراً، ولا يؤنث ولو كان الموصوف مؤنثاً. (وَأَنْ يُوَحَّدَا) (أن) وما دخلت عليه بتأويل مصدر، يعني توحيداً، والتوحيد المراد به الإفراد، فلا يثنى ولا يجمع ولو كان الموصوف مثنىً وجمعاً، فتقول: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، وهندٌ أفضلُ من عمروٍ ما تقول: هند فضلى .. هند أفضلُ، (هندٌ) مبتدأ و (أفضلُ) خبر، كيف (هند) مبتدأ و (أفضل) خبر والشرط التطابق؟ نقول: هذا مستثنى من القاعدة، فحينئذٍ نقول: أفضل يبقى على أصله. وتقول: الزيدانِ أفضلُ من عمروٍ، والزيدون أفضلُ من عمروٍ، والهندانِ أفضلُ من عمروٍ، والهنداتُ أفضل من عمرو، إذاً يلزم الإفراد والتذكير. ومثلهُ المضاف، وهذا هو الحالة الثانية من أحوال أفعل التفضيل، أن يكون مضافاً، فإن كان مضافاً إما أن يضاف إلى نكرة كأفضل رجلٍ، وإما أن يضاف إلى معرفة، فإن أضيف إلى نكرة حينئذٍ حكمهُ حكم المجرد من أل، بمعنى: أنه لا يلزم كالأول -الحكم ليس مطلقاً، وإنما من حيث الإفراد والتذكير-، فيلزم الإفراد والتذكير. (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) يعني: يلزم المضاف إليه أن يطابق. (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) وإن يضف لمنكورٍ، لِمَنْكُورٍ جار ومجرور متعلق بقوله: يُضَفْ.

стр. 1688

(أَوْ جُرَّدَا) الألف هذه للإطلاق، وجُرَّدَا معطوف على يُضَفْ؛ لأنه فعل، جُرَّدَ هو يعني: عُرِّي من أل والإضافة. (أُلْزِمَ) جواب الشرط، وهو مغير الصيغة، ونائب الفاعل هو المفعول الأول. و (تَذْكِيراً) مفعول ثاني. و (وَأَنْ) حرف مصدر. (يُوَحَّدَا) الألف للإطلاق، يُوَحَّدَ هو، يعني: أفعل التفضيل، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، يعني أُلْزِمَ تَذْكِيراً وتَوحِيداً. وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا ... أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا لأن المجرد أشبه بـ (أفعل) في التعجب، وهو لا يتصل به علامة تثنيةٍ ولا جمعٍ ولا تأنيثٍ كما سبق. والمضاف للنكرة بمنزلة المجرد في التنكير. (وَأَنْ يُوَحَّدَا) قال الشارح: ويلزم أفعل التفضيل المجرد الإفراد والتذكير وكذلك المضاف إلى نكرة وإلى هذا أشار بقوله: وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا ... أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا فتقول: زيدٌ أفضلُ من عمرو وزيدٌ أفضلُ رجلٍ، وهند أفضلُ من عمروٍ وهند أفضل امرأةٍ، والزيدان أفضلُ من عمروٍ، والزيدانِ أفضلُ رجلينِ، والهندانِ أفضلُ من عمروٍ وأفضلُ امرأتين، هنا ثنى باعتبار الموصوف، وجمع باعتبار الموصوف، بمعنى أن المضاف إليه إذا كان نكرة حينئذٍ طابق الموصوف، بخلاف أفعل التفضيل نفسها، حينئذٍ أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأنْ يُوَحَّدَا، الحكم هنا متعلق بأفعل التفضيل نفسها. وأما المضاف إليه إذا كان نكرة فيلزم المطابقة، فلذلك تقول: الزيدانِ أفضلُ رجلينِ، الزيدونَ أفضلُ رجالٍ، الهندات أفضلُ نساءٍ، فتجمع، تجمع أفعل التفضيل أو المضاف؟ المضاف. إذاً المضاف إليه يطابق لا باعتبار كونه أفعل التفضيل، وإنما باعتبار كونه مضافاً إليه يطابق الموصوف. وأفضلُ رجالٍ، والهندات أفضلُ من عمرٍو وأفضلُ نساءٍ، فيكون أفعل في هاتين الحالتين مذكراً ومفرداً ولا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، ولا تجوز المطابقة باعتبار أفعل، لا تجوز المطابقة لا في المضاف، ولا في المضاف إلى نكرة، ولا في المجرد من أل والإضافة. وأما المضاف إليه إذا كان نكرة حينئذٍ طابق الموصوف، ولذلك نقول: يجب في هذا النوع مطابقة المضاف إليه الموصوف ولو مبتدأً، فهو موصوف معنى فقط، وأما قوله: ((وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)) [البقرة:٤١] (وَلا تَكُونُوا) الواو (أَوَّلَ) هنا ما طابق، قلنا القاعدة: أن يطابق، الزيدون أفضلُ رجالٍ، الزيدانِ أفضلُ رجلين، هنا لم يطابق، نقول: هنا ((أَوَّلَ كَافِرٍ)) [البقرة:٤١] كافر هذا صفة لموصوف محذوف، أَوَّلَ فريقٍ كافرٍ، وفريق معناه: جمع، إذاً طابق باعتبار المعنى، طيب. لماذا قال: كافر وهو صفة لفريق وهو جمع؟ نقول: فريق له جهتان: من جهة اللفظ فهو مفرد، ومن جهة المعنى فهو جمع، وعند النعت إما أن تراعي اللفظ وإما أن تراعي المعنى، فهنا راعى فيه اللفظ.

стр. 1689

إذاً: لا إشكال في قوله تعالى: ((وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ)) [البقرة:٤١] في كون كَافِر هذا مضاف إليه أضيف إليه أفعل التفضيل، وهو مضاف إليه نكرة، فالأصل فيه المطابقة مع الموصوف، وهنا الموصوف ((وَلا تَكُونُوا)) [البقرة:٤١] الواو، لا يلزم الموصوف أن يكون دائماً مبتدأ لا. قد يكون مبتدأً، وقد يكون خبراً، وقد يكون فاعلاً، وقد يكون نائب فاعل .. إلى آخره، حسب موقعه من الإعراب، وأول تقع نعت، وتقع خبر، وتقع حال .. إلى آخره. ((أَوَّلَ كَافِرٍ)) [البقرة:٤١] هنا وقع أَوَّلَ مضافاً إلى النكرة ولم يطابق ما قبله، نقول: هنا على تقدير مضاف: أول فريق كافر، وأفرد كافر باعتبار لفظ فريق لأنه من جهة اللفظ مفرد، ومن جهة المعنى جمع. (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) إذاً عرفنا إذا أضيف أفعل التفضيل إلى النكرة فإنه يطابق باعتبار المضاف إليه، وأما هو فيلزم الإفراد والتذكير. (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ)، (تِلْوُ أَلْ) مضاف ومضاف إليه وهو مبتدأ. (طِبْقٌ) يعني: مطابقٌ، مطابقٌ لأي شيء؟ للموصوف، والمجرور بـ (من) هنا؟ لا تدخل (من) هنا، قلنا: (تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا) يعني: مفهومه أن (مِن) لا تدخل على أفعل التفضيل إذا كان محلًى بأل أو مضافاً مطلقاً، إذاً هي خاصة فقط بالمجرد من أل والإضافة، وما عداها لا. يمتنع دخول (من) على المفضل. إذاً: قوله: (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) تصريح بما فُهم من قوله: (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ) إلى آخره، إذ مفهومه أن ما عداهما لا يلزم تذكيراً وتوحيداً، هذا واضح بين، لأنه خصه بما سبق. وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا ... أُلْزِمَ تَذْكِيراً ........ إن لم يجرد، وإن لم يضف لمنكور بأن حُلِّي بأل، حينئذٍ نقول: لا يلزم الإفراد والتذكير. وصرح بالمفهوم لإفادة لزوم المطابقة في تَالِي أَلْ، والجواز في المضاف لمعرفة (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) أي: مطابق؛ لأن اقترانه بأل أضعف شبهه بأفعل في التعجب، (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) أي: مطابق لما قبله من مبتدأ أو موصوف، فتقول: زيدٌ الأفضلُ، والزيدانِ الأفضلان، والزيدون الأفضلون أو الأفاضل، والهندانِ الفضليان، والهنداتٌ الفضليات أو الفُضّلُ .. يعني يجوز الجمع بهذا أو ذاك، سواء سمع جمع تكسير أو جمع مؤنث سالم. إذاً: (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) يطابقه. (وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ) هذا يقابل قوله: (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ)، وما أضيف لمعرفة والذي هذا مبتدأ. (أُضِيفَ) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب لمعرفةٍ متعلق به، وما أضيف لمعرفةٍ. (ذُو وَجْهَيْنِ) ذُو خبر ما، ذُو وَجْهَيْنِ المراد بالوجهين هنا: المطابقة وعدم المطابقة، يعني يجوز فيه المطابقة ويجوز فيه عدم المطابقة، فهما وجهان منقولان (عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ). (وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ) المطابقة وعدمها.

стр. 1690

(عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ) صفة لوجهين، أضيف ذُو وَجْهَيْنِ منقولين عن العرب، فالمطابقة لمشابهته المحلى بأل في الخلو عن لفظ (من)، -لا نحتاج إلى تعليق-، نقول: هذا سمع في لسان العرب ويكفي، لكن عللوه بأنه إذا لم يطابق فالمطابقة لمشابهته المحلى به، إن طابق المضاف إلى المعرفة لأنه أشبه أل، وإن لم يطابق أشبه المجرد. فالمطابقة لمشابهته المحلى بأل في الخلو عن لفظ (من)، وعدم المطابقة لمشابهته المجرد من نية معنى (من)، كأنه أشبه ما حذف منه (من) وهي منوية. (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) عرفنا المراد به. (وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ) خبر ما، وذو مضاف ووجهين مضاف إليه، والمراد بالوجهين المطابقة وعدم المطابقة. (عَنْ ذِى مَعْرِفَهْ) يعني: عن صاحب معرفة، عالم ويعرف بلسان العرب. قيل: عبر بذلك تعظيماً لشأن هذه المسألة، لماذا؟ لأن مستندها حديث عن النبي ﷺ ، جمع بينهما في حديث واحد المطابقة عدم المطابق، وابن مالك كما سبق أنه يعظم، كلهم إن شاء الله يعظمون، لكن في الاستدلال بالكتاب والسنة من حيث تأصيل المسائل يمثل بالكتاب والسنة أكثر. قال: ذلك تعظيماً لشأن هذه المسألة، إذ أُخذ فيها بالحديث حيث جاء فيه الوجهان، وفيه إشارة أيضاً للرد على ابن السراج القائل بوجوب المطابقة إذا أضيف إلى معرفة. (هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) هَذَا: عظَّم .. اسم إشارة للتعظيم، قال: لأن المسألة عظيمة كما سبق. إشارة للتعظيم حيث نقل الحكم السابق عَنْ ذِيْ مَعْرِفَهْ، المراد به النبي ﷺ -الحديث-، وهذا لا إشكال فيه واضح. (هَذَا) مبتدأ، والخبر محذوف يدل عليه السياق، هذا الحكم، (إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) كيف إذا نويت معنى من؟ وإن لم تنوِ، وهو هناك يقول: (صِلْهُ أَبَدَاً تَقْدِيراً أَوْ لَفْظاً بِمِِنْ إِنْ جُرِّدَا) قلنا مفهومه: أنه لا تدخل (من) على المضاف إلى المعرفة، وهنا يقول: يجوز الوجهان إذا نويت معنى (من). (وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) يعني معنى من، فكيف نفى وأثبت؟ نقول: هنا فيه تجوز، ليس مراده أنه يضمن معنى (من) و؟؟؟ المراد: أن المجرد إذا استعمل بـ (من) حينئذٍ كان دالاً على التفضيل، كأنه يقول لك: الحكمُ السابق فيما أضيف إلى المعرفة يجوز فيه الوجهان إذا استعملت أفعل في بابه، وأما إذا أخرجت أفعلَ عن بابه فلا، الوجهان متى يجوز؟ إذا كانت أفعل التفضيل على بابها، يعني دالة على المشاركة والزيادة، وهذا السابق أنه في المجرد إذا كان على معنى (من)، وإذا لم تنو (من) حينئذٍ يكون خرج عن أصله. (فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ) لا بد من المطابقة، وهذا قد يكون فيه إشارة إلى المذهب السابق، الذي قلنا: رجحه الرضي وهو أنه إذا جردت عن (من) حذفت، بعضهم يرى أنها خرجت عن باب أفعل التفضيل، لكن ابن مالك لم يصرح، لكن قد يقال هذا.

стр. 1691

(هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) أي: المعنى الحاصل معها؛ لأن التفضيل ليس نفس معناها، وإنما هو مستفاد من أفعل معنى (من)، ليس التفضيل حاصلاً من (من) نفسها ومجرورها بل من التركيب كله، زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، لا بد من مفضل، ومفضل عليه، ومن ومجرور .. التركيب كله يفهم منه التفضيل ليس خاصاً بـ (من) فحسب، وإنما هذا كناية من إطلاق الجزء مراداً به الكل (إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) بأفعل معنى (من) بأن لم تنو به المفاضلة أصلاً، أو تنويها لا على المضاف إليه وحده، بل عليه وعلى كل ما سواه، حينئذٍ خرجت عن معنى التفضيل، فإذا أضيف إلى المعرفة وجب فيه حالة واحدة وهي: المطابقة لما اتصل به. هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ ... لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ أي: جواز المطابقة وعدمها في المضاف إلى المعرفة مشروط بأن تكون الإضافة فيه بمعنى (من)، وذلك إذا كان أفعل مقصوداً به التفضيل. إذاً: لم يقصد بقوله: (إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) أن تكون (مِنْ) مقدرة، لا. ليس هذا مراده، مراده أن هذا اللفظ كناية عما إذا استعمل أفعل التفضيل في بابه، ولذلك إذا ذكرت (من) فهي قطعاً أنها للتفضيل. (هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) معنى مِنْ أي التفضيل، على ما أضيف إليه وحده. (وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) معنى (مِنْ) (فَهْوَ طِبْقُ) فَهْوَ مبتدأ وطِبْقُ هذا خبر. طبق ما قرن به وجهاً واحداً، قُرِنْ المراد به ما هو أفعل التفضيل له، يعني جعلته تابعاً لما سبق. إذا كان أفعل التفضيل بأل لزمت مطابقته لما قبله في الإفراد والتذكير وغيرهما فتقول: زيدٌ الأفضلُ، والزيدانِ الأفضلان، والزيدون الأفضلون، وهندُ الفضلى، والهندان الفضليان، والهنداتُ الفُضَّل أو الفضليات، ومررتُ بزيدٍ الأفضل، وبهند الفضلى، ولا يؤتى معه بـ (من). ولا يجوز عدم مطابقته لما قبله، هذا المحلى بأل؛ لأنه قال: (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) حكم ولم يجوِّز الوجهين، فدل على أنها لازمة، فلا تقول: الزيدون الأفضل، ولا الزيدان الأفضل، ولا هندٌ الأفضل، ولا الهندان الأفضل، ولا الهندات الأفضل .. لا يجوز، ولا يجوز أن يقترن به (من)، فلا تقل: زيدٌ الأفضلُ من عمروٍ، هذا نقول: إذا قرنت حينئذٍ نحكم عليه بكونه شاذاً. فأما قوله: وَلَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصىً، بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ جاءت مِنْهُمْ، اقترنت (من) بالمفضل عليه، وأفعل التفضيل هنا محلى بأل، نقول: هذا لا بد من تخريجه. وَلَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصىً ... وَإِنَّمَا العِزَّةُ لِلكَاثِرِ فإما أن يقال: بأن الأَكْثَرِ أل هذه زائدة، فحينئذٍ نقول: مِنْهُمْ على الأصل .. أكثرُ منهم، والأصل: ولست بأكثرَ منهم، أو جعل منهم متعلقاً بأكثرَ نكرة محذوف مجرد عن الألف واللام، لا بما دخلت عليه الألف واللام، والتقدير: ولست بالأكثرِ أكثرَ منهم. فحينئذٍ منهم صار متعلقاً بمحذوف يفسره المذكور، وهو مجرد، يعني مستوف للشرط. وقيل: لا نسلِّم أن (من) في قوله: مِنْهُمْ هي الجارة للمفضول، ولكنها تبعيضية، فهي متعلقة بمحذوف والتقدير: لست بالأكثر حصى حال كونك منهم أي: بعضهم.

