Полный текст (2 939 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
حينئذٍ ذكر (ذا) (أل) التي للمح الصفة وحذفها باعتبار التعريف سيان، لا فرق بينهما، وأما باعتبار لمح الوصف، المعنى الذي دلت عليه حينئذٍ نقول: لا، ثَم فرق بينهما، فذكر (أل) له معنى قد لا يدل عليه حذفها.
فَذِكْرُ (ذَا) أي: (أل)، والمعنى أنه سيانِ، أي: لا يفيد تعريفاً، هكذا نفسر كلام الناظم، وهذا هو الظاهر، ولا نتحامل عليه.
أنه (سيانِ) أي: لا يفيد تعريفاً سواء ذُكرت (أل) أم لا، أما من ناحية المعنى ففيها معنى وهو: ملاحظة الأصل، وإنما المنفي هنا هو التعريف، وليس المعنى الذي دلت عليه (أل) السابقة. فذكر (ذا) (أل)، وحذفه (أل)؛ سيانِ بالنسبة للتعريف لا مطلقاً.
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ ... مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالعَقَبَةْ
وَحَذْفَ أَلْ ذِي إِن تُنَادِ أَو تُضِفْ ... أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
هذا المراد به العلم بالغلبة، ولذلك ابن هشام رحمه الله تعالى قال: الأصل أن يوضع هذا في باب العلم، فيقال: العلمُ قسمانِ: علمٌ بالوضع، وعلم بالغَلَبة، حينئذٍ وضعه هنا من باب الاستطراد.
(وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ) (قد) يصير، (قد) هذه للتقليل، أو التحقيق، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، لكن العلم بالغلبة بالنسبة للموضوع قليل، وإن كان في نفسه قد يكون كثيراً، فالقلِّة والكثرة قد تكون نسبية.
(وَقَدْ يَصِيرُ مُضَافٌ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ) مضاف هذا ما إعرابه؟ يَصِيرُ: هذا فعل مضارع من صارَ، وصارَ: أخت كان، فتعمل عملها، فحينئذٍ ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها.
(وَقَدْ يَصِيرُ مُضَافٌ عَلَماً) (علماً) هذا خبر (يَصِيرُ) مقدَّم، و (مُضَافٌ) هذا: اسمها.
(وَقَدْ يَصِيرُ) مفهومه أن العلمية طرأت عليه، أليس كذلك؟ مفهومه قَدْ يَصِيرُ، إذاً قبل ذلك ليس علماً بالغلبة، إذاً العلمية طارئة عليه، وهذا مأخوذ من الفهم.
(وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً) على بعض مسمَّياته (مُضَافٌ).
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ، هذا جار ومجرور متعلق بـ (يصير) علماً، (يصير علماً بالغلبة) أي: أن يغلب اللفظ على بعض أفراد ما وضع له، وإن شئت قل: ذو الغلبة: كل اسمٍ اشتهر به بعض أفراد معناه، كذا عرَّفه المَكُوْدِي.
كل اسم اشتهر به بعض أفراد معناه، حينئذٍ اللفظ في أصل وضعه يكون عامّاً يصدق على أفرادٍ متعددة، فإذا اشتَهر ببعض الأفراد دون بعض صار علماً بالغلبة، كل اسم اشتهر به بعض أفراد معناه، ابن عمرَ، ابن عمر هذا لا يصدق على عبد الله فحسب، كل من كان ابناً لعُمَر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فيصْدُق عليه، نقول: هذا ابن عُمَر، وهذا ابنُ عُمَر، وهذا ابن عمر، إذاً هو صادق على الكُل على الجميع، لكنه اشتهر في البعض بحيث إذا أطلق انصرف إلى عبد الله، فإذا قيل: ابن عمر .. قال: ابن عمر؛ تقول: ابن عمر من هذا؟ المراد به عبد الله بن عمر، إذاً صار لفظ ابن عمر - وهو مضاف- صار علماً بالغلبة، ما وجهه؟ نقول: كونه مضافاً إلى ما بعده، وهو اسمٌ في أصل وضعه؛ بالنظر إلى الوضع اللغوي الفصيح، نقول: يصدق على كل مفرداته، لكنه اشتهر في بعض الأفراد.
стр. 492
المدينة: بـ (أل) (مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ ألْ كَالعَقَبَةْ) المدينة الأصل في المدينة يطلق على كلِ مدينة، لكنه اشتهر صدقها على مدينة النبي ﵌، حينئذٍ نقول: المدينة إذا أطلق انصرف على بعض الأفراد مع صدقه في اللغة على كل فردٍ يدخل تحته.
كل اسم اشتهر به بعض أفراد معناه، وهو على ضربين نوعين: مضافٌ: كابن عمر، وذو أداةٍ كالمدينة، والنابغة، والأعشى، والعَقَبة، كما مثَّل الناظم، وهذا النوع تعرَّف قبل الغلبة بالإضافة أو بـ (أل) ثم غلبت عليه الشهرة فصار علماً وأُلغي التعريف السابق، هكذا علله المكودي.
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ ... مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالعَقَبَةْ
(أل) هنا نقول: زائدة، أو مُعَرِّفة؟
زائدة لأننا في سياق بيان أنواع (أل) الزائدة، قلنا: (أل) الزائدة غير اللازمة تكون اضطرارية، وتكون لغيره، منها: أن تكون للمح الصفة، ومنها: أن تدخل على ما هو علم بالغلبة.
ولذلك الشاهد من هذه المسألة ذكرها في باب (أل) (مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ ألْ): (مصحوب أل)، حينئذٍ صارت (أل) هنا تُفيد العلمية بالغلبة، لكنها زائدة.
ولذلك قال المكودي: وهذا النوع تعرَّف قبل الغلبة، هو مَعْرِفة قبل كونه علماً بالغلبة، بالإضافة أو بـ (أل)، ثم غلبت عليه الشهرة فصار علماً، وأُلغي التعريف السابق، إذا قلت ابن عمر، قبل أن يشتهر على عبد الله هو مَعْرِفة أو لا؟ مَعْرِفة، إذاً قبل كونه علماً بالغلبة هو مَعْرِفة، وإذا قلت: مدينة رسول الله ﷺ مَعْرِفة أو لا؟ مَعْرِفة؛ لأنه أُضيف إلى رسول، ورسول أُضيف إلى لفظ الجلالة فاكتسب التعريف، فهو مَعْرِفة قبل جعله علماً.
مِن المعرَّف بالإضافة أو الأداة ما غَلَب على بعض من يستحقه حتى التحق بالأعلام، كابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص؛ غلبت على العبادلة دون غيرهم.
والثاني: كالنجم للثريا، والعقبة، والمدينة، والأعشى.
(وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ) أي: غلبة الاستعمال، (مضافٌ) هذا اسم يصير كابن عمر، (أو مصحوب أل) الزائدة غير اللازمة، (كالعقبة) يعني: أن (أل) التي للغلبة، هذه إذا دخلت على الاسم المعرَّف قبل جعله علماً، وغلب على بعض أفراده؛ نحكم على (أل) بأنها للغلبة، سمَّاها هكذا أكثر النُحاة على أنها للغلبة، لكنها زائدة، مثلما نقول: (أل) للمح الصفة، إذا قيل: (أل) للمح الصفة؛ صار لها معنىً غير التعريف، وإذا قلنا: (أل) التي للغلبة - أظن ابن عقيل سماها كذلك - حينئذٍ نقول: أفادت غلبة العلمية.
وَحَذْفَ أَلْ ذِي إِن تُنَادِ أَو تُضِفْ ... أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
(وَحَذْفَ أَلْ ذِي) (ذِي) يعني: المتأخرة التي هي للغلبة.
وَحَذْفَ أَلْ ذِي إن تُنَادِ مدخولها أَو تُضِفْ أوْجِبْ، (أوجِبْ) هذا فعل أمرٍ، (وَحَذْفَ) المتقدِّم هذا منصوب له.
(أوْجِبْ) حذف (أل ذي) الأخيرة (إن تنادِ) مدخولها (أو تُضف) يعني: تضفه؛ لأن أصلها المعرِّفة -في الأصل- لأن أصلها المعرِّفة، فلم تكن بمنزلة الحرف الأصلي اللازم أبداً، حينئذٍ لزومها ليس أبديّاً، بمعنى أنها زائدة غير لازمة.
стр. 493
(وَفِي غَيْرِهِمَا) يعني: في غير النداء والإضافة، (قَدْ تَنْحَذِفْ) وهذا للتقليل، أفاد التقليل.
قال ابن عقيل: من أقسام الألف واللام أنها تكون للغلبة، سمّاها للغلبة، نحو: المدينة، والكتاب، فإن حقهما الصدق على كل مدينة، وعلى كل كتاب، لكن غَلَبت المدينة على مدينة الرسول ﷺ ، والكتاب على كتاب سيبويه ﵀، حتى إنهما إذا أُطلقا لم يتبادر إلى الفهم غيرهما.
وحُكْم هذه الألف واللام أنها لا تحذف إلا في النداء، أو الإضافة، بل هو واجب، لا تحذف إلى في كذا، يعني: يجب حذفها مع المنادى، والإضافة، فتقول: يا صَعِقُ! هذه مدينة رسول الله ﷺ ، فيجب حذفُها مع الإضافة، نحو: يا صَعِقُ! في الصعقِ، وهذه مدينة رسول الله ﷺ ، وقد تحذف في غيرهما شذوذاً، سُمِع من كلامهم: هذا عَيُّوقُ طالعاً، عَيُّوق لم يضف ولم ينادَى، والأصل فيه: العَيُّوْق: وهو اسم نجمٍ، حينئذٍ العيوق: الأصل أن يبقى بـ (أل)؛ لأنها للغلبة، صار علماً بالغلبة.
قال: هذا عيوق طالعاً، لم يُضَفْ ولم ينادَى، فحذفت (أل)، حينئذٍ نقول: هذا الحذف شذوذ ولا يقاس عليه، وقد يكون العلم بالغلبة أيضاً مضافاً كابن عمر، وابن عباس؛ فإنه غلب على العبادلة دون غيرهم من أولادهم، وإن كان حقُّه الصدقَ عليهم، لكن غلب على هؤلاء حتى إنه إذا أطلق ابن عمر لا يفهم منه غير عبد الله، وكذا ابن عباس وابن مسعود ﵃ أجمعين، وهذه الإضافة لا تفارقه لا في نداء، ولا في غيره، يا ابن عمر!
ولذلك قال:
وَحَذْفَ أَلْ ذِي إِن تُنَادِ أَو تُضِفْ ... أَوْجِبْ .................
وأما المضاف فمع المنادى .. ولو أضيف إلى غيره نقول: هذا يبقى على أصله، فهو علم بالغلبة، وباقٍ على أصله، (وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ) (يصير) مفهومه أن العلمية طَرَأَتْ عليه، وأن التعريف بالإضافة والأداة سابق للعلمية.
(مُضَافٌ أوْ مَصْحُوبُ ألْ) لهذين النوعين، وهما نوعان للعلم بالغلبة، ثم بيَّن أن حذف (أل) من العَلَمْ بالغلبة يجب إذا نُودِيَت الكلمة، أو أُضيفت، وأما إذا لم يكن كذلك فالحذف يكون شاذاً، والله أعلم.
بهذا انتهى كلام المصنف في الأحكام الإفرادية، قلنا: من أول قوله: كَلاَمُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ إلى هنا: وَحَذْفَ (ألْ) هذه مقدمة، المعارك تبدأ من قوله: (مبتدأٌ زيدٌ) التطبيق النحوي؛ الأحكام التركيبة تبدأ من قوله: (مبتدأٌ زيدٌ) أما قبله كله تمهيد.
وصلى الله وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 494
عناصر الدرس
* فائدة الأصل في المرفوعات
* شرح الترجمة (الإبتداء) ـ
* القسم الأول: مبتدأله خبر
* القسم الثاني: مبتدأ لا خبر له وشروطه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: "الاِبْتِدَاء".
مُبْتَدَأٌ زَيْدٌ وَعَاذِرٌ خَبَرْ ... إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عَاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
هذا شروع منه في الأحكام التركيبية، فكل ما سبق من أول المنظومة إلى آخر بيت وقفنا عنده في آخر المعرف بأداة التعريف، هذا متعلق بالأحكام الإفرادية، يعني الكلمات من حيث هي، ولذلك الأصل في البحث في الأسماء الستة والمثنى والجمع وجمع التكسير الأصل فيه أنها من مباحث الصرفيين وليس من مباحث النحاة، ولكن لما كانت الحاجة لازمة لمعرفة الحكم الذي يقال فيه بأنه مثنى ويرفع بالألف كانت الحاجة ماسة أن تذكر هذه المسائل في باب النحو وحينئذٍ انتقلت إلى فن النحو وإلا فالأصل هي من مباحث الصرفيين؛ لأن البحث عن أحوال الكلمة من حيث الإفراد هذا هو بحث الصرفي، والبحث عن الكلمة من حيث التركيب هذا هو بحث النحوي، ولذلك قلنا في حد النحو الشامل لنوعي الصرف والنحو الخاص: أنه علم بأصول يعرف بها أحوال الكلم إفراداً وتركيباً، إفراداً هذا ما يتعلق بجوهر الكلمة من حيث هي، كيف تثنى، كيف نأتي بها إذا أردنا أن نضعها في تركيب يفيد أنها مرفوعة أو أنها منصوبة، جمع المذكر السالم كيف يكون، كذلك جمع التكسير، الأسماء الستة .. إلى آخره، نقول: هذه الأصل فيها والبحث فيها يكون في فن الصرف، لأن متعلقها إفراد -مفرد- حينئذٍ النحو خاص بالتراكيب، وإذا أردنا أن يكون النحو خاصاً بالمصطلح الخاص عند المتأخرين حينئذٍ نقول: النحو هو علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناءً، والإعراب والبناء إنما يكون في حال التركيب لا قبل التركيب كما سبق بيانه.
والابتداء، نقول: هذا شروع من الناظم رحمه الله تعالى في الولوج في أصول النحو؛ لأنه سيبين لنا أصل بل أصول متعلقة بالجملة الاسمية، متى يكون اللفظ مبتدأً، وما حكمه، وأقسام المبتدأ وأقسام الخبر، ومتى يجوز حذف كل منهما، ومتى يجب .. إلى آخره، فيما يأتي بيانه في المسائل التي نظمها رحمه الله تعالى.
إذاً: هذا شروع منه في الأحكام التركيبية، والتركيب المفيد إما جملة اسمية وإما جملة فعلية، هذا كما سبق أن الجملة نوعان: جملة اسمية؛ وهي ما صدرت باسم، وجملة فعلية؛ وهي ما صدرت بفعل.
ومن الجملة الاسمية اسم الفعل مع مرفوعه، هيهات العقيق قلنا: هذه جملة اسمية؛ لأن هيهات هذا اسم فعل ماضي، وإذا كان كذلك حينئذٍ صار مُصَدَّرَاً أو صارت هذه الجملة مُصَدَّرةً باسم، وإذا كانت مصدرة باسم حينئذٍ نحكم عليها بكونها جملة اسمية.
стр. 495
وكذلك من الجملة الاسمية: الوصف مع مرفوعه المغني عن الخبر، وهذا يدخل في بحثنا: الوصف مع مرفوعه المغني عن الخبر، أقائم الزيدان، وهذا وإن كان في قوة، أيقوم الزيدان -قوة الفعل-؛ لأن اسم الفاعل من حيث اللفظ هو اسم، ومن حيث المعنى هو فعل، وحينئذٍ: أقائم الزيدان، هل هو جملة فعلية أم أنها جملة اسمية؟ نقول: العبرة هنا باللفظ وليس العبرة بالمعنى والعمل، وإن رفع فاعلاً، والاسم في الأصل أنه لا يرفع فاعلاً، لكن نقول هنا: رفع فاعلاً واعتبرناه جملة اسمية، كما أن هيهات العقيق، هيهات اسم ورفع فاعلاً.
إذاً: الوصف مع مرفوعه المغني عن الخبر هذا يعتبر جملة اسمية.
والجملة الفعلية يدخل فيها كذلك الجملة الندائية: يا زيد، وهذا كما سبق أن الفارسي يرى أن هذه الجملة مركبة من حرف واسم، والصواب أنها مركبة من فعل وفاعل والمفعول الذي هو المنادى، وحينئذٍ: يا زيد أصلها: أنادي أو أدعو زيداً، فأصل الجملة جملة فعلية، وحينئذٍ تحسب في ضمن الجملة الفعلية.
هنا قدم أحكام المبتدأ على أحكام الفاعل تبعاً لسيبويه، فإنه قدم ما يتعلق بالمبتدأ على ما يتعلق بالفاعل، وبعضهم يقدم الفاعل، وبعضهم يقدم المبتدأ، هذا نزاع بين النحاة، أيُّ النوعين أولى بالتقديم؟ هل نقدم المبتدأ وأحكامه وهو مرفوع؟ أو نقدم الفاعل وأحكامه وهو كذلك مرفوع؟
سبب الخلاف في التقديم والتأخير هو خلاف آخر وهو: ما هو الأصل في المرفوعات؟ لا شك أن المرفوعات هذا يعتبر من إعراب العمد، العُمد التي هي الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، الفعل الذي هو الفعل المضارع المجرد عن ناصب وجازم، وحينئذٍ نقول: أصل المرفوعات هل هو الفاعل أم أنه المبتدأ؟ فمن رجح أنه الفاعل حينئذٍ قدم أحكام الفاعل لأنه أصل والمبتدأ فرع، ومن رجح أن المبتدأ أصل المرفوعات حينئذٍ قدم المبتدأ وأحكامه على الفاعل.
