← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وذهب الكسائي إلى أنَّ نحو: قاضي، اسم امرأة، وَيُعَيل، وَيَرْمي، يَجري مَجرى الصَّحيح في ترك التَّنوين وَجَرِّه بفتحةٍ ظاهرة، فيقال: هذا يُعَيْلى وَيَرْمي وقاضي، يعني: إبقاءه على أصله، هذا مذهب الكسائي، وَرَأيْتُ يُعَيلِيَ، وَيَرْمِيَ، وَقَاضِيَ، وَمَرَرْتُ بِيُعَيلِي، وَيَرْمِي، وَقَاضِي، فتبقى الياء كما هي ساكنة ولا يُجْرِيه مُجْرى (جَوَارٍ وَغَوَاشٍ) هذا رأيٌّ للكسائي والجمهور على خلافه. (وَمَا يَكُونُ مِنْهُ) والَّذي يكون .. مبتدأ، (يَكُونُ مِنْهُ) يعني: مِمَّا لا ينصرف معرفةً أو نكرة (مَنْقُوصَاً) يعني: آخره ياء .. قبل النَّقل، وأمَّا بعده فهذا ذهب في قوله: (وَذَا اعْتِلاَلٍ)، فـ (يَقْتَفِي) يتَّبع (فِي إِعْرَابِهِ نَهْجَ جَوَارٍ) فَيُرْفَع وَيُنَوَّن تنوين عوض، وينصب على الفتحة الظَّاهرة وتبقى الياء، ويُخْفَض بالفتحة نيابةً عن الكسرة، وَيُنَوَّن تنوين عِوَض وتُحْذَف الياء، وما كان مختوماً بالواو وجب قلب الواو ياءً، لأنَّه لا يوجد عندنا اسم معرب آخره واو. وَلاِضْطِرَارٍ أَوْ تَنَاسُبٍ صُرِفْ ... ذُو المَنْعِ وَالمَصْرُوفُ قَدْ لاَ يَنْصَرِفْ وَجَائِزٌ فِي صَنْعَةِ الشِّعْرِ الصَّلِفْ ... أَنْ يَصْرِفُ الشَّاعِرُ مَا لاَ يَنْصَرِفْ يعني: الممنوع من الصَّرف إذا اضْطُرَّ الشَّاعرُ إلى صَرْفِه صَرَفَهُ لأنَّه رجوعٌ إلى الأصل وهذا في الجملة مُتَّفق عليه، في الجملة، ثَمَّ نوعان مختلفٌ فيهما، في الجملة: ما اضْطُرَّ الشاعر إلى صَرْفِه صَرَفَهُ، مثال الضَّرورة كقول الشاعر: وَيَوْمَ دَخَلْتُ الْخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ .. (عُنَيْزَةٍ) جَرَّه والأصل أن يقول: عُنَيْزَةَ، لأنَّه علم مُؤَنَّث، فاجتمع فيه علَّتان فهو ممنوع من الصَّرف. وَيَوْمَ دَخَلْتُ الْخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ ... فَقَالَتْ لَكَ الوَيلاتُ إنَّكَ مُرِجِلي ومثله: تَبْصَّرْ خَلِيْلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَغَائِنٍ .. (ظَغَائِنٍ) بعد ألف تكسيره حرفان، حينئذٍ هو ممنوعٌ من الصَّرف لكونه على صيغة منتهى الجموع. إذاً: يُصْرَف الممنوع من الصَّرف فَيُرَدُّ إلى أصله، وحينئذٍ لا إشكال. (وَلاِضْطِرَارٍ) وهو في الشِّعر كثير بل هو الظَّاهر أنَّه محله الشِّعر، واخْتُلِف في نوعين، يعني: فيما يَجوز أنَّه إذا اضْطُرَّ هل يُنَوِّنُه فَيردُّه إلى أصله أم لا؟ الأوَّل: ما فيه ألف التَّأنيث المقصورة، عرفنا فيما سبق أنَّ التَّنوين ساكن حينئذٍ ألف مقصورة ساكنة، فماذا يصنع الشاعر؟ إذا اضْطُرَّ إلى أن يُنَوِّن المختوم بألفٍ ساكنة، يلتقي ساكنان فتحذف الألف، جئت بساكن مثله! ليس فيه فائدة، لكنَّه سُمِع ما دام أنَّه سُمِع فيجوز. ما فيه ألف التَّأنيث المقصورة فمنع بعضهم صرفه للضَّرورة، وقال لأنَّه لا فائدة فيه، إذ يزيد بقدر ما ينقص، ما الَّذي نقص؟ ساكن .. زاد ساكناً، هو نفسه .. دوران .. يدور، يعني: تأتي بالتَّنوين وهو ساكن فتحذف السَّاكن، إذاً: يزيد بقدر ما ينقص. وَرُدَّ بقوله: جُزْءَاً لآخِرَتِي وَدُنِياً تَنْفَعُ ..

стр. 2207

(وَدُنِياً تَنْفَعُ) نَوَّن (دُنِيَا) و (دُنِيَا) هذا مثل (حُبْلَى) ممنوعٌ من الصَّرف، ما دام أنَّه سُمِع نمشي معه، فيجوز حينئذٍ أن يُنَوَّن ما كان مَختوماً بألف التأنيث المقصورة. الثَّاني: (أفْعَلُ مِنْ) أفْعَلْ: ما كان على صيغة (أفْعَلْ) مُجَرَّد إذا قيل (أفْعَلْ مِنْ) سبق أنَّ هذا الاصطلاح يُراد به المجرَّد الَّذي يلتزم التَّذكير والإفراد، (أفْعَلْ مِنْ) منع الكوفيُّون صرفه للضَّرورة، قالوا: لأنَّ حذف تنوينه لأجل (مِنْ) هو حُذِف تنوينه من أجل (مِنْ) فكيف أنت تَرُدَّه؟ تنوينه أصلًا .. يقول: أفْضَلُ مِنْ، (أفْضَلُ) لا يُنَوَّن لأجل (مِنْ) وهذا ليس بصحيح. قالوا: لأنَّ حذف تنوينه لأجل (مِن) فلا يُجمع بينهما، ومذهب البصريين جوازه لأنَّ المانع إنَّما هو الوزن والوصف فقط، ليس لأجل (مِنْ). ومذهب البصريين جوازه لأنَّ المانع إنَّما هو الوزن والوصف كـ: أحْمَر، لا من لا لفظ (من)، بدليل صرف: خيرٍ من، وشرٍ من، بزوال الوزن. (خيرٍ من) هذا مصروف و (شرٍ من) هذا مصروف، لزوال الوزن، لأنَّ الألف هنا حُذِفت كما سبق تخفيفاً حينئذٍ زالت الصِّيغة. وَلاِضْطِرَارٍ أَوْ تَنَاسُبٍ .. يعني: مناسبة، يُذْكَر الممنوع بجوار المصروف، فمناسبةً له يُنَوَّن، وهذا يُسَمَّى: تنوين المناسبة، وهو خاصٌّ كذلك بالأسماء. ومثال الصَّرف للتَّناسب قراءة نافع والكسائي: (سَلاَسِلاً وَأَغْلاَلاً) (أَغْلاَلاً) هذا ممنوعٌ من الصَّرف؟ لا، (سَلاَسِلْ) هذا على وزن (مفاعل) و (أَغْلاَلاً) هذا ليس ممنوعٌ من الصَّرف، أغلال .. (أفْعَال) لمَّا نُوِّنَ (أَغْلاَل) وكان قبله (سلاسل) جرى معه، لمناسبة ما بعده نُوِّن سَلاَسِلاً وَأَغْلاَلاً. وقراءة الأعمش: (وَلا يَغُوثَاً وَلا يَعُوقًا وَلا نَسْرًا) قراءة الأعمش شاذَّة (وَلا يَغُوثَاً وَلا يَعُوقًا وَلا نَسْرًا) لمناسبة (نسرا) لأنَّ (نسراً) هذا مصروف. إذًا: وَلاِضْطِرَارٍ أَوْ تَنَاسُبٍ صُرِفْ .. وجوباً (ذُو المَنْعِ) (وَالمَصْرُوفُ قَدْ لاَ يَنْصَرِفْ) وهذا محل نزاع .. هذا مذهب الكوفيين، وأمَّا البصريُّون فلا يُجيزون ذلك البتَّة، عندهم ممنوع أن يُمنع المصروف، لماذا؟ جَوَّزُوا الأوَّل ومنعوا الثَّاني، قالوا: هو ممنوعٌ من الصَّرف، إذا اضْطُرَّ إلى صَرْفِه صَرَفَه رجوعاً إلى الأصل، لأنَّ الأصل في الاسم أن يكون مصروفاً، فإذا مُنِع فهو فرعٌ .. فإذا نُوِّن رجعنا إلى الأصل، لا إشكال، أمَّا أن يكون الأصل فيه: أنَّه مصروف، ثُمَّ بعد ذلك نَمنعه من الصَّرف؟! هذه مشكلة، قالوا: إذًا نَمنعه، فلا يجوز أن يُمنع المصروف. وأمَّا منع المنْصرَف من الصَّرف للضَّرورة فأجازه قومٌ ومنعه آخرون، لكونه خروجاً عن الأصل بِخلاف صرف مالا ينْصرِف فإنَّه رجوعٌ للأصل فاحْتُمِل في الضَّرورة، ومنعه آخرون وهم أكثر البصريين واستشهدوا لمنعه، يعني: ممن جَوَّزَهُ: وَمِمِنْ وَلَدُوا عَامِرُ ... ذُوْ الطُّوُلِ وَذُوُ العَرْضِ

стр. 2208

(عَامرُ) ممنوع من الصَّرف؟ لا، ليس ممنوعاً من الصَّرف، لكن هنا مَنَعه، إذاً: يَجوز منع المصروف للضَّرورة، لذلك ذهب ابن مالك هنا إلى كونه جائز (وَالمَصْرُوفُ قَدْ لاَ يَنْصَرِفْ) (وَالمَصْرُوفُ) الَّذي الأصل فيه: أنَّه الصرف (قَدْ لاَ يَنْصَرِفْ) (قَدْ) للتَّقليل .. لكنَّه قليل يعني، ولذلك قال قائل: فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلا حَابِسٌ ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعٍ (مِرْدَاسَ) على وزن (مِفْعَال) هل هو ممنوعٌ من الصَّرف أو لا؟ ليس ممنوعاً من الصَّرف، لكن منعه هنا قال: (مِرْدَاسَ) لم يُنَوِّنه، فمنعه من الصَّرف لضرورة الوزن، وكذلك مثله: طَلَبَ الأَزَارِقَ بالكَتَائِبِ إِذْ هَوَتْ ... بِشَبِيبَ غَائِلَةُ النُّفُوسِ غَدُورُ (بِشَبِيبَ) هذا ليس ممنوعاً من الصَّرف بل هو مصروف. على كُلٍّ: سُمِع في لسان العرب أنَّ الشَّاعر قد يمنع ما هو مصروفٌ في الأصل للضَّرورة. إذاً: (لاِضْطِرَارٍ) يَعمُّ النَّوعين، فيجوز أن يصرف الشاعر مالا ينصرف، وهذا الَّذي نصَّ عليه الحريري هناك في (المُلحة): وَجَائِزٌ فِي صَنْعَةِ الشِّعْرِ الصَّلِفْ ... أَنْ يَصْرِفُ الشَّاعِرُ مَا لاَ يَنْصَرِفْ وهذه لها ضوابط عندهم، وإنَّما يُنْظَر فيها على حسب الضَّوابِط، ليس كل ما عّنَّ له صرفه، أو أنَّه يُقال اضْطُّر إليه، لا، إنَّما لها ضوابط. (وَلاِضْطِرَارٍ) إذًا: يَعُمُّ صرف الممنوع ومنع المصروف، وأمَّا مذهب الكوفيين فجواز منع المصروف، ومذهب البصريين المنع فلا يجوز عندهم أن يمنع الشاعر ما هو مصروفٌ في الأصل، لأنَّه إجحافٌ به، الأصل فيه: أنَّه يُنَوَّن تنوين صرف، فإذا منعه حينئذٍ أجحفه وسَلَبَه حقه وهذا ممنوع. (وَلاَضْطِرَارٍ) هذا جار مجرور مُتعلِّق بقوله: (صُرِفْ) (أَوْ) هذه للتَّقسيم (تَنَاسُبٍ) معطوف على (اضْطِرَارٍ) والمعطوف على المجرور مجرور (صُرِفْ) صرف وجوباً، وإن كانت اللفظة لا تدل على الوجوب. (وَلاِضْطِرَارٍ أَوْ تَنَاسُبٍ صُرِفْ) يعني: وجوباً. (ذُو المَنْعِ) (صُرِفْ) فعل ماضي مغيَّر الصيغة مبني على الفتح، أين الفتح؟ مُقدَّر، لماذا؟ سكون الرَّوي، (ضُرِبْ) نقول: هذا مبني على الفتح، لكن الفتح ليس ظاهراً هنا، دائماً في الوقف تُعرِبه بسكون الوقف، يعني: تُقدِّر الحركة، ولذلك اتفقوا على أنَّ العرب إنَّما تقف على ساكن ولا تقف على متحرِّك، كما أنَّها لا تبدأ بساكن بل تبدأ بِمتحرِّك، فإذا قيل: جاء زيد (زيد) فاعل مرفوع ورفعه ضَمَّة مُقدَّرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، جاء زيد: هذا يُخطئ فيه الطُّلاب نقول: جاء زيد، أعرب: جاء زيد؟ فتقول: جاء زيد، هذا فاعل مرفوع ورفعه ضَمَّة ظاهرة على آخره، ما في ضَمَّة ظاهرة! أنت تقول: جاء زيد، الضمَّة الظاهرة تكون في الوصل، أمَّا في الوقف فليس عندنا فتحة ظاهرة، ولا ضَمَّة ظاهرة، ولا كسرة ظاهرة، وإنَّما تكون في الوصل فقط إذا كان، جاء زَيدُ وعمرو، الأوَّل مرفوع بضَمَّة ظاهرة والثَّاني مرفوع بضَمَّة مُقَدَّرة، إذاً: في الوقف تُقدِّر الحركة: رفعاً، أو نصباً، أو خفضاً.

стр. 2209

وهنا: (صُرِفْ) وسواء كانت الحركة في المبنيَّات أو في المعربات فالحكم عام، هنا تقول: (صُرِفْ) مبنيٌّ على فتحٍ مُقدَّر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الضَّرب. (صُرِفْ ذُو المَنْعِ) (ذُو) نائب فاعل مرفوع ورفعه ضَمَّة بالواو لأنَّه من الأسماء السِّتَّة، إذاً: ليس بضَمَّة مُقدَّرة، لأنَّه من الإعراب بالفرع وهو الحرف، (ذُو المَنْعِ) (ذُو) مُضاف بِمعنى: صاحب المنع و (المَنْعِ) مضافٌ إليه، وهذا قيل بلا خلاف، لكن ذكرنا أنَّ نوعين وهو: ما كان فيه ألف التَّأنيث المقصورة هذا فيه خلاف، وكذلك (أفْعَلُ مِنْ) الكوفيُّون على المنع، والبصريُّون على الجواز وما عداه فهو مُجمعٌ عليه، إذاً: (وَلاِضْطِرَارٍ) ليس كُلَّه مُجْمَعٌ عليه بل فيه نوعان فيهما خلاف. (وَالمَصْرُوفُ قَدْ لا يَنْصَرِفْ) (وَالمَصْرُوفُ) مبتدأ مرفوع ورفعه ضَمَّة ظاهرة على آخره (المَصْرُوفُ) يعني الَّذي صُرف (أل) هنا ما نوعها؟ وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ .. (مصْرُوفُ) اسم مفعول، وإذا كان اسم مفعول ودخلت عليه (أل) فهي الموصوليَّة: وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ .. (وَالمَصْرُوفُ) قلنا: مبتدأ (قَدْ) للتَّقليل، حرفٌ مبنيٌّ على السُّكون لا مَحلَّ له من الإعراب، (لاَ يَنْصَرِفْ) نافية، حرفٌ مبني على السُّكون لا محل له من الأعراب، ما معنى: لا محلَّ له من الإعراب؟ يعني: لا يأتي مُبتدأً، ولا فاعلاً، ولا تمييزاً، ولا حالاً إلى آخره، لا يأتي في بابٍ من الأبواب التي مرَّت معنا أبدًا، لا مستثنى .. وإلى آخره، طيب، نحن نقول: زَيْدٌ قَامَ أبوه (زيدٌ) مبتدأ و (قام أبوه) في محل رفع، هنا الحكم على الجملة، والحكم على الفعل نفسه نقول: الفعل لا محل له من الإعراب، وإنَّما وقع هناك: زيدٌ قام أبوه، ليس (قام) فقط هو الخبر، وإنَّما جملة: (قام أبوه) فحينئذٍ المحل للجملة لا للفعل، وإذا قيل: قام زيدٌ، (قام) فعلٌ ماضي مبنيٌّ على الفتح لا محل له من الأعراب، كيف لا محل له من الإعراب، ثُمَّ نقول هو في محل رفع هناك؟! لا محل له من الإعراب معناه: أنَّه لا يُمكن أن يأتي في أي تركيب أن يكون خبراً .. أبدًا لا يُمكن، فإذا قيل: زيدٌ قام أبوه، كيف وقع خبراً؟ نقول: هنا وقع خبراً جملة، يعني: الفعل مع الفاعل، وهناك قلنا: قام زيدٌ (قام) لا مَحلَّ له من الإعراب باعتبار الفعل نفسه، إذ فرقٌ بين الحكم على الفعل فقط، وعلى الفعل مع فاعله. (قَدْ لاَ يَنْصَرِفْ) (يَنْصَرِفْ) فعل مضارع، ما الدَّليل على أنَّه فعل مضارع؟ الياء .. أنيتُ (يَنْصَرِفْ) فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على آخره، وليست ظاهرة، قلنا: الظَّاهر يكون في الوصل، في الوقف تُلغي هذه الفكرة الخاطئة وهي: أنَّه يكون مرفوعاً بضَمَّة ظاهرة، أو فتحة ظاهرة، أو كسرةٍ ظاهرة، إلا في المنصوب إذا وُقِف عليه بالألف: رَأيْتُ زَيْدَا، هذا يُسْتَثْنى. وَقِفْ عَلَى المَنْصُوُبِ مِنْهُ بِالأَلِفْ ... كَمِثْلِ مَا تَكْتُبُهُ لاَ يَخْتَلِفْ إذاً: (لاَ يَنْصَرِفْ) مرفوع ورفعه ضَمَّة مُقدَّرة على آخره، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (المَصْرُوفُ). والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 2210

عناصر الدرس * شرح الترجمة (إعراب الفعل) والأصل في الأفعال * رفع المضارع وعامله * ينصب المضارع بـ (لن) ــ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وَالصَّلاة وَالسَّلامَ عَلَى نَبِيَّنَا مُحَمَّد، وَعَلى آله وَصَحْبِه أَجْمَعِين، أمَّا بعد: قال النَّاظِم رحمه الله تعالى: (إِعْرَابُ الْفِعْلِ) أي: هذا بابٌ مُتَعلِّق بإعراب الفعل. بعدما أنْهى ما يَتَعلَّق بالأسماء المصروفة وغير المصروفة، شرع في الفعل المعرب، وهو الفعل المضارع، وقد أشار فيما سبق إلى أنَّه مُعرَب، وقد اختلف البصريون والكوفيون في الأصل في الأفعال: هل هي مُعرَبة أو مَبنِيَّة؟ والذي عليه مذهب البصريين: أنَّ الفعل مبني، هذا الأصل فيه، ولذلك ما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، وأن الأصل في الأسماء الإعراب. والكوفيون يرون أن الأصل في الاسم والفعل الإعراب مَعاً، حِينئذٍ ما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، كما سبق في بيان الاسم: وَالاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي حِينئذٍ ما جاء مُعرَباً من الأسماء لا يُسأل عنه، وما جاء مَبنيَّاً فيُقال: لم بُنِي؟ حِينئذٍ لا بُدَّ من بحث عن عِلَّةٍ، وقد سبق بيان العلل في باب المعرب والمبني، وسبق قوله: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ ... نُونِ إِنَاثٍ. . . . . . . . . . . حِينئذٍ حكم بكون الفعل المضارع مُعْرَب، وهذا على خلاف الأصل، إذْ الأصل في الفعل: أنَّه مبني، هذا عند البصريين، حِينئذٍ الفعل الماضي لا يُسأل عنه، لأنَّه وافق الأصل، وما جاء على الأصل لا يقال: لم بُنِي؟ كذلك فعل الأمر على مذهب البصريين مبني، وحِينئذٍ لا يُسأل عنه؛ لأنَّه جاء على الأصل، فلا يُقال: لم بُنِي فعل الأمر؟ وأمَّا على مذهب الكوفيين فالأصل عندهم الإعراب، والفعل -فعل الأمر- مُعرَبٌ عندهم، والفعل المضارع مُعرَبٌ عندهم، إذاً: لا يُسأل عن عِلَّة إعراب فعل الأمر ولا المضارع، لأنَّه وافق الأصل، وإنَّمَا يُسأل عن عِلَّة بناء الفعل الماضي، فيُقال: لم بُنِي الفعل الماضي؟ إذاً: باختلاف الأصلين حِينئذٍ يأتي التَّعلِيل، باختلاف الأصلين: الأصل في الفعل هل هو مُعرَبٌ أو مبني؟ يأتي التَّعلِيل، فعلى مذهب الكوفيين لا نَحتاج أن نقول: لم أُعرب الفعل المضارع؟ لأنَّه جاء على الأصل، وما جاء على الأصل لا يُسْأل عنه، وأمَّا على مذهب البصريين فالأصل في الفعل أنَّه مبني، فحِينئذٍ إذا أُعْرِب الفعل المضارع نقول: لم أعرب الفعل المضارع؟ هنا قال: (إِعْرَابُ الْفِعْلِ) وأطلق الفعل، والمُراد به: الفعل المضارع، لماذا؟ لأنَّه لا مُعرَب عِنْد البصريين إلا الفعل المضارع، بشرط خُلوِّه من النونين، يعني: ألا تَتَّصِل به نون الإناث، وألا تَتَّصِل به نون التوكيد، وتكون مُباشِرةً للفعل، وحِينئذٍ الفعل قد يكون مُعرَباً، وقد يكون مُبنيَّاً، يكون مَبنيَّاً في حالين: وذلك إذا اتَّصَلَت به نون الإناث، أو نون التوكيد المباشرة، ولذلك سبق: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ ... نُونِ إِنَاثٍ كَيَرُعْنَ مَنْ فُتِنْ إذا لم تَتَّصِل به نون الإناث، ولا نون التوكيد، حِينئذٍ حكمنا عليه بكونه مُعرَباً. وما عِلَّة الإعراب؟ عند البصريين أنَّ عِلَّة الإعراب مُشابَهتُه للاسم، لذلك سُمِّي: مضارعاً، من المضارعة وهي المُشابَهة، كما إذا ارتضعا من ثديٍ واحد .. هكذا قيل، فالمضارعة في اللغة: هي المُشابَهة، حِينئذٍ ما وجه المُشابَهَة بين الفعل المضارع والاسم؟ عند جمهور البصريين عُلِّلَ بخمسة أمور .. وجوه المُشابهة بين الفعل المضارع والاسم من خمسة أوجه: الأول: وقوع الفعل المضارع موقع الاسم في كثير من المواقع، فيقع خَبَراً، وصِفةً، وصِلَةً، وحالاً، يعني: هذه المحال -الخبر والصفة والصلة والحال- قد يقع في المحل ما هو اسم، وقد يقع في المحل ما هو فعلٌ مضارع، إذاً أشْبَهَه فيُقَال: زيدٌ قائمٌ .. زيدٌ يقوم، جاء الاسم خَبَراً وجاء فعلاً، وكذلك الصفة: مررت بِرجلٍ ضاحكٍ، ومررت برجلٍ يضحك، إذاً: جاءت الصِّفَة فعلاً، وجاءت اسْماً.

