Полный текст (2 939 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وأشار بقوله (وَأَجْدَلَ) إلى آخره إلى أنَّ هذه الألفاظ (أَجْدَلَ) للصَّقرِ (وأَخْيَلَ) لِطَائِر (وَأَفْعَى) للحَيَّة ليست بصفات فكان حقها أن لا تُمْنَع من الصَّرف ولكن منعها بعضهم لِتَخَيُّلِ الوصف فيها، لكن هنا الوصف إذا نُظِر إلى المنع يكون مقارناً لأصل الوضع، لم يوضع اللفظ للوصف، لكن لمح الوصف مقارن للوضع، ليس بشيءٍ طارئٍ وإنَّما وضِعَ وضع الأسماء واسْتُعْمِلَ في مسماه ولُوحِظ فيه الوصف مع أصل الوضع فليس بطارئٍ مطلقاً.
ليست بصفات فكان حقها أن لا تمنع من الصَّرف ولكن منعها بعضهم لِتَخَيُّلِ الوصف فيها، فَتَخَيَّلَ في (أَجْدَلْ) معنى القوة (وأَخْيَلْ) معنى التَّخَيُّل وفي (أَفْعَى) معنى الخُبْث -الإيذاء- فمنعها لوزن الفعل والصِّفة المُتَخَيَّلَة والكثير فيها الصَّرف إذ لا وصفية فيها مُحَقَّقَة. لكن سُمِع منعها من الصَّرف كالبيت السابق:
فِرَاخُ القَطَا لاَقَيْنَ أَجْدَلَ بَازِيَا ..
فَمَا طَائِريِ يَوْماً عَلَيْكِ بِأَخْيَلاَ ..
بِأَخْيَلاَ منعه من الصَّرفْ.
إذاً قوله: (وَوَصْفٌ أَصْلِيٌّ) بَيَّنَ المفهوم بقوله:
وَأَلْغِيَنَّ عَارِضَ الْوَصْفِيَّهْ ... كَأَرْبَعٍ. . . . . . . . .
لا بُدَّ من أن يكون وزن (أَفْعَلْ) أن يكون دالاً على صفةٍ أصليَّة .. في أصل الوضع، فإن كانت في أصل الوضع اسم ثُمَّ عَرَضَت عليه الوَصْفِيَّة فالوَصْفِيَّةُ ملغاةٌ.
(وَعَارِضَ الإِسْمِيَّةْ) كذلك ألغها ومَثَّل له بـ (الأَدْهَمُ) (فَالأَدْهَمُ القَيْدُ) (فَالأَدْهَمُ) الأصل فيه: أنَّه صِفَةٌ في الأصل لكل ما فيه سواد، ثُمَّ (اِنْصِرَافُهُ مُنِعْ) مع كونه مُسْتَعمَلاً اسْتِعْمَال الأسماء لكون الاسم هنا عارضاً والأصل فيه: أنَّه وصفٌ فأُلْغِيت الاسْمِيَّة كالعكس في (أَربَعْ)، وأمَّا (أَجْدَلٌ وأَخْيَلٌ وَأَفْعَى) فهذه مصروفة في كثير من لسان العرب، لأنَّها في الأصل: موضوعةً وضع الأسماء، لكن لَمَّا كان فيها شيءٌ من اللَّمَحِ بالوصف، بعض العرب لاحظ ذلك الوصف فمنعها من الصَّرف، ولذلك قال (وَقَدْ يَنَلنَ المنْعَا) يعني: يُعْطَينَ المنع.
ثُمَّ قال:
وَمَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ ..
نقف على هذا، والله أعلم، وَصَلَّى الله وَسَلَّمَ على نَبِيَّنَا مُحَمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 2137
عناصر الدرس
* الوصفية والعدل , وتعريف العدل واثتاته عند النحاة
* جمع الجموع وصيغة منتهى الجموع وما شابهه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم - رحمه الله تعالى -:
وَمَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ مُعتَبَرْ ... فِي لَفْظِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَأُخَرْ
وَوَزْنُ مَثْنَى وَثُلاَثَ كَهُمَا ... مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ فَلتَعْلَمَا
سبق أن العلل التي يُمنع الاسم من الصَرف من وجودها فيه محصورة في تسع، منها اثنتان راجعتان إلى معنى، وهما: العلمية، والوصف، وبقية العلل إنما هي راجعة للفظ:
اجْمَعْ وَزِنْ عَادِلاً أَنِّثْ بِمَعْرِفَةٍ ... رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْ كَمُلاَ
سبق أيضاً أن ما يقوم مقام علتين هذا محصورٌ في شيئين، وهما:
- ألف التأنيث مُطلقاً، وقد بدأ بها الناظم في قوله:
فَألِفُ التَّأْنِيْثِ مُطْلَقَاً مَنَعْ ... صَرْفَ الَّذِيْ حَوَاهُ كَيْفَمَا وَقَعْ
هذا النوع الأول.
- ثُمَّ النوع الثاني: ما كان على وزن: (فَعلَان) بزيادة ألف ونون، وهو وَصْفٍ سَلِمْ ... مِنْ أَنْ يُرَى بِتَاءِ تَأْنِيْثٍ خُتِمْ.
- ثُمَّ النوع الثالث: وهو الوصف الأصلي مع وزن: (أفعَلَا) وقلنا: الأولى أن يُعبَر بكون الفعل أولى به.
- ثُمَّ الرابع: وهو الذي عناه بقوله:
وَمَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ مُعتَبَرْ ... فِي لَفْظِ مَثْنَى. . . .
الـ (عَدْلُ) هو من العلل اللفظية .. التي ترجع إلى اللفظ، ولا يكون العدل في المعاني البتَّة، إلا على قولٍ قيل به، لكن المشهور عند النحاة: أن العدل إنما يكون في اللفظ، والمراد بالعدَل: تَحويل الاسم من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى مع بَقَاء المعنى الأصلي، هذا أسهل ما عُرِّفَ به العَدل، والعَدل في أصله علةٌ مُتكَلَّفة، يعني: مُقدَّرة فقط .. اعتبارية في الذهن، وإلا لا وجود لها، وإنما ألجأ النحاة إلى ذلك لكونهم لم يجدوا في بعض الأسماء ما يُمنع من الصرف مع العلمية، لم يُوجد إلا عِلة واحدة فابتكروا هذه العِلة، وقالوا: هذا اللفظ معدُولٌ عن كذا .. أصله كذا.
حينئذٍ يَحتاج إلى ثَبَت، أن أصل عُمَر (عَامِر) وأصل زُحَل (زاحل) وقُثَم (قَاثِم) وجُشَم (جَاشِم) نقول: ما الدليل على أن أصل هذه الأسماء (فُعَل) هو ما ذكرتموه كونه معدولاً عن فاعل، حينئذٍ لمَّا وجدوا: عمر، وزحل، وهبل، ومثنى، وثلاث، ورباع، وجدوها ممنوعة من الصرف، ولم يوجد في: عمر ونحوه إلا العلمية فقط، ولم يوجد في مثنى ونحوه إلا الوصفية فقط.
حينئذٍ إمَّا أن يُقال: بأنه مُنِع لعلة واحدة: الوصفية في مثنى وثلاث ورباع ونَحوها، وإمّا أن يقال بِثَمَّ عِلَة لكنها مُقدَّرة، فابتكروا عِلَة (العَدل) قالوا إذاً: في مثنى وثلاث ورباع، علةٌ معنوية وهي الوصفية، ومعه علة أخرى وهي كَونه مَعدولاً عن اسم الآخَر، فأصل مثنى (اثنان اثنان) وأصل مثلث كذلك (ثلاثة ثلاثة) إذاً: عُدِل عن الاسمين مثنى (اثنين اثنين) عُدِل عنهما وعُبِّرَ بـ: (مثنى) وكذلك (ثُنَا) كما سيأتي.
стр. 2138
حينئذٍ كونه مَعدولاً حُوِّل الاسم من اسمٍ إلى اسمٍ آخر مع بقاء المعنى الأصلي، (مثنى) اثنان اثنان: جاء الزيدون اثنين اثنين، حينئذٍ نقول: (اثنين اثنين) هذا دَلَّ على كونهما قد جاءا اثنين اثنين، يعني: دخلا اثنين اثنين، حينئذٍ المعنى باقٍ في قولنا: مثنى .. جَاء الزَيدون مثنى، أو: جاء الزيدان مثنى، نقول: المعنى باقٍ، إذاً: ما الذي حصل؟ حُوِّل اللفظ من لفظٍ إلى لفظٍ آخر، نقول: هذه العِلة عِلة مبتَكرة، وعِلة في الأصل أنها معدومة، ولذلك لا يلجأ .. بل يُصرِّح النحاة: أنه لا يُقال بالعَدل إلا عند عدم إمكان وجود عِلةٍ صالحة في المَحل، وهذا يَدُل على أنها ضعيفة، وأنها مُبتَكرة .. خيالية، يعني: أمر في الذهن فحسب، وأمَّا في الوجود فلا وجود لها.
إذاً نقول: العَدلُ قد يكون مع الوصفية، وقد يكون مع العَلَمِية، العَلَمية سيأتي في مَحله.
هنا قال: (وَمَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ) إذاً العَدل: هو تحويل الاسم من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى، مع بقاء المعنى الأصلي، وهو خاصٌ باللفظ لا يكون في المعاني.
(وَمَنْعُ عَدْلٍ) (مَنْعُ) هذا مبتدأ، وهو مضاف، و (عَدْلٍ) هذا مضاف إليه، مَصدَر مُضاف إلى فاعله، العدل هو الذي يَمنع .. يَمنع العَدل.
(مَعَ وَصْفٍ) هذا نعت .. صفة، لأنها قَيد، (مَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ) وعرفنا الوصف المراد به، وهو عِلةٌ معنوية، إذاً: اجتمع عندنا علتان: إحداهما ترجع إلى اللفظ، والأخرى ترجع إلى المعنى، العَدل يرجع إلى اللفظ، والوصف يرجع إلى المعنى.
(مُعْتَبَرْ) المنع مُعتَبَرٌ، يعني: يَمنع الاسم وجود هاتين العلتين وهما: العَدل مع الوصفية، (فِي لَفْظِ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (مُعْتَبَرْ) قلنا: (مُعْتَبَرْ) هذا خبر، (فِي لَفْظِ مَثْنَى) (لَفظِ) مضاف، و (مَثْنَى) مضاف إليه مَجرور وجرُّه فتحة مُقدَّرة على آخره، لأنه ممنوع من الصرف، ولذلك قال: (وَثُلاَثَ) بالفتح، وهو معطوف على (مَثْنَى) والمعطوف على المجرور مجرور، وجَرُّه فتحة نائبةً عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعَدل والوصفية، (وَأُخَرْ) وأُخَرَ: هذا معطوف على (مَثْنَى) يعني: كما يكون العَدل في العدد .. في أسماء العدد، يكون في غيره.
ولذلك ابن هشام في (القطر) قال: " العَدل يكون في المعارف وفي غيرها، وغير المعارف يكون في الصفات – أسماء العدد – وغيرها " والمراد بأسماء العدد ما ذكره بـ: (مَثْنَى وَثُلاَثَ) وما فُرِّعَ عليهما.
(وَأُخَرْ) المراد به هذا اللفظ بعينه فقط، وأمَّا (سَحَر وأمسِ) فهذا سيأتي في العَلَمية، وأمَّا هنا في باب النكرات .. الصفات فليس عندنا إلا لفظ (أُخَرْ) .. مثنى وثلاث وأخر، إذاً نقول: مِمَّا يَمنع الصرف: اجتماع العَدل والوصف .. مما يَمنع الاسم أن يكون ممنوعاً من الصرف والتنوين والجر معاً: العَدل والوصف، وذلك في موضعين:
الأول: المعدُول في العدد إلى (مَفعَل) نحو: مَثنَى، أو (فُعَال) نحو: ثلاث، إذاً: وزنان لا ثالث هما، إمَّا (مَفْعَل) وإمَّا (فُعَال)، إذاً: هذان الوزنان خاصان بالعَدل في باب العدد.
والثاني: في (أُخَر) المقابل لـ: (آخرين) ولذلك قال: (لَفْظِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَأُخَرْ).
стр. 2139
إذاً: وقَعَ العَدل في هذين النوعين: اسم العدد ولفظ (أُخَر) المقابل لـ: (آخرين).
أمَّا المعدُول في العدد فالمناع له عند سيبويه والجمهور: العَدل والوصف، فـ: (أُحَاد) و (مَوحَد) مَعدُولان عن: (واحد واحد) و (ثُنَاء) و (مَثنَى) معدولان عن: (اثنين اثنين) وكذلك: (ثُلَاث ومَثلَث) و (رُبَاع ومَربَع) إلى هنا باتفاق .. من واحد إلى أربعة باتفاق، ولذلك قال هنا: (مِنْ وَاحَدٍ لأَرْبَعٍ) خَصَّ الناظم هذا العدد إلى هنا لا لكونه لا يَصِح في غيره، وإنما ثَمَّ اتفاق وثَمَّ خلاف، يعني: الأعداد التي يأتي على وزن (مَفعَل) و (فُعَال) من واحد لأربع متفق عليه.
وأمَّا: مَخْمَس وخُمَاس، ومَسْدَس وسُدَاس، ومَسْبَع وسُبَاع، ومَثْمَن وثُمَان، ومَتْسَع وتُسَاع، ومَعْشَر وعُشَار، هذا محل نزاع عند النحاة هل سمع أم لا؟ والصحيح: أنه سُمِع من واحدٍ إلى عشرٍ، كلها تأتي على هذا الوزن: (مَفْعَل وفُعَال) ولذلك نَصَّ هنا قال:
وَوَزْنُ مَثْنَى وَثُلاَثَ كَهُمَا ... مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ فَلْتَعْلَمَا
وأمَّا الوصف فلأن هذه الألفاظ لم تُستَعمل إلا نكرات، عرفنا العَدل وأنه يأتي من واحد إلى عشر، وإنما نَصَّ الناظم إلى الأربع لكونه متفقاً عليه، وما عداه فهو ثابت كما سيأتي.
وأمَّا الوصف فلأن هذه الألفاظ لم تستعمل إلا نكرات، ولذلك لا تكون معارف، (مَثنَى) وإلى آخره لا تكون معارف البتَّة، وكذلك: (أُخَر) إمَّا نعتاً نحو: ((أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)) [فاطر:١] (أُولِي أَجْنِحَةٍ) أصحاب أو صاحبات أجنحة، (مَثنَى) اثنين اثنين، (وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، من الملائكة منها ما هو ذو جناحين: مثنى مثنى، ومنها ما هو: ثلاثة ثلاثة، ومنها ما هو: أربعة أربعة، دَلَّ على ذلك هذا العَدل، لأننا قلنا: (مَثنَى) معناه: اثنان اثنان، وكذلك (مَثْلَث) و (مَربَع).
إذاً: جاءت نعتاً ((أُولِي أَجْنِحَةٍ)) [فاطر:١] مَعرفة أو نكرة؟ نكرة، إذاً: وقع هنا (مَثْنَى) وما عطف عليه صفة لنكرة فهو نكرة. أو حالاً، نحو: ((فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)) [النساء:٣] حال كونهما نكاح اثنتين اثنتين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة، هل هذا المراد؟ نعم، هذا المراد، لكن ليست الواو هنا للجمع خلافاً لابن حزم وغيره.
((مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ)) [النساء:٣] أربع وثلاث: سعبة، واثنان: تسعة، إذاً: يَجوز تسعة، إذا قلنا الواو هنا للجمع فقد قيل به.
وإمَّا حالاً نحو: ((فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثنَى)) [النساء:٣] حال كون المنكوح مَثنَى، وإمَّا خبراً نحو: ﴿صَلاَةِ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى﴾ (صَلاَةِ اللَّيلِ مَثنَى) هذا خبر، والثاني توكيد له.
стр. 2140
وإمَّا خبراً نحو: ﴿صَلاَةِ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى﴾ وإنما كُرِّرَ لقصد التأكيد، لا لإفادة التَكرَار، اثنان اثنان .. اثنتين اثنتين، معلومٌ من الأولى، وأما الثانية قُصِدَ بها التوكيد، ولا تدخلهما (أل) وإضافتهما قليلة، يعني: ما كان على وزن (مَثنَى وثُنَاء .. مَفْعَل وفُعَال) لا تدخل عليهما (أل) وقيل: لا تضاف، وقيل: إضافتها قليلة، وحينئذٍ تبقى على الأصل، فهي نكرة ولا تقبل التعريف البتَّة.
إذاً:
وَمَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ مُعتَبَرْ ... فِي لَفْظِ مَثْنَى وَثُلاَثَ .. . . .
ثُمَّ بَيَّن أن:
وَوَزْنُ مَثْنَى وَثُلاَثَ كَهُمَا ... مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ ..........
مثلهما .. كَهُمَا، هنا الناظم اضطَرَّ إلى إدخال الكاف على الضمير، وهذا كما سبق: أنه لا يدخل عليه.
(وَوَزْنُ مَثْنَى وَثُلاَثَ كَهُمَا) (وَزْنُ) هذا مبتدأ، وهو مضاف، و (مَثْنَى) مضاف إليه، (وَثُلاَثَ) بالفتح، يعني: مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة، لأنه معطوف على (مَثْنَى) المضاف إليه، وهو ممنوع من الصرف للعَدل والوصفية.
(كَهُمَا) هذا خبر المبتدأ - مثلهما يعني - أي: مثلهما، وأدخَلَ كاف التشبيه على المضمر لضرورة الوزن، (مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ) حالٌ من الضمير المستتر في الخبر، (كَهُمَا) مثلهما .. كائنٌ مثلهما، (مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ) هذا حال من الضمير المستتر في الخبر، (فَليُعْلَمَا) فَليُعلماً، الفاء هذه زائدة، أو حرف عطف، جملة معترضة جاءت متأخرة، واللام هذه لام الأمر، و (يُعلَمَن) هذا فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة وقفاً ألفاً.
إذاً يعني: ما وازن مثنى وثلاث من ألفاظ العدد المعدول من واحد إلى أربعٍ فهو مثلهما في امتناع الصرف للعدل، يعني قوله: في لفظ مثنى وثلاث لا تظن أن الحكم خاصٌ بهذين اللفظين فحسب، بل يَتَعدَّى إلى غيره، لأنه نَصَّ على: (فِي لَفْظِ مَثْنَى وَثُلاَثَ) لو سكت قد يقول قائل: إنما أراد الحصر: (مَثْنَى وَثُلاَثَ) ما عداهما فهو مصروف، قال: لا، (وَوَزْنُ مَثْنَى وَثُلاَثَ - مِثلُهما - مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ) يعني: زاد على ما سبق: مثلث وثلاث، ومربع ورباع فقط، زاد لفظتين فصارت حينئذٍ أربعة.
فهو مثلهما في امتِناع الصرف للعَدل والوصف، تقول: مررت بِقوم مَوْحَداً وأُحَاد، يعني: بالجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، و (مَثنَى وثُنَاء) و (مَثلَث وثُلَاث) و (مَربَع ورُبَاع) وهذه الألفاظ الثمانية متفقٌ عليها، ولهذا اقتصر عليها الناظم، هي ثمانية من حيث التفصيل، وأربع من حيث الجملة.
قال في (شرح الكافية): "وروي عن بعض العرب: (مَخمَس) و (عُشَار) " (مَخمَس) إذاً: مسموع، و (عُشَار) مسموع، و (مَعشَر) كذلك مسموع، ثُمَّ قال: " ولم يرد غير ذلك " يعني: زيادة عن الأربع .. الأقسام السابقة الثمانية عند التفصيل، يُزَاد عليها (مَخمَس وعُشَار ومَعشَر) " ولم يرد غير ذلك " هكذا نفاه في (شرح الكافية).
وفي (التسهيل) قال: "إنه سُمِع (خُمَاس) أيضاً " مع كونه نفى في (شرح الكافية) لأنه أثبت: (مَخمَس) ولم يثبت: (خُمَاس).
стр. 2141
واختُلِف فيما لم يُسمَع على ثلاثة مذاهب، يعني: إذا لم يسمع قيل: مَسْدَس وسُدَاس، ومَسْبَع وسُبَاع، ومَثمَن وثُمَان، حينئذٍ إذا لم يُسمع هل يُقَاس عليه أم لا؟ نقول: فيه ثلاثة مذاهب.
واختُلِف فيما لم يُسمَع على ثلاثة مذاهب، الأول: أنه يُقَاس على ما سُمِع، وهو مذهب الكوفيين، لوضوح طريق القياس فيه، يعني: العِلة موجودة، وهو كونه عدد، وسُمِع من واحد إلى أربع، بل وسُمِع (مَعشَر وعُشَار) حينئذٍ لا مانع أن يُقال ما بينهما مَثل الأول والمنتهى، وهو مَعشَر وعشار، وهو مذهب الكوفيين: أنه يُقَاس على ما سُمِع.
المذهب الثاني: أنه لا يُقَاس بل يُقتَصر على المسموع، وهو مذهب جمهور البصريين، لأنك لو قِست أحدَثتَ لفظاً لم يَتكلَّم به الواضع، ففيه إحداث لفظٍ لم تَتَكلَّم به العرب.