إذاً: هذا التقديم والتأخير، فإن كان في ظاهره أنه من جهة التصنيف وترتيب المسائل إلا أنه مبني على أصل مختلف فيه عند النحاة، أيُّ هذا النوعين أصل في بابه، هل هو المبتدأ أو الفاعل؟ قيل: المبتدأ أصل المرفوعات، ووجهه: أن المبتدأ مبدوء به الكلام، وأنه لا يزول عن كونه مبتدأً وإن تأخر، ابتدئ به الكلام بخلاف الفاعل، الفاعل تقول: قام زيد، لم يبتدأ به الكلام وحينئذٍ جاء في المرتبة الثانية. قام زيد، زيد قائم، أيهما ابتدئ به في الكلام؟ الافتتاح، افتتح بماذا؟ بالمبتدأ، وأما الفاعل فلا يكون إلا بعد فعل، ولا يجوز تقديمه عند البصريين.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاَّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
إذاً: كون المبتدأ مبدوءاً به في الكلام وأنه يكون مبتدأً وإن تأخر بخلاف الفاعل؛ فإنه يكون متأخراً، وإذا تقدم على عامله انتقل من كونه فاعلاً إلى كونه مبتدأً، حينئذٍ بتقدمه وتأخره زال عنه الوصف وثبت له الوصف، يثبت له إذا تأخر، ويزول عنه إذا تقدم، أما المبتدأ فلا، تقدم أو تأخر فهو مبتدأ، زيد أخوك، أخوك زيد، فنقول: تقدم أو تأخر، حينئذٍ لا يزول عنه وصف المبتدأ، بخلاف الفاعل.
وأنه عامل ومعمول، هو عامل في الخبر، كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا.
стр. 496
وهو معمول للابتداء، فهو عامل ومعمول، والفاعل الأصل فيه أنه معمول فحسب، والفاعل معمول ليس غيره.
وقيل: الفاعل أصل، الفاعل هو الأصل في المرفوعات؛ لأن عامله لفظي، قام زيد، زيد: هذا مرفوع، ورفعه بالفعل، والفعل لفظي وهو الأصل في العمل، العمل وهو الأصل في الأفعال، وهو أقوى، وعامل المبتدأ معنوي فهو أضعف، وهو أضعف.
على كلٍ؛ هل ينبني على هذا الخلاف ثمرة؟ الجواب: لا. الخلاف في هذه المسألة مما لا طائل تحته، إلا اللهم من جهة الإعراب؛ وهو أنه إذا جاء لفظ مرفوع يحتمل أنه مبتدأ تقدر له خبراً محذوفاً، ويحتمل أنه فاعل لفعل محذوف، إن قلت: الأصل هو المبتدأ حينئذٍ جعلته خبراً لمبتدئٍ محذوف، وإن كان الأصل هو الفاعل حينئذٍ قدرت له فعلاً محذوفاً، أما من جهة ما يتعلق بالمعاني فلا.
الابتداء، قال ﵀: الابتداء. لم يقل المبتدأ وإن كان هو يريد المبتدأ، وحينئذٍ الابتداء هذا أمر معنوي، هل يريد العامل الذي هو يعمل في المبتدأ، أم يريد من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول الذي هو المبتدأ به؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك، لكن قيل: قال الابتداء ولم يقل المبتدأ؛ لأن الابتداء يستدعي مبتدأً، لأنه إذا قيل ابتداء عامل، يعمل في ماذا؟ لا يعمل إلا في مبتدأٍ، إذا هو لزم منه مبتدأ، والمبتدأ يستدعي ماذا؟ يستدعي خبراً.
إذاً: بإطلاق لفظ الابتداء استدعى مبتدأً، والمبتدأ يستدعي خبراً؛ لأن الابتداء يستدعي مبتدأً وهو يستدعي خبراً، أو ما يسد مسده غالباً، فأطلق الابتداء وأراد ما يلزمه مباشرة وهو المبتدأ، أو بواسطة وهو الخبر.
"الابْتِدَاء": المبتدأ يقال: المبتدأ به، هذا هو الأصل فيه، مبتدأ به؛ لأنه اسم مفعول، فإذا كان كذلك حينئذٍ أين ذهب الضمير؟ قالوا: هذا من باب الحذف والإيصال، يعني حذف حرف الجر واتصل الضمير، يعني استكن اتصل باسم المفعول فصار مبتدأً، أي: مبتدأً به.
المبتدأ له حدود، من أشملها وأحسنها أن يقال: هو الاسم العاري عن العوامل اللفظية غير المزيدة أو الزائدة مخبراً عنه أو وصفاً رافعاً لمستغنىً به، الاسم العاري عن العوامل اللفظية غير المزيدة، وزاد بعضهم: أو شبهها لإخراج رُبَّ، مخبراً عنه أو وصفاً رافعاً لمستغنى به.
قوله: الاسم هذا جنس أدخل وأخرج، أخرج ماذا؟ أخرج الفعل، فلا يكون الفعل مبتدأً من حيث معناه، وأخرج الحرف فلا يكون الحرف مبتدأً من حيث معناه.
إذاً: المبتدأ خاص بالأسماء، فلا يكون مبتدأ إلا وهو اسم، وقلنا: الفعل لا يكون مبتدأ إذا قصد معناه، وأما إذا قصد لفظه فحينئذٍ جاز أن يكون مبتدأً، كما في قولنا: ضرب فعل ماض، وضرب هذا فعل في الأصل إذا اعتبر معناه، وأما إذا اعتبر لفظه فهو اسم، صار مبتدأً وأخبر عنه بقولنا: فعل ماض.
كذلك الحرف إذا قصد معناه نقول: هذا حرف، ولكن يكون ذلك في التركيب، وإذا قصد لفظه حينئذٍ صار علماً وصار مبتدأً إذا أسند إليه خبر.
إذاً: الاسم أخرج الفعل والحرف إذا قصد معناهما، وأما إذا قصد لفظهما فحينئذٍ هما اسمان فيدخلان في الحد معنا.
стр. 497
الاسم يشمل ماذا؟ إذاً أخرج الفعل والحرف، وأدخل الاسم بنوعيه: الاسم الصريح والمؤول بالصريح، الاسم الصريح هو الذي لا يحتاج في جعله مبتدأً إلى تأويل، مباشرة تلفظ به، زيد نطقت به، زيد أخوك، زيد كريم، فزيد هذا اسم صريح، يعني نطق به وهو اسم ظاهر.
وأما المؤول بالصريح؛ فهو ما دخلت عليه (أن) بأن يكون ثَمَّ مضارع وتدخل عليه (أن) فحينئذٍ نقول: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، وهذا المصدر قد يقع مبتدأ، وقد يقع فاعلاً، وقد يقع خبراً؛ فإذا كان واقعاً مبتدأً حينئذٍ صار اسماً مؤولاً بالصريح، يعني هو في نفسه في لفظه ليس باسم فضلاً عن أن يكون اسماً صريحاً، ولكن بالتأويل بأن جعل مكان (أن) وما دخلت عليه مصدر وهذا المراد بالسبك؛ حينئذٍ قلنا: هو مبتدأ.،مثاله قوله تعالى: ((وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)) [البقرة:١٨٤] وأن تصوموا قلنا: هذا مبتدأ، لماذا؛ لأنه وجد الخبر وهو: (خَيْرٌ لَكُمْ) فلما وجد (خَيْرٌ لَكُمْ) عرفنا أن قوله: ((وَأَنْ تَصُومُوا)) [البقرة:١٨٤] مبتدأ، وإلا لا نجرأ أن نقول: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر هكذا مباشرة، بل أولاً: إذا كان التركيب فيه خبر محكوم به والخبر لا يصلح أن يكون إلا لمبتدئ فحينئذٍ نبحث عن المبتدأ، ولذلك أشكل عليهم قوله في المثل المشهور: (تَسْمَعُ بالمَعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ).
((وَأَنْ تَصُومُوا)) [البقرة:١٨٤] هذا لا إشكال فيه، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، لكن: (تَسْمَعُ بالمَعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ).قلنا: هذا فيه ثلاث روايات: تسمعُ تسمعَ أن تسمعَ، والإشكال في: تسمعُ خيرٌ، خيرٌ هذا خبر، كيف خبر وهو فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره؟ قلنا: هذا تأويل باستعانة بالروايات الأخرى حينئذٍ نظرنا فإذا (أن) أصلها داخلة عليه ثم حذفت ورفع الفعل، وإن كان شاذاً؛ إلا أنه في تأويل مصدر سماعك خير، سماعك بالمَعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، ولذلك سوغ حذفها من الأول وجودها في الثاني.
إذاً: إذا وجد خبر محكوم به في الكلام وثَمَّ فعل وهذا الفعل دخلت عليه (أن) المصدرية وفي ظاهر الكلام أنه محكوم عليه ولا يحكم إلا على الأسماء، وإذا حكم على الاسم دل على أنه مبتدأ ومخبر عنه بالخبر، وجب حينئذٍ تأويل ذلك الفعل (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ. ((وَأَنْ تَصُومُوا)) [البقرة:١٨٤] أي: صيامكم أو صومكم خير لكم.
стр. 498
((وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ)) [النساء:٢٥] أَنْ تَصْبِرُوا أن: حرف مصدر، وتصبروا: هذا فعل مضارع منصوب بـ (أن)، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر. مصدر هذا ما إعرابه؟ مبتدأ، وهل إعراب المصدر المنسبك من (أن) وما دخلت عليه إعرابي محلي أو تقديري؟ فيه خلاف، والصحيح أنه إعراب محلي، أنه كالمبنيات؛ لأن التقديري هو ما تعلق بالحرف الأخير فحسب، وأما المبني فهو ما تعلق بجوهر الكلمة، وحينئذٍ: ((وَأَنْ تَصُومُوا)) [البقرة:١٨٤] نقول: هذا التحليل كونه (أن) وما دخلت عليه هذا من جهة المعنى، وإلا من جهة اللفظ فهو (أن) حرف، وتصوموا أو تصبروا هذا فعل في اللفظ، وحينئذٍ لا يكون محلاً للإعراب. أين الكلمة التي تكون محلاً للإعراب؟ أما صيامكم وصومكم أو صبركم نقول: هذا تحليل من جهة المعنى.
إذاً: الاسم يشمل نوعين: الاسم الصريح، وهو ما لا يحتاج في تأويله إلى مصدر، لا نحتاج، زيد قائم. والاسم المؤول بالصريح هذا كـ: أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، وكذلك: (تَسْمَعُ بالمَعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ).
الاسم العاري يعني المجرد عن العوامل اللفظية، وهذا أخرج به اسم كان، كان زيد قائماً، زيد هذا اسم مرفوع، ولكنه لم يتجرد عن العوامل اللفظية، والعوامل جمع عامل، و (أل) فيه للجنس المبطلة للجمعية، فلا يقال: إنه لا يكون مبتدأً إلا إذا وجدت فيه ثلاث عوامل؛ لأن أقل الجمع ثلاث ... أي: جنس العوامل اللفظية، فهي منفية عن المبتدأ، فلا يتقدم المبتدأ عامل لفظي البتة، والعامل اللفظي سبق حده: وهو أنه منا للسان فيه حظ، يعني ينطق به ويلفظ به كالفعل: كان زيد، كان نطقت بها لفظت بها، لم، لن، إن، في، الباء، يقوم، قم، نقول: هذه كلها عوامل لفظية؛ لأنك نطقت بها.
وأما العامل المعنوي وهو ما ليس للسان فيه حظ، يعني: لا ينطق به، وهذا قلنا يشمل نوعين: الابتداء في باب المبتدأ، والذي يأتي معنا، والتجرد في باب الفعل المضارع.
والعامل عرفناه بماذا؟ ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من رفع أو نصب أو خفض أو جزم.
إذاً: المجرد أو العاري الاسم الذي عري وخلا وتجرد عن العوامل اللفظية، هذا فيه إشارة إلى أن عامل المبتدأ معنوي وليس بلفظي. هل دخل معنا التجرد عامل الفعل المضارع إذا لم يتقدمه ناصب ولا جازم؟ إذا قلنا: العاري عن العوامل اللفظية دخل معنا الفعل يقوم؛ فإنه عري عن العوامل اللفظية، خرج بالاسم، فلا يرد معنا الفعل المضارع المرفوع بأن عامله ليس لفظياً، بل هو معنوي، نقول: نعم، لكنه خرج بقولنا: الاسم.
إذاً: العاري عن العوامل اللفظية، أي: المجرد مخرج لنحو الفاعل ونائبه؛ فإنه لم يعر عن العوامل اللفظية. قام زيد، زيد هذا اسم صريح مرفوع لكنه لم يتجرد عن العامل اللفظي وهو قام، كان زيد وزيد هذا اسم صريح مرفوع لكنه لم يتجرد عن العامل اللفظي فلا يكون مبتدأً. ضُرِبَ زيدٌ، زيد هذا اسم صريح مرفوع لكنه ليس مبتدأً لأنه لم يتجرد عن العامل اللفظي وهو ضُربَ.
стр. 499
ومدخول النواسخ والخبر و (أل) في العوامل للجنس واللفظية نسبة إلى اللفظ، والمراد اللفظية تحقيقاً أو تقديراً لتدخل العوامل المقدرة لتشمل العوامل المقدرة، فهي منفية؛ لأنه إذا قيل: من قام؟ قال: زيد، زيد فاعل لفعل محذوف، هنا اسم عري عن العوامل اللفظية تحقيقاً، لكنه لم يعر عن العوامل اللفظية تقديراً، حينئذٍ خرج بقولنا: العاري عن العوامل اللفظية، سواء كانت منطوقاً بها تحقيقاً أو كانت مقدرة، فاللفظ شامل للنوعين. من جاء؟ زيد، نقول: جاء زيد، زيد هذا اسم عري عن العوامل اللفظية في اللفظ، لكنه في الحقيقة لم يعر، لماذا؟ لأنه فاعل لفعل محذوف مقدر.
وقيد العامل باللفظ بناءً على أن عامل المبتدأ معنوي وهو الابتداء كما سيأتي.
غير الزائدة .. -عن العوامل اللفظة غير الزائدة- احترازاً مما لو دخل على المبتدأ حرف جر زائد، نحو: بحسبك درهم، ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)) [فاطر:٣] الأول سماعي: بحسبك درهم، والثاني قياسي. بحسبك درهم؛ درهم: هذا خبر. بحسبك: هذا مبتدأ، لماذا لم نعكس وإن عكس البعضُ؟؟؟ نقول: لأن درهم هذا نكرة، وحسبك هذا أضيف إلى الضمير فهو أولى بأن يكون معرفة، حينئذٍ الباء نقول: هذه زائدة، الباء: حرف جر زائد، وحسبي نقول: مبتدأ ولا نقول: اسم مجرور بالباء، نقول: مبتدأ مرفوع بالابتداء، كيف مرفوع بالابتداء ولم يتجرد عن عامل لفظي؟ نقول: هذا العامل اللفظي الذي لم يتجرد عنه زائد، والعبرة بتجرده عن العوامل اللفظية إذا كانت أصلية، وأما الزائدة فقد تدخل على المبتدأ. بحسبك، حسبي: هذا مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر زائد، حسبي: مضاف، والكاف: ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه، درهم: خبر.
((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)) [فاطر:٣] هل: حرف استفهام، من: حرف جر زائد، وخَالِقٍ .. هكذا بالخفض مجرور في اللفظ، خَالِقٍ نقول: مبتدأ، كيف مبتدأ وقد سبقه حرف جر؟ نقول: هذا حرف جر زائد، وشرط المبتدأ أن يخلو عن العامل اللفظي الحقيقي الأصلي وليس بالزائد، أما الزائد فلا يُنفى عن دخوله على المبتدأ، وهذا واضح بَيِّن، أصل التركيب: هل خالق غير الله؟ هَلْ مِنْ خَالِقٍ؟ من: حرف جر زائد، ولا بأس أن نقول في القرآن عند طلاب العلم: حرف جر زائد، وإن قلت: تأكيد أو صلة لا بأس بذلك.
وسَمِّ مَا يُزاد لغواً أَو صِلة ... أَو قُلْ مُؤكّداً وكلٌ قِيلَ لَهْ
لِكِنَّ زَائِداً ولَغواً اجتَنبْ ... إِطلاَقَهُ فِي منزل كَذا وَجَبْ
((خَالِقٍ)) [فاطر:٣] هذا مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة مقدرة على آخره.
стр. 500
والصحيح أن المرفوع فيما إذا سبقه حرف جر زائد أو المنصوب مطلقاً إذا سبقه حرف جر زائد حينئذٍ يكون الإعراب تقديرياً ولا يكون محلياً وإن قيل به. هل الإعراب -تقدير الضمة هنا- الإعراب ((خَالِقٍ))؛ هل إعرابه تقديري أو محلي؟ قيل: محلي، وهو ضعيف، والصواب أنه تقديري؛ لأن الكلمة ملفوظ بها، وإذا كانت ملفوظاً بها حينئذٍ ننظر فيها؛ هل هي مبنية أو معربة؟ إذا كانت معربة حينئذٍ نقول: هل الحرف الأخير قابل لظهور الحركة أو لا؟ إن كان قابلاً زيدٌ حينئذٍ قلنا: هذا إعرابه ظاهر. إن لم يكن قابلاً حينئذٍ هل عدم قبوله لذاته أم لعارض؟ على القولين على النوعين يكون إعراباً تقديرياً، لأن إعراب الفتى نقول: هذا تقديري لذات الحرف، وغلامي هذا إعراب تقديري لا لذات الحرف وإنما لما عرض للحرف.
((مِنْ خَالِقٍ)) [فاطر:٣] ((خَالِقٍ)) لولا وجود من لظهر الإعراب، لو قال: هل خالق غير الله؟ حينئذٍ ظهر الإعراب. إذاً: ليس كغلامي وليس كالفتى.
((خَالِقٍ))؛ نقول: الضمة هنا مقدرة على الصحيح وليس الإعراب محلياً، ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
إذاً: غيرِ الزائدة لإدخال المجرور يعني المبتدأ المجرور، كيف مبتدأ مجرور؟؟؟؟ مرفوع، وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا، نقول: لإدخال المبتدئ المجرور لفظاً، وحينئذٍ هو من حيث اللفظ مجرور، ومن حيث المحل يعني التقدير فهو مرفوع، يعني محل الكلمة نفسها، فهو مرفوع.
((مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ)) [المائدة:١٩] بَشِيرٍ هذا فاعل، جَاءَ: فعل ماض، ونَا: مفعول به، وبَشِيرٍ، من: حرف جر زائدة، وبَشِيرٍ: هذا مفعول به. ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ)) [الأنبياء:٢٥] هذا مفعول به كذلك. بَشِيرٍ: هذا فاعل، ومِنْ رَسُولٍ: هذا مفعول به.
إذاً: غيرِ الزائدة لإدخال المجرور بحرف جر زائد، نحو: هَلْ مِنْ خَالِقٍ؟ وهنا الحرف قياسي، وبحسبك درهم؛ وهذا سماعي.
وشبه الزائدة مثل: رُبَّ، رُبَّ شبيهة بالزائدة.
الفرق بين الزائد والشبيه بالزائد: كلاهما لا يحتاجان إلى متعلق. الزائد ليس له معنىً من المعاني التي وضع لها في لسان العرب، حينئذٍ إذا استعمل لم يستعمل في معناه، ولو قيل: هل من خالق؟ من نقول: (مِن): حرف جر، وضع في لسان العرب لتدل على التبعيض مثلاً ولبيان الجنس، وحينئذٍ هل استعملت في هذا التركيب (مِن) بمعناها الأصلي الذي وضع له في لسان العرب؟ الجواب: لا قطعاً، وحينئذٍ لماذا جيء بها؟ نقول: جردت عن معناها الأصلي، وزيدت من أجل إفادة التأكيد، إذاً لها معنى، لكن ليس هو المعنى الذي وضع لها في لسان العرب، وهذا مراد النحاة بأنه حرف جر زائد، وليس مرادهم أنه يحذف حتى نبالغ في إنكار التعبير هذا وفي الاصطلاح.
نقول: مرادهم أن له معنى، وهذا المعنى هو التأكيد، إذاً: لا إشكال فيه، هو له معنى لكن باعتبار كونه لم يستعمل في معناه الذي وضع في لسان العرب صار زائداً، وأما هل له معنى أو لا؟ لا يختلف اثنان من النحاة باتفاق أنه له معنى وهو التأكيد.
стр. 501
والشبيه بالزائد والمقصود به رُبَّ ولعل ونحوها؛ قالوا: هذه استعملت فيما وضع لها في لسان العرب، يعني: رُبَّ تفيد التقليل أو التكثير، إذا جاءت: رُبَّ رجل كريم لقيته، رُبَّ رجل كريم قائمٌ، نقول: رجل هذا مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، رُبَّ هل استعملت في معناها أو لا؟ استعملت في معناها، إن كان التقليل: رُبَّ رجل كريم لقيته أو قائم، إن كان المراد به التكثير على حسب نية القائل، فحينئذ كون رُبَّ استعملت في معناها صارت شبه زائدة. لماذا لم نحكم بكونها زائدة؟ لأنها استعملت في معناها. لماذا صارت شبيهاً بالزائدة؟ لأنه ليس لها متعلق تتعلق به، والتعلق إنما يكون بحرف الجر الأصلي.
لاَ بُدَّ للجار مِن التَّعَلُّقِ ... بِفعْلٍ اوْ مَعنَاهُ نحو مُرتَقِي
نقول: هذا خاص بحرف الجر الأصلي، وأما الزائد والشبيه بالزائد فلا متعلق لهما البتة. مررت بزيد، بزيد: جار ومجرور متعلق بقوله: مرّ، لماذا قلنا: جار ومجرور متعلق بمرّ؟ احتجنا إلى متعلق يتعلق به؛ لأن الباء هنا حرف جر أصلي، وأما الزائد والشبيه بالزائد فلا متعلق لهما البتة.
وشبيه الزائدة نحو: رُبَّ رجل كريم لقيته، فرجل: مبتدأ، ولا أثر لـ (رُبَّ) لأنها في حكم الزائد ولا تتعلق بشيء، لا أثر لها من حيث إخراج المبتدأ عن أصله، وحينئذٍ رجل نقول: هذا مبتدأ ومرفوع بالابتداء، ورُبَّ الموجودة هذه قالوا: لا اعتبار لها؛ لأنها لم تتعلق بمتعلق يؤثر في خروج المبتدأ عن كونه مبتدأً بل هو باق على أصله.
مخبراً عنه أو وصفاً رافعاً لمستغنىً به، هذا بَيَّن فيه نوعي المبتدأ، أن المبتدأ قسمان: مبتدأ له خبر، ومبتدأ ليس له خبر، وإنما له فاعل أغنى وسد مسد الخبر.
مخبراً عنه أي: محدثاً عنه، فالإخبار لغوي وليس المراد به المعنى الاصطلاحي.
أي: محدثاً عنه، فالإخبار لغوي لا مذكوراً بعده خبره الاصطلاحي للزوم الدور لأخذ كل منهما في تعريف الآخر، لأنه إذا قلنا بأن المراد به الخبر هنا إذاً ما هو الخبر؟ الخبر هو الجزء المتم الفائدة مع المبتدأ. ما هو المبتدأ؟ هو الاسم العاري إلى آخره مخبراً عنه، فيبقى ماذا؟ الدور، لا نفهم المبتدأ إلا إذا فهمنا الخبر، لكن إذا جعلنا الخبر هنا في هذا التعريف الخبر اللغوي حينئذٍ لا دور.
مخبراً عنه أو وصفاً مخرج لأسماء الأفعال بعد التركيب والأسماء قبل التركيب، رافعاً، يشمل الفاعل نحو: أقائم الزيدان، أو نائبه: أمضروب العبدان. أقائم الزيدان: هذا مبتدأ، وهو النوع الثاني. قائم: اسم وصف كما سيأتي، والزيدان هذا فاعل سد مسد الخبر.
إذاً: مبتدأ ليس له خبر، وإنما له فاعل، وهذا الفاعل أغنى واكتفينا به عن طلب الخبر، وكذلك: مضروب العبدان، مضروب: هذا اسم مفعول، فيفتقر إلى نائب فاعل، والعبدان هذا نائب فاعل أغنى عن الخبر وسد مسد الخبر، يعني: أفاد الجملة فائدة تامة وإن لم يكن ثَمَّ خبر لوجود هذا المرفوع.
стр. 502
وخرج به نحو: أقائم؛ من قولك: أقائم أبوه زيد؛ فإنه مرفوع غير مستغنىً به. أقائم أبوه زيد، أقائم أبوه، أقائم هذا وصف. أبوه زيد، أين الرافع؟ أين المرفوع؟ قائم: وصف. وأبوه لا يكون فاعلاً، وإنما يكون زيد مبتدأ مؤخر، وقائم أبوه: هذا خبر مقدم، وزيد: هذا مبتدأ مؤخر.
و (أو) في التعريف للتنويع لا للترديد، أي: المبتدأ نوعان: مبتدأ له خبر، ومبتدأ ليس له خبر، بل له مرفوع أغنى عن الخبر، مثل: أقائم الزيدان، أغنى عن الخبر يعني لا يطلب خبراً وإن كان الأصل في المبتدأ أنه يستدعي خبراً كما ذكرنا، هذا في الغالب، لكن لما رفع قائمٌ وهو وصف، رفع الزيدان على أنه فاعل له. قائمٌ: هذا وصف فهو اسم فاعل، وقلنا: اسم الفاعل في المعنى في قوة الفعل، ولذلك يرفع فاعلاً وينصب مفعولاً، وحينئذٍ من حيث اللفظ هو اسم، ومن حيث المعنى والعمل هو فعل، ولما اعتمد على الاستفهام أو النفي قوي عنده جانب الفعلية، وإذا كان كذلك ورفع فاعلاً حينئذٍ الفعل لا يصح أن يخبر عنه، بل يطلب فاعلاً، فإذا كان كذلك صار قولنا: أقائم الزيدان في معنى قولك: أيقوم الزيدان، فقائم هذا قام مقام الفعل، والفعل لا يصح الإخبار عنه فكذلك ما قام مقامه، حينئذٍ لا يصح أن يكون الزيدان هذا خبراً للمبتدئ، لماذا؟ لأنه في معنى أيقوم الزيدان، في معنى الفعل في قوة الفعل، ولذلك رفع ونصب، فإذا كان كذلك حينئذٍ ما وقع موقع الفعل أخذ حكم الفعل والفعل لا يخبر عنه بل يرفع مرفوعاً إما فاعل وإما نائب فاعل.
وأشار إلى النوع الأول بقوله:
مُبْتَدَأٌ زَيْدٌ وَعَاذِرٌ خَبَرْ ... إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عَاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
عرَّف المبتدأ الذي له خبر بالمثال: زيد عاذر، زَيْدٌ: مبتدأ، وعَاذِرٌ: خبره. حينئذٍ في كل اسم صريح مثل زيد وهو قد عري عن العوامل اللفظية وغير الزائدة والشبيهة وقد أخبر عنه بلفظ عاذر فهو محكوم عليه حينئذٍ تحكم عليه بأنه مبتدأ، وهذا المبتدأ له خبر.
مُبْتَدٌَأ زَيْدٌ وَعَاذِرٌ خَبَرْ: أعرب لك المثال، إن قلت: زَيْدٌ عَاذِرٌ، زيد: مبتدأ، وعاذر: خبره.
ومَنِ اعْتَذَرْ: هذه تتمة، مَنِ اعْتَذَرْ، من: اسم موصول بمعنى الذي، فهو في محل نصب مفعول به لعاذر.
واعْتَذَرْ هذه جملة الصلة لا محل لها من الإعراب.
مُبْتَدَأ زَيْدٌ: مُبْتَدَأ خبر، وزَيْدٌ: مبتدأ. إعراب البيت. مُبْتَدَأ: خبر، وزَيْدٌ: مبتدأ. وعاذر: مبتدأ، وخبر: خبر -خبر له-.
إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عَاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
هذا ما يتعلق بالقسم الأول: مبتدأ له خبر، وهو واضح وبين، أن يكون المبتدأ اسماً عارياً صريحاً أو مؤول بالصريح عارياً عن العوامل اللفظية غير الزائدة أو شبهها وقد أخبر عنه، وهذه كلها موجودة في هذا التركيب. زيد اسم عار عن العوامل اللفظية لم يسبقه شيء وأخبر عنه بعاذر.
مُبْتَدَأٌ زَيْدٌ وَعَاذِرٌ خَبَرْ ... إِنْ قُلْتَ زَيْدٌ عَاذِرٌ مَنِ اعْتَذَرْ
النوع الثاني من المبتدئ: وهو الذي يشترط فيه شروط: أن يكون وصفاً، وهذا الوصف معتمد على نفي أو استفهام ورفع اسماً ظاهراً أو ضميراً منفصلاً وتم الكلام به، مثل له بقوله:
وَأَوَّلٌ مُبْتَدَأٌ وَالثَّانِي ... فَاعِلٌ اغْنَى فِي أَسَارٍ ذَانِ
стр. 503
هذا النوع الثاني وهو ما أغنى الفاعل عن الخبر، يعني: اكتفى الوصف بمرفوعه عن أن يطلب خبراً، إذاً: ليس كل مبتدأ له خبر، وإنما قد يكتفي بالمرفوع عن طلب الخبر لحصول الفائدة.
وَأَوَّلٌ -من الجزأين- مُبْتَدَأ، وَالثَّانِي –منهما- فَاعِلٌ أو نائبه أَغْنَى المبتدأ عن طلب الخبر في نحول قولك: أسَارٍ ذَانِ الرجلان. سَارٍ هذا اسم فاعل من سرى، سرى يسري فهو سَارٍ.
وهنا قد اعتمد على استفهام -سبقه استفهام- حينئذٍ سَارٍ: هذا وصف واعتمد على استفهام، ذَانِ: هذا مرفوع على أنه فاعل، وهو تثنية ذا، ذان تثنية ذا، وهو مرفوع إما بالألف على القول بأنه معرب، أو على الألف على القول بأنه مبني، على القولين.
بِالأَلِفِ ارْفَعِ الْمُثَنَّى .. ... وذَانِ تَانِ لِلمُثَنَّى المُرْتَفِعْ .. إذاً: النظر فيه من هذه الحيثية.
ضابط هذا النوع الثاني: أنه يشترط فيه أو إن شئت قل كـ (تعريف): كل وصف اعتمد على استفهام أو نفي ورفع فاعلاً ظاهراً أو ضميراً منفصلاً وتم الكلام به، إن استوفى هذه الشروط الثلاثة حينئذٍ حكمنا عليه بكون الوصف مبتدأً ومرفوعه فاعل سدَّ مسد الخبر.
وصف: المراد بالوصف هنا: ما دل على ذات وحدث، ذات متصفة بحدث، وهذا يشمل اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة والمنسوب. أقرشي زيد؟ قرشي: هذا مبتدأ، وزيد: هذا فاعل سد مسد الخبر؛ لأن قرشي هذا في قوة المشتق منسوب إلى قريش.
إذاً: وصف نقول: المراد به اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة والمنسوب.
كل وصف اعتمد على استفهام، يشترط في هذا الوصف: أن يكون سابقاً متقدماً -يشترط في هذا الوصف- أن يكون سابقاً، فليس منه نحو: أخواك خارج أبوهما، أخواك: مبتدأ، وخارج: خبر، أبوهما لا يصح أن نقول: خارج مبتدأ وأبوهما فاعل سد مسد الخبر، لماذا؟ لأنه يشترط في الوصف كخارج الذي يرفع فاعلاً يسد مسد الخبر أن يكون سابقاً، فإذا تقدمه غيره حينئذٍ امتنع أن يكون رافعاً لفاعل يسد مسد الخبر ولا يكون مبتدأً، بل في مثل هذا التركيب أخواك: مبتدأ. وخارج: خبر. وأبوهما: هذا فاعل له ولا يكون هو في نفسه مبتدأ، لا يكون خارج مبتدأً، لماذا؟ لكونه مسبوقاً، وشرط الوصف الذي يصح إعرابه مبتدأ: أن يكون سابقاً فلا يتقدم عليه شيء.
إذاً: هذا لا يعرب مبتدأ لعدم سبقه.
كل وصف اعتمد على استفهام أو نفي، وهذا وإن ذكره ابن عقيل لكنه لا يشترط عند الناظم رحمه الله تعالى، لأنه قال:
وَقَدْ ... يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ
стр. 504
فهذا ليس بشرط عند المصنف، وإنما هو شرط عند جمهور البصريين: أنه لا يرفع فاعلاً يسد مسد الخبر ولا يكون الوصف مبتدأ إلا إذا اعتمد على نفي أو استفهام، وأما عند ابن مالك فلا، وشرطه ابن مالك استحساناً لا وجوباً، فأجازه دونه بقبح، يعني لُغَيَّ، في لُغَيَّةٍ يقال فيها: فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ، سَارٍ ذَانِ، على أن سار هو مبتدأ، وذان: فاعل سد مسد الخبر، هنا لم يعتمد على نفي ولا استفهام، نقول: هذا شرطه ابن مالك استحساناً لا وجوباً، فعلى كلامه لا يجب أن يكون الوصف معتمداً عل نفي أو استفهام، ولكن على المشهور عند الجماهير أنه لا يرفع فاعلاً يسد مسد الخبر ويكون مبتدأً إلا إذا اعتمد يعني اتكأ وتقدمه نفي أو استفهام.
إذاً: كل وصف اعتمد على استفهام أو نفي بأي أدوات الاستفهام سواء كانت حرفاً أو اسماً، وبأي أدوات النفي سواء كان حرفاً أم اسماً أم فعلاً، وحينئذٍ يكون ما بعده رافعاً لمكتفىً به عن طلب الخبر، وهذا الشرط -وهو شرط الاعتماد على الاستفهام أو النفي- إنما هو عند البصريين، وأما الكوفيون فلا، وهو الذي مال إليه المصنف بقوله:
وَقَدْ ... يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ
كل وصف اعتمد على استفهام أو نفي. قلنا: الاستفهام هذا عام يشمل الحرف، كما في قولك: أقائم الزيدان. وكذلك الاسم، كما في قولك: كيف جالس العمران. وكذلك النفي يعم الحرف: ما قائم الزيدان، ويعم الفعل: ليس قائم الزيدان، ويعم الاسم: غير قائم الزيدان، فهو عام كما سيأتي.
إذاً: اعتمد على استفهام أو نفي، أقائم الزيدان نقول: قائم هذا وصف واعتمد على استفهام وهو حرف، يعني اتكأ على استفهام، سبقه استفهام، هذا المراد بالاعتماد.
لم يسمع إلا في الهمزة وما وقيس عليهما البواقي، وقصره عليهما أبو حيان.
الاستفهام الأصل فيه أن يكون بالهمزة، والنفي الأصل أن يكون بـ (ما) النافية، الذي سمع في لسان العرب أنه مبتدأ ورفع فاعلاً سد مسد الخبر هو ما جاء بالاستفهام بالهمزة فحسب، وما جاء في النفي بـ (ما) النافية فحسب، قيس عليهما البواقي. فاسم الاستفهام قيس على همزة الاستفهام، والفعل في النفي والاسم في النفي قيس على (ما) النافية، ولذلك قصره أبو حيان على الاستفهام بالهمزة و (ما) النافية فحسب، وما عداه لا يكون وصفاً رافعاً لمكتفى به.
أقائم الزيدان وما قائمون الزيدان، فإن لم يعتمد الوصف على نفي أو استفهام حينئذٍ نقول: لا يعرب الوصف مبتدأً ولا يكون الذي يليه فاعلاً سد مسد الخبر.
الشرط الثاني: أن يكون رافعاً لفاعل. أن يكون رافعاً، والوصف إذا اعتمد على الاستفهام إما أن يرفع ضميراً مستتراً وإما أن يرفع فاعلاً ظاهراً، وإما أن يرفع ضميراً بارزاً. أحوال ثلاثة.