стр. 1692

على كلٍّ لا بد من تخريجه، وإذا لم يمكن حينئذٍ نحكم عليه بأنه ضرورة أو شاذ. وأشار بقوله: وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ إلى أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة، وقصد به التفضيل جاز فيه وجهان: المطابقة وعدم المطابقة، وأنت مخير، وإن كان الغالب هو غير المطابقة. أحدهما: استعماله كالمجرد فلا يطابق ما قبله، فتقول: الزيدانِ أفضلُ القومِ، الزيدانِ هذا مبتدأ، وأفضلُ خبر وهو مضاف إلى القومِ، المضاف إليه هنا معرفة، وحينئذٍ لك أن تفرد يعني: تعامله معاملة المجرد أُلْزِمَ تَذْكِيراً وَأَنْ يُوَحَّدَا لكن لا يلزم وإنما يعامل معاملته فقط في اللفظ، فتقول: الزيدانِ أفضلُ القومِ، والزيدونِ أفضلُ القومِ، وهندٌ أفضلُ النساء، والهندانِ أفضلُ النساء، والهندات أفضلُ النساء. يعني: يلزم الإفراد والتذكير، ليس على جهة الإيجاب وإنما حملاً له على المجرد. والثاني: استعماله كالمقرون بالألف واللام (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ) يعني: يطابق ما قبله، أيضاً هنا ليس واجباً كالسابق المحلى بأل، وإنما يعامل معاملته. فتجب مطابقته لما قبله فتقول: الزيدانِ أفضلا القومِ، والزيدونَ أفضلوا بالواو، أفضلُ القومِ، بحذف الواو، وأفاضل القوم، وهند فضلى النساء، والهندان فضليا النساء، والهنداتُ فضَّلُ النساء أو فضليات النساء، يعني تأتي بالجمع المسموع في لسان العرب، إن سمع التكسير جئت به، وإن سمع ألف وتاء جئت به، وإن سمع عدة جمع للتكسير لا بأس، ائت بما شئت. ولا يتعين الاستعمال الأول خلافاً لابن السراج، وقد ورد الاستعمالان في القرآن والحمد لله. فمن استعماله غير مطابق قوله تعالى: ((وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ)) [البقرة:٩٦] تَجِدَنَّهُمْ هم، (أَحْرَصَ النَّاسِ) أَحْرَصَ هذا أفعل تفضيل، وهو مضاف إلى الناس، وهو معرفة،: وَمَا لِمَعْرِفَهْ أُضِيفَ، إذاً أضيف إلى معرفة، وهنا الموصوف (لَتَجِدَنَّهُمْ) الذي هو المفعول به (أَحْرَصَ) لزم حالة واحدة وهو أنه مجرد، وهذا هو الغالب. ومن استعماله مطابقاً قوله: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا)) [الأنعام:١٢٣] (أَكَابِرَ) جمع، أكبرَ أكابر، (مُجْرِمِيهَا) هذا جمع، (فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) هذا معناه ولفظه الجمع .. أَكَابِرَ، أكبر طابق أو لا؟ طابق، إذاً هذا ورد في القرآن. وقد اجتمع الاستعمالان ((هُمْ أَرَاذِلُنَا)) [هود:٢٧] أراذل، هذا طابق، إذاً جاء في القرآن مطابقاً، وقد اجتمع الاستعمالان في قوله ﷺ : ﴿ألا أخبركم بأحبِكم "أحبِّ" إلي وأقربكم "أقربِ" مني منازلَ يوم القيامة أحاسنكم﴾ أحاسن: جمع أحسن، إذاً أفرد في أقرب، وأحب، وجمع في أحاسنكم أخلاقاً. حيث أفرد أحبَ وأقربَ وجمع أحسنَ. والذين أجازوا الوجهين قالوا: الأفصح المطابقة، لكن الغالب .. الكثير استعماله غير مطابق. والذين أجازوا الوجهين قالوا: الأفصح المطابقة، ولذلك عيب على صاحب الفصيح -ثعلب- في قوله: فاخترنا أفصحهُنَ قالوا: فكان ينبغي أن يأتي بالفصحى فيقول: فصحاهُنَ، على كل هو بشر.

стр. 1693

فإن لم يقصد التفضيل تعينت المطابقة، إذاً: إذا قصد التفضيل بأن كان أفعل التفضيل على بابه جاز الوجهان، فإن خرج عن بابه فالحكم يختلف. فإن لم يقصد التفضيل تعينت المطابقة، كقولهم: (النَّاقِصُ وَالأَشَجُّ أَعْدَلاَ بَنِي مَرْوَانَ) أي: عادلا بني مروان، ونحو: محمدٌ ﷺ أفضلُ قريشٍ، قريشٍ هذا نكرة أو معرفة؟ معرفة، علم .. قبيلة. محمد أفضلُ قريشٍ أي: أفضل الناس من بين قريش، والإضافة هنا لمجرد التخصيص للموصوف، ليس المقصود بها المفاضلة بين زيد وعمرو لا، المقصود بها التخصيص للموصوف بأنه من القوم الفلاني لا لبيان المفضل عليه. وإلى ما ذكرناه من قصد التفضيل وعدم قصده أشار المصنف بقوله: هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ .. أي: جواز الوجهين: المطابقة وعدمها، مشروط بما إذا نوي بالإضافة معنى من أي: إذا نوي التفضيل وأما إذا لم ينو ذلك فيلزم أن يكون طبق ما اقترن به، ومما مثلوا به على أنه لم يقصد به التفضيل قول القائل: إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتاً دعائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ يعني عزيزة وطويلة، وهل ينقاس ذلك أم لا؟ هل يخرج أفعل التفضيل عن بابه إذا لم يقصد معنى من وأضيف إلى المعرفة .. هل ينقاس أم لا؟ فيه خلاف بين النحاة. قال المبرد: ينقاسُ، وقال غيره: لا ينقاس وهو الصحيح. وذكر صاحب الواضح أن النحويين لا يرون ذلك وأن أبا عبيدة قال في قوله تعالى: ((وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)) [الروم:٢٧] أنه بمعنى هيِّن، -ليس كذلك-، وفي بيت الفرزدق -وهو الثاني-: إن المعنى عزيزة طويلة، وإن النحويين ردوا على أبي عبيدة ذلك وقالوا: لا حجة في ذلك الأمر. إذاً: ليس قياساً، وإنما هو سماعي، فما سمع في لسان العرب فالأصل بقاؤه على ما كان. إذاً: وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ ... أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِيْ مَعْرِفَهْ لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ (إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ) قلنا مَعْنَى مِنْ المراد به الحاصل من التركيب. (وَإِنْ لَمْ تَنْوِ) يعني: بأفعل مَعْنَى مِنْ .. لم تقصد المفاضلة أصلاً، أو نويتها لا على المضاف إليه وحده بل عليه وعلى كل ما سواه، حينئذٍ لم تكن مفاضلة، إذا خصصت واحداً على كل من سواه لم تكن ثم مفاضلة. (وَإِنْ لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ) يعني: مطابق لما قرن به، وما هو الذي قرن به أفعل التفضيل؟ ما جعل أفعل التفضيل وصفاً له، يعني مطابقاً للموصوف لسابقه؛ لأنه يقع نعتاً ويقع غير ذلك. إذاً: نقول الحال الثاني لأفعل التفضيل: أن يكون بأل، أشار إليه بقوله: (وَتِلْوُ أَلْ طِبْقٌ). الحال الثاني لأفعل التفضيل: أن يكون بأل، فيجب له حكمان: الأول: أن يكون مطابقاً لموصوفه. والثاني: ألا يؤتى معه بمن، وأن يكون مطابقاً لموصوفه.

стр. 1694

وعلة ذلك أنه إنما وجب في المجرد عن أل والإضافة ذكر (من) جارة بالمفضول عليه لقصد العلم به، أي بالمفضول، ولهذا امتنع ذكرها مع المضاف ومع المقترن بأل؛ لأن المفضول مذكور صراحة في حالة الإضافة، وفي حال الاقتران بأل في حكم المذكور؛ لأن أل إشارة إلى معين تقدم ذكره لفظاً أو حكماً. إذاً: المفضل عليه إذا جر بـ (من) واضح أنه مصرح به كما ذكرناه، وإذا أضيف فالمضاف إليه سواء كان نكرة أو معرفة هو المفضل عليه، وإذا كان بأل حينئذٍ نقول: أل هذه أشارت إلى معين؛ لأن أل إشارة إلى معين تقدم ذكره لفظاً أو حكماً، وتعيُّنه يشعر بالمفضول .. أنه هو المفضول، وبهذا فأل الداخلة على أفعل التفضيل لا تكون إلا للعهد. جاء زيدٌ الأفضلُ، أل هنا نقول عهدية .. مطلقاً. هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى مِنْ وَإِنْ ... لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ ثم قال: وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا ... فَلَهُمَا كُنْ أَبَداً مُقَدَّمَا والحالة الثالثة: إذا أضيف، وله حكمان: على اعتبار التفصيل، إن أضيف إلى نكرة قلنا له حكمان: الأول: ألا يؤتى بـ (من) والثاني: أن يلزم الإفراد. ولو زدت ثالثاً وقلت: أن يطابق المضاف إليه موصوف أفعل التفضيل، هذا إذا أضيف إلى نكرة (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) قلنا: إن جرد في السابق دل على أن المضاف إليه مطلقاً لا تدخل عليه (من)، إذاً (وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ) فيه كم حكم؟ لا تدخل عليه (من)، ثم يلزم الإفراد والتذكير، ثم المضاف إليه يكون مطابقاً للموصوف، وإذا أضيف لمعرفة له حكمان: نقول أولاً: لا تدخل عليه (من). وثانياً: يجوز فيه الوجهان: المطابقة وعدم المطابقة، بشرط أن ينوى معنى من بأن يراد به التفضيل .. أفعل التفضيل فهي على بابها، فإن خرجت أفعل التفضيل عن بابه حينئذٍ وجبت المطابقة. وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا ... فَلَهُمَا كُنْ أَبَداً مُقَدَّمَا كَمِثْلِ مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ وَلَدَى ... إِخْبَارٍ التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا إذا كان المجرور بـ (من) اسم استفهام وجب التقديم؛ لأن اسم الاستفهام له حق الصدارة، مجرور من قد يكون اسم استفهام، وقد لا يكون كذلك، أشار إلى الأول بقوله: (وَإِنْ تَكُنْ) أنت أيها المتكلم (بِتِلْوِ مِنْ) يعني الذي يتلو من الجارة السابقة (مُسْتَفْهِمَاً) وإن تكن مستفهماً بتلو من. (فَلَهُمَا) (من) والمجرور (كُنْ أَبَداً مُقَدَّمَا) يعني يجب التقديم على أفعل التفضيل، أو على جملة الكلام كما فعل الناظم هنا؛ لأنه قدم مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ، وانتقد ﵀ في هذا المثال، (مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ) مِمَّنْ (مِن) حرف جر، و (مَن) اسم استفهام جر بـ (من)، حينئذٍ نقول أصل التركيب: أَنْتَ خَيْرٌ مِمَّنْ؟ هذا أصل التركيب؛ لأن (من) تكون تالية لأفعل التفضيل، لما نقول: زيد أكرم من عمروٍ هي نفسها، لكن دخلت هنا على اسم استفهام، فقيل: أَنْتَ خَيْرٌ مِمَّنْ؟ لما دخلت (من) على اسم استفهام وله حق الصدارة وجب أن يتقدم، هل يتقدم على الجملة كلها أو يتقدم على أفعل التفضيل؟

