Полный текст (2 939 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
وقد سَبَق في الأسماء الملازمة للنداء أنه ينقاس استعمال (فَعَالِ) اسم فعل مبنياً على الكسر من كل فعلٍ ثلاثي تام، مُتَصرِّفاً تام التصرُّف، هذه الشروط الأربعة، فتقول: (ضَرَابِ زَيْدَاً)، إذاً: ما سُمِع (ضَرَابِ) لكن لك أن تقيسه، أي: اضْرِبْ و (نَزَال) أي: انْزِلْ و (كَتَابِ) أي: اكْتُبْ، ولم يَذْكره المصنف هنا استغناءً بذكره هناك، أحال على ما سبق.
وَالفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيكَا ... وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكَا
كَذَا رُوَيدَ بَلْهَ نَاصِبَينِ ... وَيَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ
إذاً: عَرَفْنا حد اسم الفعل، وعرفنا أنواعه الثلاثة.
السيُوطي له كلام جيِّد هنا يقول: "هي أسماءٌ قامت مَقَام الأفعال في العمل، غير مُتصرِّفةٍ، لا تَصرُّف الأفعال ولا تَصرُّف الأسماء" انظر! تعريف السيُوطي دقيق، يعني: هي مُلازِمة لحالة واحدة، جامدة، لا تَتَصرَّف تَصرُّف الأفعال ولا تَصرُّف الأسماء، ما المُراد بِتصرُّف الأفعال؟ إذ لا تَختلف أبنيتُها لاختلاف الزمان، (فَعَلَ .. يَفْعِلُ .. افْعَل) الفعل يَتصرَّف من حيث دلالته على الزمن، يأتي على صيغة (فَعَلَ .. فَعُلَ .. فَعِلَ) ويأتي على صيغة (يَفْعُلُ) وعلى (افعل) إذاً: يَتصرَّف، صِيَغُه ليست واحدة.
وإذا أُرِيد التعدية قيل: (أَفْعَلَ وافْتَعَلَ وتفَعَّلَ واسْتَفْعَلَ) إذاً: يَتصرَّف في الدلالة على المعنى وفي الدلالة على الزمن، هذا تصرُّف الفعل، إذاً: أسماء الأفعال لا تَتَصرَّف تَصرُّف الأفعال إذ لا تَختلف أبْنيتُها لاختلاف الزمان.
لا تَصرُّف الأفعال ولا تصُّرف الأسماء، إذ لا يُسْنَد إليها، بمعنى: أنها لا تكون فاعلاً، ولا مبتدأً، ولا مفعولاً، هل تكون هي مُسندة؟ نعم، لأنه تَرَفع فاعلاً: (هَيْهَاتَ العقيق) إذاً: رفعت فاعلاً، إذاً: هي مُسندة لكن لا يُسْنَد إليها. لا يُسْنَد إليها فتكون مبتدأة، أو فاعلة، ولا يُخْبَر عنها فتكون مفعولاً بها أو مجرورة، إذاً: لا تُجر، ولا تكون فاعلاً، ولا مفعولاً به، ولا مبتدأً، ولا خبراً.
ولكن هذا لا يلزم منه ألا تكون مُسندة بأن تعمل في غيرها، إنما لا يدخل عليها عاملٌ يقتضي رفعها على أنها فاعل ولو كانت اسماً، حينئذٍ لا يلزم أن تكون في محلٍّ هي فاعل، لأنه يستلزم أن يَتقدَّم عليها عامل، إذاً: يعمل فيها، فقلنا: ضابط أسماء الأفعال: ألا يعمل فيها شيءٌ البتَّة، لا عاملٌ لفظي وهذا محل وفاق، ولا عاملٌ معنوي، فلو قلنا: هي مبتدأ إذاً لا بُدَّ أن يَتقدَّم عليها عامل الابتداء وهو معنوي، إذا قلنا: مفعول، أو فاعل، أو خبر، لا بُدَّ أن يَتقدَّم عليه عاملٌ لفظي: فعل فيرفع الفاعل، أو مبتدأ فيرفع الخبر، وهذا كُله ممتنع.
وبهذا القيد خرجت الصفات والمصادر، فإنها وإن قامت مَقَام الأفعال في العمل إلا أنها تَتَصرَّف تصرُّف الأسماء فتقع مبتدأً وفاعلاً ومفعولاً .. إلى آخره، بِهذا القَيد: كونها لا تَتَصرَّف تَصرُّف الأفعال ولا الأسماء أخرج المصادر وأسماء الفاعلين، وهذا أولى مِمَّا ذكره الناظم رحمه الله تعالى.
وأمَّا قول زُهير:
دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرِ ..
стр. 2067
(دُعِيَتْ) هذا مُغيَّر الصيغة، والتاء هنا تاء التأنيث، و (نَزَالِ) نائب فاعل، (دُعِيَتْ نَزَالِ) كأنه قال: جاءت نَزَالِ، أسْنَد إليها .. صارت نائب فاعل، فهو من الإسناد اللفظي، ليس المقصود المعنى، إنما (دُعِيَ نَزَالِ) يعني: قِيْل نَزال في الحرب، فحكى اللفظ كما هو، فقُصِد لفظه لا معناه، يعني: إسنادٌ لفظي.
ثُمَ قال السيُوطي: "والقول في الحد هي أسماء أحسن من قول التسهيل - التسهيل لابن مالك -: هي ألفاظٌ" وهي التي أخذها ابن عقيل هنا، "هي ألفاظٌ إلى آخره، لأنه يدخل فيه (إن وأخواتها) فإنها ألفاظٌ كذلك قَامَت مَقَام أفعالٍ، فَعمِلت غَيرَ مُتصرِّفةٍ تَصرُّف الأسماء، ولا تَصرُّف الأفعال"، إذاً: يصدق على (إن وأخواتها) أنها غير مُتصرِّفة لا تَصرُّف الأسماء ولا الأفعال، فإذا قلنا: ألفاظٌ دخلت معنا، وإذا قلنا أسماء خرجت، لأنها حروف ليست بأسماء، "فعملت غير مُتصرِّفةٍ تَصرُّف الأسماء ولا تصرُّف الأفعال، وهي حروفٌ لا أسماء وأفعال، ولذا احتاج إلى إخراجها فزاد في (الكافية) قوله: ﴿ولا فضلة﴾ الذي ذكره الأشْمُوني هناك: لإخراج الحروف، لأن الحرف أبداً فَضْلةٌ في الكلام".
وعرَّفه ابن هشام في (التوضيح) بقوله: "ما ناب عن الفعل معنىً واستعمالاً" اسم الفعل: ما ناب عن الفعل معنىً واستعمالاً، يعني: أُدِّي به معنى الفعل، و (استعمالاً) بمعنى كونه: يعمل عمل الفعل، "والمراد بالاستعمال: كَونُه عاملاً غير معمولٍ، فخرجت المصادر والصفات، فإن العوامل تدخل عليها" على الصفات والمصادر.
ثُمَ قال ﵀:
وَالفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا ... وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكَا
كَذَا رُوَيْدَ بَلْهَ نَاصِبَيْنِ ... وَيَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ
أشار بهذين البيتين إلى أن أسماء الأفعال على ضربين:
أحدهما: مُرْتَجَل.
والثاني: منقول.
وما المراد بالمُرْتَجَل؟ ابتداءً هكذا وُضِع: (اسم فعل)، والمنقول: سَبَق له استعمال: إمَّا ظرف، أو جار ومجرور، أو مصدر، يعني: أن اسم الفعل على ضربين -نوعين-:
أحدهما: ما وضِعَ من أول الأمر كذلك، يعني: اسم فعلٍ، وهذا يُعَبَّر عنه بالمُرْتَجَل:
وَمِنْهُ مَنْقُولٌ كَفَضْلٍ وَأَسَدْ ... وَذُو ارْتِجَالٍ كَسُعَادَ وَأُدَدْ
وقوله هنا كالقول هناك.
أحدهما: ما وضِعَ من أول الأمر كذلك، يعني: اسم فعلٍ مُرْتَجل.
والثاني: منقولٌ، يعني: ما نُقِل عن غيره، وهذا نوعان:
الأول: منقولٌ عن ظرفٍ، أو جار ومجرور، يعني: أصله ظَرف فنُقِل إلى اسم الفعل، أو جار مجرور ونُقِل إلى اسم الفعل، نحو: (عليك نفسَك) يعني: الزم نفسك أصل: (عليك) جار ومجرور: على والكاف .. (عليك) فنقلت إلى اسم الفعل، يعني: ضُمِّنت المعنى.
ومنه: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) [المائدة:١٠٥] (أنفسكم) مفعولٌ به لـ (عليكم) أي (الزموا شأن أنفسكم).
إذاً: (عليك) نقول: هذا جار ومجرور في الأصل، نُقِل إلى اسم فعل أمر فصار معناه: الزم، ومنه قوله تعالى: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ)) أي (الزموا شأن أنفسكم).
стр. 2068
(ودونَك زيداً) دُوْنَ ودُوْنُ .. قبلُ وبعدُ، مثلها، أصلها: ظرف مكان فنُقِلت إلى اسم فعل أمر، (ودونَك زيداً) دونك بمعنى: خذ، و (مكانك) بمعنى: اثبت مكانك، و (أمامك) بمعنى: تَقدَّم، و (ورائك) بمعنى: تأخَّر، و (إليك) بمعنى: تَنَحَّ، ولذلك تعدَّى بـ (عن) .. إليك عنِّي، يعني: تَنَحَّ عنِّي، إذاً: هذه ألفاظ: إمَّا جار ومجرور نُقِل إلى اسم الفعل، وإمَّا ظرفٌ في الأصل فنُقِل إلى اسم الفعل.
قال في (شرح الكافية): "وهذا النوع لا يُسْتَعْمَل إلا مُتَّصِلاً بضمير المخاطب" (عليك .. دونك .. أمامك) "لا يُسْتَعْمَل إلا مُتَّصِلاً بضمير المخاطب"، وسيأتي محل الضمير: رفعٌ .. نصبٌ .. خفضٌ، على ثلاثة أقوال.
قال في (شرح الكافية): "ولا يُقاس على هذه الظروف غيره" لا يقاس .. مسموع (عليك ودونك) .. ما نُقِل من الظروف، والجار والمجرور، كله سماعي، ولذلك هناك في المكُودِي قال: "وهذا النوع مسموع، والمسموع منه أحد عشر لفظاً" فهو المذكورة هنا، ثلاثة في البيت و (عِنْدك) و (لَدَيْك) و (ورَائَك) و (أمَامَك) و (مَكانَك) و (بَعدَك) هذه كلها مسموعة تُحفظ ولا يُقاس عليها.
إذاً قال في (شرح الكافية): "ولا يُقاس على هذا الظروف غيره، إلا أن الكِسَائي" ذهب إلى القياس .. ذَهَب إلى أنه يَصِح القياس، "إلا أن الكِسَائي يقيس على ما سُمِع ما لم يُسْمَع، بشرط: كونه على أكثر من حرفٍ، احترازاً من نحو: (بك) و (لك) " على كلٍّ مذهب الكِسَائي ضعيف، والصواب: أنها سماعي، ومَا ذَهَب إليه من جواز القياس، وإذا قَيَّده بشرطٍ حينئذٍ نقول: هذا التقييد دليل التضعيف، لا بُدَّ من ثَبَتٍ يَدُل عل أنه قياسي.
"بشرط كونه على أكثر من حرفٍ احترازاً من نحو: (بك) و (لك)، ولا يُستعمل هذا النوع إلا مُتَّصِلاً بضمير المخَاطَب، وشذَّ قولهم: عليه رجلاً" اتصل بضمير الغَيْبة، والقياس المحفوظ: أنه يَتصل بضمير الخطاب، (عليك) أمَّا: (عليه رجلاً) يعني: يلزم رجلاً فهذا ضعيف، يُحفظ ولا يُقاس عليه. إذاً: عَرَفنا أنه لا بُدَّ من ضمير الخطاب، اخْتُلِف في مَحل هذا الضمير: ما إعرابه .. ما مَحله؟
واخْتُلِف في الضمير المُتصل بهذه الكلمات، فَموضعه: رفعٌ عند الفَراء على الفاعلية وهو ضعيف، يَرُده أن الكاف ليس من ضمائر الرفع (عليك) الكاف هذه: إمَّا ضمير نصب، أو ضمير خفض، والقول: بأنها في محل رفع فاعل، نقول: هذا ضعيف.
ونصبٌ عند الكِسَائي على المفعولية والفاعل مُستتر، ويرد هذا القول قولهم: (مَكَانَك وأمَامَك) هذا لازم، (مَكَانَك) لازم، فكيف الكاف تكون في محل نصب وهنا لازم؟ وكذلك (أمامك) لازم؟ إذاً: لا يتعدَّى إلى مفعول به، فكيف يقول الكِسَائي بأنه في محل نصب؟
стр. 2069
(وجرٌ عند البصريين) وهذا هو المرجَّح، أنه في محل جَر وهو الصحيح. على الأصل بالإضافة في نحو: (دُونَكَ) وبالحرف نحو: (عَليْكَ) على الأصل قبل النقل، (دَونَكَ) قبل أن تَجعله اسم فعل (الكاف) هنا في مَحل جَر بالمضاف، إذاً: مِثْلُه بعد النقل، (عليك نفسك) قبل النقل (الكاف) هنا مَجرور مَحلاً بـ (على)، إذاً: مثلُه بعد النقل، إذاً: الصواب أن مَحل هذا الكاف – الضمير-: الجر، إمَّا بالإضافة وإمَّا بالحرف، على حسب الداخل عليه، إن كانت في الظروف فهو الظرف، وإن كانت في الحروف فهو الحرف.
روى الأخْفَش عن فصحاء العرب: (عليَّ عبدِ اللهِ زيداً) " بِجرِّ عبدِ الله، (عليَّ عبدِ اللهِ) على أنه عَطْف بيان، يَدُل على أن الياء هنا في محل ولو كان شاذاً، (عليَّ) لم يكن بالكاف، لكن نقول: هذه تَدُل على الأصول، يعني: تَفْضَح الأصول من أين أُخِذَت، (عليَّ عبدِ الله) هذا بَدَل أو عطف بيان من الياء، وجَرَّه بالكسرة، فَدَل على أن مَحل الياء خفضٌ بحرف الجَر .. خفضٌ بالحرف، قبل النقل.
فتبيَّن أن الضمير مجرور الموضع لا مرفوعه ولا منصوبه، تبيَّن بهذا النقل الذي حكاه الأخْفَش (عليَّ عبدِ اللهِ زيداً) بِجر عبدِ الله .. تبيَّن أن الضمير مَجرور الموضع لا مَرفُوعه ولا مَنصُوبه.
ومع ذلك قال النحاة: فمع كل واحدٍ من هذه الأسماء ضميرٌ مستترٌ مرفوع الموضع بمقتضى الفاعلية، فلك حينئذٍ في التوكيد ملحظان، قلنا: هذا الخطاب (الكاف) في مَحل جر، ومع القول: بأنه لا بُدَّ أن يتصل به ضمير خطاب فيه ضميرٌ مستتر مرفوعٌ على الفاعلية، حينئذٍ إذا أكَّدتَه فلك وجهان: إمَّا أن تَرفَع وإمَّا أن تخفض، إن رفعت فمراعاةً للضمير المستتر، وإن خفضت فمراعاةً للضمير الظاهر البارز. مع ذلك فمع كل واحدٍ من هذه الأسماء ضميرٌ مستترٌ مرفوع الموضع بمقتضى الفاعلية، فلك في التوكيد أن تقول: (عليكم كلَّكُم زيداً) و (عليكم كُلِّكُم زيداً) يجوز فيه الوجهان، بالجَرِّ تَوكِيدٌ للموجود المجرور (الكاف) وبالرفع توكيدٌ للمُسْتكِن المرفوع .. يَجوز فيه الوجهان.
هنا قال:
وَالفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا ... وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكَا
(وَالفِعْلُ) هذا مبتدأ أول، و (مِنْ أَسْمَائِهِ) هذا جار مجرور مُتعلِّق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، (عَلَيْكَا) الألف هذه للإطلاق و (عَلَيْكَ) قُصِد لفظه مبتدأ ثانٍ مُؤخَّر، والجملة من الخبر (مِنْ أَسْمَائِهِ) والمبتدأ المتأخِّر في محل رفع خبر المبتدأ الأول الذي هو (الفِعْلُ).
إذاً: (وَالفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا) جملة: (مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا) هذه مبتدأ وخبر في مَحل رفع خبر المبتدأ.
(وَالفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا) .. (وَهَكَذَا دُونَكَ) دونك هكذا، (دُونَكَ) مبتدأ (وَهَكَذَا) خبر مُقدَّم، (مَعْ إِلَيْكَا) ما إعراب (مَعْ) هنا؟ هذا حالٌ من (دُونَكَ) وهو مضاف و (إِلَيْكَا) مضاف إليه قُصِد لفظه، والألف هذه للإطلاق، أصلُها: (إليكَ) بالكاف مفتوحة، فأطلق الرَّوي من أجل الوزن (إلَيكَا) هذه الألف للإطلاق.
стр. 2070
إذاً: أراد بهذا البيت أن يُبَيِّن لك أن من أسماء الأفعال ما هو منقولٌ ومَثَّل له بـ (عَلَيْكَ) و (دُونَكَ) و (إِلَيكَ) بِمثالٍ واحد للمنقول عن الظرف وهو (دُونَكَ) ومثالين منقول عن الجار والمجرور وهو (عَلَيْكَ) و (إِلَيكَا).
(كَذَا رُوَيدَ بَلْهَ نَاصِبَينِ) نقول: هذا إشارةٌ إلى النوع الثاني من المنقول، وهو المنقول من مَصدرٍ، قلنا: المنقول نوعان:
- منقولٌ عن ظرف وجار ومجرور.
- والنوع الثاني، وأشار إليه بالبيت الأول، وهو منقولٌ من مصدر، وهذا على قسمين:
- مصدر اسْتُعمل فِعْلُه .. مصدرٌ له فعلٌ مستعمل.
- ومصدرٌ أُهمِل فعله.
(كَذَا رُوَيدَ بَلهَ) وبَله (نَاصِبَينِ) هذا حال من الضمير المستكن في مُتعلِّق الخبر، (كَذَا) مِثُل (ذا) يعني السابق في كونه من أسماء الأفعال، (رُوَيدَ) بمعنى: أمْهِل، (بَلهَ) يعني: مع بَلهَ بمعنى: دعا.
حال كونهما، أو بشرط كونهما (نَاصِبَينِ) ما بعدهما، لكن بدون أن يُنَوَّن (رُوَيدَ) ولا (بَلهَ) وإنما يُذْكَرا هكذا دون تنوين، لماذا؟ لأن أسماء الأفعال كلَّها مبنيَّة، وإذا كانت كذلك حينئذٍ لا يَدخُلها التنوين في الأصل، إلا تنوين التنكير هذا خاصٌ باسم فعل الأمر على جهة القياس.
(كَذَا رُوَيدَ بَلهَ نَاصِبَينِ) ما بعدهما بدون تنوينهما وإلا كانا مصدرين، (وَيَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَين) (وَيَعْمَلاَنِ) الألف تعود على (رُوَيدَ) و (بَلهَ) لكن في اللفظ لا في المعنى، وهذا سبق معنا هنا، لماذا؟ لأن (رُوَيدَ) و (بَلهَ) اللذان عادا إليهما الضمير اسما فعلٍ، واللذان يعملان الخفض: مصدران، ليسا باسْمي فعلٍ، حينئذٍ رَجَع إلى اللفظ فقط، لا على كونهما اسْمي فعل وإنما على اللفظ .. لفظ (رُوَيدَ) ولفظ (بَله) فقط، هذان اللفظان يُسْتَعْملان اسْمي فعلٍ ويُسْتَعْملان مصدراً، وشتَّان بين المصدر واسم الفعل.
(وَيَعْمَلاَنِ) الضمير في (يَعْمَلاَنِ) عائدٌ على (رُوَيدَ) و (بَلهَ) في اللفظ لا في المعنى، (وَيَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ) فُهِم: أنه يَجوز فيهما التنوين ونصب ما بعدهما، يعني: يَجوز فيهما إذا كانا مصدرين التنوين ونصب ما بعدهما، وعَدَم التنوين وخفض ما بعده، كما هو الشأن في المصدر (ضرباً زيداً .. ضرب زيدٍ) يَجوز فيه الوجهان، إذا كان مصدر جاز فيه الوجهان:
- التنوين ونصب ما بعده.
- وحذف التنوين وإضافته إلى ما بعده.
(وَيَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ) أي: مُعْرَبين بالنصب دالَّين على الطَّلب أيضاً، لكن لا على أنهما اسْما فعلٍ، بل على أن كُلاًّ منهما بَدلٌ من اللفظ بفعله، نحو: (رُوَيدَ زَيدٍ) و (بَلْهَ عَمْرِوٍ) أي: إمهال زيدٍ، وترك عمرٍ، (رُوَيدَ زَيْدٍ) هذا مُضاف إلى المفعول، وكذا يُضاف إلى الفاعل (رُوَيدَ زَيْدٍ عَمْرَاً) يعني: مصدر .. يُعامل مُعاملة المصادر السابقة، قد يُضاف إلى الفاعل (رُوَيدَ زَيْدٍ) إمهال زيد، وقد يُضاف إلى المفعول، (رُوَيدَ زَيْدٍ) هذا مُضاف إلى المفعول، وقد يُضاف إلى الفاعل (رُوَيدَ زَيْدٍ عَمْرَاً) (عَمْرَاً) منصوبٌ بالمصدر.
стр. 2071
إذاً: (كَذَا) مثل (ذا) (رُوَيدَ بَلْهَ نَاصِبَينِ) يعني: ما بعدهما، (وَيَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَيْنِ) هذا النوع الثاني قلنا: مما هو مصدرٌ في الأصل .. منقول عن المصدر، ثُمَّ ليس مُطَّرداً في كونه اسم فعلٍ، بل قد يَخرج عن كونه اسم فعل فيكون مصدراً.
(رُوَيدَاً) قيل أصله: (أرْوَد زيداً إرْوادَاً) بمعنى: أمهَلَه إمهَالاً، ثُمَّ صَغَّروا الإرواد تصغير ترخيمٍٍ وأقاموه مُقام فعله، واستعملوه تارةً مُضافاً إلى مفعوله فقالوا: (رُوَيدَ زَيْدٍ) مُضاف إلى المفعول ومصدر، وتارةً مُنوَّناً ناصباً للمفعول فقالوا: (رُوَيدَاً زَيدَاً) ثُمَّ إنهم نقلوه وسَمو به فعله فقالوا (رُوَيدَاً زَيْدَاً) وأمَّا (بَلهَ) فهو في الأصل: مَصْدر فعلٍ مُهْمَل.
إذاً: (رُوَيدَ) هذا مِثالٌ لمصدر له فعل في لسان العرب و (بَلْهَ) مِثالٌ لمصدر ليس له فعل بل هو مهمل. وأمَّا (بَلْهَ) فهو في الأصل مصدر فعلٍ مهمل مرادفٌ لـ (دع) و (اترك) فقيل (بَلْهَ زَيْدٍ) بالإضافة إلى مفعوله، كَما يُقال (ترك زيدٍ) ثُمَّ قيل (بَلهَ زَيْدَاً) بالنصب .. نصب المفعول وبناء (بَلهَ) على أنه اسم فعلٍ.
قال هنا الشارح: من أسْمَاءِ الأفْعَال ما هو في أصله (ظرفٌ)، وما هو (مجرورٌ بحرفٍ) نحو: (عَلَيِكَ زَيْدَاً) " هذا يَتعدَّى بنفسه (عَلَيِكَ زَيْدَاً) يعني: الزم زيداً، وقيل: بالباء (عَلَيِكَ بِزَيْدٍ)، و (إِلَيْكَ) أي: تَنَحَّ، إليك عني، يتعدى بـ: (عن)، و (دُونَكَ زَيْدَاًَ) أي: خذه .. خذ زيداً.
ومنها: ما يستعمل مصدراً واسم فعلٍ كـ (رُوَيدَ) و (بَلهَ)، وفُهِم منه أن الفتحة في (رُوَيدَ) و (بَلْهَ) فتحة بناء، لأن أسماء الأفعال كلها مبنية كما سبق، إذاً: مبنيٌ على الفتح لا محل له من الإعراب، وإذا كانا مصدرين صارت الفتحة فتحة إعراب، ولذلك قلنا: (يَعْمَلاَنِ) الألف تعود .. الضمير على اللفظ فحسب، لا على المعنى، لأننا إذا أعدنا على اللفظ والمعنى صار تناقض عندنا، كيف هي مُعْرَبة مبنيَّة في وقتٍ واحد .. كيف هي اسم فعلٍ وهي مصدر في وقتٍ واحد؟ لا، إنما أُعِيد على اللفظ فحسب.
إذاً: (يَعْمَلاَنِ الخَفْضَ مَصْدَرَينِ) حينئذٍ (رُوَيدَ) و (بَلهَ) الفتحة فتحة إعراب. وإذا كانا مصدرين ففتحتهما فتحة إعرابٍ، لأن المصادر مُعرَبة.
فإن جَرَّا ما بعدهما فهما مصدران (رُوَيدَ زَيْدٍ) أي: إِرْوادَ زَيْدٍ، أي: إمهاله، وهو منصوب بفعلٍ مضمر و (بَلهَ زَيْدٍ) أي: تركه، وإن انتصب ما بَعدهما فهما اسْما فعلٍ (رُوَيْدَ زَيْدَاً) أي: أمهل زيداً، و (بله عمراً) أي: اتركه.
وَمَا لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ مِنْ عَمَلْ ... لَهَا وَأَخِّرْ مَا لِذِي فِيهِ العَمَلْ
стр. 2072
يعني: هذه الأسماء تَعمل عَمَل الفعل الذي أُنِيبت عنه (مَا نَابَ عَنْ فِعْلٍ) إن كان فعلاً لازماً عملت عَمَل الفعل اللازم، وإن كان الفعل مُتَعديَّاً عَمِلَت عمل الفعل المُتعدِّي، ولذلك نقول: (هَيْهَاتَ العقيقُ) وتقول: (صَهْ) دون اسمٍ ظاهر، وتقول: (رُوَيدَاً زَيْدَاً)، (هَيْهَاتَ العقيقُ) رفع اسماً ظاهراً، و (صَهٍ) رفع ضميراً مستتراً واجب الاستتار، و (رُوَيدَاً زَيْدَاً) نصب مفعولاً به، لماذا اختلف العمل هنا؟ نقول: لأن هذه الأسماء تعمل عمل أفعالها المتعدِّي متعدِّي، واللازم لازم، والمتعدِّي بحرفٍ كذلك هو مُتعدٍّ بالحرف.
(وَمَا لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ مِنْ عَمَل لَهَا): (مَا) هذا مبتدأ و (لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ) يعني: لفعلٍ تنوب عنه، (مَا) اسم فعلٍ لما تنوب عنه، (لِمَا) هذا مُتعلِّق بمحذوف صلة الموصول، يعني: للذي .. لفعلٍ تنوب عنه، (تَنُوبُ) يعني: أسماء الأفعال (عَنْهُ) عن الفعل (مِنْ عَمَلْ) مُتعلِّق بـ (مَا) يعني: مبين له، (لَهَا) هذا خبر المبتدأ، والذي (لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ مِنْ عَمَل لَهَا) ثابت لها، فالضمير في (لَهَا) يعود على ماذا؟ (لَهَا) لأسماء الأفعال، (الذي تَنُوبُ عَنْهُ) (الذي) قلنا: أسماء أفعال، تنوب عليه من فعلٍ .. أسماء أفعال نابت عن فعلٍ، (مِنْ عَمَلٍ لَهَا) يعني: خبر المبتدأ، (لَهَا) لأسماء الأفعال، فيثبت لأسماء الأفعال ما ثبت للأفعال التي نابت عنها .. هذا تقدير البيت، ولذلك لو قيل (مَا) الأولى مبتدأ واقعة على العمل أجْوَد، (والعَمَل الذي لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ) وهو الفعل (لَهَا) يعني: ثابتٌ لأسماء الأفعال، هذا أجود: أن يكون "ما" مبتدأ واقعةً على العمل.
والعمل لما تنوب أسماء الأفعال عنه .. عن الفعل، (مِنْ عَمَل) هذا قلنا: مُبيِّن لـ (مَا) التي هي مبتدأ، وجَعَله المكُودِي (مِنْ عَمَل) مُتعلِّقاً بقوله: (تَنُوبُ) يَجوز، لكن الأولى أن يُجْعَل بياناً لـ (مَا)، (لَهَا) هذا خبر المبتدأ، أي: العمل الذي اسْتَقَرَّ للأفعال التي نابت عنها هذه الأسماء مُستقرٌّ لها، أي: لهذه الأسماء، فترفع الفاعل الظاهر نحو: (هَيْهَاتَ العقيقُ .. هَيْهَاتَ نَجْدٌ) حينئذٍ رَفَعَت اسْماً ظاهراً و (شَتَّانَ زَيْدٌ وعَمْرُوٌ).
(ومُضْمَراً) ترفع فاعلاً مُضْمَراً، يعني: ضميراً، نحو: (نَزَالِ وصَهَ)، (نَزَالِ) فيه ضمير مستتر واجب الاستتار، لأنه اسم فعل أمر، فكل اسم فعل أمر يَرفع فاعلاً ضمير مُستتر، ولا يرفع ظاهر البتة، لأنه أُقِيم مقام فعل الأمر، وفعل الأمر لا يرفع اسماً ظاهراً، هذا مثله .. الحكم ثابتٌ له (نَزَالِ)، وينصب منها المفعول ما ناب عن متعدٍّ .. ينصب من هذه الأسماء المفعول ما ناب عن متعدٍّ نحو: (دَرَاكِ زَيدَاً) (أدْرِك زَيداً) هذا الأصل، فـ (دَرَاكِ) فيه ضمير مستتر فاعل و (زَيدَاً) مفعولٌ به، لماذا نصب مفعولاً به؟ لأنه قَائِم مقام (أدْرِك) و (أدرك زيداً) هذا يتعدَّى إلى مفعولٍ به.
стр. 2073
ويتعدَّى منها بِحرفٍ من حروف الجر ما هو بمعنى ما يتعدَّى بذلك الحرف، يعني: إذا كان أصله يتعدَّى بحرف كذلك اسم الفعل يتعدَّى بحرفٍ، ومن ثَمَّ عُدِّىَ (حَيَّهَل) بنفسه لمَّا ناب عن (ائت) في نحو: (حَيَّهَلَ الثَّرِيدْ) ائت الثريد .. يتعدى بنفسه، لمَّا ناب عن (ائت)، وبالباء، يعني: تَعدَّى (حَيَّهَلَ) بالباء لمَّا ناب عن عَجِّل (إذَا ذُكِرَ الصَّالِحُون فَحَيهَّلاً بِعُمَر) يعني: فَعَجِّلْ بِذِكرِ عُمَر، تَعدَّى بالباء، وبـ (على) لمَّا ناب عن (أقبل) (حَيَّهلَ على كذا) (حَيَّهلَ .. حيَّهَلاً) يجوز فيه وجهان، حيَّهلْ: ثلاثة أوجه، (حَيَّهلاً على كذا) تعدَّى بالباء، يعني: أقبل على كذا.
(وَمَا لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ مِنْ عَمَل لَهَا) عرفنا فكَّ البيت، (وَمَا) هذا مبتدأ يصدق على العمل، (لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ) (لِمَا) جار مجرور مُتعلِّق بمحذوف صلة الموصول، و (تَنُوبُ) هذا صلة الموصول، أيُّ موصول .. كم موصول عندنا؟ اثنان: الأول مبتدأ، والثاني مجرور، (مَا) يحتاج إلى صلة موصول، أين صلتها؟ (لِمَا)، الموصول الثاني المجرور هو صلة (مَا) مُتعلِّق بمحذوف، (مَا) اسْتَقرَّ، (لِمَا) (مَا) الثانية هذه المجرورة تحتاج إلى صلة، أين صلتها؟ (تَنُوبُ .. لِمَا تَنُوبُ) ضمير (تَنُوبُ) يعود على ماذا؟ "ما" الثانية صلتها تنوب، أين العائد؟ هو الفاعل .. الضمير، تنوب هي، فـ (مَا) الثانية صادقةٌ على اسم الفعل (وَمَا) الأولى صادقٌ على العمل .. واقع على العمل، العمل (لِمَا) لاسم فعلٍ، تَنُوبُ أسماء الأفعال عنه .. عن الفعل (لَهَا)، ولذلك نَجعل من (عَمَلْ) هذا مُفَسِّرٌ لقوله (مَا) الأولى المبتدأ و (مَا) الثانية واقعة على اسم الفعل، يعني: والعمل لاسم فعلٍ تَنُوبُ عَنْهُ، يعني: تنوب هذه الأسماء .. أسماء الأفعال عن الفعل (لَهَا) لهذه الأسماء، فهو خبر المبتدأ.
لكن قيل: لا يبْرُز معها ضميرٌ بل يستكن فيها مُطلقاً، يعني: ظاهر كلام الناظم هنا (لِمَا لَهَا) يعني: لها من العمل ما ثبت لما نابت عنه، يُفْهَم منه الإطلاق، لكن نقول: يُستثنى. أنه لا يبْرز معها ضميرٌ، لأنك تقول: (اضرب .. اضربي .. اضربا .. اضربوا .. اضربن) و (ضَرَابي) ناب مناب (اضرب).
إذاً: ما ثَبَت للأصل وهو (اضْرِب) ثابتٌ لـ (ضَرَابي) هذا ظاهر اللفظ، لكن هل هذا على إطلاقه؟ ليس على إطلاقه، اسم الفعل لا يبْرُز معه الضمير البتَّة مُطلقاً، ولذلك (ضَرَابي) تستعمله في الواحد، والاثنين، والجمع المذَكَّر والمؤنَّث، تُخاطب الجماعة تقول: ضرابي .. تخاطب المؤنَّثة تقول: ضرابي .. تُخاطِب المثنَّى تقول: ضرابي، اللفظ واحد، لكن: (اضْرِب) يَختلف تقول: (اضرب .. اضربا .. اضربوا .. اضربن .. اضربي) اختلف، إذاً: هذا مِمَّا يُخالف اسم الفعل أصله الذي ناب عنه.
стр. 2074
إذاً نُقيِّد قوله (وَمَا لِمَا) إلى آخره، تقول: لكن لا يبْرز معها ضميرٌ بل يَستَكِن فيها مُطلقاً، بِخلاف الفعل فتقول: (صَهْ) للواحد، والاثنين، والجمع، وللمؤَنَّث والمذكَّر بلفظٍ واحد، أيضاً مِمَّا يُسْتَثنى أن: هذه الأسماء لا تُضْمَر، يعني: لا تَعمَل محذوفةً، بِخلاف فعل الأمر، قَدْ يَعمل مَحذوفاً (ضَرْباً زَيْداً) قلنا: (ضَرْباً) منصوب بـ (اضْرِب) إذاً: عَمِل محذوفاً وأمثلته كثيرة، أمَّا أسماء الأفعال لا، فهي نائبةٌ منَاب فِعْل الأمر، لكنَّها لا تعمل محذوفةً.
ولا تُضْمَر، أي: لا تَعمَل مُضمَرةً، بأن تُحذَف ويبقى عَملُها في الأصَح، وجَوَّز ابن مالك أنها تُضمَر وتَعمَل محذوفةً، بِشرط: أن يكون ثَمَّ دليلٌ قائمٌ عليها.
مذهب ابن مالك: جواز إعمال اسم الفعل مُضمَراً، قال في (شرح الكافية): "إن إضمار اسم الفعل مُقدَّماً لدلالة متأخِّرٍ عليه جائزٌ عند سيبويه" يعني بشرط: أن يكون ثَمَّ متأخِّر مثله كما سيأتي في المثال، لأن معمول اسم الفعل لا يَتقدَّم عليه، فإذا وجِد مُقدَّماً عليه أضْمَرتَ.
قال ابن مالك في (شرح الكافية): "إن إضْمَار اسم الفعل مُقدَّماً لدلالة متأخِّرٍ عليه جائزٌ عند سيبويه، وخَرَّج عليه قول الشاعر:
يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا ..
قال: (دَلْوِي) هذا مَعمولٌ لاسم فعلٍ محذوف دَلَّ عليه المذكور، وهو (دُونَكَ) والتقدير: دونك دولي دونك، لماذا؟ لأن: (دُونَكَ دَلوِي) إمَّا أن تقول: بأن المعمول تَقدَّم على عامله وهو اسم فعلٍ وهذا لا يجوز (وَأخِّرْ مَا لِذِي فِيهِ العَمَل) لا بُدَّ من تأخيره فلا يَتقدَّم عليه على الأصح، حينئذٍ إمَّا أن تقول: بأنه تَقدَّم عليه وهذا مُمْتنع، وإمَّا أن تُقدِّر له مثله. فجعل (دَلوِي) مفعولاً بـ (دُونَكَ) مُضْمَراً لدلالة ما بعده عليه، على كلٍّ المسألة فيها نِزِاع، لكن جماهير النحاة على أنه لا يعمل مُضمَراً.
(وَأَخِّرْ مَا لِذِي فِيهِ العَمَل) يعني: معموله يجب أن يتأخَّر ولا يجوز أن يَتقدَّم، فلا يُقال: (زيداً دراك) مع كون الأصل الفعل الذي أقِيم الاسم مُقَامه يَجوز تَقدِيم المفعول عليه مُطلقاً، وحينئذٍ إذا أُقِيمت هذه الأسماء مُقامَها فالأصل: المساواة، لكن هذا يُستَثنَى، لأن هذه فرع، والفرع كما سبق معنا ضعيف، لا يُتَصرَّف في معموله تَصرُّف الأفعال، الفعل قِدِّم وأخِّر، بالشروط التي تُذْكَر في كل باب، وأمَّا ما كان فرعاً عن الفعل فلا، فيلتزم الترتيب الأصلي: تَقدِيم العامل على المعمول.
(وَأَخِّرْ مَا) أخِّر وجوباً، (وَأخِّرْ مَا لِذِي فِيهِ العَمَل) (مَا) يعني: الذي .. اسم موصول في مَحل نصب مفعول به، أَخِّرْ الذي .. (لِذِي) ما إعراب (لِذِي)؟ (مَا) موصولة تَحتاج إلى جُملة الصِلة، أين جُملة الصِلة؟ لا بُدَّ أنها فعل، أو أنها جُملة اسمية، أو مُتعلِّق بِمحذوف، (لِذِي العَمَل) العمل كائنٌ (لِذِي) يعني: لذي الأسماء.
стр. 2075
حينئذٍ نقول: (العَمَل) هذا مبتدأ مؤخَّر و (لِذِي) هذا جار مجرور مُتعلِّق بِمحذوف خَبَر مُقدَّم، والجمة الاسمية .. المبتدأ المؤخَّر والخبر المقدَّم لا مَحل لها من الإعراب صلة الموصول، و (ذِي) هذا اسم إشارة، والمراد به: الأسماء، يعني: لهذه الأسماء .. لذي الأسماء: لهذه الأسماء.
(وَأخِّرْ مَا لِذِي فِيهِ العَمَل) الذي العمل فيه، يعني: الذي حَصَل فيه العمل، وهنا لا إيطاء في البيت؛ لأن قوله: (عَمَل) و (العَمَل) لم يتحدا تعريفاً وتنكيراً، فإذا اختلفا ولو اتحدا في الجملة لا يسمى إيطاءً.
(وَأخِّرْ مَا لِذِي) الأسماء فيه (العَمَل) يعني: الذي وقع العمل (فِيهِ) .. (فِيهِ) الضمير يعود على (مَا) .. أخِّرْه وجوباً، خلافاً للكِسَائي حيث جَوَّز أن يُتصرَّف فيها بِتقدُّم معمولها عليها إجراءً لها مُجرى أصولها، وجعل منه قوله: ((كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) [النساء:٢٤] قال: (عَلَيْكُمْ) اسم فعل أمر (كِتَابَ) مفعولٌ به مُقدَّم لـ (عَلَيْكُمْ)، والجمهور على المنع والتأويل (الزموا كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ) الزموا يعني: من باب الإغراء مثل (الصَّلاةَ جامعةً).
إذاً: أشار بهذا البيت إلى أنه يعمل اسم الفعل عمل فعله الذي ناب عنه، ثُمَّ استثنى مسألة واحدة وهي: أنه لا يَتقدَّم عليه معموله.
قال الشارح هنا: "أي يثبت لأسماء الأفعال من العمل ما يثبت لما تنوب عنه من الأفعال، فإن كان ذلك الفعل يرفع فقط كان اسم الفعل كذلك" إذا كان هذا الفعل الذي ناب عنه اسم الفعل يرفع فقط، يعني: لازم "كان اسم الفعل كذلك، (صَهْ) بمعنى: اسكت، و (مَهْ) بمعنى: اكْفُفْ، و (وهَيْهَاتَ زَيْدٌ) بمعنى: بَعُدَ زَيْدٌ، ففي (صَهْ) و (مَهْ) ضميران مُستتران كما في (اسكت واكفف)، و (زيد) مرفوعٌ بـ (هَيْهَاتَ) كما ارتفع بـ (بَعُدَ)، وإن كان ذلك الفعل يرفع وينصب كان اسم الفعل كذلك، كـ (دَرَاَكِ زَيْدَاً) أي: أدركه، و (ضَرَاَبِ عَمَرَاً) أي: اضربه، ففي (دَرَاَك) و (ضَرَاَبِ) ضميران مُستتران و (زيداً) و (عمراً) منصوبان بهما" هذا في الغالب، والحكم للغالب.
