Полный текст (50 стр.). Показаны 36–50 · переход к 41.
стр. 36
١٨ - الذي اسْتلِفَ أَلْفَ دِينَارٍ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﵌ «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: «ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ».
فَقَالَ: «كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا».
قَالَ: «فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ».
قَالَ: «كَفَى بِالله كَفِيلًا».
قَالَ: «صَدَقْتَ».
فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا.
ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: «اللهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا»، فَرَمَى
стр. 37
بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ.
فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ.
ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ: «وَالله مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ».
قَالَ: «هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟»
قَالَ: «أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ».
قَالَ: «فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا»
(رواه البخاري)
فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ: أَيْ الْأَلْف دِينَار.
فَأَخَذَ خَشَبَة فَنَقَرَهَا: أَيْ حَفَرَهَا.
стр. 38
زَجَّجَ مَوْضِعهَا: أَيْ سَوَّى مَوْضِع النَّقْر وَأَصْلَحَهُ وأحكم إغلاقه.
حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ: أَيْ دَخَلَتْ فِي الْبَحْر.
فَلَمَّا نَشَرَهَا: أَيْ قَطَعَهَا بِالْمِنْشَارِ.
من عبر القصة:١ - جَوَاز الْأَجَل فِي الْقَرْض وَوُجُوب الْوَفَاء بِهِ وعدم المماطلة في السداد.
٢ - جَوَاز التَّحَدُّث عَمَّا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ الْعَجَائِب لِلِاتِّعَاظِ وَالِاقْتِدَاء.
٣ - مشروعية التِّجَارَة فِي الْبَحْر وَجَوَاز رُكُوبه.
٤ - طَلَب الشُّهُود فِي الدَّيْن وَطَلَب الْكَفِيل بِهِ.
٥ - فَضْل التَّوَكُّل عَلَى اللهِ وَأَنَّ مَنْ صَحَّ تَوَكُّله تَكَفَّلَ اللهُ بِنَصْرِهِ وَعَوْنه.
٦ - مَشْرُوعِيَّةُ التِقَاطِ مَا لَهُ قِيمَةٌ قليلة ـ مِثْلَ الخَشَبَةِ ـ والانتفاعِ به مِن غَيْرِ تَعْرِيفٍ لَهُ.
ويجُوزُ أخْذُ مَا لا قِيمَةَ له مِثْل ما يُرمَى به مِن مُخَلَّفَاتِ البُيُوت.
стр. 39
١٩ - صدقة في غير موضعها
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ:
«قَالَ رَجُلٌ: «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ»، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: «تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ».
فَقَالَ: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ»
فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: «تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ».
فَقَالَ: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ!! لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ»
فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: «تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ».
فَقَالَ: «اللهمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ!!».
فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: «أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ الله»
(رواه البخاري ومسلم)
стр. 40
فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ: أَيْ: وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ سَارِق.
فَقَالَ اللهمَّ لَك الْحَمْد: أَيْ: لَا لِي لِأَنَّ صَدَقَتِي وَقَعَتْ بِيَدِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَلَك الْحَمْدُ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِك لَا بِإِرَادَتِي، فَإِنَّ إِرَادَةَ الله كُلّهَا جَمِيلَة.
فَسَلَّمَ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ الله، فَحَمِدَ الله عَلَى تِلْكَ الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ الْحَالِ، لَا يُحْمَدُ عَلَى الْمَكْرُوهِ سِوَاهُ، فعن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِله الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». (حسن رواه ابن ماجه).
أُتِيَ: أُرِيَ فِي الْمَنَامِ.
من عبر القصة:١ - أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَة قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَلَوْ لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِع.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي الْإِجْزَاءِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْفَرْضِ.
٢ - فَضْل صَدَقَة السِّرِّ، وَفَضْل الْإِخْلَاص.
٣ - اسْتِحْبَاب إِعَادَة الصَّدَقَة إِذَا لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِع.
٤ - الْحُكْمَ لِلظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ سِوَاهُ.
стр. 41
٥ - بَرَكَة التَّسْلِيم وَالرِّضَا، وَذَمَّ التَّضَجُّرِ بِالْقَضَاءِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تَقْطَعُ الْخِدْمَةَ وَلَوْ ظَهَرَ لَك عَدَم الْقَبُولِ.
٢٠ - جرة الذهب
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: «خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ».
وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْضُ: «إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا».
فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: «أَلَكُمَا وَلَدٌ؟».
قَالَ أَحَدُهُمَا: «لِي غُلَامٌ».
وَقَالَ الْآخَرُ: «لِي جَارِيَةٌ».