стр. 505
إن رفع ضميراً مستتراً خرج من الباب، ليس داخلاً معنا، ولذلك: ما زيد قائم ولا قاعد، قاعد هذا سبقه نفي؛ لأنه معطوف على ما قبله، ما زيد قائم ولا قاعد، نقول: قاعد هذا سبقه نفي وهو وصف، اسم فاعل. ورفع ضميراً مستتراً هل يصح أن نقول: قاعد هذا مبتدأ، والفاعل الضمير المستتر الذي رفعه فاعل أغنى وسد مسد الخبر؟ الجواب: لا؛ لأن من شرط إعمال اسم الفاعل على أنه مبتدأ ويرفع فاعلاً سد مسد الخبر: أن يكون رافعاً لشيء محسوس، وهو إما أن يكون اسماً ظاهراً وإما أن يكون ضميراً بارزاً، فإن لم يكن كذلك حينئذٍ لا يصح أن يكون مبتدأً ولا فاعلاً سد مسد الخبر.
ورفع فاعلاً ظاهراً أو ضميراً منفصلاً، نحو: أقائم أنتما. ومنع الكوفيون أن يكون هذا التركيب مما يكون الوصف فيه مبتدأً، وأنتما: هذا قائم مقام الخبر.
وتم الكلام به، بمعنى ماذا؟ أنه يشترط أن تحصل الفائدة بذكر مرفوع الوصف، فإن لم تحصل الفائدة حينئذٍ لم يغن عن الخبر؛ لأنه كما سيأتي:
وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ
فصارت الفائدة التامة بوجود الخبر، تجوَّزنا بأن هذا الفاعل سد مسد الخبر إذاً: لا بد أن يؤدي وظيفة الخبر، فإن نقص حينئذٍ لا يصلح أن يكون نائباً عنه، لا يصلح أن يكون ساداً مسد الخبر بل لا بد من تصحيح الكلام.
وتم الكلام به شرطه: أن يكون كافياً أي: مغنياً عن الخبر، ليخرج نحو: أقائم أبواه زيد، فإن الفاعل فيه غير مغن ولا يحسن السكوت عليه، فزيد: مبتدأ، وقائم: خبر مقدم. أقائم أبواه زيد، وحينئذٍ نقول: أقائم أبواه، أين مرجع الضمير؟ زيد. إذاً ما تم الكلام بقوله: أبواه. ماذا نصنع؟ لا نقل: أقائم هذا وصف ومبتدأ وأبواه فاعل، نقول: لا، زيد مبتدأ مؤخر، وقائم خبر مقدم. وأبواه؟ فاعل، كيف نقول فاعل ولم يسد مسد الخبر؟ عندنا مسألتان: إعمال اسم الفاعل على أن يرفع فاعل وينصب مفعول، هذه مسألة مستقلة ليس بحثنا فيها. عندنا مسألة ثانية وهي أخص من مطلق إعمال اسم الفاعل، ليس البحث في إعمال اسم الفاعل لا. اسم الفاعل يرفع فاعلاً وينصب مفعولاً، ثم قد يكون هذا الفاعل الذي رفعه قد يكون فاعلاً سد مسد الخبر وقد لا يصلح أن يكون.
إذاً: أقائم أبواه زيد نقول: أقائم أبواه، لم يحصل الاكتفاء هنا بهذا الفاعل، هو فاعل لكنه لا يكون ساداً مسد الخبر، لماذا؟ لكونه لم يستغن به عن غيره، فتمم الكلام بقوله: زيد، حينئذٍ زيد: هذا مبتدأ مؤخر، وقائم أبواه: خبر مقدم. قائم خبر، وأبواه فاعل للوصف.
إذاً: وتم الكلام به شرطه أن يكون كافياً أي: مغنياً عن الخبر، ليخرج نحو: أقائم أبواه زيد، وحينئذٍ التركيب لا يصلح أن يكون مما ذكرناه.
إذاً بهذه الشرط الثلاثة: كل وصف اعتمد على استفهام أو نفي ورفع فاعلاً ظاهراً أو ضميراً منفصلاً وتم الكلام به حينئذٍ نقول فيها باجتماع هذه الشروط الثلاثة: يصح أن يكون الوصف مبتدأً ومرفوعه فاعلاً سد مسد الخبر، وهذه كلها موجودة في قوله: سَارٍ ذَانِ، أشار إليها بقوله: أَسَارٍ: الهمزة للاستفهام، وسَارٍ: هذا مبتدأ. أعربناه مبتدأً لأنه وصف.
стр. 506
واعتمد على استفهام استحساناً عند الناظم: أَسَارٍ، وذَانِ هذا فاعل لسار، سد مسد الخبر لأنه استغنى به عن الخبر وتم الكلام به، فهو وصف سَارٍ واعتمد على الاستفهام ورفع اسم ظاهراً وهو ذَانِ وتم الكلام به.
وقوله: استفهام أو نفي، قلنا: الاستفهام الأصل فيه أن يكون بالهمزة. وقيس عليه الاسم، كيف جالس العمران، كيف: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من العمران. جالس: هذا وصف اعتمد على استفهام، ما نوع هذا الاستفهام؟ اسم، هل هو سماعي أم مقيس؟ مقيس. جالس: مبتدأ وهو وصف اعتمد على الاستفهام، ورفع اسماً ظاهراً وهو العمران وتم الكلام به. إذاً: جالس مبتدأ، والعمران: فاعل سد مسد الخبر.
وكذلك في النفي الأصل فيه أن يكون بالحرف. (ما ولا وإن).
أو بالفعل: ليس قائم الزيدان. ما إعراب ليس؟ ليسني.
ليس فعل ماضي ناقص، وقائم اسمها. والزيدان؟؟؟؟ نحن بحثنا في المبتدئ: أَسَارٍ ذَانِ، والذي حشر ليس قائم الزيدان النفي، والجواب أن الكلام هنا في ما كان مبتدأً بالأصل أو دخل عليه ناسخ. ليس قائم الزيدان، قائم هذا في الأصل هو مبتدأ، فحينئذٍ هو اسم ليس، لو حَذفتَ ليس وجئت بالأصل الذي هو (ما) النافية حينئذٍ نقول: ما قائم الزيدان، عُبِّر بالفعل لغرض بلاغي، حينئذٍ يبقى قائم في المعنى مبتدأ، وأما في اللفظ بعد دخول (ليس) فهو اسم ليس، والعمران: هذا فاعل سد مسد الخبر، لكن تنبه أنه في باب المبتدأ الفاعل يسد مسد الخبر المرفوع، وهنا سد مسد الخبر المنصوب ولا إشكال في هذا.
إذاً: بالفعل يكون النفي مثل: ليس قائم الزيدان، فالزيدان هذا أغنى عن خير ليس، وخبرها منصوب ولا إشكال، وإدخال هذا التركيب هنا باعتبار كونه مبتدأً في الأصل.
كذلك النفي يكون بالاسم، مثل: غير قائم الزيدان، غير: هذا مبتدأ وهو مضاف، وقائم: هذا مضاف إليه. الزيدان فاعل لغير، غير مبتدأ للمضاف إليه لأنه هو الأصل، قائم الزيدان أصلها: ما قائم الزيدان، قيس على (ما) في النفي فجيء بالاسم: غير، وغير هذه ملازمة للإضافة، فحينئذٍ أضيفت إلى الوصف، فقيل: غير قائم، غير: مبتدأ وهو مضاف، وقائم: مضاف إليه. الزيدان: هذا فاعل سد مسد الخبر غير، لماذا؟ لكون المضاف إليه- الذي هو الأصل- لكونه وصفاً اعتمد على نفي، قائم وصف، واعتمد على نفي وهو اسم (غير) قياساً على (ما) النافية.
غير قائم: هذا مضاف ومضاف إليه، فاعتبر كالكلمة الواحدة، أو أنه في قوة المرفوع بالابتداء، غير قائم كأنه كلمة واحدة، والزيدان هذا يعتبر فاعلاً سد مسد الخبر.
لذلك قال ابن عقيل: وقائم مخفوض الإضافة، والزيدان فاعل سد مسد الخبر خبر غير؛ لأن المعنى: ما قائم الزيدان، فعومل غير قائم معاملة ما قائم، ومنه قوله:
غَيْرُ لاَهٍ عِدَاكَ فَاطَّرِحِ الَّلهْوَ ... وَلاَ تَغْتَرِرْ بِعَارِضِ ِسَلْمٍ
بِعَارِضِ ِسَلْمٍ -على الإضافة-.
غَيْرُ لاَهٍ عِدَاكَ، غَيْرُ: هذا مبتدأ وهو مضاف، ولاَهٍ: هذا اسم فاعل من لهى يلهو فهو لاه، اسم فاعل مثل قائم.
وعِدَاكَ: هذا فاعل بلاه، يعني مرفوع به سد مسد الخبر.
ومثله قوله:
غَيْرُ مَأَسُوفٍ عَلَى زَمَنِ ... يَنقَضِي بِالْهَمّ وَالحزَنِ
стр. 507
غَيْرُ مَأَسُوفٍ عَلَى زَمَنِ، غَيْرُ: مبتدأ وهو مضاف، ومَأَسُوفٍ: مضاف إليه، ومَأَسُوفٍ هذا اسم مفعول، إذاً يطلب نائب فاعل.
غَيْرُ مَأَسُوفٍ عَلَى زَمَنِ: هذا في موضع رفع نائب فاعل سد مسد الخبر، سد مسد خبر غير، فغير: مبتدأ، ومأسوف: مخفوض بالإضافة، وعلى زمن: جار ومجرور في موضع رفع بمأسوف لنيابته مناب الفعل وقد سد مسد خبر غير.
إذاً: هذه الشروط الثلاثة بفهم الاستفهام على وجه العموم والنفي على وجه العموم حينئذٍ نقول: لابد من استيفاء هذه الشروط من أجل أن يكون الوصف مبتدأً، ومرفوعه فاعلاً سد مسد الخبر.
وَأَوَّلٌ مُبْتَدَأ وَالثَّانِي
وَأَوَّلٌ: يعني من الجزأين.
فِي أسَارٍ ذَانِ
أسَارٍ: هذا مبتدأ. والثاني منهما الذي هو ذان فاعل.
أَغْنَى: يعني المبتدأ عن طلب الخبر، في قولك: أسَارٍ ذَانِ الرجلان، من كل وصف إلى آخر ما ذكرناه. وقس على المثالين المذكورين وهو: زيد عاذر وأسار ذان، وهذا يؤكد القاعدة المستنبطة أن ابن مالك رحمه الله تعالى يقرر الأحكام بالأمثلة؛ لأنه ذكر مثالاً لتعريف المبتدأ الذي له خبر، وذكر مثالاً لتعريف المبتدأ الذي ليس له خبر، وإنما له فاعل سد مسد الخبر، قال: وقس على هذا، فحينئذٍ القياس داخل في باب النحو، إنَّما الَّنحوُ قِياسٌ يُتَّبع، فهو قياس. ولذلك في باب الإعراب إذا حفظت مثالاً من كل تركيب ضبطت النحو، يعني لو أخذت صفحتين أو ثلاثاً من القرآن تضبطه حفظاً يعني إعراب تضبط البقية؛ لأن الأفعال كلها من القرآن من أوله إلى آخره لا تخرج عن ماضي ومضارع وأمر، والمرفوعات لا تخرج عن مبتدأ وخبر .. إلى آخره، إذا حفظت مرة واحدة: (إن الذين) إن: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. كل (إن) تعربها بهذا الإعراب، (الذين) اسم (إن) اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب، مباشرة. كلما جاءك (الذين) تعرب نفس الإعراب.
الحمد لله، الحمد: مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، كلما جاءك مبتدأ تعربه بهذا الإعراب.
لله: اللام حرف جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر تقديره كائن أو استقر. تمشي على هذا. ولذلك وقس يعني: كل ما يأتيك من الأمثلة التي هي مثيل لـ: زَيْدٌ عَاذِرٌ أو أسَارٍ ذَانِ حينئذٍ الحكم واحد، ليس موقوفاً على السماع إلا من جهة إثبات الأصول والقواعد فحسب، وهو ما يسمى بالوضع النوعي، وأما ما عداه فالأمثلة والآحاد فإنما هي قياسية.
وَقِسْ: على هذين المبتدأين اللذين في المثالين المذكورين، أو قس على المثال المتأخر في أسار ذان، وهذا التعبير لبعضهم وهو الأشموني، وعمم المكودي فقال: على المثالين، وهو أولى، لا بأس أن يكون على المثالين وعلى المتأخر.
.. وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ وَقَدْ ... يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ
وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ، هو ذكر في المثال أسار. قال: وقس على المثال السابق لئلا يفهم أن الذي يعتمد عليه الوصف هو الاستفهام فحسب، حينئذٍ نقول: النفي مثله.
وَكَاسْتِفْهَامٍ في اعتماد الوصف عليه النفي، فالنفي كالاستفهام مطلقاً سواء كان النفي بالحرف أو بالفعل أو بالاسم، كما أن الاستفهام ذكره بالحرف ويقاس عليه الاسم.
стр. 508
وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ: النفي كاستفهام: هذا مبتدأ مؤخر، وكاستفهام: خبر مقدم.
في اعتماد الوصف عليه النفي بلفظ صالح احترازاً مما يختص بالفعل كـ (إن ولم)، يعني ليس كل حرف، لا إشكال فيه، (إن ولم) هذا حرف نفي، ولفظه النفي عام يشمل ما يختص بالفعل وما يمكن أن يدخل على الاسم، ما مراده؟ ما يصلح أن يكون داخلاً على الاسم، وأما (لم) وإن الشرطية هذه نافية، لكنها لا تدخل على المبتدأ.
إذاً: وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ المراد به: بلفظ صالح، احترازاً مما يختص بالفعل كـ (إن ولم).
وَقَدْ ... يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ
قال الأخفش والكوفيون: -هذا وفاقاً لما ذهب إليه الكوفيون- يجوز كون الوصف مبتدأ وله فاعل يغني عن الخبر من غير اعتماد على نفي أو استفهام. عبر بـ قد، و (قد) الأصل فيها أنها للتقليل، هل التقليل مراد؟ نقول: نعم. ولذلك قلنا: اشترط الاعتماد على الاستفهام والنفي استحساناً لا وجوباً، مع أنه يرى أنه جائز لكن على قبح.
وَقَدْ يَجُوزُ: يعني يجوز في الوصف الذي يرفع فاعلاً ويكون مبتدأ ويرفع فاعلاً سد مسد الخبر؛ ألا يعتمد على نفي أو استفهام وفاقاً للكوفيين والأخفش من البصريين.
وَقَدْ يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ
قال الأخفش والكوفيون: يجوز كون الوصف مبتدأً، وله فاعل يغني عن الخبر من غير اعتماد على نفي أو استفهام، فأجازوا: قائم الزيدان، هذا قائم مبتدأ وهو وصف، والزيدان هذا فاعل سد مسد الخبر. عند الكوفيين هذا جائز، وعند البصريين لا يجوز، قائم الزيدان لا يجوز، وحينئذٍ قائم لا يصح أن يكون مبتدأً، لماذا؟ لكونه لم يعتمد على نفي أو استفهام ولا يصح أن يكون خبراً مقدماً ولا الزيدان مبتدأً مؤخراً، التركيب غلط، لماذا؟ لعدم التطابق، لو قال: قائمان الزيدان، قائمان الزيدان قد يقال على لغة أكلوني البراغيث وأما قائم الزيدان لا يصح، التركيب يكون خطأً.
إذاً: ذهب الأخفش والكوفيون إلى عدم اشتراط ذلك، فأجازوا: قائم الزيدان، وقائم: مبتدأ، والزيدان: فاعل سد مسد الخبر، وإلى هذا أشار المصنف بقوله:
وَقَدْ يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ
أي: قد يجوز استعمال هذا الوصف مبتدأً من غير أن يسبقه نفي أو استفهام، وزعم المصنف أن سيبويه يجيز ذلك على ضعف، ومما ورد منه قوله:
فَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ: فَخَيْرٌ نَحْنُ، خَيْرٌ أفعل التفضيل. خَيْرٌ: هذا مبتدأ، ونَحْنُ: هذا فاعل سد مسد الخبر، هكذا استدل به الكوفيون، خير مبتدأ، ونحن فاعل سد مسد الخبر، ولم يسبقه نفي ولا استفهام، ما الجواب؟ نقول: هذا يمكن أن يؤول، بمعنى: أن يعرب إعراباً موافقاً للقواعد والأصول، فيقال: نحن هذا مبتدأ مؤخر، وخير: هذا خبر مقدم.
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلاَتَكُ مُلْغِياً ... مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذَا الطّيَرُ مَرَّتِ
لا نلغيها.
стр. 509
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ، خبير: هذا مبتدأ، وبنو لهب: هذا فاعل سد مسد الخبر، ولم يتقدمه نفي ولا استفهام، ولذلك لم يشترطه الكوفيون، والجواب أن يقال: أنه على التقديم والتأخير: بنو لهب خبير، بنو: هذا جمع، وخبير: هذا واحد، لم يحصل التطابق، نقول: لا، فعيل هذا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، يعني لا يلزم فيه المطابقة من باب قوله: ((وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)) [التحريم:٤].
إذاً: ما دام أنه يجوز كون الوصف خبراً مقدماً على حد ما ذكرناه من الآية حينئذٍ لا يصح الاستدلال به، وكل دليل ورد إليه الاحتمال عندهم يعتبر باطلاً.
خبير بنو لهب، أجيب بأن خبير خبر مقدم، ولم يطابق لأن باب فعيل لا يلزم فيه المطابقة.
إذاً: يشترط في المبتدأ الذي يكون وصفاً أن يكون معتمداً على نفي أو استفهام إلا على مذهب الكوفيين والأخفش.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 510
عناصر الدرس
* عامل المبتدأوالخبر
* حد الخبر
* أنواف الخبر. بيان النوع الأول وشروطه (الخبر الجملة) ـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد:
بالنسبة لمسألة رفع الضمير المنفصل، هذا محل نزاع بين النحاة، لذلك مذهب جماعة من النُّحاة أنه يجب أن يكون الفاعل الذي يرفعه الوصف المعتمد اسماً ظاهراً، ولا يجوز أن يكون ضميراً منفصلاً: (قائم أنتما) هذا لا يجوز عند الكوفيين، إنما يجب أن يكون اسماً ظاهراً، قلنا: الصواب أنه يجوز لورود السماع به.