стр. 2211

كذلك صِلَة: جاء الذي يقوم أبوه .. جاء القائم، وقع (القائم) هنا صِلَة، أو يكون جزءً مع غيره في الجملة الاسْميَّة: جاء الذي أبوه قائمٌ، (أبوه قائمٌ) نقول: هذا اسمٌ، وهو مركبٌ من اسمين، إذاً: جملة اسْميَّة، إذاً: وقع الفعل المضارع موقع الاسم: جاء القائم ونحوه. وحالاً كذلك إذا قلت: جاء زيدٌ ضاحكاً، وجاء زيدٌ يضحك، إذاً: مواضع في المَحَال يرد الاسم ويرد فيها الفعل المضارع، إذاً: أشبه الفعل المضارع الاسم في وقوعه في مَحلٍّ من هذه المَحَال الأربعة. الثاني: أن الفعل يحتاج إلى الإعراب لتمييز المعاني كالاسم، ولذلك سبق في أول باب المعرب والمبني، أنَّ الاسم إنَّما أُعرِب .. وإن كان لا يحتاج إلى تعليل، لأنَّه وافق الأصل، وما جاء على الأصل لا يُسأل عنه، حِينئذٍ قيل: أنَّ الاسم إنَّمَا أُعرِب لتوارد المعاني عليه، قالوا: المعاني لا يُميِّزُها إلا الإعراب .. المعاني المختلفة لا تَتَميَّز إلا بالإعراب. وذكرنا المثال المشهور عندهم، وهو: ما أحْسنُ زَيدٍ .. ما أحْسنَ زَيداً .. ما أحْسنَ زَيدٌ، هذه الجملة واحدة وهي اسْميَّة، ومُحتمِلَة لِعدَّة معاني: ما أحْسنَ زَيداً! هذا التَّعجُّب، ما أحْسنُ زَيدٍ؟ هذا الاستفهام، ما أحْسنَ زيدٌ هذا نَفيٌ، ما الذي مَيَّزَ الاستفهام عن النَّفِي عن التَّعجُّب؟ هو الحركات الإعرابية. الفعل المضارع أشبه الاسم في هذين النوعين، قد تعتريه معاني مُختلفة لا يُمَيِّزها إلا الإعراب، والمثال المشهور: لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ اللبن، لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ وتَشْربِ وتَشْربُ، إذاً: يَحتمل عِدَّة معاني. لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربَ، يعني: لا تأكل مع شربك، حِينئذٍ الواو هنا واو المَعيَّة، و (تَشْربَ) فعل مضارع منصوب بـ: (أنْ) مضمرة وجوباً بعد الواو، وحِينئذٍ يكون النَّهي عن الجمع بينهما، وأمَّا عن الإفراد فأنت وشأنك. لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربِ اللبن، كلٌ منهما منهي عنه سواءٌ كانا اجتمعا أو انفردا، فإذا قيل: تَشْربِ، حِينئذٍ صارت الواو عاطفة كأنَّه قال: ولا تَشْربِ اللبن، فهو معطوفٌ على سابقه، والمعطوف على المَجزُوم مجزوم. لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربُ، بالرَّفْع هذا نَهيٌ عن الأول وإباحة الثاني، إذاً: هذه معاني مُختلفة: النَّهْي عنهما مَعاً .. النَّهْي عن كل واحدٍ منهما .. النهي عن الأول وإباحة الثاني، هذا معاني مُختلِفة الذي مَيَّزَها هو الإعراب، إذاً كما في قولك: ما أحْسنَ زَيدٌ .. ما أحْسنَ زيداً .. ما أحْسنُ زيدٍ، كذلك تقول: لا تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْربُ وتَشْربَ وتَشْربِ اللبن. حِينئذٍ صار في الفعل ما هو في الاسم، لكن ثَمَّ فرقٌ بين هذين النوعين: أن الاسم لا يُميِّز هذه المعاني إلا الإعراب فقط، ولذلك جُعِل أصلاً فيه، لا يُميِّز هذه المعاني إلا الإعراب، لكن لك مَمدُوحة وهو أن تعدل عن الإعراب، وتأتي بالاسم الصَّرِيح: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولك شُربُ اللبن، جئت بالاسم الصريح، لا تحتاج (وتَشْربُ) .. لا يَتَعيَّن، وإنَّما تقول: ولك شُربُ اللبن. لا تَأكُلِ السَّمَكَ وأنْ تَشْربَ اللبن .. ولك أن تَشربَ اللبن، فتأتي بـ: (أنْ)، أو مع شرب اللبن، إذا أردنا المَعيَّة: لا تَأكُلِ السَّمَكَ مع شُربِ اللبن، حِينئذٍ جئت بالمَعيَّة، وكذلك إذا أردت النَّهي عن كُلِّ واحدٍ منهما: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولا .. تُصَرِّح بـ: (لا) النَّاهيَة في الثاني. إذاً: يُمكن الاستغناء عن الإعراب بالتَّصرِيح بالاسم في المَعيَّة، فتقول: لا تَأكُل السَّمَكَ مع شُربِ اللبن، وفي النَّهْي عن كُلِّ واحدٍ منهما تُظهر (لا) في الموضعين: لا تَأكلِ السَّمَكَ ولا تَشربِ اللبن، وكذلك تأتي في المندوحة الثاني .. الإباحة: لا تَأكُلِ السَّمَكَ ولك شُربُ اللبن. إذاً: بَيَّنَ غيرُ الإعراب المعاني، ولذلك جُعِلَ فرعاً فيه ولم يُجعَل أصلاً.

стр. 2212

الثالث: أنَّ الفعل المضارع أشبه الاسم في الإبهام والتَّخصِيص، الاسم قد يكون مُبهَماً فيحتاج إلى مُخَصِّصْ، إذا قيل: جَاء رَجلٌ، هذا مبهم، هل هو صالح .. هل هو طالح؟ حِينئذٍ إذا قلت: جاء رجلٌ صالحٌ، خَصَّصْتَه بالصِّفَة، كذلك تقول: جاء غلام زيدٍ خَصَّصْتَه بالإضافة، إذاً: هو مبهم فيحتاج إلى التخصيص ويقبل التَّخْصِيص، كذلك الفعل المضارع يكون مبهماً ويحتاج إلى التخصيص، فتقول: زَيدٌ يُصلي، هذا يَحتمل أنَّه الآن وفي المستقبل، إذا قلت: زيدٌ سيصلي .. سوف يصلي .. لن يصلي، حِينئذٍ تَعيَّنَ أن يكون الفعل المضارع من حيث الزمن المراد به المستقبل. إذاً: الفعل المضارع يَحتمل، ويَحتمل الاستقبال، ويحتاج إلى تخصيص وهذا إبهام، هذا على مذهب الجمهور، وإلا الصَّحِيح أنَّه لا يَحتمل إلا الحال فقط .. لا يُحمَل على الاستقبال إلا بقرينة، يعني: إذا أُطلق ينصرف إلى الحال .. إذا أُطلق عن قَيدٍ يَدلُّ على الاستقبال حملناه على الحال، وإذا قُيِّد حِينئذٍ بقيده، وهذا شأن المجاز فهو حقيقة في الحال مَجازٌ في المستقبل. إذاً: أشبه الفعل المضارع الاسم في كونه يقبل الإبهام والتَّخْصِيص، كلٌ منهما يكون مُبْهَماً فيُخَصَّص. الرابع: دخول لام الابتداء على الفعل المضارع كما تدخل على الاسم، وهذه اللام لا تدخل على الماضي كما سبق: لَضَرب .. لَرَضي، لا يصح، وإنَّما إذا دخلت عليه (قد) قَرَّبَته إلى المضارع فحِينئذٍ صَحَّ. على كُلٍّ: لا تدخل على فعل الأمر، ولا تدخل على الفعل الماضي، وإنَّما تَختصُّ بالفعل المضارع مباشرةَ: إن زيداً ليضرب عمراً، حِينئذٍ نقول: هذه اللام لام الابتداء، إن زيداً لضاربٌ عمراً، إذاً: دخلت لام الابتداء على الفعل المضارع. ولن تدخل على الماضي ولا الأمر، ودخلت على المضارع وعلى اسم الفاعل، فَدلَّ على أنَّ كُلاً منهما بِمنْزِلة واحدة. الخامس والأخير: جريان الفعل المضارع واسم الفاعل معاً في الحَرَكات والسَّكَنات وعدد الحروف، هذا سبق معنا مراراً: يضرب .. ضارب، عدد الحروف هنا والحركات والسَّكَنَات مُتشابِهة، فالأول مُحرَّك في (يضرب) و (ضارب)، والثاني ساكن في (يَضْـ) و (ضَاْ)، والثالث مُتحَرِّك، والرابع على حسب حركة الإعراب، فلا مدخل له معنا. حِينئذٍ نقول: المُراد هنا مُطلق الحركة، والمُراد به الوزن الأصلي لا الفرع، ليدخل معنا: (يقول) و (قائل)، يقول (يَقُـ) الثاني مُتحرِّك، و (قائل) الثاني ساكن، إذاً: هل جرى المضارع على حركات وسكنات اسم الفاعل؟ نقول: نعم جرى، لأنَّ (يَقُوْل) فرع وليس بأصل، والأصل (يَقْوُلُ) القاف ساكنة، لأنَّه على وزن (يَفْعُل) إذاً: العين مُتحرِّكَة، استُثْقِلَت الضَّمَّة على الواو، فنقلت إلى ما قبلها: (يَقُوْ .. ) الواو ثقيلة لأنَّها عبارة عن ضَمَّتين، فإذا حُرِّكَت بالضَّمِّ، حِينئذٍ اجتمع ثِقَل على ثِقَل، فنقلت القاف إلى ما قبلها وهو القاف، وساكنة ولو كانت مُتحرِّكَة لأُزِيلَت، حِينئذٍ نقول: هذا إعلالٌ بالنَّقْل. إذاً: لا يُعتَرض على جريان حركة المضارع مع اسم الفاعل في مثل (يَقُوْل)، لأنَّ (يَقُوْل) القاف هذه في الأصل ساكنة، فهي موازِنة لـ: (ضارب)، (يَبِيْعُ) كذلك، الأصل (يَبْيِعُ) .. (يَفْعِل) بَاعَ يَبِيْع هذا الأصل، حِينئذٍ (يَبْيِعُ) نقول: الأصل أنَّ الباء ساكنة، وهي مقابلة لـ: (بَائِع). إذاً: الفعل المضارع يجري في حركاته وسكناته، والمراد الحركات: مُطلق الحركة، لا عين الحركة: فتحة .. فتحة، ضمة .. ضمة لا، المُراد أنَّ الأول مُتحَرِّك سواء حُرِّكَ بِفتحٍ أو بِضمٍّ أو كَسرٍ، والأول الفاء مُتَحرِّك من اسم الفاعل مُطلقاً، فيُقَابِل حِينئذٍ الضَّم بالفَتْح، والفتح بالضَّم، والكسر بالفتح .. وهَلُمَّ جَرَّا. إذاً: شابه الفعلُ المضارع الاسمَ في هذه الوجوه الخمسة، حِينئذٍ القاعدة السابقة التي معنا، وهي: أنَّه إذا أشبه الشيءُ الشيءَ أخذ حكمه، بشرط أن يكون وجه المشابهة بينهما قوياً، وحكمُ الاسم الإعراب فانتقل إلى الفعل، فلذلك أُعرِبَ الفعل المضارع، لماذا؟ لكونه أشبه الاسم في هذه الوجوه الخمسة، ما هو حكم الاسم؟ الإعراب، إذاً: يعطى الفعل المضارع الإعراب لكونه شابه الاسم، لأنَّ القاعدة: أنَّ الشيء إذا أشبه الشيء أخذ حكمه، وهذه قاعدة مُطَّرِدة عند العرب.

стр. 2213

هذا المشهور عند النُّحَاة، ولكن ابن مالك لم يرتضِ هذه الوجوه الخمسة كلها، وأجاب عنها واحداً تلو الآخر، وأحال على الثاني: وهو أنَّ الفعل المضارع إنَّما أشبه الاسم وأخذ حكمه وهو الإعراب؛ في كونه تعتريه معانٍ مُختلفة تَتَميَّز بالإعراب. حِينئذٍ لَمَّا كان الفعل تتوارد عليه معانٍ مُختلفة تَتَميَّز بالإعراب أشبه الاسم فَأخَذَ حكمه، ولكون الإعراب أصلاً في الأسماء فرعاً في الأفعال، ولم تكن المُشابَهة مُطْلقَة تَامَّة من كل وجه، وإنَّمَا في مُطلق المُشابَهة صار الإعراب أصلاً في الأسماء فرعاً في الأفعال، يعني: الفعل المضارع. ووجه ذلك: أنَّ -ما ذكرناه سابقاً- أنَّ اعتوار المعاني على الفعل المضارع هذا صحيح، وهو مقتضٍ للإعراب، إذاً: أُعْرِبَ لتوارد المعاني، لكن لا نَجعَلُه أصلاً فيه، لماذا؟ لأنَّ هذه المعاني ليست كالاسم، يعني: لا يُمَيِّزُها إلا الإعراب، ولكونها تَتَميَّز بغير الإعراب فالتَّصرِيح بالاسم، أو الحرف، أو النَّاصِب، أو الجازم، لإمكان هذا التَّصرِيح جعلناه فرعاً في الفعل المضارع لا أصلاً. إذاً: المشهور عند النُّحَاة هو التَّعلِيل لِمَا ذكرناه من الوجوه الخمسة، وعند ابن مالك رحمه الله تعالى، أنَّه خاصٌّ بالمعاني المُعْتَوِرَة على الفعل المضارع المختلفة التي يُمَيِّزهَا الإعراب، إذاً: اتفقوا على أنَّ الفعل المضارع معرب، هذا الاتفاق بين البصريين والكوفيين. أمَّا الكوفيون فالأصل عندهم في الفعل الإعراب فلا يُسأل عن عِلَّته، وأمَّا البصريون فقالوا: إنَّ علة إعراب الفعل المضارع مُشابَهته للاسم في عِدَّة وجوه، والشيء إذا أشبه الشيء شبهاً قوياً أَخَذَ حكمه، ووجوه الشَّبَه ما ذَكرنَاه سابقاً. الفعل المضارع قد يكون مرفوعاً، وقد يكون منصوباً، وقد يكون مَجزوماً، لأنَّ الإعراب يُقَابِل البناء، وسبق بيان البناء في باب المُعرَب والمبني، وذكره استطراداً في نوني التوكيد: وَآخِرَ الْمُؤَكَّدِ افْتَحْ كَابْرُزَا .. حِينئذٍ نقول: بقي علينا الإعراب وهو ثلاثة أنواع: - إمَّا أن يكون مرفوعاً. - وإمَّا أن يكون منصوباً. - وإمَّا أن يكون مجزوماً. وبدأ بحالة الرَّفْع، لأنَّه لا يحتاج إلى مزيد شرحٍ، ثُمَّ ثَنَّى بالنصب، ثُمَّ ثَلثَّ ببابٍ خاص وهو الجوازم، فقال: ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ (ارْفَعْ مُضَارِعاً) .. (ارْفَعْ) فعل أمر، و (مُضَارِعاً) هذا مفعولٌ به، لَكنَّه لِموصوفٍ محذوف، أي: ارفع فعلاً مضارعاً، (إِذَا يُجَرَّدُ * مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ) إذا تَجرَّد وتَعرَّى عن الناصب والجازم، يعني: إذا لم يَتَقدَّم عليه عاملٌ لفظي، لأنَّ العامل كما سبق نوعان: عاملٌ لفظي، وعاملٌ معنوي، (العامل اللفظي): ما للسان فيه حَظٌّ، و (العامل المعنوي): ما ليس للسان فيه حَظٌّ. والذي يُتَصوَّر في الفعل المضارع إمَّا أن يكون منصوباً، وإمَّا أن يكون مجزوماً، وإمَّا أن يكون مرفوعاً، والنَّاصِب مُعيَّن ملفوظ، والجازم مُعيَّن ملفوظ، لأنَّه يظهر: لن يقوم .. لم يقم، إذاً: كُلٌّ منهما ظاهر، إذا انْتفَى هذا أو ذاك تَعيَّنَ الأول وهو الرَّفْع، وهذا كالشأن في الحرف مع الاسم والفعل من حيث العلامات. نقول: علامة الحرف ما لا يقبل علامة الاسم ولا الفعل .. ما لا يصلح له دليل الاسم ولا دليل الفعل، فحِينئذٍ نَحكم على الحرف بكونه حرفاً إذا لم يَصلُح أن يدخل عليه علامة الاسم، ولا علامة الفعل، هنا إذا لم نجد قبل الفعل علامة النَّصْب الذي هو أداة النَّصْب، أو أداة الجزم، حكمنا عليه بكونه مرفوعاً. أجمع النَّحوِيُون على أنَّ الفعل المضارع إذا تَجرَّد من النَّاصِب والجازم كان مرفوعاً، يعني: يُرفع إمَّا بحركة، وإمَّا بِحرفٍ .. إمَّا بِحركة ظاهرة أو مُقدَّرَة، أو بحرفٍ ظاهرٍ أو مُقدَّر. وقد ورد المضارع غير مسبوقٍ ظاهراً بناصبٍ ولا جازم، وهو مجزوم، لَكنَّه يُعتبَر شاذاً: مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ .. (مُحَمَّدٌ تَفْدِ) تَفْدِي، (تَفْدِ نَفْسَكَ) هنا جزَمَه، وليس ثَمَّ جازم، بل هنا تَجرَّد عن النَّاصِب والجازم وقد جزمه. مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تَبَالاَ ونظيره قول امرئ القيس:

стр. 2214

فَاليْومَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إِثْمَاً مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ وقيل: البيتان ضرورة، (مُحَمَّدٌ تَفْدِ) هذا ضرورة، (فَاليْومَ أَشْرَبْ) .. (أَشْرَبْ) سَكَّنَه، ولم يَقُل: لم أشرب، هذا ضرورة .. قيل: البيتان ضرورة، وقيل: الأول على تقدير اللام: (مُحمَّدُ لِتفْدِ نَفْسَك) .. (لِتفْدِ) واللام جازم، الأولى أن يُقَال: بأنه ضرورة؛ لأنَّ الحرف لا يعمل محذوفاً، أو نقول: حَذَفَه شُذُوذاً .. أعْمَلَه بعد حذفه شذوذاً، هذا أو ذاك. وأمَّا الثاني: (اليْومَ أَشْرَبْ) فإنَّ الرواية الصحيحة فيه: (فاليوم أُسْقَى) بالبناء للمجهول، و (أُسْقَى) هذا فعل مضارع مرفوع ورفعه ضَمَّة مُقدَّرة على آخره، إذاً: اتَّفَقَ النُّحَاة على أنَّ الفعل إذا تَجرَّد عن النَّاصِب والجازم كان مرفوعاً، وما ورد من كونه مُجرَّداً عن النَّاصِب والجازم وهو مجزوم حِينئذٍ إمَّا أنَّه ضرورة، وإمَّا أنَّه شاذ، وإمَّا أنَّه مُؤوَّل .. يُخَرَّج، أمَّا أنَّه يُجْعَل قاعدة ويُستثنى منه فالأمر ليس كذلك. ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ .. (ارْفَعْ) يعني: يجب رفع المضارع حِينئذٍ (إِذَا يُجَرَّدُ)، والمراد (إِذَا يُجَرَّدُ) يعني: إذا لم يَتَقدَّمه ناصب ولا جازم، هذا المُراد بالتَّجْرِيد، وهذا هو العامل المعنوي الثاني والصَّحِيح، هنا لا عامل معنوي، الأصل عند النُّحَاة: ألا يُعلَّقَ الحكم بالعامل المعنوي لأنَّه ضعيف، فالأصل أن يكون العامل لفظياً. حِينئذٍ لأنَّ الخطاب هنا والكلام والبحث إنَّمَا هو الملفوظات: (الكلام: هو اللفظ المُرَكَّبُ المُفِيدُ بِالوَضع) حِينئذٍ نقول: الأصل تعليق الحكم بما هو ملفوظٌ به، وأمَّا إذا تَعَسَّرَ علينا ذلك، ولم نَتمَكْن إلا من أن نَجْعَل العامل إلا معنوياً حكَمْنا به، ولذلك قيل: العوامل المعنوية كثيرة، منها قيل: التَّبَعِيَّة، وقيل: التَّوَهُّم، وقيل: المجاورة، وقيل: الطَّلَب كما في الجزم. حِينئذٍ نقول: هذه كلها ادُّعِي أنَّها عوامل، ولا يصح منها إلا اثنان، والثالث مُحتَمِل، الاثنان هما: الابتداء في باب المبتدأ .. أنَّه مرفوع بالابتداء، والثاني: التَّجَرُّد وهو هنا – وهذا صحيح .. كلاهما صحيحان – بل هما المرجَّحَان، والثاني الذي هو التَّجَرُّد هنا كما سيأتي .. كونه مُجَرَّداً عن عاملٍ لفظيٍ يقتضي النَّصْب، وعَاملٍ لفظي يقتضي الجزم، حِينئذٍ حكمنا عليه بكونه مرفوعاً، والعامل فيه التَّجَرُّد. كونه لم يَتَقدَّم عليه ناصب ولا جازم .. هذا عدَم، إذاً: ليس لشيء، هذا الأصل كما سيأتي، حِينئذٍ نقول: هذان عاملان معنويان، وهما صحيحان. بقي عامل ثالث وهو مُحتمِل وهو جواب الطَّلَب: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ)) [الأنعام:١٥١] بعض النُّحَاة يرى أنَّ (أَتْلُ) هنا مجزوم، ولم يَتَقدَّمه جازم لفظي، قالوا: الطَّلَب .. كونه في جواب الطلب: (قُلْ تَعَالَوْا) .. (تَعَالَوْا) هذا مجزومٌ وجازمه الطَّلَب، وفيه أربعة مذاهب كما سيأتي معنا. حِينئذٍ نقول: هذا الذي يُمكِن استثناؤه، وما عداه فكلها ضعيفة، التَّبَعِيَّة، والمُجَاوَرَة، والتَّوَهُّم، نقول: هذه كلها ليست بشيء .. لا يُلْتَفت إليها. (ارْفَعْ) يعني: يجب رفع المضارع حِينئذٍ (مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ) لم يُقَيِّدْه: مضارعاً تَجرَّدَ عن نون الإناث، ونوني التوكيد المباشرة، اعتماداً على ما سبق، وقد اعْتُرِضَ عليه: أنَّه أطلق المضارع هنا، إذاً: حتى المضارع الذي اتَّصَلَ به نون الإناث فهو مرفوع، لأنَّه قال: ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . . وقد تقول: النِّسْوَة يَقُمْنَ، (يَقُمْنَ) هذا فعل مضارع تَجرَّد عن ناصب وجازم، هل هو مرفوع؟ ليس مرفوعاً، إذاً: يرِد على النَّاظِم أو لا؟ الظَّاهر أنَّه يرِد، لكن نقول: كونه قَيَّدَه في أول الباب، والكتاب آخره وأوله بِمعنَىً واحد، والأحكام واحدة، حِينئذٍ يُقَيَّد آخرُه بِما حَكَم به في الأول، وهناك قَيَّدَه: وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا .. كأنَّه قال هنا: ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذَا يُجَرَّدُ مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . إِنْ عَرِيَا نُونِ إِنَاثٍ .........