قَالَ: «أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا». (رواه البخاري).
عَقَارًا: الْمُرَاد بِهِ هُنَا الدَّار.
الجَرَّة: إناءٌ من خَزَف، له بَطْنٌ كبير، وعُرْوَتَان وفَمٌ واسع.
الَّذِي لَهُ الْأَرْض: أَيْ الَّذِي بَاعَ الْأَرْض
أَلَكُمَا وَلَد: الْمَعْنَى: أَلِكُلِّ مِنْكُمَا وَلَد؟
والْعَقْد إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنهمَا عَلَى الْأَرْض خَاصَّة، فَاعْتَقَدَ الْبَائِع دُخُول مَا فِيهَا ضِمْنًا، وَاعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَدْخُل.
من عبر القصة:
إذا وَجَد الإنسَانُ مالًا مدْفُونًا يُمْكِنُ معْرِفةُ أصحابِهِ، بأنْ يكونَ مدْفونًا مِن عَهْدٍ ليس بالبعيد، فحكمه حكم اللُقَطَة: يجب البحثُ عن أصْحَابِه، ودَفْعُ المالِ لهم.
فإذا كان العهدُ بعِيدًا، ولا يُعرَف أصحابُه بحَال، فهُو كَنْزٌ يملِكُه مَن عَثَرَ عليه بعد أن يُخرِجَ مِنْهُ الخُمسَ: ٢٠%.
٢١ - دعوة أم على ولدها الصالح
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ كَانَ يُصَلِّي جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: «أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟»
فَقَالَتْ: «اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ».
وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: «مِنْ جُرَيْجٍ»،
стр. 42
فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: «مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟».
قَالَ: «الرَّاعِي».
قَالُوا: «نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ».
قَالَ: «لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ». (رواه البخاري).
وروى مسلم عَنْ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ ـ قَالَ حُمَيْدٌ (أحد الرواة) ـ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ الله ﵌ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ: كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ.
فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي».
فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَرَجَعَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي»، قَالَ: «اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَتْ: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ، وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ».
стр. 43
وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ.
وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ، فَخَرَجَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقِيلَ لَهَا: «مَا هَذَا؟»
قَالَتْ: «مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ».
فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ. فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: «سَلْ هَذِهِ».
فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ، فَقَالَ: «مَنْ أَبُوكَ؟»
قَالَ: «أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ».
فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: «نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»، قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ عَلَاهُ».
وفي رواية أخرى: «كَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: «يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ.
فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ»، فَقَالَ: «يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِه، ِ فَانْصَرَفَتْ.
стр. 44
فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: «يَا جُرَيْجُ»، فَقَالَ: «أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي»، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: «اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ».
فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ: «إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ».
فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: «هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ».
فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»
قَالُوا: «زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ».
فَقَالَ: «أَيْنَ الصَّبِيُّ؟»
فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ: «دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ»، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: «يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ فُلَانٌ الرَّاعِي».
(رواه مسلم).
стр. 45
أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي: أَيْ اِجْتَمَعَ عَلَيَّ إِجَابَة أُمِّي وَإِتْمَام صَلَاتِي فَوَفِّقْنِي لِأَفْضَلِهِمَا.
الْمُومِسَات: الزَّوَانِي الْبَغَايَا الْمُتَجَاهِرَات بِذَلِكَ.
الدَّيْر: كَنِيسَة مُنْقَطِعَة عَنْ الْعِمَارَة تَنْقَطِع فِيهَا رُهْبَان النَّصَارَى لِتَعَبُّدِهِمْ، وَهُوَ بِمَعْنَى (الصَّوْمَعَة) وهِيَ الْبِنَاء الْمُرْتَفِع الْمُحَدَّد أَعْلَاهُ وَهِيَ نَحْو الْمَنَارَة يَنْقَطِعُونَ فِيهَا عَنْ الْوُصُول إِلَيْهِمْ وَالدُّخُول عَلَيْهِمْ.
بِفُؤُوسِهِمْ: جَمْع فَأْس وَهِيَ مَعْرُوفَة.
الْمَسَاحِي: جَمْع مِسْحَاة وهي آلة يدوية تُستخدَم في الزِّراعة، وَهِيَ كَالْمِجْرَفَةِ إِلَّا أَنَّهَا مِنْ حَدِيد.
يُتَمَثَّل بِحُسْنِهَا: أَيْ يُضْرَب بِهِ الْمَثَل لِانْفِرَادِهَا بِهِ.
من عبر القصة:١ - عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَإِجَابَة دُعَائِهِمَا وَلَوْ كَانَ الْوَلَد مَعْذُورًا؛ لَكِنْ يَخْتَلِف الْحَال فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَقَاصِد.