الثالث: أنه يُقَاس على (فُعَال) لِكَثرته لا على (مَفعَل) لِقلَته، (فُعَال) أكثر – هي عشرة ألفاظ – (فُعَال) أكثر و (مَفعَل) قليل، إذاً: يُقاس على (فُعَال) لا على (مَفعَل) وهذا تَحكُّم لأن الباب واحد، حينئذٍ الفصل بينهما وخاصةً أنه مَسمُوع بالفظين (مَفعَل وفُعَال) من واحد لأربع، فالأصل حينئذٍ أن يكونا متساويين، فإمَّا أن نُرَجِّح المذهب الأول أو الثاني.
والصحيح أنه مسموع في الكل، قال أبو حيان: "والصحيح أن البنائين – مَفعَل وفُعَال - مسموعان من واحد إلى عشرة" وكل منهم أثبت، هذا سَمِع مَخمَس، وهذا خُمَاس، وهذا مَعشَر، يثبت ما سَمعه وينفي الآخر بناءً على علمه، ومن حَفِظ حجة على من لم يَحفظ، فأثبت ابن مالك بعضاً، وأثبت غيرُه بعضاً آخر.
وحكا البنائين أبو عمرو الشيباني، يعني: (مَفعَل وفُعَال) من واحد إلى عشرة، وحكا أبو حاتم وابن السِكيِت: من أُحَاد إلى عُشَار، ومن حفظ حجة على من لم يَحفظ، إذاً: الصواب أنه لا يُقتَصر على الأربعة وإن كان متفقاً عليها.
وَوَزْنُ مَثْنَى وَثُلاَثَ كَهُمَا ... مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ فَلْتَعْلَمَا
(فِي لَفْظِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَأُخَرْ) (أُخَرْ) قيل: جمع (أخرى) مُؤنَّث آخر، أُخرى .. أنثى آخر: مررت بزيدٍ وبرجل آخر، مررت بهندٍ وبامرأة أخرى، إذاً: (آخر) مؤنثه (أخرى) لمعنى مُغَايِر، و (أُخَرْ) ممنوع من الصرف ((فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ)) [البقرة:١٨٥] ممنوع من الصرف، فالمانع له أيضاً العَدل والوصف، ولذلك جَمع بينهما في بيت واحدٍ .. العدل والوصف.
أمَّا الوصف هذا شأنه ظاهر، لأنه على زنة اسم التفضيل، واسم التفضيل معلومٌ أنه من المشتقات. أمّا الوصف فظاهر؛ لأنه اسم تفضيل بمعنى مُغَايِر.
стр. 2142
وأمَّا العَدل قالوا: فهو مَعدُول، مَعدُول عن أي شيء؟ تحويل اسمٍ إلى اسمٍ آخر مع بقاء المعنى الأصلي. وأمَّا العَدل فقال أكثر النحاة: إنه مَعدُول عن الألف واللام، عن: (الأُخَر) يعني: الأصل أن يقال: (الأُخَر) وإنما قيل: (أُخَر) حينئذٍ مَعدُول عن (الأُخَر) إذاً: أصله محلاً بـ: (أل) ثُمَّ استُعمِل نكرةً، فقيل: (أُخَر) فهذا معنى العدل عندهم: تحويل اسمٍ إلى اسمٍ آخر مع بقاء المعنى الأصلي، فقال أكثر النحويين: إنه مَعدُول عن الألف واللام، لأنه من باب أفعَل التفضيل، فحقه ألاَّ يُجمَع إلا مقروناً بـ: (أل) هذا الأصل، كما سبق في باب: اسم التفضيل.
وقيل: إنه مَعدُول عَمَّا كان يستحقه من استعمال، إذاً: أكثر النحاة: أن العَدل الذي هو سببٌ وعِلَّة في منع (أُخَرَ) من الصرف مع الوصفية: أنه مَعدُول عن (الأُخَرَ) بـ: (أل)، عندنا (أل) وعندنا بدون (أل) (الأُخَرَ) هو الأصل، و (أُخَرَ) هذا فرعٌ، إذاً: لماذا مُنِع: (فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ)) [البقرة:١٨٥]؟ نقول: لكونه مَعدُولٌ عن (الأُخَرَ) لأن أفعَل التفضيل إذا كان جمعاً يَتعيَّن في القاعدة السابقة معنا أنه يُحلى بـ: (أل) هذه عِلَّة.
وقيل: إنه مَعدُول عمَّا كان يستحقه من استعماله بلفظ ما للواحد المذَكَّر بدون تَغيُّر معناه، لأن (أُخَرَ) و (آخَر) هذا مُفرَد وهو مُذكَّر، حينئذٍ ما كان مُجرَّداً من (أل) والإضافة الأصل فيه أنه يلزم الإفراد مُطلقاً، سواءً كان الموصوف مَذكَّراً مُفرداً، أو مؤنَّثاً مُثنَّىً أو جَمعاً، هذا الأصل فيه، لكن قيل: مَررت بزيدٍ وبِرجلٍ آخَر، وبرجلين آخرَين، وبرجالٍ آخرِين، وبامرأة أُخرَى، والأصل فيه أن يُقال: مررت بزيدٍ وبرجلٍ آخر، وبرجلين آخر، وبرجالٍ آخر، وبامرأة آخر، أن يلتزم هذا الأصل، لأنه مُجرَّد من (أل) ومن الإضافة.
وسَبَق أنه إذا كان مُجرَّداً من (أل) والإضافة يلتزم الإفراد والتَذكِير، فيوصف به المُذكَّر والمؤنَّث، والمثنى المُذكَّر، والمثنى المُؤنَّث، والجمع المُذكَّر، والجمع المؤنَّث مُطلقاً، لكن هنا عُدِل به عن هذا الأصل فاستُعمِل مثنىً مع المثنى، والجمع مع الجمع، والمؤنَّث مع المؤنَّث، فقيل: (أُخرَى) كما في قوله تعالى: ((فَتُذَكِّرَ إِحدَاهُمَا الأُخرَى)) [البقرة:٢٨٢] جاء بلفظ (أُخرَى) وكذلك في قوله: ((وَآخَرُونَ اعتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم)) [التوبة:١٠٢] (آخَرُونَ) جُمِع بالواو والنون، وكذلك: ((فَآخَرَانِ يَقُومَانِ)) [المائدة:١٠٧] جيء به مُثنَّى حينئذٍ لم يُلتَزَم القاعدة الأصلية: وهي كونه يستحق الإفراد والتذكِير، هذا عُدُولٌ به عن أصله، فاستُعمِل مثنَّى ومجموعاً ومؤنَّثاً.
هذا يَصدُق عليه حد العَدل أم لا؟ يَصدُق عليه حد العَدل، لأنه إذا قيل: برجلين آخرين، نقول: هذا الأصل أن يُقال: برجلين آخر، فاستعمل (آخرين) مقام (آخر) إذاً: عُدِل به في هذا المحل عن المُذكَّر المفرد إلى المثنَّى، وكذلك: ((وَآخَرُونَ اعتَرَفُوا)) [التوبة:١٠٢] الأصل أن يقول: (وآخر) وكذلك: امرأة أخرى، الأصل: بامرأة آخر، قالوا: هذا هو عُدولٌ في هذا المحل، وهذا مال إليه ابن مالك رحمه الله تعالى كما سيأتي نَصُّه.
стр. 2143
إذاً قيل: إنه مَعدُول عمَّا كان يستحقه من استعماله بلفظ ما للواحد المُذكَّر مُطلقاً، سواءً كان الموصوف مُذكَّراً أو مؤنَّثاً، مَجموعاً أو مُثنَّى، فيلتزم الإفراد والتذكير.
ما للواحد المُذكَّر بدون تَغيُّر معناه، وذلك أن (آخَرَ) من باب أفعل التفضيل، فحقه ألا يُثنَّى ولا يُجمَع ولا يؤنَّث، إلا مع الألف واللام أو الإضافة، إذا كان مُجرَّداً فَحقُه إلا يُجمع ولا يُثنَّى، ولا يُؤنَّث، إلا إذا كان مُحلاً بـ: (أل) أو مضافاً، وهنا: (آخَرَ) هذا غير مُحلاً بـ: (أل) وغير مُضاف، الأصل فيه أنه يَلتزِم الإفراد والتذكير، فعُدِل في تَجرُّده منهما واستعمَاله لغير الواحد المُذكَّر عن لفظ (آخَر) إلى لفظ التثنية والجمع والتأنيث، بحسب ما يُراد به من المعنى، فقيل: عِندي رجلان آخَرَان، ورجال آخَرُون، وامرأة أخرى، ونساء أخر.
حينئذٍ كل هذه مَعدُولة، وكان القياس أن يُمنع من الصرف الجمع، لكن تَعذَّر في (آخَرَان) و (آخرُون) لأننا نَبحَث عن نيابة حَركةٍ عن حركة، و (آخران) هذا مرفوع بالألف، إذاً: لا دَخل له في باب المَنع من الصرف، و (آخرُون) كذلك لا دخل له في المنع من الصرف، بقي (أُخرَى) فيها ألف التأنيث، وقلنا: إذا وجِدَ عِلَّة غير العَدل فهي مُقدَّمة على العَدل، إذاً: ألف التأنيث تكفي فيها، لم يبق معنا إلا هذا اللفظ.
ونساء أخر، فكل من هذه الأمثلة صفة مَعدُولة عن: (آخَر)، إلا أنَّه لم يَظهَر أثَر الوصفية والعَدل إلا في (أُخَر) فقط، لماذا؟ لأنه مُعرَب بالحركات، بِخلاف (آخران) و (آخرون) وليس فيه ما يَمنع من الصرف غيرُهما، بِخلاف (أخرَى) فإن فيها أيضاً ألف التأنيث، فلذلك خُصَّ (أُخَر) بنسبة اجتماع الوصفية والعَدل إليه، ومنعه من الصرف.
حينئذٍ نقول: العِلَّة هنا ليست العِلَّة التي عند الجمهور، عند الجمهور كون (أُخَر) مَعدُولاً عن (الأُخَر) وهذا واضح بَيِّن، وعلى رأي ابن مالك: أن التحقيق أنه عُدِل به عن المفرد واستُعمِل جمعاً، حينئذٍ (أُخَرَ): بِنساء أُخَرَ .. ((فَعِدَّةٌ مِن أَيَّامٍ أُخَرَ)) [البقرة:١٨٤] الأصل أن يقول: (آخَرَ) فعُدِل به إلى الجمع، فالأصل فيه أن يُستَعمل مُفرداً مُذكَّراً، فعدل به إلى الجمع، فهذا محل منع الصرف.
هنا قال السيوطي في (همع الهوامع): " (أُخَر) جمع: أخرى، تأنيث (آخَر) بالفتح المجموع على (آخرين)، أمَّا كونه صفة فَلِكَونه من باب أفعل التفضيل، تقول: مررت بزيدٍ ورجلٍ آخر، أي: أنَّه أحَق بالتأخير من زيدٍ في الذكر، لأن الأول قد اعتُني به في التَقدُّم في الذكر، وأمَّا عَدله فقال أكثر النحويين إنه مَعدُولٌ عن الألف واللام، لأن الأصل في أفعل التفضيل ألا يُجمع إلا مَقروناً بهما كـ: (الكُبَر والصُغَر) - ولذلك يُغلِّطُون العَرُوضِيين: فاصلةٌ صُغرى، وفاصلةٌ كبرى - فعُدِل عن أصله وأُعطِي من الجمعية مُجرَّدَا ما لا يُعطي غيره إلا مَقروناً " على ما سَبق.
стр. 2144
وقال ابن مالك هنا – هذا القول الآخر -: " التحقيق أنه مَعدُولٌ عن (أُخَرَ) مراداً به جمع المؤنَّث، لأن الأصل في أفعل التفضيل: أن يُستَغنى فيه بـ: (أفعَل) عن (فُعَل) " يعني: نأتي بـ: (أفعَل) مُجرَّداً مُفرداً مُذكَّراً عن (فُعَل) الذي هو جَمع المؤنَّث، حينئذٍ لمَّا استُعمِل (فُعَل) محل (أفعَل) صار عدلاً، وهذا واضحٌ بَيِّن.
أن يُستغنى فيه بـ: (أفعَل) تفضيل عن (فُعَل) لتَجرُّده عن الألف واللام والإضافة، كما يستغنى بـ: (أكبَر) عن (كُبَر) في نحو: رأيتها مع نسوة أكبَر منها، هكذا تقول، ولا تقول: (كُبَر) بالجمع، وإنما تأتي بالمفرد مُذكَّراً: أكَبَر منها.
كما يستغنى بـ: (أكبَر) عن (كُبَر) في نحو: رأيتها مع نسوة أكبَر منها، فلا يُثنَّى ولا يُجمع، لكونهم أوقعوا (أفعَل) موقع (فُعَل) فكان ذلك عَدلاً من مثالٍ إلى مثال، كأن العدل هنا حَصَل في استعمالٍ عن استعمال، استُعمِل (أُخَرَ .. فُعَل) مَحلَّ (أفعَل) فصار عَدلاً، وكما ترى أنها فيها نوع تَكَّلُف.
وَمَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ مُعْتَبَرْ ... فِي لَفْظٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَأُخَرْ
إذاً: عَرفنَا أن العَدل مع الوصفية يقع في بابين:
- اسم العَدَد والصفات، نحو: (أُخَرْ)، والمنع في: (مَثْنَى وَثُلاَثَ) للوصفية، وهذا شأنه واضح، وفي العَدل كونه معدولاً عن: اثنين اثنين، أو ثلاث ثلاث، إلى ما ذكرناه وهو مسموعٌ من واحد إلى عشرة على الصحيح، وإنَّمَا نَصَّ الناظم هنا على أنه مسموعٌ من واحد إلى أربعة، بل لم يذكر واحد هنا (فِي لَفْظِ مَثْنَى وَثُلاَثَ) استدرك فذكر: (مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ) إذاً: (مِنْ وَاحِدٍ لأَرْبَعٍ) نقول: هذا مسموعٌ باتفاق، وما عداه ففيه خلاف، والصواب: أنه مسموعٌ كذلك.
قال الشارح هنا: " مما يمنع صرف الاسم العدل والصفة، وذلك في أسماء العدد المبنية على (فُعَال) و (مَفعَل) كـ: (ثَلَاث ومثلث) فـ: (ثُلَاث) مَعدُولة عن: ثلاثة ثلاثة، و (مَثنَى) مَعدولةٌ عن اثنين اثنين، فتقول: جاء القوم ثُلَاثَ، يعني: دخلوا ثلاثة ثلاثة، ومَثنَى أي: اثنين اثنين، وسُمِع استعمال هذين الوزنين: (فُعَال) و (مَفعَل) من واحد واثنين وثلاثة وأربعة، وسُمِع أيضاً في خمسة وعشرة، خُماس ومَخمس، وعُشَار ومَعشر.
وزَعَم بعضهم أنه سُمِع أيضاً في ستة وسبعة وثمانية وتسعة، نحو: سُدَاس ومَسدَس، وسُبَاع ومَسبع، وثُمَان ومَثمن، وتُسَاع ومَتسع، وهو الصحيح.
ومما يُمنع من الصرف للعَدل والصفة (أُخَر) التي في قولك: مررت بِنسوة أُخَرَ، وهذا مَعدُولٌ عن (الآخَر) محلاً بـ: (أل) وعلى رأي ابن مالك: مَعدُولٌ عن (آخَرَ) يعني: بدون (أل)، إذاً: (أُخَر) جمع (أخرى) و (أخرَى) أنثى (آخَر) والقاعدة: أن كل (فُعلَى) مؤنَّثة (أفعَل) لا تُستَعمل هي ولا جمعها إلا بالألف واللام أو الإضافة، كـ: (الكبرى والصغرى، والكُبَر والصُغَر) ((إِنَّهَا لَإِحدَى الكُبَرِ)) [المدثر:٣٥].
وتَلخَصَّ من كلام المصنف: أن الصفة تَمنع -يعني: الصرف- مع الألف والنون على ما سبق هناك:
- (وَزَائِدَا فَعْلاَنَ) الألف والنون الزائدتين.
- ومع وزن الفعل.
- ومع العّدل.
стр. 2145
وزن الفعل: (أفعَل) ومع العدل، هذه الأحوال الثلاثة تمنع من الصرف، إذا سُمي بشيءٍ من هذه الأنواع الثلاثة، وهي: ذو الزيادتين، وذو الوزن، وذو العدل، بقي على منع الصرف، يعني: فيما سبق كُلُه نكرة لم يذكُر التعرِيف، إنما هي: وصفية والزيادة .. وصفية ووزن الفعل .. وصفية والعَدل.
طيب! لو سُمي رجل بـ: (مَثنَى) أو سُمي بـ: عطشان، أو سكران، لو سُمي عَلَماً بذلك يُمنع من الصرف أو لا .. زالت الوصفية .. زالت إحدى العِلَّتين، هل يُصرف؟ قلنا: وزن العدل والوصفية في (مَثنَى) مُوجبان للمنع من الصرف، لا بُدَّ منهما معاً، لو زالت إحداهما اختل الحكم، لو سُمينا به، رجل سُمي: مَثنَى، أو ثُنَاء، أو مَثلَث، يُمنع أو لا يُمنع؟ نعم، ذهبت الوَصفية وحَلَّت العَلَمِية .. ذهب مانع وحَلَّ مانع، قلنا: انتَقَل من الوصفِية إلى العَلَمية، والعَلَمية مع العَدل كما سيأتي كذلك تَمنع من الصَرف.
إذاً: هذه الثلاث التي ذكرها الناظم هنا وعَرَّج عليها ابن عقيل، نقول: إذا سُمِّي بشيءٍ من هذه الأنوَاع الثلاثة، وهي:
- ذو الزيادتين، يعني: زيادة الألف والنون، قلنا: عَطشَان هذا ممنوع من الصرف، لأن مُؤنَّثَه على وزن (فَعَلى) إذاً: (فَعلاَن) فإذا سُمِّي رجل (فَعلاَن .. عَطشَان) حينئذٍ نقول: هو ممنوعٌ من الصرف، لأنه بقيت الزيادة .. الألف والنون وهي مانعة مع الوصفية، ثُمَّ زَالَت الوصفِية وحَلَّت مَحَلَّها العَلَمية، وكلا الوصفية والعلمية يعتبران من موانع الصرف.
- وذو العَدل، بقي على منع الصرف، لأن الصفة لمَّا ذَهَبَت بِالتسمِية خَلَفَتها العَلَمية.
ثُمَّ قال ﵀:
وَكُنْ لِجَمْعٍ مُشْبِهٍ مَفَاعِلاَ ... أَوِ المَفَاعِيْلَ بِمَنْعٍ كَافِلاَ
هذا مما يقوم فيه عِلَّةٌ مقام عِلَّتين، وسبق أن الذي يقوم مقام علتين شيئان فقط لا ثالث لهما، وهو ما كان مختوماً بألف التأنيث مُطلقاً سواءٌ كانت ممدودة أو مقصورة .. مُطلقاً سواءٌ كانت اسماً أو صفةً .. مفرداً أو غير ذلك .. نكرة أو معرفة، فهي تمنع الصرف مع النكرة ومع المعرفة، فلا تأثير للتنكير، ولا تأثير للتعريف.
هنا ذَكَر ما يُسمى بـ: (صِيغَة مُنتهَى الجُموع) وضابطه: ما كان على وزن (مَفَاعل) أو (مَفَاعِل) كل ما كان على هذا الوزن فهو ممنوع من الصرف، لقيام عِلَّة واحدة مَقَام عِلَّتَين، كونه صيغة منتهى الجموع لخروجه عن آحاد الأفراد .. المفردات هذه عِلَّة، وكونه جمعاً، وسبق أن الجمع فرعٌ عن الإفراد، وكونه خارجاً عن نظائر الآحاد، هذا يُعتبَر كذلك عِلَّة، فنظراً إلى الجهتين قالوا: عِلَّة قامت مقام العِلَّتين.
وضابطه من جهة أخرى: أن يقال: "كل جمعٍ بعد ألف تَكسِيره حرفان، أو ثلاثة أحرف بينها ساكن " وهذا أولى من أن يُقال: (مَفَاعِل) و (مَفَاعيل) لأنه قَد يُظَن بأن (مَفَاعل) و (مَفَاعيل) أن يكون الجمع الممنوع من الصرف مَخصوصاً بِما كان مُفتَتَحاً بالميم وليس الأمر كذلك، لا فَرق في منع ما جاء على أحد الوزنين المذكُورَين بين أن يكون أوله ميماً نحو: مساجد ومصابيح، أو لم يكن نحو: دراهم ودنانير، فدراهم ممنوع من الصرف لكونه على وزن (مَفَاعيل) يعني: ما كان بعد ألفه .. ألف تكسيره، حرفان.
стр. 2146
وكذلك: دنانير، هذا ممنوع من الصرف لكونه على وزن (مَفَاعيل) وهو ما كان بعد ألف تكسيره ثلاثة أحرف بينها ساكن.
إذاً: إذا قيل بهذا الضابط فهو أولى، وكثير من المسائل المتَعلِّقة، بهذا المبحث هنا (مَفَاعل ومَفَاعيل) مَرَدُّه إلى عِلم الصرف، يعني: لا بُدَّ من فَهَم بعض مسائل الإعلال هناك من أجل أن تُضبَط هذه المسائل، ولن نذكرها.