قال ابن مالك في (التسهيل): "وحكمها - يعني: أسماء الأفعال - غالباً في التعدِّي واللزوم حكم الأفعال" ما قال: مُطَّرِداًَ، قال: غالباً، لأنه سُمِع كلمتان قامتا مَقَام فعلين مُتعدِّيين ولم تَنْصِب، ولذلك قال: غالباً، لِئلا يُعْتَرَض، مثل ماذا؟ قال: "واحترز بقوله: غالباً، عن (آمين) فإنها نابت عن متعدٍّ ولم يُحْفَظْ لها مفعول" (آمين) استجب، هذه نابت مناب فعلٍ متعدِّ ولم يُحْفَظْ لها مفعول.
وكذا: (إيهِ) بمعنى: زدني، زاده السيُوطي في شرح (الجمع)، هذان الفعلان نابا عن متعدِّيين ولم يُسْمَع لهما مفعولٌ، حينئذٍ نقول: حُكم أسماء الأفعال في التَعدِّي واللزوم حكم الأفعال، مُطلقاً ونَستَثنِي هذين الفعلين، أو نقول: الحكم أغلبي، من أجل استثناء هذين الفعلين، وإذا قيل بأنه لا يوجد إلا هذين الفعلين فقط، لا نقول أغلبي، بل نقول: مُطَّرِد، ونقول: هذا سُمِع دون مفعولٍِ ويبقى استثناءً له.
стр. 2076
"وأشار بقوله: (وَأَخِّرْ مَا لِذِي فِيهِ العَمَل) إلى أن معمول اسم الفعل يَجب تأخيره عنه" يعني: أنها فارقت الأفعال في كونها لا يَتقدَّم عليها منصوبها كما يَتقدَّم في الفعل" فتقول: (دَرَاَكِ زَيْدَاً) ولا يجوز تَقديِمه عليه فلا تقول: (زَيْدَاً دَرَاَكِ) " لأنها فرعٌ في العمل عن الفعل فضعفت، مثل أفعال التعجُّب هناك.
"ولا يجوز تقديمه عليه" خلافاً للكِسَائي "فلا تقول: (زَيْدَاً دَرَاَكِ)، وهذا بِخلاف الفعل إذ يجوز: (زَيْدَاً أدرك) ".
وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ ... مِنْهَا وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ بَيِّنُ
وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ ... مِنْهَا ..
إذاً: قد يُنَوَّنُ بعضها، حينئذٍ نَحكم بكونه نكرة، وهذا سبق في بيان أقسام التنوين: أنَّ تَنوِين التنكير هذا من إضافة الدَّال إلى المدلول، بمعنى: أنَّ التنوين دالٌّ على أن مدخوله نكرة، قلنا: (صَهٍ) نكرة و (صَهْ) معرفة، إذاً: يدخل التنوين هنا فرقاً بين النكرات والمعارف، وهذا خاصٌ ببابين اثنين لا ثالث لهما: أسماء الأفعال، و (سيبويه) .. عَلَم مَختوم بـ: (ويه)، أسماء الأفعال مُطلقاً ليس خاص باسم فعل الأمر .. أسماء الأفعال تدخل عليه تنوين التنكير.
وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ ... مِنْهَا ..
أي: من أسماء الأفعال، إذاً: يَصِح دخول التنوين على اسم الفعل، لكن ليس على كل اسم فعلٍ بل هو سَماعي، وما لم يُسْمَع فالأصل فيه: عدم إدخاله.
(وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ) أي: سوى المُنَوَّن، الضمير يعود على المصدر، (الَّذِي يُنَوَّنُ) أي: المُنَوَّن (وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ المُُنَوَّن) (وَتَعْرِيفُ سِوَاه) يعني: سوى المُنَوَّن (بَيِّنُ) واضحٌ ظاهرٌ.
قيل: عبارة الناظم هنا (وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ) ظاهر عبارته مُشْعِرة بأن التنوين وعَدم التنوين سماعي، وهذا واضح، لأنه لم يقل مثلاً: إذا أرَدْتَ التَنْكير فَنَوِّن، أو التعريف فلا تُنَوِّنْ، فَدَّل على أن مسألة التنوين وعدم التنوين إنما هي سماعي، ما نُقِل تنوينه في لسان العرب تَنْطِق به مُنَوَّناً، وما لم يُنْقَل تَنْوينُه البتَّة حينئذٍ ليس لك أن تُنَوِّن من عندك، لأن القضية سماعية.
قال في (شرح الكافية): "لمَّا كانت هذه الكلمات من قِبل المعنى: أفعالاً، ومن قبل اللفظ: أسماءً -إذاً: لها جهتان- جُعِل لها تعريفٌ وتنكير، فعلامة تعريف المعرفة: تَجرُّده من التَنْوين، وعلامة تنكير النكرة فيها: استعماله مُنَوَّناً، ولمَّا كان من الأسماء المحضة ما يُلازِم التعريف كالمضمرات" الأسماء المحضة التي ليست مُشْبِهة أو قائمة مَقَام الفعل سماها: أسماء مَحضة.
"ما يُلازِم التعريف كالمضمرات وأسماء الإشارات، وما يُلازم التنكير كـ (أحد) و (عِرِّيبْ) و (ديَّار)، وما يُعرَّف وقتاً ويُنَكَّرُ وقتاً كـ (رجل) و (فرس) "جعلوا هذه الأسماء أسماء الأفعال مثلها، غيْر أسماء الأفعال على ثلاثة أنواع:
- منها ما يُلازِم التعريف.
- ومنها ما يُلازِم التنكير، وهذان على خلاف الأصل.
стр. 2077
- ومنها ما يكون في وقتٍ نكرة وفي وقتٍ معرفة، كـ (رجلٌ) هذا نكرة و (الرجل) هذا معرفة، أسماء الأفعال كذلك، منها ما يُلازِم التعريف، ومنها ما يُلازِم التنكير، ومنها ما قد يكون في وقتٍ نكرة وفي وقتٍ آخر معرفة.
"جعلوا هذه الأسماء كذلك فألزموا بعضاً التعريف كـ (نَزَاَلِ) و (بَلهَ) و (آمين) " هذه معرفة مُطلقاً، مثل المضمرات وأسماء الإشارات.
"وألزموا بعضاً التنكير كـ (واه) و (ويه) واستعملوا بعضاً بوجهين فَنُوِّنَ مَقصُوداً تنكيره كـ (صَهَ) وجُرِّدَ مَقصُوداً تعريفه كـ (صَهْ) و (صَهٍ) و (أُفْ) و (أُفٍّ) " إذاً: (صَهْ) بدون تنوين معرفة، و (صَهٍ) بالتنوين هذا نكرة.
وقيل: كلها معارف -كل أسماء الأفعال معارف- لا نكرة فيها البتَّة، وقيل: من قبيل تعريف الأشخاص، بمعنى: أن كل لفظٍ من هذه الأسماء وضِع لكل لفظٍ من هذه الأفعال، وقيل: هي أعلام وأجناس، إذاً: قيل كلها معارف، واختلفوا في وجه التعريف، فقيل: أعلام أشخاص، وقيل: أعلام أجناس.
قال الشارح: الدليل على أن ما سُمِّى بأسماء الأفعال أسماء: لحاق التنوين لها - هذا بعض الأسماء - فتقول في صَهْ: (صَهٍ) وفي حَيَّهَلْ: (حَيَّهَلاً) فيلحقها التنوين للدَّلالة على التنكير، فما نُوِّنَ منها كان نكرة، وما لم يُنَوَّنْ كان معرفة.
وَمَا بِهِ خُوطِبَ مَالاَ يَعْقِلُ ... مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الْفِعْلِ صَوْتاً يُجْعَلُ
كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ ... وَالْزَمْ بِنَا النَّوْعَيْنِ فَهْوَ قَدْ وَجَبْ
هذا النوع الثاني، قال في التبويب: (أَسْمَاءُ الأَفْعَالِ وَالأَصْوَاتِ) يعني: أسْمَاءُ الأصوات، وأسماء الأصوات هذا الذي يَتعلَّق بالنحو أنها مبنيَّة فحسب، لا حظَّ لها من الإعراب البتَّة، فهي مبنيَّة كما أن أسماء الأفعال مبنيَّة، وأمَّا عَدُّها والنظر في معانيها، قيل: هو من علم اللغة، يعني: يُرجع إلى المعاجم ونحوها، وإنما يذكرون بعض الأمثلة.
إذاً قال: (وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ فَهْوَ قَدْ وَجَب) (بِنَا النَّوعَينِ) ظاهره أن المراد به ما عَنْوَنَ له في الباب.
أسمَاء الأفعَال مبنيَّة، وهذا سَبَق بيانه في أول الكتاب، وأسماء الأصوات كذلك مبنيَّة لمشابهتها الحروف المهملة في أنها: لا عاملةٌ ولا معمولة، فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال، يعني: هذه أولى، لأنها مُجرَّد حروف فقط، لم يوضع لها معنىً في لسان العرب، سُمِع للغراب (غاق .. غاق) قالوا مثله، حينئذٍ صارت حروف، لو نظرنا في لسان الواضع: هل وضع لهذه الألفاظ معنىً؟ ما وضع لها، وإنما مُجَرَّد حكاية فقط.
فهي أحق بالبناء من أسماء الأفعال، وهذه الأسماء لا ضمير فيها بِخلاف أسماء الأفعال، فهي من قبيل المفردات، وأسماء الأفعال من قبيل المُرَكَّبات.
إذاً: كلٌ منهما مبني: أسماء الأفعال، وأسماء الأصوات، أسماء الأفعال تتحمَّل ضميراً فهي مُرَكَّب يعني: فعل وفاعل، وأسماء الأصوات لا تتحمَّل ضميراً فهي مُفردة.
وَمَا بِهِ خُوطِبَ مَالاَ يَعْقِلُ ... مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الْفِعْلِ صَوْتاً يُجْعَلُ
стр. 2078
قيل: أسماء الأصوات: ما وُضِع لخطاب ما لا يعقل .. ما لا يعقل من الحيوانات ونحوها كالجماد، قيل: واللَّيْل والنَّهَار، وهذه الأشياء؛ لكن هذه يأتي إخراجها.
ما وُضِع لخطاب ما لا يعقل، أو ما هو في حُكِم ما لا يعقل من صغار الآدميين، كالطفل (كُخْ .. كُخْ) قالوا: هذا اللفظ ليس له معنى في لسان العرب، وإنما خُوطِب به الصغير الذي لا يعقل تنزيلاً له مُنَزَّلة ما لا يعقل أصالةً.
أو ما هو في حُكِم ما لا يعقل من صغار الآدميين، أو لحكاية الأصوات، هذه ثلاث محال:
- خِطاب ما لا يعقل كالجمل والفرس.
- أو ما هو في حُكْم ما لا يعقل كصغار الآدميين.
- أو حكايةً لأصوات .. أصوات الغُراب ونحو ذلك، وهي نوعان:
- أحدهما: ما خُوطِب به ما لا يعقل إمَّا لِزَجْرِه كـ (عَدَسْ) للبغل، البغل يخاطب إذا أرادوا زجره قالوا: عدس، وإما لدعائه كـ (أَوْ) - مثل (أو) العاطفة – (أو) للفرس.
- والنوع الثاني: ما وضِع لحكاية صوت حيوان كـ (غاق) لصوت الغراب، أو غير حيوان نحو (قُبْ) لوقوع السَّيف، إذا وقع السَّيف يُظْهر صوتاً، تَحْكِيه: (قُبْ).
وَمَا بِهِ خُوطِبَ مَا لاَ يَعْقِلُ ..
(مَا خُوطِبَ بِهِ مَا لاَ يَعْقِلُ) (مَا) اسم موصول بمعنى: الذي، وهو مبتدأ (خُوطِبَ بِهِ) هذه الجملة لا محلَّ لها من الإعراب صِلَة الموصول، (مَا) اسمٌ موصول بمعنى: الذي، في محل رفع نائب فاعل لـ (خُوطِبَ) (خُوطِبَ الذي لا يعقل من الحيوان، وما عُطِف عليه في الحدِّ السابق).
(مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ) يعني: شيءٌ أشبه اسم الفعل، وهنا الشُرَّاح لم يعرفوا ما الذي احترز به ابن مالك: (مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ) لكن ابن هشام في (التوضيح) قال: "احترز به من قول القائل:
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي ..
هنا خاطب ما لا يعقل وهو (اللَّيل) لكنه لم يكتف به، بل لا بُدَّ من شيءٍ يُتَمِّمُه، أمَّا اللفظ وحده:
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي ..
قالوا: لا بُدَّ من تمامه:
يَا دَارَ مَيِّ عَلَى البِلاَ ..
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ..
قالوا: هنا لا يُكْتَفى به، لا بُدَّ من شيءٍ مُتَمِّمُ، لكن على كلٍّ هذا فيه احتمال.
(مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ) يعني: في صِحة الاكتفاء به، لأن هذا اللفظ قالوا لا يُكْتَفى به، لا بُدَّ من إتمامه، هذا إذا خَاطَب ما لا يعقل من غير الأصوات، (مِنْ مُشْبِهِ) هذا جار مجرور مُتعلِّق بمحذوف حالٌ من الضمير في (بِهِ) .. خُوطِبَ بِهِ حال كونه (مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ) يعني: كأن اسم الصوت أشبه اسم الفعل، أشبهه في أي شيء؟ لم يظهر وجه المشابهة بين النوعين، لكن قَدَّر الشُرَّاحُ هنا (مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ) يعني: في صحة الاكتفاء به، يعني: يُكْتَفى به فيقال: (غاق) اكتفينا، لا نحتاج إلى شيءٍ مُتَمِّم لهذا اللفظ بخلاف قول القائل:
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي ..
стр. 2079
لكن اعْتُرِض هنا بأنه قد يُكْتَفى به لكونه نداءً (أَلاَ أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّوِيلُ .. أَلاَ يَا أَيُّهَا اللَّيلُ) اكتفى، لكن قيل بأن هذا لم يُشْبِه الفعل، لأنه لم يقف عليه وقف انتهاء من الكلام، فلا بُدَّ من شيءٍ يُتَمِّمه، على كلٍّ المقام يحتاج إلى تحرير.
(مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ يُجْعَلُ صَوتاً) مَا خُوطِبَ به مَا لاَ يَعْقِلُ من حيوانٍ ونحوه (صَوتاً يُجْعَلُ) يعني: يُجْعَلُ اسم صوتٍ على حذف مضاف، (يُجْعَلُ) هو (صَوتاً)، (صَوتاً) هذا مفعولٌ ثاني، وأين الأول؟ الضمير (يُجْعَلُ) هو .. نائب الفاعل.
كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ ..
إذاً قوله: (وَمَا) اسم موصول عام شَمِل ما كان للزَّجْر كما ذكرناه، كـ (عَدَسْ)، وما كان للدُّعاء كـ (أَو) فإن كليهما يُخَاطب به ما لا يعقل.
كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ ..
(كَذَا) أي: مِثلُ ذا السابق في كونه اسم صوتٍ (الَّذِي) الذي كذا، (كَذَا) خبر و (الَّذِي) مبتدأ مؤخَّر، (أَجْدَى) يعني: أفاد، (حِكَايَةً) أفاد حكايةً، شَمِل قوله (حِكَايَةً) ما كان حكايةً لصوت حيوان كـ (غاق) ولصوت غير حيوان (كَقَبْ) وقوع السَّيف.
(كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً) حِكَايَةً لأي شيء؟ قلنا: عام، إمَّا لصوت حيوان وإمَّا لصوت جمادٍ إذا وقع، (كَقَبْ) لوقوع السَّيف، يعني: تَحكي الصوت الذي تسمعه، لكن ثَمَّ ألفاظ محفوظة عند العرب لأشياء محدودة، إذا وقع السَّيف لا تأتي بلفظ من عندك تقول (قَبْ) ماذا قال السِّيف إذا وقع؟ (قَبْ)، (قَبْ) هذا اسم صوت مبنيٌّ على السكون لا محل له من الإعراب (كَقَبْ).
وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ فَهْوَ قَدْ وَجَب ..
(وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ) يعني: بناء النَّوعين، قصره للضرورة، والمقصود بالظاهر (النَّوعَينِ) ما هو؟ اسم الفعل واسم الصوت، هذا الظاهر، ويَحتمل وجهاً آخرَ وليس ببعيد: أنه قد بيَّن حُكم اسم الأفعال في الأول .. الأول هناك: وَكَنِيَابَةٍ عَنِ الْفِعْلِ بِلاَ تَأَثُّرٍ، إذاً: عرفنا لا يكون تكرار، فنجعل (بِنَا النَّوعَينِ): ما خُوطِب به ما لا يعقل والذي أفاد حكايةً، لأننا قلنا أسماء الأصوات نوعان: ما خُوطِب به ما لا يعقل، والثاني: ما وضِع لحكاية صوت حيوان.
إذاً: (وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ) أي النوعين؟ المذكورين في هذين البيتين، لأن أسماء الأفعال انتهى البحث فيها:
وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ ... مِنْهَا وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ بَيِّنُ
كان في أسماء الأفعال، انتقل إلى النوع الثاني: أسماء الأصوات.
إذاً: (الزَمْ بِنَا النَّوْعَينِ) مُتعلِّق بنوعي أسماء الأصوات، وأمَّا أسماء الأفعال هذا انتهى منه، لكن الأشْمُوني على ما ذكَرْنَاَه أولاً، وكذلك ابن عقيل هنا.
(فَهْوَ قَدْ وَجَبْ) الفاء للتَّعليل، (فَهْوَ قَدْ وَجَب) هذا تتميم، (هْوَ) مبتدأ و (قَدْ وَجَب) خبره، تتميم .. لماذا نقول تتميم؟ لأن الوجوب معلوم من قوله (الزَمْ) واجب (الزَمْ بِنَا النَّوْعَينِ) إذاً: هما مبنيَّان.
إذاً: (قَدْ وَجَبْ) هذا يمكن الاستغناء عنه، فإذا أمكن الاستغناء عنه حينئذٍ نقول: هذا يُعْتَبر حَشْواً.
стр. 2080
قال الشارح هنا: "أسماء الأصوات ألفاظٌ اسْتُعْمِلت كأسماء الأفعال في الاكتفاء بها" (هَيْهَاتَ العقيقُ) فقط "دالَّةً على خطاب مالا يعقل" إذاً: وجه المشابهة بين اسم الصوت واسم الفعل في الاكتفاء بها .. كونه يُكْتَفى به "دالَّةً على خطاب مالا يعقل، أو على حكاية صوتٍ من الأصوات، فالأول -خطاب ما لا يعقل-: كقولك (هَلا) " مثل (ألا) - قيل: تُنَوَّن وقيل: لا، يعني: تُنْطق مثل (ألا) .. (هلا) "لزَجْر الخيل و (عَدَسْ) لِزَجر البغل، والثاني كـ (قَبْ) لوقوع السَّيف و (غاق) للغراب" و (أَوْ) لدعاء الفرس كما ذكرناه.
وكذلك في قولهم في دعاء الإبل لتشرب: (جِيء .. جِيء) مهموزين، يعني: كأن الإبل تَفْهَم هذا الخطاب (جِيء .. جِيء) يعني: تعالي اشربي، سبحان الله! وفي دعاء الضَّأن: (حا .. حا) والمعز (عا .. عا) غير مهموزين في النوعين، والفِعْلُ منهما (حاحَيْتُ وعاعَيْتُ) والمصدر (حَيْحَاء وعَيْعَاء) هذه كُلُّها مُولَّدة، يعني: لم يسمع، ولذلك قال قائلهم:
يَا عَنْزُ هَذَا شَجَرٌ وَمَاءُ ... عَاَعَيْتُ لَوْ يَنْفَعُنِي العَيْعَاءُ
عَدَسْ مَا لِعبَّادٍ عَلَيْكِ إِمَارَةٌ ..
إذاً: وأشار بقوله (وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ) إلى أن أسماء الأفعال وأسماء الأصوات كلها مبنيَّة، إذاً: حَمَل قوله (بِنَا النَّوعَينِ) على الباب كلِّه، ولا مانع أن يُقال: بأنه بيَّن في الأول حكم أسماء الأفعال، وهنا بيَّن النوعين من أسماء الأصوات، وقد سبق في باب المُعْرَب والمبْنَى أن أسماء الأفعال مبنية لشبهها بالحرف في النيابة عن الفعل وعدم التأثُّر، حيث قال: (وَكَنِيَابَةٍ عَنِ الْفِعْلِ بِلاَ تَأَثُّرٍ) وأمَّا أسماء الأصوات فهي مبنية لشبهها بأسماء الأفعال، وقيل: لمشابهتها الحروف المهملة في أنها: لا عاملة ولا معمولة، مثل: ((حم)) [غافر:١] .. ((الم)) [البقرة:١] ومثلها، إذاً: هي مبنيَّة فلا محل لها من الإعراب، وشَذَّ إعراب بعضها لوقوعه موقع الاسم المتَمكِّن كقوله:
إِذْ لَمَّتِي مِثْلُ جَنَاحِ غَاقِ ..