стр. 2215

فالتَّعلِيق الذي ذَكَرَه هناك تَجْعَله هنا، إذاً: لا اعتراض على النَّاظِم، إذاً: لم يُقَيِّده هنا بالخالي من النونين اكتفاءً بِتَقدُّم ذلك في باب الإعراب، وهذا صحيح. . . . . . . . . . . إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ (كَتَسْعَدُ) .. (كَتُسْعَدُ) يُقَال: سَعِدَ تَسْعَد، وأسْعَدَ يُسْعَد، يجوز فيه الوجهان. (تَسْعَدُ) لوحده لا يُقَال: بأنَّه فعل مضارع تَجَرَّد عن ناصب وجازم، فالعامل يكون فيه الرَّفْع، وإنَّمَا لا بُدَّ من تركيبه في جُمْلَة، يُقَال: تَسْعَدُ هِندٌ، وأمَّا لوحده هكذا: يَضْرِبُ، هذا لا حكم له، لماذا؟ لأنَّه كلمة مثل الحرف والاسم، وسبق: أنَّ الاسم إذا لم يُسند ويُسنَد إليه، لا يُحكم عليه بإعراب ولا بناء. كذلك: (تَسْعَدُ) لوحده لا نقول: بأنَّه مرفوع، ولا بأنَّه مبني، بل الصواب أنَّه موقوف، يعني: لا يُحكم عليه بإعراب ولا بناء، لكن في مثل هذه المنظومات وغيرها تُقَدِّرُ له فاعلاً أو مبتدأً، وتَجعل الفعل خبراً عنه: هندٌ تَسعَدُ هي، إذاً: صار مُسنداً ومُسنداً إليه، فتقول: (تَسْعَدُ) فعلٌ مضارع تَجرَّد عن ناصب وجازم فيكون مرفوعاً، وهذا واضح بَيِّن. إذاً: عرفنا أنَّ الفعل المضارع إذا لم يسبقه ناصبٌ ولا جازم فهو مرفوع، لكن ما هو العامل؟ هذا مُتَّفَق عليه .. لا خلاف أنَّكَ تنطق به مرفوعاً: يقوم زيدٌ، لم يقل أحد بأنَّكَ تقول: يقم زيدٌ، أو: يَقومَ زَيدٌ، بل لا بُدَّ من أن يكون مرفوعاً، لكن ما العامل فيه؟ هذا فيه أربعة مذاهب، النَّاظِم هنا قال: . . . . . . . . إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . . . فظاهره: وإن لم يَنُصَّ على ذلك أنَّه مرفوع، ورافعه التَّجَرُّد نفسه، وهذا مذهب الكوفيين والفَرَّاء: أنَّ العامل في الفعل المضارع في حالة الرَّفْع هو التَّجَرُّد، والتَّجَرُّد أمرٌ معنوي .. ارتفع لتَجَرُّده من النَّاصِب والجازم، وهذا اختيار النَّاظِم هنا في الظَّاهِر، لماذا؟ قالوا: لأنَّ الرَّفْع دائرٌ معه وجوداً وعَدماً، لاحظنا أنَّ أداة النَّصْبِ إذا تَقَدَّمَت تَغَيَّرَ الرَّفْع من ضمة إلى فتحة: لن يقومَ .. لم يقم، تَغَيَّر، إذاً: كلما وُجد التَّجَرُّد وُجِدَ الرَّفْع، وكلما انتفى التَّجَرُّد انتفى الرَّفْع، يعني: إمَّا يَتَقدَّم عليه عامل جازم، وإمَّا أن يَتَقدَّم عليه عاملٌ ناصبٌ، فحِينئذٍ إذا وُجِدَ العامل اللفظي النَّاصِب أو الجازم ارتفع الرَّفْع، وإذا ارتفع العامل وأداة النَّصْب وأداة الجزم وُجد الرَّفْع. قالوا: هذا الدَّوَران يُشعِرُ بالعِلِّيَّة في كون هذا الرَّفْع الموجود في الفعل سببه التَّجَرُّد نفسه، فجُعل عاملاً فيه، كالابتداء هناك، وهذا أمر واضح بَيِّن وهذا هو الظَّاهِر، أنَّ الرَّفْع دائرٌ معه وجوداً وعدماً .. مع التَّجَرُّد، والدَّوَرَان مُشعِرٌ بالعِلِّيَّة. ومذهب البصريين هنا في هذا المقام مذهبٌ ضعيف، وهو أنَّ العامل فيه كونه وقع موقع الاسم، وهذا أيضاً عاملٌ معنوي، لَكنَّه موقوف. أنَّه ارتفع لوقوعه موقع الاسم، فـ: (يضرب) في قولك: زيدٌ يضرب، واقع موقع (ضارب) فارتفع لذلك، وهذا -كما سبق- أنَّه من أوجه الشَّبَه بين الفعل المضارع والاسم في كونه مُعرَباً، لماذا أعربناه؟ من أوجُه الشَّبَه أنَّ الفعل المضارع يقع موقع الاسم: صِفةَ وخبراً وحالاً وصِلةَ، كونه يقع موقعه هذا هو الذي رفعه .. هذا غريب! لماذا؟ لأنَّه قد يقع الفعل في موقع لا يقع فيه الاسم البَتَّة، باتفاق البصريين والكوفيين، هذا المذهب الثاني. المذهب الثالث: أنَّ العامل هو المضارعة وهو مذهب ثَعْلَب، المضارعة .. المُشابَهَة، كون الفعل أشبه الاسم هو العامل، وهذا أغرب!

стр. 2216

المذهب الرابع: مذهب الكِسَائِي، وهو أحرف المضارعة: (أنيت)، كون الفعل المضارع مبدوءً بواحدٍ من هذه الأحرف الأربعة: (أنيتُ)، هو العامل فيه، فـ: (يضرب) هذا مرفوع ورفعه الضَّمَّة، العامل فيه الياء (يضرب)، وهذا أيضاً غريب! لماذا؟ لأنَّ الياء هنا وأحرف المضارعة صارت كالجزء من الفعل، وجزء الشيء لا يعمل فيه، بدليل أنَّ هذه الأحرف موجودة مع النَّاصِب والجازم: (لم يضرب) موجود (يضرب)، (لن يضرب) وُجد الحرف مع النَّاصِب، فكيف يُقَال: هو العامل فيه؟ وهذا ضعيف، لأنَّه يقتضي أن يكون الفعل دائماً مرفوعاً، لأنَّ هذه لا تَنْفكُّ عنه. إذاً: المذهب الذي رَجَّحَه النَّاظِم هنا هو قوله: . . . . . . . . . . إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ. . . . . إذا تَعَرَّى وتَجرَّدَ، ولم يسبقه ناصب ولا جازم، لا نفس المضارعة خلافاً لثعلب، لأنَّها إنَّمَا اقتضت مطلق الإعراب لا خصوص الرَّفْع، فَرقٌ بين المسألتين، المضارعة .. المشابَهَة .. مُشابَهَة الفعل بالاسم اقتضت أنَّه مُعرَب .. مطلق الإعراب، ثم الإعراب ثلاثة أنواع: رَفعٌ ونَصبٌ وجَزمٌ، هذه لا دخل للمضارعة فيها، نَحتاج إلى عامل آخر يَدلُّ على أنَّه مجزوم، وعامل آخر يَدلُّ على أنَّه منصوب، وكذلك في حالة الرَّفع. إذاً: المضارعة إنَّمَا اقتضت مُطلق الإعراب لا خصوص الرَّفْع، ولا حروف المضارعة خلافاً للكِسَائي، لأنَّ جزء الشيء لا يعمل فيه، وكذلك يقتضي أنَّه مرفوع دائماً حتى مع الناصب والجازم، فالمذهبان هذان مذهبان ضعيفان. واختار المصنف ما ذكره هنا في المتن، قال في (شرح الكافية): "لسلامته من النَّقْضِ" يعني: لا ينتقض، بِخلاف قول البصريين: فإنَّه ينتقض .. قول البصريين: ارتفع لوقوعه موقع الاسم، فإنَّه يَنتَقِض بنحو: هَلاَّ تفعل (تفعل) فعل مضارع مرفوع هنا، وهنا لا يقع مَحلَّه الاسم، لأنَّ حروف التَّحْضِيض من خواص الفعل .. من علامات الفعل، فلا تدخل على الاسم، فكيف يُقَال: بأنَّه يقع موقعه الاسم؟ هذا فيه نظر. وجَعَلتُ أفْعلُ، (جَعَلْتُ) هذا من أفعال الشُّرُوع لا تدخل على الأسماء إلا شُذوذاً، ومَالكَ لا تفعل .. كذلك، (مَالكَ) لا تأتي بعدها إلا الفعل، وكذلك: رأيت الذي تفعل، وسيقوم زيدٌ، هنا وقع المضارع بعد السين، ولا يقع الاسم في هذا المحل، لأنَّ السين هذه من علامات الفعل، وسوف يقوم، كذلك بعد (سوف) لا يقع. إذاً: ينتقض مذهب البصريين بكون الفعل ارتفع لوقوعه مَحلَّ الاسم، نقول: بعض المَحَال لا يقع فيها الاسم البَتَّة باتِّفَاق الطَّرَفين. فإنَّ الفعل في هذه المواضع مرفوع، مع أنَّ الاسم لا يقع فيها، فلو لم يكن للفعل رافعٌ غير وقوعه موقع الاسم لكان في هذه المواضع مرفوعاً بلا رافع، فبطل قولهم، لأنَّه نقول: هَلاَّ يَقومُ زيدٌ .. (يَقومُ) مرفوع، حِينئذٍ لو كان حلوله مَحلَّ الاسم هو الرَّافِع لرُفع الفعل هنا بلا رافع؛ لانتفاء العامل، ما هو العامل؟ حلول الفعل مَحلَّ الاسم، طيب! في هذا المَحَل هل يَحُل؟ لا يَحُل، إذاً: ارتفع بدون رافع. فلو لم يكن للفعل رافعٌ غير وقوعه موقع الاسم لكان في هذه المواضع مرفوعاً بلا رافع، فبطل القول بأنَّ رافعه وقوعه موقع الاسم، وصح القول: بأنَّ رافعه التَّجَرُّد، لكن أُورِدَ على التَّجَرُّد اعتراض وهو الذي أُورِدَ على علامة الحرف هناك. رُدَّ هذا القول: بأن التَّجَرُّد عدمي، والرَّفْع وجودي، والعدمي لا يكون عِلَّة للوجودي .. الرَّفْع وجودي نعم، تنطق به: يقوم .. يقومان .. نَطَقْتَ بالنُّون، والتَّجَرُّد عدمي .. عدم أداة ناصبة وعدم أداة جازمة، عدم ذا وذاك، إذاً: ليس بشيءٍ مُتَقدِّم على الفعل، وهذا هو العدم. وأُجيب: بأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ التَّجَرُّد من النَّاصِب والجازم عدمي، لأنَّه عبارة عن استعمال المضارع على أول أحواله مُخَلَّصاً عن لَفظٍ يقتضي تغييره، واستعمال الشيء والمَجيء به على صِفةٍ ما ليس بعدمي. قال: لا نُسَلِّم أنَّه عدمي، وهذا فيه شيء، لا بل هو عدمي، لماذا؟ لأنَّ استعماله أولَّ ما يُستَعمَل دون أن يسبقه ناصب أو جازم، نقول: هذا عدم، بِمعنَى: أنَّكَ لا تلفظ بالجازم قبل الفعل، ولا تلفظ بالناصب قبل الفعل، وهنا إعدام .. لم تنطق بِهذا ولا بذاك، إذاً: عدم .. لماذا ننازع؟!

стр. 2217

ولك أن تقول -وهذا أولى-: سَلَّمنَا أنَّه عدمي، لكن لا نُسلِّم أنَّ العدمي لا يكون عِلَّةً للوجودي على الإطلاق، لأنَّ العدم نوعان: عدمٌ مطلق، وعدمٌ مُقيَّد، والعدم المُقيَّد يصح أن يكون مُقتضياً للوجودي، كما هو الشأن في علامة الحرف. سَلَّمنَا أنَّه عدمي، لكن لا نُسَلِّم أنَّ العدمي لا يكون عِلَّةً للوجودي على الإطلاق، بل ذاك في الأعدام المطلقة، أمَّا العدمي المضاف المُقيَّد كالعمى، فيجوز كونه عِلَّةً للوجودي، إذاً: هو عدم .. هو الظَّاهِر، لَكنَّه عدمٌ مُقيَّد، يعني: ليس عدماً مطلقاً من كل شيء .. لا، عدم من لفظٍ وهو أداة جزم، وعدم من لفظٍ وهو أداة نصب، حِينئذٍ نقول: هذا عدمٌ مُقيَّد، كما نقول: علامة الحرف ألا يقبل شيئاً من علامة الاسم، ولا علامة الفعل، هذا عدم كذلك، لَكنَّه عَدمٌ مُقيَّد. قال الشَّارِح هنا: "إذا جُرِّدَ الفعل المضارع عن عامل النَّصْب وعامل الجزم رفُع، واختُلف في رافعه". رُفع هذا اتفاق .. لا نِزَاعَ بين النُّحَاة في ذلك، "واختُلف في رافعه، فذهب قوم – لم يُسمِّهم وهم البصريون – إلى أنَّه ارتفع لوقوعه موقع الاسم، فيَضْرِب في قولك: زيدٌ يضرب، واقع موقع ضارب، فارتفع لذلك، وقيل: – وهذا مذهب الكوفيين ومنهم الفَرَّاء – أنَّه ارتفع لتَجَرُّده من النَّاصِب والجازم، وهو اختيار المُصنِّف" وهو الصَّحِيح .. أنَّه للتَّجَرُّد وهو عاملٌ معنوي، وهو عدمي مُقيَّد لا مطلق، ولا إشكال في ذلك، ودليله واضح: وهو أنَّ الرَّفْع دَائرٌ معه وجوداً وعدماً، والدَّورَان مُشعِرٌ بالعِلِّيَّة. إذاً: الفعل المضارع يكون مرفوعاً، ورفعه يكون بِضَمَّةٍ ظاهرة أو مُقدَّرة: يقوم زيدٌ ويخشى عمروٌ، وقد يكون بِحرفٍ وهو النون، قد تكون ظاهرة وقد تكون مُقدَّرة كما في حذفها إذا توالت الأمثال. ثُمَّ انتقل إلى النَّوَاصِب فقال: وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ كَذَا بِأَنْ ... لاَ بَعْدَ عِلْمٍ وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّْ فَانْصِبْ بِهَا وَالرَّفْعَ صَحِّحْ وَاعْتَقِدْ ... تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ أدوات النَّصْب أربعة: أنْ، ولَنْ، وكَي، وإذاً، (أَنْ) هي أمُّ الباب، ولذلك تعمل ظاهرةً ومضمرة، بِخلاف غيرها من الأدوات فلا يعمل إلا ظاهراً، ومعلومٌ أن أمَّ الباب يكون له من الأحكام ما لا يكون لغيره، وهنا العمل وهو مضمر هذا من خَواصِّ هذا الباب. وإلا الأصل أن الحرف لا يعمل مضمراً، يعني: محذوفاً .. مَنوِّياً، ثُمَّ الحذف قد يكون واجباً وقد يكون جائزاً، والواجب في خمسة مواضع والجائز في خَمسة مواضع كما ستأتي في النَّظْم مَتوَاليَة. (وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ) هنا قلنا: أمُّ الباب (أَنْ) هي النَّاصِبة، وبدأ بـ: (لَنْ)، وثَنَّى بـ: (كَيْ) والسِّرُّ في ذلك، أولاً: أنَّ (لَنْ) ملازمةٌ للنَّصْبِ، فلذلك قَدَّمَها، وأمَّا (كَيْ) فهذه ليست ملازمة للنَّصْبِ، قد تكون (كَيْ) حرف جر .. تعليل، وما بعدها منصوب لكن لا بِها، وإنَّمَا هو بـ: (أَنْ) مُضمَرة. وكذلك (أَنْ) قد تكون مُخفَّفَة من الثقيلة .. قد تكون زائدة .. قد تكون ناصبة مع جواز الرَّفْع، إذاً: ليست مُتعيِّنَة النَّصْب بِخلاف (لَنْ)، ثُمَّ (لَنْ) و (كَيْ) الكلام فيهما قليل، بِخلاف (أَنْ)، ولذلك أَخَّرَه لطول الكلام عليها، إذاً: بدأ بـ: (لَنْ) لأنها ملازمةٌ للنَّصب، بِخلاف البواقي، وكذلك الكلام فيها قليل. وانْصِبْهُ بِلَن .. (بِلَنِ انْصِبْ) .. (بِلَنِ) بتَحريك النُّون للتَّخلُّص من التقاء الساكنين، لَنْ انْصِب، إذاً: التقى ساكنان، النون والنون، وهمزة الوصل ساقطة في درج الكلام، فالتقى ساكنان، فَحُرِّك الأول بالكسر على الأصل. (بِلَنْ) الباء حرف جر، و (لَنْ) قصد لفظها عَلَمْ .. اسم، على (لَنْ) التي تكون حرفاً: لن أقوم، حرفٌ هنا، وأمَّا هنا: (انْصِبْهُ بِلَن) (بِلَنْ) جُعِلَت عَلماً على (لَنْ) التي تكون في الكلام .. فرقٌ بين الحرف هنا والاسم، فرقٌ بين الاسم والمُسمَّى، (لَنْ) هنا اسمٌ علمٌ، مُسمَّاه: لن أقوم، هناك في التركيب.

стр. 2218

(وَبِلَنِ انْصِبْهُ) .. (لَنْ) جار ومجرور مُتَعلِّق بقوله: (انْصِبْهُ)، (وَكَيْ) هذا معطوفٌ على (لَنْ)، والمعطوف على المجرور مجرور، (لَنْ) حرف نفيٍ يَخْتصُّ بالمضارع، ويُخلِّصُه للاستقبال باتفاق .. مَحُل وفاق بين النُّحَاة: أنَّ (لَنْ) للنَّصْب، يَختصُّ بالمضارع، يعني: لا يدخل على الماضي، ولا على الأمر، لذلك هو من علامات الفعل المضارع، كل النَّواصِب في الأصل التي تنصب مباشرةً فهي من علامات الفعل المضارع، وكل الجوازم التي تجزم الفعل المضارع فهي من علامات الفعل المضارع، ولذلك مَيَّزَه كما سبق ابن مالك: فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمّْ .. قلنا: ليس خَاصَّاً .. حتى (لَمَّا) مثله، و (حيثما) و (كيفما) إذا قيل بِأنَّها جازمة. إذاً: (لَنْ) حرف نَفْيٍ يَختصُّ بالمضارع ويُخلِّصُه للاستقلال باتفاق، وتنصبه كما تنصب (لا) النافية للجنس الاسمَ، نحو: ((لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ)) [طه:٩١] (لَنْ) حرف نفيٍ ونصبٍ واستقبال، و (نَبْرَحَ) فعل مضارع ناقص منصوب بـ: (لَنْ)، ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، (لَنْ) حرف نَفْيٍ لأنَّها تنفي وقوع الحدث في المستقبل، فإذا قلت: لن أقوم، حِينئذٍ نفيت القيام في الزمن المستقبل. و (لَنْ) هنا من المُخلِِّصَات للفعل المضارع من الحال إلى الاستقبال مثل: (أَنْ)، بل الضابط في النَّواصِب: أنَّها لا تنصب إلا إذا أُرِيدَ بِها الاستقبال، ولذلك يُشترط كما سيأتي في (حَتَّى) أنَّها لا تنصب إلا المستقبل، فإذا أُرِيدَ به الحال حِينئذٍ حكمنا عليها بأنَّ ما بعدها يكون مرفوعاً، يعني: لا تنصبه. إذاً: النَّواصِب كلها لا تعمل في الفعل المضارع النَّصب إلا إذا أُرِيدَ بالفعل المضارع المستقبل، وأمَّا إذا أُرِيدَ به الحال أو الماضي فلا تنصبه، حِينئذٍ نقول: (لَنْ) حرف نفي واستقبال لأنَّها تنفي الحدث .. حدث مدخولها الفعل المضارع تنفيه في المستقبل: لن أقوم، ينتفي وقوع القيام مني في المستقبل، لن أضرب زيداً، حِينئذٍ ينتفي وقوع الضَّرب مِنِّي في الزمن المستقبل. وهذا كما ذكرنا من المُخلِّصَات لأنَّ الصَّحِيح أنَّ الفعل المضارع يدل على الحال حقيقةً، وعلى المستقبل مَجازاً، يعني: يحتاج في الدَّلالَة على المستقبل إلى قرينة لفظية، هذه القرينة إمَّا (سَوفَ)، وإمَّا السين، وإمَّا (لَنْ)، وإمَّا (أَنْ)، من جميع الحروف التي تدخل على الفعل المضارع فتُخلِّصُه إلى الاستقبال، حِينئذٍ يحتاج إلى قرينة. ولذلك اتَّفَقَّ حتى الجمهورُ القائلون بأنَّ الفعل المضارع مُحتمِل للنَّوعين أنَّه يُحمَل على الحال، إذا قيل: زيدٌ يصلي، يعني: الآن يباشر الصلاة، وزيدٌ سيصلي، قطعاً أنَّه الآن لا يصلي، فإذا لم يقترن به أداة تَدلُّ على الاستقبال حُمِلَ على الحال، ولا يُحمَل على الاستقبال إلا بقرينة، وهذا هو حقيقة المَجاز: أنَّه لا يُحمَل على المعنى الآخر إلا بقرينة، حِينئذٍ نقول: صرْفه للحال هو الأصل، وهذا هو الحقيقة، فما احتاج إلى قرينة خلافُ الأصل، وليس عندنا خلاف الحقيقة إلا المجاز، فتَعيَّن أن يُقَال بأنَّه مَجاز إذا دخلت عليه السين، أو (سوف). إذاً: حرفُ نفيٍ يَختصُّ بالمضارع ويُخلِّصُه للاستقبال باتفاق، وتنصبه كما تنصب (لا) الاسم، نحو: ((لَنْ نَبْرَحَ)) [طه:٩١] فتنفي ما أُثبِتَ بِحرف التَّنْفِيس. تنفي هكذا، ولذلك قاله ابن هشام في (الأوضح) وغيره: لنفي سيفعلُ، وهذا الذي أردناه سابقاً، إذا قلت: لَنْ أقوم، يعني: نفي القيام في الزَّمَن المستقبل، (سيفعل) ما المراد بها؟ وقوع القيام في الزَّمَن المستقبل. إذاً: السين تدل على وقوع الحدث في الزمن المستقبل، إذاً: تُخلِّصُه للاستقبال على جهة الإثبات أو النَّفْي؟ على جهة الإثبات، (لَنْ) لنَفْي هذا الإثبات، لنفي (سيفعل) .. هكذا يُعبِّر ابن هشام: لنفي (سيفعلُ) .. و (لَنْ) لنفي (سيفعل)، إذاً: (سيفعل) تَدلُّ على إثبات مدخولها الحَدَثْ في الزَّمَن المستقبل، إذا أردنا هذا الحدث الذي يكون في المستقبل أن ننفيه جئنا بـ: (لَنْ)، وذلك هي لنفي المستقبل، فتنفي ما أُثبِتَ بِحرف التَّنفِيس، ولا تُفِيد تأبيد النفي ولا تأكيده خلافاً للزَّمَخْشَري.