وَكُنْ لِجَمْعٍ مُشْبِهٍ مَفاعِلاَ ... أَوِ المَفَاعِيْلَ بِمَنْعٍ كَافِلاَ
(كُنْ) كن أنتَ أيُّها النَّحوِّي (كُن لِجمعٍ مُشبهٍ مَفاعِلاً أوِ المفاعيلَ) كُن: اسم كُن ضمير مستتر، خبره: (كَافِلاَ).
(بِمَنْعٍ) هذا مُتعلِّق بـ: (كَافِلاَ) بِمنعٍ لأي شيء؟ لصرفه، إذاً: مُتعلِّق المنع هنا - وهو مصدر - مُتعلِّقه محذور، لمنعٍ لأي شيء؟ منعٍ لصرفه، ولذلك لا بُدَّ من التقدير، وسبق ولم ننبه عليه:
وَمَنْعُ عَدْلٍ مَعَ وَصْفٍ ..
(مَنْعُ عَدْلٍ) قلنا: هذا من إضافة المصدر إلى فاعله، أين مفعوله؟ محذوف: (وَمَنعُ عَدل صَرفَ) لا بد من تقدير مفعولٍ محذوف.
وهنا قال: (كَافلاً بِمنعٍ) يعني: لصرفه، (لِجَمْعٍ) هذا مُتعلِّق بقوله: (كَافِلاَ) و (مُشْبِهٍ) هذا صفة لـ: (جَمْعٍ).
(مُشْبِهٍ مَفاعِلاً) ما إعرابه؟ (مُشْبِهٍ) أشبَه .. يُشبِه، فهو مُشبِه، (مُشْبِهٍ) اسم فاعل، وهو مُعتَمِد هنا الجمع .. الموصوف .. جاء صفةً، حينئذٍ صار عَامِلاً فيَنصِب مفعولاً به (مُشبهٍ مَفاعِلاً) (مَفَاعِلاً) هذا مفعول به لقوله: (مُشْبِهٍ) أو المفاعيل مَعطوفٌ عليه (بِمَنْعٍ كَافِلاَ) كافلاً بِمنعٍ.
إذاً: (وكُن كافلاً بِمنع لِصرف جَميعٍ مُشبهٍ مَفَاعِلا، أو المفَاعِيل) فـ: (بِمَنْعٍ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (كَافِلاَ) و (لِجَمْعٍ) كذلك مُتعلِّق بقوله: (كَافِلاَ) يعني: أنَّ مِمَّا يمنع من الصرف الجمع المشبِه (مَفَاعِل) أو (مَفَاعيل).
ودَلَّ بقوله: (مُشْبِهٍ) أنه لا يُشترط أن يكون مبدوءً بِميم، بل قال: ما أشبه هذين اللفظين، حينئذٍ يفهم أن الحكم ليس خَاصَّاً بما كان مفتتحاً بالميم، يعني: أن مما يَمنع من الصرف الجمع المُشبِه (مَفَاعل) أو (مَفَاعيل) كَون أوله مفتوحاً، وهذا شرط: دراهم ودنانير، كون أوله مَفتوحاً، وثَالِثه ألفاً غَيَر عِوضٍ، يليها كسر غير عارضٍ، مَلفُوظ أو مُقدَّر على أول حرفين بعدها، أو ثلاثة أوسَطُها ساكن غَير مَنوي به وبما بعده لانفصال، فإن الجمع متى ما كان بهذه الصفة كان فيه فرعية اللفظ بِخروجه عن صِيَغ الآحاد العربية، لأنه قد يكون جَمع جَمعٍ، وقد يكون جَمعاً فقط.
قد يكون جَمع جَمعٍ ولذلك يُعبَّر عنه بـ: (صيغة منتهى الجموع) الجمع: جمع المفرد على نوعين:
- جمعٌ قياسي.
- وجمعٌ سماعي، ولذلك المضبوط في باب الصرف في جمع التكسير قليل، والذي لا يَنضَبِط كثير، يعني: الخارج عن القياس أكثر مما يدخل تحت الضوابط، ولذلك قال بعضهم: جمع التكسير كله سماعي، ليس فيه قياس، لأن القَواعد المُقعَّدة كما سيأتي في مَحله .. في جمع التكسير، القَواعد المُقعَّدة ما يَخرُج عنها أكثر مِمَّا يدخل تَحتها، وهذا يقوي القول بأنه سماعي.
стр. 2147
على كلٍّ: الجمع الأول للمفرد: منه ما هو قياسي، ومنه ما هو سماعي، ثُمَّ هذا الجمع قد يطرأ عليه جَمعٌ فيُجمَع الجمع، وهذا كله سماعي، يعني: لا بُدَّ من الرجوع إلى نَقل الأئمة والحكم على كون هذا جَمع جَمعٍ، حينئذٍ لا بُدَّ من الرجوع إلى المعاجم، فيحكم على كون هذا الجمع جمع جمعٍ، لأن الجمع قد يُجمع، ثُمَّ الجمع قد يُجمع مرة ثالثة.
كان فيه فَرعِية اللفظ بِخروجه عن صِيَغ الآحاد العربية، لا يُوجد مُفرد على هذا الوزن (مَفَاعل) و (مَفَاعيل) إلا (سراويل) كما سيأتي، وهو مُفرَد لكنه أعجمي.
وفرعية المعنى بالدلالة على الجمعية فاستحقَّ منع الصرف، إذاً: عِلَّةٌ قامت مَقَام العِلَّتين:
- كونه جمعاً، وهذا واضح أنه فرعٌ عن المُفرَد، وهذا لا إشكال فيه .. مُتَّفَق عليه،
- والعلة الثانية: كونه خارجاً عن صِيَغ الآحاد، يعني: المفردات الوزن هذا (مفاعل) و (مفاعيل) لا نضير له، كونه خارجاً جعلوه مقام علتين، ولذلك نقول: اتفقوا على أنَّ إحدى العِلَّتين هي الجمع وهذا مُتَّفَق، لأنها واضحة بَيِّنة لا تحتاج، وهي عِلَّةٌ فرعية بالمعنى، دلالة على الجمعية، واختلفوا في العِلَّة الثانية، ما هي؟ لا بُدَّ، لأنه لا يكون عِلَّة واحدة لا تقوم مَقَام عِلَّتين أو لا تكون مع عِلَّة أخرى مستقلة ويكون مانعاً من الصرف، لا يُمنع إلا بوجود عِلّيَتين، لأنه إنما أشبَه الفعل في دلالة الفعل على عِلَّتين: إحداهما لفظية، والأخرى معنوية.
لا بُدَّ أن يوجد في الاسم من أجل أن يُلحق بالفعل، فيمنع من التنوين والخفض بالكسرة لوجود هاتين العِلَّتين، إن ظهرت فبها ونعمت، وإن لم تظهر لا بُدَّ أن نأتي بعِلَّة من أجل أن نحكم عليه بكونه ممنوعاً من الصرف، لمَّا وجدوا ألف التأنيث لوحدها (صحراء) ليس فيه إلا ألف التأنيث، تَكلَّفوا عِلَّة أخرى، ولذلك يختلفون في أيهما اللفظية والأخرى المعنوية.
وكذلك الجمع هنا مصابيح ومساجد ونحوها ممنوعة من الصرف، قالوا: العِلَّة الظاهرة أنه جمع، والجمع فرعٌ عن الإفراد، هذا واضح بَيِّن، ما هي العِلَّة الثانية؟ لا بُدَّ من إيِجاد علة، ولذلك اتفقوا على أن إحدى هي الجمع لظهورها ووضحوها، واختلفوا في العِلَّة الثانية، فقال أبو علي الفارسي: " هي خروجه عن صِيَغ الآحاد، وهذا هو المُرجَّح عند المتأخرين ".
أبو علي الفارسي، أحياناً يُقال: قال الفارسي، وأحياناً يقال: قال أبو علي، من النحاة، لا تظن أنهما رجلان بل هو واحد، وأحياناً يجمع بينهما: قال أبو علي الفارسي وهذا قليل، لكن قد يطلق بالكنية، وقد يأتي باللقب.
فقال أبو عليٍ: " هي خروجه عن صيغ الآحاد" وهذا هو المُرجَّح عند المتأخرين، وهو معنى قولهم: إن هذه الجَمعِية قائمةٌ مقام عِلَّتين:
- العِلَّة الأولى الجمعية .. من جهة المعنى، العلة الثانية خروجه عن نظائره - عن صِيَغ الآحاد -.
стр. 2148
- وقيل العِلَّة الثانية: تَكرار الجمع، ولذلك يُسمى: صيغة مُنتهى الجموع، (مُنتهى) يعني: وقف الجمع عندها، فلا يُجمع مرةً أخرى، فحينئذٍ نقول: تَكرار الجمع قد يكون ظاهراً، مثل: (أكلُب وأكَالِب) كَلب .. أكلُب .. أكَالِب، (كَلب) يُجمع على (أكلُب) هذا الجمع الأول، (أكلُب) نفسه يُجمع على (أكَالِب) تَكرار الجمع واضح بَيِّن، لكن (مَسَاجِد) ليس فيه تَكرار، يُقدِّرون فيه التَكرار من أجل ماذا؟ من أجل أن تصلح العِلَّة وتكون تامة.
وقيل: العلة الثانية: تَكرار الجمع تَحقيقاً أو تَقدِيراً، ودائماً هذا تَجد: تحقيقاً أو تَقدِيراً، لأنه لا بُدَّ من شواذ تَخرج عن التحقيق، لا بُدَّ من أدخالها مرة أخرى في القاعدة، فقالوا: أو تقديراً، فيُتَكلَّف لها في كيفية الدخول.
تَكرار الجمع تحقيقاً أو تَقدِيراً، فالتحقيق نحو: (أكلُب) (أكَالِب) جمع الجمع، التَكرار واضح بَيِّن، يعني: جُمع مرتين. و (أرَاهِط) إذ هُما جمع: أكَلُب وأرهُط، والتقدير في نحو: مساجد ومنابر، هذا مُكَرَّر كأنه كُرِّرَ مرة أخرى. و (منابر) فإنه وإن كان جمعاً من أول وهلة، لكنه بِزِنة ذلك المُكرَّر وهو: (أكَاَلِب وأرَاهِط) فكأنه أيضاً جُمِع مرة أخرى فيكون جمع جمعٍ، وهذا اختيار ابن الحاجب.
لأن (مَسَاجِد) جاء على وزن (مَفَاعِل) و (مَفَاعِل) يكون مُكرَّراً كأنه كُرِّرَ مرةً أخرى، هذا فيه تَكلُّف ولذلك القول الأول أرجح: أنَّ العِلَّة الثانية هي خروجه عن صيغ الآحاد، يعني: لا يوجد في المفردات ما هو على زِنَة (مَفَاعل) أو (مَفَاعِيل) وأمَّا بالتَكرار نقول: هذا فيه نظر، لأنه قد يَتخَلَّف عن بعضها (مَسَاجِد) لم يُجمع، فكيف حينئذٍ نقول: هو مُكرَّر؟ ثُمَّ نُقعِّد قاعدة وهي: أن جمع الجمع سَماعي، وهذا يكاد يكون اتفاق، وأمَّا الجمع نفسه فهذا مختلفٌ فيه.
إذاً:
وَكُنْ لِجَمْعٍ مُشْبِهٍ مَفَاعِلاَ ... أَوِ المَفَاعِيْلَ بِمَنْعٍ كَافِلاَ
(كُن كافلاً بِمنعٍ) يعني: لصرف، (لِجَمْعٍ مُشْبهٍ مَفَاعِلاً .. أَوِ المَفَاعِيلَ) هذان الوزنان، موازنة هذين الجمعين وكلاهما لا نظير له في الآحاد، وهي مُستقلة بِمنع الصرف أيضاً، كما أنَّ ألف التأنيث مستقلةٌ بِمنعٍ الصرف، إذ الاسم بها فرعٌ من جهة الجمعية وجهة عدم النظير بخلاف سائر الجموع، فإنها قد يوجد لها نظير في الآحاد، يعني: قد تأتي -كما يأتي معنا إن شاء الله-: أنَّ زِنَة جَمع التكسير قَد يكون مثله وزنٌ في الآحاد، يعني: في المفردات، وأمَّا هذه لا، خَرَجت عن الآحاد فلا نظير لها.
ولا يُشتَرط أن يكون في أوله ميمٌ زائدة، بل أن يكون أوله حرفاً مفتوحاً، أيَّ حرفٍ كان، وأن يكون بعد ألف الجمع حرفٌ مكسورٌ لفظاً أو تقديراً، وهذا على مذهب سيبويه، اشتراط كَسر ما بعد الألف، مذهب سيبويه والجمهور، يعني: (مفاعِـ) لا بُدَّ أن يكون ما بعد ألف مكسور (مَفَاعِيل) فلو لم يكن مَكسوراً لم يُمنع من الصرف.
стр. 2149
وأن يكون بعد ألف الجمع حرفٌ مكسورٌ لفظاً أو تقديراً، لفظاً واضح: (مَسَاجِد .. مَصَابِيح) وأمَّا التقدير، فنحو: (دوآب) أصله: (دوابِب) ما بعد الألف مكسور وهو الباء، ثُمَّ أرِيد إدغامها في الباء الثانية، سُلِبَت ثُمَّ أدغمت، إذاً: هو مكسور لكنه مُقدَّر: (دوابَّ) مُشدَّد ما بعد الألف، حينئذٍ نقول: هو مكسورٌ في التقدير، لأن هذا أصله.
فإن كان الساكن بعد الألف لا حَضَّ له في الحَرَكة نحو: (عَبالَّ) جمع: عَبَالَّةٍ وهي: الثِّقَل، و (حَمارَّ) جمع: حَمَارَّةٍ، يُقال: حَمَارَّة القيض: شِدَّة حره، فمصروف، لماذا؟ لأن: (عَبالَّ) ما بعد الألف ما هو؟ ساكن ليس مُتحرِّكاً، ونحن نشترط أن يكون مُتحرِّكاً، ومُتحرِّكاً بالكسر، وهنا ساكن (عَبالَّ .. حَمارَّ) نقول: الأول مُدغَم في الثاني، وهو ساكن فَدَّل على أنه ليس مكسوراً، فحينئذٍ هذا يكون مصروفاً لِتخلُّف الشرط، هذا مذهب سيبويه والجمهور.
وذهب الزَجَّاج إلى أنه لا يشترط ذلك، يعني: لا يشترط أن يكون ما بعد ألفه مكسوراً، فحينئذٍ (حَمارَّ وعَبالَّ) يكون ممنوعاً من الصرف عند الزَجَّاج، ولا يُعتَدُّ في هذا الوزن بكسرةٍ عارضة، لا بُدَّ من أن تكون الكسرة أصلية احترازاً من نحو: تَوانٍ وتَغازٍ، لأن (تَوانٍ) الكسرة هنا من أجل أن تَصِح الياء، لأنه على وزن (تَفَاعُل) أصله: (تَوانِيُ) لو قيل بالضمَّة على النون وجب قلب الياء كسرة لأنه من التواني، أصله: (توانِيُ) ما يأتي (نِيُ) لكن نقول: الياء بعد الضمة، فأصله على وزن: (تَفَاعُل) حينئذٍ أصله (تَواني) النون هُنا مَضمُومة.
إذاً: ياءٌ ساكنة قبلها ضمة، فيجب قلب الياء .. إذا سَكَنَت الياء وضُمَّ ما قبلها وجَبَ قلب الياء واواً، فراراً من هذه العِلَّة قلبنا الضَمَّة كسرة، فقيل: (توانٍ) يعني: دخل التنوين فحذفت الياء، ومثله: (تَغازٍ) أصله: (تغازُي)!
على كلٍّ: الواو الساكنة قبلها ضَمَّة، فوجب قلب الياء واواً، حينئذٍ وجب قلب الضَمَة كسرة لتَصِح الياء. فإن الكسرة فيهما مُحوَّلةً عن ضَمَّةٍ لاعتلال الآخِر، إذ أصله: (تَفَاعُل) بِضمِّ العين، مصدر (تَفَاعَل) (تَوانِي).
ولا ياء النسب نحو: (مدائني وحواري) لأن الياء هذه عارضة كما سيأتي، ياء النسب يجب أن يكون ما قبلها مكسور: (قُرَشِيٍّ) -في بعضه سيأتي-.
لوجود ياء النسب فيهما قبل الجمع، ولا بألفٍ مُعوَّضَة من ياء النسب، نحو: (يمانٍ وشامٍ) فإنهما مصروفان، لأن الألف عِوَضٌ من يَاء النَسب والأصل: (يَمنِي وشَامِي) ويأتي في مَحلِّه.
стр. 2150
ولو دخلت التاء هذا الجمع صُرِفَ - التاء .. تاء التأنيث - لو دخلت هذا الجمع ما كان على وزن: (مَفَاعل أو مَفَاعِيل) صُرِفَ، يعني: ارتفع المنع من الصرف، نحو: (صَيَاقِلةٌ) لأنه بدخولها أشبه المفردات، نحو: (كَرَاهية) إذاً: كل جَمعٍ أرِيد صَرفُه من هذه الأوزان (مَفَاعل ومَفَاعِيل) حينئذٍ أَدخل عليه التاء، إذا صَحَّ لغةً حينئذٍ يكون مَصرُوفاً، ولو حُذفت التاء من كلمةٍ فبقيت بوزن هذا الجمع مُنِعَت الصرف على العَكس، الممنوع من الصرف إذا دَخَلَت عليه التَاء صَرَفَته، ولو كان هو مختوماً بالتاء ثُمَّ حُذِفت التاء كـ: (عَلَانِية) حينئذٍ لو حذفت التاء صار: (عَلَانيَ) مَنَعتَه من الصرف لأنه صَار على وزن (مَفَاعِل).
ولو حُذِفَت التاء من كلمةٍ فبقيت بوزن هذا الجمع مُنِعَت الصرف، كأن يُسمَّى رجل: (عَلَاني) من (عَلَانيةٍ) ولو سُمِّي بهذا الجمع كـ: (مَساجِد) .. سَمَّيت رجلاً (مَساجِد) فلا خلاف في منع صَرفِه، وقد مَنَعَت العرب: (شَراحِيل) من الصرف وهو جَمعٌ سُمِّي به رجل، يعني: اجتمع فيه العَلَمية والجمع.
وَكُنْ لِجَمْعٍ مُشْبِهٍ مَفَاعِلاَ ... أَوِ المَفَاعِيلَ بِمَنْعٍ كَافِلاَ
قوله (لِجَمْعٍ) هذا اعتُرِض لأنه قد لا يكون جَمعاً، وأرادوا به المنقول أو نحو: (سَرَاوِيل) لأن سَرَاوِيل مفرد، وهو ممنوع من الصرف لكونه مشبهاً (مَفَاعِيل) إذاً: هو مُفرَد، وأنت تقول (وَكُنْ لِجَمْعٍ) وهو ليس بِجمعٍ، كذلك لو سُمِّي به رجل (مَصَابِيح) سَمَّيت رجلاً، صار ليس بِجمعٍ .. صار مُفرداً، فكيف يُقال بأنه لجمعٍ؟
اعتُرِضَ بأن الجمعية ليست شرطاً، بل كل ما كان على هذين الوزنين، واستوفى الشروط المذكورة مُنِعَ صَرفُه، وإن فُقِدَت الجمعية كان الأولى أن يقول: (للفظٍ) يعني: وكُن للفظٍ مُشبهٍ مَفاعِلاً، هذا أولى ليَعُمَّ ما ذَكَرُوه.
ويُجاب: بأن الجمع في كلامه تَمثِيلٌ لا تقييد، وإنما نظر إلى الغالب والأكثر، بل نَظَر إلى الأصل، إذاً لم يوجد من المُفرَد أصالةً إلا سَرَاويِل فقط، والبقة كله جَمع، إذاً: لماذا يَعتبِر هذا المفرد .. هو واحد لماذا يَعتبِره؟ ثُمَّ ما نُقِل للعلمية، هذا خلاف الأصل، الأصل اعتباره قَبَل النقل، فإذا نُقِل هذا صار فرعاً.
ويُجاب: بأن الجمع في كلامه تَمثِيلٌ لا تقييد، بدليل قوله: وَلِسَرَاوِيلَ المنع، وإنما آثر الجمع بالتمثيل لأنه الغالب في الوزنين.
قال الشارح هُنا: " هذه العِلَّة الثانية التي تَستَقل بالمنع، وهي الجمع المتناهي – وعرفنا المراد بالجمع المتناهي – لَكنَّه ليس مُطَّرِداً، الاسم هذا ليس مُطَّرِداً، في جميع ما كان على وزن (مَفَاعِل ومَفَاعِيل) وإنما يَصِح فيما إذا جُمع الجمع، إلا إذا قلنا بأن الجمع انتهى عِنَد: (مَسَاجِد ومَنَابِر) فلم يُجمع مرةً أخرى فلا إشكال فيكون مُطَّرداً.
стр. 2151
وضابطه: كل جَمعٍ بعد ألف تكسيره حرفان أو ثلاثة، أوسطها ساكن نحو: (مَسَاجِد ومَصَابِيح) ونَبَّه بقوله: (مُشْبِهٍ مَفَاعِلاً أَوِ المَفَاعِيْلَ) على أنه إذا كان الجمع على هذا الوزن مُنِع، وإن لم يكن في أوله ميم، فيدخل (ضَوَارِب) ونحوه، فإن تَحرَّك الثاني صُرِف نحو: (صَيَاقل) تَحرَّك الثاني، وهذا متى يَتَحرَّك؟ إذا دخلت عليه تاء التأنيث، ولذلك مَثَّلُوا: (صَيَارِف وأشَاَعِر، وأحَامِر، وعبَاقِر، ومَيَاثِر، وغَسَاسِن) ونحو ذلك، نقول: هذا إذا دَخَلت عليه تاء التأنيث، هذا الضابط فيه، وأمَّا إذا تَحرَّك هكذا ..