стр. 1695

وجهان للنحاة: الناظم هنا قال: (مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ) قدمه على الجملة كلها، والأشموني انتقده، قال: مقدماً على أفعل التفضيل لا على جملة الكلام كما فعل المصنف؛ إذ يلزم -على تمثيله- الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، ولا قائل به؛ لأن المبتدأ ليس من معمولات الخبر (وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ مُسْتَفْهِمَا) تكن أنت، الذي هو اسم تكن. (مُسْتَفْهِمَاً) هذا خبر تَكُنْ. و (بِتِلْوِ مِنْ) جار ومجرور متعلق بقوله: مُسْتَفْهِمَا، بِتِلْوِ الباء هذه للاستعانة، أو للسببية، والثاني أظهر، وتلو الشيء: الذي يتلوه ويتبعه أي: يجب تقديم (من) ومجرورها على أفعل التفضيل، إن كان المجرور استفهاماً (مُسْتَفْهِمَا) يعني: اسم استفهام، نحو: أنت ممن أفضل؟ أو مضاف إلى استفهام نحو: أنت مِن غلام مَن أفضلُ؟ هذا مثلما سبق أول في باب ظن .. المعلقات هناك، الاستفهام هو نفسه أو أن يضاف نكرة إلى اسم استفهام، فيأخذ حكمه لو قيل: غلام من؟ نقول: هذا له صدارة الكلام؛ لأنه أضيف إلى اسم استفهام، سواء كان اسم استفهام بعينه .. بنفسه، أو كان مضافاً إلى اسم استفهام فيكون لهما الصدارة في الكلام. إذاً: أنت خير ممن؟ أنت خير من غلام من؟ كلاهما يجب التقديم على أفعل التفضيل. (فَلَهُمَا) الفاء واقعة في جواب الشرط، (لَهُمَا) أي: لـ (من) ومجرورها المستفهم عنه فالضمير عائد لهما، الضمير لَهُمَا عائد إلى (من) ومجرورها. إذاً الضمير في لَهُمَا عائد على (من) ومجرورها، فأما (من) فقد لفظ به: (وَإِنْ تَكُنْ بِتِلْوِ مِنْ) لفظ به، وأما مجرورها ما لفظ به، لم يلفظ بمجرورها، لكنه مأخوذ من مُسْتَفْهِمَاً، مستفهم اسم فاعل أنت، مُسْتَفْهِمَاً وصف لك لا للمجرور، لكن عرفنا أن المجرور اسم استفهام من قوله: مُسْتَفْهِمَاً؛ لأن الاستفهام إنما يكون باسم استفهام، إذاً لم يصرح بالمجرور وإنما هو مأخوذ من قوله: مُسْتَفْهِمَاً. وأما مجرورها فمفهوماً من قوله: مُسْتَفْهِمَاً، أو يرجع الضمير إلى (تِلْوِ مِنْ) المضاف والمضاف إليه، يعني يحتمل أنه راجع إلى تِلْوِ مِنْ مع الاستفهام، وإما أنه راجع إلى مُسْتَفْهِمَاً من حيث المعنى، وهذا أحسن. (فَلَهُمَا كُنْ أَبَداً) كن أنت. (مُقَدَّمَا) هذا خبر كُنْ، وأَبَداً منصوب على الظرفية، واسم كُنْ ضمير مستتر تقديره أنت وجوباً؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام. (كَمِثْلِ مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ)، (مِمَّنْ) (مِنْ) حرف جر، ومَنْ هذا اسم استفهام، وأَنْتَ مبتدأ وخَيْرٌ خبر. وأصل التركيب: أَنْتَ خَيْرٌ مِمَّنْ، فقدم الجار والمجرور لأن المجرور مستفهم به، فهو اسم استفهام وله حق الصدارة في الكلام. وعقب عليه الأشموني بأنه لا يتقدم على المبتدأ، وإنما يتقدم على أفعل التفضيل فقط، لماذا؟ لأنك إذا قلت: مِمَّنْ أَنْتَ خَيْرٌ، ممن هذا معمول، وخيرٌ عامله، وأنت هذا فاصل بين المعمول وعامله، هل هو أجنبي أم لا؟ أجنبي، لا شك أنه أجنبي، ولا يجوز الفصل بين المعمول وعامله بأجنبي، ولذلك قال: الأصوب أن يقال: أَنْتَ مِمَّنْ خَيْر؟ لكن يرد الإشكال أنه لم يتقدم على الجملة، فالمسألة محل نظر.

стр. 1696

(وَلَدَى إِخْبَارٍ التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا): (التَّقْدِيمُ) هذا مبتدأ ووَرَدَا الألف هذه للإطلاق والجملة خبر، ونَزْراً هذا حال من الضمير المستتر في وَرَدَا. (وَلَدَى إِخْبَارٍ) لَدَى بمعنى: عند، ولها متعلق، وَلَدَى التقدير: والتقديم ورد نزراً لدى إخبارٍ-رتب الجملة-، إذاً يكون حقه التأخير عن وَرَدَا، فيكون متعلقاً به، وعند إخبار وردا، حينئذٍ نقول: متعلق بقوله: وردا؛ لأن حق الكلام هكذا: والتقديم ورد نزراً لدى إخبار، حينئذٍ صار متعلقاً به. الإخبار مقابل للإنشاء، والاستفهام نوع من الإنشاء. إذاً: إذا كان التقديم واجباً في الأول، فإذا كان دخول (من) على غير استفهام فالأصل وجوب التأخير، فإذا تقدم حكمنا عليه بأنه نزرٌ كما حكم الناظم هنا أو نحكم عليه بأنه ضرورة وشاذ. إذاً: يجب التقديم إذا دخلت (من) على واجب التصدير كالاستفهام، وأما الخبر مثل زيد أكرم من عمروٍ، (من عمروٍ) لا يجوز أن يتقدم، نقول: زيدٌ من عمروٍ أكرم، أو من عمروٍ زيدٌ أكرم .. نقول: هذا فاسد لا يصح، فإن جاء في نظم الكلام حينئذٍ حكمنا عليه بأنه ضرورة أو شاذ. والناظم هنا قال: (نَزْراً) يعني: قليلاً، وفي التوضيح أنه ضرورة عند الجمهور. (وَلَدَى) يعني: عند (إِخْبَارٍ) هذا مقابل لقوله: مُسْتَفْهِمَاً. (التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا) أي أن المجرور بـ (من) المذكورة إذا كان خبراً أي غير استفهام لزم تأخيره عن أفعلِ التفضيل؛ لأنه بمنزلة الفاعل، فمحله التأخير وقد يتقدم عليه بقلة كما قال الناظم، والجمهور على أنه ضرورة. قال الشارح: تقدم أن أفعل التفضيل إذا كان مجرداً جيء بعده بـ (من) جارةٍ أو جارةً -يجوز الوجهان- للمفضل عليه نحو: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، ومن ومجرورها معه بمنزلة المضاف إليه من المضاف. يعني: أفضلُ من عمروٍ، كأنه عندنا مضاف ومضاف إليه، كأنه وليس هو مضاف ومضاف إليه، وسبق أن المضاف إليه لا يتقدم على المضاف، كذلك من عمروٍ لا يتقدم على أفعل التفضيل؛ لأنه بمنزلة المضاف إليه فلا يجوز تقديمه. فلا يجوز تقديمهما عليه كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف، إلا إذا كان المجرور بها اسم استفهام أو مضافاً إلى اسم استفهام، فإنه يجب حينئذٍ، إذ الاستفهام له حق الصدارة في الكلام. فإنه يجب حينئذٍ تقديم (من) ومجرورها نحو: ممن أنتَ خيرٌ، ومن أيهم أنتَ أفضل، ومن غلام أيهم أنتَ أفضل، وقد ورد التقديم شذوذاً في غير الاستفهام. إذاً: (نَزْراً) لم يوافق عليه ابن عقيل، وهذا هو الظاهر أنه شاذ. وإليه أشار بقوله: (وَلَدَى إِخْبَارٍ التَّقْدِيمُ نَزْراً وَرَدَا) ومن ذلك قوله: فَقَالَتْ لَنَا: أَهْلاً وَسَهْلاً وَزَوَّدَتْ ... جَنَى النَّحْلِ بَل مَا زَوَّدَتْ مِنْهُ أَطْيَبُ (مِنْهُ أَطْيَبُ) أطيب منه، قدم منه وهو جار ومجرور متعلق بقوله: أطيب على أفعل التفضيل وهو شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، وإنما يقاس إذا كان استفهاماً. وقول ذي الرُّمة يصف نسوة بالسمن والكسل: وَأَنْ لاَ شَيْءَ مِنْهُنَّ أَكْسَلُ .. أكسل منهُنَّ، نقول: هذا مقدم عليه. إَذَا سَايَرَتْ أَسْماءُ يَوْماً ظَعِينَةً ... فأسْمَاءُ مِن تِلكَ الظَّعِينَةِ أَمْلَحُ

стр. 1697

أَمْلَحُ مِن تِلكَ الظَّعِينَةِ، قدمه، فنقول: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ونقف على هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1698

عناصر الدرس * عمل أفضل التفضيل ومسألة الكحل * شرح الترجمة. النعت. ـ * حد التابع وعدده وعامله * حد التعت وفوائده. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا زال الحديث في باب: أَفْعَلِ التَّفْضِيْلِ. وقفنا عند آخر مسألة وهي: هل يرفع أفعل التفضيل الاسم الظاهر أم لا؟ أجمعوا على أن أفعل التفضيل يرفع الضمير المستتر، هذا في جميع لسان العرب .. لغات العرب أنه يرفع ضميراً مستتراً، فإذا قلت: زيدٌ أعلمُ من محمدٍ أو من بكرٍ، حينئذٍ أعلمُ هذا خبر وأفعل التفضيل، وفيه ضمير مستتر يعود إلى المبتدأ، لماذا؟ لأن أفعل التفضيل قلنا: هذا صفة، صفة معناها أنها مشتقة، فإذا كان كذلك فيها شبه بالفعل، حينئذٍ الضمير يكون مستتراً فيها يرجع إلى سابقه. إذاً: أجمعوا على أنه يرفع الضمير المستتر وهذا عام في جميع اللغات، وهل يرفع الظاهر أم لا؟ وإذا رفع الظاهر هل يرفع الظاهر مطلقاً أو في بعض المواضع؟ هذا فيه خلاف عن العرب، فبعضهم يرفعه به مطلقاً، ويقول: مررتُ برجلٍ أفضلَ منهُ أبوهُ، مررتُ برجلٍ: مررتُ فعل وفاعل، وبرجلٍ اسم مجرور، وأفضلَ بالفتح على أنه صفة ممنوع من الصرف، أفضلَ منه أبوه، فتخفض أفضل بالفتحة على أنه صفة لرجل، وترفع الأب على الفاعلية، مررتُ برجلٍ أفضلَ، أفضلَ هذا صفة مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، وأبوه هذا فاعل مرفوع به، وهذا قليل .. لغة قليلة حكاها سيبويه، وأكثرهم يوجب رفع أفضل في ذلك على أنه خبر مقدم وأبوهُ مبتدأ مؤخر، يعني: يقول: مررت برجل أفضلَ؟ لا، أفضلُ منه أبوه، فصار أفضلُ هذا خبر مقدم، وأبوهُ مبتدأ مؤخر بالرفع، إذاً: إذا فُتح صار أبوهُ مرفوعاً بأفضل، وإذا رفع حينئذٍ صار خبراً مقدماً وأبوه مبتدأ مؤخر، وفاعِلُ أفعَل حينئذٍ يكون مستتراً عائداً عليه، يعني: إذا رفعنا أفضلُ منه أين فاعل أفعل التفضيل أفضل؟ نقول: ضمير مستتر يعود على السابق، وأكثر العرب لا يرفعون بأفعل الاسم الظاهر إلا في مسألة واحدة التي عنوَن لها الناظم هنا: كَلَنْ تَرَى فِي النَّاسِ مِنْ رَفِيقِ: وبعضهم يعنون لها بمسألة الكُحْل، وهذا سيأتي في الشرح.

стр. 1699

إذاً: الأصل في أفعل التفضيل أنه لا يرفع إلا ضميراً مستتراً، ولا يرفع اسماً ظاهراً ولا ضميراً بارزاً إلا ما حُكي في لسان العرب من قلة، بعضهم حكم عليها بالشذوذ، فحينئذٍ نقول: لا يرفع الاسم الظاهر ولا الضمير البارز إلا شذوذاً، ولذلك الناظم قال: وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ قليل، ويحتمل أنه أراد بـ نَزْرٌ هنا أنه شاذ، وسواء كان قليلاً أو نزراً أو شاذاً لا يقاس عليه لضعفه. حكى سيبويه مررتُ برجلٍ أكرمَ منهُ أبوهُ على الطريقة السابقة التي ذكرناها، فأما رفعه الضمير المستتر فلأن العمل فيه ضعف لا يظهر أثره لفظاً فلا يحتاج إلى قوة العامل؛ لأنه قد يقال: لماذا رفع ضميراً مستتراً، ولم يرفع اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً وكلٌ منهما فاعل؟ نقول: فرق بين الضمير المستتر وبين الاسم الظاهر، أما الضمير المستتر فرفعه لأن العمل فيه ضعيف لا يظهر أثره لفظاً، يعني: العمل في أفعل التفضيل .. لأنه لا يحمل على الفعلِ ولا يحمل على اسم الفاعل؛ لكونه لا يؤنث ولا يفرد ولا يثنى ولا يجمع كما سبق في باب الصفة المشبهة، حينئذٍ له قوة أن يرفع الضمير المستتر، وهو في نفسه ضعيف، إذاً: لا يقوى على رفع الاسم الظاهر، وأما الضمير المستتر فلا يحتاج إلى قوة العامل، وأما عدم رفعه الظاهر فلأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل، من جهة أنه في حال تجريده لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، وهذا إذا لم يحسن أن يقع موقعه فعلٌ بمعناه، وأما إذا كان كذلك فهي التي قال فيها الناظم: وَمَتَى عَاقبَ فِعْلاً فَكَثِيراً ثَبَتَا إذاً: يكون قليلاً أو شاذاً أو نزراً إذا لم يصلح أن يقع في محله فعلٌ، حينئذٍ العمل .. رفع الاسم الظاهر يكون شاذاً. وأجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به مطلقاً .. بالإجماع، أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به، هذا أمرٌ مجمع عليه، لماذا؟ لأن ما نصب من المشتقات إنما حمل على اسم الفاعل، واسم الفاعل إنما نصب لكونه حمل على الفعل مباشرة، إذاً: هذه لا تشبه اسم الفاعل التي هي أفعل التفضيل، حينئذٍ نقول: لا ينصب المفعولَ به وهذا أمر مجمع عليه. وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ، نَزْرٌ يعني شاذ، ورَفْعُهُ: مبتدأ، وهو مضاف إلى فاعله، والضمير هنا يعود إلى أفعل التفضيل، والظَّاهرَ مفعول به للمصدر ونَزْرٌ هذا خبر، والمراد به أنه شاذ، وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ، ومراده بالظاهر هنا المصرح الملفوظ به، حينئذٍ يشمل الاسم الظاهر كأبوهُ مثلاً أو الضمير البارز؛ لأنه ظاهر كما سبق في حكم الفاعل هناك، وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ المراد به المصرح به، فيشمل الضمير البارز المنفصل كما يدخل فيه نحو: زيد وأبوه، وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ، ثم قال: هذه لغة، قلنا قليلة وهي شاذة، واللغة الكثيرة التي عليها الاعتماد في لسان العرب، ويمكن القياس عليها، بل هو مطرد: وَمَتَى عَاقبَ فِعْلاً فَكَثِيراً ثَبَتَا مَتَى هذا اسم شرط ظرف معلق بـ عَاقبَ، عَاقبَ فعلٌ ماضي فعل الشرط، وفِعْلاً: عَاقبَ هو، أي: أفعل التفضيل، فِعْلاً: مفعول به، فَكَثِيراً ثَبَتَا: الفاء واقعة في جواب الشرط، وثَبَتَا الألف للإطلاق وكَثِيراً هذا حال من الضمير المستتر في ثَبَتَا.