стр. 2219

الزَّمَخْشرِي زاد على (لَنْ) من حيث المعنى أنَّها تُفِيد التَّأبِيد، يعني: الحكم الذي بعدها –النَّفْي- مُؤبَّد مُطلقاً: لَنْ أقوم، يعني: لَنْ أقوم إلى أن تموت، وكذلك تُفِيد التَّأكِيد، وفي التَّأكيد وَافَقَه كثير، وأمَّا في التَّأبيد فالأكثر على رَدِّه. ولا تُفِيد تأبيد النَّفْي ولا تأكيده خِلافاً للزَّمَخْشرِي، وإن كان قد وافقه على التَّأكِيد كثيرون، لأنَّ التَّأكيد تقوية، ولا بأس بالقول به، لكن كونها تَدلُّ على التَّأبِيد لا. ورُدَّ ادِّعَاء التَّأبِيد بأنَّه لا دليل عليه .. هذا أولاً: لا دليل عليه في لسان العرب، ولأنَّها لو كانت للتَّأبِيد للزم التناقض بذكر (الْيَوْمَ) في قوله: ((فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً)) [مريم:٢٦] .. (فَلَنْ أُكَلِّمَ) تأبيد، (الْيَوْمَ) هذه تَدلُّ على التأبيد، وهذه تَدلُّ على التَّقييد، حصل تناقض أو لا؟ رُدَّ عليه بِهذا: بأنَّه لو كانت للتَّأبِيد للزم التناقض بذكر (الْيَوْمَ) في قوله: ((فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً)) [مريم:٢٦]. والتَّكْرَار كذلك بِذِكر (أَبَداً) .. ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً)) [البقرة:٩٥] لو كانت للتَّأبِيد في النَّفْي، ما الفائدة من قوله (أَبَداً)، وهذا يُمكن الجواب عليه: أنَّه من باب التَّأكيد .. ذُكِر (أَبَداً) تأكيدٌ لِمَا دَلَّت عليه (لَنْ)، حِينئذٍ يكون توكيداً من جهة المعنى، ((وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً)) [البقرة:٩٥]. حِينئذٍ (أَبَداً) و (لَنْ) رُدَّ على الزَّمَخْشرِي: بأنَّها لو كانت للتَّأبِيد لصار فيه تكرار، لكن التَّكْرَار إنَّما يكون باللفظ نفسه .. هذا المعيب، وأمَّا التَّكرار بأن يدل على المعنى، وكان بلفظٍ آخر لا إشكال فيه .. لا بأس به، يعني: التكرار .. الاعتراض على الزَّمَخْشرِي بِمثل هذا ليس بَجيِّد، لماذا؟ لأنَّ التكرار إنَّمَا يكون معيباً وحَشواً ومَحلَّ أخذٍ إذا كان بنفس اللفظ، يعني لو قال: لن لن لن يتمنونه، قد يُقال أنَّ فيه تكرار، أمَّا (لَنْ) و (أَبَداً) في اللفظ غير تكرار، وإنَّما هو من جهة المعنى. بل قولك: لن أقوم، حِينئذٍ نقول: مُحتملٌ، يعني إذا قيل: بأنَّ كلام الزَّمَخْشرِي بأنَّ (لَنْ) تفيد التأبيد غير مقبول، هل يلزم منه أنَّ (لَنْ) لا تفيد تأبيداً أبداً؟ لا .. ليس هذا المراد، المراد هل هي موضوعة للتأبيد أم لا؟ الزَّمَخْشرِي يقول: نعم، موضوعة للتَّأبِيد، ومن رَدَّ عليه قال: لا هي تُفِيد .. مُحتمِلَة للتَّأبِيد، قد يكون من مدلولات (لَنْ) التَّأبِيد، يعني: من أراد أن يُؤبِّد: لن أذهب وأنت تُريد التَّأبِيد .. إذا قلت: لن أذهبَ وأردتَ التأبيد، نقول: هي للتَّأبِيد، لأنَّها مُحتمِلَة للتَّأبِيد وللنَّفْي في بعض أزمان المستقبل. وأنت وشأنك إذا قلت: لن أدخل بيت فلان، وأَرَدْتَ به التَّأبِيد، حِينئذٍ نقول: (لَنْ) هنا في هذا المقام للتَّأبِيد، كيف نحن نرد على الزَّمَخْشرِي، ونحن نقول: أردنا بِها التَّأبِيد هنا؟ نقول: نعم، ردُّنا على الزَّمَخشرِي بأنَّها موضوعة للتَّأبِيد، يعني: لا تخرج عنه .. في كل تركيب (لَنْ) تُفِيد التَّأبِيد، ونحن نقول: لا، (لَنْ) مُحتمِلَة للتَّأبِيد ومُحتمِلَة لغيره، فكونها موضوعة للتَّأبِيد دون غيره هذا مَحلُّ نظر. بل قولك: لن أقوم، مُحتمِلٌ بأن تريد بذلك أنَّك لا تقوم أبداً، وأنَّكَ لا تقوم في بعض أزمنة المستقبل، مثل: لا أقوم، لا أقوم أبداً؟ لا أقوم في بعض أزمان المستقبل، فـ: (لاَ) و (لَنْ) من حيث النَّفْي في المستقبل بِمعنَىً واحد، يعني: مُحتمِلَة للتَّأبِيد، ومُحتمِلَة للنَّفْي في بعض أزمنة المستقبل. فلا يُظنَّنَّ ظَان أنَّ رَدَّ الزَّمَخْشرِي قوله: بأنَّها لا تُفِيد تَأبِيداً، مُطلقاً ولا احتمالاً .. لا، لم يقولوا بِهذا، وإنَّما قالوا: نعم، قد تَدلُّ على التَّأبِيد، لكن مع احتمال غيره، وأمَّا كونها موضوعة للتَّأبِيد لا. وأمَّا: ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً)) [الحج:٧٣] قال: هذا للتَّأبِيد .. هذا معلوم أنَّه للتَّأبِيد، ليس من اللفظ، وإنَّما من شيءٍ خارج، صفة الخلق ليست لمخلوق، ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)) [الحج:٧٣] هنا مُؤبَّد .. هذا قطعي .. لا إشكال فيه، لكن من خارجٍ لا من جهة اللفظ.

стр. 2220

وليس أصل (لَنْ) .. (لَنْ) هل هي مُرَكَّبَة أم بسيطة؟ قيل: (لَنْ) أصلها: (لا) قُلبت الألف نوناً. وليس أصلها (لا) فأُبْدِلَت الألف نوناً خِلافاً للفَرَّاء، ولا (لا أن) فحُذفت الهمزة تَخفيفاً والألف للساكنين خِلافاً للخليل. وهذه دائماً يَسلُكُونَها في باب الحروف، والأصل عدمه، يعني: (لَنْ) أصلها (لا)، فقُلبت الألف نوناً. ما الذي أدراكم؟ يحتاج إلى إفصاح، لو جاء في لسان عَربِيِّ مُفْصِحاً بأصلها قلنا بهذا الأصل، وأمَّا إذا لم يرد فالأصل المنع: ألاَّ نقول بأنَّها مُرَكَّبَة، وألاَّ نقول بأنَّ أصلها كذا وكذا، بل نبقيها على ظاهرها، فنقول: اللام والنون أصليان، وهكذا نَطَقَ العَربِيُّ بِها: (لَنْ)، وأمَّا القول: بأنَّ أصلها (لا) ثُمَّ قلبت الألف نوناً، أو أصلها (لا أن) فحُذِفَت الهمزة، ثُمَّ التقى ساكنان الألف والألف، فحذفت الألف فقيل: (لَنْ)، نقول: هذا يحتاج إلى ثَبَت. إذْ المعهود إبدال النون ألفاً كـ: (نَسْفَعَنْ) .. (نَسْفَعا)، المعهودُ قلب النون ألفاً .. نون التوكيد الخفيفة نقلبها ألفاً، والتنوين في مقام النَّصْب: زيدَا نقلبها ألفاً، وأمَّا الألف تُقلب نون، هذا ليس بِمعهود، والأصح أن يُجاب: بأنَّ هذا يحتاج إلى نقلٍ، فإن لم يكن كذلك حِينئذٍ بقينا على الأصل. ولأنَّ دعوى التركيب إنَّمَا تَصِح إذا كانا الحرفان ظاهرين حالة التَّركِيب كـ: (لولا). ومن أحكام (لَنْ): أنَّ الجمهور على جواز تقديم معمولِ معمولها عليها: لن أضرب زيداً، أين معمول (لَنْ)؟ (أضربَ)، أين معمول معمولها؟ (زيداً)، هل يجوز تقديم (زيد)؟ نعم. (زيداً لن أضْربَ) .. (زيداً) هذا منصوب بـ: (أضرب)، و (أضرب) هذا معمول (لَنْ)، يجوز أو لا يجوز؟ نعم يَجوز، لأنَّها عاملٌ أصلي بنفسه، ليس مَحمولٌ على غيره حتى نقول: لا يُتَصرَّف في معموله .. لا. نعم معموله لا يُمكن، يعني: (أضْرِب) هل يَتَقدَّم على (لَنْ)؟ ما يَتَقدَّم هذا .. واضح بَيِّن، لأنَّ (لَنْ) لا يُفْصَل بينها وبين معمولها إلا لِمَا سيأتي ذكره، وأمَّا معمولُ معمولها فإذا تَقَدَّم لا إشكال فيه. جواز تقديم معمول معمولها عليها: زيداً لن أضربَ، وبه اسْتَدلَّ سيبويه على بساطتها -على أنَّها بسيطة- ومنع ذلك بعضهم، واستثنى أبو حَيَّان التمييز، فلا يجوز: عَرَقاً لن يَتَصَبَّبَ زيدٌ، (عَرَقاً) هذا تَمييز .. لأيِّ شيء؟ لمعمول (لَنْ)، يعني العامل فيه: معمول (لَنْ)، لن يَتَصبَّبَ زيدٌ عَرَقاً، (عَرَقاً) هذا تَمييز، والعامل فيه (يَتَصبَّب) وهو معمول (لَنْ)، عند أبي حَيَّان لا يجوز تقديمه. وهذا أيضاً مُنتَفٍ عند الجمهور، وإنَّما يَجوز على مذهب ابن مالك، كما سبق لأنَّه يُجوِّز تقديم التَّميِيِز على عامله المُتصرِّف بِقلَّة، فعدم التقديم هنا لا لـ: (لَنْ)، وإنَّما لِمَا سبق: أنَّ التَّميِيِز لا يَتَقدَّم عليه عامله، فهو لشيءٍ آخر. إذاً: ما امتنع تقديمه على عامله دون (لَنْ) فهو مُمتنعٌ مع (لَنْ)، وما لم يكن كذلك فالأصل الجواز، وأمَّا: عَرَقاً لن يَتَصبَّبَ زيدٌ، هذا كما سبق: أنَّ العامل إذا كان مُتَصرِّفاً جاز أن يُتَصرَّف في تَمييزه فيَتَقدَّم عليه على مذهب ابن مالك، ومن منع منع، فمن جَوَّز جَوَّز هنا. فابن مالك لا يمتنع عنده: عَرَقاً لن يَتَصبَّبَ زيدٌ، لأنَّ (يَتَصبَّبَ) هذا فعل وهو عامل في التَّمييز، وهو مُتَصرِّف، فيجوز حِينئذٍ، وعند الجمهور لا، لأنَّه يمتنع مُطلقاً، لأنَّه يُجوِّز تقديم التمييز على عامله المُتصرِّف بِقلَّةٍ. وقد تأتي (لَنْ) للدعاء، وهذا مُختَلفُ فيه، ابن هشام ينفيه في موضع، ويثبته في موضع. وقد تأتي (لَنْ) للدعاء، كما أتت (لاَ) كذلك وفاقاً لجماعةٍ، ومن ذلك قول الشاعر: لَنْ تَزَالُوا كَذَالِكُمْ ثُمَّ لاَ ... زِلْتُ لَكُمْ خَالِداً خُلُودَ الجِبالِ (لَنْ تَزَالُوا) قالوا: (لَنْ) هنا دُعَائِية، بِمعنى أنَّها للدُّعَاء، لماذا .. ما وجهُ الاستدلال بكونها للدعاء؟ قالوا: العطف عليها: (ثُمَّ لاَ زِلْتُ لَكُمْ خَالِداً) هذا دعاء، فعُطف الدعاء على (لَنْ) الأُولى فَدلَّ على أنَّها استُعملت في الدُّعَاء، وقلنا: ابن هشام يثبت هذا في (المغني) وينفيه في (شرح القطر).

стр. 2221

والدَّليل على أنَّه دعاء لا إخبار: عطفُ الدعاء عليه وهو: (ثُمَّ لاَ زِلْتُ)، ورُدَّ: بأنَّ (لَنْ) في صدر هذا البيت تَحتمل أن تكون دَالَّةً على النفي المَحض، حتى لو قيل: بأنَّ (لا) بعدها للدعاء، لأنَّه لا يلزم أن يُعطف إنشاء على إنشاء .. هو أولى، لكن ليس بلازم، قد يُعطف إنشاء وهو الدعاء على الإخبار، والعكس بالعكس، وإن كان الأولى التَّطابُق: أن يُعطف خبر على خبر، وإنشاءٌ على إنشاء، وعطف الإنشاء على الخبر والعكس، وإن كان فيه ضعف إلا أنَّه جائز، مثل عطف الجملة الفِعليَّة على الفِعليَّة، والاسْميَّة على الاسْميَّة، والفِعليَّة على الاسْميَّة والعكس. نقول: الفِعليَّة على الفِعليَّة أولى، والاسْميَّة على الاسْميَّة أولى، إلا أنَّه يجوز عطف الاسْميَّة على الفِعليَّة والعكس، وإن كان فيه نوع ضعف، وظَهرَ الضَّعْف في باب الاشتغال كما مَرَّ معنا. إذاً: حتى لو قيل بأنَّ (لا) بعدها للدعاء، فإنَّه لا يلزم أن يَتَّحِد المعطوف والمعطوف عليه خبراً أو إنشاءً. إذاً: (لَنْ) .. (وَبِلَنِ انْصِبْهُ) انصب الفعل المضارع بـ: (لَنْ)، حِينئذٍ تقول: ((لَنْ نَبْرَحَ)) [طه:٩١] فـ: (نَبْرَحَ) فعلٌ مضارعٌ ناقص منصوب بـ: (لَنْ)، ونصبُه فتحة ظاهرة على آخره. (وَكَيْ) هذا الحرف الثاني الذي ينصب بنفسه، و (كَيْ) لها ثلاثة أوجه في لسان العرب: - قد تكون اسْماً مُختَصراً من (كيف)، كقوله: كَيْ تَجْنَحُونَ إِلى سِلْمٍ وَمَا ثُئِرَتْ ... قَتْلاَكُمُ وَلَظَى الهَيْجَاءِ تَضْطَرِمُ (كَيْ تَجْنَحُونَ) يعني: كيف تَجنحون؟ فـ: (كَيْ) هنا مُختصرة من (كيف)، حذَفَ الفاء .. هذا يُسمَّى: تَرخيماً، لَكنَّه ليس بقياسي، (كَيْ تَجْنَحُونَ) كيف تَجنحون؟ فدَلَّ على أنَّها ليست ناصبة، ما الذي دل على أنها ليست ناصبةً؟ (تَجْنَحُونَ) بالنون .. أثبَتَ النون فَدلَّ على أنَّه مرفوع، فتكون بِمعنى: (كيف) .. هي مختصرة من (كيف). فتكون بمعنى (كيف) ويليها الاسم والماضي والمضارع مرفوعاً: كيف زيدٌ .. كيف يقوم زيدٌ .. كيف قام زيدٌ؟ يليها الماضي والمضارع والاسم، ويكون مرفوعاً في المضارع والاسم. - الثاني: أن تكون بِمنزلة لام التَّعلِيل معنَىً وعملاً، (معنَىً) يعني: تَدلُّ على أنَّ ما قبلها عِلَّةٌ لِمَا بعدها، هذا المراد بلام التَّعلِيل معنا: أنَّ ما قبلها عِلَّةٌ لِمَا بعدها، و (عملاً) الجر، حِينئذٍ لام التَّعلِيل تَجرُّ ما بعدها، كذلك (كَيْ) ولذلك يُعبَّر عنها: بأنَّها لام (كَيْ)، يُقَال: لام (كَيْ) إذا كانت بِمعنَى اللام. أن تكون بِمنْزِلة لام التَّعلِيل معنَىً وعملاً، وهي الداخلة على (ما) الاستفهاميَّة - وهذا سبق في أول حروف الجر – في قوله في السُّؤال عن العِلَّة: (كيْمَهْ) بِمعنى: لِمَه، وعلى (ما) المَصدريَّة كما في قوله: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإِنَّمَا ... يُرَجَّى الفَتى كَيْمَا يَضُرَّ وَيَنْفَعَا وهنا دخلت على (ما) المَصدريَّة، أي: للضُّرِّ والنِّفْع، وقيل: (ما) كافَّة، أي: كَفَّتْ (كَيْ) المَصدريَّة عن نصب المضارع. (كَيْ) المَصدريَّة يعني: لا يلزم أنَّها تنصب .. لا، قد تُؤوَّل مع ما بعدها بِمصدر - وهذا لا إشكال فيه – ولكن المراد هنا: أنَّها تدخل على (ما) الاستفهاميَّة، وتدخل على (ما) المَصدريَّة، وهذا سبق في أول باب حروف الجر. وقيل: (ما) كافَّة، أي: كَفَّتْ (كَيْ) المَصدريَّة عن نصب المضارع، وعلى (أَنْ) المَصدريَّة مُضمَرةً .. هذا الثالث، يعني: تدخل على (أَنْ) المَصدريَّة مُضمرةً، نحو: جئت كي تكرمَني، فـ: (كَيْ) هنا بِمنْزِلة لام التَّعلِيل مَعنَىً وعملاً، (كي تكرمني) يعني: كي أن تكرمني، فـ: (تكرمني) هذا فعل مضارع منصوب بـ: (أَنْ)، ونصبُه (أَنْ) مُضمرةَ بعد (كَيْ)، و (كَيْ) حِينئذٍ تكون بِمنزلة اللام، فيكون (أَنْ) ومدخولها مصدر مَجرورٌ بـ: (كَيْ). وعلى (أَنْ) المصدرية مُضمرةَ، نحو: جئت كي تكرمني، إذا قَدَّرْتَ النصب بـ: (أَنْ)، ولا يجوز إظهار (أَنْ) بعدها، وأمَّا قوله: كَيما أَنْ تَغُرَّ وتَخدَعَا، فضرورة، وسيأتي توجيهه. إذاً: (كَيْ) تكون بِمنْزلة لام التَّعلِيل معنَىً وعملاً، وذلك إذا دخلت على (ما) الاستفهامية، و (ما) المَصدريَّة، وتدخل على المضارع، ويكون الفعل منصوباً بعدها بـ: (أَنْ) مُضمرةً.

стр. 2222

- الثالث: أن تكون بِمنْزلة (أَنْ) المَصدريَّة معنَىً وعملاً، وهو المراد هنا في كلام النَّاظِم: (وَكَيْ)، حِينئذٍ صارت (كَيْ) مَصدريَّة، ويَتَعيَّن ذلك في الواقعة بعد اللام، وليس بعدها (أَنْ). (كَيْ) المَصدريَّة فيها تفصيل يأتينا إن شاء الله. نقف على هذا. والله أعلم، وَصَلَّى الله وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيَّنَا مُحَمَّد، وَعَلى آله وَصَحْبِه أَجْمَعِين ... !!!

стр. 2223

عناصر الدرس * ينصب الضارع بـ (كي وأن) ـ * إهمال (أن) حملاعلى (ما) المصدرية * ينصب المضارع بـ (إذن) بشروط * مواضع إعمال (أن) ظاهرة أو مضمرة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد: قال النَّاظِم - رحمه الله تعالى -: (وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ) عرفنا أن (كَيْ) لها ثلاثة أحوال في لسان العرب: إمَّا أن تكون اسْماً مختصراً من (كيف) وإمَّا النوع الثاني أن تكون بمنزلة لام التعليل معنىً وعملاً، وهذا قلنا: داخلة على (مَا) الاستفهامية، و (مَا) المصدريَّة، وكذلك على (أَنْ) المصدرية مُضمَرةً، نَحو: جئت كي تُكرِمنِي (تُكرِمنِي) هذا فعل مضارع منصوب بـ: (أَنْ) مضمرة بعد (كَيْ) وحينئذٍ (أَنْ) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بـ: (كَيْ) إذاً: هي بِمنزلة لام التعليل. ولا يَجوز إظهار (أَنْ) بعدها، فأمَّا قول الشاعر: (كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ) هذا ضرورة، وله توجيه سيأتي معنا. ثالثاً: تكون بِمنزلة (أَنْ) المصدرية معنىً وعملاً، وهو مراد النَّاظِم هنا، وهي النَّاصِبَة: (وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ) يعني: بنفسها، ويتَعيَّن ذلك الحكم بكونها مَصدريَّة في الواقعة بعد اللام وليس بعدها (أَنْ) كما في قوله تعالى: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا)) [الحديد:٢٣] (تَأْسَوْا) هنا فعل مضارع منصوبٌ بـ: (كَيْ) بنفسها، و (كَي) هنا لم يقع بعدها (أَنْ) فهي ناصبةٌ. تَعيَّن ذلك في الواقعة بعد اللام ((لِكَيْلا)) [الحديد:٢٣]. ولا نُقدِّر (أَنْ) هنا، لماذا؟ لأننا لو قَدَّرْنا (تَأْسَوْا) منصوبٌ بـ: (أَنْ) مضمرة بعد (كَيْ) لزم دخول اللام على (كَيْ) وهي حرف تعليل، إذاً: دخل حرفٌ على حرف، وهذا لا يجوز، أن يدخل حرف على حرف هذا مُمتنع، ولكن إذا دخل اللام على (كَيْ) وما بعدها يكون مصدراً مؤولاً بـ: (كَيْ) .. مع (كَيْ) حينئذٍ جاز، لأن اللام قد دخلت على اسمٍ مؤول. وأمَّا ((لِكَيْلا)) [الحديد:٢٣] بأن تكون اللام حرف جر، و (كَيْ) كذلك حرف جر وتعليل، و ((تَأْسَوْا)) [الحديد:٢٣] منصوب بـ: (أَنْ) مضمرة بعد (كَيْ) هذا مُمتنع، لأنه يلزم منه دخول حرف الجر على حرفٍ آخر. ولا يجوز أن تكون حرف جرٍ لدخول حرف الجر عليها، فإن وقع بعدها (أَنْ) نَحو قول الشاعر: (أَرَدْتَ لِكَيْماَ أَنْ تَطِيرَ بِقرْبَتِي) (لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ) وقعت (أَنْ) بعد (كَيْ) احتمل أن تكون مَصْدَريَّة مؤكَّدة بـ: (أَنْ) .. هي مَصْدريَّة بنفسها وأكِّدَت بـ: (أَنْ) (لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ) فهي (كَيْ) هنا مَصْدريَّة، و (أَنْ) توكيدٌ لها. وأن تكون تَعلِيليَّة مؤكِّدة للام، والثاني أرجح .. ما هو الثاني؟ أن تكون تَعلِيليَّة مؤكِّدة للام، الثاني أرجح لئلا يلزم تقديم الفرع على فالأصل، فـ: (أَنْ) هي أمُّ الباب فلا تُجعَل مؤكِّدة لـ: (كَيْ) يعني: إذا جعلنا (أَنْ) مؤكِّدة لـ: (كَيْ) أيهما أصْل؟ (أَنْ) هي الأصل في الباب، حينئذٍ جعلنا الأصل مؤكداً للفرع، وهذا خلاف الأصل.