(مِثْلُ جَنَاحِ غَاقِ) مضاف إليه، لماذا أَعْرَبه هنا؟ أُعْرِب (غَاقِ) لوقوعه موقع (غُرْاب) لأنه يَدلُّ عليه .. خاصٌّ به، إذا قال: (غاق) فُهِم أنه يريد به الغراب. وتنكيرها بالتنوين كأسماء الأفعال، وأصل بنائها على السكون كـ (قَبْ) و (سَعْ) وما سَكَن وسطه من ثلاثي كُسِر على أصل التقاء الساكنين كـ (غاق) و (طَاقِ) لحكاية صوت الضرب، إذا وقع الشيء .. ضَرَبت (طَاقِ) تَحكيه بهذا اللفظ.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 2081
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (نونا التوكيد) ـ
* الأفعال التي يجوز تأكيدها والتي لا يجوز تأكيدها
* حكم آخر المؤكد
* حكم تأكيد الأفعال المسندة إلى الضمائر
* أحكام تختص بنون التوكيد الخفيفة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد:
قال الناظم - رحمه الله تعالى -: (نُونَا التَّوْكِيْدِ).
أي: هذا باب بيان الأحكام المتعلِّقة بِنُونَي التوكيد، وهذا الباب الأصل: أنَّه ليس من أبواب النحو، لأنَّه ليس فيه إلا: (وَآخِرَ المُؤَكَّدِ افْتَحْ) هذا الذي يتعلَّق بالنحو، وبقية الأبيات لا علاقة له بالنحو، لأن المسألة متعلِّقة (بالصرف) يعني: ما يُحْذَف وماذا إذا أُسْنِد إلى المعتل الآخر بالألف، وماذا إذا كان رافعاً لواو أو ياء وألف، كل الأحكام هذه ليست من مجال النحو.
(نُونَا التَّوْكِيْدِ)
أي: هذا باب بيان ما يَتعلَّق بنوني التوكيد، التوكيد سبق أنَّه تقوية، إذاً: حينئذٍ قد يُقوَّى الفعل .. توكيد الفعل تقويته بأشياء عدَّة، لكن منها: (نونا التوكيد) وإلا قد يُؤكَّد الفعل بالقسم .. قد يؤكَّد بـ (قد) .. قد يؤكَّد بـ (إن) إلى آخر ما يذكره البيانيُّون.
وأمَّا هنا فالكلام فيما يتعلَّق بنوني التوكيد، ونونا التوكيد المراد بهما: الثقيلة والخفيفة - والمراد بالثقيلة (المشدَّدة) يعني: عبارة عن نونين - النون الأولى (ساكنة) والنون الثانية (متحرِّكة) فَأُدغِمت الأولى في الثانية.
والخفيفة مُرادهم به نون واحدة .. حرف واحد، وهي ساكنةٌ، حينئذٍ نقول: النون الثقيلة والنون الخفيفة باستقراء كلام العرب لا يوجد نونٌ ثالثة يُؤَكَّد بها إلا هاتان النونان، (نونا التوكيد)، لكن هل أحدهما أصل والآخر فرع .. أو كلٌ منهما أصل؟ هذا فيه أربعة مذاهب تقريباً:
ذهب البصريُّون إلى أن كلاٌ منهما أصلٌ، يعني: النون الثقيلة أصل، والنون الخفيفة أصل، فليس أحدهما فرعاً عن الآخر، كلٌ منهما أصلٌ برأسه منفصلٌ عن الآخر، لماذا؟ قالوا: لتخالف بعض أحكامهما، يعني: ثَمَّ أحكام تَختصُّ بالثقيلة، وثَمَّ أحكامٌ تَخْتَصُّ بالخفيفة، حينئذٍ لَمَّا تخالفا علمنا أن كلاً منهما أصلٌ برأسه لوجود المخالفة بين النونين.
كإبدال الخفيفة ألفاً في الوقف، سيأتي أربعة أحكام تنفرد الخفيفة عن الثقيلة، إبدال الخفيفة ألفاً وقفاً في نحو: (وَليَكُونا) وحذفها في نحو:
لاَ تهُيَنَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ ..
وهذان الحكمان ممتنعان في الثقيلة - الثقيلة لا تُقْلَب ألفاً في الوقف، وكذلك لا تُحْذَف إذا لقيت ساكن .. تابعها ساكن أو جاء بعدها ساكن، إذاً: هذان حكمان مخْتَصَّان بالخفيفة، ولا يوجدان، بل ممتنعان في الثقيلة، إذاً: بينهما تَخالف.
وكوقوع الشَّديدة بعد الألف وهو ممتنع في الخفيفة، إذاً: للتَّخالف جُعِل كلٌ منهما أصلٌ، وهذا مذهب جماهير البصريين بل نُسِب إلى البصريين على جهة العموم، وعُورِض هذا التَّعليل: أن كلاً منهما أصل لوجود التَّخالف بين النونين في بعض الأحكام.
نقول: (إنَّ وأنَّ) الثانية فرعٌ عن الأولى ووُجِد التَّخالف، إذاً: وجود التَّخالف .. تَفرُّد الفرع ببعض الأحكام مُخالفاً للأصل لا يَجعله أصلاً مُستقلاً بنفسه، بل تثبت له الفرعية ومع ذلك نَحكم له ببعض التَّخالف مع الأصل.
стр. 2082
عُورِض التَّعليل: بأن الفرع قد يختصُّ بأحكام ليست في الأصل وهذا صحيح، كما في (أنَّ) المفتوحة فإنَّها فرعٌ المكسورة، ولها أحكامٌ تَختصُّ بها وهذا واضح بيِّن، إذاً: تعليل البصريين بأن كلاً منهما أصل لوجود المخالفة في بعض الأحكام ليس بِجيِّد، لماذا؟ لأنَّه قد يكون ثَمَّ أصلٌ وفرع، والفرع ينفرد ببعض الأحكام لا ينفرد بها الأصل، إذاً: هذا التَّعليل عليل.
وذهب الكوفيُّون: إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة، فالثقيلة هي الأصل ثُمَّ حُذِفت منها إحدى النونين فصارت (الخفيفة) وهذا هو الظاهر: أن الخفيفة أصلٌ، كما نقول: (إِنَّ وإِنْ) (أَنَّ) بالتثقيل و (أَنْ) بالتخفيف، إذاً: قد يُحْذَف أحد الحرفين ويبقى الحرف على أصله، إذاً (أَنْ) بالتخفيف فرع (أَنَّ)، و (إِنْ) بالتخفيف .. بإسكان النون فرع (إِنَّ) هذا لا إشكال فيه.
وذهب الكوفيُّون إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة لاختصارها منها، يعني: هي مُختصرة منها، لأنها جزء .. الخفيفة داخلة في الثقيلة، ولأن التأكيد بالثقيلة أبلغ وهذا واضح بيِّن: ((لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا)) [يوسف:٣٢] أيُّهما أبلغ في التأكيد؟ لا شَكَّ أن الأول أبلغ، فدل على أنَّه أصل، لأنَّه عبارة عن حرفين، والثاني عبارة عن حرفٍ واحد، ولا شَكَّ أن العرب لا تزيد حرفاً إلا لفائدة، إذاً: هذان قولان.
وقيل بالعكس، يعني: الخفيفة هي الأصل، والثقيلة هي الفرع، لماذا؟ قالوا: لأن الخفيفة بسيطة والثقيلة مُرَكَّبة، وأيُّهما أصل؟ البسيط أصلٌ للمُرَكَّب، هذا تعليل لكنَّه فيه نظر.
وقيل بالعكس: فالخفيفة بسيطة والثقيلة مُرَكَّبة، فالخفيفة أحق بالأصالة والثقيلة أحق بالفرعية.
إذاً: هذه ثلاثة أقوال للنحاة في أيِّهما أصلٌ للآخر، والصحيح أن يُقال بأن الثقيلة أصلٌ، والخفيفة فرعٌ.
قال رحمه الله تعالى:
لِلْفِعْلِ تَوْكِيدٌ بِنُونَيْنِ هُمَا ... كَنُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا
هذا باستقراء كلام العرب، لا يوجد نون يُؤكَّد بها إلا الثقيلة والخفيفة، هذا مُتفقٌ عليه بين النحاة، وسَبَق في أول الكتاب: أن النون مُطلقاً الخفيفة والثقيلة من علامات الفعل، إذاً: لا تدخل على الاسم ولا على الحرف، وأمَّا: (أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا .. ) قلنا: هذا شاذُّ يُحفظ ولا يُقاس عليه، لأنَّه دخل على اسمٍ وهو اسم فاعل، والذي سَهَّله: أنَّه بِمعنى الفعل، يعني: الذي سَهَّل مثل هذه الضرورات وهذه الشُّذوذات: أن ما دخلت عليه النون وهو اسم الفاعل بمعنى الفعل، وكأنَّه لُوحِظ فيه معنى الفعل فدخلت عليه النون.
(لِلفِعْلِ تَوكِيدٌ) توكيدٌ للفعل لا لغيره، صحيح هذا؟ الآن قَررنا هذه المسألة، قلنا: لا تدخل لا على الحرف ولا على الاسم، إذاً: اختصَّت بالفعل، إذاً: للفعل لا لغيره، إذاً: أفاد بتقديم الجار هنا الخبر وحقه التأخير .. أفاد الحَصْر والقَصْر (تَوكِيدٌ لِلفِعْلِ) للفعل لا لغيره تَوكِيدٌ بنونين.
стр. 2083
إذاً: تَوكِيدٌ بنونين إنما يكون للفعل على جهة الخصوص، ولذلك يُعْتَبَر من علامة الفعليَّة، دخول النون .. نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة علامةٌ على أن الكَلِمة فعلٌ وليست باسمٍ ولا حرفٍ، لأن الفعل هو الذي يُؤَكَّد بالنون، وأما الاسم يُؤَكَّد لكن لا يُؤَكَّد بالنون، يُؤَكَّد بمُؤَكِّدات عديدة منها ما هو حرف ومنها ما هو اسمٌ.
حينئذٍ نقول: الفعل دون غيره من الحروف والأسماء هو الذي يُؤَكَّد بالنونين، ولذلك قَدَّمَه هنا للاختصاص، (لِلفِعْلِ) هذا خبر مُقدَّم، جار مجرور مُتعلِّق بمحذوف خبر مُقَدَّم، (تَوكِيدٌ) هذا مبتدأ مؤخَّر، (بِنُونَينِ) يعني: بكلٍ منهما ليسا معاً .. بكلٍ منهما على حِدَة.
(تَوكِيدٌ لِلفِعْلِ) جنس الفِعْلِ، حينئذٍ (بِنُونَينِ) معاً أو بكلٍ منهما على حدة؟ الثاني، إذاً: (بِنُونَينِ) المراد: بمجموع نونين، كلٌ منهما على حدة، (هُمَا) هذا مبتدأ، (بِنُونَينِ) مُتعلِّق بقوله: (تَوكِيدٌ) لأنَّه مصدر، (هُمَا كَنُونَيِ) (هُمَا) الثقيلة والخفيفة .. مبتدأ وخبر، (هُمَا) مبتدأ و (كَنُونَيِ) مُتعلِّق بمحذوف خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر صفة لـ (نُونَينِ).
(كَنُونَيِ) أصلها: نُونَينِ، حُذِفت النون هنا للإضافة، و (اذْهَبَنَّ) قُصِد لفظه فهو مضافٌ إليه، (وَاقْصِدَنْهُمَا) معطوفٌ على (اذْهَبَنَّ) مجرور لكن جَرُّه مُقدَّر. إذاً: يلحق الفعل للتوكيد نونان: إحداهما ثقيلة كـ (اذْهَبَنَّ) والأخرى خفيفة كـ (اقْصِدَنْهُمَا) وقد اجتمعا في قوله تعالى: ((لَيُسْجَنَنَّ)) [يوسف:٣٢] ثقيلة هذه ((وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)) [يوسف:٣٢] وَلَيَكُونًا، في الوقف: وَلَيَكُوُنَا، إذاً: هاتان نونان.
ومعنى توكيد الفعل بهما .. ما المراد أن الفعل يُؤكَّد؟ معنى توكيد الفعل بهما: أنَّهما يُفِيدان تحقيق معنى الفعل، يعني: وجِد، مثلما نقول (قَدْ) للتحقيق، وقلنا (قَدْ) هذه من المؤكِّدات، إذاً: لا بأس أن يُقال: بأن الفعل يدخله ما يدلُّ على أنَّه مُحقَّق، يعني: موجود بالفعل .. مؤكَّد، أنَّهما يُفيدان تحقيق معنى الفعل، فإذا قُلت: (اضْرِبَنَّ) ففيه توكيد لقولنا (اضْرِبْ) ففيه توكيد لـ (اضْرِبْ) المُجرَّد منها فهو أبلغ من المُجرَّد، أيُّهما أبلغ في الدَّلالة على تحقيق الفعل (اضْرِب) أو (اضْرِبَنَّ)؟ الثاني، هذا معنى توكيد الفعل: أنَّه يُقوُّيه في الدَّلالة على تحقيق مدلول الفعل (اضْرِبْ) هذا مُجرَّد من النون، (اضْرِبَنَّ) هذا أبلغ منه.
ولَمَّا أفهم قوله (لِلفِعْلِ) توكيد للفعل، معلوم أن الفعل ثلاثة أقسام: فعلٌ ماضٍ، وفعلُ أمرٍ، وفعلٌ مضارع، هل كل هذه الأفعال تُؤكَّد؟ هو أطلق في الأول (لِلفِعْلِ تَوكِيدٌ) عَمَّمَ حينئذٍ كل فعلٍ تدخله نون التوكيد وليس الأمر كذلك، ولذلك دفع هذا الإبهام وأزال هذا اللَّبس بقوله: (يُؤَكِّدَانِ افْعَل وَيَفْعَلْ).
(يُؤَكِّدَانِ) فعل مضارع والألف هذه فاعل تعود على (نُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا) يعني نونا التوكيد الثقيلة والخفيفة (يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) الذي هو (فعل الأمر) فعل الأمر وفعل الماضي وفعل المضارع، هنا قسمان:
стр. 2084
فعل الأمر يُؤكَّد مطلقاً يعني: بدون شرط .. كل فعل أمر يجوز تأكيده مطلقاً، ولذلك أطلقه الناظم (يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) أي فعل الأمر مطلقاً بدون شرط ولا قيد.
وأما الفعل الماضي فيقابله: لا يُؤكَّد مطلقاً، يتوسَّط بينهما الفعل المضارع فيؤكَّد لكن بشروط نظمها الناظم فيما سيأتي، إذاً فعل الأمر يُؤكَّد مطلقاً .. كل فعل أمر سواءٌ كان دالاًّّّّّّ على الطَّلب .. تحقيق الطَّلب أو دالاًّّّّّّ على الدعاء، ويقابله الفعل الماضي ويتوسَّط بينهما الفعل المضارع.
(يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) أي فعل الأمر مطلقاً أي بلا شرطٍ، وشمل (افعل) هنا أطلق الناظم شمل الأمر (اذْهَبَنَّ) وشمل الدعاء، لأن الدعاء أمرٌ في المعنى، وشمل أيضاً الأمر للواحد والواحدة، والاثنين، والجمع مذكَّرَينِ أو مؤنَّثَينِ، مذكَّرِينَ أو مؤنَّثِينَ سواءٌ كان المثنى أو المجموع، لأنَّه أطلق الناظم (افعل) فيشمل الأمر الحقيقي ويشمل الأمر إذا كان بمعنى الدعاء، لأنَّه في معنى الطَّلب، ويشمل ما إذا كان الفعل للواحد أو الواحدة، أو الاثنين مذكَّراً أو مؤنثاً، أو الجمع مذكَّراً أو مؤنَّثاً.
فتقول (اضْرِبَنَّ يا زَيْدُ) (اضْرِبَنَّ) هذا فعل أمر مؤكَّد بنون التوكيد الثقيلة والمخاطب به واحد، و (اضْرِبِنَّ يا هِنْدٌ) (اضْرِبِي) هذا الأصل بكسر الباء (يا هند) و (واضْرِبانِّي) و (اضْرِبُنَّ يا زَيْدون) و (اضْرِبْنان يا هِنْدَات) إذاً سواءٌ كان المخاطب به واحداً أو واحدة أو اثنين أو جمعاً حينئذٍ يؤكَّد الأمر مطلقاً.
قلنا يقابله الماضي فلا يُؤكَّدُ مطلقاً، ما العلَّة؟ قالوا: نون التوكيد بنوعيها الثقيلة والخفيفة تُخلِّص مدخولهما للاستقبال يعني مثل (لنْ) تخلِّص الفعل للاستقبال، والماضي هل يقبل ذلك؟ لا يقبل ذلك (اضْرِبَنَّ) هذا مؤكَّد في المستقبل (ليَقومَنَّ) في المستقبل، أما الماضي هذا لا يقبل، لأن معناه (المُضِي) و (المُضِي والاستقبال) متقابلان.
ولا يُؤَكِّدان الماضي مطلقاً، لأنَّهما يخلِّصان مدخولهما للاستقبال، وذلك ينافي (المضي)، وأما قول الشاعر: (دَامَنَّ سَعْدُكِ) أكَّد وهو فعل ماضي، نقول هذا ضرورة شاذ يُحْفَظْ ولا يُقاس عليه، وسهَّلها يعني: سهَّل دخول النون كونه بمعنى الاستقبال لأنه قال: (دَامَنَّ سَعْدُكِ) يعني في المستقبل، سهَّل دخول النون على فعل الماضي وإلا القاعدة: أنَّه لا يُؤكَّد الفعل الماضي البتة، لأن النونين يخلِّصان الفعل مدخولهما للاستقبال والمُضي قد انتهى حينئذٍ لا يكون مستقبلاً.
و (وَيَفْعَلْ) هذا النوع الثالث وهو: فعل مضارعٌ هنا كنَّى عن الفعل (افْعَلْ) على الأصل (وَيَفْعَلْ)، (يُؤَكِّدَانِ) قلنا فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف هذه: فاعل، ضمير متَّصل مبني على السكون في محل رفع فاعل مردُّه النونان:
هُمَا * * * كَنُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا
(افْعَلْ) هذ قُصِد لفظه مفعولٌ به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدَّرة على آخره (وَيَفْعَلْ) معطوفٌ عليه والمعطوف على المنصوب منصوب، لكن قيَّد (يَفْعَلْ)
................ آتِيَا ... ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً امَّا تَالِيَا
стр. 2085
أَوْ مُثْبَتَاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ... وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لاَ
وَغَيْرِ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الْجَزَا ... . . . . . .............................
هذه الشروط كلَّها تتعلَّق بالفعل المضارع، قد يكون التأكيد واجباً، وقد يكون قريباً من الواجب، وقد يكون كثيراً، وقد يكون قليلاً، وقد يكون نادراً، فالأحوال خمسة كما سيأتي.
(وَيَفْعَلْ) إذاً (يُؤَكِّدَانِ افْعَلْ) وأطلَّقه الناظم فدل على أنَّه لا يُشترط فيه شرطٌ ولا قيد، (وَيَفْعَلْ) أي يُؤَكِّدَانِ (يَفْعَل) الذي هو الفعل المضارع، لكن بالشرط الآتي، (آتِيَاً) هذا حالٌ من (يَفْعَلْ) حال منه، والحال قيد لعاملها وصفٌ لصاحبها، إذاً وصف (يَفْعَلْ) الذي يُؤكَّد بالنونين، وصفه كونه (آتِيَاً) أي الفعل المضارع بالشرط الآتي:
(ذَا طَلَبٍ) يعني في جواب طلبٍ (أَو آتِيَاً شَرْطاً تَالِيَا إمَّا) يعني تابعاً لـ (إِمَّا) هذا الحال الثاني، (إِمَّا) إن الشرطية و (مَا) الزائدة.
أَوْ ثالثاً:
مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ..
(مُثْبَتاً) هذا معطوف على (شَرْطاً)، (فِي قَسَمٍ) يعني في جواب قسمٍ، (مُسْتَقْبَلاَ) حالٌ من فاعل (مُثْبَتاً) أو نعتٌ له يجوز هذا ويجوز ذاك، (ذَا طَلَبٍ) بمعنى أنَّه يكون واقعاً في جواب الطَّلب، أو بعد أداة طلب، وهذا يشمل ستة أشياء: الأمر، والنَّهي، والعرض، والتَّحضيض، والتَّمنِّي، والاستفهام، والدعاء، هذه كلَّها يأتي الفعل المضارع بعدها مؤكَّداً بإحدى النونين.