стр. 1700

إذاً: إذا صح أن يحل محل أفعل التفضيل فعلٌ وصح التركيب حينئذٍ صح أن يرفع فاعلاً، لكن هذه اللغة لجميع العرب، وهي أن أفعل يرفع الظاهر، ولكن ذلك مشروط بأن يكون معاقباً لفعلٍ. قال الشارح: لا يخلو أفعل التفضيل من أن يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعه أوْ لا. إما أن يصلح أن يقع في محله فعل من جنسه: أفضل، يفضلُ، أحسن يحسنُ، أكرمَ يكرمُ من جنسه. أولى، فإن لم يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعه لم يرفع ظاهراً، وإنما يرفع ضميراً مستتراً، نحو: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، أفضل فيه ضمير مستتر يعود على زيد. ففي أفضل ضمير مستتر عائد على زيد، فلا تقل: مررت برجل أفضلَ منهُ أبوهُ بفتح أفضلَ إلا على الرفع فيجوز على أنه خبر مقدم، وأبوه مبتدأ مؤخر. حينئذٍ تكون الجملة في محل خفض، وإذا كان كذلك حينئذٍ إذا فتحنا أفضلَ صار فيه ضمير مستتر أو لا؟ إذا قلنا: برجلٍ أفضلَ منهُ أبوهُ، بأفضلَ، هل فيه ضمير مستتر أو لا؟ ليس فيه ضمير، لماذا؟ لأن أبوه هو الفاعل، طيب. إذا رفعنا على التصحيح أفضلُ منهُ أبوهُ، فيه ضمير مستتر أو لا؟ في ضمير مستتر، حينئذٍ في المثال الأول أفضلَ لم يتحمل أفضلَ ضميراً مستتراً، وفي الثاني صار متحملاً لضمير مستتر، في الأول –أفضلَ- صار النعت بالمفرد: برجلٍ أفضلَ، أفضلُ منهُ أبوه النعت صار جملة اسمية، أفضلُ منهُ أبوهُ، مبتدأ وخبر في محل خفض صفة لرجل. فترفع أبوهُ بأفضلَ إلا في لغة ضعيفة حكاها سيبويه، فإن صلح لوقوع فعل بمعناه موقعه صح أن يرفع ظاهراً قياساً مطرداً، لكن ذلك مشروطٌ بماذا؟ وذلك في كل موضع وقع فيه أفعلُ بعد نفيٍ أو شبهه، وكان مرفوعه أجنبياً مفضلاً على نفسه باعتبارين، هذه ثلاثة شروط ويزاد عليها اشرط رابع: أن يكون أفعل صفة لاسم جنس، بهذه الشروط الأربعة صح أن يرفع اسماً ظاهراً على أنه فاعلٌ له، وإذا تخلف واحد منها، حينئذٍ رجعنا إلى الأصل، وهو أنه شاذٌ أن يرفع به الاسم الظاهر. أن يرفع ظاهراً قياساً مطرداً، في كل موضع وقع فيه أفعل بعد نفي أو شبهه، شبه النفي هو الاستفهام والنهي. قال في شرح التسهيل: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعلَ إلا بعد نفي, يعني: لم يسمع في لسان العرب .. طبعاً هذا استثناء، يعني: إذا قيل: بأن أفعل التفضيل رفع اسماً ظاهراً، هذا صار خروجاً عن القياس، وإذا كان كذلك حينئذٍ اللفظ الذي سُمع أو التركيب الذي سُمع يستنبط منه الشروط، ثم لا يقاس عليه غيره، فيقال: الذي سُمع هو بعد نفي، لكن جاء في لسان العرب أنه يعامل شبه النفي مقام النفي، كما سبق في باب كان وأخواتها .. تفتأ وزال ونحوها. قال: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي .. ثم قال: ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي, يعني: من باب الاستحسان، ولذلك قالوا: نفي أو شبهه، المراد بشبه النفي الاستفهام الذي فيه معنى النفي وكذلك النهي، كقوله: لاَ يكُنْ غيرُكَ أَحبَّ إِليهِ الخَيرُ مِنْهُ إِلَيكَ، وهَلْ فِي النَّاسِ رَجُلٌ أَحقُّ بهِ الحمدُ مِنهُ بمُحْسِنٍ لاَ يَمُنُّ؟ هذان مثالان لشبه النفي على ما ذكره ابن مالك في شرح التسهيل.

стр. 1701

إذاً: كل موضع وقع فيه أفعلُ بعد نفي أو شبهه .. هذا الشرط الأول، والثاني: كان مرفوعه أجنبياً، سبق أن الأجنبي والذي لا يعتبر أجنبياً العبرة فيه بالضمير، إن كان مجرداً عن الضمير قيل بأنه أجنبي، وإذا كان متلبساً بضمير هو مباشرة أو مضاف إلى ما فيه ضمير يعود إلى الموصوف حينئذٍ قلنا: هذا ليس بأجنبي، وهنا اشترط أن يكون مرفوعه أجنبي، بمعنى: أنه ليس متلبساً بضمير يعود على الموصوف، فإن تلبس بضمير، حينئذٍ قلنا: المسألة ليست مستكملة للشروط. وكان مرفوعه أجنبياً، يعني: غير ملابس لضمير الموصوف، أي: غير عائدٍ على المفضل. الثالث: مفضلاً على نفسه باعتبارين، يعني: الفاعل الذي رفعه أفعلُ التفضيل يكون هو متحد الذات، ثم له حلان، في حال أفضلُ منه في حال أخرى، سبق أن المفضل والمفضل عليه لابد وأن يكونا ذاتين، يعني: منفصلين لا يكونا متحدين، هذا استثناء مما سبق، وهذا مما أضعف المسألة، حينئذٍ ننظر فيه كالمثال الذي ذكره: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَحْسَنَ فيِ عَيْنِهِ الكُحْلُ مِنْهُ في عَيْنِ زَيْدٍ، مَا: هذا نفي، رَأَيْتُ رَجُلاً: رَجُلاً هذا اسم جنس، أَحْسَن نعت له، فيِ عَيْنِهِ: متعلق بقوله: أَحْسَنَ، أَحْسَنَ هو أفعل التفضيل، والكُحْلُ هو الاسم الظاهر الذي رفعه أحسن، نحن نقول: الاسم الظاهر الذي يرفعه أحسن، أو أفعل التفضيل يكون مفضلاً على نفسه باعتبارين، حينئذٍ "الكحل في عين زيد أفضل منه في عين غيره"، الكحل هو هو، الكحل لو وضعه زيد في عينه أجمل وأحسن من الكحل نفسه لو وضعه آخر.

стр. 1702

إذاً: المفضل والمفضل هو الكحلُ، لكن باعتبارين: فضلتَ كحلاً على كحلٍ، كحلاً في عين زيد على كحلٍ في عين عمروٍ مثلاً، والمفضل والمفضل عليه هو الكحلُ نفسه، يعني: النظر إلى الكحل لا إلى العين، وإنما الكحلُ نفسه، نقول: هذا مفضل باعتبارين، هو ذات واحدة، لكن نظر فيها إلى جهتين: كونه في عين رجلٍ وفي عين زيدٍ، ولذلك قيل: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحلُ منه في عينِ زيدٍ، الكحل هذا مفضل في عينِ زيد، ومفضل عليه في عينِ غير زيدٍ، إذاً: عينان، عين زيد وعين غيره، هو في عينِ زيد أفضل من عينِ غيره، بقطع النظر عن غيره، هذا مبالغة في الحسن، أنه لا يوازيه أحد؛ لأن الكحل جمال وزينة، إذاً: مفضلاً على نفسه باعتبارين، يعني: بين ذات واحدة باعتبار حالين، وعبارتهم موهمة التي هي: مفضلة على نفسه باعتبارين، والأولى أن يقال: ذاتٌ واحدة باعتبار حالينِ، يعني: الكحلُ في عين زيد والكحلُ في عين غيره، والكحلُ هو الكحلُ، هو المفضل والمفضل عليه، إذاً: هذه ثلاثة شروط، إن وجدت حينئذٍ نقول: استوفت المسألة شروطها، زاد بعضهم قيداً، وهو أن يكون أفعل صفة لاسم جنس ليكون أفعل التفضل معتمداً عليه، ولم يكف النفي كما في اسم الفاعل؛ لأنه لم يقو قوته، ولهذا لا ينصب المفعول به بخلاف اسم الفاعل، وإنما اشترطوا النفي ليكون أفعل التفضيل بمعنى الفعل فيعمل عمله، كل هذه كما ذكرناه سابقاً؛ كل ما كان فرعاً في العمل لابد من شروط من أجل أن تقربه إلى الفعل، كاشتراط النفي واشتراط أن يكون مفضلاً على نفسه باعتبارين، وأن يكون مرفوعه أجنبي .. كل هذا من أجل أن يقرب من الفعل، وإلا الأصل عدم العمل. إذاً: اشتراط النفي ليكون أفعل التفضيل بمعنى الفعلِ فيعمل عمله، مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَحْسَنَ فيِ عَيْنِهِ الكُحْلُ مِنْهُ في عَيْنِ زَيْدٍ، إذاً: الكحلُ هو المرفوع .. هو الاسم الظاهر، وهنا أفعل التفضيل عَاقبَ فِعْلاً، يعني: صلح أن يقع في محله فعلٌ، أحسنُ ... يحسُنُ، ما رأيتُ رجلاً يحسنُ في عينه الكحلُ منه في عين زيد صح التعبير وصح التركيب، فالكحلُ مرفوع بأحسن لصحة وقوع فعلٍ بمعناه موقعه. نحو: ما رأيتُ رجلاً يحسن في عينه الكحلُ كزيدٍ، ومثل قوله ﷺ : ﴿ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ﴾، أحبَّ الصومُ، الصوم هذا فاعل، ورافعه أحب، وهو اسم تفضيل، هنا الصومُ مفضلٌ على نفسه في حالين، الذات واحدة، الصيام في هذه الأيام أفضل من الصيام في غيرها، إذاً: أيامٌ وأيام والصومُ هو المفضل باعتبار حالين، إيقاع الصومِ في هذه الأيام العشر أحبُّ من إيقاعها في غيرها، فالصوم هو عينه، كالكحل الذي في عين زيد وغيره. وقول الشاعر .. أنشدهُ سيبويه: مَرَرْتُ عَلَى وَادِي السِّبَاعِ وَلاَ أَرَى ... كَوَادِي السِّبَاعِ حِينَ يُظْلَمُ وَادِيَا أَقَلَّ بِهِ رَكْبٌ أَتَوْهُ تئيةً ... وَأَخْوَفَ إِلاَّ مَا وَقَى اللهُ سَارِيَا فـ (رَكْبٌ) مرفوع بـ (أَقلَّ). فقول المصنف: وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ إشارة إلى الحالة الأولى التي انتفى منها شرط من الشروط السابقة، وَمَتَى عَاقبَ فِعْلاً فَكَثِيراً ثَبَتَا.

стр. 1703

قال ابن هشام: والأصل: أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين؛ -هذا مهم في المسألة-، الأصل أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين: أولهما للموصوف، وثانيهما للظاهر، كالمثال الذي ذكرناه: ما رأيتُ رجلاً أحسنَ في عينهِ الكحلُ منه، انظر الكحلُ هو الفاعل، سبقه "في عينه" ضمير، وجاء بعده "منهُ" ضمير. إذاً: وقع بين ضميرين، والأصل أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين: أولهما للموصوف: في عينهِ .. رجلاً، وثانيهما: للظاهر .. منهُ أي: الكحلُ، وقد يحذف الضمير الثاني، وتدخل (من) إما على الاسم الظاهر، أو على محله، أو على ذي المحل؛ فتقول: من كحلِ عين زيد، ما رأيتُ رجلاً أحسن في عينهِ الكحلُ من كحل عينِ زيدٍ، يعني: حذفت الضمير منه، منه احذف الضمير، فتقول: من عينِ زيدٍ. أو من عينِ زيدٍ، أو من زيدٍ؛ فتحذف مضافاً أو مضافين، المراد: أنه قد يحذف الضمير الثاني، فتحذف مضافاً أو مضافين، وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء؛ لا يأتي بعد المرفوع شيء البتة، الكحلُ ويكتفى به: ما رأيتُ كعينِ زيدٍ أحسن فيها الكحلُ، وقالوا: ما أحدٌ أحسنُ به الجميل من زيدٍ، والأصل: ما أحدٌ أحسنُ به الجميل من حسن الجميل بزيدٍ، ثم إنهم أضافوا الجميل إلى زيدٍ لملابسته إياه، ثم حذفوا المضاف؛ ومثله في المعنى مثال الناظم الذي ذكره .. البيت الثاني: والأصل ولاية الفضل بالصديق، ثم من فضل الصديق ثم من الصديق. كَلَنْ تَرَى فِي النَّاسِ مِنْ رَفِيقِ ... أَوْلَى بِهِ الْفَضْلُ مِنَ الصِّديقِ كَلَنْ: الكاف هذه داخلة على محذوف كقولك: لَنْ حرف نفي، إذاً وقع نفياً، سبق الكلام نفي هذا أول الشروط. تَرَى فِي النَّاسِ، تَرَى أنتَ فِي النَّاسِ هذا متعلق بترى، مِنْ رَفِيقِ ترى رفيقاً، من زائدة دخلت على مفعول ترى، مِنْ رَفِيقٍ هذا اسم جنس، إذاً: تقدم، رفيق نكرة اسم جنس، أَوْلَى: هذا أفعل التفضيل، يقع نعت لرفيق، مِنْ رَفِيقِ أَوْلَى، أَوْلَى نعت لرفيق، أَوْلَى بِهِ: بِهِ جار ومجرور متعلق بأولى، والضمير يعود إلى الرفيق، الْفَضْلُ هذا فاعل أولى. إذاً: أَوْلَى هنا رفع اسماً ظاهراً، استوفى الشروط أو لا؟ نعم، استوفى الشروط: أولاً: تقدمه نفي، ثانياً: قال: الْفَضْلُ هذا أجنبي لم يتلبس بضميرٍ يعود إلى الموصوف، ثالثاً: تقدمه اسم جنس "رفيق"، رابعاً: مفضلٌ هو ذاتٌ واحدة، مفضلٌ على نفسه باعتبارين: الفضلُ في الصديق هذا أولى من الفضل في غيره، لو نظرنا إلى الفضل نفس الفضل عين الفضل من حيث هو وجوده في الصديق هذا أولى من وجوده في غيره، أَوْلَى بِهِ الفَضْلُ مِنَ الصَّدَّيقِ، مِنَ الصَّدَّيقِ جار ومجرور متعلق بأولى، والأصل: أَوْلَى بِهِ الفَضْلُ مِنَ الصَّدَّيقِ، والشروط تامة وهو: تقدُّم النفي وهو لن، والفاعل الأجنبي من الموصف، وهو مفضل على نفسه باعتبار محلين.