стр. 2224

كذلك هي الملاصقة للفعل، وما كان ملاصقاً للفعل فالأولى أن يكون هو العامل في الفعل دون (كَيْ) وما كان أصلاً لا يكون مؤكِّداً لغيره، ويجوز الأمران في نحو: جئت كَي تفعل، ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً)) [الحشر:٧] يجوز الأمران، يعني: أن تَجعل (أَنْ) مضْمَرة بعد (كَيْ) وأن تَجعل (كَيْ) هي النَّاصِبة، إمَّا أن يكون الفعل منصوباً بـ: (أَنْ) مضمرة بعد (كَيْ) وإمَّا أن تكون (كَيْ) هي النَّاصِبة، لكن تُقدِّر قبلها اللام. فإن جُعِلَت جارَّة كانت (أَنْ) مُقدَّرة بعدها، وإن جُعِلَت ناصبة كانت اللام مُقدَّرة قبلها، وهذا مذهب سيبويه والجمهور: أنَّ (كَيْ) تكون حرف جر ومَصْدريَّة، إذا كانت حرف جَرْ حينئذٍ جَرَّت (أَنْ) ومدخولها المصدر، وإذا كانت مَصدريَّة حينئذٍ لا يكون مجروراً إلا باللام المُقدَّرة قبلها. وذهب الكوفيون: إلى أنَّها ناصبةٌ للفعل دائماً، وتأولوا ما احْتَمَل غير ذلك، وذهب قوم: إلى أنَّها حرف جر دائماً. إذاً ثلاث مذاهب: - (كَيْ) تكون حرف تعليل وجر، وتكون ناصبة على التفصيل الذي ذكرناه. - وعند الكوفيين: أنَّها لا تكون إلا ناصبة البتَّة دائماً. - وقال بعضهم: إنَّها تكون حرف دائماً، والصواب: ما ذهب إليه جمهور البصريين. ومنع الجمهور تقديم معمول (كَيْ). هناك في لَنْ قلنا: يَجوز تقديم معمول معمولها: زيداً لن أضرب جاز، وأمَّا (كَيْ) فلا يَجوز. ومنع الجمهور تقديم معمول معمول (كَيْ) خلافاً للكسيائي فيجوز عنده: جئت النَّحْوَ كَي أتعلم .. جئت كي أتَعلَّم النَّحْو، يجوز عند الكسائي وعند الجمهور يمتنع، لماذا يتمنع؟ قالوا: لأن (كَيْ) من الموصولات الحَرْفيَّة، ومعمول الصِّلَة لا يَتقدَّم على الموصول بِخلاف لَنْ ليست من الموصولات، يعني: لا تؤول مع ما بعدها بِمصدر، وأمَّا (كَيْ) فهي موصولٌ حرفِيِّ، وهي من الخمسة التي ذكرناها سابقاً، وحينئذٍ تؤول ما بعدها للمصدر، وما كان كذلك فحينئذٍ لا يَتقدَّم معموله ولا معمول معموله عليه البتَّة. لأن (كَيْ) من الموصولات الحرفيَّة، ومعمول الصِّلة لا يَتقدَّم على الموصول، وإن كانت جارَّة فـ: (أنْ) مُضْمَرة بعدها وهي موصولة. إذاً: (وبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ) (كَي) هو النَّاصِب الثاني. استعمالات (كَي) .. خلاصة ما سبق: أنَّ (كَيْ) تُذكر وحدها، فيقال كما في قوله تعالى: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً)) [الحشر:٧] إذاً: ذكرت (كَي) وحدها هنا. الثاني: أنْ تُذكَر مسبوقةً باللام فقط ((لِكَيْلا تَأْسَوْا)) [الحديد:٢٣] (لِكَيْ) اللام سبقت (كَي) هذا استعمالٌ في لسان العرب. الثالث: تُذْكَر قبل (أنْ) المصدرية وهذا قيل: ضرورة، يعني: لا تظهر (أنْ) لكن استُعمِل، كقوله: (كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعا) كَيْمَا أَنْ إذاً: قيل (كَي) وظهرت بعدها (أَنْ). الاستعمال الرابع: تُذْكَر مسبوقةً باللام وبعدها (أنْ) المَصْدريَّة: (لِكَيْماَ أَنْ تَطِيرَ بقرْبَتِي) لِكَيْماَ أَنْ جاءت اللام ثُم (كَي) ثُم (أنْ) جُمع بينها.

стр. 2225

هذه أربعة استعمالات، المشهور الأول والثاني: وهو أنْ تذكر وحدها، أو أن تكون مسبوقةً باللام فقط: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا)) [الحديد:٢٣] ولذلك هو الوارد في القرآن، وأمَّا الثالث والرابع فلم يَرِد في القرآن. وجمهور البصريين على أنَّ (كَي) إذا نَصَبَت المضارع فهي مَصدريَّة، وقد تكون (كَيْ) تَعْليليَّة، بِمعنى: لام التعليل، فالنَّاصب حينئذٍ (أنْ) مضمرة بعد (كَيْ)، وعليه .. على ما سبق فإذا قيل: جئت لكي أتَعَلَم، يعني: جِيء بـ: (كَيْ) وذُكِر قبلها اللام، حينئذٍ يتَعيَّن أن تكون اللام حرف تعليل و (كَيْ) مَصْدريَّة، يتَعيَّن إذا لُفِظَ باللام قبل (كَيْ) حينئذٍ النَّاصب (كَيْ) وليس (أنْ) مُضْمَرة بعد (كَيْ) هذا متى؟ إذا نُطِقَ باللام قبل (كَيْ) مثل هذا المثال: جئت لكي أتَعَلَّم، جيء باللام و (كَيْ). حينئذٍ يتَعيَّن أن تكون (كَيْ) ناصبة، فـ: أتَعَلَّم، هذا فعلٌ مضارع منصوب بـ: (كَيْ) نفسها، ولا نقول بـ: (أنْ) مُضْمَرة، لماذا؟ لأنه لُفِظَ باللام، لأنك لو جَعَلْت (كَيْ) تَعليليَّة لصرت إلى التأكيد ولك معدَلٌ عنه، يعني: خروجاً عنه، إذا جعلت الفعل هنا منصوباً بـ: (أنْ) مُضْمَرة حينئذٍ جعلت (كَيْ) مؤكِّدة للام، ولا شك أن القول بالتأسيس أولى من القول بالتأكيد، لأنه إمَّا أن تجعل (كَيْ) مؤكِّدة للام، وإمَّا أن تجعلها مؤسسة، حينئذٍ تكون ناصبةً لما بعدها. فإذا قَدَّرت الفعل الذي بعد (كَيْ) في مثل هذا التركيب: (لِكَي) منصوباً بـ: (أنْ) مُضْمرة بعد (كَيْ)، طيب! (كَيْ) واللام حرفان، إذاً: الثاني مؤكِّدٌ للأول، والتأسيس خيرٌ من التوكيد، إذاً: لا نصير إلى التأكيد مع إمكان التَّأسيس، إذ التأسيس خيرٌ من التأكيد. وإذا قيل: (كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعا) بعضهم لم يُجوِّز هذا التَّركيب .. أن يجمع بين (أنْ) ظاهرةً و (كَيْ)، لكن ذكره البعض: (كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعا) تَعيَّن أن تكون (كَيْ) حرف تعليل واضح، لأنه إذا ذُكِرَت (أنْ) فهي النَّاصِب، لا مَعْدِل عنها، كيف تترك الأصل وهي (أنْ) أمُّ الباب وتَجعل النَّصب بـ: (كَيْ)؟! هذا فيه نظر. إذاً: إذا ذُكِرَت (أنْ) بعد (كَيْ) يتَعيَّن أن تكون (أنْ) النَّاصِبة، وإذا كانت (أنْ) هي النَّاصِبة يتَعيَّن أن تكون (كَيْ) التَعليليَّة حرف جر. حينئذٍ تَعيَّن أن تكون (كَيْ) حرف تعليل، و (أنْ) حرفٌ مصدري، لأنك لو جعلت (كَيْ) حرفاً مَصدَرياً لصرت إلى التأكيد والتأسيس خيرٌ منه، يعني: إذا جعلت (كَيْ) حرفاً مصدرياً، جعلت (أنْ) مؤكِّدة لـ: (كَيْ)، الأصل مؤكِّد للفرع وهذا خلاف الأصل، تَجعل (كَيْ) هي النَّاصبة و (أنْ) ماذا فعلت؟ لم تنصب، ما دورها في هذا التركيب: (كَيْمَا أَنْ تَغرَّ وَتَخْدَعا)؟ (أنْ) توكيد .. هذا خلاف الأصل .. خلاف الأصل من جهتين: - أنَّ التأسيس أولى من التأكيد، هذا أولاً. - ثانياً: كيف يُجعل الأصل -أم الباب- مؤكِّداً للفرع؟! هذا مَحلُّ نظر، إذاً: إذا صُرِّح بـ: (أنْ) فهي النَّاصبة، و (كَيْ) حينئذٍ تكون حرف تعليل، وإذا قيل: جئت كي أتَعَلَّم، هذا يجوز فيه وجهان: إذا لم تأت بـ: (أنْ) ولم تأت باللام جاز لك الوجهان:

стр. 2226

- أن تَجعل (أتَعَلَّم) منصوبٌ بـ: (أنْ) مضمرة بعد (كَيْ) و (كَيْ) حرف تعليل. - ويجوز أن تجعل (كَيْ) هي النَّاصِبة وتَنْوِ اللام قبلها، لأنه لا بُدَّ من اللام، إذا جَعَلت (كَيْ) نَاصبةً بنفسها لا بُدَّ من اللام قبلها لفظاً أو نِيَّةً، إذا توجد لا بُدَّ من نِيَّتِها. إذا قيل: جئت كي أتَعلَّم، جاز أن تكون (كَيْ) مَصدريَّة ولام التَّعليل قبلها مُقدَّرة، مَصدريَّة يعني: ناصبة بنفسها، وجاز أن تكون (كَيْ) حرف تعليل، وأن المَصدريَّة مُقدَّرة بعدها، ماذا بقي؟ بقي أن يُجمع بين اللام و (كَيْ) و (أنْ): (لِكَيْماَ أَنْ تَطِيرَ بقرْبَتَيِ) (لِكَيْماَ أَنْ) جُمِع بين اللام و (كَيْ) و (أنْ)، وهذا بعضهم كذلك لا يُجوزه إلا ضرورةً. جاز أن تكون في هذا التركيب (كَيْ) مَصْدريَّة، فتكون (أنْ) مؤكِّدةً لها، وهذا مَحلُّ نظر، (أنْ) الأصل مُؤكِّد للفرع هذا محل نظر، لكن يجوز، ودائماً إذا قيل: جائز، لا يلزم منه أن يكون هو الأفصح، ولذلك يُصرِّح ابن مالك وابن هشام أحياناً، يقولون: جائزٌ على قُبحٍ، وأحياناً يقولون: جائزٌ في لُغَيَّة تصغير لغة، يعني: فيه نظر، من باب التحقير أو شيء من ذلك. فتكون (أنْ) مُؤكِّدة لها، وجاز أن تكون (كَيْ) حرف تعليل فتكون هي مُؤكِّدة للام، وهنا لا مناص عن القول بالتأكيد، لا بُدَّ أن يُقال: (كَيْ) هي مُؤكِّدة للام، أو (أنْ) مؤكِّدة لـ: (كَيْ)، لا بُدَّ من القول بالتأكيد، إذاً: لا نقول التأسيس خيرٌ من التأكيد، لأنَّه لا مناص عنه، فتَحصَّل حينئذٍ من هذه الأقسام أنَّ (كَيْ) تكون مَصدريَّة لا غير في موضعٍ واحد، نَحو: جِئت لِكَي تكْرِمني، هنا (كَيْ) مصدرية لا غير .. لا يَحتمل أن يكون الفعل منصوباً بـ: (أنْ) مُضْمَرة بعدها، لماذا؟ للتَّصرِيح باللام (لِكَي). إذا قيل: لـ: (لِكَي) ولم يلفظ بـ: (أنْ) تَعيَّن أن تكون مَصدريَّة، هذا واحد. وتكون تَعليليَّة لا غير في موضع واحد: (كَيْمَا أَنْ تَغُرَّ وَتَخْدَعا) (كَيْمَا أَنْ) إذاً: صُرِّح بـ: (أنْ) بعدها، فإذا لُفِظَ بـ: (أنْ) بعدها، فـ: (أنْ) هي النَّاصِبة، و (كَيْ) قطعاً أنها تَعليليَّة، ولا نَجعل (أنْ) مؤكِّدة و (كَيْ) هي مَصدريَّة. وتكون مُحتملة للوجهين في موضعين: الثالث والرابع، وهذا قليل جداً .. قليل جداً أن يُلفَظ بـ: (أنْ) بعد (كَيْ)، أو أن يُجمع بين اللام و (كَيْ) و (أنْ)، ولذلك بعضهم يَجعله من باب الضرورة، ولم يُمثَّل إلا بالشعر الذي ذكرناه سابقاً. إذاً: وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ كَذَا بِأَنْ ... لاَ بَعْدَ عِلْمٍ. . . . . . . . . . . . . (وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ) قال الشَّارِح هنا: " ينصب المضارع إذا صحبه حرفٌ ناصبٌ، وهو (لنْ) أو (كَيْ) أو (أنْ) أو (إِذَنْ) هذه ناصبة بنفسها وليس مُتَّفق عليه، لأن بعضهم يرى: أنَّ (إِذَنْ) ليست ناصبة بنفسها، بل (أنْ) مُضْمَرة بعدها، حينئذٍ الأول والثاني و (أنْ) هذا لا إشكال فيه، و (إِذَنْ) هذا مَحلُّ نظر، نَحو: لن أضْرِب، وجئت كَي أتَعَلَّم، وأريد أن تقوم، وإذَنْ أكرمَك، في جواب من قال لك: آتيك، هذه أمثلة لِمَا ذَكَره على جهة العموم.

стр. 2227

و (كَيْ) المَصدريَّة كما سبق .. (كَيْ) مَصدريَّة التي أطلقها النَّاظِم هنا (وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ) أي: المَصدريَّة، وإنما يؤخذ التقييد من كونه ذكرها في أدوات النصب، وإلا (كَيْ) قد لا تكون مصدريةً بل تكون تَعليليَّة، فأمَّا التَّعليليَّة فجَارةٌ والناصب بعدها (أنْ) مضمرة، وتتَعيَّن المصْدريَّة إنْ سبقتها اللام كما ذكرناه سابقاً، كقوله تعالى: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا)) [الحديد:٢٣] والتَّعليليَّة إن تَأخَّرَت عنها اللام أو أنْ، وعلامة المَصدريَّة أن تَتَقدَّم عليها اللام لفظاً أو تقديراً. (لَنِ) قيل: لا يَجوز الفَصْل بين (لَنِ) والفعل اختياراً عند البصريين وهشام، وأجاز الكِسَائي الفَصْل بالقسم ومعمول الفعل: لن والله أقوم، جَوَّز الفَصْل بالقسم، وبِمعمول الفعل: لن زيداً أضرب، ووافقه الفَرَّاء على القسم، وزاد الفَصْل بـ: (أظن) والشرط، والجماهير على المنع: أنَّه لا يُفصَل بين (لَنِ) ومعمولها، نعم يَتقدَّم معمول معمولها عليها الجمهور على الجواز: زيداً لن أضرب، هذا جائزٌ. . . . . . . . . . . . كَذَا بِأَنْ ... لاَ بَعْدَ عِلْمٍ وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّْ فَانْصِبْ بِهَا وَالرَّفْعَ صَحِّحْ وَاعْتَقِدْ ... تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ قوله: (كَذَا بِأَنْ) (كَذَا) أي: مثل ما ذُكِر من كون (لَنِ) ناصبة بنفسها، و (كَيْ) ناصبة على التفصيل السَّابق (بِأَنْ) يعني: فانصبه (بِأَنْ) (لاَ بَعْدَ عِلْمٍ) (لاَ) حرف عطف، لَكنَّه معطوف على محذوف مُقدَّر، والتقدير: فانصبه (بِأَنْ) بعد غير علمٍ لا بعد علم، لأن (أنْ) المصدرية لها ثلاثة أحوال: - إمَّا أن يسبقها ما يَدلُّ على العِلْم .. ما يَدلُّ على اليقين يعني، سواءٌ بلفظ العِلْم أو غيره: رَأى، وحَسِبَ، وتيَقَّنَ، وظَنَّ إذا أريد بها العِلْم، كل الألفاظ السَّابقة التي مرَّت معنا في باب (ظَنَّ) ما يَدلُّ على اليقين إذا تَقدَّم على (أنْ) .. أن يَتقدَّم عليها ما يفيد اليقين، ويُعبِّر عنه النحاة: بما يدل على العِلْم. - النوع الثاني: أنْ يَتقدَّم عليها ما يَدلُّ على الرجْحَان، يعني: (ظَنَّ) وأخواتها .. ظَنَّ وحَسِبَ ورَأىَ ونحو ذلك إذا استعملت في الرجحان. - ألا يَتقدَّم عليها الأول ولا الثاني، كألا يَتقدَّم عليها ما يُفيِد العِلْم، ولا ما يُفيِد الظَّنَّ. متى تكون ناصبةً متَعيِّنة النَّصب؟ فيما إذا لم يَتقدَّم عليها علمٌ ولا ظنٌ: ((وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ)) [الشعراء:٨٢] نقول: (يَغْفِرَ) هنا فعلٌ مضارع منصوبٌ بـ: (أنْ) وهذه (أنْ) متَعيِّن أنَّها مَصدريَّة، لأنه لم يسبقها ما يَدلُّ على الظَّنِّ، ولا ما يَدلُّ على العِلْم، فيتَعيَّن أنها مَصدريَّة، وهي التي عنها بقوله: (كَذَا بِأَنْ لاَ بَعْدَ عِلْمٍ) يعني: فانصبه (بِأَنْ) بعد غيْرِ عِلْمٍ لا بعد عِلَمٍ، فإن كانت بعد عِلمٍ حينئذٍ يتَعيَّن أن تكون (أنْ) مُخفَّفة من الثقيلة، هذا إذا كان ما قبلها دالاً على العِلْم.

стр. 2228

((عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)) [المزمل:٢٠] (سَيَكُونُ) نقول: (يكون) بالرَّفْع هنا، وسبقها (أنْ) (عَلِمَ أَنْ) (أنْ) هذه قَطعاً قولاً واحداً مُخفَّفَة من الثقيلة، يعني: أخت (إنَّ): وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنّ ... وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنّ وَإِنْ يَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعَا ... وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِقَدْ أَوْ نَفْيٍ اوْ ... تَنْفِيسٍ اوْ لَوْ وَقَلِيلٌ ذِكْرُ لَوْ الأحكام السابقة كلها تَتَعلَّق بـ: (أنْ) هنا، ولذلك جاء: ((عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ)) [المزمل:٢٠] فُصِلَ بين (أنْ) ومدخولها الذي هو الخبر بالسِّيِن وهو واجبٌ أو أحسن، على الخلاف السابق الذي ذكرناه في مَحلِّه. إذاً: إذا سُبقت بِما يَدلُّ على العِلْم فهي (أنْ) مُخفَّفَة من الثقيلة، فيجب في الفعل أمران: - الأول: رفعه ولا يجوز نصبه. - والثاني: فَصْله بفاصلٍ من الأربعة التي ذكرناها سابقاً، ومنه المثال الذي ذكرناه: ((عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)) [المزمل:٢٠] فـ: (سَيَكُونُ) نقول: الجملة في مَحلِّ رفع خبر (أنْ) و (أنْ) محذوفة الاسم وجوباً: (وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنّْ). (أَنْهُ سَيَكُونُ)، ضمير الشأن محذوف، وهو اسم (أنْ) والجملة التي بعد (سَيَكُونُ) في محل رفع خبر (أنْ) لأنها مُخفَّفَة من الثقيلة، هذا إذا سبقها ما يَدلُّ على العِلْم، وأمَّا إن سبقها ما يَدلُّ على الظن ففيه وجهان: يَجوز فيه الرَّفع، ويَجوز فيه النَّصب، ولذلك قال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّْ فَانْصِبْ بِهَا وَالرَّفْعَ صَحِّحْ. . . . . ... . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . (فَانْصِبْ بِهَا) قَدَّم النَّصب لأنه أرجح، ولذلك أجمع القراء عليه في قوله: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢] هنا أجمع القراء على النَّصب، مع كون (أنْ) هنا مسبوقة بـ: (حَسِبَ) و (حَسِبَ) هذه من أفعال الرُّجْحَان، إذاً: الأصل فيه الجواز .. أنَّه في غير القرآن يَجوز: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُون) .. (أَنْ يُتْرَكُوا) لكن في القرآن اتَّفَق القراء على النَّصب، فدل على أنَّه أرجح. واختلفوا في قوله: ((وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ)) [المائدة:٧١] (أَلاَّ تَكُونَ .. أَلاَّ تَكُونُ) قراءتان بالرَّفْع والنَّصْب، لَمَّا اتفقوا في موضعٍ واختلفوا في موضعٍ، فما اتفقوا عليه دل على أنَّه الأرجح، وهو الأكثر في لسان العرب، وهو الموافق للقياس. إذاً: (وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّْ فَانْصِبْ بِهَا) المضارع إن شِئت، على أنَّها النَّاصبة له وصَحِّح الرَّفع،، يعني الرَّفع صحيح، ولذلك قرئ به: ((وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ)) [المائدة:٧١].