(خَليِلَىَّ مَا وَافٍ بِعَهْدِي أَنْتٌمَا ... )
حينئذ إن سمع ما ظاهره ذلك فهو محمول على أن الوصف خبر مقدم والضمير مبتدأ مؤخر.
يعني: إذا جاء: أقائم أنت، أنت: صار هذا مبتدأ مؤخر و (قائم): هذا خبر مقدم، لماذا؟ لامتناع أن يرفع الوصف ضميراً بارزاً، هذا مذهب الكوفيين، الصواب أنه يجوز أن يرفع ضميراً بارزاً.
وعند هؤلاء أنك إذا قلت: أمسافر أنت؟ صح هذا الكلام عربية، ولكن يجب أن يكون (مسافر) خبراً مقدماً و (أنت) مبتدأ مؤخراً على العكس، والجمهور على أنه يجوز أن يكون الفاعل المغني عن الخبر ضميراً بارزاً كما يكون اسماً ظاهراً، وجاء قوله تعالى: ((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:٤٦] أَرَاغِبٌ، راغب هذا اسم فاعل، واعتمد على استفهام ((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي))؟ حينئذ يتعين أن يكون (راغب) مبتدأ، و (أنت) هذا فاعل سد مسد الخبر، ولو عُكس هل يجوز أو لا؟ أن يكون (أنت) هذا مبتدأ مؤخر و (راغب) هذا خبر مقدم؟ لا يجوز؛ لأن ((عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:٤٦] هذا جار ومجرور متعلق بقوله: راغب، فإذا جُعل خبراً مقدماً وأنت مبتدأً مؤخراً، حينئذ فصل بين العامل والمعمول وهذا لا يجوز، هذا يدل على أنه يجوز أن يكون -المرفوع فاعلاً سد مسد الخبر- أن يكون ضميراً بارزاً كما هو مذهب البصريين.
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ ... إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقَاً اسْتقَرّ
وَالثَّانِ مُبْتَداً: وَالثَّان الذي هو الاسم المرفوع وَالثَّانِ وهو ما بعد الوصف.
مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ: أن يجعل الوصف خبراً مقدماً والمرفوع مبتدأً مؤخراً.
الوصف نقول: قائم مقام الفعل، لشدة شبهه به، ولأجل ذلك مُنع ما يمنع منه الفعل، فلا يخبر عنه كما ذكرناه آنفاً، لا يخبر عنه لماذا؟ لأن الفعل لا يخبر عنه، فكذلك ما قام مقام الفعل لا يخبر عنه، ولا يصغر فلا يقال: أضُوَيْرِبٌ أنت يا زيد مثلاً، ضويرب لا يصح، لماذا؟ لأن الفعل لا يصغر وضارب هذا قلنا في قوة الفعل .. أقائم، أضارب زيد كأنه قال: أيضرب زيد؟ فلما كان كذلك حينئذ منع الوصف مما يمنع منه الفعل، والفعل لا يخبر عنه فكذلك هذا الوصف لا يخبر عنه الفعل، لا يصغر، فكذلك ضارب لا يصغر.
ولا يوصف، فلا يقال: أضارب عاقل الزيدان؟ ما يصح أن نقول: عاقل وصف لضارب، لماذا؟ لأنه في قوة الفعل والفعل لا يوصف.
стр. 511
ولا يعرف بـ (أل) فلا يقال: القائم أخواك، ولا يثنى ولا يجمع، فلا يقال: أقائمان أخواك، هذا الأصل لا يقال، لأنه في قوة الفعل، والفعل إذا رفع فاعلاً حينئذ وجب أن يفرد وأن يجرد من علامة تدل على أن الفاعل مفرد، أو أن الفاعل مثنى، أو أن الفاعل جمع، سيأتينا في باب الفاعل.
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا ... لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا
(قام زيد) لا إشكال، قام الزيدان .. الزيدان هذا فاعل وهو مثنى، هل تلحق الفعل علامة تدل على أنه مثنى؟ الجواب: لا، في اللغة الفصحى لا، ننفي، فإن سمع حينئذ نقول: هذه لغة فلان وفلان، وأما اللغة الفصحى ننفي نقول: لا، لا يلحق، لا يجوز .. وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إذَا مَا أُسْنِدَا.
ولذلك عبر فقال: وَقَدْ يُقَالُ، إذاً هذا قليل، وإذا كان قليلاً لا يكون أصلاً.
إذاً: قام الزيدان، نقول: وجب تجريد الفعل عن علامة تدل على أن الفاعل مثنى، وقام الزيدون، نقول: وجب تجريد الفعل عن علامة تدل على أن الفاعل جمع.
حينئذ لزم الفعل حالة واحدة وهو أنه مفرد، فعبر عنه بالإفراد، يلزم حالة واحدة بقطع النظر عن كون الفاعل مفرداً أو مثنىً أو جمعاً، المفرد هذا محل وفاق، الوصف القائم مقام الفعل يجب تجريده من علامة تدل على أن الفاعل مثنى أو جمعاً.
فتقول كما تقول في الفعل: أقائم زيد، وأقائم الزيدان .. كما تقول: قام الزيدان، وأقائم الزيدون كما تقول: قام الزيدون، يجب تجريد الوصف من علامة تثنية تدل على أن الفاعل مثنى ومن علامة جمع تدل على أن الفاعل جمع، لذلك قال: فلا يقال أقائمان أخواك، أقائمون إخوتك، على أن إخوتك وأخواك فاعل إلا على لغة أكلوني البراغيث كما لا يقبل الفعل شيئاً من ذلك.
حينئذ إذا جاء هذا التركيب في مثل: أقائمان الزيدان، أقائمون الزيدون، أقائم زيد هذا يجوز فيه وجهان: أن يكون قائم مبتدأ، وزيد فاعل سد مسد الخبر وهذا أرجح، وأن يكون قائم خبراً مقدماًً، وزيد مبتدأً مؤخراً، يجوز فيه الوجهان، وثم مسائل مثلها يأتي.
وأما أقائمان الزيدان، أقائمون الزيدون هو الذي عناه الناظم بقوله:
وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ
стр. 512
إن اتصل بالوصف علامة تثنية إذا كان الفاعل مثنىً، أو علامة جمع إن كان الفاعل جمعاً، حينئذ يكون الثاني المرفوع مبتدأً –تعكس-، ويكون الأول الذي هو الوصف خبراً مقدماً، ولا يصح في اللغة الفصحى أن يكون أقائمان مبتدأ، والزيدان فاعل سد مسد الخبر، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن أقائمان هذا قام مقام الفعل، والفعل إذا أُسند إلى فاعل مثنى وجب تجريده من علامة التثنية، وهذا لم يُجرّد، حينئذ التركيب صحيح، لكن لا نقول: الزيدان، هذا فاعل سد مسد الخبر، وإنما نقول: الزيدان هذا مبتدأ مؤخر، وقائمان هذا خبر مقدم ليصح التركيب، كذلك قائمون الزيدون، لا يصح أن نقول: قائمون هذا وصف، وهو مبتدأ رفع فاعلاً اكتفى به عن الخبر، لماذا؟ لأن قائمون اتصل به علامة جمع تدل على أن الفاعل جمع، وإذا كان كذلك نقول: هو قائم مقام الفعل فوجب تجريده، ولما لم يتجرد، حينئذ نقول: وجب أن يكون الوصف خبراً مقدماً، والذي يليه -الثاني- يكون مبتدأً مؤخراً، والثاني وهو ما بعد الوصف مبتدءاً مؤخراً، الثاني الذي هو الزيدان مبتدءاً مؤخراً.
وَذَا الْوَصْفُ: المذكور خَبَرْ عنه مقدم عليه متى؟ إنْ في سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً اسْتقَرْ: إن تطابقا في سوى الإفراد، ما هو سوى الإفراد؟ في غير الإفراد، إن تطابقا في غير الإفراد وهما التثنية والجمع، وأما في الإفراد فيجوز فيه وجهان، البيت يريد أن يُبين أن الوصف الأصل فيه أنه قائم مقام الفعل، فوجب تجريده من علامة تثنية وعلامة جمع، فإن اتصلت به علامة تثنية وعلامة جمع حينئذٍ نعرب هذا الوصف: أنه خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، متى؟ إن في سِوَى الإِفْرَادِ (إن) هذه شرطية في سِوَى الإِفْرَادِ، في سوى: هذا متعلق بقوله: استقر، إن استقر في سوى الإفراد، وهو التثنية والجمع السالم.
طِبْقاً: يعني مطابقاً لما بعده.
إنْ استقر في سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً: يعني: مطابقاً، وطبقاً هذا حال من الضمير المستتر في استقر، استقر حال كونه طبقاً، أي: مطابقاً في سوى الإفراد، حينئذ إذا لم يتطابقا إفراداً وتطابقا تثنيةً وجمعاً، حينئذ نقول: الأول خبر والثاني مبتدأ.
إنْ في سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً اسْتقَرْ، والثاني وهو ما بعد الوصف مبتداً، الثاني مبتدأ ومبتدأ خبر، إعراب البيت الثاني هذا مبتدأ، ومبتداً هذا خبر.
وذا الوصف (ذا) اسم إشارة مبتدأ، الوصف إعرابه بدل أو عطف بيان، و (خبر) خبر، عنه مقدم عليه.
стр. 513
(إن) شرطية، إن تطابقا في غير الإفراد، إنْ في سِوَى الإِفْرَادِ: في غير الإفراد، سوى هنا بمعنى غير، وهو مضاف والإفراد مضاف إليه، وطبقاً مصدر، والمراد به الحال، يعني أن يكون مطابقاً وهو حال من فاعل استقر، أي استقر الوصف مطابقاً لما بعده في غير الإفراد أي: في التثنية والجمع، هذا معنى البيت، أي: استقر الوصف مطابقاً لما بعده في غير الإفراد، أي في التثنية والجمع نحو: أقائمان الزيدان، وأقائمون الزيدون، هذا المثال لما ذكره المصنف، ولا يجوز أن يكون الوصف في هذه الحالة مبتدأ، وما بعده فاعلاً أغنى عن الخبر إلا على لغة أكلوني البراغيث، وهي لغة ضعيفة لا يعول عليها، ولا يجوز تخريج القرآن عليها البتة، فمن قال بهذا فقد غلط وأخطأ خطأً فاحشاً.
الوصف مع الفاعل إما أن يتطابقا إفراداً أو تثنية أو جمعاً أو لا يتطابقا.
إن تطابقا عرفنا الحكم، إفراداً جاز أن يكون الأول مبتدأ والثاني فاعل سد مسد الخبر، وجاز العكس، وإن تطابقا تثنية أو جمعاً تعين أن يكون الثاني مبتدأ مؤخر والأول خبر، فإن لم يتطابقا، حينئذ منه ما هو ممنوع يعني لا يصح لغة ومنه ما هو ليس ممنوع، إذا قيل: أقائم زيد تطابقا، إذا لم يتطابقا أقائم الزيدان جائز، أقائم الزيدان، أقائم الزيدون، جائز، أقائمان زيد، أقائمون زيد، أقائمان الزيدون، أقائمون الزيدان .. كله لا يصح هذا، لماذا؟ لأن كلاً منهما إما متقدم أو متأخر، مبتدأ وخبر، حينئذ لا بد من التطابق.
إذا كان المبتدأ مفرداً تعين أن يكون الخبر مفرداً، وإذا كان المبتدأ مثنى تعين أن يكون الخبر مثنى، وكذلك في حالة الجمع.
فإن تطابقا إفراداً نحو أقائم زيد جاز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر، وهذا هو الأصل.
والثاني: أن يكون ما بعده مبتدأً مؤخراً، ويكون الوصف خبراً مقدماً، ومنه قوله تعالى: ((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:٤٦] فيجوز أن يكون (راغب) مبتدأ، و (أنت) فاعل سد مسد الخبر، والأولى أن يقال بالمنع في هذا، لوجود عارض يمنع من التقديم والتأخير؛ لأن ((عَنْ آلِهَتِي)) [مريم:٤٦] هذا جار ومجرور متعلق بقوله: راغب، فإذا كان كذلك حينئذ لا يفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، فإذا جعل راغب خبراً مقدم، وأنت مبتدأ مؤخر، وعن آلهتي متعلق براغب إذاً فصل بينهما أجنبي، وهذا ممتنع.
وإن تطابقا تثنية نحو أقائمان الزيدان أو جمعاً نحو: أقائمون الزيدون، فما بعد الوصف مبتدأ، والوصف خبر مقدم، وهذا معنى قول المصنف: وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ إلى آخر كلامه، وإن لم يتطابقا وهو قسمان ممتنع وجائز، فمثال الممتنع: أقائمان زيد، هذا فاسد أقائمون زيد هذا التركيب غير صحيح، لا يقال بأنه لغة.
ومثال الجائز أقائم الزيدان، أقائم الزيدون، حينئذ يتعين أن يكون الوصف مبتدأ وما بعده فاعل سد مسد الخبر.
стр. 514
وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ -المذكور السابق المعتمد على استفهام ونحوه- خَبَرْ متى؟ إن تطابقا في غير الإفراد، فلا يكون من الباب، هذا كالاستثناء مما سبق؛ لأنه لم يعرب الوصف مبتدأ نحن نتكلم عن مبتدءٍ وصفٍ رَفَعَ فاعلاً والفاعل أغنى عن الخبر، هل إذا تطابقا تثنية وجمعاً صار من الباب نفسه؟ أقائمان الزيدان، هذا من أي نوعي المبتدأ الأول أم الثاني؟
أقائمان الزيدان، عندنا المبتدأ نوعان: مبتدأ له خبر، ومبتدأ ليس له خبر وإنما له مرفوع اكتفى به وهذا له شروطه، أقائمان الزيدان من أي نوع؟ الأول. أقائمون الزيدون من أي نوع؟ الأول. إذاً ما صار من الثاني، صار استثناءً.
وَالثَّانِ مُبْتَداً نقول: هذا البيت استثناء من قوله: وَقِسْ وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ؛ لأنه عمم هناك حينئذ أسَارٍ ذَانِ، سار هذا مفرد في اللفظ، وذان هذا فاعل سد مسد الخبر وهو مثنى، حينئذ هل يقال: أقائمان الزيدان، أقائمون الزيدون؟ يحتمل أنه داخل فيما سبق، ولكن استثناه بهذا البيت:
وَالثَّانِ مُبْتَداً وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ ... إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقاً اسْتقَرْ
قال: في تطابق الوجهين أقائم زيد إذا كانا مفردين، يجوز وجهان: هل هو خاص بقائم؟ نقول: ليس خاصاً بقائم، بل يدخل فيه أقتيل زيد، قتيل هذا فعيل، وهو يرفع فاعل كما سيأتي في موضعه، حينئذ قتيل يجوز أن يكون مبتدأً؛ لأنه وصف في المعنى فعيل بمعنى فاعل أو مفعول.
فقتيل هذا وصف اعتمد على استفهام، وزيد هذا فاعله، يجوز فيه الوجهان، قتيل مبتدأ وزيد فاعل وسد مسد الخبر، ويجوز أن يكون زيد مبتدأ وقتيل خبر مقدم، وكذلك أجريح الزيدان، أصديق المحمدان .. حينئذ نقول: هذا يجوز فيه الوجهان.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا ... كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا
ما هو عامل المبتدئ؟
سبق أنه معنوي.
وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا، رفعوا من؟ العرب، نطقوا به مرفوعاً، وجعلوا العامل هو الابتداء، وَرَفَعُوا أي: النحاة حكموا بكون المبتدأ مرفوعاً بالابتداء يجوز الوجهان، وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا، لما بين لك المبتدأ وأنه نوعان أراد أن يبين لك حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرفع عن تصوره، ولذلك إذا قيل: المبتدأ هو الاسم المرفوع .. نقول: هذا لا يصح، لماذا؟ لأن المرفوع هذا حكم المبتدأ، أولاً ما هو المبتدأ؟ عرف لنا المبتدأ؟ بين لنا المبتدأ؟ أعطنا ضوابطه أصوله، ثم بعد ذلك قل: هو مرفوع أو منصوب، الاسم المرفوع .. نقول: لا، ليس بصحيح، فلما بين لنا المبتدأ بنوعيه بين لنا حكمه ضمناً؛ لأنه قال: وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً هذا حكم المبتدئ، وبين العامل بكونه بالابتداء.
стр. 515
مذهب سيبويه وجمهور البصريين المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ، والابتداء لغة: هو الافتتاح، وفي الاصطلاح: كون الاسم معرىً عن العوامل اللفظية، هذا هو الابتداء .. كون الاسم معرىً -مجرداً- عن العوامل اللفظية، وقيل: جَعْلُ الاسمِ أولاً لِيُخْبَرَ عنه ثانياً، جعل الاسم أولاً ليخبر عنه ثانياً، وقيل: بل الابتداء هو كون الكلمة أولاً، كون الكلمة ملفوظاً بها أولاً، لا جعل الاسم أولاً ليخبر عنه ثانياً؛ لأن الجعل وصف للجاعل، والابتداء وصف للكلمة، كون الكلمة مبتدأ بها هذا وصف لذات الكلمة، وأما جعل الجاعل فهذا وصف للمتكلم.
على كل المراد بالابتداء هنا: هو كون الكلمة لم يسبقها عامل لفظي، هذا المراد .. لم تسبق بعامل لفظي لا فعل ولا حرف ولا اسم، زيد قائم، زيدٌ مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، هذا المراد.
فالعامل في المبتدأ معنوي وهو كون الاسم مجرداً عن العوامل اللفظية غير الزائدة وما أشبهها، وعرفنا المراد بالزائدة وما هو شبيه بالزائد.
كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا هنا قدم الحكم على معرفة الخبر نفسه، يعني ما بين لنا ما هو الخبر، بل سيذكره بعده وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الْفَائِدَهْ، قدم حكمه على تعريف الخبر، لماذا؟ لوجود المناسبة؛ لأنه لما ذكر أن المبتدأ رفع بالابتداء، بين أن الخبر رفع بالمبتدأ، فجرد هذا البيت لبيان حكم الجزأين، جعل الجزء الأول -المبتدأ في الشطر الأول- بيان حكمه، وجعل الجزء الثاني وهو الخبر في الشطر الثاني، فاشتمل على معرفة حكم الجزأين المسند والمسند إليه، فبين أن المبتدأ مرفوع بالابتداء وهو عامل معنوي، ثم يرد الخبر بأي شيء مرفوع؟ زيد أخوك، زيد مرفوع بالابتداء وأخوك مرفوع بالمبتدأ كما اختاره الناظم هنا.
كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا، كَذَاكَ أي: كرفع المبتدأ بالابتداء رفع الخبر بالمبتدأ في الانتساب إليه، كما أنهم رفعوا المبتدأ بالابتداء، كذاك رفعوا أي: العرب أو النحاة رفعوا الخبر بالمبتدأ.
حينئذ صار عامل المبتدأ معنوياً، وعامل الخبر لفظياً؛ لأنه عين المبتدأ.
زيد أخوك، زيد العامل فيه معنوي، وهو كونه مجرداً عن عامل لفظي غير زائد أو شبيه بالزائد.
стр. 516
وأخوك نقول: هذا خبر مرفوع، ما العامل فيه؟ زيد نفسه، زيد جامد ليس بمشتق كيف عمل؟ قالوا: لاقتضائه الخبر؛ لأن العامل إنما يعمل لكونه يقتضي ما يتمم معناه، ولذلك لما كان الفعل أشد إبهاماً واحتياجاً لغيره من الأسماء كان أصلاً في العمل؛ لأن الفعل (قام) يدل على حدث، ويحتاج إلى فاعل، ويحتاج إلى زمان، ويحتاج إلى مكان، ويحتاج إلى كل ما يسمى متعلقاً يتعلق بالفعل من مُمَيِّزٍ، وحال، وظرف، وجار، ومجرور .. ونحو ذلك، فالأصل في هذه أنها متعلقة بالفعل، فلما كان الفعل أشد إبهاماً واحتياجاً كان أصلاً في العمل، كل ما افتقر إلى غيره فحينئذ أشبه الفعل من حيث الافتقار، وهذا هو خاصية العمل، ما المراد بالعمل، عندما يقول: عامل ومعمول، ضربت زيداً، نقول: الضرب هذا –ضرب- يفتقر إلى فاعل، ويفتقر إلى محل يقع عليه الفعل، ويفتقر إلى زمان، ويفتقر إلى مكان .. إلى آخره، ضربت زيداً، إذاً بينت أن الضارب هو أنا (ضربتُ) وأن هذا الحدث وقع في زمن مضى، ثم هذا الضرب وقع على زيد، بقي ماذا؟ بقي المكان مثلاً لم يبين، ضربت زيداً في داره، ضربت زيداً يوم الجمعة صار تقييد؛ لأنه يحتمل ماذا؟ إذا كان الزمان في ضرب دل على شيء ماض، إلا أنه فيه نوع إطلاق وعموم، فيحتاج إلى تقييد، حينئذ كل ظرف مكان أو ظرف زمان يعتبر مقيداً للفعل، ضربت زيداً يوم الجمعة في داره ضرباً شديداً مبرحاً .. إلى آخره.
فنقول: هذه كلها تقييدات، وكلما زادت رفعت الإبهام عن الفعل، وكلما نقصت كان في الفعل إبهام نوعاً ما، لكن لا يقدح في كونه جملة فعلية؛ لأن الشرط هو تحقيق المسند والمسند إليه وقد وجدا، ولذلك قلنا في الفائدة هناك: ألا ينتظر السامع لشيء انتظاراً تاماً، احترازاً من الانتظار الناقص فلا يقدح في صحة الجملة.
حينئذ عمل المبتدأ لافتقاره واحتياجه إلى الخبر؛ إذ الأصل في المبتدأ أن يكون محكوماً عليه، هذا الأصل، فإذا كان محكوماً عليه فهو مفتقر إلى ما يحكم به عليه، ولذلك عمل في الخبر، هذا وجه كون المبتدأ يعمل في الخبر وهو ليس وصفاً، وإنما هو جامد، كافتقار المضاف إلى المضاف إليه؛ لأن ثم ما يرد أن يقال: بأن المضاف، غلام زيد، قلنا زيد هذا الصواب أنه مجرور بغلام بذات الكلمة، كيف جرت وعملت وهي اسم جامد؟ والأصل في الجامد ألا يعمل، والأصل في الأسماء كلها ألا تعمل، وإنما أُعمل منها ما أشبه الفعل وهو المشتق وهذا لم يشبه الفعل، نقول: أشبه الفعل لا من حيث لفظه، وإنما من حيث ما يقتضيه ويطلبه، فالمضاف مفتقر افتقاراً تاماً إلى المضاف إليه.
إذاً: كَذَاكَ أي: كرفع المبتدأ بالابتداء.
رَفْعُ خَبَرٍك هذا مبتدأ مؤخر، وكَذَاكَ: خبر مقدم
بِالْمُبْتَدَا: هذا ظرف له متعلق بقوله: رَفْعُ، بِالْمُبْتَدَا وحده ليس مع الابتداء؛ احترازاً ممن قال: المبتدأ مرفوع بالابتداء والخبر مرفوع بالمبتدأ والابتداء معاً، وهذا ضعيف، بل المرجح هو ما ذكره الناظم وهو مذهب البصريين وكثير من النحاة المتأخرين: أن المبتدأ مرفوع بالابتداء، وأن الخبر مرفوع بالمبتدأ.
إذاً العامل العامل في الخبر لفظي وهو المبتدأ، وهذا هو مذهب سيبويه.
стр. 517
وذهب قوم إلى أن العامل في المبتدأ والخبر الابتداء، يعني الابتداء هو العامل في المبتدأ وهذا لا إشكال وافقنا، وأن العامل في الخبر هو الابتداء أيضاً، لكن نقول: فالعامل فيهما معنوي؛ لأنه اقتضاهما.
وضُعِّفَ بأن أقوى العوامل لا يعمل رفعين بدون إتباع، فما ليس أقوى أولى بألا يعمل.
عامل لفظي يرفع معمولين، هذا لا يكاد أن يكون له نظير، وهو عامل لفظي إلا إذا كان الثاني تابعاً للأول، وأما كل واحد منهما مستقل هذا لا نظير له، فحينئذ إذا كان العامل اللفظي وهو أقوى وهو الأصل في العوامل لا يعمل رفعين، فحينئذ المعنوي الضعيف والأصل فيه ألا يعمل ألا يرفع معمولين؛ ولذلك صار ضعيفاً.
وذهب قوم إلى أن المبتدأ مرفوع بالابتداء والخبر مرفوع بالابتداء والمبتدأ، وهذا قول المبرد وهو قول بما لا نظير له، أن يجتمع عاملان على معمول واحد، هذا ما يصح، هذا كالزوجين على الزوجة، نقول هذا محرم ما يجوز.
وقيل: ترافعا كل منهما رفع الآخر، ومعناه أن الخبر رفع المبتدأ وأن المبتدأ رفع الخبر، كل منهما مفتقر إلى الآخر، افتقار المبتدأ إلى الخبر، أو الخبر إلى المبتدأ، هذا بالاعتبار السابق، لكن ما دام أمكن أن يعلق على عامل معنوي وهو صحيح معتبر وجعل له محل وهو اسم واحد وهو المبتدأ، حينئذ أولى من أن يقال: بأنهما ترافعا وهذا مذهب الكوفيين واختاره السيوطي في جمع الجوامع.
وأعدل هذه المذاهب مذهب سيبويه وهو الأول:
وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بِالاِبْتِدَا ... كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا
وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ ... كَا اللهُ بَرٌّ وَالأَيَادِي شَاهِدَه
لما بين لنا الجزء الأول وهو المحكوم عليه -المسند إليه- وهو المبتدأ، وكان هذا الباب معقوداً لبيان الجزأين معاً: الجملة الاسمية المبتدأ والخبر، حينئذ لزم أن يبين لنا ما هو الخبر؟
فقال هو: الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ يعني مع المبتدأ؛ لأن الجزء المتم الفائدة هذا يشمل كل ما أفاد مع غيره، قام زيد، زيد هذا جزء تمت به الفائدة مع (قام)، مع ذلك لا نقول خبر.
هل يعترض على الناظم بهذا؟
نقول الصحيح: لا، لا يعترض على الناظم بهذا، لماذا؟ لسببين:
أولاً: أنه عرف الخبر تحت باب المبتدأ، حينئذ لا يحشر معنى الفاعل.
ثانياً: قال: كَاللهُ بَرٌّ وَالأَيَادِي شَاهِدَه حينئذ دل على أن المراد بالجزء الذي تمت به الفائدة هو قوله: بر مع لفظ الجلالة الله مع المبتدأ، وكذلك شاهده مع قوله: الأيادي.
إذاً: اعتراض ابن عقيل هنا ليس له وجه.
стр. 518
الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ يعني مع المبتدأ غير الوصف المذكور، لماذا؟ بدلالة المقام، والأخذ من المثال؛ لأن الجزء المتم الفائدة مع المبتدأ، هذا يشمل الفاعل الذي تمت به الفائدة مع الوصف وهو مبتدأ، أقائم الزيدان، قلنا الزيدان هذا فاعل سد مسد الخبر، قائم حينئذ نقول: هذا مبتدأ، هنا جزء وهو الزيدان تمت به فائدة مع المبتدأ، ومع ذلك لا يصدق عليه أنه خبر، نقول: بدليل المقام أن كلام المصنف في غير الوصف المذكور، من جهة ترتيب النظم، أولاً انتهى مما يتعلق بالوصف وملحقاته، ثم بين الحكم وفصله -حكم المبتدأ والخبر- ثم شرع في بيان الخبر، كأنه عاد إلى النوع الأول وهو المبتدأ الذي له خبر؛ لأنه لما بين لنا أَسَارٍ ذَانِ، وَقِسْ وَكَاسْتِفْهَامٍ .. إلى آخره، وبيناه نحن حينئذ رجعنا إلى الأصل المبتدأ الذي له خبر وهو الغالب ما هو هذا الخبر؟ قال:
الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ
إذاً: لا مع الوصف، فيستثنى بدليل المقام.
وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ
الجزء الذي تتم به فائدة الجملة الاسمية، وخص الخبر وإن حصلت الفائدة بمجموع الجزأين؛ لأن الخبر هو الجزء الأخير من الجزأين، فبه تتم الفائدة؛ لأن المبتدأ كذلك جزء تمت به الفائدة، الله بر، لو قال: (بر) لوحدها ما تمت الفائدة، لو قال: (الله) لوحده لم يكن كلاماً، حينئذ كل منهما جزء متم الفائدة مع غيره، فالمبتدأ جزء تمت به الفائدة مع الخبر، والخبر جزء تمت به الفائدة مع المبتدأ.
إذاً: يصدق على الكل، لكن عبر بالجزء عن الخبر لكونه لاحقاً -هو الثاني-، ولذلك يعبر عن الخبر عند المناطقة وغيرهم بكونه محكوماً به، والمبتدأ هو محكوم عليه، وهذا جعله ابن هشام ﵀ في المغني ضابط في معرفة المبتدأ والخبر إذا أشكل عليك، إذا أشكل عليك أي الاثنين مبتدأ أو خبر ابحث عن المحكوم عليه، الكلام فيه حكم ومحكوم عليه، إذا أخذته إجمالاً من النص حينئذ ما هو المحكوم عليه؟ تصور في النص أو الآية أو الحديث ما هو المحكوم عليه؟ وبماذا حكم عليه؟ حينئذ تصل إلى أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، والحكم هو ما تضمنه الخبر.
إذاً: عبر بالجزء عن الخبر مع كون المبتدأ كذلك جزء تتم به الفائدة مع الخبر، نقول: لكون الخبر يكون ثانياً فيجعل الأول محكوم عليه، ولذلك يسمى عند المناطقة: موضوعاً، وضع من أجل أن يُحمل عليه غيره، كجدران البيت، وأما المحمول فهو كالسقف، حينئذ ثم محكوم عليه ومحكوم به.
وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ
عرفه ابن هشام بتعريف أجود من هذا، بأنه المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة، فخرج بالمسند الفاعل في نحو: أقائم الزيدان، الزيدان هذا مسند أو مسند إليه؟ هو مسند إليه لا مسند، وخرج به مع المبتدأ قام من قولك: قام زيد، المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة، المسند خرج به، الزيدان من قولك: أقائم الزيدان؛ لأنه مسند إليه ليس مسنداً، وخرج به الفعل؛ لأن قولك: قام زيد، (قام) هذا محكوم به، و (زيد) هذا محكوم عليه، فهو فاعل.
стр. 519
حينئذ (قام) مسند أو مسند إليه؟ مسند، إذاً نحتاج إلى إخراجه، بكونه قد تمت به الفائدة مع المبتدأ أو مع الفاعل؟ مع الفاعل لا مع المبتدأ.
كَاللهُ بَرٌّ: بعباده محسن بعباده.
وَالأَيَادِي: النعم، أيادي جمع الجمع، هذا مسموع، أيادي جمع أيدي وهي جمع يد، المراد بها النعم.
اللهُ بَرٌّ كقولك: اللهُ بَرٌّ، الكاف هنا تمثيلية، وليست استقصائية، ومدخولها محذوف كقولك: اللهُ بَرٌّ، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره.
بَرٌّ هذا جزء تمت به الفائدة مع المبتدأ، حينئذ بر هذا خبر مرفوع، مرفوع بالمبتدأ الذي هو لفظ الجلالة، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره.
وَالأَيَادِي على بِرِّهِ جل وعلا نعم وإحسانه بعباده شاهدة بذلك، هو مبتدأ وخبر.
يقول ابن عقيل: عرف المصنف الخبر بأنه الجزء المكمل للفائدة ويرد عليه الفاعل، والصواب لا يرد عليه الفاعل؛ لأن الفاعل لم يدخل في قوله: الابتداء، هو عنوَن للباب ثم كل المسائل تكون مقيدة بأصل الترجمة، هذا ضابط لا بد أن يتنبه له عند النحاة وغيرهم، إذا عنوان حينئذ لا يرد عليه فيما ذكره من مسائل بأنه يدخل كذا ويخرج كذا.
ويرد عليه الفاعل نحو قام زيد فإنه يصدق على زيد أنه الجزء المتم للفائدة، وقيل في تعريفه إنه الجزء المنتظم منه مع المبتدأ جملة، ولا يرد الفاعل على هذا التعريف؛ لأنه لا ينتظم منه مع المبتدأ جملة بل ينتظم منه مع الفعل جملة، وخلاصة هذا أنه عرف الخبر بما يوجد فيه وفي غيره، والصواب أنه خاص بالمبتدأ.
ثم قال ﵀:
وَمُفْرَداً يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ ... حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ
وَإِنْ تَكُنْ إِيَاهُ مَعْنًى اكْتَفَى ... بِهاَ كَنُطْقِى اللهُ حَسْبِي وَكَفَى
الخبر ثلاثة أقسام: مفرد، وجملة، وشبهها وهو الظرف والجار والمجرور.
مفرد، وجملة، وشبه جملة، باستقراء كلام النحاة: أن الخبر ثلاثة أقسام.
أشار إلى الأول بقوله: وَمُفْرَداً يَأْتِي، وأشار إلى الثاني بقوله: وَيَأْتِي جُمْلَهْ، وأشار إلى الثالث بقوله فيما سيأتي: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ.
فهي أقسام ثلاثية كلها ستأتي في كلام الناظم رحمه الله تعالى.
وَمُفْرَداً يَأْتِي، يعني: ويأتي الخبر مفرداً حال كونه مفرداً، فمفرد هذا حال مقدم، لقوله: يأتي، يأتي هو أي الخبر، حال كونه مفرداً، وهذا هو الأصل، وسيبين حكمه بقوله:
وَالمُفْرَدُ الجَامِدُ فَارِغٌ وَإِنْ ... يُشْتَقَّ فَهْوَ ذُو ضَمِيرٍ مُسْتكِنْ
هذا من حيث الإبراز، وأما من حيث التعريف فالمفرد هنا في باب الخبر إذا كانت القسمة ثلاثية، حينئذ ما ليست جملة ولا شبيهاً بالجملة هو المفرد، فيشمل المفرد في باب الإعراب الذي ليس من الأسماء الستة، ولا مثنى، ولا مجموعاً .. إلى آخره، ويدخل فيه المثنى ويدخل فيه الجمع بأنواعه.
زيد قائم: (قائم) هذا مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.
الزيدان قائمان: (الزيدان) مبتدأ، و (قائمان) خبره، نقول: هذا الخبر مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.
الزيدون قائمون: (الزيدون) مبتدأ و (قائمون) خبر، وهو مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.
стр. 520
الهندات قائمات، الرجال قيام .. نقول: قيام وقائمات هذا مفرد؛ لأنه ليس بجملة ولا شبيه بالجملة.
وَيَأْتِي جُمْلَهْ، وسيأتي تفصيل المفرد.
وَيَأْتِي جُمْلَهْ: يعني ويأتي الخبر حالة كونه جملة، والجملة المراد بها: القول المركب، بمعنى أنها يشترط فيها الإسناد أن يكون فيها مسند ومسند إليه، ولا يشترط فيها أن تكون كلاماً؛ لأنها أعم منه.
لَفظٌ مُفيدٌ بِالكلامِ يُدعَى ... وَجملةٌ فَهْيَ أَعمُّ قَطعاً
فحينئذ نقول: الجملة أعم من الكلام؛ لأن الجملة هي القول المركب.