فإن تَحرَّك الثاني، يعني: الثاني بعد الألف فيما إذا اشتُرِط فيه ثلاثة. فإن تَحرَّك الثاني بعد الألف صُرِفَ نحو: (صَيَاقِل):
وَذَا اعْتِلاَلٍ مِنْهُ كَالجَوَارِي ... رَفْعَاً وَجَرّاً أَجْرِهِ كَسَارِي
يعني: ما كان مُعتلاً مَختوماً بياء مما كان على وزن (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل) ولا يكون في لسان العرب مَختوماً بواو، وإنما دائماً يكون مَختوماً بالياء، حينئذٍ قال في حالتي الجر والإضافة: (أَجْرِهِ كَسَارِي) (سَارٍ) هذا ليس بجمع ممنوع الصرف، وإنما المراد به أن يكون مَحمُولاً على: (سارٍ وقاضٍ) في كونه يُنوَّن وتحذف الياء للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، ولذلك (جواري) بعد ألف تَكسيِره حرفان، (غواشي) بعد ألف تَكسيِره حرفان، نحن نقول: (غَوَاشٍ وجَوَارٍ) حينئذٍ هو ممنوعٌ من الصرف ويدخله التنوين، وسبق معنا أن تَنوِين العِوَض وكذلك تنوين المقابلة يدخلان المصروف وغير المصروف، فإذا وجد التنوين فحينئذٍ في نحو: (عَرَفاتٍ) نقول: هذا ممنوع من الصرف، كيف دخله التنوين، ونحن نقول: ممنوع من الصرف، أي: التنوين؟
نقول: الممنوع من الصرف الذي هو تنوين الصرف .. تنوين التمكين، وليس بتنوين المُقابَلة وتنوين العِوَض، وأمَّا: (مُسلِمَات) و (أذرِعَات) فالتنوين فيه تنوين مُقَابَلة، و (جوارٍ) و (غواشٍ) مَمنوع من الصرف، حينئذٍ كيف يكون ممنوعاً من الصرف وقد دخله التنوين، والمنع من الصرف هو المنع من التنوين؟! نقول: هو ممنوعٌ من الصرف، وهو تنوين الصرف اللاَّحِق للأسماء المُعرَبة المُنصرِفة، وهذا التنوين الذي في (جوارٍ) و (غواشٍ) تنوين عوضٍ عن حرفٍ، وتنوين العوض عن حرف وعن كلمة يدخل في المُنصرِف وغيره، على جهة الإجمال.
هنا قال: (وَذَا اعْتِلاَلٍ مِنْهُ) (وَذَا) هذا منصوبٌ على الاشتغال: أجرِ ذَا اعتِلالٍ (مِنْهُ) هذا مُتعلِّق بقوله (اعْتِلاَلٍ) (مِنْهُ) الضمير يعود إلى (جَمْعٍ مُشْبِهٍ مَفَاعِلاً أَوِ المَفَاعِيْلَ)، (وَذَا اعْتِلاَلٍ مِنْهُ) يعني: من الجمع المُتقَدِّم (كَالجَوَارِي) حالٌ من (ذَا اعْتِلاَلٍ).
(رَفْعَاً وَجَرَّاً) منصوبان بِنَزع الخافض، يعني: في حالة الرفع وفي حالة الجر، وسَكَتَ عن حالة النصب لأنها على الأصل، تبقى الياء وتظهر الفتحة عليها.
(رَفْعَاً وَجَرَّاً أَجْرِهِ كَسَارِي) إذاً: مراده بهذا البيت أن يُبيِّن -كالاستثناء مما سبق- في أن ما كان على وزن (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل) يدخله تنوين العِوَض عن الحرف، يعني: ما كان من الجمع الموازن (مَفَاعِل) مُعتلاً فله حالتان:
стр. 2152
الأولى: أن يكون آخره ياءً قبلها كسرة نحو: (جوارٍ) و (غواشٍ).
النوع الثاني من (مَفَاعِل): أن تُقلب ياؤه ألفاً نحو: (عَذَارَى) و (مَدَارَى) يعني: تَحرَّكَت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفاً، وكذلك في (مَدَارَى).
والشاهد هناك في الأول، الأول الذي يكون آخره ياءً قبلها كسرة، نحو: (جوارٍ) و (غواشٍ)، الأول هذا النوع وهذا هو الغالب فيه: أن تبقى الكسرة كما هي: (جوارِي .. غواشِي) فإذا خلا من (أل) والإضافة، حينئذٍ هو مَمنوعٌ من الصرف، يجري في رفعه وجَرِّه مَجرَى (قاضٍ وسارٍ) .. إذا خلا من (أل) والإضافة والكسرة باقية في نحو (جوارٍ) و (غواشٍ) نقول: يجري في رفعه وخفضه قاضٍ في الرفع والجر
وَنَوِّنِ المُنَكَّرَ المَنقُوصَا ... فِي رَفْعِهِ وَجَرِّهِ خُصُوصَا
إذاً: في هاتين الحالتين تبقى الياء، ثُم تبقى الكسرة على ما هي، كما سيأتي.
يَجري في رَفعه وجَرِّه مَجرى (قاضٍ وسارٍ) في حذف ياءه وثبوت تنوينه، نحو: ((وَمِن فَوقِهِم غَوَاشٍ)) [الأعراف:٤١] (غَوَاشٍ) حذفت الياء للتَخلُّص من التقاء الساكنين، ((وَالفَجرِ * وَلَيَالٍ عَشرٍ)) [الفجر: ١ - ٢] وفي النَصب يَجرى مَجرى (دَرَاهِم) يعني: تبقى على ما عليه الفتحة في سلامة آخره، وظهور الفتحة نحو: ((سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ)) [سبأ:١٨] هناك قال: ((وَالفَجرِ * وَلَيَالٍ)) [الفجر: ١ - ٢] حَذَف الياء ونَوَّن، وهنا قال: ((لَيَالِيَ)) [سبأ:١٨] ما الفرق بينهما؟
نقول: هُنا (لَيَالِيَ) في حالة النَصب، تبقى الياء كما هي فيُعَامل مُعَامَلة (دَرَاهِم) مثل: رأيت قَاضياً، تبقى الياء، والتنوين هذا تَنويِن صرف، وليس بِتنوين عِوَض عن حرف على الصحيح، وأمَّا هذا (قاضٍ) ومررت بِقاضٍ حينئذٍ تُحذف الياء والتنوين يكون تنوين صَرفٍ، والحذف إنما يكون للتَخلُّص من التقاء الساكنين.
والثاني الذي هو (عَذارَى) و (مَدارَى) يُقدَّر إعرابه ولا يُنوَّن، هذا لا إشكال فيه واضح، يُقدَّر إعرابه ولا يُنوَّن بِحال، ولا خلاف في ذلك، وهذا خرج من كلامه بقوله: (كَالجَوَارِي) حينئذٍ (عَذارَى) و (مَدارَى) لم يَقصِده الناظم، لأن الياء انقَلَبت ألفاً، كل جَمعٍ مُعتَل بالياء وهو مِمَّا على صيغة (مَفَاعِل) فقلبت الياء ألفاً حينئذٍ لا يُنوَّن وإنما يُنوَّن ما بقيت فيه الياء ولم تُقلَب ألفاً، والكسرة على حالها قبل الياء، فحينئذٍ في حالة الرفع والجر يكون مُنوَّناً، وأمَّا في حالة النصب فيبقى على أصله.
تنوين (جوارٍ وغواشٍ) تنوين عِوَضٍ عن الياء المحذوفة في حالتي الرفع والجر، وهذا في كل اسمٍ ممنوعٍ من الصرف منقوصٍ كـ: (عَوَادٍ) و (أعَيمٍ): تصغير أعمى، (يُعَيلٍ): تصغير يعلى، يَبقى التنوين.
ومذهب الجمهور على تقديم الإعلال على منع الصرف، يعني: أولاً أعِلَّ، ثُمَّ بعد ذلك مُنِع من الصرف، وجهه أن يُقَال: بأن منع الصرف مُتعلِّقٌ بِحال الكلمة، وأمّا الإعلال مُتعلِّقٌ بجوهر الكلمة، لأن الإعلال قلب حرف أو حذفٌ وهذا مُتعلِّق بِجوهر الكلمة، وأمَّا كونه ممنوعاً من الصرف فهذا صفة، حينئذٍ إذا اختُلِف أيهما أولى – والخلاف موجود – هل الإعلال مُقدَّم على منع الصرف، أو منع الصرف مُقدَّمٌ على الإعلال؟
стр. 2153
الجمهور على أن الإعلال مُقدَّم على منع الصرف، إذاً: أُعِلَّ أولاً ثُمَّ مُنِع من الصرف، لماذا قلنا بهذا؟ لأن الإعلال مُتعلِّقٌ بذات الكلمة .. بِحرفها .. بِجوهرها، وأمَّا منع الصرف هذا مُتعلِّقٌ بِحال الكلمة.
إذاً: مذهب الجمهور على تَقديم الإعلال على منع الصرف لِتعلُّق الإعلال بجوهر الكلمة، بِخلاف منع الصرف فإنه حَالٌ للكلمة، فأصل (جَوَارٍ): (جَوارِيٌ) ياءٌ مضمومة مع التنوين، لا تَقُل: ممنوع من الصرف ولا يدخله التنوين لا، ما نظرنا إلى الصرف، أولاً تقول: (جَوارِيٌ) بالضَمِّ والتنوين، واستُثقِلت الضمَّة على الياء فحُذِفت، ثُمَّ حُذِفَت الياء لالتقاء الساكنين.
إذاً: (جَوارِيٌ) ياءٌ مضمومة مع التنوين، أول خطوة تقول: هو باقٍ على أصله، قبل أن تنظر فيه من جهة منع الصرف، فتقول أصله: (جَوارِيٌ).
الخطوة الثانية تقول: استثقِلَت الضمَّة على الياء ثُمَّ حُذِفَت، فصارت الياء ساكنة، حينئذٍ التقى ساكنان الياء والتنوين، حذفت الياء لِمَا ذكرناه سابقاً: أنه حرف عِلَّة وقبله مَا يَدل عليه، صار (جوارٍ) بعد الحذف .. إذاً: سَبَق الإعلال هُنا، بعده تنظر إلى كون (جَوَارِي) على وزن (مَفَاعِل) فتمنعه من الصرف، كيف يكون على وزن (مَفَاعِل) والياء محذوفة؟ قالوا: الياء محذوفة هنا لعلةٍ تصريفية، والمحذوف لعلة تصريفية كالثابت .. كالموجود، فالياء كأنها موجودة، فكأنك قلت: (جَوَارِي) فلاحظت فيه صيغة منتهى الجموع فمنعته من الصرف.
إذاً: ذهب السبب المقتضي لحذف الياء، إذاً: سترجع الياء، لأن الياء إنما حذفت بسبب التنوين، ونحن منعناه من الصرف، إذاً: سترجع الياء، قالوا: قطعاً لطمع رجوع الياء نأتي بِعِوَضٍ عن هذه الياء، ولذلك قيل: بأن هذا التنوين تنوين عِوَض، يعني: لئلا ترجع الياء طَلباً للخفة - من جهة اللفظ والمعنى كما سيأتي – طَلباً للخفة، فقطعاً لطمع رجوع الياء جئنا بالتنوين عِوَضاً عن هذه الياء، ليبقى السبب الموجب لحذفها، حينئذٍ صار الإعلال مقدماً على منع الصرف.
إذاً: أصل (جَوَارٍ) (جواريٌ) بالضَمِّ والتنوين، استثقلت الضمَّة على الياء فحُذِفت، ثُمَّ حُذِفَت الياء لالتقاء الساكنين، ثُمَّ حُذِفَ التنوين لوجود صيغة منتهى الجموع تقديراً، لأن المحذوف لعلة كالثابت، فخيف رجوع الياء لزوال الساكنين في غير المُنصَرِف المُستَثقَل لفظاً لكونه منقوصاً، ومعنىً لكونه فرعاً، هذه عِلَّة حذف الياء، لماذا نَحذفها والتنوين قد أُزِيل والأصل أنها ترجع؟ قالوا: لا، الممنوع من الصرف ثقيل من جهة المعنى لأنه جَمع، ومن جهة اللفظ، فالياء حينئذٍ الأولى أن تُحذف.
стр. 2154
فخيف رجوع الياء لزوال الساكنين في غير المُنصَرِف المُستَثقَل لفظاً لكونه منقوصاً، لأن المنقوص ثقيل آخره ياءٌ ساكنة، ومعنىً لكونه فرعاً، فعوضوا التنوين من الياء لينقطع طَمَع رجوعها، هذا تعليل، وهذا المشهور عِنَد المتأخرين، بأن الإعلال سابقٌ على الصرف. أو للتخفيف، يعني: حُذِفَت الياء تَخفيفاً، بناءً على حَمل مذهبهم على تقديم منع الصرف على الإعلال، فأصله بعد منع صرفه (جَوارِيُ) هذا الأصل بدون تنوين .. بإسقاط التنوين، استُثقِلَت الضمَّة على الياء فحُذِفَت، أصله: (جَوَارِيُ) ممنوع من الصرف، استُثقِلَت الضمَّة على الياء فحُذِفَت، ثُمَّ حُذِفَت الياء تخفيفاً وعُوضَ عنها التنوين لئلا يكون في اللفظ إخلال بالصيغة.
هذا مذهب سيبويه والجمهور: أن التنوين عِوَض عن الياء، في كلا القولين، سواءٌ قلنا الإعلال مُقدَّم على منع الصرف أو بالعكس، فالتنوين في الحالين عِوضٌ عن الياء.
ومذهب المبَرِّد والزجَّاج: أنه عِوضٌ عن حركة الياء، التنوين في (جَوَارٍ، وغَوَاشٍ) ليس عِوضاً عن الياء بل عِوضٌ عن الحركة.
ومنعُ الصرف مُقدَّم على الإعلال، فأصله بعد منع صرفه (جَوَارِيُ) بإسقاط التنوين، استثقلت الضمَّة على الياء فحذفت، وأتي بالتنوين عوضاً عنها، وهذا غريب لأن التنوين لا يُعَوَّض عن حَرَكَة، وإنما يُعوَّض به عن حرفٍ. ثُمَّ حُذِفَت الياء لالتقاء الساكنين.
إذاً: التنوين جيء به عوضاً عن الحركة، ثُمَّ التقى ساكنان: الياء والتنوين، فحُذِفَت الياء لالتقاء الساكنين، وكذا يُقال في حالة الجر على الأقوال الثلاثة.
وَذَا اعَتِلاَلٍ مِنْهُ كَالجَوَارِيَ ... رَفْعَاً وَجَرّاً أَجْرِهِ كَسَارِي
أَجْرِهِ: يعني: ما سبق، (كَسَارِي)، فإذا قلت: مررت بِجوارٍ، فعلامة جَرِّه فتحة مُقدَّرة على الياء، مررت بِجوارٍ (جَوَارٍ) تقول: هذا اسمٌ مَجرور بالباء، وجَرُّه فتحة مُقدَّرة على الياء نيابةً عن الكسرة، لأنه غير مُنصَرِف، وإنما قُدِّرَت مع خفة الفتحة لأنها نَابت عن الكسرة، بعضهم رأى: أنه إذا كان الفتحة لا تظهر، لماذا نقول: عِوَض .. لماذا لا نأتي بالأصل؟ نقول: لا، كونها نائبةً عنها فيه ثِقَل.
وإنما قُدِّرَت مع خفة الفتحة لأنها نابت الكسرة فاستُثقِلَت لنيابتها عن المُستَثقَل، وقد ظهر أن قول الناظم: (كَسَارٍ) إنما هو في اللفظ فقط، وليس المراد أنه ممنوع من الصرف، لأن (سَارٍ) هذا اسم فاعل كـ: (قَاضٍ) فالمراد به أنه مِثلَه في اللفظ، فالتشبيه حينئذٍ يكون تشبيه لفظٍ بلفظٍ فقط دون التقدير، لأن (سَارٍ) كـ: (قاضٍ) مُنصَرِف فجرُّه كسرة مُقدَّرة، وتنوينه تنوين التمكِين لا العِوَض لأنه مُنصَرِف.
إذاً فرقٌ بين: (جَوَارٍ) و (سَارٍ)، (جَوارٍ) هذا ممنوعٌ من الصَرف و (سَارٍ) مصروف، (جَوَارٍ) التنوين فيه عِوَض عن حرف، و (سَارٍ) تنوين صَرفٍ .. تنوين تَمكِين.
وَذَا اعَتِلاَلٍ مِنْهُ كَالجَوَارِيَ ... رَفْعَاً وَجَرّاً أَجْرِهِ كَسَارِي
قلنا: سكت عن حالة النصبِ ففُهِم منه أنه على الأصل كالصحيح.
إذاً: قوله: (كالجوَارِي) احتَرَز به مِمَّا إذا قلبت الياء ألفاً كـ: (العَذَارَى) و (المَدَارَى) هذا يبقى على الأصل.
стр. 2155
فإذا كان (مَفَاعِل) منقوصاً فقد تُبدل كسرته فتحة فتنقلب ياؤه ألفاً، فلا يُنوَّن نحو: (عَذَارَى) و (مَدَارَى).
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ ... شَبَهٌ اقْتَضَى عُمُومَ الْمَنْعِ
(سَرَاويلَ) هذا خبر .. جار ومجرور مُتعلِّق بمحذوف خبر مُقدَّم، و (شَبَهٌ) هذا مبتدأ مؤخر، (شَبَهٌ بِهذا الجمع) .. (ولِسرَاوِيل شَبَهٌ بِهذا الجَمع) أيُّ جمعٍ؟ صيغة منتهى الجموع، اقْتَضَى هذا الشَبَه (عُمُومَ الْمَنْعِ) يعني: عموم منع الصرف في جميع الاستعمالات، فلا يُقال: بأنه يُصرَف أو أنه يَحتمل الوجهين كما قاله بعضهم، حينئذٍ (لِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ شَبَهٌ) إذاً: لَمَّا أشبَه هذا اللفظ وهو لفظ (سَرَاوِيلَ) ما كان على وزن (مَفَاعِيل) حينئذٍ اقتضى أن يمنع من الصرف.
(سَرَاوِيلَ) اسم مُفرد أعجمي، جاء على وزن (مَفَاعِيل) فمُنِع من الصرف لشبهه بالجمع في الصيغة المعتَبَرة، لِمَا سَبَق: أن (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) لا يكونان في لسان العرب إلا لجمعٍ، أو منقولٍ من جَمعٍ، (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل) إمَّا أصالةً أو فرعاً، أصالةً: أن يكون المراد به حقيقة الجمع، أو أن يكون منقولاً عن الجمع فيُسمَّى به، فَحقُّ ما وازنهما أن يُمنع من الصرف، وإن فُقِدت منه الجمعية إذا تَمَّ شَبَهه بهما.
حينئذٍ نقول: ما كان على وزن (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل) مُطلقاً يُمنَع من الصرف، سواءٌ كان باقياً على الجمعية، ولذلك قيل: (وكُن لِجَمعٍ) اعتُرِض هنا، لأنه قد لا يكون جمعاً، قد يكون مسمَّاه مُفرَد واحد، ثُمَّ هذا المفرد قد يكون مسموعاً في استعمال العرب، وهو (سَرَاويلَ) وليس له ثانٍ، وقد يكون أصله الجمع لَكنَّه نُقِل إلى العَلَمية.
سَمَّيت زيداً واحداً من الناس سَمَّيتَه: مَسَاجِد ومَنَابِر، حينئذٍ تمنعه من الصرف، مَدلُوله جَمع أو مُفرَد؟ مَدلُوله مُفرد، يُمنَع من الصرف، لكونه شَابَه (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) حينئذٍ يُمنَع من الصَرف.
وإن فُقِدَت منه الجمعية إذا تَمَّ شَبَهه بهما.
إذاً: (وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ ... شَبَهٌ) لِسَراوِيل شَبَهٌ لِسَراوِيل بِهذا الجمع، فُهِم منه أنه ليس بِجمع، لأنه قال: (شَبَهٌ) وشَبَه الشيء غيرُه، دَلَّ على أنه ليس بِجمعٍ، فَدَلَّ على أن ابن مالك ﵀ يَرَى أنَّ (سَرَاوِيلَ) مُفرَدٌ وليس بَجمعٍ.
ومن النحاة من يقول -وهو المُبَرِّد-: " إن (سَرَاوِيلَ) جَمعٌ حقيقةً، ومُفرَدُه: (سِرْوالة) سُمّي به المفرد " يعني: في الأصل هو جمع، لَكنَّه نُقِل، مثل لو سَمَّيت رجلاً: مَسَاجِد، حينئذٍ صار في الأصل هو جمع، لَكنَّه أريد به المفرد.
ومُفرَدُه: (سِروالة) ويستدِل على هذا بقول الشاعر:
عَلَيهِ مِنَ اللُّؤْمِ سِرْوَالَةٌ ..