стр. 2229

(وَاعْتَقِدْ تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ) متى؟ إذا رَفَعْت: (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونُ) بالرَّفع، حينئذٍ إذا صَحَّحْت الرَّفع اعتقد حينئذٍ .. حين إذ رَفَعْت ما بعدها (تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ) الثقيلة، حينئذٍ يكون اسمها ضمير الشأن محذوفاً: (وَحَسِبُوا أنْه لا يكُونُ فِتْنَةٌ) و (لا يكون) حينئذٍ نقول: الرَّفع واجب إذا جعلناها مُخفَّفَة من الثقيلة، والفَاصِل واجب، وفصل هنا بـ: (لاَ) وهو من الفواصل السابقة التي ذكرناها. (فَهْوَ مُطَّرِدْ) ما هو (فَهْوَ)؟ يعني: الرَّفع أو جواز الوجهين، يَحتمل هذا ويَحتمل ذاك، فَهْوَ مُطَّرِدْ الرفع أو جواز الوجهين كلٌ منهما سَائغٌ في لسان العرب، وجاء به القرآن. إذاً: إذا لم يكن قبل (أنْ) .. لم يسبقها عِلمٌ ولا ظن، حينئذٍ نقول: يتَعيَّن أنْ تكون ناصبة: ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)) [النساء:٢٨] (يُخَفِّفَ) سبقته (أنْ) ولم يَتقدَّم عليها علمٌ ولا ظن فهي ناصبة قولاً واحداً، هي المَصدريَّة وهي النَّاصبة وهي أمُّ الباب كما سيأتي بعض الاستثناءات، وإذا تَقدَّمها ما يدلُّ ويفيد العِلْم حينئذٍ هي مُخفَّفَة من الثقيلة قولاً واحداً، ويَجب في الفعل الذي يليها أمران: رفعه، والثاني: فَصْلُه على ما تَقرَّرَ في بابه. وإذا تَقدَّم عليها ما يَدلُّ ويفيد الظَّنَّ حينئذٍ جاز فيه وجهان: الرَّفْع والنَّصْب، والنَّصْب أرجح، لأنه أكثر في لسان العرب، وهو المستعمل، وكذلك القياس يقتضيه. إذاً: (كَذَا بِأَنْ) إذاً: (أنْ) هذه هي أمُّ الباب، لأنها ظاهرة ومُقدَّرة، وإنما أخَّرَها عن (لَنْ) و (كَي) لطول الكلام عنهما، ويُقال فيها: (عَنْ) .. (أنْ) يُقال فيها: (عَنْ) بإبدال الهمزة عيناً، فتقول: عَنْ يَضْرِب .. أرَدْتُ عَنْ أضْرِب، هذا تأتي به لغز! عَنْ أضْرِب أين مَجرور (عَنْ)؟ ليس لها مجرور، هذه (عَنْ) هي (أنْ) قلبت الهمزة عَيناً. (كَذَا بِأَنْ لاَ بَعْدَ عِلْمٍ) ونحوه مِمَّا يدلُّ على اليقين، فإنها لا تنصبه إذا وقَعَت بعد ما يدل على العِلْم لأنَّها حينئذٍ مُخفَّفَة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، نَحو: ((عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ)) [المزمل:٢٠] ومِثْلُه: ((أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ)) [طه:٨٩] أي: (أَنْه سَيَكُونُ) و (أنْه لا يَرْجِعُ). وأمَّا قراءة بعضهم: (أَلاَّ يَرْجِعَ) بالنَّصْب وقوله: . . . . . . . . . . . قَدْ عَلِمْوَا ... أن لاَ يُدَانيَنَا مِنْ خَلقِهِ بَشَرُ فمِمَّا شَذَّ، يعني: إذا وقعت بعد العِلْم، فإذا نصب حينئذٍ نَقول: هذا شَاذٌ، يُحفظ ولا يُقاس عليه، إلا إذا أوِّل بغيره فجاز وقوع النَّاصبة بعده، وإلا الأصل أن النَّاصبة لا تقع بعد العِلْم، وهذا في استقراء كلام العرب.

стр. 2230

(وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّْ) (الَّتِي) هذا اسمٌ موصول مبتدأ، وقوله: (مِنْ بَعْدِ ظَنّ) (مِنْ بَعْدِ) جار ومجرور مُتعلِّق بِمحذوف صلة الموصول و (بَعْدِ) مضاف، و (ظَنّ) هذا مصدر مضافٌ إليه، ونحوه من أفعال الرُّجْحَان، ليس المقصود (ظن) بل (ظَنّ) إذا أريد بها اليقين دخلت في الأول، وإذا أريد بها الرُّجْحَان صارت في الثاني، إذاً: يَحتمل اللفظ، والمراد ما يَدلُّ على اليقين، يعني: ما يُستَعمل باليقين إمَّا أصَالةً وإمَّا فرعاً، كـ: (ظَنَّ) وأخواتها، قد يستعمل بعضها في اليقين. (فَانْصِبْ بِهَا) (وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّْ فَانْصِبْ) الفاء واقعة في جواب المبتدأ، لأنه نُزِّل مُنَزَّلة الشَّرط، لأن المبتدأ إذا كان اسْماً موصولاً أو ما فيه معنى العموم جاز، ولا يَجب أن يدخل على الخبر الفاء، لأن شُبِّه بالشَّرط. (فَانْصِبْ) الجملة هذه في محل رفع خبر المبتدأ (الَّتِي)، (فَانْصِبْ بِهَا) يعني: بـ: (أنْ) التي وقعت ظَن، فانصب بها المضارع إن شئت، ليس الأمر هنا للوجوب، لأنه قال: (وَالرَّفْعَ صَحِّحْ) فدل على أنَّ النَّصب هنا ليس بواجب. (فَانْصِبْ بِهَا) إن شئت المضارع على أنَّها النَّاصِبة له، حينئذٍ تكون مَصدريَّة، لكن ليست متَعيِّنة، وصَحِّحْ الرَّفع (الرَّفْعَ صَحِّحْ) قَدَّم المفعول هنا على (صَحِّحْ)، (وَاعْتَقِدْ) حينئذٍ (تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ) يعني: إذا رَفَعْت حينئذٍ اعْتَقِد تَخفِيفها من (أنَّ) الثقيلة. وقد قرئ بالوجهين: (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ) (أَلَّا تَكُونَ .. أَلَّا تَكُونُ) إذا قرأت: (أَلاَّ تَكُونُ) حينئذٍ (أنْ) مُخفَّفة من الثَّقيلة، وإذا قرأت: (أَلاَّ تَكُونَ) حينئذٍ (أنْ) ناصبةٌ بنفسها، ولذلك السِّيُوطِي قال: " ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتْ﴾ يدخل فيه كثير من مسائل النَّحْو " وهنا ليس فرق إلا النِّيَة، لأنك تلفظ وتَنوِّ، تلفظ بالرَّفع: (أَلاَّ تَكُونُ .. أَلاَّ تَكُونَ) حينئذٍ إذا لفظت بالرَّفْع نَوَيِّت أنَّ (أنْ) مُخفَّفَة من الثقيلة، وهي (أنْ) في اللفظ واحدة، ويجوز الفّصْل بين (أنْ) المصْدريَّة ومدخولها بـ: (لاَ) النَّافيَّة هذا سائغ. ولذلك نصب: ((وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ)) [المائدة:٧١] نفس الموضع في النَّصْب فصل بين (أنْ) المصْدريَّة ومدخولها. إذاً: قرئ بالوجهين: ((وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) [المائدة:٧١] قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكِسَائي برفع (تَكُونُ) والباقون بالنَّصب، والنَّصب أرجح عند عدم الفصل بينها وبين الفعل، ولهذا اتفقوا في قوله: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢]. (فَهْوَ مُطَّرِدْ) يعني: الرَّفع أو جواز الوجهين، (مُطَّرِدٌ) يعني: مَقيسٌ في ما ورد في لسان العرب. هنا قال: " وأشار بقوله: (لاَ بَعْدَ عِلْمٍ) إلى أنَّه إن وقعت (أنْ) بعد عِلْمٍ ونحوه مِمَّا يدلُّ على اليقين وجب رفع الفعل بعدها، فتكون حينئذٍ مُخفَّفَة من الثقيلة " ومنه الآية التي ذكرناها: ((عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)) [المزمل:٢٠] و: ((أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ)) [طه:٨٩] نحو: عَلِمْت أن يَقوم، ومنه قول الشَّاعر:

стр. 2231

عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلُوْنَ فَجَادُوا ... قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوا بِأَعْظَمِ سُؤْلِ قال: (عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلُوْنَ) أبقى (يُؤَمَّلُوْنَ) ثبوت النون هنا، و (أنْ) هذه مُخفَّفة من الثقيلة لأنها سبقت بِعلْمٍ وهو نَصٌّ في العِلْم، والتَّقدير هنا: أنْه يقوموا، فخُفِّفَت (أنَّ) وحذف اسْمها وبقي خبرها، لكن الظَّاهِر في مثل هذا التَّركيب ألا يُقدَّر الضمير مع المُثقَّلة، وهذا في ظنَِي أنَّه ليس بصواب، لا تُقدِّر مع المثَقَّلة (أنَّه سيكون) لا، (أنْه) بالتَّخفِيف، لأنه لا يكون الضَّميِر اسم (أنْ) إلا بعد الحذف .. بعد التَّخْفِيف، حينئذٍ نقول: (وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنّ) نحكم على الضمير بكونه ضمير الشأن بعد الحذف، أمَّا نقول: أنَّه، هذا الأصل، فخُفِّفَت وحذف اسْمها؟! لا، ليس الأمر كذلك، بل خُفِّفَت فتَعيَّن أن يكون اسْمها ضمير الشأن ولا يذكر معه، هذا الأصل. والتقدير هنا تقدير لِمَا هو واجب الحذف، فالأصل أنَّه ما يُلفظ، لكن من باب التَّعليم فقط: أنْه سيقوم .. أنْه سيكون، فتقدير الاسم مع (أنَّ) المثَقَّلَة هذا الظَّاهر أنَّه خطأ ليس بصواب: أنَّه سَيَقوم .. أنَّه يقوم، فخُفِّفَت (أنَّ) وحذف اسْمها، هذا فيه نظر، وبقي خبرها: وهذه غَيْرُ النَّاصِبة للمضارع، لأنَّ هذه ثنائيةٌ لفظاً .. ثلاثيةٌ وضعاً، (ثنائيةٌ لفظاً) يعني: مُخفَّفَة من الثَّقِيلة. وأمَّا في الوضع فهي ثلاثة أحرف: (أنَّ) هذا الأصل، ثُم خُفِّفَت والتَّخفِيف فرعٌ عن الأصل، والعبرة في الوضع إنما يكون بالأصل لا بالفرع، وتلك ثنائيةٌ لفظاً ووضعاً، ما هي تلك؟ النَّاصبة، (أنْ) المصدريَّة ثنائية، يعني: موضوعة على حرفين في اللفظ وفي الوضع، إذاً: لا خلاف. وإن وقعت بعد ظنٍ ونحوه مِمَّا يَدلُّ على الرجحان جاز في الفعل بعدها وجهان، ويُشترط لكونها مَصدريَّة - إذا جعلناها مَصدريَّة بعد الرجحان - ويُشترط لكونها مَصدريَّة ناصبةً للمضارع بعد ما يفيد الظن: ألا يُفصل بين (أنْ) والمضارع بِفاصلٍ غير لا، فإن فُصِل بينهما نحو: ظَنَنْت أنْ سيقوم، هنا (أنْ) تَقدَّم عليها ما يفيد الظن، لكن فُصِل بين (أنْ) والمضارع بالسِّين لم تكن مَصدريَّة، يَتَعيَّن أن تكون مُخفَّفة من الثَّقِيلة. إذاً: ليس كل (أنْ) تَقدَّم عليها ما يدل على الظَّن فهي جائزة الوجهين، بل لا بُدَّ أن يُقيَّد بألا يَفصِل بين (أنْ) ومدخولها الفعل بغير لا، كـ: السين وسوف. لأنه لا يُفصَل بين المَصدريَّة ومنصوبها، وتَعيَّن حينئذٍ أن تكون مُخفَّفَة من الثقيلة، وأمَّا الفَصْل بـ: (لاَ) فجائزٌ، ولهذا احْتَمل الوجهين قوله: ((وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ)) [المائدة:٧١].

стр. 2232

لو كان الفاصل (لاَ) هنا مؤثِّراً حينئذٍ ما جاز النَّصب، قرئ بالنَّصْب وارد قطعاً: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ) إذاً: بالنَّصْب و (أنْ) المَصدريَّة هي ناصبة وفصل بينهما بـ: (لاَ) إذاً: دَلَّ على أن (لاَ) هنا لا أثر لها، وأمَّا غير (لاَ) فالأصل فيه المنع، فإذا تَقدَّم ما يَدلُّ على الظَّنِّ، ثُم فُصِل بين (أنْ) والفعل المضارع بغير (لاَ) تَعيَّن أن تكون مُخفَّفَة من الثقيلة: ظَنَنْتُ أنْ سَيقوم، نقول: هنا (أنْ) مُخفَّفَة من الثقيلة. جاز وجهان: - أحدهما: النَّصْب وهو الأرجح في القياس، والأكثر في كلامهم، كما أجمعوا عليه في قوله: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢] على جَعْل (أنْ) من نواصب المضارع. - والثاني: الرَّفْع، على جَعْل (أنْ) مُخفَّفَة من الثقيلة: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ) فتقول: ظَنَنْت أنْ يقومَ، وأن يَقومُ، والتقدير مع الرَّفْع: ظَنَنْت أنْه يقومُ، فخُفِّفَت (أنَّ) وحذف اسْمها، وبقي خبرها وهو الفعل وفاعله، ابن عقيل هنا يُقدِّر: أنَّه، بالتَّشْدِيد مع الضمير، وهذا فيه نظر، لأن ضمير الشأن إنما كان اسْماً لـ: (أنْ) بعد التَّخفِيف، لا نقول أصله: أنَّه سيقوم، ثُم حُذِفَت: أنَّه يقوم، ثُم خُفِّفَت ثُم حُذِفَ، هذا ليس كذلك. ولذلك ظاهر النَّظم -ابن مالك-: (وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنّ) (اسْتَكَنّ) يعني: حُذِف وجوباً، وهذا ما يحذف مع (أنَّ) المثَقَّلة وإنما يحذف مع (أنْ) المخفَّفَة، وإذا كان كذلك متى يكون ضمير الشأن اسْماً لـ: (أنَّ)؟ نقول: المُخَفَّفة لا المُثَقَّلة، فكيف نُقدِّره: أنَّه يقوم؟! هذا مَحلُّ نظر، ويُرجع للخضري ماذا قال في هذا المَحلْ. إذاً: يَجوز فيه الوجهان، هذه (أنْ) إذا كانت مُخفَّفةً من الثَّقيلة، و (أنْ) المراد بها المَصدريَّة. بقي ماذا من أنواع (أنْ)؟ المُفسِّرة والزائدة، ولذلك يُقيِّدُون (أنْ) المَصدريَّة احترازاً عن الزائدة والمُفسِّرة، وهذه باتفاق: أنَّها لا تنصب الفعل المضارع، (أنْ) المُفسِّرة و (أنْ) الزائدة. فالمُفسِّرة، أي: المُتعلِّق فِعلٍ قبلها، يعني: يأتي قبلها معمول، وهذا المعمول مُتعلِّق بالفعل، فتأتي (أنْ) مُوضِّحَة وكاشفة ومبيِّنَة ومُفسِّرة لِمَا وقع من إبهامٍ فيما قبلها، وهو معمول عاملٍ سابق. قال الرَّضي: " و (أنْ) لا تُفسر إلا مفعولاً مُقدّراً: كَتَبْت إليه (كَتَبْت) هذا يَحتمل أشياء كثيرة: كَتَبْت ماذا؟ كَتَبْت إليه أنْ قُم، إذاً: (أنْ قُم) هنا مُفسِّرة، وضَّحَت وفَسَّرت ماذا كتب إليه، كَتَبْت إليه أنْ قُم، إذاً: (أنْ) هذه مُفسِّرة، أي: كتبت إليه شيئاً هو قُم.

стр. 2233

أو ظاهراً نحو: ((إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ)) [طه: ٣٨ - ٣٩] ما هو الذي أوحي؟ ((إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى)) [طه:٣٨] الذي يوحى، أو إيِحاءاً، جعلنها مَصدريَّة أو اسم موصول، ما الذي أوحي؟ ((أَنِ اقْذِفِيهِ)) [طه:٣٩] إذاً: جاءت (أنْ) هنا مُفسِّرة، واضح أنَّ الذي أوحي هذا مُبهم، ما هو الذي أوحي؟ ((أَنِ اقْذِفِيهِ)) [طه:٣٩] إذاً: (أنْ) هذه مُفسِّرة، ولذلك بعدها: (اقْذِفِيهِ) .. (قُم) ليس فعل مضارع. ((وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ)) [الصافات:١٠٤] (يَا إِبْرَاهِيمُ) قلنا: في الأصل هذا مفعول به، إذاً: هو مُقدَّر، وضابطها: هي المسبوقة بِجملةٍ فيها معنى القول دون حروفه، ولذلك لا بُدَّ من تَحقُّق ثلاثة شروط من أجل الحكم على أنَّها مُفسِّرة: - أولاً: أن تسبقها جُملةٌ دَالةٌ على معنى القول، وليست مُشتملةً على حروفه ولا مؤولة به، يعني: ما يَدلُّ على حَدَثٍ ولم يكن ذلك الحَدَث القول أو ما يؤول إلى القول، فإن كانت القول أو ما يؤول إلى القول فالأكثر على أنَّه لَحنٌ في لسان العرب، يعني لا يُقال: قلت له أنْ قُم، هذا غلط ليس بصحيح، لماذا؟ لأنَّ (أنْ) المُفسِّرة لا تُفسِّر القول ولا ما يؤوَّل بالقول، ولذلك يُقال: بأنَّه خطأ .. أكثر النُّحاة على أنَّ هذا التركيب غلط. فلو جيء بِجملة مشتملة على صريح القول لم تحتج إلى تفسير. وأنْ تتأخر عنها جُملة، يعني: ما بعدها: ((أَنِ اقْذِفِيهِ)) [طه:٣٩] (اقْذِفِيهِ) جُملة .. (قُم) جُملة .. (نَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) قلنا: (يَا إِبْرَاهِيمُ) هذا جُملة، إذاً: لا بُدَّ أن يكون ما بعدها جُملة، فلو كان مُفرداً قالوا: لا يَصِّح أن يؤتى بـ: (أنْ) وإنما يؤتى بـ: (أيْ) المُفسِّرة، كما سبق أنَّ: (أيْ) تكون مُفسِّرة في المفردات، فتقول: اشْتريت عَسْجَداً، أي: ذهباً، هنا (أيْ) جاءت مُفسِّرة لمفرد ووقع بعدها مفرد، (ذَهباً) ليس بِجملة، وشرط (أنْ) المُفسِّرة أن يقع بعدها جملة، وهنا لم يقع بعدها جملة. إذاً: هل يَصِّح أن يُقال: اشتريت عَسْجداً أنْ ذَهباً؟! نقول: لا يَصِّح، لماذا؟ لأن (أنْ) لا يُفسَّر بها المفردات وإنما يُفَسَّر بها الجُمل، وأمَّا: اشتريت عَسْجداً أنْ ذَهباً، هذا غلط ليس بصحيح، إمَّا أنَّك تَحذفها: اشتريت عَسْجداً ذَهباً فصحيح، على أن يكون (ذَهباً) عطف بيان، أو بدل مَمَّا سبق، وأمَّا إذا أردت أن تأتي بِمفَسِّر حينئذٍ لا بُدَّ أن يكون (أنْ).

стр. 2234

ولذلك الشُّراح الغالب أنهم إذا شَرحُوا بالمعنى يقول: (يعني) ولا يأتي بـ: (أيْ) إلا إذا أراد أن يُفَسِّر مفرداً واحداً، ولذلك يقال: حكا، أو أتى بالعناية للإشارة إلى المعنى .. معنى التَّركيب، في الشَّرح إذا شرح (الألفية) أو نحوها يقول: (أيْ) وأحياناً يقول: (يعني) متى يقول (يعني)؟ إذا أراد أن يَشْرَح مُركباً .. تركيب، يعني (بيت) يقول: يعني كذا وكذا وكذا إلى آخره، وإذا أراد أن يَشْرح مُفرداً قال: (أيْ)، ولكن هذا أشْبَه ما يكون باصطلاحٍ خاص عندهم في الشُّروح، يعني: ليس على إطلاقه أن يكون موافقاً للسان العرب لا، ولذلك قد يُبدِّلون، يأتي بـ: (يعني) في المفرد، ويأتي بـ: (أيْ) في المفردات، وسبق أنَّ (أيْ) في الجمل، و (أيْ) إنما يُفسَّر بها المفردات بخلاف (أنْ). إذاً: وأن تتأخر عنها جُملة، أمَّا المفرد فيُفسَّر بـ: (أيْ) نحو: اشتريت عَسْجداً أي: ذهباً. - الثالث: ألا يدخل عليها حرف جَر لفظاً أو تَقديراً، لماذا؟ لأنها لو دخل عليها حرف جر لفظاً أو تقديراً حينئذٍ صارت مَصدريَّة، وليست بِمُفسِّرة: أشَرْت إليه بأنْ قُم، يعني: بالقيام، فـ: (أنْ) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء: أشَرْت إليه أنْ قُم، نَوَيْت الباء .. حذفتها، حينئذٍ نقول: (أنْ) هذه مَصدريَّة، يعني: مؤوَّلة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالحرف. ألا يدخل عليها حرف جَر لفظاً أو تَقديراً: كَتَبْتُ إليه بأنْ قُم، يعني: بالقيام، أو: كَتَبْتُ إليه أنْ قُم، ونَوَيْتَ الباء، كانت مَصدريَّة لا مُفسِّرة. إذاً: ضابط المُفسِّرة: هي المسبوقة بِجملةٍ فيها معنى القول دون حروفه، وأن يَتأخَّرْ عنها جُملة ولم تقترن بِجار، كما في قوله تعالى: ((فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) [المؤمنون:٢٧] الوحي فيه معنى القول دون حروفه: ((أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ)) [المؤمنون:٢٧] (اصْنَعِ) هذه جملة .. فُلْكَ، فعل وفاعل ومفعول به، و (أنْ) هذه مُفسِّرة، ولم تسبق بحرف جر، وجاء بعدها جملة. وأمَّا الزائدة فهي الواقعة بعد لَمَّا، لها ثلاثة مواضع تحكم عليها بأنَّها زائدة: - إذا وقعت بعد (لَمَّا): ((فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ)) [يوسف:٩٦] (فَلَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ) إذاً: (أنْ) هذه زائدة. - والواقعة بين الكاف ومَجرورها: (كَأَنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو) الأصل أنَّه لا يُفْصَل بين الجار والمجرور، لكن في (أنْ) التي هي الزائدة يَجوز في مواضع، (كَأَنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إِلى وَارِقِ السَّلَمْ) في رواية الجَر، (كَأَنْ ظَبْيَةٍ .. كَأَنْ ظَبْيَةٌ .. كَأَنْ ظَبْيَةً) ثلاث رِوايات (كَأَنْ ظَبْيَةٍ) بالجَر، نقول: الكاف حرف جر، و (ظَبْيَةٍ) اسم مجرور بالكاف، وجَرُّه كسرة ظاهرة على آخره، و (أَنْ) هذه زائدة، لأنَّها وقعت بين الجار والمجرور. - الثالث: تَقَع بين القَسَم و (لوْ) كقوله: فأُقْسِمُ أَنْ لَو الْتَقَيْنَا وأَنْتُمُ ... لكانَ لكمْ يَوْمٌ من الشَّرِّ مُظْلِمُ (فأُقْسِمُ أَنْ لَو الْتَقَيْنَا) وقعت (أُقْسِمُ) ثُم (لَوْ) ووقعت بينهما (أنْ)، إذاً: (أنْ) هنا زائدة لوقوعها بين القسم و (لَو).