وَيَأْتِي جُمْلَهْ: والجملة نوعان: جملة اسمية، وجملة فعلية، فيدخل في الخبر أنه جملة اسمية، زيد أبوه قائم، (زيد) مبتدأ، و (أبوه) مبتدأ ثاني وقائم خبر الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ الأول، زيد أبوه قائم، زيد قام أبوه .. (زيد) مبتدأ، و (قام أبوه) فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
إذاً: وقع جملة الخبر اسمية ووقعت فعلية.
ويدخل في الاسمية المصدرة بحرف عامل.
زيد ما أبوه قائماً -هذه مهمة انتبه لها-، يدخل في الاسمية المصدَّرة بحرف عامل، ما أبوه قائماً (ما) حجازية وهي تعمل عمل (ليس) فتدخل على المبتدأ فترفعه على أنه اسم لها، والخبر تنصبه على أنه اسم لها، حينئذ هل يصح إيقاع الجملة الخبرية أن تكون (ما) ومدخولها وهو حرف ناسخ عامل هل يصح؟ الصحيح نعم.
فيقال: زيد ما أبوه قائماً، (زيد) مبتدأ و (ما) حرف نفي، تعمل عمل (ليس) حجازية لا تميمية، وأبوه هذا اسم (ما) وقائماً بالنصب خبرها ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١] مثله، فحينئذ (ما أبوه قائماً) الجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
إذاً: المصدرة بحرف عامل حينئذ يصح أن تقع خبراً للمبتدأ.
وزيد إنه قائم: (زيد) مبتدأ (إن) حرف توكيد ونصب من نواسخ المبتدأ والخبر، والضمير هنا اسم (إن) في محل نصب، وقائم خبر (إنَّ)، والجملة من الناسخ والمنسوخ نقول: هذا في محل رفع خبر المبتدأ.
إذاً: يصح أن تكون جملة الخبر الاسمية قد دخل عليها حرف ناسخ وقد عمل فيها.
(زيد ما أبوه قائماً) الجملة خبر، وهي اسمية، (زيد إنه قائم) جملة (إنه قائم) هذه في محل رفع خبر.
ومنع الكوفيون وقوع المصدرة بـ (إنَّ) المكسورة وما عملت فيه خبراً للمبتدأ، يعني: إنه قائم منعه الكوفيون.
ويدخل فيها الجملة المصدرة باسم شرط غير معمول لفعله نحو: زيد من يكرمه أكرمه.
(زيد) مبتدأ، (من يكرمه أكرمه) هذا اسم شرط، ليس معمولاً لفعله، بمعنى أنه في محل رفع مبتدأ، فـ (من) هنا اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
(من يكرمه أكرمه) الجملتان: جملة الشرط، وجملة الجواب.
فمن مبتدأ، وجملة الشرط والجواب على الصحيح في محل رفع خبر المبتدأ الثاني.
وقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: لا خبر لها .. أربعة أقوال.
(من يكرمه أكرمه) قلنا: (من) هذه مبتدأ، أين الخبر؟ قيل: لا خبر له، وجملتا الشرط سدت مسد الخبر، وهذا ضعيف، وقيل: جملة الشرط، يعني (يكرمه) وقيل: الجواب: أكرمه، وقيل: هما معاً وهو الصحيح.
إذاً: من يكرمه، أكرمه، نقول: (من) هذه مبتدأ، وجملتا الشرط في محل رفع خبر المبتدأ الثاني.
стр. 521
و (زيد) هذا مبتدأ أول، واسم الشرط من المبتدأ وخبره حينئذ في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
ويدخل في الفعلية المصدرة بحرف شرط.
زيد إن يقم أقم معه: (زيد) مبتدأ، وجملة (إن يقم أقم معه) في محل رفع خبر المبتدأ، وكذلك إذا كانت مصدرة باسم شرط معمول لفعله زيد أيَّهم يضرب أضرب، أَيّاً مَا تَدْعُو .. نقول هذا اسم شرط مقدم، وقد عمل فيه الفعل، فإن لم يعمل فهو داخل في الاسمية، إن عمل فيه وتقدم حينئذ صار داخلاً في الفعلية.
زيد أيَّهم: هذا مفعول به مقدم، وإذا كان مفعولاً حينئذ عمل فيه الفعل، فصارت جملة فعلية، والمصدرة بمعمول فعلها زيد عمرواً يضرب، أصل التركيب: زيد يضرب عمراً، تقدم المعمول زيد عمراً يضرب، هل خرجت عن كونها جملة فعلية؟ الجواب: لا، بل هي جملة فعلية، إذاً: يصح الإخبار بها.
أو بحرف تنفيس، زيد سوف يصلي: زيد مبتدأ، وسوف يصلي هذه الجملة خبر.
إذاً: قوله: جملة دخل فيه الجملة الاسمية والجملة الفعلية بنوعيها على ما ذكرناه سابقاً.
قال الناظم:
حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ بمعنى: أن هذه الجملة لا تكون خبراً على جهة الإطلاق، بل لا بد من قيود، وهذه القيود ثلاثة:
أولاً: أن تكون خبرية، بمعنى أنها محتملة للصدق والكذب.
فحينئذ هل تقع الجملة الطلبية أو الإنشائية خبراً عن المبتدأ؟ نقول: منع ثعلب أن تكون الجملة الطلبية خبراً، ومنع غيره أن تكون الإنشائية خبراً، والصواب: أنه يجوز مطلقاً سواء كان في الخبرية أو الإنشائية أو الطلبية أن تقع خبراً للمبتدئ.
إذاً نقول مرة أخرى: يشترط في الجملة التي تقع خبراً ثلاثة شروط، -وهذه مجمع عليها-:
الأول: هو ما أشار إليه الناظم بقوله:
حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ
وهذا سيأتي شرحه.
الثاني: ألا تكون الجملة ندائية: زيد يا أعدل الناس .. نقول: هذا لا يصح.
الثالث: ألا تكون مصدرة بأحد الحروف: لكن، وبل، وحتى؛ لأنها تقتضي أن يكون ما بعدها تابعاً لما قبلها، لا بد أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، يعني ليست أجنبية عن المبتدأ.
يشترط ألا تكون الجملة ندائية.
يشترط ألا تكون جملة الخبر مصدرة بأحد الحروف: لكن، وبل، وحتى التي تدل على أن ما بعدها له ارتباط بما قبلها، حينئذ يكون مكملاً له.
والقسمية منع ثعلب أن تكون جملة خبرية، زيد أقسم بالله إنه لكريم، هل يصح أن تكون أقسم بالله -هذه الجملة- خبر، الصحيح أنه يصح، وثعلبة أنكر ذلك ورد عليه بالسماع، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) [العنكبوت:٦٩].
((لَنَهْدِيَنَّهُمْ)) هذه اللام موطئة للقسم، (وَالَّذِينَ) هذا مبتدأ، ((لَنَهْدِيَنَّهُمْ)) هذه الجملة خبر، وهذا يكفي في رد ما قاله ثعلبة.
والطلبية منعها ابن الأنباري؛ لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، والخبر حقه ذلك، ورد بأن المفرد يقع خبراً إجماعاً ولا يحتمل ذلك وبالسماع كذلك.
стр. 522
زيد قائم: (قائم) هذا لا يحتمل الصدق ولا الكذب، فلا يشترط في الجملة أنها تحتمل الصدق والكذب، ما لا يحتمل الصدق والكذب نقول: هذا إنشاء، وما احتمل الصدق والكذب هذا خبر .. هل يشترط في جملة الخبر أنها تحتمل الصدق والكذب؟ نقول: لا، لا يشترط. بدليل ماذا؟ بدليل أن المفرد يقع خبراً، زيد قائم زيد أخوك (أخوك) هذا لا يحتمل؛ لأن الخبر هذا من أوصاف الكلام، يعني من أنواع الكلام.
الكلام ينقسم إلى: خبر وإنشاء.
مُحتمِلٌ للصِّدقِ والكِذبِ الخبرْ ... وغيره الإِنشا ولاَ ثالثَ قرّ
إذاً: بهذه الشروط الثلاثة نقول: يجوز أن تقع الجملة خبراً عن المبتدأ
حَاوِيَةً مَعْنَى أي: مشتملة، حَاوِيَةً هذا صفة لجملة، و (معنى) هذا مفعول لحاوية وهو مضاف والذي مضاف إليه.
سِيقَتْ: خبراً له حَاوِيَةً، أي: هذه الجملة التي تقع خبراً سواء كانت جملة اسمية أو جملة فعلية يشترط فيها أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، لماذا؟ لأن الأصل في المبتدأ أنه منفك عن الخبر؛ لأنه محكوم عليه، والخبر محكوم به، فإذا كان جملة حينئذ صار أجنبياً عن المبتدأ، ونحن نريد أن نبين أن هذا الذي تضمنته الجملة هو صادق على المبتدأ، حينئذٍ لا بد من رابط، لا بد من مسهل للمعنى الذي دلت عليه الجملة ليصل على المحكوم عليه وهو المبتدأ.
حَاوِيَةً: يعني مشتملة، على ما يدل على معنى المبتدأ.
حَاوِيَةً مَعْنَى أي: على ما يدل على معنى المبتدأ، وهنا لم يقل ضمير؛ لأن الرابط ليس خاصاً بالضمير، بل يشمل اسم الإشارة والعموم وما سيأتي ذكره.
حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ خبراً لَهْ ليحصل الربط، وما هو الذي سيقت هذه الجملة خبراً له؟ المبتدأ.
حَاوِيَةً: مشتملة.
مَعْنَى: معنى الَّذِي سِيقَتْ هذه الجملة خبراً له، يعني لا بد أن يكون المبتدأ موجوداً في المعنى في ضمن جملة الخبر.
حَاوِيَةً: مشتملة، مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ وهي إنما سيقت لماذا؟ ليخبر بها عن المبتدأ، إذاً لا بد أن يكون المبتدأ معنى موجود في ضمن جملة الخبر الاسمية أو الفعلية، لا بد أن يكون مكرراً إما بالضمير، إما باسم الإشارة كما سيأتي.
وشرط هذا الضمير الذي يكون رابطاً وهو الأصل وغيره محمول عليه أن يكون مطابقاً للمبتدأ، نحو: زيد قام غلامه (زيد) هذا مبتدأ، و (قام غلامه) (قام) فعل، و (غلامه) هذا فاعل أضيف إلى الضمير، مرجع الضمير ما هو؟ زيد.
إذاً: قام غلامه نقول: الجملة في محل رفع خبر اللمبتدأ، اشتملت على ضمير على معنى المبتدأ الذي جعلت هذه الجملة خبراً له، كأنه قال: قام غلام زيد، فأعاد زيد مرة أخرى، فهي مشتملة على معنى المبتدأ مرة أخرى في لفظ التركيب، جاء زيد قام غلامه، (غلامه) نقول: الضمير هذا يعود على زيد.
стр. 523
لو قال: الزيدان قام غلامهما، لا بد من التطابق (غلامهما) هذا يعود على المبتدأ وهو مثنى، الزيدون قام غلمانهم، إعادة بجمع، حينئذ لا بد أن يكون مطابقاً للمبتدأ، إن كان المبتدأ مفرداً كان الضمير الذي في الجملة مفرداً، وإن كان مثنى فمثنى، وإن كان جمعاً فجمعاً، وعند الجمهور لا يجوز حذفه سواء كان مرفوعاً مبتدأ أو فاعلاً أو منصوباً بفعل متصرف أو جامد أو ناقص أو وصف أو حرف أو مجرور، إلا في صورة واحدة وهي: أن يجر بحرف ولا يؤدي حذفه إلى تهيئة عامل آخر، (السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ).
(السمن) هذا مبتدأ أول، (مَنَوَانِ) تثنية مَنَى مبتدأ ثاني (بِدِرْهَمٍ) خبر الثاني، الجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدئ الأول، أين الرابط؟ لا يوجد رابط له في اللفظ، وإنما هو محذوف (مَنَوَانِ منه بِدِرْهَمٍ) في هذه الصورة يجوز حذف الرابط، وما عداه فلا. وثم تفصيل أيضاً خلاف في هذه المسألة. إلا في صورة واحدة وهي: أن يجر بحرف ولا يؤدي حذفه إلى تهيئة عامل آخر نحو: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ، أي: مَنَوَانِ منه، بخلاف ما إذا أدى نحو: الرغيف أكلت .. الرغيف أكلته، (الرغيف) مبتدأ، و (أكلته) الجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، أين الضمير؟ الهاء أكلته، لو حذفته الرغيف أكلت، هذا يحتمل ماذا؟ لما حذف الضمير هيأ العامل لأن يتسلط على الرغيف، فينصبه على أنه مفعول به، وهذا ممنوع، لماذا؟ لأننا بحذف الضمير هيأنا العامل، جهزناه، جعلناه صالحاً لأن يتسلط على المبتدأ فينصبه على أنه مفعول به له: الرغيف أكلته، الرغيف أكلت، يظن أنه أكل الرغيف لا غيره، من باب تقديم ما حقه التأخير، بخلاف ما إذا أدى نحو: الرغيف أكلت، أو جر بإضافة سواء كان أصله النصب نحو: زيد أنا ضاربه أم لم يكن نحو: زيد قام غلامه.
على كل ثم تفصيل طويل موجود في المطولات، لكن الأصل عدم جواز حذف هذا الضمير.
وَيَأْتِي جُمْلَهْ ... حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ.
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: ينقسم الخبر إلى مفرد وجملة وسيأتي الكلام على المفرد.
فأما الجملة فإما أن تكون هي المبتدأ في المعنى أو لا، فإن لم تكن هي المبتدأ في المعنى فلا بد فيها من رابط يربطها بالمبتدأ، يعني ضمير عائد على المبتدأ، ويشترط فيه أن يكون مطابقاً للمبتدأ إفراداً وتثنية وجمعاً، والأصل فيه عدم جواز حذفه إلا ما استثني.
وهذا معنى قوله: حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ.
والرابط الأصل فيه الضمير، وما عداه فهو نائب مناب الضمير، هذا الأصل فيه.
إما ضمير يرجع إلى المبتدأ نحو: زيد قام أبوه، (زيد) مبتدأ، و (قام أبوه) فعل وفاعل، والضمير الذي هو المضاف إليه يرجع إلى زيد.
стр. 524
وقد يكون الضمير مقدراً نحو: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ، ((وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [النساء:٩٥]-على قراءة الرفع- ((وَكُلٌّ))، ((وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) وَكُلٌّ وعده الله الحسنى حذف الضمير، أو إشارة إلى المبتدئ، أن يكون اسم إشارة كقوله: ((وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)) [الأعراف:٢٦] في قراءة من رفع لباس، ((وَلِبَاسُ)) بالرفع، أما ((وَلِبَاسَ)) ليس فيه دليل.
((وَلِبَاسُ)) هذا مبتدأ أول، وهو مضاف والتقوى مضاف إليه ((ذَلِكَ)) هذا مبتدأ ثاني، و ((خَيْرٌ)) خبر المبتدأ الثاني، والجملة من ذَلِكَ خَيْرٌ في محل رفع خبر مبتدأ الأول، ما هو الرابط؟ اسم الإشارة، ما وجه الربط؟ اسم الإشارة كالضمير، يحتاج إلى مرجع، لا بد من مرجع، حينئذ ((ذَلِكَ خَيْرٌ)) المشار إليه لباسُ التقوى، كأنه مذكور ضمناً في الجملة ((ذَلِكَ)) المشار إليه هو لباس التقوى، كأنه أعيد مرة أخرى، ويصح أن يكون (ذلك) هذا عطف بيان أو نعت للباس، ويكون (خير) هذا خبر لباس، فلا يكون فيه شاهد، وأحسن منه الاستدلال بقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)) [الأعراف:٣٦] (والذين) هذا مبتدأ أول ((كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا)) جملة الصلة معطوف عليها ((أُوْلَئِكَ)) هذا مبتدأ ثاني، ((أَصْحَابُ النَّارِ)) خبر الثاني، والجملة من قوله: ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)) في محل رفع خبر الذين.
أو –الثالث-: تكرار المبتدأ بلفظه، يعاد المبتدأ كما هو، وأكثر ما يكون في مواضع التفخيم والتهويل ((الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢))) [الحاقة:٢،١] ((الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢))) [القارعة:٢،١] ((وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ)) [الواقعة:٢٧].
((الْقَارِعَةِ)) نقول: هذا مبتدأ أول، ((مَا)) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ ثاني، ((الْقَارِعَةِ)) خبر الثاني والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
أين الرابط؟ إعادة المبتدئ بلفظه؛ لأنه عينه، ولذلك في مثل هذا نقول: أعيدت المعرفة معرفة، فهي عين الأولى، على القاعدة المشهورة عند البيانيين، إذا أعيدت المعرفة معرفة فهي عين الأولى، وهنا ((الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢))) القارعة الثانية اللفظ هو عين اللفظ الأول، بدليل أن (أل) هذه للعهد الذكري، يعني: التي ذكرت سابقاً.
وقد يستعمل في غيرها (زيد ما زيد) يعني تكرار المبتدأ قد يستعمل في غير مواضع التفخيم والتعظيم.
أو –الرابع-: عموم يدخل تحته المبتدأ نحو: زيد نِعم الرجل، (زيد) مبتدأ، و (نِعم الرجل) الجملة خبر، (نِعم) فعل ماضي، و (الرجل) هذا فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ.