إذاً: أن يقع الفعل المضارع بعد أداة طلبٍ، والطَّلب يشمل ستة أشياء:
أولاً: (النَّهي): ((وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا)) [إبراهيم:٤٢] تَحْسَبَنَّ: فعل مضارع أُكِّد بنون التوكيد الثقيلة، ما الذي سَوَّغ كونه مؤكَّداً بالنون؟ مجيئه بعد النَّهي (لا تَحْسَبَنَّ) (لا) ناهية و (تَحْسَبَنَّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم.
(والأمر) نحو (ليَقُومَنَّ زَيْدٌ) اللام هذه لام الأمر، حينئذٍ وقع الفعل المضارع بعد أداة طلبٍ وهي لام الأمر، حينئذٍ جاز تأكيده، (ليَقُومَنَّ) مُؤكَّد لوقوعه بعد لام الطَّلب.
(والعرض) (ألا تَنْزِلنَّ عِنْدَنَا) (ألا) هذا حرف عرض (تَنْزِلنَّ عِنْدَنَا).
أو (تحضيضاً) (هلَّا تَقُومَنَّ يا زَيْدُ) (هلَّا) هذه أداة تحضيض (تَقُومَنَّ) فعلٌ مضارع مؤكَّد لكونه واقعاً بعد أداة طلبٍ.
أو (تمنِّي) نحو قول الشاعر:
فَلَيْتَكِ يَوْمَ المُلْتَقَى تَرَينَّنِي ..
(لَيْتَكِ) تمنِّي (تَرَينَّنِي) فعل مضارع مؤكَّد بالنون لوقوعه بعد أداة الطَّلب.
و (الاستفهام) نحو:
وَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيَادِي البِلاَدَ ..
(يَمْنَعَنِّي) نقول: هذا مؤكَّد لوقوعه بعد (الاستفهام).
أو (دعاء):
لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ..
إذاً بعد هذه الأدوات الستة نقول: يُؤَكَّدُ الفعل المضارع لكنَّه ليس واجب التأكيد بل هو جائز ولكنَّه كثير.
стр. 2086
إذاً: (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) يعني صاحب طلبٍ، بمعنى أنَّه يكون مدلول الأداة داخلاً في مفهومه، إذا قيل (هلاَّ تَقُومَنَّ) تَقُومَنَّ هذا المراد به التَّحضيض، (ألا تَنْزِلَنَّ) تَنْزِلَنَّ المراد به التحضيض فالحرف مؤثِّر سواءٌ عمل أم لم يعمل، الحرف له دور في تغيير معنى الفعل.
حينئذٍ نقول (يَفْعَل آتِيَاً) حال كونه (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ أَو شَرْطاً) وسبق أن النونين إنما يُؤَكِّدان الفعل ويخلِّصانه للاستقبال، حينئذٍ شرط الاستقبال يكون مأخوذاً في هذه الأنواع كلِّها، لا يؤكَّد الفعل المضارع إلا إذا كان دالَّاً على الاستقبال، وهذا إما أنَّك تأخذه من قوله (آتِيَاً) وإمَّا من قوله (ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً) لأن الطَّلب إنما يكون تحقيقه في المستقبل، والشرط إنما يكون تحقيقه في المستقبل.
إذاً إمَّا أن نقول (آتِيَاً) هذا حالٌ من (يَفْعَل) حال كونه (آتِيَاً) وإمَّا أنَّه دالٌّ على الاستقبال، حينئذٍ الفعل المضارع إذا كان بمعنى الحال لا يؤكَّد، لأنَّك تريد به الحال الآن، (والنونان) تخلِّصانه إلى المستقبل فتنافيا .. حصل التنافي بينهما، وإنما يؤكَّد ما كان معناه الاستقبال، إذا كان معلَّقاً على شرط (إمَّا تَرَيِنَّ .. فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ .. فَإِمَّا تَثْقَفَنَّ) نقول هذا المراد به تحقيقه في المستقبل، إذاً جاز تأكيده إذاً لا تعارض بين الفعل المضارع إذا كان دالَّاً على الاستقبال وبين تأكيده بنوني التوكيد الثقيلة والخفيفة، لأن كلاً منهما دالٌّ على الاستقبال فاتَّحدا، كأنَّه أكَّد المعنى الدَّال في المستقبل .. الحدث الذي سيقع في المستقبل.
وأمَّا إذا كان الفعل دالَّاً على الحال فيمتنع لوقوع التَّنافي والتَّضاد بينهما كما هو الشأن في الفعل الماضي، إذاً (وَيَفْعَل آتِيَاً ذَا طَلَبٍ أَو شَرْطاً) إنَّما يكون الطَّلب في المستقبل وإنَّما يكون الشرط في المستقبل، إذاً يُشْتَرط في (يَفْعَلْ) الذي ذكره الناظم هنا: أن يكون معناه (الاستقبال) احترازاً من ما لو كان معناه (الحال) وأما الماضي هذا سيأتي بعد قوله: (وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ).
................ آتِيَا ... ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً امَّا تَالِيَا
يعني: أن يقع بعد (إِنْ) الشرطية وزيدت عليها (مَا) بهذا اللفظ (إِمَّا) ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:٥٧] في مثل هذا التركيب يؤكَّد الفعل المضارع بالنونين، والذي سوَّغ ذلك كما ذكرناه: وقوعه بعد الشرط والشرط دالٌّ على الاستقبال.
(أَوْ شَرْطاً) يعني أو آتياً شرطاً: هذا معطوف على (ذَا) أو ذا شرطٍ يعني صاحب شرطٍ، (إِمَّا تَالِيَاً) (شَرْطاً تَالِيَا إمَّا) فـ (تَالِيَاً) هذا نعت لـ (شَرْطاً)، أي شرطاً تابعاً (إِنْ) الشرطية المؤكَّد بـ (مَا) لأن (مَا) زائدة وأفادت التأكيد، ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:٥٧] أصل التركيب: فَإِن ما تَثْقَفَنَّهُمْ (إن) الشرطية، تَثْقَفَنَّهُمْ: هذا فعل مضارع وقعت (مَا) زائدةً بعد (إن) فأُدْغِمت النون في الميم.
стр. 2087
قيل ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:٥٧] ((فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ)) [الزخرف:٤١] ((فَإِمَّا تَرَيِنَ)) [مريم:٢٦] حينئذٍ نقول هذا فعلٌ مضارع تالياً لـ (إِمَّا) الشرطية، حينئذٍ فيه خلاف بين النحاة هل هو ضرورة أو يحْسُن؟ سيأتي.
إذاً: من المواضع التي يؤكَّد فيها الفعل المضارع إذا كان شَرْطاً تَالِيَا لـ (إِمَّا).
واحترز به من الواقع شرطاً بغير (إِمَّا) فإن توكيده قليل، وهو الذي عناه بقوله:
وَغَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا ..
هذا معطوف على قوله:
وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لاَ ..
أو شَرْطاً تَالِيَا (إِمَّا) هذا كثير بدليل أنَّ قوله (وَقَلَّ) وما عُطِف عليه:
وَغَيرَ إمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا ..
فالتوكيد بعده قليل
. . . . . . . .................. ... ........ أَوْ شَرْطَاً امَّا تَالِيَا
أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ... ......................................
(أَوْ مُثْبَتاً) يعني (أو آتِيَاً مُثْبَتاً) معطوف على (شَرْطاً)، (أو آتِيَاً مُثْبَتاً) يعني الفعل المضارع .. آتِيَاً مُثْبَتاً لا منفياً، (فِي قَسَمٍ) يعني في جواب قسمٍ: جار مجرور متعلِّق بقوله (مُثْبَتاً)، (مُسْتَقْبَلاً) هذا نعت لـ (مُثْبَتاً) أو حال من الضمير المستتر في (مُثْبَتاً)، مُثْبَتاً حال كونه (مُسْتَقْبَلاَ) يعني دالاًّ على الاستقبال لا على المضي ولا على الحال، بهذه الشروط الثلاثة:
أن يكون الفعل مُثْبَتْاً، في جواب قسمٍ، دالاًّ على الاستقبال، زد عليه (غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْ لاَمِهِ بِفَاصِلْ) أربعة شروط، (غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْ لاَمِهِ) لام القسم يعني (بِفَاصِلٍ) نحو ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:٥٧] تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ، (أَكِيدَنَّ) هذا فعلٌ مضارعٌ مُثْبَت في جواب قسم مُسْتَقْبَل اتَّصلت به اللام (لأَكِيدَنَّ) هل فُصِل بين اللام وبين الفعل؟ لا لم يفصل. حينئذٍ نقول في مثل هذا الموضع عند الكثير: يجب تأكيده.
إذاً:
أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ..
غَيْرَ مَفْصُولٍ مِنْ لاَمِهِ بِفَاصِلٍ نحو ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:٥٧]، ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيَّاً، لأنَّنا اشترطنا: أن يكون (مُثْبَتاً) إذاً إذا كان منفيَّاً فلا يجوز توكيده بهما ((تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) [يوسف:٨٥] (تَفْتَأُ) نقول هذا لا يجوز توكيده ولو كان في جواب قسم، لماذا؟ منفي، أين النفي؟ (تَفْتَأُ) مثبت هذا، مقدَّر (تَاللَّهِ لا تَفْتَأُ)، إذاً: إذا كان في جواب قسم وهو منفي حينئذٍ لا يؤكَّد بهما، إذ التقدير (لاَ تَفْتَأُ).
أو كان مفصولاً من اللام ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ)) [الضحى:٥] (يُعْطِيكَ) نقول هذا وقع في جواب قسم، واللام الداخلة على (سوف) لام القسم (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ) لكن هذا لا يجوز توكيده، لأنَّنا اشترطنا أن تكون اللام داخلة على الفعل لم يفصل بينهما فاصل، فإذا فصل مثل (سوف) حينئذٍ نقول: لا يجوز التوكيد، بل لا بدَّ من أن تكون اللام داخلةً على الفعل ولم يفصل بينهما فاصل.
стр. 2088
((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:٥] ((وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ)) [آل عمران:١٥٨] (مُتُّمْ) نقول هذا لا يجوز توكيده (أَوْ قُتِلْتُمْ) .. لماذا؟ لوجود الفاصل هكذا مثَّلوا و (مُتُّمْ) هذا فعل ماذا؟ ((وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)) [آل عمران:١٥٨] هل المراد (تُحْشَرُونَ) أو الأول (مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ)؟ النحاة يذكرون هذه الآية.
إن كان المراد (مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ) هذا لا يؤكَّد، لأنَّه فعل ماضي، وإن كان (تُحْشَرُونَ) لا يؤكَّد فقد يستقيم الاستدلال لكنَّه بعيد أيضاً، فالأحسن أن يُمثَّل بـ ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:٥] هذا أولى من الآية التي ذكرها ابن هشام وغيره.
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ) إذاً (يُعْطِيكَ) هذا لم يؤكَّد لوجود الفاصل بين اللام والفعل وهو (سَوْفَ).
إذاً: (مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ) يعني في جواب قسمٍ، (مُسْتَقْبَلاَ) هذه الحالة الثالثة: بعد طَلَبٍ، أَو شَرْطٍ، تَالِيَا (إمَّا)، أَو مُثْبَتاً فِي جواب قَسَمٍ (مُسْتَقْبَلاَ).
التوكيد الواقع في جواب القسم واجب، لأنَّهم كرهوا أن يُؤَكَّد الفعل بأمرٍ منفصلٍ وهو القسم من غير أن يُؤَكِّدوه بما يتصل به وهو (النون) بعد صلاحيَّته له، يعني: قالوا عندنا قسم هو مؤَكِّد للفعل، وعندنا من الأشياء التي يؤَكَّد بها الفعل (النون) إذاً: إذا أُكِّد الفعل بـ (القسم) حينئذٍ أكِّد بشيءٍ منفصل عن الفعل ليس متَّصلاً به، وعندنا (النون) وهي مما يتصل بالفعل وهي صالحةٌ لتأكيد الفعل.
إذاً: يجب أن يؤكَّد الفعل لئلَّا ينفرد المنفصل بتأكيده هكذا علَّلوه، وهذا مذهب البصريين لكن بالشروط السابقة: أنَّه يجب تأكيد الفعل إذا كان: مُثْبَتاً، واقعاً في جواب قسمٍ، مُسْتَقْبَلاً، غير مفصول من لامه بفاصلٍ. بهذه الشروط الأربعة التوكيد واجب، وهذا مذهب البصريين.
فلا بدَّ عندهم من (اللام والنون) فإن خلا منهما قُدِّرَ قبل حرف النفي، فإذا قلت: (والله يَقُومُ زَيْدٌ) هذا وُجِدت فيه الشروط (والله يَقُومُ زَيْدٌ) (والله) هذا قسم (يَقُومُ) جواب القسم، ليس عندنا (نون) ولا (لام) قالوا: يجب التقدير هنا .. نُقَدِّرْ النفي (والله يَقُومُ زَيْدٌ) قالوا (والله لا يَقُومُ زَيْدٌ) هذه الجملة منفية؛ لأنَّه لو كان كذلك لوجب دخول اللام وأُكِّد الفعل، فخلوُّ الفعل عن اللام والنون هذا لا يجوز، لا بد من دخول اللام والنون على الفعل المثبت الواقع في جواب القسم، فإذا جاء مثل هذا الظاهر (والله يَقُومُ زَيْدٌ) قالوا نقدِّر النفي (والله لا يَقُومُ زَيْدٌ) حينئذٍ تخلَّف الشرط الأول وهو (الإثبات).
стр. 2089
وهذا مذهب البصريين فلا بدَّ عندهم من اللام والنون، فإن خلا منهما قُدِّرَ قبل حرف النفي، فإذا قلت (والله يَقُومُ زَيْدٌ) كان المعنى: نفي القيام عنه، -هذا غريب- (والله يَقُومُ زَيْدٌ) يعني (والله لا يَقُومُ زَيْدٌ)، لماذا؟ قالوا: لأنَّ التأكيد هنا واجب، فلما لم يوجد إذاً صار الكلام منفيَّاً مثل: ((تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) [يوسف:٨٥] (تَفْتَأُ) هذا فعل مضارع وهو مثبت في الظاهر حينئذٍ نقول (تَاللَّهِ) هذا قسم وقع في الجواب، إذاً: لا بدَّ من التقدير.
وأجاز الكوفيون تعاقبهما وقد ورد في الشعر، يعني: قد تأتي اللام دون النون وقد تأتي النون دون اللام .. لا يُشْتَرط فيه فهو حسن لوجوده في الشعر.
وحكا سيبويه: (والله لأضْرِبُه) دون توكيد، لو كان واجباً لقال: (والله لأضْرِبَنَّه) لا بدَّ من التأكيد لكن هنا حكا سيبويه: (والله لأضْرِبُه) إذاً: لام قسم ووقع الفعل مثبتاً، وفي جواب قسم حينئذٍ لم يؤكَّد فدل على أنَّه ليس بواجبٍ.
وأما التوكيد بعد الطَّلب السابق فليس بواجب اتفاقاً (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) هنا ليس بواجبٍ اتفاقاً بين النحاة، واختلفوا فيه بعد (إمَّا) فمذهب سيبويه: أنَّه ليس بلازمٍ ولكنَّه أحسن يعني: يُسْتَحْسَن التوكيد وليس بواجبٍ.
ولكنَّه أحسن؛ ولهذا لم يقع في القرآن إلا كذلك .. إلا مؤكَّداً، لم تأت (إِنْ) الشرطية و (ما) الزائدة في القرآن إلا مؤكَّدة فدل على أنَّه هو الأحسن وهو الأفصح. وإليه ذهب الفارسي وأكثر المتأخِّرين أنَّه يُسْتَحْسَن التوكيد بعد (إمَّا) وليس بواجبٍ، وأما بعد الطَّلب فمحل وفاق أنَّه ليس بواجبٍ، وأمَّا بعد القسم فمذهب البصريين أنَّه واجبٌ.
وذهب المُبَرِّد والزجَّاج إلى لزوم النون بعد (إمَّا) يعني: يجب، ومذهب الجمهور أنَّه يستحسن، وزعم أن حذفها ضرورة، إذاً قوله:
. . . . . . . .... وَيَفْعَلْ آتِيَاً ... ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطَاً امَّا تَالِيَا
أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ... ......................................
أراد أن يبيِّن لنا فقط ما الذي يؤكَّد من الفعل المضارع، وليس مراده بيان ما الذي يجب، وما الذي يكثر، وما الذي فيه خلاف، وما الذي اتفقوا عليه، حينئذٍ نقول:
أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ..
هذا واجب التأكيد، (ذَا طَلَبٍ) هذا كثير التأكيد، (إِمَّا) هذا مُخْتَلفٌ فيه والأحسن كما قال سيبويه وعليه الجمهور: أنَّه يؤكَّد، ولذلك لم يرد في القرآن إلا مؤكَّداً، (وَقَلَّ) قلَّ التوكيد، (بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لاَ وَغَيرَ إِمَّا) في هذه المواضع الأربعة، توكيد الفعل المضارع بعد (مَا) النافية (وَلَمْ) النافية و (لاَ) النافية (وَغَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) يعني بعد (متى) الشرطية وبعد (حَيْثُمَا) وبعد (أين) كل هذه الألفاظ. بعد (غَيرَ إمَّا) إن الشرطية التي دخلت عليها (مَا) الزائدة التوكيد قليل.
стр. 2090
وقوله (وَقَلَّ) أي التوكيد بعد هذه المذكورات الأربعة (بَعْدَ مَا وَلَمْ) حينئذٍ نقول قوله (قَلَّ بَعْدَ مَا) مراده أن التوكيد بعد (مَا) المذكورة قليل بالنسبة إلى ما تقدَّم، الأحوال الثلاثة السابقة: (ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاً) بالنسبة إلى هذه الثلاث التوكيد بعد (مَا) النافية قليل أما في نفسه فهو كثير، فالقلَّة هنا نسبيَّة. قليلٌ بالنسبة إلى ما تقدَّم لا قليلٌ مطلقاً فإنَّه كثير .. كثير في نفسه، وذلك أن (مَا) لمَّا لازمت هذه المواضع أشبهت عندهم لام القسم، فعاملو الفعل بعدها معاملته بعد اللام يعني: نزَّلوا (مَا) النافية مُنَزَّلة القسم فلذلك أكَّدوه كثيراً في نفسه، أما باعتبار السابق فهو قليل.
(وَقَلَّ بَعْدَ مَا) (مَا) الزائدة التي لا تصحب (إن) أما الزائدة التي تصحب (إن) هذه كما سبق مختلفٌ هل يجب أو لا؟ وهو كثير. نحو قولهم: (بِعَيْنٍ مَا أرَيَنَّكَ هَاهُنَا) هذا مثَل، (أرَيَنَّكَ) فعل مضارع مؤكَّدٌ بالنون، ما الذي سوَّغ له ذلك؟ وقوعه بعد (مَا) الزائدة وهي منفية.
وقلَّ دخول النون في الفعل المضارع الواقع بعد (مَا)، (وَلَمْ) يعني والواقع بعد (لَمْ) وهو قليل .. أقلُّ من (مَا) بل قيل: نادر، لماذا نادر؟ قالوا: لأن مدخوله في المعنى ماضي، وإذا كان ماضياً حينئذٍ وجِدَت فيه العلَّة في منع توكيد الفعل الماضي، قلنا الفعل الماضي لا يؤكَّد مطلقاً بلا خلاف، حينئذٍ لماذا مُنِع الفعل الماضي؟ لكون النون تدلُّ على الاستقبال .. تخلِّص الفعل الاستقبال.
حينئذٍ قد يكون اللفظ كما سبق في أول الكتاب (ماضي لفظاً ومعنىً، معنىً لا لفظاً، لفظاً لا معنىً) القسمة ثلاثية، والفعل المضارع التي دخلت عليه (لَمْ) هو ماضٍ من جهة المعنى (لم يَضْرِب زيدٌ عمراً) لم يضربه في الماضي لا في المستقبل.
إذاً: الواقع بعد (لَمْ) نقول قلَّ دخول النون عليه والقلَّة هنا بمعنى (الندور) كقول الشاعر:
يَحْسَبْهُ الْجَاهِلُ مَالَمْ يَعْلَماَ ... شَيخاً عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا
(مَا لَمْ يَعْلَماَ) الألف هذه هي نون التوكيد الخفيفة انقلبت ألفاً في الوقف كما سيأتي، إذاً (يَعْلَمن) هذا الأصل. ونصَّ سيبويه على أنَّه ضرورة يعني: القلَّة ليست (ندور) فحسب أنَّه ضرورة يعني يختصُّ بالشعر فحسب ولا يجوز استعماله في النثر للعلَّة التي ذكرناها وهي: أن مدخوله ماضٍ .. مدخول (لَمْ).