٢ - تَأَكُّد حَقّ الْأُمّ، وَأَنَّ دُعَاءَهَا مُجَاب.
٣ - إِيثَار إِجَابَة الْأُمّ عَلَى صَلَاة التَّطَوُّع؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْرَار فِيهَا نَافِلَة وَإِجَابَة الْأُمّ وَبِرّهَا وَاجِب.
стр. 46
٤ - إِذَا تَعَارَضَتْ الْأُمُور بُدِئَ بِأَهَمِّهَا.
٥ - يَجْعَل اللَّه تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ مَخَارِج عِنْد اِبْتِلَائِهِمْ بِالشَّدَائِدِ غَالِبًا. قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ وَإِنَّمَا يَتَأَخَّر ذَلِكَ عَنْ بَعْضهمْ فِي بَعْض الْأَوْقَات تَهْذِيبًا وَزِيَادَة لَهُمْ فِي الثَّوَاب.
٦ - اِسْتِحْبَاب الْوُضُوء لِلصَّلَاةِ عِنْد الدُّعَاء بِالْمُهِمَّاتِ.
٧ - الْوُضُوء كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا، فَقَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيث فِي صحيح الْبُخَارِيّ (فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى).
٨ - إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة.
٩ - الرِّفْق بِالتَّابِعِ إِذَا جَرَى مِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْدِيب؛ لِأَنَّ أُمّ جُرَيْجٍ مَعَ غَضَبهَا مِنْهُ لَمْ تَدْعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا دَعَتْ بِهِ خَاصَّة، وَلَوْلَا طَلَبهَا الرِّفْق بِهِ لَدَعَتْ عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الْفَاحِشَة أَوْ الْقَتْل.
١٠ - صَاحِب الصِّدْق مَعَ اللهِ لَا تَضُرّهُ الْفِتَن.
١١ - قُوَّة يَقِين جُرَيْجٍ وَصِحَّة رَجَائِهِ، لِأَنَّهُ اِسْتَنْطَقَ الْمَوْلُود مَعَ كَوْن الْعَادَة أَنَّهُ لَا يَنْطِق؛ وَلَوْلَا صِحَّة رَجَائِهِ بِنُطْقِهِ مَا اِسْتَنْطَقَهُ.
١٢ - جَوَاز الْأَخْذ بِالْأَشَدِّ فِي الْعِبَادَة لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسه قُوَّة عَلَى ذَلِكَ.
стр. 47
١٣ - الْمَفْزَع فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة إِلَى اللهِ يَكُون بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة.
٢٢ - أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى
قال رسول اللهِ ﵌: «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى فَأَرَادَ الله أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا.
فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: «أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟»
قَالَ: «لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ».
فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا.
قَالَ: «فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟»، قَالَ: «الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ». [شَكَّ إِسْحَقُ ـ أحد رواة الحديث ـ: إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ أَوْ الْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ].
فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: «بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا».
فَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ: «أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟»
قَالَ: «شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ».
فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا.
قَالَ: «فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟»
قَالَ: «الْبَقَرُ».
فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، فَقَالَ: «بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا».
فَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: «أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟»
قَالَ: «أَنْ يَرُدَّ الله إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ».
فَمَسَحَهُ فَرَدَّ الله إِلَيْهِ بَصَرَهُ.
قَالَ: «فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟»
قَالَ: «الْغَنَمُ».
فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا.
فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا.
فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ الْإِبِلِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْبَقَرِ وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْغَنَمِ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: «رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدْ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ ـ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ ـ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي».
فَقَالَ: «الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ».
فَقَالَ لَهُ: «كَأَنِّي أَعْرِفُكَ أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ الله».
فَقَالَ: «إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ».
فَقَالَ: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ الله إِلَى مَا كُنْتَ».
وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا.
فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ الله إِلَى مَا كُنْتَ.
وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: «رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إِلَّا بِالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي».
فَقَالَ: «قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ الله إِلَيَّ بَصَرِي؛ فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ؛ فَوَالله لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلهِ».
فَقَالَ: «أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ: فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ».
(رواه البخاري ومسلم).
стр. 48
أَرَادَ الله أَنْ يَبْتَلِيهِمْ: الابتلاء: الِاخْتِبَار.
قَذِرَنِي النَّاس: أَيْ اِشْمَأَزُّوا مِنْ رُؤْيَتِي.
فَمَسَحَهُ: أَيْ مَسَحَ عَلَى جِسْمه.