стр. 1704

يعني: الفضل محله أبو بكر، الصديق المراد به أبو بكر، وغير أبي بكر هذا محل للفضل، فالفضلُ ننظر إليه باعتبارين، الفضل نفسه، مفضل ومفضل عليه، ننظر للفضل باعتبار كونه في أبي بكر والفضل في غيره، لا شك أنه أولى في أبي بكر، فالمنظور إليه هو الفضل من حيث هو، ثم ننظر إلى المحلين: أبي بكر وغيره، إذاً: فضل شيء الذات واحدة، هذا خلاف الأصل، الأصل في التفضيل أن يكون ثم ذاتين: زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، لابد زيد وعمرو كلٌ منهما مباين للآخر، لكن إذا اتحدا زيدٌ أكرم من زيد هذا لا يصلح، اتحاد المحل نقول: هذا فاسد .. يفسد أفعال التفضيل؛ لأن المراد بها اشتراك وزيادة، اشتراك في أصل الوصف مع الزيادة، وهنا ليس فيه ذلك، ولكن هذه المسألة مستثناة يعني: خروج عن أصل، ولذلك قيدت بهذه الشروط، فإذا انتفى منها شرط، حينئذٍ نقول: لا يجوز الرفع. كَلَنْ تَرَى فِي النَّاسِ مِنْ رَفِيقِ ... أَوْلَى بِهِ الفَضْلُ مِنَ الصَّدَّيقِ إذاً: الخلاصة نقول: أصله تغاير المفضل والمفضل عليه ذاتاً، وهنا اتحدا ذاتاً فحصل في معناه التفضيلي ضعفٌ، ولذلك اشترطت الشروط السابقة. الخلاصة نقول: أفعل التفضيل يرفع ضميراً مستتراً بإجماع .. محل وفاق، ولا ينصب مفعولاً به بإجماع، وهل يرفع اسماً ظاهراً أم لا؟ أكثر العرب: لا؟ أنه لا يرفع، وإن رفعوا به اسماً ظاهراً فحينئذٍ قيدوه بشروطٍ لأنه خارج عن الأصل، ولذلك نظر الناظم إلى شرطٍ واحد، وهو أهمها: وَمَتَى عَاقبَ فِعْلاً فَكَثِيراً ثَبَتَا هذا الأصل لابد منه، ثم بقية الشروط مأخوذة من المثال كعادته ﵀ يذكر المثال ومن المثال نأخذ الأحكام. قال في شرح الكافية: أجمعوا على أنه لا ينصب المفعولَ به، فإن وجد ما يوهم جواز ذلك جُعل نصبه بفعل مقدر يفسره أفعل، نحو: ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)) [الأنعام:١٢٤] ذكرنا هذا مراراً، الله أَعْلَمُ: أَعْلَمُ حَيْثُ، حَيْثُ ظاهرها أنها مفعول به لأعلم، فحينئذٍ نقول: لا، الله أَعْلَمُ .. يعلم حيثُ، فحيث هذا إن صح أنها مفعول به، وإن سبق معنا أنها ملازمة للظرفية المكانية ولا تخرج عنها .. لا تتصرف، فحينئذٍ على مثال الناظم هنا وَالشَّأنُ لاَ يُعتَرضُ المثَالُ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ)) [الأنعام:١٢٤]، يَعْلَمُ حَيْثُ، فحيث هذه منصوبة مفعول به لفعل مقدر، يفسره أعلم، لماذا لا ينصب بأعلم نفسها؟ لأن أعلم لا تنصب مفعولاً به؛ لأن الذي ينصب إما أن يكون اسم فاعل أو محمولاً على اسم الفاعل، إما أن يكون اسم فاعل واسم الفاعل يكون محمولاً على الفعل، وإما أن يكون محمولاً على اسم الفاعل، أفعل التفضيل لا هذا ولا ذاك، ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)) [الأنعام:١٢٤]، فحيثُ هنا مفعول به لا مفعول فيه، وهو في موضع نصب بفعل مقدر يدل عليه أعلم.

стр. 1705

وقال أيضاً -في تعدية أفعل التفضيل بحروف الجر-: وجملة القول في ذلك: أن أفعل التفضيل إذا كان من متعدٍ بنفسه دالٍ على حبٍّ أو بغضٍ عُدِّى باللامِ إلى ما هو مفعول في المعنى، وبإلى إلى ما هو فاعل في المعنى، نحو: المؤمن أحبُّ للهِ من نفسهِ، هذا تعدى إلى ما هو مفعول في المعنى، وهو أحبُّ إلى الله تعدى إلى الفاعل من غيره، وإن كان من متعدٍ بنفسه دالٍ على علمٍ عدي بالباء، نحو: زيدٌ أعرفُ بي وأنا أدرى بهِ، إذا كان متضمناً لمعنى العلم تعدى بالباء، وإن كان من متعدٍ بنفسهِ غير ما تقدم عُديَ باللامِ، نحو: هو أطلبُ للثأرِ وأنفع للجار، وإن كان من متعد بحرف جر عدي به لا بغيره، يعني: إذا كان مشتقاً مأخوذاً من فعل يتعدى بحرف جر عدي بهِ لا بغيره، نحو: هو أزهدُ في الدنيا، الزهُد يتعدى بـ (في)، هو أزهدُ في الدنيا وأسرع إلى الخيِر: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ)) [آل عمران:١٣٣]، وأسرع إلى الخيرِ، وأبعدُ من الإثمِ، وأحرصُ على الحمدِ، وأجدرُ بالحلمِ، وأحيدُ عن الخنى. حينئذٍ نقول: هذه أسماء التفضيل تعدت بحروف مختلفة، بناء على ماذا؟ بناء على الفعل الذي اشتق منه، إذا اختص الفعل بحرف يتعدى به، فإذا أخذنا منه أفعل التفضيل حينئذٍ عُديَ بمثل ذلك الحرف، ولفعل التعجب من هذا الاستعمال ما لأفعل التفضيل، نحو: ما أحبَّ المؤمن لله، وما أحبَّه إلى الله، وما أعرفهُ بنفسه، وأقطعهُ للعوائق، وأغظهُ لطرفه، وأزهدهُ في الدنيا، وأسرعهُ إلى الخير، وأحرصهُ عليه، وأجدرهُ به انتهى كلامه. وهذا فصل نفيس يكتب بماء الذهب، يفيدك في التفسير. قال رحمه الله تعالى: التَّوَابِعُ .. النَّعْتُ: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ الأُوَلْ ... نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ التَّوَابِعُ جمع تابع، والتابع في اصطلاح النحاة: هو عبارة عن الكلمات التي لا يمسها الإعراب إلا على سبيل التبع لغيرها، هذا من حيث العلامة، يعني: لا يأتيها الإعراب ولا يمسها الإعراب إلا على جهة التبعية لغيرها، لماذا رفعناه؟ باعتبار متبوعه، لماذا نصبناه؟ باعتبار متبوعه، لماذا جررناه؟ باعتبار المتبوع، إذاً: لا يمسه الإعراب إلا باعتبار المتبوعِ على سبيل التبع لغيره. وأما في اصطلاحهم فالمراد بالتابع هو المشارك لما قبله في إعرابهِ مطلقاً، وقد حده ابن عقيل بهذا الحد، الاسم المشارك لما قبله في إعرابه مطلقاً، الاسم هذا جنس يشمل كل الأسماء سواءٌ شارك في الإعراب ما قبلها أو لا، وقوله المشارك لما قبله في إعرابه هذا يشمل سائر التوابع: النعت والتوكيد والعطف .. عطف البيان والنسق والبدل دخلت فيها؛ لأنها مشاركة لما قبلها في الإعراب، فالنعت مرفوع إن كان متبوعه مرفوعاً، ومنصوبٌ إن كان متبوعه منصوباً، ومخفوضٌ إن كان متبوعه مخفوضاً .. وهكذا الباقي.

стр. 1706

إذاً: دخلت سائر التوابع، وكذلك دخل خبر المبتدأ؛ لأنه مشارك لما قبله في إعرابه: تقول: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ: مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة، وقائمٌ خبره مرفوع ورفعه ضمة، أينما حل المبتدأ ومعه خبرٌ حينئذٍ يكون حكمُهُ حكمَهُ ما لم يدخل عليه ناسخ، حينئذٍ هل يكون الثاني تابعاً للأول، يصدق عليه أنه من التوابع؟ لا، نحن نقول: التابع هو الذي لا يمسه الإعراب إلا على سبيل التبع .. انتبه لهذا المعنى، حينئذٍ زيدٌ قائمٌ، قائمٌ هذا مرفوع، مثل المبتدأ، لا يوجد مبتدأ ولم يسبقه ناسخ ومعه خبر ليس بمرفوع، لا يوجد، إذاً: متابع له كما أنه لا ينفك النعتُ عن متابعة منعوته، جاء زيدٌ الفاضلُ مثلهُ، تغير زيد رأيتُ زيداً تغير معه الفاضل الفاضلَ، مررت بزيدٍ الفاضلِ يدور معه، إذا نُصِب نصب معه، إذا رفع رفع معه إذا خفض خفض معه مثله الخبر. إذاً: من حيث كونه متابعاً مشاركاً لما قبله في الرفعِ فهو مثله، لكن قال: مطلقاً؛ لأن الخبر وإن شارك المبتدأ إلا أنه لا يشاركه مطلقاً؛ لأن المبتدأ قد يدخل عليه ناسخ فحينئذٍ ينفك الخبر من حيث الإعراب عن المبتدأ، زيدٌ قائمٌ كان زيدٌ قائماً انفك عنه، إن زيداً قائمٌ، إذاً: انفك ليس مطلقاً، بخلاف النعت، النعت لا يمكن أن يوجد النعت مرفوعاً والمنعوت منصوباً أو العكس، وإنما مثله في أي تركيب من تراكيب العرب فالنعت تابعٌ لمنعوته رفعاً ونصباً وخفضاً، وأما الخبر فلا، يُفصَّلُ فيه فيقال: الخبر إن لم يدخل ناسخٌ على المبتدأ فحكمهُ حكمهُ، وإن دخل عليه ناسخٌ فحينئذٍ لا، انفصل عنه، إذاً: ليس مطلقاً، كذلك الحال إذا قيل: رأيت زيداً راكباً، راكباً هذا مثل: جاء زيدٌ الفاضلُ ورأيتُ زيداً الفاضلَ، حينئذٍ نقول: النعت تابع لمنعوته في حالة النصب: رأيتُ زيداً الفاضلَ، فهو منصوب مثله، ورأيتُ زيداً فاضلاً، فاضلاً هذا حال .. مثله، هل هو تابع له مطلقاً، أو أنه في بعض التراكيب دون بعض؟ لا شك أنه الثاني، وإن كان مشاركاً لما قبله في إعرابه في حال نصب صاحب الحال، الحال نقول: شارك ما قبلهُ متى؟ إذا كان صاحب الحال منصوباً، إذاً: شاركهُ، لكن نقول: مطلقاً أخرجنا الحال، لماذا؟ لأن صاحب الحال لا يكون دائماً منصوباً، إذا قلت: رأيتُ زيداً راكباً، راكباً هذا حال، وهو مشارك لما قبله في الإعراب .. لصاحب الحال لكون كل منهما منصوباً. جاء زيدٌ راكباً، مررتُ بزيدٍ راكباً، بقي الحال منصوباً وصاحب الحال انتقل من النصب إلى الرفع، ومن الرفع إلى الخفض ولم ينتقل معه الحال. إذاً: ليس مطلقاً، شاركه في بعض الأحوالِ، وهو إذا كان صاحب الحالِ منصوباً، وفارقه فيما عدى ذلك، ومثله التمييز إذا كان صاحبهُ منصوباً فهو منصوبٌ مثله، لكن قد يكون مرفوعاً وقد يكون مجروراً والحكمُ حكمهُ.

стр. 1707

إذاً: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، هذا دخل فيه سائر التوابع وخبر المبتدأ، نحو: زيدٌ قائمٌ، وحال المنصوب: ضربتُ زيداً مجرداً شاركه في إعرابه، ويخرج بقولك: مطلقاً الخبر وحال المنصوب، فإنهما لا يشاركان ما قبلهم في إعرابه مطلقاً، بل في بعض أحواله، وهو إذا كان صاحب الحال منصوباً، وأما في الرفع والخفض ففارقه، وكذلك الخبر إنما يشارك المبتدأ فيما إذا لم يدخل عليه ناسخ، وأما إذا دخل عليه ناسخ فلا. بخلاف التابع فإنه يشارك ما قبله في سائر أحواله من الإعراب، نحو: مررت بزيدٍ الكريمِ، ورأيت زيداً الكريمَ، مررتُ بزيدٍ الكريمِ هنا شاركه مطلقاً، ورأيت زيداً الكريمَ، مررتُ بزيدٍ الكريمِ، زيدٍ الكريمِ، الكريم هذا نعت، ومنعوته زيد، وهو مخفوضٌ مثله، كل منهما مخفوض، انتقل زيد صار منصوباً رأيتُ زيداً الكريم انتقل معه مباشرة، جاء زيدٌ الكريمُ، الكريمُ بالرفع لماذا؟ لأن منعوته مرفوع، إذاً: يدور معه رفعاً ونصباً وخفضاً.

стр. 1708

إذاً: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه مطلقاً، المشارك لما قبله في إعرابه نقول: مطلقاً لإخراج الخبر وحال المنصوب، وحال المنصوب يعني: دون حال المرفوع والمجرور؛ لأنه خارج لأنه غير مشارك، والتمييز كذلك مثله في حال النصب، بقي ماذا؟ يرد عليه شيء واحد التعريف هنا سبَّبَ خللاً له وهو تعدد الخبر، الخبر الثاني: وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا، الخبر الثاني يوافق السابق .. الخبر الأول مثلهُ، إذا كان مرفوعاً حينئذٍ صار مرفوعاً، وإذا كان منصوباً منصوباً، وإذا كان مخفوضاً مخفوضاً، هذا حلوٌ حامضٌ، هذا مبتدأ وحُلوٌ بضم الحاء، حُلوٌ فُعْلٌ .. حامضٌ، حلوٌ هذا خبر أول، وحامضٌ خبر ثاني، إن هذا حلوٌ حامضٌ، كان هذا حلواً حامضاً، ظننتُ هذا حلواً حامضاً .. معه يدور، الثاني مع الأول، أما الأول فيتغير، فنحن أخرجنا الأول فقط بقولنا: مطلقاً؛ لأنه مباين لما قبله غير مشارك له، لكن الثاني موافق للخبر الأول، فهو يدور معه رفعاً ونصباً، ولا يكون خفضاً، حينئذٍ تقول: هذا حلوٌ حامضٌ، حامضٌ هذا تابع للسابق مثله مرفوع، إذا رفع رفع، وإذا نصب نصب، لا يكون مرفوعاً وهو منصوب، ولا العكس، حينئذٍ نتحاج إلى إخراجه، ولذلك نقول: الأولى أن يعرف بأنه: المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبرٍ، ولو زيد غير خبر على قوله مطلقاً لا إشكال، يعني: تقول: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه مطلقاً غير خبرٍ، ما في إشكال، الحدود ليست توقيفية، وأما المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجددِ غير خبر، معنى الحاصل المتجدد أنه كلما تغير الإعراب للسابق بسبب تغير التراكيب يتغير الاسم اللاحق بنفس ذلك التغير .. كما ذكرناه سابقاً، فخرج به ثلاثة أمور: خبر المبتدأ، إذ لو تغير المبتدأ بالنواسخ لم يتغير الخبر بنفس تغيره .. خرج به، لم يتغير بنفس تغيره بل بشيء مغاير، لو رفع: كان زيدٌ تغير الخبر، لكن لا بتغير المبتدأ، كان المبتدأ مرفوعاً والخبر مرفوعاً، زيدٌ قائمٌ، ثم قلت: كان زيدٌ قائماً، لم يتغير الخبر هنا بتغير المبتدأ، وخرج المفعول الثاني، فإنه لو تغير إعراب المفعول الأول بأن صار نائب فاعل، كما في: أُعطيَ زيدٌ درهماً، تغير الأول ولم يتغير المفعول الثاني، وخرج الحال المنصوب كما ذكرناه سابقاً. غير خبر: خرج به الخبر الثاني، فيما إذا تعددت الأخبار، نحو: الرمانُ حلوٌ حامضٌ، إذاً: التعريف هذا أجود من سابقه، وإن زيد على السابق مطلقاً غير خبر كذلك لا إشكال. قال الناظم: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ الأُوَلْ ... نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ يَتْبَعُ: هذا فعل مضارع، فِي الإِعْرَابِ: جار ومجرور متعلق به، الأَسْمَاءَ: هذا مفعول به، الأُوَلْ: نعت له، نَعْتٌ: هذا فاعل يَتْبَعُ، يَتْبَعُ نَعْتٌ، وما عطف عليه: تَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ .. يَتْبَعُ في الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ السابقة، الأَسْمَاءَ الأُوَلْ أفاد قوله الأُوَلْ: أن هذه تكون تابعة، وأن المتبوع لا يتقدم على تابعهِ كما سيأتي.