(سِرْوَالَةٌ) قالوا: جمعه على: سَرَاوِيل، ورُدَّ: بأن (سِرْوَالَة) لم يُسمَع، وهذا البيت؟! قالوا: مَصنُوع لا حُجَّة فيه البَتَّة، (مَصنوع) يعني: مُوَلَّد، أصحابه ليسوا مِمَّن يُحتَّجُ بقولهم، فحينئذٍ يُقَال: هذا لا يُحتَّج به، لأنه من المُولَّد.
стр. 2156
وذَكَرَ في (شرح الكافية): " أن (سِرْوَالَة) لغةٌ في: سَرَاوِيل، لأنها بمعناه فليس جمعاً لها " ابن مالك يرى أنَّ (سِرْوَالَة) ثَابِت لَكنَّه لغة أخرى في (سَرَاوِيلَ) فكلاهما مُفرَد، فليس جمعاً له، إذاً: مُختلفٌ فيه، لَكِن الأكثر على أنه مُفرَد.
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ ... شَبَهٌ اقْتَضَى عُمُومَ الْمَنْعِ
إذاً: قوله (شَبَهٌ) فُهِم منه: أنَّه ليس بِجمعٍ، خلافاً لمن قال: إنه جمع (سِروال) أو (سِروَالَة).
وقوله: (اقتضى عُمُومَ المَنعِ) أي: عموم منع الصرف في جميع الاستعمال، خلافاً لِمن زَعَمَ غير ذلك من جواز الوجهين: الصرفَ ومنعه.
قال الشَّارح هنا: " يعني: أنَّ (سَرَاوِيل) لَمَّا كانت صيغته كصيغة منتهى الجموع امتَنَع من الصرف لَشَبَهه به، وزَعَمَ بعضهم: أنه يجوز فيه الصرف وتَركُه، واختار المُصنِّف: أنه لا يَنصَرِف، وهذا قول أكثر النحاة، بل حُكِي إجماعٌ عليه ".
وَإِنْ بِهِ سُمِّيَ أَوْ بِمَا لَحِقْ ... بِهِ فَالاِنْصِرَافُ مَنْعُهُ يَحِقّ
؟؟؟
(مَنْعُهُ) مبتدأ ثاني و (يَحِقّ) خبر الثاني، (مَنْعُهُ يَحِقّ) الجملة من المبتدأ والخبر في مَحل رفع خبر المبتدأ الأول.
يَرِد إشكال في قوله: (بِهِ) هذا سبق معنا (وَإِنْ بِهِ سُمِّيَ) سُمِّيَ به، هذا الأصل، و (بِهِ) هذا نائب فاعل، ونائب الفاعل يأخُذ حكم الفاعل، والفاعل لا يَجوز تقديمه على عامله، هل يَصح أن يُقال: زيدٌ ضُرِبَ، على أنَّ (زيد) نائب فاعل؟ لا يَصح، قيل: يُتوَسَّع في الجار والمجرور، حينئذٍ إذا كان نائب الفاعل جارَّاً ومَجروراً صَحَّ تقديمه.
ويَحتمل أنه محذوف .. على الحذف والإيصال، أصل التركيب: وإن بِهِ سُمِّي بِهِ، حُذِفَ حرف الجر الباء، ثُمَّ حَصَل إيصَال، يُسمَّى: الحذف والإيصال، يعني: اتَّصَل الضمير البارز بـ (سُمِّي) فاستَتَر، حينئذٍ (سُمِّي) فيه ضمير، الذي أصله البارز، وحُذِفَ حرف الجر الباء، حينئذٍ صَحَّ تقديمه، هنا التقديم ليس لنائب الفاعل، وإن كان مُتعلِّقاً بـ (سُمِّي).
إذاً: (وَإِنْ بِهِ سُمِّيَ) وإن سُمِّي بِهِ، سُمِّي بماذا؟ بـ: (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) حينئذٍ خَرَجَ عن دلالته على الجمعية، هل هذا الخروج مَنَع صرفه أو لا .. هل يَمنع .. يُؤثِّر في كَونه مَمنوعاً من الصرف أو لا؟ لا يُؤثِّر،
(وَإِنْ بِهِ سُمِّيَ) إن سُمِّي بِهِ، يعني: بالجمع المتناهي، أو بصيغة (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل).
(أَوْ) للتنويع (بِمَا لَحِقْ) (بِمَا) هذا معطوف على (بِهِ) معطوف به، يعني: جار ومجرور معطوف على جار ومجرور، فلا تَقُل: مُتعلِّق بكذا! و (مَا) واقعة على مَا لَحِق بـ: (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) وهو لفظٌ واحد: (سَرَاوِيلَ)، إذاً قوله: (بِمَا) (مَا) هنا واقعة على لفظ (سَرَاوِيلَ) المذكور في البيت السابق، لأنه ليس عندنا مُلحَق، أليس عندنا مُثنَّى حقيقة، والملحق بِمثنَّى .. أليس عندنا جمع، والملحق بالجمع؟ صيغة منتهى الجموع (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) الملحق بها لفظٌ واحد، وهو (سَرَاوِيلَ) فقط.
إذاً: ما ألحق به، يعني: بـ: (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) وهو لفظ: (سَرَاويلَ).
стр. 2157
حينئذٍ (بِمَا) (مَا) واقعة على (سَرَاويلَ)، (لَحِق) الضمير عائد على (سَرَاوِيلَ) وهو (مَا) (بِهِ) يعني: بالجمع، جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (لَحِق) وإن سُمِّي به بـ: (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) وهو في الأصل جَمعٌ، أو سُمِّي بِمَا لَحق بالجمع وهو لفظ: (سَرَاوِيلَ) (فَالاِنْصِرَافُ مَنْعُهُ يَحِقّ) يعني: فالانصراف مَنعُه على الأصل يَحِق، وهو الحَق، يعني: ثَابتٌ كما هو قبل النقل.
يعني: أنَّ ما سُمِّي به من مثال (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) فحقه منع الصرف، سواءٌ كان منقولاً من جَمعٍ كـ: مَسَاجِد، اسم رجل، سُمِّي رجل بـ: مَسَاجِد، أو مِمَّا لَحق به من لفظٍ أعجمي مثل: (سَرَاوِيلَ) سُمِّي: سَرَاويلَ واحد، أو لفظٍ ارتُجِل للعلمية مِثل (هَوَازِن) إذاً: ابتداءً، سُمِّي: هَوَازِن ابتداءً، لم يُنقَل.
والعِلَّة في منع صرفه: ما فيه من الصيغة مع أصَاَلة الجمعية، يعني: نظراً إلى أصله قبل النقل، فالجمعية منظورٌ إليها قبل المنع مع كونه صيغة (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل) إذاً: وجدت العِلَّة فيه.
أو قيام العَلَمية مُقَامَها، فلو طَرَأ تنكِيرُه انصرف على مُقتَضَى التعليل الأول دون الثاني، ومذهب سيبويه: أنَّه لا يَنصرِف بعد التنكير لشبهه بأصل، يعني: التعليل الأول أصَّح عند سيبويه، وهو: أنه إنما مُنِع من الصرف مِمَّا سُمِّي به لِمَا فيه من الصيغة مع أصَاَلة الجمعية، صيغته على (مَفَاعِل) أو (مَفَاعِيل) وأصَاَلته في الجمعية، لأنه قلنا: مِمَّا خَرَج عن الآحاد.
حينئذٍ نظراً إلى هذه العِلَّة يبقى على منعه من الصرف.
ولا يَنصرِف بعد التنكير لشَبَهِه بأصله، ومذهب المُبِرِّد: صرفه لذهاب الجمعية، وعن الأخفَش القولان، والصحيح قول سيبويه: أنه لو نُكِّرَ يبقى على منعه من الصرف، لأنهم منعوا (سَرَاوِيلَ) من الصرف وهو نَكِرة، ليس جمعاً على الصحيح.
إذاً القاعدة العامَّة: أنًّ ما سُمِّي به من هذا الجمع، ومِمَّا ألحق به، فهو مَمنوعٌ من الصرف مُطلقاً، ولو نُكِّرَ بعد العَلَمية، يعني: لو سَمَّيت رجل: مَسَاجِد، اجتمع فيه عِلَّتان:
إمَّا أن يُقال -وهو مذهب سيبويه- نظراً إلى الجمعية .. الصيغة .. الأصل، والنظر إلى الصيغة (مَفَاعِل) و (مَفَاعِيل)، إذاً: لو نُكِّرَ حينئذٍ هل العلمية مَأخُوذة في عِلَّة المنع هنا؟ إذا قيل: بأن التعليل مُنِع من الصرف بعد النقل .. بعد كونه جمعاً، سَمَّيت رجلاً: مَسَاجِد، صار ماذا .. ما العِلَّة فيه .. هل العَلَمية وكونه صيغة منتهى الجموع، هذا قول آخر، أو ملاحظةً لأصله وهو الجمعية مع الصيغة؟
هذا قول سيبويه، على قول سيبويه لو نُكِّرَ، قيل: مررت بِمسَاجِد، ولم تَعنِ به رجل، مَسَاجِد مَسَاجِد مَسَاجِد، قلت: مررت بمساجدٍ ولم تَعنِ به شخصاً مُعيَّناً، حينئذٍ نقول: هنا يُمنع من الصرف، لماذا؟ لأن الأصل أنه جَمعٌ باعتبار الأصل، وكونه على وزن (مَفَاعِل) وهذه العِلَّة باقية قبل التنكير وبعد التنكير.
وأمَّا على القول الثاني .. التعليل الآخر: بأنه أُقِيم العلمية مُقَام الجمعية، حينئذٍ لو نُكِّرَ لانصرف .. رجع إلى الأصل.
وَإِنْ بِهِ سُمِّيَ أَوْ بِمَا لَحِقْ ... بِهِ فَالاِنْصِرَافُ مَنْعُهُ يَحِقّ
стр. 2158
قال الشَّارح هنا: " إذا سُمِّي بالجمع المتناهي أو بما ألحق به لكونه على زِنَتِه، كـ: (شَرَاحِيل) فإنه يُمنع من الصرف للعلمية، وشبه العُجمَة - وهذا فيه نظر – لأن هذا ليس من الآحاد العربية ما هو على زِنَتِه، فتقول فيمن اسمه: مَسَاجِد، أو مَصَابِيح، أو سَرَاوِيل: هذا مَسَاجِدُ، ورأيت مَسَاجِدَ، ومررت بِمسَاجدَ، وكذا البواقي".
ونقف على هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 2159
عناصر الدرس
* تعريف العلمية ووجة تخصيصه من بين سائر المعارف
* العلمية والتركيب
* العلمية والتأنيث , العمية والعجمية
* العلمية والوزن , العلمية وألف الإلحاق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
وقفنا عند قول الناظم - رحمه الله تعالى -:
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا ... تَرْكِيبَ مَزْجٍ نَحْوُ "مَعْدِْيكَرِبَا"
هذا شروعٌ منه فيما يكون ممنوعاً من الصَّرْف مع العَلميَّة، وسبق أنَّ العَلميَّة والوَصْفيَّة عِلَّتَان معنويتان، والنحاة هنا في هذا الباب يُطلقون التَّعريف، ويريدون به العَلميَّة، لأن المعارف أعم من العَلميَّة، إذ العَلميَّة والعلم واحدٌ من المعارف، المعارف ستة، حِينئذٍ نقول: المضمرات وأسماء الإشارات والموصولات لا حظ لها في هذا الباب، لماذا؟ لأن بحث الصَّرف وعدم الصَّرْف إنما يكون في المعربات، والمبني لا حظ له.
حِينئذٍ نقول: خرجت ثلاثة أبواب، بقي المحلى بـ: (أل) ذو الأداة، والمضاف إلى واحدٍ من هذه المذكورات، نقول: الممنوع من الصَّرف إذا دخلت عليه (أل) جُرَّ بالكسرة، والمضاف إذا أضيف، الممنوع من الصَّرف جُرَّ بالكسرة، حِينئذٍ يستحيل أن يقتضي الجَرَّ بالفتحة.
إذا كان الممنوع من الصَّرف إذا دخلت عليه (أل) رجع إلى الأصل، حِينئذٍ كيف يكون ممنوعاً من الصَّرف؟ هذا مستحيل، ومثله المضاف، فلم يبق عندنا إلا العَلميَّة فقط .. العلم، وأمَّا البقية فيَتعذَّر، المبني لكون الممنوع من الصَّرف بَحثٌ في باب المعربات، والمبني لا حظ له في الإعراب.
إذاً: خرجت المضمرات .. الضمائر كلها، وأسماء الإشارة، والموصولات، إذ لا حظ لها في الإعراب، كيف توصف بكونها سُلِبَت التنوين، وسلبت الخفض؟ هذا مُمتنع، ذو الأداة والمضاف هذا يقتضي عَودَ الممنوع من الصَّرْف إلى أصله وهو الجر بالكسرة، فيستحيل حِينئذٍ أن يقتضي الجَرَّ بالفتحة، هكذا عَللَّه ابن هشام في (شرح القَطْر) ولم يبق معنا إلا العَلميَّة، ولذلك إذا أطلق التَّعريف هنا في هذا المقام .. في هذا الباب الممنوع من الصَّرْف فيعنون به العلم فحسب .. العَلميَّة، وإن كان لفظ التَّعريف أعم، لأنه يصدق على المضمر ويصدق على اسم الإشارة والموصول ونحو ذلك، ولكن هذا في هذا المقام لا.
(وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ) قلنا: هذا شروعٌ منه فيما يُمنَع من الصَّرف لوجود علةٍ مع العَلميَّة، حِينئذٍ يشترط فيه مع كونه ممنوعاً من الصَّرف أن يكون عَلماً، فإذا نُكِّرَ حِينئذٍ رجع إلى الأصل وهو الجَرُّ بالكسرة.
وما سبق أنواعٌ خَمسة من أول الباب إلى هذا المقام، أنواعٌ خمسة هذه تكون ممنوعةً من الصَّرف، سواء كانت منكَّرة أو مُعرَّفة، يعني: فَأَلِفُ التَّأْنِيْثِ وما ذَكَر بعده من زَائِدَا فَعْلاَنَ وكذلك وَوَصْفٌ اصْلِيٌ وَوَزْنُ أَفْعَلاَ والعدل في أسماء العدد، والجمع المتناهي، هذه خمسة أنواع، هذه تكون ممنوعةً من الصَّرْف مُطلقاً سواءٌ نُكِّرَت أو لا، لأنها إذا نُكِّرَت حِينئذٍ وجِدَ مع العِلَّة المذكورة إمَّا وزن (أفعل) أو صيغة متناهى الجموع، أو ألف التأنيث، أو ما كان على وزن (مثنى وثنا) وجدت الوَصْفيَّة.
стр. 2160
ما كان يقوم مقام علتين لا إشكال فيه، وأمَّا ما يقوم .. ما لا بُدَّ فيه من عِلَّتين الوَصْفيَّة وغيرها حِينئذٍ إذا ذهبت الوَصْفيَّة حَلَّت العَلميَّة، إذاً: ممنوعٌ من الصَّرف مطلقاً سواءٌ كان مُنكَّراً أو مُعرَّفاً، وأمَّا ما يأتي معنا فهنا يشترط فيه التعريف فحسب: (وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا) إذاً: هذا شروعٌ منه فيما يُمنع من الصَّرْف للعَلميَّة وعلة أخرى، وهو سبعة أنواع.
ولذلك مجموع الممنوع من الصَّرف يكون اثني عشرة نوعاً، خمسة تُمنع من الصَّرف مُطلقاً معرفةً ونكرة، وسبعة تُمنع من الصَّرف معرفةً لا نكرة، وهو ابتداءً من التركيب المَزْجي مع العَلميَّة.
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا ... تَرْكِيبَ مَزْجٍ نَحْوُ "مَعْدِْيكَرِبَا"
(والعَلَمَ) بالنَّصْب مَنصوبٌ على الاشتغال (امْنَعْ صَرْفَهُ) ضَرَبتُ زيداً .. ضربت غُلامه مثله، اشتغل باسمٍ مضافٍ إلى ضميرٍ يعود على الاسم المتَقدَّم (صَرْفَهُ) الضمير هنا يعود على العَلَم و (امْنَعْ) تَسلَّط على (صَرْفَ) (صَرْفَ) مضاف إلى الضمير، وهو عائدٌ على الاسم السَّابق، إذاً: يكون من باب الاشتغال فـ: (العَلَمَ) هذا مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ وجوباً، يُفسِّره ما بعده.
(وَالعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ) يعني: امنع صرف العَلَمِ، حذف (صرف) وأقيم العلم مُقامه، (وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا) (مُرَكَّبَا) هذا حالٌ من (الْعَلَمَ) و (امْنَعْ) هذا فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، و (صَرْفَهُ) هذا مفعولٌ به، وهو مضاف ومضاف إليه و (مُرَكَّبَاً) حالٌ من العَلَم.
وجملة (امْنَعْ صَرْفَهُ) لا مَحل لها من الإعراب مُفسِّرة، لأن التقدير: امنَع صرف العَلَم مُركَّباً، (تَرْكِيْبَ مَزْجٍ) (مُرَكَّبَاً) هذا عام أطلَقَه النَّاظِم، فدخل فيه المُركَّب الإضافي، والمُركَّب الإسنادي، والمُركَّب العددي، والمُركَّب المَزجي بنوعيه: المختوم بـ: (ويه) وما عداه، لقوله: (مُرَكَّبَاً) لكن خَصَّه بماذا؟ (تَرْكِيْبَ مَزْجٍ) إعرَاب تركيب بالنَّصب على أنَّه مفعولٌ مُطلق، (مُرَكَّبَا تَرْكِيْبَ مَزْجٍ) فهو مفعول مطلق.
حِينئذٍ قوله: (مُرَكَّبَاً) ليس المراد به المُركَّب الإضافي كـ: امرئ القيس، لماذا؟ كما سبق: الإضافة تقتضي الانجرار بالكسرة، لو كان ممنوعاً من الصَّرْف لو أضيف جُرَّ بالكسر، فكيف حِينئذٍ يكون ممنوعاً من الصَّرْف للتَّركيب الإضافي؟! هذا مُحال، يستحيل أن يكون المُركَّب تركيباً إضافياً ممنوعاً من الصَّرْف، كـ: امرئ القيس، وعبد الله ونحو ذلك، لأن الإضافة تقتضي أن يكون مُنجَراً بالكسرة .. لا بُدَّ من أن يكون انجراره بالكسرة، حِينئذٍ يستحيل أن تكون الإضافة مقتضية الانجرار بالفتحة، لأنه لو كان ممنوعاً من الصَّرْف لو أضيف رجع إلى أصله: ((فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) [التين:٤]:
مَا لَمْ يُضَفْ أَوْ يَكُ بَعْدَ أَلْ رَدِفْ ..
إذاً: إذا أضيف رَجَع إلى أصله، فيستحيل أن يكون مقتضٍ للانجرار بالفتحة.
стр. 2161
ولا تركيب إسناد، لأن المُركَّب الإسناد من قسم المَحْكِي .. يحكى كما هو: شَابَ قَرنَاها .. تَأبَّط شراً، حِينئذٍ لا تظهر عليه حركات، ولا دخل للعوامل من حيث التأثير في اللفظ، لا تأثير للعوامل في لفظ المُركَّب الإسنادي، إذاً: هو من قبيل المَحْكِيَات.
ولا التركيب المَزْجي المختوم بـ: (ويه) كما سبق، وسبق أنَّ الرَّاجح أنَّ المختوم بـ: (ويه) يُعتبَر مَبنياً (ويه) اسم صوت، حِينئذٍ مُركَّب، فالتركيب المَزْجي المختوم بـ: (ويه) مبني، وسبق أنَّ المبنيات لا حظ لها في هذا الباب، لأن البحث في الصَّرْف وعدمه إنما هو في المعربات، إذاً: المبني خرج.
إذاً: (تَرْكِيبَ مَزْجٍ) النَّاظم أطلق هنا، لكن يَحتمل أنه أخْرَج المختوم بـ (ويه) بقوله: (نَحْوُ مَعْدِيكَرِبَا) مَثَّل بمُركَّب مَزْجي لم يُختَم بـ: (ويه) فدلَّ على أنَّ مراده هنا نوعٌ واحدٌ من المُركَّب المَزْجي، إذ هو نوعان: مُركَّب مَزْجي مختوم بـ: (ويه) وهذا مبني، ومُركَّب مَزْجي غير مختوم بـ: (ويه).
إذاً: ولا التركيب المَزْجي المختوم بـ: (ويه) لأنه من باب المبني، والصَّرْف وعدمه إنما يقالان في المعرب، وإنما المراد المُركَّب تركيباً مَزْجياً الذي لم يُختم بـ: (ويه).
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا ... تَرْكِيْبَ مَزْجٍ نَحْوُ "مَعْدِيكَرِبَا"
المَزْجُ في اللغة: الخَلْط، فيختلط حِينئذٍ الاسم مع الاسم، لا يكون امتزاج بِمعنى كلمة امتزاج، وإنَّمَا يُراد به: أنَّ الأصل في اللفظ أن يكون مُنفَكاً عن غيره هذا الأصل، يُستعمل مفرداً ويُستعمل غير مفرد، وهنا رُكِّبَت الكلمة مع الكلمة، اسمان نُزِّلا مُنَزَّلة الاسم الواحد، حِينئذٍ نقول: كأنهما جُعلا اسمين .. خُلِط بينهما.
إذاً: المَزْج في اللغة: الخَلْط، فيختلط الاسم مع الاسم ويُجعل الإعراب في آخر الثاني.