فَأُعْطِيَ: أَيْ الَّذِي تَمَنَّى الْإِبِل.
نَاقَة عُشَرَاء: النَّاقَة الْعُشَرَاء: الْحَامِل الْقَرِيبَة الْوِلَادَة.
وَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا فِي حَمْلهَا عَشْرَةُ أَشْهُر مِنْ يَوْم طَرَقَهَا الْفَحْل، وَهِيَ مِنْ أَنْفَس الْمَال.
فَمَسَحَهُ: أي الأعمى: أَيْ مَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهِ.
شَاة وَالِدًا: أَيْ وَضَعَتْ وَلَدهَا هُوَ مَعَهَا.
فَأَنْتَجَ هَذَانِ: أَيْ صَاحِب الْإِبِل وَالْبَقَر.
وَوَلَّدَ هَذَا: أَيْ صَاحِب الشَّاة.
ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَص فِي صُورَته: أَيْ فِي الصُّورَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا اِجْتَمَعَ بِهِ وَهُوَ أَبْرَص؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي إِقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِ.
أَتَبَلَّغ عَلَيْهِ: أَتَوَصَّل بِهِ إِلَى مُرَادِي.
فَقَالَ إِنْ كُنْت كَاذِبًا فَصَيَّرَك الله: أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْفِعْل الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَة فِي الدُّعَاء عَلَيْهِ.
اِنْقَطَعَتْ بِي الْحِبَال: بِالْحَاءِ، وَهِيَ الْأَسْبَاب.
وَرِثْت هَذَا الْمَال كَابِرًا عَنْ كَابِر: أَيْ وَرِثْته عَنْ آبَائِي الَّذِينَ وَرِثُوهُ مِنْ أَجْدَادِي الَّذِينَ وَرِثُوهُ مِنْ آبَائِهِمْ، كَبِيرًا عَنْ كَبِير فِي الْعِزّ وَالشَّرَف وَالثَّرْوَة.
فَوَالله لَا أَجْهَدَك الْيَوْم شَيْئًا أَخَذْته لِلَّهِ تَعَالَى: لَا أَشُقّ عَلَيْك بِرَدِّ شَيْء تَأْخُذهُ أَوْ تَطْلُبهُ مِنْ مَالِي.
فَإِنَّمَا اُبْتُلِيتُمْ: اُمْتُحِنْتُمْ.
من عبر القصة:١ - فَضْل الصَّدَقَة والْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالضُّعَفَاءِ، وَإِكْرَامهمْ وَتَبْلِيغهمْ مَا يَطْلُبُونَ مِمَّا يُمْكِن، وَالْحَذَر مِنْ كَسْر قُلُوبهمْ وَاحْتِقَارهمْ.
٢ - التَّحْذِير مِنْ كُفْرَان النِّعَم وَالتَّرْغِيب فِي شُكْرهَا وَالِاعْتِرَاف بِهَا وَحَمْد الله عَلَيْهَا.
٣ - الزَّجْر عَنْ الْبُخْل؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبه عَلَى الْكَذِب، وَعَلَى جَحْد نِعْمَةِ الله تَعَالَى.
стр. 49
٤ - لا يُعَدّ الملَكُ كاذبًا عندما ادعى أنه رجلٌ مسكين تقطعت به الحبال في سفره؛ لأن قَوْل الْمَلَك لَلأبرص: «رَجُل مِسْكِين» أَرَادَ أَنَّك كُنْت هَكَذَا، وَهُوَ مِنْ الْمَعَارِيض وَالْمُرَاد بِهِ ضَرْب الْمَثَل.
٥ - كثْرةُ المالِ ليسَتْ دَلِيلًا على حُبِّ الله للعَبْد، بل هي اختبارٌ كما حدَثَ مع هؤلاءِ الثلاثة.
٦ - قدرةُ الله على شفاءِ الأمراضِ المستعصِية كالعَمَى والبَرَص والقَرَع.
٢٣ - نهاية مغرور
قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ إِذْ خَسَفَ الله بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
(رواه البخاري)
ورواه مسلم بلفظ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ (وفي رواية: مِمَّنْ كَانَ قَبْلكُمْ) يَتَبَخْتَرُ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ الله بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
يَمْشِي فِي حُلَّة: الْحُلَّة ثَوْبَانِ أَحَدهمَا فَوْق الْآخَر، وَقِيلَ: إِزَار وَرِدَاء وَهُوَ الْأَشْهَر.
مُرَجِّل جُمَّته: تَرْجِيل الشَّعْر تَسْرِيحه وَدَهْنه.