стр. 1709

يَتْبَعُ فِى الإِعْرَابِ: ما المراد بالإعراب؟ يعني: في الرفعِ والنصبِ والخفضِ، الأثر الظاهر .. أثرٌ ظاهرٌ أو مقدرٌ يجلبهُ العامل في آخر كلمة أو ما نزل منزلة الآخر، والأثر الظاهر قلنا: يكون حرفاً ويكون حركة، يكون وجوداً ويكون عدماً، يكون تقديرياً ولفظياً ومحلياً، هذه كلها داخلة في قوله: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ أي: وجوداً وعدماً، قد يعدم الإعراب، مثل ماذا؟ أُورِد على الناظم هنا: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ قامَ قامَ زيدٌ، لاَ لاَ أَبُوحُ بحِبِّ بَثْنَةَ ... )، قامَ قامَ زيدٌ، قام الأول فعل ماضي، وقامَ الثاني توكيد لفظي، هل أتبعه في الإعراب؟ ليس عندنا إعراب هنا، هنا بناء، ليس عندنا إعراب، لاَ لاَ أَبُوحُ، لا الثانية هذه توكيد، أين الإعراب؟ ليس عندنا إعراب. إذاً: يتبعه في الإعراب وجوداً وعدماً، لابد أن نوسع الدائرة، فنقول: الإعراب المراد به وجوداً وعدماً، ليدخل المبني فيما إذا أكد الفعل أو أكد الحرف، فتوكيد الفعل اللفظي بإعادته مرة ثانية .. إعادة اللفظ بعينه مرة ثانية، وكذلك إذا أعيد الحرف مرة ثانية نقول: هذا توكيد لفظي، الثاني من الفعل والحرف لم يتبع الأول في الإعراب؛ لأنه غير معرب. إذاً: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ، الإعْرَابِ أي: وجوداً وعدماً؛ ليشمل: قامَ قام زيدٌ، ولاَ لاَ أَبُوحُ بحِبِّ بَثْنَةَ، ويشمل كذلك عطف النسق، إذا لم يكن للمعطوف عليه إعرابه كالجملة المستأنفة، العطف .. عطف النسق حينئذٍ نقول: هذا تابع لما سبق، الجملة المستأنفة قد يعطف عليها، حينئذٍ نقول: هذا ليس له محلٌ من الإعراب، المعطوف على ما لا محل له من الإعرابِ لا محل له من الإعراب، وكيف تبعه؟ نقول: لم يتبعه وجوداً، وإنما تبعه عدماً، إذاً: لابد من توسيع الدائرة. وعطف النسق إذا لم يكن للمعطوف عليه إعرابٌ كالجملة المستأنفة، وكذا المراد بالإعراب وما يشبه الإعرابَ، سيأتينا في باب المنادى هناك: يا زيدُ الفاضلُ، الفاضلُ هذه حركة بناء تابع لزيد، وزيدٌ مبني على الضم، فاضلُ بني أعطي حركة زيد، لكن هذه الحركة ليست حركة إعراب، وإنما هي حركة إتباع، هل يدخل فيه؟ نعم يدخل فيه، سيأتينا هذا بحثه. ويا سعيدُ كرزُ، كذلك بضم كرزُ. بضم الفاضلُ وكرزُ إتباعاً لضمة زيدُ وسعيدُ، فإن تبعيتهما في الضم لا في الإعراب. إذاً: الإعراب وجوداً وعدماً، الإعرابُ وما يشبههُ، والمراد كذلك ما يشمل الظاهر والمحلي والتقديري، فدخل نحو: هذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ هذا مثال مشهور، أكثر العرب على "خَرِبٌ" بالرفع، هذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، خَرِبٍ هذا نعت لـ (جُحْرُ)، هذَا مبتدأ، جُحْرُ خبر، وهو مضاف .. جُحْرُ ضَبٍّ مضافُ إليه، خَرِبٍ أكثر ما نقل "خَرِبٌ" بالرفعِ، لكن نقل كذلك بالخفضِ، حينئذٍ نقول: الإعراب تقديري، تبعه أو لا؟ هنا يرد السؤال يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ، خَرِبٍ تبع جُحْرُ أم لا؟ تبعه. هذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، خَرِبٍ بالخفض، تبعه أم لا؟ تبعه، لكن باعتبار الإعراب التقديري، إذاً: الإعراب يدخل فيه جنس أنواع الإعراب، وهو المحلي والتقديري والظاهر.

стр. 1710

يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ، الاَسْمَاءَ سيأتي أن البدل .. وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفعْلِ، سيأتي. إذاً: الناظم خص بكون الإتباع هنا يكون بالأسماء، هل هو احترازٌ عن الأفعال فلا يُتبع الفعلُ ولا يُتبع الحرفُ؟ لأنه سيأتي: قام قامَ زيدٌ، لا لا أبوحُ، أُتبع الحرف وأُتبع الفعلُ قام قامَ، هل هو تخصيص أو أغلبي؟ أغلبيٌ، إذاً: التوكيد والبدل وعطف النسق قد تتبع غير الاسم، وإنما خص الأسماء بالذكر لكونها الأصل في ذلك. يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ: هذا فيه إشارة إلى منع تقديم التابع على المتبوعِ، وأجازه بعضهم؛ أجاز بعضهم تقديم الصفة على الموصوف، إذا كان لاثنين أو جماعةٍ، وقد تقدم أحد الموصوفينِ: قامَ زيدٌ العاقلانِ وعمروٌ، قامَ زيدٌ وعمروٌ العاقلانِ، هذا جاء على الأصل، هل يجوز أن يتقدم؟ جاء العاقلانِ زيدٌ وعمروٌ؟ لا، على الصحيح، وأجاز بعضهم، لكن بعضهم فصل، قال: إن وقع بين اثنين أو جماعة وهو نعت لهم أو لهما جاز وإلا فلا، وهذا ليس بصحيح فاسد هذا؛ لأن المنعوت كالشيء الواحد، جاء زيدٌ وعمروٌ العاقلانِ، العاقلان هذا نعت لزيد وعمرو، حينئذٍ صار المنعوت في المعنى كالشيء الواحد فلا يجزأ، لا يفصل بينهما، وهذا نقول: هذا فاسد. وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف بشرطه وسيأتي معنا في عطف النسق أنه يجوز التقديم، والصواب أنه لا يجوز، نَعْتٌ وَتوْكِيدٌ وَعَطْفٌ والعطف يشمل اثنين: عطف البيان وعَطْفٌ النسق، والبدل، هل الترتيب مراد عند الناظم هنا؟ أم الترتيب باعتبار النظم: نَعْتٌ وَتوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ؟ هو مشى على هذا، نعتٌ بوَّبَ النعت، ثم بوَّبَ للتوكيد، ثم عطف البيان، ثم عطف النسق، ثم البدل آخر باب، بهذا الترتيب، إذاً: جرى على ما سار عليه، لكن عند البيانيين ترتيب معين: إذا اجتمعت هذه كلها لا يقدم فيها التوكيد على النعت، لا تقدم يعني هكذا بالمزاج، وإنما تقدم ما هو أولى عندهم، وهذا سبق مراراً معنا في الجوهر المكنون وغيره. يُبدأ عند اجتماع التوابع بالنعتِ، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد ثم بالبدل ثم بالنسق، هذا المشهور عند البيانين، وهذا مقررٌ عندهم، فيقال: جاء الرجلُ الفاضلُ أبو بكرٍ نفسهُ أخوكَ وزيدٌ، جاء الرجلُ: الرجل هذا خارج عن القسمة، الفاضلُ: نعته، أبو بكرٍ: عطف بيان، نفسهُ: توكيد، أخوكَ: بدل، وزيدٌ هذا عطف نسق، لكن هذا استحسان ليس على جهة الإيجاب.

стр. 1711

والتابع على خمسة أنواع: النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل، واختلف النحاة في العامل في التابع، ما هو على خلاف طويل عريض. وللنحاة خلاف في العامل في التابع، فأما النعت والتوكيد وعطف البيان فمذهب الجمهور: أن العامل في كل واحد منهما هو العامل في المتبوع، النعت العامل في المتبوع هو العامل في النعت، هذا هو الصحيح، فإذا قلت: جاءَ زيدٌ الفاضلُ، جاءَ: فعلٌ ماضي، وزيدٌ فاعل، والفاضلُ هذا نعت لزيد مرفوع، ونعت المرفوع مرفوع، زيد مرفوع بماذا؟ بجاءَ، والفاضلُ مرفوع بماذا؟ بجاءَ أيضاً، هذا المراد بكون العامل في التابع هو العامل في المتبوع، أن: زيدٌ الفاضلُ، زيدٌ مرفوع بجاءَ، كذلك الفاضلُ مرفوع بجاء، هذا مراد الجمهور بكون العامل في التابع، هو عين العامل في المتبوع. إذاً: النعت والتوكيد وعطف البيان العامل متحد، الذي عمل في المتبوع هو العامل في التابع، هذا مذهب الجمهور. وذهب الخليل والأخفش: إلى أن العامل في كل واحدٍ منها تبعيته لما قبله؛ التبعية مشهورة عند النحاة، الآجرومية يذكرونها كثير، وهي عامل ضعيف لا يعول عليه؛ لأنها معنوي، وسبق أن العامل المعنوي، وهو ما لا حظ للسان فيه ضعيفٌ في أصله، ولولا أنه لم يوجد في المبتدأ إلا الابتداء والتجريد في باب الفعلِ لما قيل بهما، لكن أُلجئَ النحاة إلى القول بهما في هذين البابين من باب الضرورة .. ما يوجد عامل لفظي. فلا يعدل إلى العامل المعنوي إلا عند تعذر وجود العامل اللفظي -انتبه لهذا-، فالتبعية التي هي أمر معنوي، التبعية فعلك أنت، يعني: إذا قلت: جاءَ زيدٌ الفاضلُ، أنت ذكرت الفاضل من أجل أن يكون تابعاً لزيد، هذا هو العامل، هذا ضعيف، ولذلك نقول هناك: جعلك الاسم أولاً لتخبر عنه ثانياً، هو وصف لك أنت، العامل المعنوي في الأصل وصف لك أنت، وأنت شيء خارج عن اللفظ، العوامل منسوب إليها العمل وإن كانت هي أعراض، وإن كان الإنسان له حكاية أو له عمل في نفس العوامل، ولذلك ابن مضاء له رسالة في الرد على النحاة، يقول: فكرة العامل هذه خيالية، هذه خزعبلات لا أصل لها، لماذا؟ يقول: ما في شيء اسمه عامل ويعمل نصب ورفع، أنت إذا قلت: إن زيداً قائمٌ، تستطيع تقول: إن زيداً قائماً، إن زيدٌ قائمٌ، إن زيدٍ قائمٍ .. أنت الذي تتحكم ليس العامل! يقول: ما في شيء اسمه عامل، إذا قلت: "إنَّ" هو عمل بنفسه كأنك جعلت له قوة وهو لفظ، هو حروف هواء لا يقدم ولا يؤخر، كيف تجعل له قوة ومعنى في نفسه، ثم يرفع وينصب؟ لا، لكن هذا جوابه سهل أن المسألة اصطلاحية فقط، نظرية العامل هذه مسألة اصطلاحية، وإلا في الأصل نعم صحيح، قد يتحكم الإنسان في: جاءَ زيداً، رأيتُ زيدٍ تستطيع تتحكم أنت. إذاً إذا قلت: إن زيداً قائمٌ، أنت الذي نصبت وأنت الذي رفعت، و "إنَّ" هذه علامة لنصبك بعد إنَّ ولرفعك بعد إنَّ، كلام مقبول معقول؛ لكن قال المتأخرون بعد ابن مضاء كلامه لا يلتفت إليه، مع كون كلامه له وجاهة. إذاً: ذهب الخليل والأخفش إلى أن العامل في كل واحد منها هي تبعيته لما قبله، وهي أمر معنوي، وأما البدل فمذهب الجمهور أن العامل فيه محذوفٌ مماثل للعامل في المبدل منه.