стр. 2235

إذاً: شرط (أنْ) تكون مَصدريَّة: ألا تكون مُفسِّرة، ولا زائدة، ولا مُخفَّفَة من الثَّقيلة. حينئذٍ نقول: (أنْ) على أربعة أقسام، وهي: مصدريَّة .. زائدة .. مُفسِّرة .. مُخفَّفَة من الثَّقِيلة. ومِمَّا طرحناه يُعْلَم الفرق بينها، وأحكامها في الجملة. قال ﵀: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلاً عَلَى ... مَا أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلاَ (وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ) الأصل في (أَنْ) أن تكون مَصدريَّة ناصبة .. تنصب، هذا الأصل فيها، يعني: التي لم تُسْبَق بِعلْمٍ ولا ظَنَّ .. السابقة إذا تَعيَّن أنَّها مَصدريَّة، ليس المراد أنَّه إذا كانت مُحتَملة للغير لا، المراد: إذا تَعيَّن أنَّها مَصدريَّة، وذلك فيما إذا لم يسبقها عِلْمٌ أو ظَنٌّ بعض العرب أهملها فلم يَنْصِب بِها، لماذا؟ قياساً على (مَا) المصْدريَّة، و (مَا) المَصدريَّة سبق بيانها في الموصولات، وأنَّها تؤوَّل مع ما بعدها بمصدر. (مَا) المَصْدريَّة لا تعمل .. لا تَنْصِب، كلٌ منهما مَصْدرِي يُؤوَّل مع ما بعده بمصدر، حينئذٍ أهملت (مَا) المَصدريَّة، قياساً عليها أهملوا (أنْ) المصدريَّة. (وَبَعْضُهُمْ) أي: بعض العَرَبْ، (أَهْمَلَ أَنْ) أهملها يعني: عن العمل لم يَنْصِب بها، (أَهْمَلَ أَنْ) (أَهْمَلَ) فعل ماضي، و (وَبَعْضُهُمْ) هذا مبتدأ، (أَهْمَلَ) فعل ماضي، والفاعل ضمير مستتر يعود على المبتدأ (بَعْض) و (أَنْ) مفعولٌ به قُصِدَ لفظه، (حَمْلاً) هذا حال من فاعل (أَهْمَلَ) أهملها لماذا؟ (حَمْلاً) يعني: حاملاً لها (عَلَى مَا) المَصدريَّة (أُخْتِهَا) هذا بدل من (مَا). (حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلاَ) واجباً، وذلك إذا لم يَتقدَّمَها عِلمٌ أو ظَن، لأنها مثلها، (مَا) المَصدريَّة مثل (أنْ) المَصدريَّة، فما دام أنَّه أُعْمِلَت (أنْ) المَصدريَّة إذا لم يَتقدَّمها عِلمٌ ولا ظن، فـ: (مَا أُخْتِهَا) كاسْمها .. أختها، الأصل أنَّها تَنْصِب إذا يَتقدَّم عليها ظنٌ ولا عِلْم، لكن أهْملوها. حينئذٍ نقول: هذا تَعليلٌ فيه إشكال: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلاً عَلَى ... مَا أُخْتِهَا. . . . . . . . . . . . (حَمْلاً عَلَى) أي: بالحمل على (مَا) الحمل المراد به القياس، ولذلك تسمَّى: الحمليات هناك عند المناطقة، (حَمْلاً) أي: بالحمل (عَلَى مَا) بِجامع أنَّ كلاً منهما حرفٌ مَصدريٌّ ثُنَائي، وبعضهم أعْمَلَ (مَا) المَصدريَّة حملاً على (أنْ) المَصدريَّة، العكس يعني. (مَا) الأصل فيها عدم العمل، ولذلك الفصيح الشائع في لسان العرب: أنَّها على تعمل، (أنْ) المَصدريَّة الأصل فيها أنَّها تعمل، بعضهم أهمل (أنْ) حملاً على (مَا) وهذا قليل، وبعضهم عكس: حَمَلَ (مَا) على (أنْ) المَصدريَّة فأعملها: كما تكونوا يولَّى عليكم، هكذا أوردوه مثالاً، إذ لا يَصِّح حديثاً، كما تكونوا .. تكونون، قيل: (مَا) مَصدريَّة و (تكونوا) هذه فعل مضارع منصوب ونصبه حذف النُّون، والعامل فيهما (مَا) المَصدريَّة. إذاً: لماذا أُعمِلَت؟ حملاً على (أنْ) المَصدريَّة.

стр. 2236

(وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلاً عَلَى مَا) المَصدريَّة أُخْتِهَا، (حَيْثُ) هذا مُتعلِّق بـ: (أَهْمَلَ) أهمل (أنْ) (حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلاَ) متى تَسَتحِق العمل؟ إذا لم يسبقها علمٌ ولا ظن، ولذلك قلنا: البيت هنا يعني به: (أنْ) المَصدريَّة المتَعيِّن فيها العمل، وأمَّا التي يجوز فيها الوجهان فلا، (حَيْثُ) هذا مُتعلِّق بقوله: (أَهْمَلَ) انظر التَّعلُّق هنا يَختلف به المعنى. وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أنْ حيث استَحَقَّت عملاً واجباً، وذلك إذا لم يَتقدَّمها علمٌ أو ظن، هذا مذهب البصريين: أنَّ (أنْ) قد لا تعمل حملاً على (مَا) وأمَّا الكوفيون فهي عندهم مُخفَّفة من الثَّقيلة، يعني: إذا جاء مثل .. هو أوردوا المثال قوله: ((لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ)) [البقرة:٢٣٣] (يُتِمَّ) بقراءة ابن مُحيصن: (أنْ يُتِمُّ) إذاً: على مذهب البصريين (أنْ) مهملة حملاً على (مَا) وعلى مذهب الكوفيين لا يُجوز إهمال (أنْ)، وإنما تُجعل مُخفَّفَة من الثَّقيلة: أنْه يُتِمُّ، حينئذٍ وقع في شذوذ وهو الفاصل، لم يفْصِل بين (أنْ) والفعل، والأصل أنَّه لا بُدَّ من الفاصل .. يتَعيَّن. ولذلك قنا: إذا جعلنا (أنْ) مُخفَّفَة من الثقيلة وجب فيها أمران: الرَّفْع والفَاصِل لا بُدَّ منهما، إلا على القول بأنَّه .. ؟؟؟ فالأحسن الفصل، ليس بواجب وإنما هو مُستَحْسَن، وعليه لا شذوذ. وعلى هذا ورد قول الشَّاعر: أَنْ تَقْرَآنِ على أَسْماءَ وَيْحَكُما ... مِنِّي السَّلامَ وأَنْ لاَ تُشْعِرَا أَحَدَا لا تُخبِر أحدا .. (أَنْ تَقْرَآنِ على أَسْماءَ وَيْحَكُما) (تَقْرَآنِ) مُثنَّى و (أنْ) هذه مَصدريَّة هذا الأصل، لأنه لم يسبقها عِلمٌ ولا ظن، فتَعيَّن أنَّها مَصدريَّة، قد يقول قائل: هي مُخفَّفَة من الثَّقيلة، نقول: المُخفَّفَة الثَّقيلة ما تأتي في أول الكلام، لا بُدَّ أن يسبقها شيء، ثُم ضابطها إذا أردنا أنْ نَجْعل الأمر مُحتملاً بين اثنين رفع ونصب، حينئذٍ لا بُدَّ أن يَتقدَّمها ظنٌ، هنا لم يَتقدَّم عليها الظن، حينئذٍ نقول: (أنْ) هنا مَصدريَّة على مذهب البصريين. و (تَقْرَآنِ) هذا مرفوع ورفعه ثبوت النون، و (أنْ) هنا مُهْمَلة لم تعمل النَّصْب. والإشكال هنا أنَّه أعملها في آخر البيت: (وَأَنْ لاَ تُشْعِرا أَحَدَا) أعْمَلَ (أنْ) في الأخير وأهملها في الأول، والشاعر إذا جمع بين لغتين فإمَّا البيت مطعونٌ فيه، وإمَّا الحكم بالشذوذ، ولذلك مذهب الكوفيين أقرب هنا: أن يُقال لا بُدَّ من التأويل أو يُحكم بكونه شاذَّاً. إذاً: مذهب البصريين: أنَّه يجوز إهمال (أنْ) المَصدريَّة حَمْلاً عَلَى مَا، وظاهر كلام النَّاظِم أنَّه مقيس، يعني: ليس الحكم في المسموع فحسب: (أنْ يُتِمُّ) و (أَنْ تَقْرَآنِ) ما سُمِع نوجهه بأنَّ: (أنْ) مهملة هنا ولم تعمل النَّصب لا، قال: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلاً عَلَى ... مَا أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلاَ ولم يذكره إلا من باب التَّقعِيد والتَّأصيل، ولذلك نقول: ظاهر النَّظم هنا: أنَّ إهمالها مقيس.

стр. 2237

و (أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْماءَ) خَرَّجه الكوفيون على أنَّها مُخفَّفَة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة (تَقْرَآنِ) خَبَر، وشذَّ لتركه الفَصْل، على القول بوجوبه. إذاً: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلاً عَلَى ... مَا أُخْتِهَا. . . . . . . . . . . . . هذا على مذهب البصريين، وظاهر كلام النَّاظِم أنَّه مقيس، واستدلوا له بقوله: (أَنْ تَقْرَآنِ) .. (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ) .. أنْ تَهْبِطِينَ بِلادَ قَوْمٍ ... يَرْتَعُونَ مِنَ الطّلاَحِ ومذهب الكوفيين أقرب والله أعلم. قال الشَّارِح هنا: " يعني: أنَّ من العرب من لم يُعمِل (أنْ) النَّاصِبة للفعل المضارع، وإن وقعت بعد ما لا يدلُّ على يَقينٍ أو رجحان، فيرفع الفعل بعدها حملاً على أختها (مَا) المَصدريَّة لاشتراكهما في أنَّهما يُقدَّرَان بالمصدر، فتقول: أريد أن تقوموا، كما تقول: عجبت مِمَّا تفعلوا، و (مَا) المَصدريَّة لا عمل لها ". وَنَصَبُوا بِإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلاَ ... إِنْ صُدِّرَتْ وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلاَ أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا ... إِذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا (وَنَصَبُوا) أي: أكثر العرب - هذا على الوجوب - وأكثْر العرب يلتزم إعمال (إِذَنْ) عند استيفاء الشروط المذكورة سيأتي، والقليل منهم يلتزم إهمالها عند ذلك، أي: عند استيفاء الشروط. (وَنَصَبُوا) أي: أكثر العرب، وهو على الوجوب، (بِإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلاَ) (بِإِذَنِ) إذاً: لا بأن يُضْمَر بعدها، فـ: (إِذَنْ) هي النَّاصبة بنفسها، كما هو الشأن في (لَنْ) و (كَيْ) إذا نَصَبَت بنفسها، و (أنْ) المَصدريَّة، كذلك (إِذَنْ)، ولذلك نقول: النواصب عند البصريين أربعة: أنْ ولَنْ وإذَن وكَيْ، هذه أربعة، يعني: المراد أنَّها تنصب بنفسها. وأمَّا ما ينصب بـ: (أَنْ) مُضْمَرة فهذا ليس هو بناصبٍ في نفسه، وإنَّما هو مَظِنَّةٌ لإضمار (أنْ) جوازاً أو وجوباً بعدها، فإذا قيل: اللام .. لام التَّعليل ناصبة، ليس المراد أنَّ لام التعليل هي تنصب بنفسها على مذهب البصريين، وإنما لام التَّعليل مِمَّا يَجوز أن تدخل على الفعل المضارع في الظَّاهر .. في اللفظ، وينصب الفعل بـ: (أنْ) مضمرةً بعد اللام. حينئذٍ ليس كل حرفٍ تدخل أو تُضْمِر (أنْ) لا، المراد ثَمَّ مواضع محصورة إذا أردت إضمار (أنْ) فتضمرها بعد هذه الحروف، لأنَّها في الأصل إمَّا حرف جر، وإمَّا حرف عطف، حرف جر: كلام التَّعليل: لِتبَيِّن له .. لأن تُبيِّنَ، فاللام ليست هي العامل كما سيأتي. إذاً: (بِإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلاَ) (إِذَنْ) أصلها ساكن، لا بـ: (أنْ) مضمرة بعدها، ثُم ذَكَر الشُّروط ليست مُطلقاً، وإنَّما إذا كان الفعل بعدها مُستقبلاً وصُدِّرَت والفعل موصلاً أو قبله اليمين، يعني: يُشتَرط أن يكون الفعل مُتَّصلاً بها ليس منفصلاً.

стр. 2238

اختلف في (إِذَنْ) هل هي حرفٌ أم اسمٌ؟ والصَّحِيح الذي عليه الجمهور أنَّها حرفٌ، وذهب بعض الكوفيين إلى أنَّها اسمٌ -ليس منسوباً لجميعهم- والأصل على كلامهم في: إذَنْ أكرمَك إذا جِئتني أكرمَك، ثُم حذفت الجملة وعُوِّضَ عنها التنوين وأضمرت (أنْ)، إذا كانت اسم حينئذٍ لا تكون عَاملةٌ النَّصْب، وإنما يكون النَّصب بعدها بـ: (أنْ) مُضمرةً: إذَنْ أكرمَك، (إذن) التنوين هنا عُوِّض عن الجملة، إذ جئتني أكرمك، فحذفت جئتني، فقيل: إذَنْ أكرمك، فالنصب حينئذٍ لا يكون بـ: (إِذَنْ) وهذا تَكَلُّف، والصواب: أنَّها حرف، وأنَّها ناصبةٌ بنفسها، لأن هذا كله ليس عليه دليل. إذاً: الصواب أنَّها حرف، وعلى أنَّها حرف هل هي بسيطة أو مُركَّبة؟ الصَّحيح أنًَّها بسيطة .. دائماً أرجح أنا أنَّها بسيطة، إلا إذا ورد في لسان العرب في الشِّعْر مثلاً ما يدلُّ على أصلها أنَّها مُركَّبة حينئذٍ نُسَلِّم، وإلا كل خلافٍ فرجح مباشرةً أنَّها بسيطة. وعلى أنَّها حرفٌ فالصحيح أنَّها بسيطة لا مُركَّبة مِن: (إذْ وأنْ) نُقِلَت حركة الهمزة إلى الذَّال ثُم حذفت. أبو حيَّان يأتي ببعض المسائل لسيبويه يَردُّه ويقول: هذا مِمَّا يَحتاج إلى وحْيٍ يكشف عنه، يعني: هذا قول في الذِّهْن فقط، لماذا؟ لأنه إذا قيل: أصلها: (إذْ أنْ) من أين هذا؟ من قال لك أنَّ العَرَبي أصلاً نَطَق بهذه الكلمة أو الواضع -وخاصةً إذا قلنا: الواضع هو الله أنَّه وضعت أولاً: (إذْ أنْ) ثُم حذفت الهمزة تَخفِيفاً، ثُم إلى آخره، ما الدَّليل؟ والغريب أنَّه يقول مثل هذا الكلام، وأكثر النَّحو على أنَّه يحتاج إلى وحي، أكثر التَّعليل يحتاج إلى وحيٍ يَكشف عنه، ليست هذه المسألة، لكن بعض النَّاس إذا رد مسألة هكذا قد يأتي بقاعدة صحيحة، وقد يقع هو فيما يُضاد هذه القاعدة. إذاً: الصواب أنَّها بسيطة لا مُركَّبة من (إذْ وأنْ) فنقلت حركة الهمزة إلى الذَّال ثُم حذفت، وهذا قول الخليل، وعلى أنَّها بسيطة فالصحيح أنَّها النَّاصبة بنفسها لا (أنْ) مُضمرةً بعدها، والقائل بالتركيب يَجعل النَّصب بـ: (أنْ) المُشتملة عليها (إِذَنْ) لأن أصلها: (إذْ أنْ) (أنْ) هي النَّاصِبة، فحُذِفَت الهمزة فقيل: (إِذَنْ) (إذْ أنْ) حذفت الهمزة وألقيت حركتها إلى الذَّال فقيل: (إِذَنْ). إذن أكرمك، أين النَّاصب؟ (أنْ) الملفوظ بها، أين الملفوظ بها؟ النون فقط، والهمزة حذفت لإبقاء حركتها على ما قبل، وكذلك على مذهب بعض الكوفيين: أنَّها اسمٌ لا تكون ناصبةً بنفسها، وإنما تكون بـ: (أنْ) مضمرة وجوباً، إذاً: الصواب أنَّها ناصبةٌ بنفسها، لأن (إِذَنْ) لا تضمر إلا بعد عاطفٍ أو جار، يعني: (أنْ) المَصدريَّة لا تضمر كما سيأتي إلا بعد اثنين: إمَّا حرف عطف كـ: حتَّى، وأو، أو حرف جر، كـ: حتَّى التي تكون جارَّة، وبعد اللام مثلاً، وكل المواضع إمَّا حرف عطف وإمَّا جار، يعني: إمَّا أن يكون حرف جر كاللام، أو حرف عطف كالفاء .. فاء السَّببيَّة .. واو المعيَّة .. وأو، وحتى، في بعض المواضع. إذاً: (أنْ) لا تكون مضمرةً إلا بعد عاطف أو جار.

стр. 2239

ومذهب الخليل أنَّ النَّصب بـ: (أنْ) مضمرةً بعدها، لعدم اختصاصها بدخولها على الجملة الاسمية، يعني: كونها غير مُختصَّة، حينئذٍ لا تكون عاملةً النَّصب، نَحو: إذَنْ عبد الله يأتيك. على كلٍ: الصواب أنَّها عَمِلَت النَّصب بنفسها لا بـ: (أنْ) مضمرةً بعدها، وأنَّها حرفٌ، وأنَّها بسيطةٌ، هذا الصحيح فيها. أمَّا معناها: فهي عِند سيبويه الجواب والجزاء يعني: تدلُّ على الجواب والجزاء، الجواب يعني: لا تقع ابتداءً: آتيك .. سأزورك إذن، لا بُدَّ أن يكون قبلها كلام، فتكون جواباً، والجزاء يعني: تعليق شيءٍ على شيء، آتيك .. سأزورك، نقول: إذن أكرمك. إذاً: كونها مسبوقة بكلامٍ: سأزورك، ووقعت في الجواب، وكون الإكرام مرتَّب على الزيارة هذا معنى الجزاء، لأن الجزاء تعليق شيءٍ على شيء آخر، إذاً: معناها الجواب والجزاء، أي: ربط الجواب بالجزاء. والجواب أي: كلام آخر ملفوظ أو مُقدَّر، سواء وَقَعَت في الصدر أو الحشو أو الآخر، يعني: مُطلقاً تكون للجواب والجزاء. والجزاء أي: المجازاة بمضمون كلامٍ آخر، يعني: ترتيب شيءٍ على شيءٍ آخر. قال الشَّلُوبِين: " في كل موضعٍ " يعني: تكون للجواب والجزاء في كل تركيب البَتَّة، لا تنفك عن هذا المعنى مُطلقاً، وقال الفارسي في الأكثر، وقد تَتَمَحَّض للجواب، يعني: قد لا يُراد بها الجزاء، مَحلُّ الخِلاف في الجزاء، أمَّا وقوعها جواباً، فهذا مَحلُّ وفاق. مذهب سيبويه أنَّ (إِذَنْ) تكون بِمعنيين: جوابٌ وجزاء، الشَّلُوبِين يقول: في كل موضع تكون للشيئين الاثنين، وقال الفارسي: لا، قد تكون للجواب .. تَتَمحَّض للجواب، ولا يكون فيه جزاء، بدليل أنَّه يُقال: أحبك، أحبك هذا كلام، فتقول: إذن أظنُّك صادقاً، جواب؟ نعم جواب، جزاء؟ ليس بِجزاء. إذاً: قد تَتَمحَّض للجواب ولا يكون فيه جزاءٌ البَتَّة، إذ لا مجازاة هنا، لأن الشَّرط والجزاء إمَّا في الاستقبال أو في الماضي، ولا مدخل للجزاء في الحال: إذن أظنُّك صادقاً، يعني: الآن وقت كلامك هذا ليس بدعوى .. يدعي ممكن يُحبك وهو يكنُّه عليك، إذن أظنُّك صادقاً، إذاً: في هذا الحال أنت صادقٌ .. في هذا الزمان، والشرط إنما يكون في المستقبل أو في الماضي، ولأن ظن الصدق لا يصلُح جزاءً للمحبة، هذا معناها. إذاً: الصواب مذهب الفارسي: أنَّها قد تَتَمحَّض للجواب ولا يكون ثَمَّ جزاء إلا أنَّ الأكثر أن تكون للجواب والجزاء، واختلف في لفظها عند الوقف، الصحيح أن نونها تبدل ألفاً، لو وقف عليها: إذا، ولا تقف عليها بالنون، تشبيهاً لها بتنوين المنصوب: رأيت زيدا .. رأيت زيداً، تقف عليها بالألف، لو وقفت على: (إِذَنْ) تقف عليها بالألف. وهذا في غير القرآن، أمَّا فيه فيوقف عليها وتكتب بالألف إجماعاً، لأن هناك شيء خاص .. المصحف العثماني، أمَّا في غيره فلا، وقيل: يوقف بالنون لأنَّها كنون (لنْ) و (أنْ)، (إِذَنْ) .. إذا.

стр. 2240

إذاً: قولان: تقف عليها بالألف تشبيهاً لها بالتنوين في حالة النَّصب (إذا) وقيل: تقف عليها بالنون: (إِذَنْ)، وقيل: ينبغي أن يكون الخلاف في الوقف عليها مبنياً على الخلاف في حقيقتها، فعلى أنَّها حرف يوقف عليها بالنون، إذا قال: حرف وقف عليها بالنون، وعلى أنَّها اسمٌ منوَّن يوقف عليها بالألف، وينبني على هذا الخلاف خلافٌ في كتابتها، ثَمَّ خلافٌ في اللفظ، وثَمَّ خلافٌ في الكتابة، والجمهور يكتبونها بالألف، وكذا رُسِمَت في المصاحف، والمازِنِي والمُبَرِّد بالنون، وعزاه أبو حيَّان للجمهور، يعني: تكتب بالألف، وقيل: تكتب بالنون. والأحسن أن يُقال بالتَّفريق، وهو أنَّها إن أُعمِلَت كتبت بالنون، وإن أُهْمِلت كتبت بالألف وهو مذهب الفَرَّاء، وعن الفرَّاء: إن أُعْمِلَت كتبت بالألف، وإلا كتبت بالنون للفرق بينها وبين (إذا) وهذا أضبط وأحسن. إذاً: المسألة خِلافيَّة، هل تكتبها بالنون أو تكتبها بالألف، نقول: إن أُعمِلَت كتبت بالنون، وإن لم تُعمل كُتِبت بالألف، ولو رُجِّح أنَّها كتبت بالنون مُطلقاً أو بالألف مُطلقاً الأمر فيه سَعَة ليس فيه توقيف. وحكا سيبويه وعيسى ابنُ عمر: أنَّ من العَرَب من يلغيها مع استيفاء الشُّروط وهي لغةٌ نادرة، ولكنَّها القياس لأنها غير مُختصَّة، وإذا لم تكن مُختصَّة فالقياس أنًّها لا تعمل هذا الأصل فيها، وإنَّما أعملها الأكثرون حملاً على ظَنَّ، لأنها مثلها في جواز تقدُّمِها على الجملة وتأخُّرها عنها، وتوسطها بين جزئيها كما حُملت (مَا) على (ليس) لأنها مثلها في نفي الحال. إذاً: (وَنَصَبُوا بِإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلاَ) قلنا: أكثر العرب، بناءً على أنَّ الأصل إذا أُعْمِلَ الشيء بقي على ما هو عليه، وخاصةً إذا استوفى شروطه، حكا عيسى ابن عمر، وكذلك سيبويه: أنَّ من العرب مع استيفاء الشُّروط .. لأن الخلاف فيما إذا استوفت الشُّروط، إذا انتفى بعض الشُّروط لا إشكال أنَّها لا تعمل، إذا استوفت الشُّروط حينئذٍ فيه لُغيَّة، أنَّها لا تعمل فيجب إهمالها. إذاً: أكثر العرب يلتزم إعمال (إذَنْ) عند استيفاء الشُّروط، والقليل منهم يلتزم إهمالها عند ذلك. (وَنَصَبُوا بِإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلاَ) يعني: لا بـ: (أنْ) مُضْمَرةً بعدها، (الْمُسْتَقْبَلاَ) الألف هذه للإطلاق، فهم منه أنَّه إذا كان حالاً وجب رفعه، يعني: لا يُنصب الفعل بعدها إلا إذا كان مستقبلاً، فإن كان للحال حينئذٍ وجب رفعه. أنْ يكون الفعل مستقبلاً، فيجب الرَّفع في: إذَنْ تصدق، جواباً لمن قال: أنا أحبك، قال: إذَنْ تصدق، متى تصدق؟ الآن في هذه الدعوى .. الأصل أنَّها دعوى فصَدَّقه، قال: أنا أحبك، قال: إذَنْ تصدق يعني: الآن في كلامك هذا أنت صادق. إذَنْ تصدق، هذا للحال أو المستقبل؟ للحال، وجب رفعه لتَخلُّف الشَّرط الأول، وهو أن يكون الفعل المنصوب بها مستقبلاً، لأنه حالٌ، ومن شأن النَّاصِب أن يُخلِّص المضارع للاستقبال، النَّواصب كلها الأربعة تُخلِّص الفعل من الحال إلى الاستقبال.