والجُمَّة: هِيَ مُجْتَمَع الشَّعْر إِذَا تَدَلَّى مِنْ الرَّأْس إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَإِلَى أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَتَجَاوَز الْأُذُنَيْنِ فَهُوَ الْوَفْرَة.
فَهُوَ يَتَجَلْجَل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة: التَّجَلْجُل أَنْ يَسُوخ فِي الْأَرْض مَعَ اِضْطِرَاب شَدِيد وَيَنْدَفِع مِنْ شِقّ إِلَى شِقّ.
فَمَعْنَى: «يَتَجَلْجَل فِي الْأَرْض»:أَيْ يَنْزِل فِيهَا مُضْطَرِبًا مُتَدَافِعًا.
وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْأَرْض لَا تَأْكُل جَسَد هَذَا الرَّجُل فَيُمْكِن أَنْ يُلْغَز بِهِ، فَيُقَال: كَافِر لَا يَبْلَى جَسَده بَعْد الْمَوْت.
من عبر القصة: ١ - سوء عاقبة الكبر والخيلاء في الدنيا والآخرة.
٢ - إثبات عذاب القبر فهذا المتكبر يَتَجَلْجَل في الأرض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
٣ - بعض الذنوب يُعَجِّلُ اللهُ العقوبةَ لصاحبِها في الدنيا قبل الآخرة كما حدث مع هذا المتكبر.
كما أن بعض الطاعات يعجل الله ثوابها في الدنيا.
ومن ذلك قوله ﵌: «لَيْسَ شَيْءٌ أُطِيعَ اللهُ ـ تَعَالَى ـ فِيهِ أعْجَلَ ثَوَابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أعْجَلَ عِقَابًا مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، واليَمِينُ الفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ».
(صحيح رواه البيهقي)
صِلَةُ الرَّحِمِ: الإحسانُ إلى الأقاربِ بقولٍ أو فعلٍ.
البَغْيُ: التَّعَدِّي على الناس.
قَطِيعَةُ الرَّحِمِ: تكون بإسَاءَة أو هَجْر أو نحوِهما.
اليَمِينُ الفَاجِرَةُ: الكاذبة.
تَدَعُ: تترك.
بَلَاقِعَ: جمع بلقع وهي الأرض القَفْراء التي لا شَئ َفيها، أي أنَّ الحالفَ كَذِبًا يَفْتَقِرُ ويذْهَبُ ما في بيتِه مِنَ الرِّزْقِ.
٢٤ - المتألي على الله -
عَنْ جُنْدَبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ حَدَّثَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «وَالله لَا يَغْفِرُ الله لِفُلَانٍ»، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؛ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» أَوْ كَمَا قَالَ. (رواه مسلم)
стр. 50
وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﵌ يَقُولُ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: «أَقْصِرْ».
فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: «أَقْصِرْ».
فَقَالَ: «خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا».
فَقَالَ: «وَالله لَا يَغْفِرُ الله لَكَ أَوْ لَا يُدْخِلُكَ الله الْجَنَّةَ».
فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: «أَكُنْتَ بِي عَالِمًا أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟»
وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: «اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي».
وَقَالَ لِلْآخَرِ: «اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ».
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ» (رواه أبوداود وصححه الألباني)
يَتَأَلَّى: يحلف.
أَحْبَطْتُ: أبطلْتُ.
مُتَوَاخِيَيْنِ: أَيْ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْقَصْد وَالسَّعْي، فَهَذَا كَانَ قَاصِدًا وَسَاعِيًا فِي الْخَيْر وَهَذَا كَانَ قَاصِدًا وَسَاعِيًا فِي الشَّرّ.
أَقْصِر: الْإِقْصَار: هُوَ الْكَفّ عَنْ الشَّيْء مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ.
أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَته: أَهْلَكَتْ تِلْكَ الْكَلِمَة مَا سَعَى فِي الدُّنْيَا وَحَظّ الْآخِرَة.
من عبر القصة:
١ - القول على الله بغير علم من أعظم الكبائر التي تحبط عمل صاحبها.
٢ - الخوف من سوء الخاتمة، فقد دخلَ العابدُ النارَ، ودخل العاصي الجنة.
٣ - في القصة دليل لأهل الحق ـ أهل السنة والجماعة ـ الذين يقولون: إن الله يغفر ما سوى الشرك من الذنوب من غير توبة إن شاء، كما غفر لهذا العاصي وهو مصر على ذنوبه؛ قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
(النساء:٤٨).
وليس معنى ذلك أن يتجَرَّأَ الإنسانُ على معاصِي الله ؛ فإن الإنسان لا يدْرِي هل سيغفر اللهُ له كما غفرَ لهذا العاصي، أم لا.