стр. 1712

وذهب المبرد: إلى أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، يعني: سوى بين الجميع، والصحيح هو أن العامل في البدلِ على نية تكرار العامل، بمعنى أن العامل ليس هو عين الأول خلاف السابق، جاءَ زيدٌ الفاضلُ، الفاضلُ قلنا: هذا مرفوع بجاء، العامل في المتبوع هو عين العامل في التابع، وأما في البدل فلا، فعلى نية تكرار العامل، إذا قلت: جاء زيدٌ أخوكَ، على أن أخوكَ بدل، كأنك قلت: جاء زيدٌ جاء أخوكَ؛ لأنه في الغالب أن المبدل منه في نية الطرح، فإذا كان في نية الطرح صار معرضاً عنه، وإذا صار معرضاً عنه لا يمكن أن يجمع بين البدل والمبدل منه في عاملٍ واحد، وهذا يأتي في المحل، والمراد هنا التعميم. أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه .. هذا قول المبرد، واختاره ابن مالك، تسوية بينه وبين النعت، وأما عطف النسق: جاء زيدٌ وعمروٌ، فمذهب الجمهور: أن العامل فيه هو العامل في المعطوف عليه، لكنه عمل بواسطة حرف العطف: جاء زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ مرفوع، ما الذي رفعه؟ نقول: جاء، مثل: جاء زيدٌ الفاضل، لكن هنا بواسطة حرف العطف، وقيل: حرف العطف؛ وقيل: عامل مقدر، لكنه عمل فيه بواسطة حرف العطف؛ وقيل: العامل هو حرف العطف، وقيل: العامل محذوف. فَالنَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ ... بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ هذا تعريف وشروع من الناظم في بيان النعت، وهو أول التوابع. فَالنَّعْتُ: الفاء هذه فاء الفصيحة، النعتُ اصطلاحاً .. في اصطلاح النحاة. قوله: النَّعْتُ، النعت هل هو مغاير للصفة؟ أم أنهما متغايران؟ ابن القيم له بحث نفيس في بدائع الفوائد على أن ثم فرقاً بين النعت والصفة، وخص النعت بما يتغير، والوصف والصفة بما يثبت، العلم ثابت، والفضلُ ثابت مثلاً، حينئذٍ هذا يسمى صفةً، وأما ما يكون قابلاً للتغير كقامَ وضربَ، ضارب وقائم، نقول: هذا نعت، ولذلك يقول: نعوتُ الرب وصفاته كثيرٌ هكذا؛ لأن بينهما فرق. إذاً: النعت ويقال له الوصف والصفة، وقيل: النعت خاص بما يتغير والوصف والصفة لا يختصان به، يعني: كل نعت صفة ولا عكس، يعني: الصفة والوصف أعم من النعت، يشمل ما يتغير وما لا يتغير، نحو: عالم وفاضل. وفي القاموس: النعت والوصف مصدران بمعنى واحد، وأن الصفة تطلق مصدراً بمعنى الوصف واسماً لما قام بالذات كالعلم والسواد. إذاً: في القاموس وهو كتاب مرجع لغة؛ أن النعت والصفة بمعنى واحد، وإذا فُصِّل بين النعت والصفة حينئذٍ نحتاج إلى نقل، وإلا يصير من قبيل الاصطلاح، إذا فرق مفرق بينهما إما أن يثبته لغةً، وإما أن يدعي أنه اصطلاح، إذا قال: هذا هو لسان العرب، لابد من إثباته، وإذا قيل: بأنه اصطلاح لا إشكال فيه. فَالنَّعْتُ -اصطلاحاً- تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ ... بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ

стр. 1713

قال ابن عقيل: عرف النعت بأنه التابع المكمل متبوعه ببيان صفة من صفاته، تعبير الناظم فيه نوع صعوبة. التابع المكمل، التابع جنس يشمل جميع التوابع الخمسة السابقة. المكمل متبوعه، هذا أتى به بياناً لقول الناظم: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، والذي سبق هو المتبوع، مُتِمٌّ أي: مكملٌ مَا سَبَقْ ببيان صفة من صفاته، بِوَسْمِهِ: يعني: بتعليمه، والوسم هو العلامة، والعلامة هنا بكونه إما موضحاً وإما مخصصاً، يعني: دل على معنى في المتبوع، وهذا المعنى مكمل له، ثم أفاد إما تخصيصاً وإما إيضاحاً، كما سيأتي. إذاً: التابع هذا جنس، والمكمل متبوعه هذا أراد به بيان قول الناظم: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ؛ لأن النعت متمم لمنعوته. ببيان صفة من صفاته: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ كَرِيمٍ، رجلٍ: هذا جار ومجرور متعلق بمررت، كريمٍ: هذا النعت، مكملٌ للمنعوت وهو رجل، ببيان صفة من صفاتهِ وهو الكرم، لو قيل: مررتُ برجلٍ هل يعرف أنه كريم؟ الجواب: لا، إذاً: لا يعرف أنه كريم. إذاً: قوله: كَرِيمٍ تمم به المعنى السابق، فحينئذٍ نقول: النَّعْتُ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ يعني: الذي سبق، وهو المنعوت، بِوَسْمِهِ جار ومجرور متعلق بقوله مُتِمٌّ، وذكر الصبان أنها سببية، يعني: بسبب وسمه، حصل التتميم بسبب وسمه. الباء سببية والوسم يطلق بمعنى العلامة -في الأصل- يطلق بمعنى العلامة، وعليه -على هذا- يقدر مضاف أي: بإفهام وسمه، أنه يفهم وسمه، أي: علامته، ويطلق يعني: الوسم بمعنى المصدر، وهو الوسم بالسمة وهي العلامة، فحينئذٍ لا يقدر على هذا القول، ومعنى العبارة، -عبارته فيها غموض-، ومعنى العبارة: تابعٌ مكملٌ لمتبوعه بسبب دلالته على معنىً في متبوعهِ أو في سببي متبوعهِ، وهذا يدل على عناية ابن عقيل بالمعنى أكثر من اللفظ؛ لأنه أتى بما أتى به الصبان، مكمل متبوعه ببيان صفة من صفاته، مكمل لمتبوعه بسبب دلالته على معنى في متبوعه, وهذا لا شك أن النعت يدل على معنىً يقيد به أو يوضح المنعوت. بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ: هذا بين فيه قسمي النعت، وأنه قد يكون النعت حقيقياً وقد يكون سببياً، إذا كان حقيقياً فهذا أراده بقوله: بِوَسْمِهِ. أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ: وسم الذي اعتلق به يعني: تعلق بالنعت الأصلي، فحينئذٍ صار النعت لما بعده لا لما قبله، لو قال مثلاً: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ أبوهُ، لو قلت: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ، الفاضلِ هذا متمم لزيد؛ لأن زيد فاضل وغير فاضل، فإذا قلت: الفاضلِ تممت السابق، طيب إذا قلت: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ أبوهُ، الفضل وصف لمن؟ لزيد أو لأبي زيد؟ لأبي زيد. إذاً: رجع على شيء تعلق به، أو وسم ما اعتلق به، ما الذي اعتلق؟ أبوه، يعني: تعلق به كونه معمولاً له، وهو الذي يسمى سببياً، أَوْ وَسْمِ، يعني: تعليم وإيضاح وكشف معنى الذي اعتلق به، والذي اعتلق به هو مرفوعه كما سيأتي.

стр. 1714

فَالنَّعْتُ تَابعٌ مُتِمٌّ، قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ: هذا فيه تفسيران، بني عليه طعن في التعريف، أولاً -كما عرفه الأشموني-: بأنه المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام، المراد بقوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام، وعليه يشمل كل أنواع الأسباب التي من أجلها يؤتى بالنعت، التي يعبر عنها بأغراض النعت، بعضهم وصلها إلى ثمانية، بعضهم إلى عشرة، بعضهم إلى خمسة عشر .. إلى آخره، وإن كان أصلهما .. مدارهما التوضيح والتخصيص، ويزاد عليها الذم والترحم والتعميم والإبهام .. هذه الأغراض كلها داخلة في قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، فهو المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام، إن احتاج المقام إلى أن يوضح المتبوع أُتي بالنعت موضحاً، إن احتاج المقام أن يؤتى بتخصيصٍ للمتبوع أتي بالنعت مخصصاً، إن احتاج المقام أن يؤتى بنعتٍ لذم المتبوع أتي به على غرض الذم، وهكذا الترحم، وهكذا التعميم وهكذا الإبهام ونحو ذلك، بحسب المقام، متى ما احتجنا إلى الذم جئنا بالنعت متمماً لما سبق على وجه الذم، ومتى ما احتجنا الترحم جئنا بالنعت متمماً لما سبق على وجه الترحم، فاللفظ عام يشمل جميع أغراض النعت، مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، هذا المشهور في شرح عبارة الناظم وعليها الأشموني وأكثرهم، لكن ابن هشام في الأوضح ما ارتضى هذا، قال: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ أي: مكملٌ بتوضيحِ أو تخصيصِ ما سبق، خصه بغرضين: توضيح وتخصيص، وهذان لا شك أنهما غرضان للنعت، وعليه قال: فَالْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لأنه خرج ما إذا جيء بالنعت ذماً، أو ترحماً أو تعميماً أو إبهاماً وعدَّ عليه، عدَّ عليه أشياء كثيرة تركها الحدُّ، حينئذٍ يكون غير جامع، والجواب سهل، نقول: التخصيص والتوضيح هذا أهم، وأعلى درجات النعت أن يؤتى به إما موضحاً وإما مخصصاً، وما عدا هذين الشيئين فهو قليل نادر، حينئذٍ يكون الحكم على الكثير، فلا اعتراض على الناظم، ثم قد يقال: بأن الذم والترحم والتعميم؛ هذه كلها فيها توضيحٌ أو تخصيصٌ وزيادة، إذاً: لم تخرج عن التوضيح والتخصيص فلا إشكال، لا اعتراض على الناظم. إذاً: المعنى الثاني في تفسير قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ أي: المكملُ الموضحُ للمعرفة والمخصص للنكرة كما سيأتي. وهذا تفسير قاصرٌ لخروج سائر الأغراض غير التوضيح والتخصيص، فيكون التعريف غير جامع، وأجيب بأن التوضيح والتخصيص أشهر أغراض النعت، وما عداهما نادر، أو يجاب بأن كل ما ذكر انتقاداً للناظم داخلٌ تحت التوضيح والتخصيص، حينئذٍ تقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا للمدحِ، فهو توضيحٌ وزيادة. أَعُوذُ بالِلهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، هذا توضيح وزيادة وهو الذم. إذاً: يشمل الجميع وهذا حسن. النَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ: يعني: مكمل لمتبوعه، بِوَسْمِهِ: عرفنا بِوَسْمِهِ، أي: بوسم مَا سَبَقْ، أي: بصفة مَا سَبَقْ، يعني: بدلالته على صفة مَا سَبَقْ.

стр. 1715

أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ، أَوْ وَسْمِ: هذا معطوف على قوله: بِوَسْمِهِ، يعني: معطوف على المجرور والمعطوف على المجرور مجرور، مَا: وَسْمِ مضاف ومَا مضاف إليه بمعنى الذي، اعْتَلَقْ به، اعْتَلَقْ هذا فعل ماضي، والمراد اعْتَلَقْ أي: تعلق، بكونه معمولاً للنعتِ، فحينئذٍ نقسم النعت إلى نوعين: نعت حقيقي ونعت سببي. شرح التعريف: قوله: تابع جنس، ومتم ما سبق: أخرج البدل والنسق، لأنهما لا يتمان متبوعهما لا بإيضاح ولا تخصيص، أي: لم يقصد بهما ذلك أصالةً، فلا ينافي عروض الإيضاح بالبدل، بل ولعطف النسق في بعض الصور. وبِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ مخرج لعطف البيان والتوكيد؛ لأنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق؛ لأن الثلاثة تكمل دلالته، وترفع اشتراكه واحتماله، إلا أن النعت يتممه بدلالته على معنى في المتبوع، أو فيما كان متعلقاً به، والتوكيد والبيان ليسا كذلك؛ لأن البيان عين الأول، والتوكيد المعنوي كذلك، وكذلك اللفظي، و "كل وأجمع" سيأتي بيانهما. والنعت يكون مخصصاً ويكون موضحاً، والمراد بالتوضيح رفع الاشتراك، والمراد بالتخصيص تقليل الاشتراك، التوضيح يكون للمعرفة، والتخصيص يكون للنكرة، حينئذٍ التخصيص حصل بتقليل الشيوع، إذا قلت: مررتُ برجلٍ كريمٍ، رجل كريم، رجل ما زال هو نكرة، لكن لما قلت: كريمٍ، حينئذٍ قل، أخرجت البخيل، ثم إذا قلت: برجل كريم هل تعرَّف؟ لم يتعرَّف، بقي الرجل من هو؟ ما ندري من هو، وإنما يصدق عليه أنه وصفه كريم، وهذا يصدق على زيد وعمرو وخالد .. إلى آخره، إذاً لم يحصل له تعريف، وإنما حصل له تقليل اشتراك فقط؛ لأن لفظ رجل يشترك فيه البخيل والكريم، فإذا قلت: برجلٍ كريم أخرجت الأكثر، وبقي القليل وهو الكريم، حينئذٍ نقول: كريم هذا مقلل للشيوع. إذاً: التوضيح رفع الاشتراك اللفظي في المعارف، ويكون بعد المعرفة، والتخصيص: تقليل لاشتراك المعنوي في النكرات، وذكر ابن عقيل هنا خمس أغراض للنعت: أن يكون للتخصيص: مررتُ بزيدٍ الخياط، هل هذا المثال مسلَّم؟ على المشهور لا، هو ما ذكر التوضيح، ولعله يقصد بالتخصيص هنا التوضيح، قد يكون هذا مراده، لكن ليس هذا المشهور عند النحاة، النحاة: أن يكون النعت بعد المعرفة مفيداً للتوضيح، تقول: جاء زيدٌ العالمُ، إذا عندك زيد جاهل وعالم، فإذا وصفته بالعلم، تقول: جاء زيدٌ العالمُ، حينئذٍ تعين .. رُفِع الاشتراك، كان زيد مشترك بين الجاهل وبين العالم، فإذا قلت: جاء زيدٌ العالم، فحينئذٍ حصل رَفعٌ للاشتراك اللفظي في المعارف .. بعد المعارف، وأما التخصيص فهو تقليل للاشتراك، ويكون بعد النكرات، لو قال: مررتُ برجلٍ خياطٍ، قلنا: برجلٍ خياط هذا حصل نوع تخصيص. وللمدح: نحو: مررتُ بزيدٍ الكريمِ، ومنه قوله تعالى: ((بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ)) [الفاتحة:١]، الْرَّحمَنِ هذا نعت للفظ الجلالة، والْرَّحِيمِ: هذا نعتٌ ثاني، أو نعتُ النعت، ونعت النعت هذا فيه خلاف، يعني: لا ينعتُ النعت مع وجود المنعوت .. قاعدة: لا يُنعتُ النعت مع وجود المنعوت، يأتينا إن شاء الله.