ونصَّ سيبويه على أنَّه ضرورة، لأن الفعل بعد (لَمْ) ماضي المعنى كالواقع بعد (رُبَّما) كذلك، رُبَّما قالوا: يمتنع أن يؤكَّد الفعل بعدها بل قيل هو شاذ، وإن قال ابن مالك في شرح الكافية: "وهو بعد (رُبَّما) أحسن" يعني توكيد الفعل بعد (رُبَّما) مع كونه ضرورة أو نادر أو شاذ أحسن من توكيد الفعل بعد (لَمْ) لأن (لَمْ) تقلب الفعل المضارع من زمَّن الحال أو الاستقبال إلى المُضي قطعاً في كلِّ تركيب.
стр. 2091
وأما (رُبَّما) فهذه تدخل على الفعل الماضي و (قَدْ) تدخل على الفعل المضارع، إذاً قد يكون مدخول (رُبَّما) ما هو مضارع بخلاف (لَمْ) وإن كان مضارعاً لفظاً إلا أنَّه في المعنى ماضٍ ((رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [الحجر:٢] إذاً دخلت على الفعل المضارع.
توكيد الفعل بعد (رُبَّما) أحسن من توكيد الفعل بعد (لَمْ) مع كونه بعد (رُبَّما) شاذ ضعيف لا يقاس، لكن من حيث القبول وعدم مخالفة القياس التوكيد بعد (رُبَّما) أحسن، لأنَّها تدخل على الماضي وتدخل على المضارع، والمضارع إذا دخلت عليه المراد به (الاستقبال) حينئذٍ بقي له جزءٌ من المدخول.
(وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ) إذاً قوله (وَقَلَّ بَعْدَ مَا وَلَمْ) ليس على مرتبة واحدة بل القلَّة هنا بمعنى الندور بل قال سيبويه: أنَّه ضرورة. (وَبَعْدَ لاَ) النافية كقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)) [الأنفال:٢٥] (لا تُصِيبَنَّ) لا هذه نافية أو ناهية؟ قيل نافية وقيل ناهية، والصواب: أنها نافية، فهي نفيٌ لا نهيٌ، لأن الجملة صفةٌ لـ (فِتْنَةً) (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ) الجُمَل إذا وقعت بعد النكرات فهي صفات، وإذا قيل بأنَّها ناهية صارت إنشائيَّة طلبية:
وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ ..
لو كانت ناهية لصارت طلبية، وكيف تكون بعد (فِتْنَةً) وهي صفةٌ لها، فالأولى أن نقول: هي نافية حينئذٍ تكون خبرية، لأنها صفة
وَامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ ..
إذاً: الطَّلبيَّة ومنها الناهية لا تقع صفةً، وإذا وقعت حينئذٍ لا بدَّ من التأويل، إذاً عدم التأويل أولى من التأويل، بدلاً من أن نقول (وَاتَّقُوا فِتْنَةً) مقولاً فيها (لاَ تُصِيبَنَّ) هذا فيه بعد وفيه تكلُّف، بدلاً من هذا التقدير (مقولاً فيها) نقول الأصل فيها: أنها نافية ولا نحمله على النَّهي إلا بثبت، إذاً الواقع بعد (لا) النافية التوكيد فيها قليل.
قال في شرح الكافية: "وقد يؤكد بإحدى النونين المضارع المنفي بلا تشبيهاً بالنَّهي" وسبق أن النَّهي داخلٌ في الطلب (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) منه النهي، النفي مشبَّهٌ بالنهي، إذاً قال في شرح الكافية: "وقد يؤكد بإحدى النونين المضارع المنفي بلا تشبيهاً بالنهي" وهذا ما اختاره الناظم: أنه يجوز لكنَّه على قلة.
والجمهور على المنع .. جمهور النحاة على أنَّه لا يؤكَّد بعد (لاَ) النافية. أي: على منع التوكيد بالنون بعد (لاَ) النافية إلا في الضرورة ولهم في الآية تأويلات كثيرة جداً .. خلاف طويل بينهم في الآية، إذاً ثَمَّ خلافٌ في التوكيد بعد (لاَ) النافية، الجمهور على المنع وابن مالك رأى الجواز وهو قليل.
(وَغَيرَ إمَّا) هذا النوع الرابع، (وَغَيرَ إِمَّا) (غَير) هذا معطوفٌ على (لاَ)، (وَغَيرَ) مضاف و (إِمَّا) قصد لفظه، (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) هذا بيَّن به (غير) يعني ما هو؟ حال كونه (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) أي: وَقَلَّ بَعْدَ غَير (إِمَّا) الشرطية (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) معطوف على السابق.
стр. 2092
أي: وَقَلَّ بَعْدَ غَير (إِمَّا) الشرطية (مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) وذلك يشمل (إنْ) المجرَّدة عن (مَا)، قلنا الَّتي يؤكَّد الفعل بعدها (إن) بشرط زيادة (مَا) طيب! إذا جاءت (إن) مجرَّدة عن (مَا) توكيد الفعل بعدها قليل. وذلك يشمل (إن) المجرَّدة عن (مَا) وغيرها ويشمل الشرط والجزاء.
وَغَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا ..
ومقتضى كلامه: أن ذلك جائزٌ في الاختيار يعني: قليل .. كل ما عبَّر عنه بأنه قليل هنا يُحْمَل على أنه جائزٌ في الاختيار، وسبق أن (لَمْ) سيبويه يرى أنها من خصائص الشعر يعني: الضرورة.
مقتضى كلامه: أن ذلك جائزٌ في الاختيار وبه صرَّح في التسهيل .. هو نفسه فقال: "وقد تلحق جواب الشرط اختياراً " يعني نون التوكيد قد تلحق جواب الشرط اختياراً
"وذهب غيره إلى أن دخولها في غير شرط (إمَّا) وجواب الشرط مطلقاً ضرورة " إذاً نوزع في موضعين، بأنه لا يجوز اختياراً وإنما هو يكون من قسم الضرورات وهو: التوكيد بعد (لَمْ) وبعد (غَيرَ إِمَّا مِنْ طَوَالِبِ الجَزَا) فذهب بعضهم إلى أنه لا يؤكَّد بعد غير (إِمَّا) مطلقاً وإذا أُكِّدَ إنَّما يكون في الشعر على جهة الخصوص.
والواقع بعد (إِمَّا) من أدوات الشرط كقوله:
مَنْ نَثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآيِبٍ ..
(مَنْ) شرطية و (نَثْقَفَنْ) هذا فعل مضارع أُكِّد بعد (مَنْ) حينئذٍ نقول ضرورة وإن عبَّر عنه الناظم بأنه قليل، هذا من توكيد الشرط بعد (غَيرَ إِمَّا)، ومن توكيد الجزاء قوله:
وَمَهْمَا تَشَأ مِنْهُ فَزَارَةُ تَمْنَعَاً ..
وَمَهْمَا تَشَأ .. تَمْنَعَاً إذاً أكَّده بعد الجواب، إذاً نقول قول الناظم هنا
. . . . . . وَيفْعَلْ آتِيَا ... ذَا طَلَبٍ أَوْ شَرْطاً امَّا تَالِيَا
أَوْ مُثْبَتَاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ... وَقَلَّ بَعْدَ ......................
بيَّن لنا ما يجب وما يكثر وما يقل، حينئذٍ على كلام الناظم هنا أن بعض أنواع الفعل المضارع يجب توكيده وهو الذي عناه بقوله:
أَوْ مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ وإن لم ينص على أنَّه واجب، (آتِيَاً ذَا طَلَبٍ) هذا كثير، (أَو شَرْطاً إِمَّا تَالِيَاً) هذا حسن اختاره سيبويه وتبعه المتأخِّرون، وأمَّا (بَعْدَ مَا وَلَمْ وَبَعْدَ لاَ وَغَيرَ إِمَّا) هذه أربعة أنواع توكيد الفعل المضارع بعدها قليل، وقد تختلف هي فيما بينها في القلَّة فبعضه نادر وبعضه حُكِم عليه بالضرورة، وإن كان ظاهر كلام الناظم: أنه يجوز في الاختيار ليس في الضرورة، لأنَّه لو كان كذلك لوجب تقيده.
نقول هنا: توكيد الفعل المضارع له حالات، نلخِّص ما ذكره الناظم: توكيد الفعل المضارع له حالات خمسة:
أوَّلُها: أن يكون توكيده بهما واجباً، وهذا له موضع واحد، وذلك إذا كان مُثْبَتاً مُسْتَقْبَلاً جواباً لقسمٍ غير مفصولٍ من لامه بفاصل، إذاً قوله:
أَو مُثْبَتاً فِي قَسَمٍ مُسْتَقْبَلاَ ..
стр. 2093
هذا النوع الأوَّل: أن يكون توكيده بهما واجباً، وذلك إذا كان مثبتاً مستقبلاً جواباً لقسمٍ غير مفصولٍ من لامه بفاصل ((تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء:٥٧] انظر! (وتاللهٍ) هذا قسم (لَأَكِيدَنَّ) هنا محل الشاهد: وهو فعل مضارع مُؤكَّد بالنون لوقوعه في جواب القسم ودخلت عليه اللام مباشرة ولم يفصل بينهما فاصل، لو كان منفيَّاًَ لم يؤكَّد، لو كان فاصلٌ بين اللام والفعل لم يؤكَّد، لو كان دالاًّ على الحال لم يؤكَّد، إذاً كل قيدٍ من هذه القيود لها مُحترَز.
ولا يجوز توكيده بهما إن كان منفيَّاً نحو ((تَاللَّهِ تَفْتَأُ)) [يوسف:٨٥] أو كان حالاً يعني: دالَّاً على الحال .. قد يؤكَّد وهو دالٌّ على الحال، مثَّلوا له بقراءة ابن كثير ((لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة:١] (اللام) هذه لام القسم ودخلت على الفعل والمراد به: (الحال).
وقول الشاعر:
يَمِينَاً لأُبْغِضُ كُلَّ امْرِئٍ ..
(يَمِيناً) هذا قسم (لأُبْغِضُ) هذا فعل مضارع دخلت عليه اللام، إذاً لم يُؤَكِّده، لكونه دالَّاً على الحال، لأنه يخبر عن حاله هو .. هو يبغض كُلَّ امْرِئٍ ما ترك أحداً، حينئذٍ وقت الكلام وُجِد البغض في قلبه. أو كان مفصولاً من اللام نحو: ((وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)) [الضحى:٥] هذه الحالة الأولى: وجوب التأكيد.
الثانية: أن يكون قريباً من الواجب، وذلك إذا كان شرطاً لـ (إن) المؤكَّدة بـ (إِمَّا) يعني بعد (إمَّا) هذا قريب من الواجب، ولذلك الذي يدل على أنه قريب من الواجب، فلو قيل بوجوبه لَمَا امتنع أنه لم يرد في القرآن إلا كذلك نحو: ((وَإِمَّا تَخَافَنَّ)) [الأنفال:٥٨] ((إِمَّا نَذْهَبَنَّ)) [الزخرف:٤١] ((فَإِمَّا تَرَيِنَ) [مريم:٢٦] نقول هذا كله: فعل مضارع مُؤكَّد بالنون وهو قريب من الوجوب يعني: ليس بواجبٍ وإنَّما هو قريبٌ من الواجب وهو خاصٌ بـ (إن) الشرطية بعدها (مَا) المؤكِّدة، ومِن تَرْك توكيده بعد (إمَّا) قول الشاعر:
ياَ صَاحِ إِمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَةٍ ..
(إِمَّا تَجِدْنِي) ما قال (تَجِدَنِّي)، (تَجِدْنِي) على الأصل النون هذه نون الوقاية، وهو قليل وقيل يختصُّ بالضرورة، يعني: ترك توكيده بعد (إِمَّا) قليل وقيل يختصُّ بالضرورة، ولذلك قيل: قريبٌ من الواجب.
الحالة الثالثة: أن يكون كثيراً، وذلك إذا وقع بعد أداة الطَّلب، وقلنا هذا يشمل ستة، هذا كثير هذا وليس بقليل ومثَّلنا بالأمثلة السابقة لا نحتاج إلى الإعادة.
الحالة الرابعة: أن يكون قليلاً وذلك بعد (لاَ) النافية أو (مَا) الزائدة التي لم تُسْبَق بـ (إن) كقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)) [الأنفال:٢٥] وقوله:
قَلِيلاَ بِهِ مَا يَحْمَدَنَّكَ وَارِثٌ ..
هذا قليل.
الخامسة: أن يكون أقلَّ من ذلك، وذلك بعد (لَمْ) وبعد أداة جزاءٍ غير (إِمَّا):
يَحْسَبُه الجَاهِلُ مَا لمْ يَعْلَمَا ..
стр. 2094
إذاً واجب، قريبٌ من الواجب، كثير، الرابع: أن يكون قليلاً وذلك بعد (لاَ) النافية أو (مَا) الزائدة التي لم تُسْبَق بـ (إن)، الخامس: أن يكون أقلَّ من ذلك وذلك بعد (لَمْ) وبعد أداة جزاءٍ غير (إمَّا).
قال الشارح هنا: " أي تلحق نونا التوكيد فعل الأمر نحو (اضْرِبَنَّ زَيْدَاً) " ومثله الدعاء نحو: (فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَينَا) (فَأَنْزِلَنْ) هذا دعاء.
" والفعل المضارع المستقبل الدَّال على طلبٍ نحو (لتضربنَّ زيداً، ولا تضربنَّ زيداً) " مثَّل بالأمر و (لاَ) الناهية (وهل تضربنَّ زيداً) استفهام وبقي التَّمني والعرض وإلى آخره.
" والواقع شرطاً بعد (إن) المؤَكَّدة بـ (مَا) نحو (إمَّا تَضْرِبَنَّ زَيْدَاً أضْرِبْهُ) ومنه قوله تعالى: ((فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ)) [الأنفال:٥٧] الآية .. أو الواقع جواب قسمٍ مثبتاً مستقبلا (والله لتَضْرِبَنَّ زَيْدَاً) فَإِن لمْ يكن مثبتاً لم يُؤَكَّد بالنون نحو (والله لا تَفْعَلُ كَذَا) وكَذَا إن كان حالاً نحو (والله لَيَقُومُ زَيْدٌ الآن)، وقلَّ دخول النون في الفعل المضارع الواقع بعد (مَا) الزائدة التي لا تصحب (إن) وشمل (مَا) الواقعة بعد (رُبَّ) وصرَّح في الكافية بأن التوكيد بعدها شاذ" يعني بعد (رُبَّما).
وقلَّ دخول النون في الفعل المضارع الواقع بعد (مَا) الزائدة التي لا تصحب (إن) نحو (بِعَيْنٍ مَا أرَيَنَّكَ هَاهُنَا) والواقعة بعد (لَمْ) كقول الشاعر:
يَحْسَبْهُ الْجَاهِلُ مَالَمْ يَعْلَمًا .. يعلمن
والواقع بعد (لاَ) النافية في قوله تعالى: ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ)) [الأنفال:٢٥] والواقع بعد (غَيرَ إِمَّا) من أدوات الشرط:
مَنْ نَثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآيِبٍ ..
كذلك بعد الشرط.
ثُمَّ قال بعدما بيَّن لنا متى تتصل النون بالفعل مطلقاً قال:
وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ كَابْرُزَاً .. كابرزاً
(افْتَحْ آخِرَ المُؤكَّد) إذاً: إذا اتَّصلت نون التوكيد بالفعل .. فعل الأمر وجب فتح آخره، فيكون حينئذٍ مبنياً على الفتح (اضْرِبَنَّ يا زَيْدُ) (اضْرِبَنَّ) فعل أمر مبني على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الثقيلة، (اضْرِبَنْ يا زَيْدُ) فعل أمر مبني على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الخفيفة، (ليَقُومَنَّ زَيْدٌ) فعل مضارع مبنيٌّ على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الثقيلة .. وهلمَّ جَرَّا، وهذا سبق بحثه والخلاف فيه وذكر المذاهب في أول الكتاب.
وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا
فيُشترط حينئذٍ في النون أن تكون مباشرة، فإن لم تكن مباشرة بأن كان ثَمَّ فاصلٌ ملفوظاً به نحو: ((وَلا تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:٨٩] أو مُقَدَّراً نحو: ((لَتُبْلَوُنَّ)) [آل عمران:١٨٦] ((فَإِمَّا تَرَيِنَ)) [مريم:٢٦] حينئذٍ يكون الفاصل مُقَدَّراً، فالفعل في هذه الأحوال الثلاثة يكون مُعْرَباً لا مبنياً، (تَتَّبِعَانِّ) الألف هذه فاصل، وكذلك (تَرَيِنَّ) نقول الياء فاصل، (لَتُبْلَوُنَّ) الواو فاصل، لأنَّه فاعل، حينئذٍ تأكيد الفعل في هذه الأحوال الثلاثة لا يقتضي بناءه، وهذا كما سبق بيانه.
стр. 2095
(وَآخِرَ) هذا مفعولٌ مُقَدَّم وهو مضاف و (المُؤكَّدِ) مضافٌ إليه، (افْتَحْ) لتركُّبه معها تَرَكُّب خمسة عشر، ولا فرق بين أن يكون صحيحاً (كَابْرُزَاً) أو مُعتلاً نحو: اخْشَيَنْ، وارْمِيَنْ، واغْزُوَنْ .. أمْراً، أو مضارعاً نحو: هل تَبْرُزَنَّ، وهل تَرْمِينَّ؟ ولذلك قال الناظم (كَابْرُزَا) بقلب النون هنا .. نون التوكيد الخفيفة ألفاً.
إذاً: (آخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) مُطلقاً سواءٌ كان فعل أمر، أو فعل مضارع بالشروط السابقة، (كَابْرُزَا) أي: كَابْرُزَنْ .. كقولك (ابْرُزَا) فعل أمر مبني على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الخفيفة المُنْقلبة ألفاً، هذه لغة جميع العرب سوى فَزَارَة فإنها تَحذف آخر الفعل إذا كان ياءً تلي كسرة نحو: تَرْمِينَّ .. تَرْمِنَّ، بِحذف الياء بشرط أن يكون آخره ياء قبلها كسرة فتقول: هل تَرْمِنَّ يا زَيْدُ؟ وهذا الحكم إذا كان الفعل مُسنداً لغير الألف والواو والياء، يعني: قوله (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) إذا كان الفعل غير مسندٍ لألفٍ أو واوٍ أو ياء، وأما إذا أُكِّدَ ما هو مسندٌ إلى الألف أو الواو أو الياء فهذا أشار إليه بقوله: (وَاشْكُلْهُ) يعني: حرِّكُه.
قال رحمه الله تعالى:
وَاشْكُلْهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَيْنٍ بِمَا ... جَانَسَ مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا
والْمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ إِلاَّ الأَلِفْ ... وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِرِ الْفِعْلِ أَلِفْ
فَاجْعَلْهُ مِنْهُ رَافِعَاً غَيْرَ الْيَا ... وَالْوَاوِ يَاءً كَاسْعَيَنَّ سَعْيَا
وَاحْذِفْهُ مِنْ رَافِعِ هَاتَيْنِ وَفِي ... وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي
نَحْوُ اخْشَيِنْ يَا هِنْدُ بِالْكَسْرِ وَيَا ... قَوْمُ اخْشَوُنْ وَاضْمُمْ وَقِسْ مُسَوِّيَا
(وَاشْكُلهُ) قلنا يعبِّر ابن مالك بالشكل عن الحركة (وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ) يعني بحركة، (وَاشْكُلهُ) الضمير يعود على آخر الفعل (قَبْلَ مُضْمَرٍ).
. . قَبْلَ مُضْمَرٍ لَيْنٍ بِمَا ... جَانَسَ مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا
(وَاشْكُلْ) هذا فعل أمر مبنيٌّ على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت (والهاء) هناء ضمير متَّصل مبني على الضَّم في محل نصب مفعول به (اشْكُلهُ) ويعود الضمير هنا على آخر الفعل، لأنَّه قال (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) لأنَّه هو محل البناء وهو محل الإعراب، (وَاشْكُلهُ) متى؟ (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ) قبل ضمير، وإنمَّا يكون ذلك إذا كان واواً أو ألفاً أو ياءً.
(لَينٍ) هذا نعت لـ (مُضْمَرٍ)، (بِمَا جَانَسَ) يعني بالذي جانس .. اشْكُلهُ بالذي جَانَسَ، إذاً: (بِمَا) متعلِّق بقوله (اشْكُلهُ) وهي موصول واقع الحركات المجانسة (بِمَا جَانَسَ) (جَانَسَ) هذا فعل ماضي والفاعل هو يعود على (مَا) وهو العائد، والمفعول محذوف .. بمَا جَاَنَسه يعني جانس ذلك المضمر يعني: من جنسه، إن كان واواً فمن جنسه الحركة تكون ضمَّةْ، وإذا كان ألفاً واضح أنَّ من جنسه تكون الفتحة، وإذا كان ياءً كان من جنسه الكسرة.