стр. 2241

إذاً: اشترطنا هذا الشَّرط: كونه مستقبلاً موافقةً للمعنى، يعني: طلباً لموافقة المعنى للعمل، لأن العمل هو النَّصْب والدخول على الفعل المضارع، إجراءً لها مُجرَى سائر النَّواصِب، وإنَّما لم تعمل النَّواصب في الفعل الحال، لأن له تَحققاً في الوجود، كالأسْماء فلا تعمل فيه عوامل الأفعال، يعني: أنَّ (أنْ) تُخلِّص الفعل المضارع من الحال إلى الاستقبال، فإذا كان كذلك حينئذٍ الحال له تَحقُّق في الوجود .. موجود هذا الأصل، و (أنْ) وأدوات النصب تعمل في شيءٍ لم يوجد بعد: عجبت أن سيقوم، يعني: في المستقبل، مثل السين وسوف. إذاً: (وَنَصَبُوا بِإِذَنِ الْمُسْتَقْبَلاَ) فُهِمَ منه أنَّه إذا كان حالاً انتفى، (إِنْ صُدِّرَتْ) هذا الشرط الثاني، الشرط الأول: أن يكون مستقبلاً، فإن كان للحال بَطَل عملها، لأنها لم تستوف الشَّرط. (إِنْ صُدِّرَتْ) يعني: وقعت صَدراً في أول الكلام، فإن وقعت ثانيةً في حَشْو الكلام أو متأخرةً لا تعمل النصبَ، ويجب حينئذٍ رفع الفعل. فُهم منه: أنَّها إذا لم تُصدَّر، وذلك إذا تَوسَطَت: زيدٌ إذَنْ أكرمُك، قال: سأزورك وهو اسمه زيد .. زيدٌ قال لك: سأزورك، فتقول: زيدٌ، أو: زيدُ إذَنْ أكرمُك، توسطت هنا، حينئذٍ نقول: الفعل يجب أن يكون مرفوعاً بعده لعدم استيفاء الشَّرط. (إِنْ صُدِّرَتْ) أن تكون مُصدَّرة، أي: في جملتها بحيث لا يسبقها شيءٌ له تَعلُّقٌ بما بعدها، وإنما لم تعمل غير مُصدَّرة لضعفها بعدم تصدرها عن العمل، لأنها تقع جواباً كما قلنا في المعنى، وإذا كانت جواباً حينئذٍ لا بُدَّ أن تكون في أول الكلام، فإذا لم تكن كذلك ضَعُفَت، لأننا إذا اشترطنا الشيء تَخلُّفه يدلُّ على ضعفه، حينئذٍ ضَعُفَت فبطل عملها. ألا تكون مُصدَّرة، فإن تأخَّرَت نَحو: أكرمُك إذَنْ .. أهمِلت، وكذا إن وقَعَت حْشواً، كقوله: (وأَمْكَنَنِي فِيْها إِذَنْ لاَ أُقِيلُها) نقول: هنا وقعت حَشْواً، حينئذٍ بَطَلَ عملها، (إِنْ صُدِّرَتْ) يعني: وقعت في أول الكلام، فإن وقعت حَشواً أثناء الكلام أو متأخرةً بطل عملها لضعفها. (وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلاَ) (وَالْفِعْلُ) مبتدأ، (بَعْدُ) هذا مُتعلِّق بِمحذوف خبر، (مُوصَلاَ) حال من الضمير المستتر في الخبر، والفعل كائنٌ بعدها موصلاً، هذا تقدير الكلام، (وَالْفِعْلُ) مبتدأ (كائنٌ) خبرها (بَعْدُ) بعدها، حذف هنا الضمير ونوى معناه: بعدها، فبنيت (بَعْدُ) على الضَمِّ، (مُوصَلاَ) بِها، يعني: مُتَّصلاً بها، لا يفصل بينها وبينه فاصل، لأنها عَمِلَت بالفَرْعيَّة، وإذا عملت بالفرعيَّة حينئذٍ يشترط في معمولها أن يكون مُتَّصلاً بها، إلا ما سُمِع في لسان العرب. (أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ) يعني: يجوز الفَصْل بينها وبين معمولها، باليمين يعني: بالقَسْم، لأنه سُمِع، وما لم يُسمع لا يقاس على ما سُمِع، لأن القَسَم هذا له معاملة خَاصَّة.

стр. 2242

(أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ) (أَوْ) هذا حرف عطف، و (قَبْلَهُ الْيَمِينُ) إمَّا معطوفٌ على (بَعْدُ) و (الْيَمِينُ) فاعل الظَّرْف لاعتماده على المبتدأ، هذا عند المُدَقِّقِين، (قَبْلَهُ الْيَمِينُ) اليمين قبله .. اليمين يكون فاعلاً لأي شيء؟ للظرف (بَعْدُ) وسَبَق أنَّ ابن هشام يرى أنَّ المُحقِّقِين يرون أنَّ الاسم المرفوع بعد الظرف أو الجر والمجرور أن يُعرف فاعلاً بالظَّرْف نفسه، يعني: عندك زيدٌ (زيدٌ) فاعل لـ (عند) في الدار زيدٌ، (زيدٌ) فاعل لقوله: في الدار، لأن العامل .. مُتعلِّق الجار والمجرور والظرف حذف، وفيه ضمير مُستَكِن انتقل إلى الظرف والجار والمجرور. على كلٍّ: هذا مثله: أو بَعْدُ اليمين، (اليمين) فاعل، والعامل فيه الظرف لاعتماده على المبتدأ، أو مبتدأ مؤخَّر وقَبْلَهُ خبر مُقدَّم، يعني: هذا سهل، (أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ) (الْيَمِينُ) مبتدأ مؤخر و (قَبْلَهُ) مُتعلِّق بمحذوف خبر مُقدَّم، هذا واضح، أمَّا الأول يحتاج. (أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ) يعني: أن يَفْصِل بينهما اليمين الذي هو القَسَم، لوروده سَمَاعاً: إِذَنْ وَاللهِ نَرْمِيَهُمْ بِحْربٍ ... تُشِيبُ الطَّفْلَ مِنْ قَبْلِ المَشِيبِ (إِذَنْ وَاللهِ نَرْمِيَهُمْ) (نَرْمِيَ) فعل مضارع منصوب، والناصب له هنا (إِذَنْ) وفصل بين العامِل (إِذَنْ) والمعمول (نَرْمِيَ) بالقسم، وهو جائزٌ لأنه مسموع. إذاً: إذا فصل بينها وبينه بالقسم نَصَبْتَ: إذن والله أكرمك، لأن القَسَم لا يُعتد به فاصلاً، لكثرة الفَصْل بين شيئين مُتلازمين كالمتضايفين. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . وَالْفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلاَ أَوْ قَبْلَهُ الْيَمِينُ. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذاً: لا يستثنى إلا اليمين .. إلا القسم، وما عداه فالأصل لا بُدَّ من اتصال العامل بالمعمول، لأن (إِذَنْ) عملها فرعي، وإذا كان كذلك حينئذٍ تضعف عند عدم استيفاء الشُّروط. إذاً: ألا يفصل بينها وبين منصوبها فاصلٌ إلا ما استثناه النَّاظِم، وذلك نَحو أن يُقال: أنا آتيك، فتقول: إذن أكرمَك، فلا يُفصَل إلا بالقسم فقط، وأمَّا بغير القسم فهذا نقول: فيه خلاف، وكذا بـ: (لاَ) النَّافيَّة عند بعضهم، يعني: يفصل بين (إِذَنْ) والفعل المضارع بـ (لاَ) النَّافيَّة، لأن القَسَم تأكيدٌ لربط (إِذَنْ) و (لاَ) لم يُعتَدَّ بها فاصلةً في (أنْ)، فكذا في (إِذَنْ). سَبَق أنَّ (أنْ) إذا فَصَل بينها وبين مدخولها (لاَ) قلنا: لا يُعتدُّ بكونه فاصلاً: ((وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ)) [المائدة:٧١] بالنَّصْب، حينئذٍ (لاَ) هنا وقعت فاصلةً بين العامل والمعمول، هل هو مؤثِّر في عدم الفصل؟ الجواب: لا، إذاً: مِثلُها (إِذَنْ)، لكن قد يُقَال: القياس فيه نظر، ووجهه: أنَّ (أنْ) هذه أمُّ الباب، وسبق أنَّ أمَّ الباب هذه يُتسامَح فيها ما لا يُتسامح مع غيرها، فإذا وقع فَصْلٌ بـ (لاَ) ومعلوم أنَّ النَّفي إنَّما يكون داخلاً في مفهوم الفعل، حينئذٍ قد يُتَسامَح في (أنْ) وأمَّا (إِذَنْ) فهذا فيه نظر.

стр. 2243

وأجاز بَعضهم الفَصْل بالنداء والدعاء: إذن يا زيدٌ أكرمك، بالنَّصب مع كونه فاصلاً هنا بين (إِذَنْ) والفعل المضارع، لكنَّه وقع بالدعاء، لكثرته في لسان العرب، والصواب: أنَّه إن وَرَدَ سَماعاً فعلى العين والرأس، وإلا فالأصل عدم القياس، فكذلك الدعاء: إذن غفر الله لك أكرمَك .. سأزورك إذن أكرمَك .. إذن غفر الله لك، هذه جملة خبرية لفظاً، إنشائيةٌ معنىً، دعاءٌ له بالمغفرة. وابن عصفور أجاز الفصل بالظرف، لأنه يُتوسَّع في المجرورات والظروف ما لا يُتوسَّع في غيرها، وأجاز الكِسَائي وهشام الفصل بِمعمول الفعل، والاختيار حينئذٍ عند الكِسَائي النَّصب، وعند هشام الرَّفع، الصواب أنه يُقال: لا فَصْلَ إلا بِمسموعٍ إن سُمِعَ كالقسم يفصل وإلا فالأصل المنع، لأن العامل يُشْتَرط فيه أن يكون مُتَّصِلاً بِمعموله، وهنا ليس الشأن في الفعل، الفعل أصلٌ في العمل، وأمَّا الحروف فلا، فهي ضعيفة. إذاً: بهذه الشُّروط الثلاثة حينئذٍ نقول: هل يَجب النَّصب، أو يَجوز؟ الظَّاهر أنَّه يَجب، وأمَّا لغة بعضهم مع استيفاء الشُّروط هذه لغةٌ خَاصَّة، أمَّا من نَصَبَ بها فيجب إذا استوفت الشُّروط أن يُنْصَبَ بها، وأمَّا من ألغاها مع استيفاء الشُّروط أولاً: هي لغة قليلة حكاها سيبويه وعيسى ابن عمر. وثانياً: هذا في لغته، وسبق بالأمس: أنَّ الاختلاف بين اللغات اختلاف تَنوع، حينئذٍ قد يَجب النَّصب في لغة كذا، ولا يَجب في كذا، ولذلك نقول: البناء والإعراب ضِدَّان، وسبق أنَّ (حذامِ) مبنيةٌ عند الحجازيين، معربة عِند بني تميم .. عند أكثرهم، وهذا تضاد .. تناقض، لو حملناه في لغةٍ واحدة، قلنا: عند الحجازيين مبنية معربة صار تناقضاً، وأمَّا باعتبار لغتين فلا إشكال، إذاً: هي مبنيَّةٌ عند الحجازيين ولا يَجوز أن تُعرب .. إذا كان حجازي يَتكلَّم بلغته فلا يَجوز أن يُعرب (حَذَامِِ) إلا إذا قال: أنا أرجع إلى لغة تميم، وكذلك التميمي. حينئذٍ نقول: هاتان لغتان في كل لغةٍ يَجب التزام ما هو عليه، فلا يَتكلَّم بلسان الحجازيين فيُعرب (حَذَامِ) ولا يَتكلَّم بلسان التميميين فيبني (حَذَامِ) حينئذٍ نقول: هذا تعارض. هنا كذلك: إذا اسْتَوْفَت الشُّروط عند من ينصبها وجب النَّصب في لغته ولا يجوز الرَّفْع، ومن لم ينصب بها حينئذٍ لا إشكال استوفت الشُّروط أو لم تَسْتَوفِ الشُّروط، فإذا استوفت الشُّروط هي غير ناصبة، فمن باب أولى إذا لم تَسْتَوف. . . . . . . . . . وَانْصِبْ وَارْفَعَا ... إِذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا هذا استثناء من قوله: (إِنْ صُدِّرَتْ) إن وقع قبلها الواو أو الفاء، هل تخرجها عن كونها مُصدَّرة أم لا؟ النَّاظِم هنا جَوَّز لَمَّا سبق (إِذَنْ) الواو والفاء .. جَوَّز لك الوجهين، (وَانْصِبْ وَارْفَعَا) وارفعنْ، أكَدَّ لك الرَّفْع بالنون المُخفَّفَة فدل على أنَّه أرجح، دائماً هو إذا قَدَّم فما قَدَّمه هو أرجح، ولكن هنا آخَّرَ الرَّفْع وهو أرجح، لكنَّه عَوَّضَك عن التَقديِم بالتأكيد وقال: (وَانْصِبْ وَارْفَعَاً) إذاً: الثَّاني مؤكَّد والأول مُقدَّم.

стр. 2244

إذاً: هل المُقدَّم مُقدَّم؟ لا، نقول: هنا المؤخَّر مُقدَّم بدليل توكيده بالنون الخفيفة، (وَانْصِبْ وَارْفَعَا) إذاً: يَجوز فيه الوجهان، وإنما جاز النَّصْب والرَّفْع إذا تَقدَّمت عليه الواو، لو قال له: سأزورك، تقول له: وإذَنْ أكرمَك، أتى بالواو: فإذاًَ أكرمَك، أتى بالفاء، حينئذٍ يَجوز الوجهان، فإذاً: أكرمُك بالرَّفْع، وإذاً: أكرمَك بالنَّصب .. وإذَن .. فإذَنْ، مع الواو والفاء نقول: يجوز فيه الوجهان، لم جاز الوجهان؟ وإنما جاز النَّصْب والرَّفْع لأنك عَطَفَت جملةً مُستقلة على جُملةٍ مُستقلة، فمن حيث كون (إِذَنْ) في ابتداء جملة مستقلة هو مُتصدِّر، فيجوز انتصاب الفعل بعده، ومن حيث كون ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط حرف العطف بعض الكلام ببعض هو مُتوسِّط، وإلغاؤها أجْوَد، لأنها غير مُتصدِّرة في الظَّاهر، يعني يقول لك: إذا قلت: وإذَنْ أكرمُك، لك نظران: إمَّا أن تنظر إلى (إِذَنْ) وهي مسبوقة بالواو فهي غير مُتصدِّرة فترفعها، وإمَّا أن تنظر إلى حرف العطف فقط، فتقول: هنا عطف جملة على جملة، وما بعد حرف العطف فهو مُتصدِّر في تلك الجملة المُستقلِّة فيما بعد الحرف، حينئذٍ إذا عطفت جملة مستقلة على جملة مستقلة نظرت إلى العاطف فقط، وكونه ربط بين جملتين، لا نظر لك إلى (إِذَنْ) فصارت (إِذَنْ) حينئذٍ مُتصدِّرة، وإذا نظرت إلى (إِذَنْ) نفسها وكونها مسبوقة بحرف العطف فهي غير مُتصدِّرة، وأيهما أظهر وأقرب إلى الذِّهْن؟ الأقرب أنَّها ليست مُتصدِّرة، لأن الواو ملفوظٌ بها، الأصل أن تقع جواباً: إذَنْ أكرمك، فذا قلت: وإذَنْ، واضح أنَّها معطوفة على ما قبلها. فـ: إذَنْ أكرمَك، لم تقع مُصدَّرة في أول الكلام، ولذلك كان إلغاؤها بهذا الاعتبار أجوَد، لأن القول بأنَّ عطف جملة مستقلة على عطف جملة مستقلة هذا فيه نوع تَكلُّف، ولَمَّا جاء الوجهان تَكلَّفوا ما ذكروه. إذاً: إلغاؤها أجْوَد، لأنها غير مُتصدِّرة في الظَّاهر، هذا هو الظَّاهر، أنت تلفظ بالواو قبل (إِذَنْ) ونحن اشترطنا أن تكون مُتصدِّرة أول ما تنطق بـ (إِذَنْ) فقط، فإذا قَدَّمت الواو أو الفاء حينئذٍ صارت غير مُتصدِّرة، ويشير إلى رجحانه قوله: (وَارْفَعَا) بنون التوكيد الخفيفة المبدلة ألفاً. . . . . . . . . . وَانْصِبْ وَارْفَعَا ... إِذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا (وَقَعَا) الألف هذه للإطلاق. قال الشَّارِح هنا: " فلو كان الفعل بعدها حالاً لم ينصب، نَحو أن يُقال: أحبُك، فتقول: إذَنْ أظنُّكَ صادقاً، فيجب رفع أظن، وكذلك يجب رفع الفعل بعدها إن لم تَتَصدَّر، زيدٌ إذَنْ يكرمك، فإن كان المُتقدِّم عليها حرف عَطفٍ جاز في الفعل الرَّفْع والنَّصْب، نَحو: وإذَنْ أكرِمُك بالرَّفْع، وأكرِمَك بالنَّصْب. وكذلك يجب رفع الفعل بعدها إن فُصِلَ بينها وبينه، نَحو: إذَنْ زيدٌ يكرمُك، ولذلك قرئ في الشاذ: ((وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ)) [الإسراء:٧٦] وكذلك قرئ: ((فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً)) [النساء:٥٣] (لا يُؤْتُوا) بالنَّصب، لكنه هذا في قراءة على الشاذ .. على الإعمال، والغالب الرَّفْع على الإهمال وبه قرأ السَّبْعة.

стр. 2245

إذاً: النَّاصب الرَّابع (إذَنْ) وشَرَط له: - أن يكون ناصباً للفعل المستقبل. - وأن تكون مُصدَّرة. - والفعل متصل بها. - ولا يفصل سَماعاً إلا باليمين، ثُم إذا تَقدَّم عليها رافع عطف، وهنا أطلق النَّاظِم: (مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ) والصواب أنَّه لا بُدَّ من تقييده، لأنه يُوهم أنَّ غَيْر الواو والفاء كذلك، بل الصواب أنَّه لو وقع قبلها غير الفاء والواو بَطَل عملها، وأمَّا إذا تَقدَّمها واو أو فاء حينئذٍ جاز فيه الوجهان. . . . . . . . . . وَانْصِبْ وَارْفَعَا ... إِذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا ثُم قال: وَبَيْنَ لاَ وَلاَمِ جَرٍّ الْتُزِمْ ... إِظْهَارُ أَنْ نَاصِبَةً وَإِنْ عُدِمْ لاَ فَأَنِ اعْمِلْ مُظْهِرَاً أَوْ مُضْمِرَاً ... وَبَعْدَ نَفْيِ كَانَ حَتْمَاً أُضْمِرَا كَذَاكَ بَعْدَ أَوْ إِذَا يَصْلُحُ فِي ... مَوْضِعِهَا حَتَّى أَوِ الاَّ أَنْ خَفِي وَبَيْنَ لاَ وَلاَمِ جَرٍّ الْتُزِمْ ... إِظْهَارُ أَنْ نَاصِبَةً. . . . . . (إِظْهَارُ أَنْ نَاصِبَةً بَيْنَ لاَ وَلاَمِ جَرٍّ الْتُزِمْ) (بَيْنَ) هذا منصوب على الظَّرفيَّة مُتعلِّق بقوله: (الْتُزِمْ) وهو مضاف و (لاَ) قُصِد لفظه مضاف إليه، (وَلاَمِ جَرٍّ) قُصِد لفظه مضاف إليه، (وَبَيْنَ لاَ وَلاَمِ جَرٍّ) بالنَّصب، (الْتُزِمْ) هذا فعل ماضي مُغيَّر الصِّيغَة، (الْتُزِمْ إِظْهَارُ أَنْ) إذاً: (الْتُزِمْ) هذا مُغيَّر الصِّيغة، ونائب الفاعل (إِظْهَارُ أَنْ) (إِظْهَارُ) هو نائب فاعل وهو مضاف، و (أَنْ) قُصِد لفظه مضافٌ إليه، (نَاصِبَةً) هذا حال مؤكدة من المضاف إليه وهو (أنْ) .. (أَنْ نَاصِبَةً) وإنما نَصَّ عليه مع كون الكلام في (أنْ) النَّاصِبة، لماذا؟ لأنَّه يَحتمل، لَمَّا فُصِل بينها وبين معمولها بـ: (لاَ) يَحتمل أنَّها ليست هي النَّاصبة، أتى به مع علمه من كون الكلام في (أنْ) النَّاصِبة دفعاً لتوهُّم إهمالها لفصلها من الفعل بـ: (لاَ) أنَّها ليست هي النَّاصِبة بل غيرها، مثل: ((أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ)) [طه:٨٩] حينئذٍ نقول هنا: وقعت (لاَ) فاصلة، قد يُتوهَّم أنَّ (لاَ) أبطلت عمل (أنْ) والصواب أنَّها نَاصبة كما هي. إذاً: (الْتُزِمْ إِظْهَارُ أَنْ نَاصِبَةً) (أنْ) بعد (لاَ) على ثلاثة أضْرُب: - الأول: أنَّه يَجب إظهارها، وذلك مع المقرون بـ: (لاَ) كراهة اجتماع الَّلامين، يعني: إذا جاء بعد (أنْ) (لاَ) وجب إظهار (أنْ): ((لِئَلَّا يَكُونَ)) [النساء:١٦٥] أصلها: لأن لا يكون، وجب إظهار (أنْ) هنا ولا يَجوز إضمارها: (لِئَلَّا يَكُونَ) هذا النوع الأول. - الثاني: وجوب إضمارها، وذلك بعد لام الجحود، وهو الذي عناه بقوله: (وَبَعْدَ نَفْيِ). - الثالث: جواز الوجهين. إذاً: (أنْ) المَصدريَّة مع (لاَ) .. مع اللام على ثلاثة أضْرُب: - وجوب الإظهار، وذلك إذا فَصَلَ بينهما (لاَ) النَّافيَّة: وَبَيْنَ لاَ وَلاَمِ جَرٍّ الْتُزِمْ ... إِظْهَارُ أَنْ نَاصِبَةً. . . . .
следующие страницы →