المُركَّب تركيب مَزْجي نحو: بَعلَبكَّ، وحضرموت، ومَعْديكَرِب، حِينئذٍ يُمنع من الصَّرْف لاجتماع فرعيَّة المعنى بالعَلميَّة، وهي التي عناها الناظم بقوله: (وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ) وفرعيَّة اللفظ بالتركيب، إذاً: اجتمع فيه عِلَّتان فرعيتان، ما هُمَا هاتان العِلَّتان الفرعيتان في: معديكرب .. في: حضرموت؟ نقول: إحداهما ترجع إلى اللفظ وهو التركيب، لأن التركيب هذا فرعٌ عن غير المُركَّب، الأصل ألا يكون مُركَّب، زيد مثلاً، وخمسة وعشر، الأصل أنها لا تكون مُركَّبة.
إذاً: هذا هو الأصل، فإذا رُكِّبَت بأي نوعٌ من أنواع التَّركيب، حِينئذٍ نقول: التركيب فرعٌ لفظي، ومن جهة كونه عَلَماً فهو عِلَّةٌ فرعيَّة، لماذا .. ما وجه كونه عَلماً عِلَّة فرعيَّة؟ لأن الأصل التنكير، والعَلَم الذي هو التَّعريف هذا فرعٌ عن التنكير، إذاً: اجتمع في: معديكرب، وهو عَلَم ومُركَّب تركيباً مَزْجياً عِلَّتان اقتضيتا منعه من الصَّرْف، إحدى العِلَّتين وهي العَلميَّة ترجع إلى المعنى، لأنها فرعٌ عن التنكير، والعلة الأخرى وهي التركيب تركيب مَزْجي هذه علة لفظية ترجع إلى اللفظ، لأنها فرعٌ عمَّا لا تركيب فيه، لاجتماع فرعيَّة المعنى بالعَلميَّة، وفرعيَّة اللفظ بالتركيب.
стр. 2162
والمراد بتركيب المَزْج: أن يُجعل الاسمان اسماً واحداً لا بإضافة ٍولا بإسنادٍ، بل يُنَزَّل عَجُزه من صدره مُنَزَّلة تاء التأنيث منه، يعني: من غيره، ولذلك التزم فيه فتح آخر الصدر إلا إذا كان معتلاً فإنه يُسكَّن نَحو: معديكرب، نقول: حَضْرَ .. حَضْرَموت، أين يُجعل الإعراب؟ هذان جزءان: الأول صدر، والثاني: عجز، حِينئذٍ نقول: حَضْرَ، الأول يلتزم فيه الفتح .. يكون مفتوحاً، لأنه مثل: خمسة عشر، والثاني يكون مَحلاً للإعراب، إلا إذا كان الأول ساكن: مَعْديْكرب، لا تقل: مَعْديَكرب، مثل: حَضْرَمَوت، وبَعْلَبَكَّ .. بَعْلَ .. بَكَّ، هذان جزءان، فالأول يفتح ما لم يكن مُعْتلاً، فإن كان معتلاً حِينئذٍ سُكِّنَ.
فتقول: مَعْديْكرب، ولا تقل: مَعْديَكرب، فإنه يُسَكَّن نحو: مَعْديْكرب.
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا ... تَرْكِيبَ مَزْجٍ نَحْوُ "مَعْدِْيكَرِبَا"
أخْرَج به ما خُتِم بـ: (ويه) لأنه مبنيٌ على الأشهر، لأنه داخلٌ في قوله: (تَرْكِيبَ مَزْجٍ) إذاً هو نوعان: مَختومٌ بـ: (ويه) وليس مَختوماً بـ: (ويه) عمرويه، وخالويه، ونفطويه، وسيبويه، كل هذه تركيب مَزْجي لكنها مَختومةٌ بـ: (ويه) وهي مَبنيَّة، وإذا كان كذلك حِينئذٍ لا نقول: مَمنوعة من الصَّرْف للعَلميَّة والتركيب المَزْجي، لأن البناء لا دخل له في هذا الباب، حِينئذٍ نقول: يَختص بالنَّوع الثاني: وهو ما كان مثل: حَضْرَمَوت وبَعْلَبَكَّ.
إذاً: (مَعْدِيكَرِبَا) الألف هذه للإطلاق، ففي المثال أخرج به ما ختم بـ: (ويه) لأنَّه مبنيٌ على الأشهر، ويجوز أن يكون لِمجَرَّد التَّمثيل والكلام على عمومه، ليدخل على لغة من يُعْربه، لأن سيبويه هذا فيه خلاف ليس مبنياً، وإنَّما نحن مضينا على ما هو أرجح، لكن الأولى أيضاً نجعله كالأول من حيث هو نعم يَحتمل.
(تَرْكِيبَ مَزْجٍ نَحوُ مَعْدِيكَرِبَا) هذا مثال، لا يلزم أن يُمثَّل للنَّوعين، بل ذكر أحد النَّوعين، ويَحتمل أنَّه على عمومه، لكن نقول: لا، ابن مالك ﵀ يرى في باب العَلَم: أنَّ المختوم بـ: (ويه) مبني لا حظ له في الإعراب.
إذاً: قَصَد بهذا المثال إخراج ما كان مَختوماً بـ: (ويه)، من حيث هو يَحتمل نعم كما قال الأشْمُوني وغيره، حِينئذٍ (مَعدِيْكرِبَا) هل هو مُجرَّد مِثَال، أو مثالٌ وقيد؟ هذا مُحتَمِل .. من حيث هو مُحتَمِل، فيحتمل أنَّه أدخل النوع الثاني، وهو ما كان مَختوماً بـ: (ويه) على رأي من يُعْرِبه، وإعرابه قد يكون متضايفين أو ممنوع من الصَّرْف.
لكن نقول: الثَّاني هو الأولى بِحمل كلام النَّاظم عليه، وهو أن قوله: (مَعْدِيكَرِبَا) أراد به المثال والقيد، فاحترز من عموم قوله: (تَرْكِيبَ مَزْجٍ) احترز بهذا المثال عَمَّا كان مَختوماً بـ: (ويه) لأنه كما سبق في باب العَلَم: أنَّه يرى أنه مبني وليس بِمُعرَب.
ويجوز أن يكون لِمجرَّد التمثيل، وكلامه على عمومه يدخل على لغة من يُعرِبه، ولا يرد على لغة من بناه، لأن باب الصَّرْف إنما وضع للمعربات.
إذاً:
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا ... تَرْكِيبَ مَزْجٍ نَحْوُ "مَعْدِيكَرِبَا"
стр. 2163
قلنا: (تَرْكِيبَ مَزْجٍ) احترز به عن تركيبي الإضافة والإسناد كما سبق.
وأمَّا تركيب العدد نحو: خمسة عشر، فمُتَحتِّم البناء عند البصريين كما سيأتي في باب العدد "خمسة عشر"، بل جُعِل أصلاً في كثير من الأبواب في كونه مَبنياً لتركُّبه تركيب خمسة عشر، جعلوها أصلاً: خمسة عشر (خَمسةٌ) و (عَشَر) كما سيأتي في باب العدد.
إذاً: هو مُتَحتِّم البناء عند البصريين (خمسة عشر) وإذا كان كذلك حِينئذٍ لا حظ له في الإعراب، وإذا كان كذلك لا يدخل معنا من بابٍ أولى، لأن الصَّرْف الذي هو التنوين وعدمه إنما يلحق المعرب، وأمَّا المبني فلا حظ له، وأجاز فيه الكوفيون إضافة صدره إلى عجزه: خَمسةُ عَشرِه، رأيت خَمسةَ عَشَرِه، كما سيأتي في باب العدد.
فإن سُمِّي به ففيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن يُقَرَّ على حاله.
الثاني: أن يُعرَب إعراب ما لا ينصرف.
الثالث: أن يُضاف صدره إلى عجزه، وهذا يأتي مبحثه معنا إن شاء الله تعالى.
وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ مُرَكَّبَا ... تَرْكِيبَ مَزْجٍ نَحْوُ "مَعْدِيكَرِبَا"
إذاً: ما اجتمع فيه العَلميَّة والتركيب المَزْجي غير المختوم بـ: (ويه) يكون مَمنوعاً من الصَّرْف لِمَا ذكرناه.
فإن نُكِّرَ حِينئذٍ صُرِفَ، لماذا؟ لانتفاء أحد السببين، لأننا منعناه باجتماع سببين لا بُدَّ من اجتماعهما، فإذا نُكِّرَ المُركَّب المَزْجي العلم حِينئذٍ نقول: رجع إلى أصله وهو الصَّرْف.
مِمَّا يَمنع صرف الاسم العَلميَّة والتركيب، نحو: مَعْديْكرب، وبَعْلَبَّك، فتقول: هذا مَعْديْكرِبُ، ورأيت مَعْديْكرِبَ، ومررت بِمَعْديْكرِبَ، إذاً: ممنوعٌ من الصَّرْف، في الأول لم يُنوَّن: هذا مَعْديْكرِبُ على أنَّه خَبَر، وسُلِب منه التنوين لكونه ممنوعاً من الصَّرْف للعَلميَّة والمُركَّب المَزْجي، رأيت مَعْديْكرِبَ، دون تنوين للعِلَّة السابقة، مررت بِمَعْديْكرِبَ (مَعْديْكرِبَ) هذا مَجرورٌ بالباء، وجَرُّه فتحة نيابةً عن الكسرة لأنه ممنوعٌ من الصَّرْف.
فتجعل إعرابه على الجزء الثاني وتمنعه من الصَّرْف للعَلميَّة والتركيب، وقد سبق الكلام عن الأعلام المُركَّبة في باب العَلَم.
كَذَاكَ حَاوِيْ زَائِدَيْ فَعْلاَنَا ... كَغَطَفَانَ وَكَإِصْبَهَانَا
(كَذَاكَ حَاوِي) حاوي كَذَاكَ (حَاوِي زَائِدَي فَعْلاَنَا) كَذَاكَ (كَذَاكَ) أي: مثل ذاك في كونه مَمنوعاً من الصَّرْف للعَلميَّة حَاوِي زائِدَي فَعْلاَنَا، وإن شئت جعلت (حَاوِي) صفة لموصوفٍ مَحذوف (علمٌ) كذاك علمٌ (حَاوِي زَائِدَي فَعْلاَنَا) ما هما زائدا فعلانا؟ الألف والنون، إذاً: ذو الزيادتين الألف والنون، كما سبق أنَّ ذا الزيادتين يكون مانعاً للفظ من الصَّرْف إذا كان وصفاً، مثل: سكران وعطشان، كذلك يكون مانعاً إذا اجتمع مع العَلميَّة دون الوَصْفيَّة.
стр. 2164
(كَذَاكَ) أي: مثل ذَا (ذَا) اسم إشارة يرجع إلى المُركَّب المَزْجي الممنوع للعَلميَّة، يُمنع حَاوِي، يعني: ما حوى وجمع زائدي فعلانا، الألف للإطلاق و (زَائِدَا فَعْلاَنَا) المراد بهما الألف والنون، إذاً: العَلَم المختوم بألفٍ ونونٍ زائدتين ممنوعٌ من الصَّرْف، لعِلَّتين: إحداهما لفظيَّة ترجع إلى اللفظ وهي الزيادة، ألف ونون يُنطَق بها، والثانية: العَلميَّة، وهي راجعة إلى المعنى، فحِينئذٍ ما وجد فيه هاتان العِلَّتان نقول: يُمنع من الصَّرْف.
يعني: أنَّ (زائِدَي فَعْلاَنَا) يمنعان مع العَلميَّة في وزن (فعلانا) وفي غيره فعلانا، هناك قال: (زائِدَا فَعْلاَنَ) قلنا: قصد اللفظ .. الوزن دون غيره، فلو كان في باب الصفة فِعْلَان أو فُعْلَان، لا يَمتنع من الصَّرْف، بل يصرف، لأن ثَمَّ قيدين:
أولاً: أن يكون على وزن (فَعْلان) بِفتحٍ فسكون مع الزيادة، حِينئذٍ الوزن مخصوص، فلو كان في باب الصفة هناك: فِعْلان أو فُعْلان انصرفا، وهل هنا (فَعْلاَنَا) أراد به ما أراد في السَّابق؟ الجواب: لا، وإن كان لفظه (كَذَاكَ حاوِي زائِدَي فَعْلاَنَا) نقول: هنا قد يوهم أنَّه كسابقه، لأنه في الوَصْفيَّة يشترط أن يكون على وزن (فَعْلان) .. سَكْران .. عطشان، وأمَّا هنا فلا يشترط، بل لو كان (فَعْلان) مثل سَلْمان، و (فُعْلان) مثل عُثْمان، و (فِعْلان) مثل عِمْران، نقول: الكل مَمنوعٌ من الصَّرْف.
طيب! لماذا خَصَّ هنا (فَعْلاَنَا)؟ نقول: هو ما أراد الوزن، وإنما أراد الزيادة بدليل المثالين، لأنه قال: (كَغَطَفَانَ) (غَطَفَانَ) على وزن (فَعَلان) ليس (فَعْلان) بإسكان العين وإنما (فَعَلان) و (أَصْبَهَانَ) (أفْعلان) وليست (فَعْلانا).
إذاً: بالمثال علمنا العموم، وأن الوَهْم الذي يمكن أن يَرِد من قوله: (فَعْلاَنَا) مصروفٌ بالمثال، إذاً:
كَذَاكَ حَاوِيْ زَائِدَيْ فَعْلاَنَا ... كَغَطَفَانَ وَكَإِصْبَهَانَا
لَمَّا كان قوله: (فَعْلاَنَا) يُوهم إرادة هذا الوزن كما تَقدَّم في الوَصْف أزاله بالمثال، فقال: (كَغَطَفَانَ) على وزن (فَعَلان) اسم قبيلة، إذاً: (غَطَفَانَ) نقول: مَمنوعٌ من الصَّرْف، للعَلميَّة وزيادة الألف والنون، لا تقل: على وزن (فَعْلان) هناك تقول على وزن (فَعْلان) في باب الوَصْفيَّة، وأمَّا هنا لا، تقول: للعَلميَّة وزيادة الألف والنون.
كذلك: (وَكَإِصْبَهَانَا) كَرَّر الكاف للوزن، وهو على وزن (أفْعَلان) حِينئذٍ مَمنوعٌ من الصَّرْف للعَلميَّة وزيادة الألف والنون، ولا تقل: لكونه على وزن (فَعْلان) لأنه ليس على وزن (فَعْلان) وإنما هو على وزن (أفْعَلان) و (أَصْبَهَانَ) اسم مدينةٍ بفارس يقال: إصبهان وأصبهان، بِكسرٍ وفتحٍ عند أهل المغرب، وبالفاء عند أهل المشرق (أصْفَهَان) ولذلك أحياناً ينسب يُقال: أصبهاني أصفهاني، هما واحد قد يؤتى بالباء، وقد يؤتى بالفاء.
يعني: أنَّ (زَائِدَي فَعْلاَنَا) يَمنعان مع العَلميَّة في وزن (فَعْلان) وفي غيره، نحو: حمدان، وعثمان، وغطفان، وأصبهان، وقد نَبَّه على التعميم بالتَّمثِيل، فالوزن حِينئذٍ (فعلان) الذي ذكره النَّاظم هنا غير مُختص بـ: (فَعْلان) نحو: سَلْمان، وعِمْران، وعثمان.
стр. 2165
قال الشَّارِح: " كذلك يُمنع الاسم من الصَّرْف إذا كان عَلماً، وفيه ألفٌ ونون زائدتان (كَغَطَفَانَ وَكَإِصْبَهَانَا) فتقول: هذا غَطَفانٌ، ورأيت غَطَفَانَ، ومررت بِغَطَفانَ، فتمنعه من الصَّرْف للعَلميَّة، وزيادة الألف والنون ".
إذاً: نَحكم عليه بكونه ممنوعاً من الصَّرْف لزيادة الألف والنون، وكونه عَلَماً، وعلامة زيادة الألف والنون .. متى نحكم على أنَّ الألف والنون زائدتان؟ هذا مبحثه في فَنِّ الصَّرْف، لكن قاعدة مهمة نذكرها فحسب، والإحالة على (الشَّافيَّة) إن شاء الله. علامة زيادة الألف والنون سقوطهما في بعض التَّصاريف، كسقوطهما في رَدِّ: نِسيَان وكُفرَان (نِسْيَان) الألف والنون زائدة، لأنك تقول: نسي زيدٌ، أين الألف والنون؟ سقطت، وهذا من علامة الزائد .. علامة الزائد أنه يسقط في بعض التَّصاريف، ولا ينوى مُقدراً.
و (كُفْرَان) نقول: الألف والنون زائدتان، لماذا؟ لأنك تقول: كَفَر، والكُفْر، إذاً: ليس فيه ألف ونون، إذاً: نحكم على كون الألف والنون زائدتين بسقوطهما في بعض التَّصاريف، لا يلزم أن تسقط في كل التَّصاريف لا، لأن الحرف الأصلي لا يُمكن أن يسقط أبداً في جميع تصاريفه، جئت به ماضياً .. مضارعاً .. أمراً .. اسم فاعل .. اسم مفعول .. مصدر، لا يُمكن أن يسقط منه حرف البَتَّة إلا إذا نُوِيَ مُقدَّراً لِعِلَّة ونحو ذلك، وما عداه فيبقى.
فإن كان فيما لا يَتصرَّف، قد يكون جامداً لا يَتصرَّف، فعلامة الزيادة أن يكون قبلهما أكثر من حرفين أصولاً، قبل الألف تنظر .. قبلهما .. قبل الألف والنون، هل قبلهما ثلاثة أحرف أصول أم لا؟ إن كان قبلهما ثلاثة أحرف أصول حَكَمْت عليهما بأنهما زائدتان، فإن كان فيما لا يَتصرَّف فعلامة الزيادة أن يكون قبلهما أكثر من حرفين أصولاً، يعني: لا حرف واحد ولا حرفين، وإنما يكون أكثر من حرفين: سَلْمَان، نقول: هذا لا يَتصرَّف في الأصل لأنه جامد، حِينئذٍ نقول: قبل الألف والنون ثلاثة أحرف، وكلها أصول.
فإن كان قبلهما حرفان ثانيهما مُضعَّف، مثل: حَسَّان، حِينئذٍ نقول: حَسَّان السين والسين حرفان، وهذا مُضعَّف، يعني: مُدْغَم الأوَّل في الثَّاني، هذا مِمَّا اختُلِف فيه .. فيه قولان، فلك اعتباران: إن قَدَّرْت أصالة التَّضْعِيف فالألف والنون زائدتان، إمَّا أن تقول: التضعيف أصْلي أو زائد (حَسَّان) ما كان قبل الألف مُضعَّف فإمَّا أن تُقدِّر أن التضعيف زائد أو أصلي، إن قَدَّرته أصْلياً حِينئذٍ الألف والنون زائدتان، والعكس بالعكس: إن قَدَّرت التضعيف زائداً فالنون أصلية، لأنه يكون من الحُسْن، وإذا قَدَّرته أصلياً فالألف والنون زائدتان.
إذاً: فلك اعتباران: إن قَدَّرْت أصالة التضعيف، أنَّه أصلي وليس بزائد، فالألف والنون زائدتان، وإن قَدَّرت زيادة التضعيف فالنون أصليَّة، الألف لا تكون هنا إلا زائدة، حِينئذٍ يكون في الأول مأخوذاً من الحِس والألف والنون زائدتان، والثاني يكون مأخوذاً من الحسن، فالنون حِينئذٍ تكون أصْليَّة، مثل: شَاطَ وشَطَن.
стр. 2166
وإن قَدَّرت زيادة التضعيف فالنون أصليَّة، مثاله: حَسَّان، إن جُعِلَ من الحِس فوزنه: (فَعْلاَن) وحكمه أنَّه لا يَنْصرِف، وهو الأكثر فيه، لذلك ورَدَ هو في قوله (حَسَّان) أنه منعه من الصَّرْف، وإن جُعِل من الحُسْن فوزنه (فَعَّال) وحكمه أنَّه مصروف، لماذا؟ لأن النون هنا أصليَّة وليست بزائدة، وشرط المنع أن تكون الألف والنون زائدتين.
و (شَيْطَان) مثله إن جُعِل من: شاط يشيط إذا احترق امتنع صرفه، شاط يشيط (شَيْطَان) صار الألف والنون زائدتين امتنع ن الصرف، وأن جُعِل من: شَطَنَ، النون صارت أصليَّة، إذاً: ما كان مُضعَّفاً قبل الألف فهذا يَحتمل، يَحتمل المنع ويَحتمل الصَّرْف، على حسب النِّيَة وكثرة الاستعمال في لسان العرب، ولذلك ورد في (حَسَّان) أنَّه مصروف، وورد في الأكثر أنَّه غير مصروف، فنحمله إذا امتنع من الصَّرْف على أنَّ التَّضعِيف أصلي (حَسَّ) فحِينئذٍ مأخوذٌ من الحِسِّ، والألف والنون زائدتان، وما ورد أنَّه مصروف، حِينئذٍ نَجعل النون أصليَّة، فيكون مأخوذاً من الحسن، فالوزنان يَختلفان: (كَذَاكَ حَاوِي زَائِدَي فَعْلاَنَا).