стр. 2096
(مِنْ تَحَرُّكٍ) هذا بيانٌ لـ (مَا) فدلَّ على أن (مَا) هنا واقعة على الحركات المجانسة، إذاً (مِنْ تَحَرُّكٍ) هذا جار مجرور بيانٌ لـ (مَا) فدل على أن الاسم الموصول هنا (مَا) واقعة على الحركات المجانسة، إذاً: اشكله بحركات مجانسة من جنس حرف اللَّين، إن كان واواً فالحركة المجانسة ضمَّة، وإن كان ياءً فالحركة المجانسة هي الياء، (قَدْ عُلِمَا) الألف للإطلاق و (قَدْ) للتحقيق والجملة صفة لـ تَحَرُّكٍ.
وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا ... جَانَسَ. . . . . . .
إذا اتَّصل بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة وكان الفعل اتَّصل به ضميرٌ ألفٌ أو واوٌ أو ياءٌ (اشْكُلهُ) بحركة من جنس الواو أو الياء، والواو والياء تُحْذَف والألف سيأتي بحثها، يعني: أن الفعل المؤَكَّد بإحدى النونين إذا كان فاعله ضميراً ليناً فإنَّك تجعل في آخر الفعل شكلاً مجانساً لذلك الضمير، فإذا كان الفعل مسنداً إلى واو الجماعة حينئذٍ تحذف الواو وتأتي بحركة من جنس الواو وهي الضَّمَة تجعله على آخر الفعل (اضْرِبُنَّ يا زَيْدُونْ) ماذا صنعت؟ (اشْكُلهُ) يعني أخِّر الفعل الذي لابس النون، اشكله من جنس الواو تقول: (تَضْرِبُنَّ يا زَيْدُونْ .. اضْرِبِنَّ يا هِنْدُ) شكلته بالكسرة .. ياءٌ ومن جنسها الكسرة فقلت (اضْرِبِنَّ يا هِنْدُ).
شكلاً مُجانساً لذلك الضمير، وشمل قوله (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ) (لَينٍ) هذا نعت لمضمر، شمل قوله (لَينٍ) ألف التَّثنية وواو الجماعة وياء المخاطبة، فتقول (هَلْ تَقُومَانِّ يا زَيْدَاَن؟) هذا واضح أنَّ الألف تبقى (تَقُومَانِّ .. تَتَّبِعَانِّ) بقيت الألف وحينئذٍ يكون من جنسها ما قبلها، و (هل تَقُومُنَّ يا زَيْدُونْ؟) أصلها: (تَقُومون) حُذِفت الواو كما سيأتي حينئذٍ تُحرِّك الحرف الأخير بضَمَّة من جنس الواو، وهذا يسهِّل عليك المهمَّة بدل أن تعرف التفاصيل (تقومون) ثم توالي الأمثال ثُمَّ التقى ساكناً .. لا مباشرة: كل فعلٍ أُسنِد إلى واو الجماعة احذف الواو ثم حرِّك الحرف الأخير بالضَمَّة وتنتهي (هل تقومون: تَقُومُنَّ .. هل تَضْرِبِنَّ يا هِنْدُ) حرَّكته بالكسرة، لا يحتاج أن تعرف التَّفصيلات الَّتي ستأتي معنا إن شاء الله.
وشمل قوله (لَينٍ) ألف التَّثنية أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة (هل تَقُومَانِّ يا زَيْدَاَنْ .. هل تَقُومُنَّ يا زَيْدُونْ .. هل تَقُومِنَّ يا هند)، وشمل أيضاً الصحيح كالأمثلة السابقة، والمعتلَّ الآخر نحو (هل تَغْزُوانِّ يا زَيْدَانْ .. هل تَغْزُنَّ يا زَيْدونْ وهل تَغْزِنَّ يا هِنْدُ) حكم عام يشمل المعتل ويشمل الصحيح، إذاً إذا كان الفعل المؤكَّد بالنون الثقيلة أو الخفيفة مسنداً إلى واو الجماعة أو ياء المؤَنَّثَة المخاطبة تحذف الواو وتحذف الياء وتأتي بحركة من جنس الواو أو الياء تحرِّك بها آخر المُؤَكَّد، وهذا استثناءٌ من القاعدة العامة.
стр. 2097
(وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) هذه قاعدة عامة، ثم استثنى منه هذه الحالة قال (وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ) (اشْكُلهُ) يعني حرِّكه (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا جَانَسَ) يعني من جنس ذلك المضمر، فالواو قبلها ضمة والياء قبلها كسرة (مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا).
(وَاشْكُلهُ) أي حرِّك آخر المُؤَكَّد حالة كون هذا الآخر (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ) (لَينٍ) بفتح اللام مخفَّف (ليِّنْ) قيل هذا هو المسموع والظاهر وإن جاز كسرها على أنَّه من النعت بالمصدر يعني يجوز فيه (لَين ولِين) لكن (لِين) هذا مصدر و (لَين) هذا مخفَّف (ليِّنْ) فيجوز فيها الوجهان.
(وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) .. (اشْكُلهُ) بحركة من جنس الياء ثم المُضْمَر احْذِفهُ (وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) (المُضْمَر) المراد به المعهود السابق (أل) هنا للعهد، أي المُضْمَر المُتَقَدِّم وهو (اللَّين)، قوله (قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ) احذفه إذا كان واواً أو ياءً، وتُحرِّك آخر الفعل بالضَمَّة إن كان واواً وبالكسرة إن كان ياءً (إِلاَّ الأَلِفْ) هذا استثناء، فتبقى الألف لا تحذف، لأنَّك لو حذفت الألف لالتبس بالمسند إلى الواحد.
لو قيل: (لا تَتَّبِعَانِّ) احذف الألف (لا تَتَّبِعَنِّ) مثل ((لَيُنْبَذَنَّ)) [الهمزة:٤] حينئذٍ صار ظاهره أنه مُحَرَّك بالفتحة، وإنما يكون كذلك إذا كان مسنداً إلى الواحد، وأمَّا إلى المثنَّى حينئذٍ لا يُعْلَم أنَّ هذه الحركة حركة مناسبة الألف، لأن الواو يناسِبُها الضمَّة والياء يناسبها الكسرة والألف يناسبها الفتحة، فلو حذفناه وأبقينا الفتحة يلتبس بفتح البناء، حينئذٍ لا ندري هل هذه الفتحة فتحة بناء أو بِنْيَة؟ هذا يلتبس (لا تَتَّبِعَنِّ) هذا يلتبس، هل هو مسند إلى الواحد أم لا؟ فتبقى الألف لا تحذف.
إذاً (وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) المضمر المسند إليه الفعل، (وَالمُضْمَرَ) (أل) للعهد، أي المضمر المُتَقَدِّم الذي حرَّكنا ما قبله من جنس ذلك الحرف، (المُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) ما إعراب (المُضْمَرَ) هنا؟ منصوب على الاشتغال، (احْذِف المُضْمَرَ) أي السابق يعني اشْكلهُ بحركة مجانسة ثم احذفه وليس مطلقاًَ، استثني الألف، لأنَّك لو حذفت الألف لوقعت في لبسٍ وحرج.
(وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ) يعني المضمر المسند إليه الفعل لأجل التقاء الساكنين مبقِّياً حركته دالةً عليه كما سيأتي، (إِلاَّ الأَلِفْ) أبْقِهَا لِخِفَّتها ودفعاً للوقوع في اللبس والحرج، ثم قال:
وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ أَلِفْ فَاجْعَلهُ مِنْهُ: يَاءً ..
(وَإنْ يَكُنْ ألِفٌ فِي آخِر الفِعْلِ) يعني إذا كان الفعل مختوماً بـ (ألِفْ) مثل (يَخْشَى) هذا فعل مضارع معتلَّ الآخِر وهو مختومٌ بالألف (وَإِنْ يَكُنْ أَلِفٌ) هذا اسم (يَكُنْ)، (فِي آخِر الفِعْلِ) متعلِّق بمحذوف خبر (يَكُنْ) ويحتمل أن (يَكُنْ) هنا تامَّة، وإن يُوجد ألفٌ في آخر الفعل، حينئذٍ له حكمان، ثُمَّ إن الفعل إن كان آخره ألفاً فإن له حكماً غير ما تَقَدَّم وله حالتان:
الأولى: أن يكون مرفوعه غير الواو والياء.
الثاني: أن يكون مرفوعه الياء والواو.
стр. 2098
إذاً إذا كان مختوماً بالألف إمَّا أن يرفع واواً أو ياءً يعني: يكون الفاعل إمَّا ضميراً متَّصلاً وهو الواو أو الياء أو غيرهما، إن كان غير الواو والياء قال (اجعله منه ياءً) يعني اقلب الألف ياءً.
وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ أَلِفٌ ..
إذا كان آخر الفعل المضارع ألف أو الأمر وحُذِفت ترجع، حينئذٍ ماذا نصنع؟ نقول: الفعل حينئذٍ إمَّا أن يكون رافعاً للواو والياء يعني: فاعله واو أو ياء، وإما ألَّا يكون كذلك قال (فَاجْعَلهُ مِنْهُ) (فَاجْعَلهُ) يعني الألف (مِنْهُ) يعني من الفعل السابق المختوم بالألف رَافِعاً غَيرَ اليَا * * * وَالوَاوِ .. هذه جملة معترضة (رَافِعاً) يعني حال كون الفعل رافعاً غير الياء والواو، فإن كان رافعاً للواو والياء فله حكم آخر، والحكم هنا فيما إذا كان رافعاً غير الواو والياء قال (فَاجْعَلهُ مِنْهُ ياءً) يعني اقلب الألف ياءً فتقول في (سعى) (اسْعَيَنَّ) رجعت الألف ثم قلبتها ياءً.
(فَاجْعَلهُ مِنْهُ) (اجْعَلْ) هذا فعل أمر، والفاعل مستتر أنت والضمير هنا (الهاء) في محل نصب مفعول أول و (يَاءً) هو مفعوله الثاني (فَاجْعَلهُ ياءً)، (مِنْهُ) هذا جار مجرور متعلِّق بمحذوف حال من الضمير في (اجْعَلهُ) يعني حال من المفعول الأول، (فَاجْعَلهُ مِنْهُ) أي من الفعل (رَافِعاً) أي حال كون الفعل رَافِعاً غَيرَ الواو والياء، حينئذٍ إذا لم يكن رافعاً للواو والياء يشمل ثلاثة أحوال:
إمَّا أن يكون رافعاً لألف التَّثنية، أو الظاهر مطلقاً، أو الضمير المستتر ثلاثة أحوال، إذاً شمل غير الواو والياء ألف التَّثنية نحو (هل تَخْشَيانِّ .. هل تَخْشَيانِ) (تخشى) آخره ألف، ماذا صنعت؟ قلبت الألف ياءً، هنا أُسنِد الفعل إلى ألف الاثنين، لأنه استثنى ما كان رافعاً للياء والواو، إذا كان رافعاً للألف حينئذٍ تبقى الألف كما سبق.
وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ إِلاَّ الأَلِفْ ..
فتبقى الألف ثُمَّ ماذا تصنع؟ تقلب ألف الفعل ياءً (تخْشَى .. تَخْشَيا) انقلبت الألف ياءً وفُتِحت لأجل الألف فقيل (تَخْشَيانِّ) قُلِبت الألف ياءً، لأن الفعل هنا مختومٌ بألفٍ ولم يرفع الواو ولا الياء وإنما رفع ألف التَّثنية، أو الظاهر مطلقاً نحو (يَخْشَيَنَّ زَيْدٌ .. يَخْشَى) مختومٌ بالألف، أَكِّد (يخشى) نقول هنا أُسنِد إلى اسمٍ ظاهر غير الواو والياء.
إذاً ماذا تصنع؟ تأتي بنون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة وتقلب الألف ياء فتقول (يَخْشَيَنَّ)، نحو: هل يَخْشَيَنَّ زَيْدٌ؟ تقلب الألف ياءً وتفتحها، وهل تخْشَيَنَّ هِنْدٌ عمرو؟ (هل تخْشَيَنَّ) أُكِّد وأسنِد إلى الظاهر، وهل تخْشَيَنَّ الهِندان، وهل يَخْشَيَنَّ الزَّيِدون؟ كل هذا أسنِد إلى الاسم الظاهر مع اختلافه من جهة كونه مفرداً مذكَّراً أو مؤنَّثاً أو مثنىً أو جمعاً، فالفعل في الجميع يُؤَكَّد بالنون مع قلب الألف ياء لكونه مختوماً بالألف ولم يرفع واواً أو ياءً، أو رفع الضمير المستتر نحو: هِنْدٌ هل تخْشَيَنَّ؟ الفاعل ضمير مستتر والألف هنا الَّتي في الفعل قُلِبت ياءً، فتقلب الألف في جميع ذلك ياءً.
стр. 2099
إذاً القاعدة: أن الفعل المُؤَكَّد إذا كان مختوماً بالألف يعني حرف علَّة وهو ألف ولم يكن الفاعل الواو أو الياء حينئذٍ وجب قلب الألف ياءً في جميع الأحوال، سواءٌ رفع اسماً ظاهراً أو رفع ضميراً مستتراً أو ألف الاثنين ليس له من الضمير ما يرفعه إلا ألف الاثنين وأما الواو والياء فإذا رفعهما حينئذٍ له حكمٌ آخر.
وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ ألِفْ ..
(إِنْ يَكُنْ) إن يوجد (أَلِفٌ) في آخر الفعل (فَاجْعَلهُ) الفاء واقعة في جواب الشرط، (اجْعَلهُ) يعني اجعل هذا الألف (فِي آخِر الفِعْلِ)، (مِنْهُ) من الفعل (يَاءً كَاسْعَيَنَّ)، (رَافِعاً غَيرَ اليَا وَالوَاوِ) ما هو غير الواو والياء؟ هو الأمور الثلاثة الَّتي ذكرناها، حينئذٍ إذا أردت التفصيل تقول: الفعل المختوم بالألف إمَّا أن يرفع واواً، وإمَّا أن يرفع ياءً، وإمَّا أن يرفع ألف الاثنين، وإمَّا أن يرفع اسماً ظاهراً، وإمَّا أن يرفع ضميراً مستتراً، كم حال؟ خمسة لا سادس لها: إمَّا ألفاً، وإمَّا واواً، وإمَّا ياءً هذه أحوال ثلاثة .. ضمير، وإماَّ اسم ظاهر، وإمَّا مستتر، إن رفع واواً أو ياءً له حكم خاص سيأتي، إن رفع ضميراً مستتراً أو ألفاً أو اسماً ظاهراً حينئذٍ وجب قلب الألف ياءً (يَخْشَيَنَّ).
وَاحْذِفْهُ مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ ..
(احْذِفْهُ) يعني احذف الألف، إذاً إذا رفع الواو أو الياء تحذف الألف؛ لأن الألف ساكنة والواو الضمير ساكنة والياء الضمير ساكنة إذاً التقى ساكنان والألف لا تقبل الحركة، حينئذٍ ليس لنا إلا أن نحذف الألف، (وَاحْذِفْهُ) أي الألف هذا إشارة للحالة الثانية الَّتي هي مفهوم قوله (رَافِعاً غَيرَ اليَا وَالوَاوِ).
(وَاحْذِفْهُ) أي الألف (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) يعني من فعلٍ مختومٍ بألفٍ (رَافِعِ هَاتَينِ) وهما الواو والياء، (هَاتَينِ) هذا اسم إشارة يعود على الياء والواو الذي هو المضاف إليه أضيف، (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) الواو والياء وتبقى الفتحة قبلهما دليلاً عليه، لأن القاعدة أنه لا يجوز الحذف إلا بشرطين: أن يكون حرف علَّة وأن يبقى دليلٌ عليه من جنسه، وهنا الألِفْ حرف علَّة، حينئذٍ ما قبل الألِفْ وهو الفتحة وجب إبقاؤه كحاله دليلاً على الألف المحذوفة.
(وَاحْذِفْهُ) أي الألف (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) يعني من فعلٍ رافعٍ لهاتين اللَّذَين هما الواو والياء.
وَفِي * * * وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي ..
стр. 2100
إذا قيل مثلاً: (اخْشَيِن) أصله (اخْشَي) نقول هذا فعل أمر مثل (اضْرِبِي) اتَّصل به الياء، أين الألف (اخشي)؟ حُذِفَت للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لو أردت تأكيده بالنون الثقيلة حينئذٍ يجتمع معك ساكنان (الياء والنون الأولى المدغمة في المحرَّكة) حينئذٍ التقى ساكنان هل يجوز حذف الأوَّل؟ يجوز لكن في هذا التركيب لا، لأنه لا يجوز الحذف إلا إذا دَلَّ عليه دليل، وهنا لو حذفنا الياء الفتحة السابقة على الياء دليلٌ على الألف المحذوفة، حينئذٍ لو حذفناه دون دليل وقعنا في المحضور وهو كوننا حذفنا بدون وجود الشرط، لو حرَّكنا الفتحة كسرة لتدلَّ على الياء ذهب دليل الألف، ماذا نصنع؟ نحرِّك الياء من جنسها، وما هو جنسها؟ الكسرة ولذلك تقول (اخْشَيِنْ يا هند) بتحريك الياء، لماذا؟ لأنَّه لا يمكن التَّخلُّص من التقاء الساكنين إلا بتحرُّك الأوَّل وهو الياء.
ومثله الفعل تقول (اخْشَو) أصلها: (اخْشَاوْ) واو الجماعة ساكن والألف ساكن حذفناها إذاً الواو ما قبلها مفتوح والفتحة هنا من أجل الدَّلالة على الألف المحذوفة (اخْشَوْنْ) اجتمع عندك ساكنان الواو والنُّون الأولى، لا يمكن حذف الواو في هذا التركيب، في بعض المواضع تحذف لكن في هذا التركيب لا يجوز حذفها، لأنَّه لا بدَّ من توفُّر شرطين: تكون حرف علَّة وهو كذلك، وأن يكون ما قبلها دليلٌ عند حذفها، لا بُدْ أن يكون ضمَّة موجودة، وهنا ليس عندنا ضمَّة، ولا يمكن تحريك الفتحة هذه، لأنَّها تدل على الألف المحذوفة، إذاً للتَّخلُّص من التقاء الساكنين نحرِّك الواو من جنسها وهو الضَمَّة، متى هذا؟ إذا رفع الفعل المختوم بالألف واواً أو ياءً، نحذف الألف ونبقي حركة الألف ونحرِّك الواو والياء من جنسهما، ولذلك قال:
وَفِي * * * وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي ..
يعني (شَكْلٌ) الذي هو تحريكٌ (مُجَانِسٌ) للواو وهو الضَمَّة وللياء وهو الكسرة (قُفِي) يعني تُبِع.
(وَاحْذِفْهُ) أي الألف (مِنْ رَافِعِ هَاتَينِ) وهما الواو والياء، ثُمَّ ماذا نصنع؟ عندنا ساكنان الواو والنون الأولى أو النون الخفيفة قال (وَفِي وَاوٍ) هذا متعلِّق بقوله (قُفِي) وتُبِع في (وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ)، (شَكْلٌ) مبتدأ و (قُفِي) يعني تُبِع هذا خبر و (مُجَانِسٌ) هذا نعت (وَفِي وَاوٍ وَيَا) متعلِّقان بقوله (قُفِي) يعني: (شَكْلٌ مُجَانِسٌ) للحرف (قُفِي) يعني تُبِع.
يعني: أن الواو بعد حذف الألف تُضَم والياء تُكْسَر هذا مراده، وإنَّما احْتِج إلى تحريكهما ولم يحذفا مع كونه قد يجوز في بعض المواضع، لأنَّ قبلهما حركة غير مجانسة وهي حركة الألف .. أي: فتحة الألف المحذوفة فلو حُذِفا لم يبق ما يدلُّ عليهما، لو حذفنا الواو دون أن نغيِّر ما قبلها من جنسها ما بقي دليل عندنا ولا يمكن تحريكها بالفتحة، وكذلك لو حذفنا الياء لم يبق دليل يدل عليها فلا يجوز حذف الياء وإنما تُحرَّك من جنسها .. من جنس الياء. يعني: أن الألف الذي في آخر الفعل احذفه إذا رفع الفعل الياء والواو، واجعل الضمير الذي هو الواو أو الياء محرَّكاً بحركةٍ تجانسه فتحرِّك الواو بمجانسها وهو الضَمَّة وتحرِّك الياء بمجانسها وهو الكسر.
стр. 2101
(نَحْوُ اخْشَينْ يَا هِنْدُ بِالكَسْرِ) بكسر الياء للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لأنَّ الياء ساكنة فاعل، والنون الخفيفة هذه ساكنة، التقى ساكنان لا يمكن حذف الأول لعدم وجود الدليل وإنَّما حرِّكه بحركة مجانسة للياء وهي الكسرة.
وَيَا * * * قَومُ اخْشَوُن ..