стр. 525
أين الرابط؟ الرابط (أل) هذه للعموم -تفيد العموم-، وزيد فرد من أفراد العموم، زيد نِعم الرجل، الرجل (أل) هذه للعموم، وزيد فرد من أفراد الرجال، حينئذ دخل وحصل الربط بينهما، زيد فرد من أفراد مدخول (أل) نعم الرجل، وقيل (أل) عهدية، والمراد خصوص زيد ويكون من باب إعادة المبتدأ بمعناه، وإذا قيل: زيد نعم الرجل، الرجل (أل) هذه للعهد، حينئذ ليس عندنا عموم فيكون الربط هنا من باب إعادة المبتدأ بمعناه؛ لأن المبتدأ قد يكون الرابط بينه وبين جملة الخبر إعادته بلفظه كـ ((الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢))) وقد يكون بالمعنى، ومنه المثال الذي ذكرناه، فزيد هو الرجل أعدته مرة أخرى بالمعنى، زيد جاءني أبو عبد الله، وأبو عبد الله هو كنيته، (زيد) مبتدأ وجاءني أبو عبد الله الجملة في محل رفع خبر المبتدأ أين الرابط؟ إعادة المبتدأ بمعناه، فأبو عبد الله هو كنية زيد، فحينئذ حصل الربط أو لا؟ حصل الربط، والمراد بالربط: كل ما يؤدي إلى أن يكون المبتدأ في ضمن الجملة بأي وسيلة، فحينئذ حصل الربط بالمعنى، هذه يتعلق بالجملة إن كانت مغايرة للمبتدأ، فإن كانت هي في المعنى فحينئذ لا نحتاج إلى رابط، ولكن هذا قليل في أفراد يعني معدودة، وإلا الأصل أن تكون جملة الخبر مغايرة هذا الأصل، لماذا؟ لأننا جئنا بجملة الخبر من أجل أن تكون حكماً ومحكوماً بها، والمبتدأ محكوم عليه، فإذا كان هو عينه في المعنى لم نحتج إلى جملة.
وَإِنْ تَكُنْ إِيَاهُ مَعْنًى اكْتَفَى ... بِهاَ كَنُطْقِى اللهُ حَسْبِي وَكَفَى
(وإن تكن) الضمير يعود إلى الجملة التي تقع خبر، إن تكن الجملة التي وقعت خبراً عن المبتدأ (إِيَاهُ مَعْنًى) (إِيَاهُ) ما إعرابه؟ خبر.
(إن تكن إياه) تكن الجملة اسم (تكن) ضمير مستتر، و (إياه) نقول: هذا خبر تكن، ومصدقه المبتدأ، إن كانت الجملة هي عين المبتدأ (إِيَاهُ مَعْنًى) تمييز من جهة المعنى (اكْتَفَى
بِهاَ) بالجملة دون أن نشترط أن تكون حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ، يعني: لا يشترط لها رابط.
(كَنُطْقِى: اللهُ حَسْبِي وَكَفَى)، (نطقي) مبتدأ، و (الله) مبتدأ ثاني، و (حسبي) خبر الثاني، والجملة: خبر مبتدأ الأول، أين الرابط؟ لا رابط، ليس فيه رابط.
(نُطْقِى) أي: منطوقي الذي تلفظت به (اللهُ حَسْبِي).
(أخبرت عن كون منطوقي) هو هذا اللفظ.
إذاً: المنطوق الذي نطقت به هو اللهُ حَسْبِي لا فرق بينهما، هي في المعنى نفسها، (كَنُطْقِى) أي: المنطوق به، (اللهُ حَسْبِي) فهي نفسها، هي عينها بالمعنى.
(وكفى) لأنها في الحقيقة تفسير للمبتدئ مرتبطة به ارتباط التفسيرية بالمُفَسَّر، حينئذ لا نحتاج إلى رابط، ولذلك قال هنا: وإن كانت الجملة الواقعة خبراً هي المبتدأ في المعنى لم تحتج إلى رابط، وهذا معنى قوله: وَإِنْ تَكُنْ إلى آخره.
стр. 526
وَإِنْ تَكُنْ الجملة (إياه) أي: المبتدأ في المعنى –من جهة المعنى- اكتفى بها عن الرابط، الجملة نفسها يكتفى بها عن الرابط، كقولك: نطقي الله حسبي، نطقي مبتدأ أول والاسم الكريم مبتدأ ثاني وحسبي خبر عن المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر عن المبتدأ الأول واستغنى عن الرابط؛ لأن قولك: الله حسبي، هو معنى نطقي، بل هو عينه، وكذلك قولي: لا إله إلا الله، الجملة خبر، وقولي: هذا مبتدأ، وحينئذ نقول: لا نحتاج إلى رابط.
و ﴿أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله﴾ وهذا كثير في ضمير الشأن، أي: وقوع خبر المبتدأ جملة هي المبتدأ في المعنى: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١]. (هو): مبتدأ أول، (الله) مبتدأ ثاني، (أحد) خبر الثاني والجملة خبر الأول ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) مرجع الضمير: الله، إذاً: اللَّهُ أَحَدٌ، نقول: هذا هي عين المبتدأ ((هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١] مرجع الضمير هو الله ، إذاً: اللَّهُ أَحَدٌ جملة الخبر لا تحتاج إلى رابط لأنها عين المبتدأ في المعنى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 527
عناصر الدرس
* النوع الثاني ,أحكامه (الخبر المفرد) ـ
* النوع الثالث وانوعه وشروطة (الخبرالشبيه بالجملة) ـ
* حكم الإبتداء بالنكرة
* ضابط الإبتداء بالنكرة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
والمُفْرَدُ الجَامِدُ فَارِغٌ وَإِنْ ... يُشْتَقَّ فَهْوَ ذُو ضَمِيرٍ مُسْتكِنْ
عرَّف الخبر؛ بـ: أنه الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الْفَائِدَهْ، ثم قسَّمه إلى ثلاثة أقسام من حيث اللفظ -من حيث النطق- يرجع إلى ثلاثة أقسام: مفرد وجملة، وشبه الجملة وهو: الظرف والجار والمجرور.
قال:
وَمُفْرَداً يَأْتِيْ وَيَأْتِيْ جُمْلَة ... حَاْوِيَةً مَعْنَى الَّذِيْ صِيْغَتْ لَهْ
وَإِنْ تكُنْ إِيَّاهُ مَعْنىً اكْتَفَى ... بِهَا كَنُطْقي اللهُ حَسْبِي وَكَفَى
إذاً: وَمُفْرَداً يَأْتِيْ هذا القسم الأول، ثم قال: وَيَأْتِيْ جُمْلَة، هذا القسم الثاني، وسيأتي قسم ثالث: وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ، والأصل أن يرتب على حسب التقسيم، يذكر المفرد ثم ما يتعلق به من حكم إذا كان جامداً أو مشتقاً ونحو ذلك، لكنه بدأ في الجملة ثم عاد إلى المفرد، ولذلك ابن هشام في التوضيح نكَّت عليه بأن ذكر المفرد وما يتعلق به قدَّمه ثم بعد ذلك ذكر الجملة، هذا هو الأصل، ولكن الناظم أحياناً لا يمشي على ترتيب معين.
وَمُفْرَداً يَأْتِيْ وَيَأْتِيْ جُمْلَة، بيَّن شرطها وتممنا بقية الشروط على ما ذكرناه سابقاً.
ثم عاد إلى المفرد ليبين مسألة مهمة تتعلق به، وعرفنا أن المفرد هنا في باب المبتدأ والخبر أنهما ليسا جملةً ولا شبيهاً بالجملة، حينئذٍ يدخل فيه المفرد في باب الإعراب كزيدٍ وأخيك، وهذا من الأسماء الستة، ويدخل فيه المثنى، المذكر والمؤنث، ويدخل فيه كذلك الجمع بأنواعه كلها، جمع المؤنث السالم، وجمع المذكر السالم، وجمع التكسير، هذه كلها يطلق عليها أنها مفرد في باب المبتدأ والخبر، حينئذٍ قوله والمفرد يشمل كل الذي ذكرناه من أنواع.
والسيوطي رحمه الله تعالى في جمع الجوامع عرَّفه بتعريف أيضاً جيد قال: هو ما للعوامل تسلط على لفظه مضافاً كان أو غيره، ما للعوامل تسلُّط على لفظه، هذا خرج به الجملة بنوعيها: الاسمية والفعلية؛ لأنها لا تتسلط العوامل على اللفظ وإنما على المحل فيرفعه المبتدأ محلاً ولا يتسلط على لفظه، وكذلك الجار والمجرور والظرف؛ لأنهما إنما يكونان معمولين لمحذوف لابد أن يتعلق بمحذوف.
وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرّ ... نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أوِ اسْتَقَرّ
إذاً بهذا الحد خرج الجملة بنوعيها، وخرج كذلك الظرف والجار والمجرور؛ لأنه لا يتسلط العامل الذي هو المبتدأ على لفظ ما ذكرناه، وإنما يختص بالمفرد سواء كان مضافاً أو غير مضاف، زيد أخوك، هذا مضاف ومضاف إليه، المفرد هنا مضاف ومضاف إليه، هذا غلام زيد، هذا مبتدأ، وغلام زيد: هذا مفرد وهو مضاف ومضاف إليه، إذاً يكون عاماً يشمل المثنى وما ذكرناه ويدخل فيه كذلك المضاف والمضاف إليه.
стр. 528
والمُفْرَدُ الجَامِدُ فَارِغٌ، المفرد ينقسم إلى قسمين -هنا في هذا المحل-: إما أن يكون مشتقاً وإما أن يكون جامداً، والمراد بالمشتق ما دل على متصف مصوغاً من مصدر كضارب ومضروب، وحسن وأحسن منه، وهو الذي دائماً نذكره ما دل على ذات وصفة، ولكن المشتق نوعان: مشتق يجري مجرى الفعل، ومشتق لا يجري مجرى الفعل، فحينئذٍ التعريف المذكور السابق -ما دل على ذات وصفة- هذا خاص، وأما ما دل على متصف مصوغاً بمصدر هذا فيه نوع عموم ولذلك المشتق يختلف عند الصرفيين عنهم عند النحاة ففرق بين بين فريقين.
إذاً المشتق ما دل على متصف مصوغاً للمصدر كضارب ومضروب، وحسن وأحسن منه، والجامد بخلافه ما لا يدل على ذلك حينئذٍ يكون إما أن يدل على ذات فقط كزيد، وإما أن يدل على معنى فقط كعِلْم مثلاً، أو ضرب أو قتل، فالمصادر مدلولها الحدث فحسب، وهذا معنى من المعاني، حينئذٍ نقول: الجامد إما أن يكون ذاتاً وإما أن يكون معنًى، والمشتق إما أن يكون جارياً مجرى الفعل كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبه -التي تعمل ترفع وتنصب- هذه نقول مشتقات جرت مجرى الفعل، وثَمَّ مشتقات لم تجرِ مجرى الفعل، مثل: مفتاح هذا مشتق من اسم آلة مشتق من الفتح للآلة نفسها، وكذلك مرمى اسم مكان أو اسم زمان، نقول: هذه مشتقات ولا شك ولكنها لا تعمل حينئذٍ لم تجرِ مجرى الفعل، ففرق بين النوعين.
والمُفْرَدُ الجَامِدُ، والجامد كذلك نوعان: جامد يؤول بمشتق، يعني: يكون في قوة المشتق، يعني: من حيث المعنى يفسر بمشتق، زيد أسد، يعني: شجاع، ففسر أسد هنا في تأويل مشتق وهو شجاع فُعال، وكذلك عمرو تميمي، أي: منسوب إلى تميم، وبكر ذو مال، هذا جامد لكنه في قوة المشتق، يعني: يؤول بالمشتق، أي: صاحب مال، وقد لا يؤول بالمشتق بأن يكون جامداً محضاً خالصاً، زيد أخوك، تقول: زيد أخوك مبتدأ وخبر، أخوك هذا خبر لكنه ليس في قوة المشتق.
стр. 529
هنا قال: والمُفْرَدُ الجَامِدُ، عرفنا حد المُفْرَدُ الجَامِدُ فَارِغٌ، حكم عليه بأنه فارغ، المُفْرَدُ مبتدأ والجَامِدُ صفته وفَارِغٌ هذا خبر المبتدئ، حينئذٍ حكم الناظم هنا بأن المفرد فارغ، المُفْرَدُ الجَامِدُ فَارِغٌ .. من ماذا؟ من الضمير، فلا يتحمل ضميراً، زيد أخوك، أخوك هذا قلنا جامد، هل فيه ضمير يعود إلى المبتدئ؟ ليس فيه ضمير؛ لأنه جامد، ليس الشأن في المفرد كالشأن في الجملة الاسمية أو الفعلية، الجملة الفعلية والاسمية لابد أن تكون مشتملة على رابط يربطها بالمبتدأ، وأما المفرد فلا لكن قد يكون متحملاً للضمير وقد لا يكون، فلا يشترط في المفرد الذي لا يتحمل أن يكون متحملاً لضمير من أجل أن يعود على المبتدأ إذ ذاك الشرط في الجملة فقط، وأما في المفرد فلا يشترط، ولو قيل: بأنه في المشتق أو الجامد الذي يؤول بالمشتق أنه يتحمل للضمير، وأما الجامد المحض الخالص فهذا الصحيح من مذهب البصريين خلافاً للكوفيين أنه فارغ من الضمير فليس فيه ضمير، حينئذٍ لا يصح أن يقال على مذهب البصريين لغة: زيد أخوك هو؛ لأننا إذا قلنا يتحمل للضمير حينئذٍ جاز إبرازه فيقال: زيد أخوك هو، نقول: هذا فاسد، لماذا؟ لأن (هو) هذا إبراز للضمير المستتر في أخوك على القول به، ونحن نقول: لا يتحمل الضمير بل هو فارغ جامد خالص ليس فيه ضمير يعود على المبتدأ، حينئذٍ قوله: زيد أخوك هو، نقول: هذا ليس بسديد.
والمُفْرَدُ الجَامِدُ فَارِغٌ، أي: لا يتحمل ضميراً، هذا المراد بكونه فارغاً -لا يتحمل ضميراً- نحو: زيد أخوك، فلا يقال: زيد أخوك هو، هذا باطل.
وزعم الكسائي أنه يتحمله، أنه يتحمل الضمير الجامد الخالص، زيد أخوك هو فصار هو هذا تأكيد للضمير في أخوك، ونسب إلى الكوفيين، يعني: كون الجامد الخالص متحملاً للضمير منسوب لمذهب الكوفيين.
قال ابن مالك: وهي دعوى لا دليل عليها، القول بأن الجامد الخالص يتحمل ضميراً دعوى لا دليل عليها وإنما هو مجرد اجتهاد نظري.
قال أبو حيان: وقد رد بأنه لو تحمل ضميراً لجاز العطف عليه مؤكداً، فيقال: هذا أخوك هو وزيد، لو كان متحملاً لضمير فأبرز قيل: زيد أخوك هو، أو: هذا أخوك هو وزيد، صح العطف عليه وتأكيده كذلك، فيقال: هذا أخوك هو وزيد، كما تقول: زيد هو قائم هو وعمرو، زيد قائم، قائم هذا مشتق ويتحمل للضمير، حينئذٍ يجوز أن يقال: زيد قائم هو وعمرو، عَطَفْتَ عليه، وأما زيد أخوك هو هذا لا يصح أن يعطف عليه، لماذا؟ لأن الضمير في أصله ليس بثابت لغة، حينئذٍ لا يصح العطف عليه ولا تأكيده، بخلاف المشتق فإنه يتحمله إن لم يرفع ظاهراً نحو: زيد قائم، ولذلك قال الناظم:
وَإِنْ يُشْتَقَّ فَهْوَ ذُو ضَمِيرٍ مُسْتَكِنْ.
وَإِنْ يُشْتَقَّ، أي: المفرد، إن كان المفرد مشتقاً وهذا يشمل نوعين: مشتقاً أصالةً، ومشتقاً عَرَضَاً وطُرُوَّاً.
المشتق أصالة: هو ما دل على متصف مصوغاً من مصدر، بأن يجري مجرى الفعل فيرفع وينصب.
стр. 530
والنوع الثاني: أن يكون جامداً لكنه مؤولاً بالمشتق، فحينئذٍ في هاتين الحالتين يكون فيه ضمير مستكن يعني مستتر، يكون فيه ضمير مستتر، زيد قائم، زيد: مبتدأ، وقائم خبر، وهو مفرد مشتق؛ لأنه مشتق من القيام –المصدر- مصوغ من القيام، حينئذٍ نقول: قائم هذا متحمل للضمير، فيجوز أن يقال: زيد قائم هو، فحينئذٍ في الضمير هو بعد إبرازه وجهان عند سيبويه: إما أن يكون فاعلاً، وإما أن يكون تأكيداً للفاعل، فيجوز فيه هذا وذاك، ولو جعل تأكيداً لكان أجود.
زيد قائم هو، هذا يكون من باب التأكيد، إذاً قائم هذا مشتق، وقد استكن فيه ضمير مستتر أبرزه بقوله: هو، وإعرابه إما أن يكون فاعلاً وإما أن يكون تأكيداً للفاعل المستتر، والثاني أجمل وأحسن، حينئذٍ ما كان مشتقاً بلفظه استكن فيه الضمير، وهذا محل وفاق بين البصريين والكوفيين لا خلاف بين البصريين والكوفيين أن المشتق متحمل للضمير زيد قائم هو، وهو -الضمير هذا الذي في قائم- لكونه لا يبرز في التثنية لا يكون فاعلاً ولا في الجمع عُومِل اللفظ معاملة المفرد، ولذلك قائم إذا قيل: أن فيه ضميراً مستكناً حينئذٍ هل هو جملة أم مفرد؟ يرد السؤال: هل هو مفرد أو جملة؟ زيد مبتدأ، وقائم؟ إذا قيل: رفع فاعل والفاعل هذا ضمير مستكن، حينئذٍ هل هو مفرد أو جملة؟ نقول: هو مفرد، وهذا الضمير لم يلتفت إليه، ليس الشأن فيه كالشأن في زيد قام، قام هو، هو فيه ضمير لا شك؛ لأنه فعل، وقائم فيه ضمير، هل هما في قوة واحدة؟ الجواب: لا، ليسا في قوة واحدة، لماذا؟ لأنك تقول: زيد قام من باب الإخبار بالجملة، وزيد قائم من باب الإخبار بالمفرد مع كون قام فيه ضمير مستكن وقائم فيه ضمير مستكن، إذاً ما الفرق بينهما؟
следующие страницы →