(حَاوِي) هذا مضاف، قلنا: مبتدأ، و (كَذَاكَ) هذا خبرٌ مُقدَّم و (حَاوِي) مضاف و (زَائِدَي) مضافٌ إليه، والنون هنا حذفت للإضافة، و (فَعْلاَنَا) الألف هذه للإطلاق (زَائِدَي) مضاف و (فَعْلاَنَا) مضافٌ إليه (كَغَطَفَانَ) خبر مبتدأ محذوف، أي: وذلك كغطفان (وَكَإِصْبَهَانَا) معطوفٌ على ما سبق.
كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَاً ... وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ كَوْنُهُ ارْتَقَى
فَوْقَ الثَّلاَثِ أَوْ كَجُؤْرَ أَوْ سَقَرْ ... أَوْ زَيْدٍ ?سْمَ امْرَأَةٍ لاَ اسْمَ ذَكَرْ
وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيراً سَبَقْ ... وَعُجْمَةً كَهِنْدَ وَالمَنْعُ أَحَقّ
هذا شروعٌ فيما يُمنع للعَلميَّة والتأنيث، مما يُمنع للعَلميَّة هذا النوع الثالث، الأول: المُركَّب المَزْجي مع العَلميَّة، والثاني: زيادة الألف والنون، والثالث: التأنيث.
وعرفنا أن التأنيث فرع التذكير، ثُمَّ المُؤنَّث على ثلاثة أنحاء:
- إمَّا أن يكون مُؤنَّثاً بالتاء.
- وإمَّا أن يكون مُؤنَّثاً بالألف.
- وإمَّا أن يكون مُؤنَّثاً معنىً، يعني: تأنيث معنوي.
ما كان مُؤنَّثاً بالألف فهذا سبق: الألف المقصورة والألف الممدودة، وهذا سيأتي مبحث خاص به وهو التأنيث .. أوَّل أبواب الصَّرْف في الألفية، يعني: في أوزانها ومتى نَحكم عليها بكونها للتأنيث وغير ذلك، وسبق أنها مَمَّا تقوم فيه عِلّةً مقام عِلَّتين فيمنع من الصَّرْف مُطلقاً.
إذاً: لا يُشتَرط فيه علمية ولا غيره، بل متى ما كان اللفظ حوى ألف التأنيث مقصورةً أو ممدودة حَكَمْنا عليه بكونه ممنوعاً من الصَّرْف، سواءً كان نكرة أو معرفة، وهذا أول ما افتتح به:
فَأَلِفُ التَّأْنِيثِ .. إلى آخره.
وأمَّا التأنيث اللفظي، فهذا إمَّا أن يكون مَختوماً بتاء، وإمَّا ألا يكون مَختوماً بتاء، نقول: التأنيث اللفظي لأن التفريق هنا بين المختوم بالتاء ودون المختوم بالتاء هذا اصطلاحاً فقط، وإلا كل مُؤنَّث فهو مختومٌ بالتاء، إمَّا أن تكون ملفوظاً بها، وإمَّا أن تكون مُقدَّرة.
стр. 2167
فـ: (زينب) هذا في الأصل مَختومٌ بالتاء، لكنها مُقدَّرة، ومثله: سعاد وهند، ونحو ذلك، ولذلك يُقال: هُنَيدةٌ، من أين جاءت التاء هذه؟ نقول: لأنه مُؤنَّث تأنيث معنوي، بِمعنى: أنَّ التاء مُقدَّرة وليست ملفوظة:
عَلاَمَةُ التَّأْنِيثِ تَاءٌ أَوْ أَلِفْ ... وَفِي أَسَامٍ قَدَّرُوا التَّا كَالْكَتِفْ
(قَدَّرُوا التَّا) يعني: في أسامٍ لم تذكر فيها التاء، لكنَّها مُؤنَّثةٌ تأنيثاً معنوياً فَقدَّروا التاء كالكتف، ولذلك يُعرَف برده إلى لتصغير والضمير ونحو ذلك كما سيأتي في محله، متى نحكم عليه بأنه مُؤنَّث تأنيث معنوي؟ هذا يأتي في باب التأنيث.
هنا قال: (كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَا) هذا نوع، ثُمَّ قال: (وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ كَوْنُهُ ارْتَقَى) لَمَّا قال: (مُطلَقاً) حِينئذٍ قد يُقال: الإطلاق لا بُدَّ من قيدٍ يُفسِّره إمَّا سابق وإمَّا لاحق، ما تفهم هذه الكلمة سواءً كانوا في هذا العلم أو في الفقه، أو في الحديث، أياً كان: ما تفهم كلمة (مُطْلَقَاً) إلا أن يذكر شرطٌ سابق أو لاحق، أمَّا هكذا تقول: (كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَا) (مُطْلَقَاً) ما المراد به؟ هذا يحتاج إلى تفسير.
يعني: بلا شرطٍ لا بزيادة عن الثلاث، ولا بكونه أعجمياً، ولا بكونه ساكن الوسط، ولا كونه ثلاثياً إلى آخره، كل ما ذكر في النوع الثاني فهو منفيٌ عن الأول، حِينئذٍ الإطلاق هنا يُفسَّر بقوله: (وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ) إذاً: اشترط في العاري، يعني: المُتجرِّد عن التاء (كَوْنُهُ ارْتَقَى فَوقَ الثَّلاَثِ) هذا شرطٌ أول (أَوْ كَجُورَ) شرطٌ ثاني، ثلاثي لكنَّه أعجمي ساكن الوَسَط (أو سَقرْ) يعني: ثلاثي مُحرَّك الوسط، الرابع: (أَوْ زَيْدٍ ?سْمَ امْرَأَةٍ لاَ اسْمَ ذَكَرْ) يعني: منقولٌ من التذكير إلى التأنيث.
هذه أربعة أنواع للعاري التي يُحكم عليها بكونها ممنوعةً من الصَّرْف، هذه تنتفي .. كلها تنتفي بقوله: (كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ) إذاً: كذا علمٌ مُؤنَّث بهاءٍ (مُؤَنَّثٌ) صفة لموصوفٍ محذوف، تقديره: علمٌ، ثُمَّ قد يكون علماً كلاً أو جزءً، يعني: جزء علم، مثل ماذا؟ تقول: قال أبو هريرةَ .. قال: عن أبي هريرةَ (هريرةَ) هذا مَمنوعٌ من الصَّرْف، لماذا؟ هنا ليس عَلَماً، وإنما هو جزء علم، (أبو قُحَافة) كما سبق في العَلَم هناك، نقول (قُحَافة) هذا ليس بِعَلَم في نفسه، وإنما هو جزء علم، لأن العلم أن يكون مستقلاً كلمة من أولها إلى آخرها (كَذَا مُؤَنَّثٌ) كذا علمٌ مُؤنَّث، وكذا جزء علمٍ مُؤنَّث كما في: أبي هريرة، وأبي قُحَافة، (كَذَا) أي: مثل ذا السابق، مِمَّا يُمنع الصَّرْف لاجتماع العَلميَّة والتأنيث بالتاء، (بِهَاءٍ) عَبَّر بالهاء، وإن كان الأولى أن يقول: بتاء. الأولى أن يقول "بتاء" فإن مذهب سيبويه والبصريين: أن علامة التأنيث التاء، والهاء إنما تكون عند الوقف، هي فرعٌ عن التاء، تقول: فاطمه .. فاطمةُ في الوصل بالتاء، وإذا وقفت جئت بالهاء بدلاً عن التاء.
إذاً: الأولى أن يقول: بتاء، فإن مذهب سيبويه والبصريين أن علامة التأنيث التاء، والهاء بدلٌ عنها في الوقف.
стр. 2168
(كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ) يعني: بتاء (مُطْلَقاً) هذا حالٌ من الضمير المستتر في الخبر، لأن (كَذَا) مثل (ذا) جار ومجرور مُتَعلِّق بمحذوف خبر مُقدَّم، فيه ضمير مستتر (مُطْلَقاً) هذا حالٌ منه، يعني: مطلقاً عن القيد.
مَمَّا يَمنع الصَّرْف اجتماع العَلميَّة والتأنيث، والتأنيث بالتاء لفظاً أو تقديراً، أمَّا لفظاً فنحو: فاطمة، وإنما لم يصرفوه لوجود العَلميَّة في معناه ولزوم علامة التأنيث في لفظه، إذاً: اجتمع فيه علامتان: تاء التأنيث وهي لازمةٌ، وكذلك من جهة المعنى فهو علمٌ.
وإنما لم يصرفوه لوجود العَلميَّة في معناه ولزوم علامة التأنيث في لفظه، فإن العَلَم المُؤنَّث لا تفارقه العلامة، فالتاء فيه بِمنْزِلة الألف في (حُبْلى وصحراء) فأثَّرَت في منع الصَّرْف بخلافها في الصفة.
سبق معنا في (صحراء وحبلى) قلنا: هناك التأنيث لازم، بخلاف التأنيث بالتاء فإنه ينفصل ولا ينفصل، وقالوا هنا في هذا المقام: فاطمة وعائشة ونحوها: التاء لازمةٌ، حِينئذٍ المراد هناك في باب الصفة نقول: هناك المقارنة ليست بالعلم المُؤنَّث بالتاء، وإنما المقارنة بالصفة المُؤنَّثة بالتاء، فهي التي تنفصل ولا تنفصل: مُسلِم ومُسلِمة، قائم وقائمة، إذاً: تنفصل، وهناك وصفٌ في الأصل.
وهنا نَحكم بكون التاء التي اتَّصَلَت بالعَلَم كفاطمة وعائشة بأنها لازمةٌ فأشْبَهت ألف التأنيث كصحراء وحبلى.
وأمَّا تقديراً: ففي المُؤنَّث المُسمَّى في الحال: كزينب وسعاد، قلنا: هذا مُقدَّر هذا الأصل فيه: أن التاء فيه مُقدَّر، أو في الأصل: كعناق، اسم رجل، يعني: لو سُمِّي رجلٌ بمُؤنَّث يبقى على الأصل، باعتبار أصله هو مُؤنَّث، ويبقى على المنع من الصَّرْف.
فأقاموا في ذلك كله تقدير التاء مقام ظهورها، وعليه فالمُؤنَّث بالتاء لفظاً ممنوعٌ من الصَّرْف مُطلقاً كما قال الناظم هنا: (كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَا) فهو ممنوع من الصَّرْف للتأنيث بالتاء وهي ملفوظٌ بها، والعَلميَّة، وقوله: (مُطْلَقَا) أي: سواءٌ كان مُؤنَّثاً في المعنى أم لا كطلحة (طلحة) في اللفظ مَختومٌ بالتاء، هل هو ممنوعٌ من الصَّرْف؟ ممنوعٌ من الصَّرْف، لكونه لَفظاً عَلَماً مَختوماً بالتاء وهو علم، إذاً: لا ننظر إلى المعنى، هل يصدق على ذكر أم أنثى؟ وإنما نحكم على اللفظ، فنحكم على اللفظ بكونه ممنوعاً من الصَّرْف لكونه مَختوماً بالتاء وهو يصدق عليه قول الناظم: (كَذَا مُؤَنَّثٌ) علمٌ مُؤنَّث، (بِهَاءٍ مُطْلَقَا) سواء كان مدلوله مُذكَّر أو لا، زائداً على ثلاثة أحرف أم لا، نحو: هِبة، هِبة هذا مَختوم بتاء وهو ثلاثي، هل يُمنع من الصَّرْف؟ نقول: نعم، لماذا؟ لقوله: (كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَا) شَمِل الثلاثي والرباعي وما زاد، فكل مُؤنَّث مختوم بتاء فهو ممنوع من الصَّرْف ولو كان أقَلَّ من أربعة أحرف.
ساكن الوسط أم لا، هذا احتراز مِمَّا سيأتي، وهو كهِنْدَ (هِنْدَ) هذا ليس مَختوماً بالتاء، ولكنَّه مُؤنَّثاً تأنيثاً معنوياً، ويجوز فيه الوجهان لكونه ساكن الوسط كما سيأتي.
стр. 2169
إذاً قوله: (مُطْلَقَاً) سواءٌ كان مُؤنَّثاً في المعنى أم لا، زائداً على ثلاثة أحرف أم لا، ساكن الوسط أم لا، نحو: عائشة، وطلحة، وهبة.
كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَاً ... وَشَرْطُ مَنْعِ الْعَارِ. . . . . .
هذا النوع الثاني، قلنا: النوع الأول من المُؤنَّث: المُؤنَّث بالألف، ويشمل المقصورة والممدودة، وهذا سبق في أول الباب وليس له علاقة هنا، لأنه يمنع من الصَّرْف مُطلقاً نكرة أو معرفة، والكلام هنا فيما يُمنع معرفةً، يعني: مع العَلميَّة، سبق النوع الأول وهو المختوم بالتاء، وقلنا: هذا يُمنع مُطلقاً بلا شرطٍ ولا قيد.
النوع الثاني: العاري عن التاء، يعني: مثل زينب، فليس فيه تاء، وهو ليس فيه تاء لفظاً، الكلام في اللفظ، أمَّا في المعنى فهو مُقدَّر، ولا نَحكم عليه من جهة المعنى، وإنما نَحكم عليه من جهة اللفظ: ما يُلفظ به، (زَيْنَب) ليس فيه تاء و (سُعَاد) ليس فيه تاء و (هِنْد) ليس فيه تاء و (سَقَر) ليس فيه تاء، وكلها مُؤنَّث و (جَوْر) ليس فيه تاء.
حِينئذٍ نقول: هذه يُشترط فيها شروط من أجل أنَّه مَمنوعٌ من الصَّرْف أو لا، لكن المُؤنَّث تأنيث معنوي يُشترط فيه العَلميَّة، لكن تارةً يكون واجب المنع، وتارةً يكون جائزاً، يعني: على نوعين، النوع الثاني هذا (العَارِ) على مرتبتين:
- نوعٌ يجب منعه من الصَّرْف.
- ونوع يَجوز منعه ويجوز صرفه، وهو الذي عناه بقوله: (وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ) (وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ) يعني: منع العَارِي حتماً، ولا يجوز صرفه البَتَّة (وَشَرْطُ) هذا مبتدأ وهو مضاف و (مَنْعِ) مضاف إليه، هذا مصدر مضاف إلى المفعول (شَرْطُ مَنْعِ العَارِ) منعِك أنتَ العاري، فالعاري هذا مضاف .. (مَنْعِ) مضاف و (العَارِ) مضاف إليه، يعني: العار من التاء لفظاً، وإلا فما مِن مُؤنَّث بغير الألف إلا وفيه التاء ملفوظة أو مُقدَّرة كما ذكرناه:
وَفِي أَسَامٍ قَدَّرُوا التَّا كَالْكَتِفْ.
فكل مؤنث .. علم مُؤنَّث ففيه التاء، سواءً لفظ بها أو لا، ولكن هنا نَحكم باللفظ فحسب، فما لم تلفظ معه التاء قلنا: هي مُقدَّرة ولا عِبْرة بها.
(وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ) يعني: من التاء لفظاً، وإلا فما من مُؤنَّث بغير الألف إلا وفيه التاء ملفوظة أو مُقدَّرة، (كَوْنُهُ ارْتَقَى) العاري أصله بالياء، مثل: غلامي، حُذِفَت الياء واجتزئ بالكسرة دليلاً عليها.
(شَرْطُ) مبتدأ (كَوْنُهُ ارْتَقَى) (كَونُهُ) هذا خبر المبتدأ و (كَوْنُهُ ارْتَقَى) ما إعرابها؟ كَونُ هي خبر باعتبار السابق هي في نفسها، أين اسمها؟ (كَونُ) ..
وَكَوْنُكَ إِيَاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ.
الضمير المضاف إليه هو الاسم، و (ارْتَقَى) فعل ماضي خبر الكون في محل نَصْب.
إذاً: (كَونُهُ) هذا خبر المبتدأ (شَرْطُ مَنْعِ العَارِ) يعني: مُتجرِّد عن التاء في اللفظ (كَونُهُ) كون ذلك العار ارتقى (ارْتَقَى) يعني: صَعَد وعلا (فَوْقَ الثَّلاَثِ) (فَوْقَ) هذا مُتَعلِّق بقوله (ارْتَقَى) و (ارْتَقَى) فيه ضمير يعود على (العَارِ).
стр. 2170
(كَوْنُهُ ارْتَقَى فَوْقَ الثَّلاَثِ) يعني: بأن يكون زائداً على ثلاثة أحرف كـ: زينب، وسعاد، وما كان دون ذلك فلا، لا يجب فيه المنع من الصَّرْف، (فَوْقَ الثَّلاَثِ) هذا على حذف مضاف، أي: فوق ذي الثلاث، ثُمَّ (الثَّلاَثِ) هكذا حذف منه التاء لأنه مضافٌ في التقدير إلى الأحرف، والحرف يُذكَّر ويُؤنَّث، لأنه يكون الأصل فيه: فوق الثلاثة، لكنه حذف التاء باعتبار المضاف إليه وهو الأحرف، وهذا يُذكَّر ويُؤنَّث.
إذاً: كَوْنُهُ ارْتَقَى فَوْقَ الثَّلاَثِ هذا النوع الأول: أن يكون زائداً على ثلاثة أحرف، كـ: زينب ونحوه، (أَوْ كَجُورَ) هذا عطف على محل (ارْتَقَى) (أَوْ كَجُورَ) (أَوْ) حرف عطف، و (كَجُورَ) أراد به الكاف هنا التَّشبِيه، يعني: مثال لا الحصر، وإنما المراد به التمثيل، فالكاف تَمثيِليَّة لا اسْتِقصَائيَّة (كَجُورَ) عطف على محل (ارْتَقَى) اسم بلدٍ وهو أعجمي.
إذاً: مفهوم قوله (فَوْقَ الثَّلاَثِ) أنَّ ما كان ثلاثةً فأدنى -ولا يكون أدنى- يكون مصروفاً، فالعطف حِينئذٍ عطفٌ على مفهوم السَّابق، لأن قوله: (فَوْقَ الثَّلاَثِ) مفهومه: أنَّ الثلاث فما دون مصروف وليس الأمر كذلك بل فيه تفصيل.
(كَجُورَ أَوْ سَقَرْ أَوْ زَيْدٍ) هذا تخصيص من مفهوم قوله (فَوْقَ الثَّلاَثِ) وبقي هِنْد وهو على أصله، أنَّه لا يجب فيه المنع.
إذاً قوله: (ارْتَقَى فَوْقَ الثَّلاَثِ) هذا له منطوق ومفهوم، منطوقه: أنَّه لا بُدَّ أن يكون زائداً على ثلاثة أحرف، أربعة أحرف فصاعداً، كـ: زينب وسعاد، مفهومه: أنَّ ما كان ثلاثةً حِينئذٍ لا يجب منعه من الصَّرْف، لأنه قال: (وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ) يعني: منعاً حتماً، فقوله: (أَوْ كَجُورَ) هذا استثناء أو تخصيص للمفهوم السَّابق، لأن (جُورَ) هذا ثلاثي، والأصل فيه على القاعدة السَّابقة .. النوع الأول أنَّه مصروف، لكن نقول: لكونه أعجمياً ولو كان ساكن الوسط نَحكم عليه بكونه ممنوعاً من الصَّرْف فهو واجب المنع.
(أَوْ سَقَرْ) هذا ليس بأعجمي وإنما هو مُؤنَّث ثلاثي لكنَّه مُحرَّك الوسط (أَوْ زَيْدٍ ?سْمَ امْرَأَةٍ لاَ اسْمَ ذَكَرْ) (زَيْدٍ) في الأصل اسم رجل، لو سُمِّي به امرأة، قيل: هذه زيدٌ، وجاءت زيدٌ، وذهبت زيدٌ، حِينئذٍ (زَيدٍ) في الأصل ما هو؟ مصروف، فلمَّا نُقِل إلى التأنيث امتنع .. فوجب منعه، فيقال: جاءت زيدُ، ورأيت زيدَ، ومررت بزيدَ، على أنَّه مُؤنَّث لامرأة، ولذلك قال: (?سْمَ امْرَأَةٍ) (أَوْ زَيْدٍ ?سْمَ امْرَأَةٍ) هذا حال من (زَيدٍ).
(لاَ اسْمَ ذَكَرْ) (لاَ) حرف عطف و (اسْمَ ذَكَرْ) معطوف على (اسْمَ امْرَأَةٍ) وهو منصوبٌ مثله، وهذا لا حاجة إليه، لأنه معلومٌ مِمَّا سبق، إذا كان اسم امرأة معلوم أنَّه ليس اسم ذكر، إذاً: صَرَّح بالمفهوم فيكون من باب التتميم لأنه يستغنى عنه.
إذاً: هذه أربعة أنواع من العاري مِمَّا يَجب أن يكون ممنوعاً من الصَّرْف، ولا يجوز صرفه البَتَّة.
الأول: أن يكون زائداً على ثلاثة أحرف .. أربعة أحرف فصاعداً.
الثاني: أن يكون ثلاثياً ولو كان ساكن الوسط، لكنَّه أعجمي.
الثالث: أن يكون ثلاثياً مُحرَّك الوسط.
стр. 2171
الرابع: أن يكون ثلاثياً اسم امرأة لا اسم ذكر، يعني: منقول من التذكير إلى التأنيث.
المُؤنَّث المعنوي شرطُ تَحتُّم منعه من الصَّرْف: أن يكون زائداً على ثلاثة أحرف، نحو: زينب وسعاد، قالوا تعليلاً: لأن الرابع يُنَزَّل مُنَزَّلة تاء التأنيث.