اخْشَوُن بتحريك الواو بالضَمَّة، لأنَّ نون التوكيد ساكنة والواو ساكنة فالتقى ساكنان فالأصل: حذف الأوَّل لكن لا يمكن لعدم وجود دليل حينئذٍ وجب تحريك الواو بحركة مجانسة لها وهي الضَمَّة. (وَقِسْ) على ذلك (مُسَوِّيَاً) يعني بهما في الحكم.
هنا قال ابن عقيل: "الفعل المؤَكَّد بالنون إن اتَّصل به ألف اثنين أو واو جمعٍ أو ياء مخاطبة حُرِّكَ ما قبل الألف بالفتح" هو محرَّك لا يحتاج إلى تحريك، لأن الألف لا تكون ألف إلا إذا كان ما قبلها مفتوحاً.
"وما قبل الواو بالضمِّ وما قبل الياء بالكسر" يعني يُحَرَّك بالضَم ما قبل الواو، وما قبل الياء بالكسر، ثم تحذف، يعني: تحرِّك .. الكلام كلُّه مستقيم بقوله:
وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا ... جَانَسَ مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا
وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ. . . . ... . . . . . . . . . .
يعني حرِّك واحذف، حرِّك آخر الفعل الذي هو المستثنى من قوله (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ) حرِّكه بالضمَّة مع حذف الواو، وحرِّكْه بالكسرة مع حذف الياء، إذاً التحريك والحذف مقترنان.
ويحذف الضمير إن كان واواً أو ياءً ويبقى إن كان ألفاً فتقول: (يا زَيْدَاَنِ هَلْ تَضْرِبَانِّ) هنا التقى ساكنان على حدِّه، ويا زَيْدُون هَلْ تَضْرِبُنَّ، انظر! حرَّك الباء بالضَمَّة، مع حذف الواو: هَلْ تَضْرِبُنَّ، ويا هِنْدُ هَلْ تَضْرِبِنَّ، بتحريك الباء بالكسرة، والأصل: هل تَضْرِبَانّ (تَضْرِبَان) هذا فعلٌ مضارع أُسنِد إلى ألف الاثنين، وحينئذٍ يُعْرَب بثبوت النون، إذاً: (تَضْرِبَان).
النون هذه مفتوحة أو مكسورة؟ مكسورة بعد ألف الاثنين، إذا أُكِّد حينئذٍ اجتمع عندنا ثلاث نونات: نون الرفع، ونونا التوكيد الثقيلة، كراهة توالي الأمثال حُذِفت نون الرفع فقيل: هَلْ تَضْرِبَانِّ، ثُمَّ كُسِرت النون الثقيلة .. نون التوكيد وهي مفتوحة في الأصل (اضْرِبَنَّ) بالفتحة، ونحن نقول: (وَلا تَتَّبِعَانِّ) بالكسر، قالوا: حُرِّكَت بالكسر تشبيهاً لها بنون المثنَّى، وإلا الأصل: هي مُحرَّكة بالفتح ((لَيُسْجَنَنَّ)) [يوسف:٣٢] بالفتح، لماذا حُرِّكَت بالكسر هنا بعد الألف؟ قيل: تشبيهاً لها بنون المثنَّى.
إذاً: يا زيدان هل تضْرِبَانِّ، أصلها (هل تَضْرِبانِّني) بثلاث نونات، وهل تَضْرِبُونَّنْ، بثلاث نونات، وهل تَضْرِبَينَّنْ، بثلاث نونات، فحُذِفت النون الَّتي هي نون الرفع لتوالي الأمثال، حينئذٍ إذا أعربته تقول (تَضْرِبَانِّ) مرفوعٌ ورفعه النون المحذوفة لكراهة توالي الأمثال.
стр. 2102
فحُذِفت النون لتوالي الأمثال ثم حُذِفت الواو والياء لالتقاء الساكنين الَّذي هو النون الأولى والواو نفسها فصار (هل تَضْرِبُنَّ وهل تَضْرِبِنَّ) ولم تُحذف الألف لخفَّتها ولئلا يلتبس بفعل الواحد -وهذا أهمُّ- فصار (هل تَضْرِبَانِّ) وبقيت الضمَّة دالَّةً على الواو والكسرة دالَّة على الياء، هذا كلُّه إذا كان الفعل صحيحاً. فإن كان معتلَّاً نظرت! فإمَّا أن يكون آخره ألفاً أو واواً أو ياءً، فإن كان آخره واواً أو ياءً حُذِفت لأجل واو الضمير أو يائه وضُمَّ ما بقي قبل واو الضمير وكُسِر ما بقي قبل ياء الضمير فتقول (يا زَيْدُونْ هل تَغْزُوُونَّ) هل تَغْزُونَّ أو تَغْزُوُونَّ؟ هنا فعل مضارع معتلَّ الآخر بالواو، حينئذٍ أسند إليه أو اتَّصل به نون التوكيد الثقيلة، تُحذَف الواو أو الياء لأجل الضمير ويبقى ما قبلها دليلٌّ عليها أصلها (تَغْزُوُونَّ) بواوين (تَغْزُو) هذه واو الفعل ثُمَّ جيء بالواو الَّتي هي الضمير، حُذِفت الواو الأولى الَّتي هي لام الكلمة وما قبلها دليلٌ عليها، ثُمَّ جيء بواو الضمير ونون التوكيد فالتقى ساكنان الواو وما بعدها الَّتي هي النون الأولى حينئذٍ تحرَّك الواو من جنسها (تَغْزُوُنَّ).
و (يا هِنْدُ هل تَغْزِينَ وهل تَرْمِينَ) فإذا ألحقته نون التوكيد فعلت به ما فعلت بالصحيح يعني: حصل فيه إعلال قبل التوكيد وأمَّا بعد التوكيد فحكمه حكم السابق من أنَّه يحرَّك الآخر إن كان واواً بالضمَّة وإن كان ياءً بالكسرة. فتحذف نون الرفع وواو الضمير أو ياءه فتقول (يا زَيْدُونَ هَلْ تَغْزُنَّ) هل حصل إعلال هو يقول كالصحيح؟ هنا التبس على بعض النحاة يقول: لا ليس كالصحيح، نقول: لا هو كالصحيح، لأنَّ الإعلال السابق الذي حصل بالتقاء الساكن ونحوه والحذف إلى آخره هذا قبل التوكيد وأمَّا قبل التوكيد فالفعل جائز (تَغْزُنَّ) مثل (هل تَضْرِبُنَّ .. هل تَقُومُنَّ) فالحكم واحد (هل تَضْرِبُنَّ) ضمَمت الباء وحذفت الواو، (هَلْ تَغْزُنَّ) حذفت الواو وضممت ما قبلها (تَغْزو) حذفت الواو حرف العلَّة وجاء نون التوكيد وما قبله الأخير قلنا حرِّكه بالباء إن كان الواو هو الضمير، وحرِّكْه بالكسر إن كان الياء هو الضمير.
إذاً: "فعلت به ما فعلت بالصحيح" هذا كلامه مستقيم هنا يعني: مثله مثل الحكم السابق، ولذلك قلنا هنا:
وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ لَينٍ بِمَا ... جَانَسَ .....................
هذا عامٌّ في الصحيح وفي المعتل، أمَّا المعتل فيجري عليه إعلالٌ قبل التوكيد، فتقول (يا زَيْدُونَ هَلْ تَغْزُنَّ وهل تَرْمُنَّ؟) بضَمِّ ما قبل النون و (يا هِنْدُ هل تَغْزِنَّ وهل تَرْمِنَّ؟) بكسر ما قبل النون هذا إن أُسند إلى الواو والياء فتحذف مع النون الرفع الواو والياء.
стр. 2103
وإن أسند إلى الألف لم يحذف آخره وبقيت الألف وشُكِل ما قبلها بحركة تُجانس الألف وهي الفتحة فتقول: هل تَغْزُوانِّ .. هل تَرْمِياَنِّ، هذا واضح. وإن كان آخر الفعل ألفاً فإن رفع الفعل غير الواو والياء كالألف .. ألف التَّثنية والضمير المستتر وبقي عليه الاسم الظاهر، انقلبت الألف التي في آخر الفعل ياء وفُتِحت: اسْعَيَانِّ .. هل تَسْعَيَانِّ، واسْعَيَنَّ يا زَيْدٌ).
وإن رفع واواً أو ياءً حُذِفَت الألف (هل يَخْشَوُنَّ؟) أصله (يخشى) فلما لحقت الواو ساكنةً حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فلما لحقت النون حُرِّكت الواو لالتقاء الساكنين وكانت الحركة ضمَّة لمجانستها مع الواو، وبقيت الفتحة التي كانت قبلها وضُمَّت الواو وكسرت الياء فتقول (يا زَيْدُونَ اخْشَوُنَّ ويا هِنْدُ اخْشَيِنَّ) هذا إن لحقته نون التوكيد وإن لم تلحقه لم تُضَمَّ الواو ولم تكسر الياء بل تسكِّنهما فتقول (يا زَيْدُونْ هل تَخْشَوْنَ) حينئذٍ يكون الفعل مبني على ماذا؟ النون هذه ليست نون التوكيد هذه نون الرفع هو يقول: إذا لم تُؤَكِّد حينئذٍ تكون (تَخْشَوْنَ) مثل (تَفْعَلُوْنْ) ويا هِنْدُ هل تَخْشَيِنَ، ويا زَيْدُونْ اخْشَوا، ويا هند اخْشَىْ.
إذاً خلاصة ما ذكره هنا بقوله: (وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ) يعني هذا استثناءٌ من القاعدة العامة بقوله: (وَآخِرَ المُؤَكَّدِ افْتَحْ) إذاً قد لا يفتح بل يُضَمُّ أو يُكْسَر في أحواله، (وَاشْكُلهُ) الضمير عائد على آخر الفعل يعني: حرِّكْه (قَبْلَ مُضْمَرٍ) قبل ضميرٍ (لَينٍ) هذا عام يشمل الألف ويشمل الواو ويشمل الياء، (بِمَا جَانَسَ) يعني بحركةٍ مجانسةٍ للضمير إن كان واواً فضَمَّة وإن كان ياءً فكسرة وإن كان ألفاً ففتحة (مِنْ تَحَرُّكٍ قَدْ عُلِمَا) ممَّا سبق.
وَالمُضْمَرَ احْذِفَنَّهُ إِلاَّ الأَلِفْ ..
يعني تُحَرِّكْه من جنس ذلك الحرف الضمير ثم تحذف الواو وتحذف الياء إلا الألف، وهذا الحكم عام في الصحيح والمعتل، ويستثنى ما كان معتلاًّ بالألف فقال:
وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِر الفِعْلِ أَلِفْ ..
فله حالان:
إمَّا أن يرفع واواً وياء .. يكون مسند إليهما، وإمَّا ألا يكون كذلك، وإن لم يكن كذلك حينئذٍ له ثلاثة أحوال:
إما أن يرفع ألف الاثنين، أو الاسم الظاهر، أو الضمير المستتر، فإن رفع الاسم الظاهر أو المستتر أو ألف الاثنين فاقلب الألف ياءً وحرِّكْها بالفتح ولا إشكال، فإن رفع واواً أو ياءً فحينئذٍ ماذا تصنع؟ الألف تُحذف وتُحَرِّكْ الواو من جنسها والياء من جنسها دفعاً للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لذلك قال:
وَإِنْ يَكُنْ فِي آخِرِ الفِعْلِ ألِفْ ..
إذاً أين دخل ما كان آخره واو أو ياء؟ في الحكم السابق (وَاشْكُلهُ قَبْلَ مُضْمَرٍ) قلنا هذا يشمل الصحيح والمعتلَّ بالواو أو الياء، وأمَّا ما كان آخره ألف فله حالان، قال: (فَاجْعَلهُ مِنْهُ يَاءً) (اجْعَلهُ) يعني: صيِّره (مِنْهُ) من الفعل (يَاءً) متى؟ إن كان رافعاً لغير الياء والواو، واحذفه إن كان رافعاً لهاتين (الواو والياء) احذف الألف، في الأول قال: اقلبه ياءً وهنا قال: احذفه.
وَفِي * * * وَاوٍ وَيَا شَكْلٌ مُجَانِسٌ قُفِي ..
стр. 2104
تُبِع في الواو والياء بعد حذف الألف فيما إذا رفع الألف أو الياء (شَكْلٌ مُجَانِسٌ) للواو (قُفِي) تُبِع، يعني: حرِّك الواو بالضَمَّة و (شَكْلٌ مُجَانِسٌ) للياء (قُفِي) تُبِع يعني: حرِّك الياء بالكسرة، هذا ما يتعلَّق بالاستثناء من قوله (وَآخِرَ المُؤكَّدِ افْتَحْ).
بقي أبيات خفيفة جداً نمشي عليها.
وَلَمْ تَقَعْ خَفِيفَةٌ بَعْدَ الأَلِفِ ... لَكِنْ شَدِيْدَةٌ وَكَسْرُهَا أُلِفْ
يعني ثَمَّ فوارق بين النونين، فهذا شروعٌ من الناظم رحمه الله تعالى في بيان ما تنفرد فيه الخفيفة عن الثقيلة وهو أربعة أحكام:
الحكم الأوَّل: أنَّ الخفيفة لا تقع بعد الألف بخلاف الشَّديدة .. عبَّر عنها بالشَّديدة، (وَلَمْ تَقَعْ) النون (خَفِيْفَةً) وَلَمْ تَقَعْ خَفِيفَةٌ .. وَلَمْ تَقَعْ خَفِيفَةً يجوز في (خَفِيْفَةً) وجهان: الرفع والنصب، إن جعلت (تَقَعْ) مسند إلى ضمير حينئذٍ (خَفِيْفَةً) نصبتها، وإذا جعلت (خَفِيْفَةً) هو الفاعل وهو أحسن حينئذٍ رفعت، (وَلَمْ تَقَعْ) النون (خَفِيْفَةً بَعْدَ الأَلِفْ) صار ضميراً مستتراً، والأولى أن يُجْعَل (خَفِيْفَةٌ) هو الفاعل.
(وَلَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ) يعني نونٌ خفيفةٌ، (بَعْدَ الأَلِفْ) لأنَّه لا يُجْمع في غير الوقف بين ساكنين الأول حرف لَيْن والثاني مُدْغَم، قوله: (بَعْدَ الأَلِفْ) أطلق الناظم هنا الألف يعني: يشمل سواءٌ كانت الألف اسماً بأن كان الفعل مسنداً إليها أو حرفاً بأن كان الفعل مسنداً إلى ظاهر على لغة: (أكَلُونِي الْبَرَاغِيْث) أو كانت التالية لنون الإناث وفاقاً لسيبويه والبصريين فالألف عامَّة.
لا تقع النون .. نون التوكيد الخفيفة بعد الألف مطلقاً سواءٌ كانت الألف فاعل ((تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:٨٩] ما يأتي هنا النون الخفيفة؛ لأنَّهما ساكنان ولا تقع بعد الألف إذا كانت حرف تثنية في لغة: (أكَلُونِي الْبَرَاغِيْث)، ولا تقع بعد الألف الفاصلة بين النونين فيما إذا أُكِّد الفعل المتَّصل بنون الإناث كما سيأتي .. لا بد من فاصلٍ بينهما لكراهة توالي النونات، هذا مذهب سيبويه والبصريين وخلافاً للكوفيين، لأنَّ فيه التقاء ساكنين على غير حدِّه أي على غير طريقه الجائز، لأن الساكن الثاني غير مدغم حينئذٍ يمتنع.
إذاً: وَلَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ بَعْدَ الأَلِفْ ..
مفهوم المخالفة أن الشَّديدة تقع، لأنَّه علَّق النَّفي بالخفيفة، وإذا علَّق النَّفي بالخفيفة فالقسمة ثنائية محصورة تعيَّن الثاني أنَّه يجوز أن يقع بعد الألف فصرَّح بهذا المفهوم.
(لَكِنْ شَدِيدَةٌ) هذا عطفٌ على السابق (لَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ) (لَكِنْ تَقَعْ شَدِيدَةً) يجوز فيه الوجهان، (لَكِنْ تَقَعْ شَدِيدَةٌ) وهذا باتفاق، (وَكَسْرُهَا أُلِفْ) يعني: إذا وقعت النون المثقَّلة كما ذكرناه سابقاً بعد الألف وجب كسرها فتقول: ((وَلا تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:٨٩] بكسر النون تشبيهاً لها بنون الإناث.
стр. 2105
(وَكَسْرُهَا) مبتدأ و (أُلِفْ) هذا خبر، (وَكَسْرُهَا) واجبٌ للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لأنَّه على حدِّه إذ الأول حرف لَيْن والثاني مدغم، إذاً الحكم الأول ممَّا تفارق النون الخفيفة الثقيلة: أنها لا تقع بعد الألف مطلقاً، أيُّ ألفٍ كانت بخلاف الشَّديدة، ثُمَّ إذا وقعت الشَّديدة بعد الألف وجب كسرها للتَّخلُّص من التقاء الساكنين وقيل: حملاً على نون المثنَّى.
قال الشارح: لا تقع نون التوكيد الخفيفة بعد الألف فلا تقول (اضْرِبَانْ) بنون مخففة بل يجب التَّشديد كما في قوله: ((وَلا تَتَّبِعَانِّ)) [يونس:٨٩] فتقول (اضْرِبَانِّ) بالكسر لشبهها بنون المثنَّى. بنونٍ مشدَّدة مكسورة خلافاً ليونس فإنه أجاز وقوع النون الخفيفة بعد الألف ويجب عنده كسرها، وظاهر كلام سيبويه وبه صرَّح الفارسي أن يونس يبقي النون ساكنة يعني: في النَّقل عنه قولان:
جوَّز أن تأتي النون الخفيفة بعد الألف، ثُمَّ هل يُحرِّكها بالكسر أو يبقيها ساكنة؟ قولان في النَّقل عنهم. أن يونس يبقي النون ساكنة ونظر ذلك لقراءة نافع: ((مَحْيَايْ)) [الأنعام:١٦٢] كما سبق "فتايَ" هذا الأصل، إذاً عند يونس فيه قولان من جهة التحريك، أمَّا في الوقوع فهو جائزٌ عنده أن تقع النون خفيفة بعد الألف، ثُمَّ يجب عنده كسرها (اضْرِبَانِ) بالكسر.
ونقل سيبويه أنَّه يُجَوِّز بقائها على السكون نظراً لقراءة نافع: ((مَحْيَايْ)) [الأنعام:١٦٢] يعني جمع بين ياء المتكلِّم هنا والألف كما سبق في المضاف ياء المتكلم.
الحكم الثاني: أنَّ نون التوكيد الخفيفة لا تُؤَكِّد الفعل المسند إلى نون الإناث، وإليه أشار بقوله:
وَأَلِفَاً زِدْ قَبْلَهَا مُؤَكِّدَا ... فِعْلاً إِلَى نُونِ الإِنَاثِ أُسْنِدَا
(زِدْ أَلِفاً) (زِدْ) أنت (أَلِفاً) هذا مفعول مُقدَّم (قَبْلَهَا) يعني قبل نون التوكيد حال كونك (مُؤَكِّدَا)، (مُؤَكِّدَا) حالٌ من الفاعل المستتر في (زِدْ) و (قَبْلَهَا) متعلِّقٌ بـ (زِدْ) والضمير يعود على نون التوكيد (مُؤَكِّدَا فِعْلاً) (فِعْلاً) هذا مفعول به لقوله مُؤَكِّدا (مُؤَكِّدَا فِعْلاً) (أُسْنِدَا إلَى نُونِ الإنَاثِ) (أُسْنِدَا) الألف هذه للإطلاق، أُسْنِدَ إلَى نُونِ الإنَاثِ، متعلِّق بـ (أُسْنِدَا) و (أُسْنِدَا) هذا صفةٌ لـ (فِعْلاً) (فِعْلاً) أُسْنِدَا إلَى نُونِ الإنَاثِ لئلَّا تتوالى الأمثال.
قال الشارح: إذا أُكِّد الفعل المسند إلى نون الإناث بنون التوكيد وجب أن يُفْصَل بين نون الإناث ونون التوكيد بألف كراهية توالي الأمثال، إذاً ليُفْصَل بين الأمثال وهي نون الضمير ونون التوكيد، نون الضمير .. نون الإناث ونون التوكيد.
كراهية توالي الأمثال فتقول: (اضْرِبْنَانِّ .. اضْرِبْنَ) هذا نون الإناث (اضْرِبْنَانِّ) الألف هذه زائدة ليست ألف الاثنين .. ليست فاعل وإنَّما هي زائدة فارقة بين الثلاث النونات: نون الإناث ونون التوكيد الثقيلة فَفُصِل بينهما بهذه الألف، إذاً نونٌ مشدَّدة مكسورة قبلها ألف هل يُتَصَوَّر وقوع الخفيفة هنا؟ لا يُتَصَوَّر، لأنَّ الألف هذه ساكنة والنون ساكنة، وقلنا هناك:
وَلَمْ تَقَعْ خَفِيْفَةٌ بَعْدَ الأَلِفْ ..
следующие страницы →