стр. 1716

وللذم: مررتُ بزيدٍ الفاسقِ، ذم هذا، مررتُ بزيدٍ السارق اللئيم، هذا كله ذم، ((فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) [النحل:٩٨]، الرَّجِيمِ هذا نعت للشيطان، ما المراد به؟ مدح؟ لا، المراد به الذم .. مرجوم. وللترحم: مررتُ بزيدٍ المسكين، المسكين: اللهم عبدك المسكين، هذا ترحم. وللتأكيد: أمسِ الدابرُ لا يعود، أمسِ الدابرُ، الدابرُ هذا نعت لأمس، أمس هو الدابر، ولكن جيء بالنعت من باب التوكيد، ومنه: ((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ)) [الحاقة:١٣]، وَاحِدَةٌ هذا توكيدٌ لـ نَفْخَةٌ. ومن أغراضه التعميم: إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين، الطائعين وعطف عليه العاصين، هذا فيه تعميم، لو قال: إن الله يرزق عباده عمَّ، لكن هذا جاء من باب تأكيد العموم. والترحم: وهذا ذكره: اللهم عبدك المسكين، والإبهام: تُصُدِّقَ بصدقةٍ قليلةٍ أو كثيرة. والتفصيل: مررتُ برجلين عربي وعجمي. إذاً: يؤتى بالنعت للأغراض المذكورة وغيرها، لكن أصلها هو التوضيح والتخصيص، وكلها ترجع إلى هذين المعنيين. وهذان المعنيان وما ذكر من أغراض النعت داخلة في قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، يعني: مفيدٌ معنى في المتبوع، إما على جهة التوضيح في المعارف أو التخصيص في النكرات. ثم شرع في بيان أحكام كلٍّ من النوعين: النعت الحقيقي والنعت السببي. ونقف على هذا. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1717

عناصر الدرس * حد النعت. وذكر أقسامه وحكم كل * وقوع النعت جملة وشروط الجملة * وقوع النعت مصدراً وشروط المصدر * صور تعدد النعت والمنعوت * القطع وأحكامه * شرط حذف النعت أو المنعوت. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا زال الحديث في الباب الأول من أبواب التوابع وهو: النعت، حيث قسم التوابع إلى أربعة أنواع في الجملة وعند التفصيل إلى خمسة. يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ الأُوَلْ ... نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ العطف هذا يشمل نوعين: عطف البيان وعطف النسق، ثم عرَّف النعت بأنه: فَالنَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ ... بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ النَّعْتُ تَابِعٌ يعني: مشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر، وهذا حدُّ التابع كما سبق بيانه، (مُتِمٌّ مَا سَبَقْ) أي مُتِمٌّ متبوعه بوصفه، أو وصف ما اعتلق به، وهذا ما يشار إليه بأن الوصف جارٍ على ما هو له، أو جارٍ على غير ما هو له بشرط أن يكون قد رفع اسماً ظاهراً أو ضميراً بارز. حينئذٍ ينقسم النعت إلى نوعين: نعت حقيقي ونعت سببي، والمراد بالنعت الحقيقي: هو ما رفع ضميراً مستتراً، والنعت السببي: ما رفع اسماً ظاهراً. فحينئذٍ إذا لم يرفع اسماً ظاهراً حكمنا عليه بأنه نعت حقيقي سواء أضيف إلى ما بعده أو نصب ما بعده، ولذلك نقول: زيدٌ حسنُ الوجهِ، نقول: هذا نعت حقيقي وليس نعتاً سببياً، وكذلك تقول: زيدٌ حسنٌ وجهاً، وجهاً هذا منصوب على التمييز أو أنه مشبَّه بالمفعول به، قلنا المنصوب بعد حسن وفعل نقول: إما أن يكون معرفة وإما أن يكون نكرة، إذا كان معرفة تعين أن يكون مشبهاً بالمفعول به، وإذا كان نكرة جاز فيه وجهان، الأرجح أن يكون تمييزاً. إذاً: إذا قيل زيد حسنٌ وجهاً نقول: هذا نعت حقيقي؛ لأنه رفع ضميراً مستتراً، والمنصوب الذي يليه، نقول: شرط السببي أن يكون رافعاً .. لا بد أن يكون رافعاً لاسم ظاهر، فإذا لم يرفع اسماً ظاهراً حينئذٍ حكمنا عليه بكونه نعتاً حقيقياً، ولو نصب أو خفض ما بعده، أشار إليه .. أدخله بقوله: (أَوْ وَسْمِ مَا اعْتَلَقْ بِهِ) حينئذٍ يكون راجعاً إلى ما بعده، يعني وسم ما اعتلق به بأن يكون الوصف جارياً على غير ما هو له، فإذا قيل: جاء زيدٌ الفاضلُ، الفاضلُ نقول هنا: رفع ضميراً مستتراً، وهذا الوصف جار على ما هو له، يعني على الذي هو له، ما هو الذي هو له؟ جئنا به في هذا المثال لأي شيء؟ لنصف زيد، بماذا؟ بمضمون النعت وهو كونه دالاً على ذات متصفة بصفة هي الفضلُ، حينئذٍ تقول: جاء زيدٌ الفاضلُ، نقول: الفاضل هذا نعت لزيد وهذا الوصف الموصوف به زيدٌ، وهذا واضح بين لا إشكال فيه.

стр. 1718

وأما السببي فلا، فهو جار على غير ما هو له، جاء زيدٌ الفاضلُ أبوهُ، إذاً رفع اسماً ظاهراً، نقول: جاء فعل ماضي وزيدٌ فاعل، والفاضلُ نعتُ زيد .. صفة له، أبوهُ هذا فاعل بالفاضل، فإذا جئنا نحقق: الفاضل نعت لزيد إذاً هو صفة وذاك موصوف، هل هذا الوصف -وهو الوصف بالفضلِ- هل جرى لما هو له؟ في الإعراب نقول هو صفة لزيد، وزيد موصوف، إذاً هذا في الإعراب، صفة وموصوف، نعت ومنعوت .. هل جرى، يعني من حيث المعنى هل أثبت معناه لموصوفه أم لغيره؟ لغيره، هذا نسميه جارياً على غير ما هو له، وإن كان في الإعراب نقول: هو صفة، لكن في الحقيقة ليس صفة لزيد، وإنما هو صفة لأبي زيد، جاء زيدٌ الفاضلُ أبوهُ، إذاً قسم لنا بهذا الحدَّ فأدخل في الحد قسمي النعت: الحقيقي والسببي. ابن هشام عرف النعت في القطر بأنه: التابع المشتق أو المؤول به المباين للفظ متبوعه، وهذا التعريف جيد وأوضح من تعريف الناظم إلا أنه خاص بالنعت الحقيقي، فلا يشمل النعت السببي، ويمكن إدراجه لكن على تأويل، التابع عرفنا معنى التابع، المشتق أو المؤول به، فحينئذٍ خرجت جميع التوابع؛ لأنه لا يشترط فيها أن تكون مشتقة، وسيأتي أن النعت يشترط عند الجمهور أن يكون مشتقاً أو مؤولاً بالمشتق .. وَانْعَتْ بَمشْتَقٍّ ثم قال: وَشِبْهِهِ، يعني شبه المشتق، يعني مؤولاً بالمشتق، حينئذٍ خرجت جميع التوابع لأنها ليست مشتقة، ولو وُجد فيها نوع اشتقاق إما أنه مؤول وإما أنه يجاب بأنه لا يشترط فيها كما إذا قلت: رأيت شاعراً وكاتباً، شاعراً هذا مشتق، وكاتباً هذا مشتق .. رأيتُ شاعراً وكاتباً. أوله ابن هشام على أنه: رأيت رجلاً شاعراً ورجلاً كاتباً، فهو في الحقيقة نعت لمنعوت، لكنه محذوف وهذا صار مهجوراً لا يلتفت إليه، وإلا الأصل كل مشتق إن كان نعتاً أو خبراً إلى آخره، فهو إما أن يكون نعت للفظ شخص أو رجل أو نحو ذلك، فإذا قلت: أبوك كريمٌ وعالمٌ، كريم هذا واضح أنه خبر، وعالمٌ هل يمكن تأويله أو لا؟ من حيث المعنى نعم، عالمٌ يعني رجلٌ أو شخصٌ عالمٌ، لكن لا يتأتى فيه التأويل الذي ذكره ابن هشام في شرح القطر. وأما: جاء أبو بكرٍ أو قال أبو بكرٍ الصديق، هذا بدل أو عطف بيان، قال عمر الفاروق .. هذا مشتق .. نقول: هذا سلب الاشتقاق لأنه قبل العلمية أو قبل جعله لقباً حينئذٍ نقول: هو مشتق، ولكن لما اشتهر لقباً على الصديق أبي بكر الصديق، وكذلك عمر الفاروق حينئذٍ عومل معاملة الأعلام الجامدة.

стр. 1719

بقي إذا أكد بالتوكيد اللفظي المشتق، جاء زيدٌ الفاضلُ الفاضلُ، الفاضلُ الأول نعت والثاني يصدق عليه أنه نعت، لكن يشترط في النعت والمنعوت أن يكون بين اللفظين تباين، يعني اختلاف، زيد الفاضل بينهما تخالف، وأما إذا جاء الفاضلُ الفاضلُ، العالم العالم، الأمين الأمين .. نقول: الثاني هذا توكيد؛ لأنه تكرار للسابق، كما إذا قلت: جاء زيد زيد، زيد الثاني هذا توكيد، ليس فاعلاً، والأول هو الفاعل، كذلك إذا قلت: قام قام زيد، الثاني ليس فعلاً مسنداً إلى ما بعده، وإنما هو فعل لا فاعل له، حينئذٍ المباين للفظ متبوعه أخرج به التوكيد اللفظي إذا وقع مشتقاً، لكن يرد عليه كما ذكرنا أنه لا يشمل النوع الثاني، (فَالنَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ) أي: مكملٌ (مَا سَبَقْ) يعني: الذي سبقه، الذي هو المنعوت، (بِوَسْمِهِ) يعني: بوصفه (أَوْ وصف مَا اعْتَلَقْ بِهِ). ثم قال ﵀: وَلْيُعْطَ في التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا ... لِمَا تَلاَ كَـ امْرُرْ بِقَوْمٍ كُرَمَا كلٌّ من نوعي النعت الحقيقي .. ، عرفنا الفرق بين الحقيقي والسببي، الحقيقي: ما يرفع ضميراً مستتراً، والسببي: ما يرفع اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً، بقطع النظر عن عملٍ آخر، فلو نصب ولم يرفع اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً كالصفة المشبهة؛ لأنها لا ترفع اسما ظاهرا، حينئذٍ نقول: هذا يعتبر من الحقيقي لا من السببي، إذاً ما جرى لغير ما هو له فيه تفصيل، إن رفع اسماً ظاهراً أو ضميراً بارزاً فهو سببياً، وإلا فهو حقيقي. زيدٌ حسنٌ وجهاً، حقيقي، ووجهاً هذا معمول ليس مرفوعاً والكلام في المرفوع، كل من نوعي النعت الحقيقي والسببي يشتركان في أنهما يتبعان المنعوت في اثنين من خمسة، وهي: واحد من الرفع والنصب والخفض، وهذا مستفاد من قوله: تَابِعٌ؛ لأنه قال في السابق: (يَتْبَعُ في الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ) ثم قال: (فَالنَّعْتُ تَابِعٌ). كونه تابعاً عرفنا أنه الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، إذاً النعت لا يكون إلا محكوماً عليه بما حكم لمتبوعه رفعاً ونصباً وخفضاً، هل هذا يحتاج إلى تنصيص مرة أخرى أم أنه داخل في حدِّ النعت؟ أما قلنا النعت أحد التوابع؟ ما معنى التابع؟ الاسم المشارك لما قبله مطلقاً، أو في إعرابه الحاصل المتجدد غير خبر، إذاً صدق عليه أنه لا بد أن يكون مشاركاً لما قبله، رفعاً، نصباً، خفضاً، فإن خالفه فليس بمشارك. وهذا مستفاد من قوله: تَابِعٌ، في حد النعت، أو في الأبواب التبويب، وواحد من التعريف والتنكير. الاسم له أحوال عشرة؛ لأن الإعراب إما أن يكون رفعاً أو نصباً أو خفضاً، فهو واحد من هذه الثلاث، وإما أن يكون مفرداً أو مثنىً أو جمعاً، وهذه ثلاث ست، وإما أن يكون نكرة أو معرفة، هذه ثمان، وإما أن يكون مذكراً أو مؤنثاً، هذه عشر. فباعتبار الإعراب ثلاث، وباعتبار الإفراد وضديه وهو التثنية والجمع ثلاث، وباعتبار التعريف والتنكير اثنان، وباعتبار التذكير والتأنيث اثنان هذه عشرة.

стр. 1720

لكل اسم أربعة منها، لا يمكن أن يجتمع الثلاثة رفعاً ونصباً وخفضاً في اسم واحد من جهة واحدة، قد يكون من جهتين نعم، وأما من جهة واحدة فلا، كأن يكون الإعراب تقديري رفعاً، نصباً، أو أن يكون لفظي رفعاً نصباً لا، ما يجتمعان، إنما يجتمع أن يكون الظاهر مرفوع، وفي المحل منصوب، هذا لا إشكال فيه، ((لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ)) [البقرة:٢٥١] هذا من حيث اللفظ مخفوض ومن حيث المعنى إعرابه محلي فهو مرفوع، إذاً اجتمعا لكن من جهتين لا من جهة واحدة، وأما من جهة واحدة كأن يكون الإعراب تقديري رفعاً، نصباً، خفضاً .. أو ظاهر أو محلي فلا يجتمعان، كذلك التثنية والجمع والإفراد: زيدٌ، زيدان، زيدون، لا يجتمع في كلمة واحدة اسم يكون مفرداً مثنى مجموعاً إلا من جهة أخرى، من جهتين فريق مثلاً قلنا من جهة اللفظ مفرد، ومن جهة المعنى جمع، ومر معنا كذلك كلا وكلتا من جهة اللفظ مفرد، ومن جهة المعنى مثنى .. إذاً لا إشكال فيه باختلاف الاعتبار، وأما من جهة واحدة فلا، كذلك معرفة نكرة لا، لا يكون كذلك إلا من جهتين كمدخول أل الجنسية، مدخول أل الجنسية في اللفظ معرفة، وفي المعنى نكرة خلافاً لأبي حيان، ولذلك سيأتي معنا: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّني، اللَّئِيمِ يَسُبُّني الجملة هذه نعت للئيم، ومعلوم أن الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، ومع ذلك اللَّئِيمِ مدخول أل أعربنا الجملة يَسُبُّني على أنه صفة، لماذا؟ مراعاة للمعنى، ترجيحاً للمعنى على اللفظ فهو نكرة، حينئذٍ من جهة اللفظ معرفة لا إشكال فيه، لكن من جهة المعنى فهو نكرة، إذاً باختلاف التعريف والتنكير في اسم واحد من جهة واحدة لا يجتمعان، باقي التذكير والتأنيث، فكذلك لا يجتمعان إلا باختلاف وهذا سبق مثاله مراراً. إذاً: هذه عشرة أحوال، النعت الحقيقي له منها أربعة من ستة، لكن النحاة يفصلون، إذا ذكروا الرفع والنصب والخفض الذي هو حالة الإعراب يجمعون معه التنكير والتعريف، ثم بقية الأحوال تقرن بالنعت السببي، ولذلك ابن هشام يغلط في شرح القطر المعربين بأنهم يقولون: للنعت الحقيقي أربعة من عشرة، يقول: الصواب اثنان من خمسة، نقول: نعم اثنان من خمسة، هذا فيما اتفق فيه النعتان الحقيقي والسببي، وأما النعت السببي فله اثنان من خمسة باعتبار الإعراب والتعريف والتنكير، وأما باعتبار الإفراد فيلزم حالة واحدة وباعتبار التذكير والتأنيث فالنظر يكون إلى الاسم المرفوع، على كلٍّ قوله: (وَلْيُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ) نقول: هذا المراد به النوعين النعت الحقيقي والسببي، فحينئذٍ لهما اثنان من خمسة، ما هي هذه الخمسة؟ الرفع، أو النصب، أو الخفض، أو التعريف، أو التنكير .. هذه خمسة أحوال للاسم، للنعت مطلقاً سواء كان حقيقياً أو سببياً له اثنان من خمسة؛ لأنه إما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مخفوضاً واحد من هذه الثلاث ولا يجتمع اثنان، ثم واحد من التعريف والتنكير، إذاً اثنان من خمسة، وهذا أمر متفق عليه. قال: (وَلْيُعْطَ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ مَا لِمَا تَلاَ)
следующие страницы →