أو مُحرَّك الوسط كـ: (سَقَرْ) هذه سَقَر، حِينئذٍ نقول: (سَقَر) هذا ممنوعٌ من الصَّرْف، لكونه ثلاثياً مُحرَّك الوسط، وكذلك (لَظَى) لأن الحركة قامت مقام الرابع .. الحركة التي في الثلاثي .. حركة العين نُزِّلت منزل الحرف الرابع فأُلحق بـ: (زينب) لأن الحركة قامت مقام الرابع، خلافاً لابن الأنباري فإنَّه جَعَله ذا وجهين، يعني نحو: (سَقَرْ) هذا فيه خلاف، لكن الجماهير على منعه من الصَّرْف لتنزيل الحركة .. حركة العين مُنَزَّلة حرف رابع، فأُلحق بـ: زينب.
ولذلك جاء في القرآن: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ)) [المدثر:٢٧] إذاً: تبقى على المنع من الصَّرْف، علَّلوا أو ما علَّلوا، لأنه جاء في فصيح الكلام ممنوعة من الصَّرْف.
أو يكون أعجمياً، هذا النوع الثالث: أن يكون أعجمياً (كَجُورَ) و (ماه) اسْمي بلدين، لأن العُجْمة لَمَّا انْضَمَّت إلى التأنيث والعَلميَّة تَحتَّم المنع، إذا قيل: أعجمي، نحن الآن بحثنا في أي نوع؟ مُؤنَّث مع عَلميَّة، ما الذي أدخل العُجْمة؟ قالوا: العُجْمة هنا حَتَّمَت المنع، وإلا العُجْمة لا دخل لها .. ليست جزء عِلَّة هنا، العِلَّة مُركَّبة من شيئين: تأنيث، وعَلميَّة، هنا نقول: (كَجُورَ) و (ماه) هذا مُؤنَّث وهو ثلاثي وعَلَم، لماذا منعناه من الصَّرْف؟ لوجود العِلَّتين، لماذا حتَّمْنَا، يعني: أوجبنا منع الصَّرْف؟ لكونه أعجمياً.
فالعُجْمة ليست جزءً من سببي المنع، وإنما المنع مُعلَّق بالعَلميَّة والتأنيث لئلا يرد إشكال، لأن العُجْمة لَمَّا انْضَمَّت إلى التأنيث والعَلميَّة تَحتَّم المنع، وإن كانت العجمة لا تَمنع صرف الثلاثي، لأن هنا لم تؤثر منع الصَّرْف، وإنما أثَّرَت تَحتُّم المنع.
أو .. الرابع: أن يكون منقولاً من مُذكَّر نحو: زيد، إذا سُمِّي به امرأة، حِينئذٍ تَحتَّم منعه، لأنه حصل بنقله ثقل عادل خِفَّة اللفظ، هو في الأصل خفيف (زيد) ثلاثي، لَمَّا نُقِل إلى التأنيث صار فيه ثقل، عَادَل خِفَّة اللفظ، هذا مذهب سيبويه والجمهور، وذهب المُبَرِّد إلى أنَّه ذو وجهين.
إذاً: ما قيل في هذه الأربعة بأنه ذو وجهين نوعان:
- ما كان مُحرَّك الوسط كـ: (سَقَرْ) قيل فيه وجهان: الصَّرْف وعدمه، يعني مثل: هِنْد،
- والثاني: ما كان كـ: (زَيدٍ) عَلَم امرأة لا اسم ذكر، هذا قيل فيه وجهان.
والجمهور في النوعين على أنه ممنوعٌ من الصَّرْف وجوباً مُتحتِّماً.
إذاً:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ كَوْنُهُ ارْتَقَى
فَوْقَ الثَّلاَثِ. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ....
стр. 2172
يعني: زاد على الثلاثة أحرف، هذا النوع الأول فيما لم يكن مختوماً بتاء التأنيث، (أَوْ كَجُورَ) ثلاثي ساكن الوسط وهو أعجمي، والعجمة هنا لا دخل لها في المنع، وإنما في تَحتُّم المنع .. في وجوبه، لماذا؟ لأنك قلت: لها دخلٌ في المنع، حِينئذٍ كيف تقول هنا: ما وجد فيه عِلَّتان وهما التأنيث والعَلميَّة، وقد حَشَرْت العُجْمة معه؟! نقول: لا، ليس الأمر كذلك، بل العُجْمَة مُحتِّمَة، يعني: مُوجبة، حِينئذٍ هي خارجةٌ عن أصل العِلَّتين.
(أَوْ سَقَرْ) ثلاثي مُحرَّك الوسط (أَوْ زَيدٍ) هذا النوع الرابع وهو المنقول من العَلميَّة من مُذكَّر إلى المُؤنَّث.
وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيراً سَبَقْ ... وَعُجْمَةً. . . . . . . . . . . . .
يعني: ما كان ساكن الوسط وعَدِم عُجْمةً، وعِدَم نقلاً من المُذكَّر، حِينئذٍ (وَجْهَانِ) ما هما الوجهان؟ الصَّرْف وعدمه (فِي الْعَادِمِ) (وَجْهَانِ) مبتدأ (فِي الْعَادِمِ) خبر (تَذْكِيراً) هذا مفعولٌ للعادم، يعني: الذي عَدِمَ .. وجهان في الذي عَدِمَ (فِي الْعَادِمِ) في الذي عَدِمَ (الْعَادِمِ) هذا اسم فاعل دخلت عليه (أل):
وَإِنْ يَكُنْ صِلَةَ أَلْ فَفِي الْمُضِي ... وَغَيْرِهِ إِعْمَالُهُ قَدِ ارْتُضِي
هنا أُعمل مُطلقاً، فـ: (تَذْكِيراً) مفعولٌ به لقوله: (العَادِمِ) و (سَبَقْ) فعل ماضي، والفاعل مستتر، والجملة في محل نَصْب نعت لـ: (تَذْكِيراً) يعني: تذكيراً سابقاً، في السابق: (زَيدٍ) هذا ثلاثي ساكن الوسط (وعُجمَةً) مثل (جُورَ) يعني: ما عَدِم العجمة مثل: جور، وعَدِم التذكير مثل: زيد (كَهِنْدَ) رفَعَ الإبهام بقوله: (كَهِنْدَ).
إذاً: مراده ما هو؟ مراده الثلاثي ساكن الوسط، لأنه قال في السابق (كجُورَ) وهو أعجمي، إذاً: لم يدخل معنا، بقي: (سَقَرْ أَوْ زَيدٍ) (سَقَرْ) مُحرَّك الوسط، و (زَيدٍ) ليس بِعَلَم مُؤنَّث أصالةً.
بقي نوع واحد لم يذكره، وهو: ما كان في أصله مُؤنَّثاً .. ثلاثياً .. ساكن الوسط، لم يدخل في الأنواع الأربعة السَّابقة، إذاً: ما حكمه؟ قال: (وَجْهَانِ فِي العَادِمِ) يعني: الذي عَدِمَ تذكيراً مِمَّا سبق، وهو الثلاثي ساكن الوسط كـ: زَيدٍ و (عُجْمَةً) كـ: (جُورَ) عَدِم هذين النوعين (كَهِنْدَ وَالمنْعُ أَحَقّْ) وجهان في هذا النوع والمنع أحق، يعني: يجوز فيه الوجهان: الصَّرْف وعدمه.
أي: أنَّ الثلاثي الساكن الوسط إذا لم يكن أعجمياً، ولا منقولاً من مُذكَّرٍ، إذاً: نفى شيئين .. وصفين: العُجْمة، والنَّقل عن المُذكَّر، فدَلَّ على أنَّه أراد ساكن الوسط، لأن (جُورَ) ساكن الوسط و (زَيد) ساكن الوسط، وأمَّا (سَقَرْ) فليس بوارد، ولذلك أخْرَجه وأكَّدَ على تخريجه بقوله: (كَهِنْدَ) هذا تأكيد على أنَّه لم يُرِد نحو (سَقَرْ) لأنَّه أولاً حَكَمَ عليه بكونه مُتحتِّم المنع، لا يقال: سَقَرْ، إذاً: مُحرَّك الوسط وهو ثلاثي تَحتَّم منعه من الصَّرْف، لم يبق إلا مقابل: سَقَرَ وهو ساكن الوسط، ثُمَّ ساكن الوسط قد يكون كـ: (جُورَ) وقد يكون كـ: (زَيدٍ) وقد لا يكون هذا ولا ذاك، ويكون (كَهِنْدَ) حِينئذٍ أخرج النوعين وأبقى النوع الثالث، (كَهِنْدَ) يعني: وذلك كـ: هِنْدَ.
стр. 2173
أي: أنَّ الثلاثي ساكن الوسط إذا لم يكن أعجمياً، ولا منقولاً من مُذكَّر (كَهِنْدَ) و (دعد) يجوز فيه الصَّرْف ومنعه.
(وَالمَنْعُ أَحَقُّ) فمن صرفه .. ما وجه صرفه؟ نظر إلى خِفَّة السكون، وأنها قاومت أحد السببين، لأن السببين موجودان، وهما التأنيث والعَلميَّة، وُجِد أو لا؟ (هِنْدَ) مُؤنَّث وهو عَلَم، إذاً: نمنعه من الصَّرْف، وأمَّا السكون فلا دخل له في المنع وعدمه، فمن صرفه نظر إلى خِفَّة السكون وأنها قاومت أحد السببين، ومن منع نظر إلى وجود السببين ولم يَعتبِر الخِفَّة، هل السكون له دخلٌ في المنع وعدمه؟ الظَّاهر لا، حِينئذٍ من منع، قال السكون هذا دليلٌ على خِفَّة اللفظ في نفسه.
وأمَّا أن يكون له تأثير في العَلميَّة والتأنيث في ألا يوجد مقتضى هاتين العِلَّتين فلا، وهذا هو الظَّاهر من التَّقعِيد السَّابق. ومن صرفه قال: لا، فهذا ساكن الوسط فهو خفيف.
وجود العِلَّتين، قالوا: أثَّر سكون الوسط في الخِفَّة فلم تؤثِّر هاتان العِلَّتان في المنع، وهذا ليس بظاهر.
على كلٍ: هو سُمِع فيه الوجهان، لكن الأكثر والأرجح: أن يكون ممنوعاً من الصَّرْف، فمن صَرَفه فله وجهٌ، ومن منعه فله وجهٌ، ولذلك ورد بالوجهين قول جرير:
لَمْ تَتَلَفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِهَا ... دَعْدٌ وَلَمْ تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ
إذاً: ورد بالوجهين (دَعْدٌ) مثل (هِنْدَ) ثلاثي ساكن الوسط، وهو اسم أنثى .. تأنيث، وهو عَلَم، علمٌ لأنثى، إذاً: وجد فيه العِلَّتان، سُمِع جرير قال: (دَعْدٌ) صَرَفَه (وَلَمْ تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ) مَنَعَه من الصَّرْف، روي بالوجهين.
وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيراً سَبَقْ ... وَعُجْمَةً كَهِنْدَ وَالمَنْعُ أَحَقّ
(المَنْعُ) يعني: من الصَّرْف أحق الوجهين وأصْوَّب الوجهين، وأقرب إلى القواعد، وهذا مذهب الجمهور.
وقال أبو علي الفارسي: " الصَّرْف أفْصَح " يعني: من المنع، وهنا ابن مالك يقول: (وَالمَنْعُ أَحَقّ) وهو مذهب الجمهور.
قال أبو علي: " الصَّرْف أفْصَح " قال ابن هشام: " وهو غلطٌ جَلي " يعني: القول بكونه أفصح غلط جلي واضح بَيِّن، لأنه في لسان العرب المنع أكثر، وإذا كان أكثر كان أفصح، ثُمَّ إذا جئنا للقواعد والأصول فالأصل منعه مُطلقاً، لأنه عَلَم لمُؤنَّث، إذاً: وجد فيه عِلَّتان فرعيتان، إحداهما ترجع إلى المعنى، والأخرى ترجع إلى اللفظ، هذا الأصل في الممنوع من الصَّرْف، كونه يُصْرَف هذا خلاف الأصل.
إذاً: قال ابن هشام في قول أبي علي (والصَّرْف أفصح): " وهو غلطٌ جلي " وذهب الزَّجاج: إلى أنَّه مُتحتِّم المنع .. واجب المنع، وهذا هو الموافق للأصول، لكن سُمِع أنه مصروف، حِينئذٍ جاز فيه الوجهان، وإلا الأصل أنَّه مُتحتِّم المنع.
стр. 2174
قال: ذهب الزَّجاج: إلى أنَّه مُتحتِّم المنع .. واجب المنع، لأن السكون لا يُغيِّر حُكماً أوجبه اجتماع عِلّتين يَمنعان الصَّرْف، وهذا هو الموافق للأصول: أن السكون هنا لا دخل له في عدم تأثير العِلَّتين، لأن هذه عِلَّة إذا وجِدَت أثَّرَت، ما هو التأثير؟ المنع من الصَّرْف، والأصل فيه إذا مُنِعَ من الصَّرْف ألا يجوز صرفه، هذا الأصل فيه، حِينئذٍ كونه يجوز فيه الوجهان هذا خلاف الأصل.
قيل: وإذا صُغِّرَ نحو (هِنْد) .. إذاً: عرفنا (هِنْد) فيه وجهان: الصَّرْف وعدمه، وكُله مسموع، إلا أنَّ عدم الصَّرْف أحق، لأنه الأكثر وموافقٌ للأصول.
وإذا صُغِّرَ نحو (هِنْد) تَحتَّم منعه لظهور التاء، لو قيل: هُنَيْدةُ، ممنوع أو لا؟ (هِنْد) يَجوز فيه الوجهان (هُنَيْدةُ) تصغيره؟ المنع مُطلقاً، لماذا؟ لأنه دخل في النوع الأول: (كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَاً) فـ: (هُنَيْدةُ) هذا ممنوعٌ من الصَّرْف.
وإذا سُمِّي مُذكَّر بِمُؤنَّث مُجرَّد من التاء، فإن كان ثلاثياً صرف مُطلقاً خلافاً للفَرَّاء، لو سُمِّي رجل: هِنْد، أو: دَعْد، صُرف مُطلقاً، لماذا؟ لأنه ليس مُؤنَّثاً، وإنما وجدت فيه العَلميَّة فحسب، (زيد) جاء زيدٌ .. رأيت زيداً .. مررت بزيدٍ، عَلَم لمذكَّر هو مصروف، حِينئذٍ إذا جَعَلته عَلَم لمُؤنَّث صار ممنوعاً من الصَّرْف لاجتماع العِلَّتين، وجد فيه التأنيث مع كونه عَلَماً سَابقاً ولاحقاً، طيب! إذا عَكَسْت جئت بـ: هِنْد، قلنا: الأصل فيه وجهان، والمنع أحق .. أنَّه ممنوعٌ من الصَّرْف، سَمَّيْت به مُذكَّر حِينئذٍ يُصرَف لزوال التأنيث وبقاء العَلميَّة.
إذاً:
كَذَا مُؤَنَّثٌ بِهَاءٍ مُطْلَقَاً ... وَشَرْطُ مَنْعِ العَارِ كَوْنُهُ ارْتَقَى
العَارِ يعني: من التاء، كَوْنُهُ هذا العاري ارْتَقَى وعلا وزاد (فَوْقَ الثَّلاَثِ) (فَوْقَ) هذا مُتَعلِّق بقوله (ارْتَقَى) (فَوْقَ) مضاف و (الثَّلاَثِ) مضافٌ إليه بِحذف التاء، لأنه مضافٌ في التقدير للأحرف، والحرف يُذكَّر ويُؤنَّث، (أَوْ) للتنويع والتقسيم (كَجُورَ) يعني: مثل جُورَ، و (جُورَ) من لفظه تأخذ أنَّه مُؤنَّث، وهو ثلاثي ساكن الوسط، لكنَّه أعجمي.
إذاً: كل ما كان على هذه الزنة فهو ممنوعٌ من الصَّرْف مُطلقاً.
(أَوْ سَقَرْ) (أَوْ) للتقسيم والتنويع و (سَقَرْ) هذا ثلاثي مُؤنَّث وهو مُحرَّك الوسط، لكنَّه ليس أعْجَمياً (أَوْ زَيدٍ) هذا النوع الرابع فـ: (أَوْ) فيه للتقسيم والتنويع و (زَيدٍ) هذا في الأصل أنَّه عَلمٌ لمذكَّر، ولكن رَفَع هذا الأصل بقوله: (?سْمَ امْرَأَةٍ) حالٌ من زيد لاَ اسْمَ ذَكَرْ.
وما لم يذكره وهو لفظ (هِنْد) قال: (وَجْهَانِ) الصَّرْف وعدمه (فِي الْعَادِمِ) في الذي عَدِم (تَذْكِيراً سَبَقْ) سبق ذكره في قوله: (زَيدٍ) (وَعُجمَةً كَهِنْدَ) فتَعيَّن أنَّ مراده هو الثلاثي ساكن الوسط (كهِنْدَ وَالمَنْعُ أحَقُّ) الوجهين، يعني: أصْوَّب الوجهين.
стр. 2175
قال الشَّارِح هنا: " ومِمَّا يُمنع صرفَه أيضاً العَلميَّة والتأنيث، فإن كان العَلَم مُؤنَّثاً بالهاء امتنع من الصَّرْف مُطلقاً "أي: سواءٌ كان عَلَماً لمذكَّر كـ: طلحة، أو لمُؤنَّث كـ: فاطمة، زائداً على ثلاثة أحرف كما مُثِّل، أم لم يكن كذلك: ثُبَة وقُلَة علمين، ولا يُمثَّل بساكن الوسط مَختوماً بالتاء، لأن التاء لا بُدَّ أن يكون ما قبلها مفتوح.
وإن كان مُؤنَّثاً بالتَّعليق، أي: بكونه عَلَم أنثى، فإمَّا أن يكون على ثلاثة أحرف أو على أزْيَد من ذلك، فإن كان على أزيد من ذلك امتنع من الصَّرْف كـ: زينب، يعني: العاري الذي أراد من قوله: (فَوْقَ الثَّلاَثِ) وسعاد علمين، فتقول: هذه زينب (زينب) هذا ممنوعٌ من الصَّرْف خبر، لا يُنوَّن لقيام علتين فيه: وهما العَلميَّة والتأنيث، إحداهما ترجع إلى اللفظ، والأخرى ترجع إلى المعنى، ورأيت زينب، ومررت بزينب.
وإن كان على ثلاثة أحرف، فإن كان مُحرَّك الوسط مُنِع أيضاً، كـ: (سَقَرَ) وإن كان ساكن الوسط فإمَّا أن يكون أعْجَمياً أو لا، فإن كان أعجمياً كـ: (جُورَ) اسم بلد، أو منقولاً من مُذكَّر إلى مُؤنَّث كـ: (زيد) اسم امرأة مُنِعَ أيضاً، يعني: واجب المنع، فإن لم يكن كذلك بأن كان ساكن الوسط وليس أعجمياً ولا منقولاً من مُذكَّر (عَادِمِ تَذْكِيراً سَبَقْ وَعُجْمَةً) ففيه وجهان: المنع والصَّرْف، والمنع أولى، فتقول: هذه هِنْدُ، ورأيت هِنْدَ، ومررت بِهنْدَ.
وَالْعَجَمِيُّ الْوَضْعِ وَالتَّعْرِيْفِ مَعْ ... زَيْدٍ عَلَى الثَّلاَثِ صَرْفُهُ امْتَنَعْ
(وَالْعَجَمِيُّ الْوَضْعِ وَالتَّعْرِيْفِ) هذا مِمَّا يَمتنع صرفه لوجود عِلَّتين: إحداهما العُجْمَة، والثاني: العَلميَّة، وهو الذي عناه بقوله: (وَالتَّعْرِيْفِ).
(وَالْعَجَمِيُّ الْوَضْعِ) إضافةٌ لفظية فليست على معنى حرفٍ، أي: العَجَميُّ وضعه وتعريفه، والمراد بالعَجَمِي: معلوم أنَّ لسان العرب يقابله لسان العجم، فكل ما نُقِلَ من لسان غير العرب، ولا يَخْتصُّ بالفُرس كما قال بعضهم لا، بل هو عام، فكل لَفظٍ ينقل عن غير لسان العرب فيُستَعمَل في لسان العرب فيُسمَّى أعجمياً، سواءً كان لغة الفرس .. سواءً كان لغة انجليزية .. فرنسية، أيَّاً كان ما دام أنه ليس من لسان العرب فيُسمَّى أعَجَمياً، وهو موجود .. العجمي موجودٌ في لسان العرب.
وبعض الناس عندهم حساسية من بعض الألفاظ التي تكون دخيلة، فكل لفظٍ دخيل فالنحاة وضعوا له عنوان، يُسمَّى: العَجَمِي، وقد يكون ممنوعاً من الصَّرْف وقد لا يكون، واختلفوا هل هو موجودٌ في القرآن أو لا، حِينئذٍ إذا اسْتُعمِل لفظ من غير لسان العرب، وخاصَّة إذا شاع وانتشر ومضى عليه القوم الآباء والأجداد، حِينئذٍ يبقى على أصله، وتُنَزَّل عليه هذه الأحكام: يُمنع من الصَّرْف للعَلميَّة إذا كان علماً، بالشروط الآتية، ولا تكون هناك حساسية فيه.
следующие страницы →