Полный текст (1 425 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقد ثبت عن النَّبيِّ ﵌:أنَّه كان يقولُ في دعائه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» وفِي رِوَاية: «وَالْعِفَّةَ» (رواه مسلم).
• معنى قوله ﵌: «اتَّق الله حيثما كُنت»:
قوله ﵌: «اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ» أي في السرِّ والعلانية حيث يراه الناسُ وحيث لا يرونه، وكان النَّبيُّ ﵌ يقول في دعائه: «أسألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ والشَّهَادَة» (صحيح رواه النسائي).
وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات فعن سعيد بن يزيد الأنصاري: «أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني، قال: «أوصِيكَ أنْ تَسْتَحِي مِنَ اللهَ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا مِنْ صَالِحي قَوْمِكَ». (أخرجه أحمد في «الزهد» وإسناده جيد).
وهذا هو السببُ الموجب لخشية الله في السر، فإنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّ الله يراه حيث كان، وأنَّه مُطَّلعٌ على باطنه وظاهره، وسرِّه وعلانيته، واستحضَرَ ذلك في خلواته، أوجب له ذلك تركَ المعاصي في السِّرِّ، وإلى هذا المعنى الإشارةُ في القرآن بقوله : ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١).
والمقصود: أنَّ النَّبيَّ ﵌ لما وصَّى معاذًا بتقوى الله سِرًَّا وعلانيةً، أرشده إلى ما يُعينه على ذلك وهو أنْ يستحييَ من الله كما يستحيي من رجلٍ ذي هيبةٍ من قومه. ومعنى ذلك: أنْ يستشعِرَ دائمًا بقلبه قُرْبَ الله منه واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه.
ومن صار له هذا المقام حالًا دائمًا أو غالبًا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنَّهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحِشَ إلا اللممَ.
• أقوال لبعض السلف:
كان بعضُ السَّلف يقولُ لأصحابه: «زَهَّدَنا الله وإيَّاكم في الحرام زُهْدَ مَنْ قَدَرَ عليه في الخلوة، فَعَلِم أنَّ الله يراه، فتركه من خشيته».
وقال الشافعي: «أعزُّ الأشياء ثلاثة: الجودُ من قِلَّة، والورعُ في خَلوة، وكلمةُ الحقِّ عند من يُرجى ويُخاف».
стр. 177
وكتب ابنُ السَّماك الواعظ إلى أخٍ له: «أما بعدُ، أُوصيكَ بتقوى الله الذي هو نَجِيُّكَ في سريرتك ورقيبُك في علانيتك، فاجعلِ الله من بالك على كُلِّ حالك في ليلك ونهارك، وخَفِ الله بقدر قُربه منك، وقُدرته عليك، واعلم أنَّك بعينه ليس تَخرُجُ من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى مُلك غيره، فليَعْظُم منه حَذَرُك، وليكْثُر منه وَجَلُكَ، والسلام».
فما بال العاصي يستر الذنوبَ من خلق الله، ويُظهرها لله، إنْ كان يرى أن الله لا يراه، فهو مشرك به، وإنْ كان يرى أنه يراه فلِمَ جعله أهونَ الناظرين إليه؟
وكان وهيبُ بن الورد يقول: «خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قُربه منك».
وقال له رجل: عِظني، فقال: «اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ الناظرين إليك».
وقال بعضُهم: «ابنَ آدم، إنْ كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك مِن عينٍ ناظرةٍ إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صَفَتْ لك معصيتُهُ، ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحدُ رجلين: إنْ كنت ظننتَ أنَّه لا يراك، فقد كفرتَ، وإنْ كنت علمتَ أنَّه يراك فلم يمنعك منه ما منعك مِن أضعف خلقه لقد اجترأت عليه».
راود بعضُهم أعرابيةً، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكبُ، قالت: فأين مُكوكِبُها؟
رأى محمد بن المنكدر رجلًا واقفًا مع امرأة يُكلمها فقال: «إنَّ الله يراكما سترنا الله وإياكما».
وسُئِل الجنيد بما يُستعانُ على غضِّ البصر، قال: بعلمك أنَّ نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره.
وكان الإمامُ أحمد يُنشِدُ:
إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يومًا فلا تَقُلْ ... خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ
ولا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُلُ سَاعةً ... ولا أنَّ ما يَخْفَى ـ عَلَيْهِ يَغِيبُ
وكان ابنُ السَّماك ينشد:
стр. 178
يا مُدمِنَ الذَّنْبِ أما تَستَحِي ... والله في الخَلْوَةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إمْهَالُهُ ... وستْرُهُ طولَ مَساوِيكَا
• تقوى الله في السرِّ علامةُ كمالِ الإيمانِ:
تقوى الله في السرِّ علامةُ كمالِ الإيمانِ، ولها تأثيرٌ عظيم في إلقاء الله لصاحبها الثناءَ في قلوب المؤمنين. قال أبو الدرداءسدد خطاكم: «لِيَتَّقِ أحدُكم أنْ تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغضَ في قلوب المؤمنين».
قال سليمانُ التيميُّ: «إنَّ الرجل لَيُصيب الذنبَ في السرِّ فيصبح وعليه مذلتُه».
وقال غيره: «إنَّ العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبينَ الله، ثم يجيءُ إلى إخوانه، فيرون أَثَرَ ذلك عليه».
وهذا مِن أعظم الأدلة على وجودِ الإِله الحقِّ المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عندَه عملُ عاملٍ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيدُ مَنْ أصلح ما بينَه وبينَ الله، فإنَّه من أصلح ما بينه وبينَ الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامدَ الناسِ بسخط الله، عاد حامده من النَّاس له ذامًا.
قال أبو سليمان: الخاسرُ من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقربُ إليه من حبل الوريد.
ومِنْ أعجب ما رُوي في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيبٌ أبو محمد تاجرًا يَكْرِي الدراهمَ، فمرَّ ذات يوم، فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكِلُ الربا، فنكس رأسه، وقال: يا ربِّ، أفشيت سرِّي إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كُلَّه، وقال: يا ربِّ إنِّي أسيرٌ، وإني قد اشتريتُ نفسي منك بهذا المال فأعتِقْني، فلما أصبح، تصدَّق بالمال كلّه وأخذ في العبادة.
ثم مرَّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيبٌ العابد، فبكى وقال: يا ربّ أنتَ تَذُمّ مرَّةً وتَحْمِدُ مرَّةً، وكله من عندك.
стр. 179
٩ - أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا
يا مَن يرَى مَد البعوضِ جناحَها في ظلمةِ الليلِ البهيمِ الألْيَلِ
ويرَى مناطَ عروقِها في نَحْرِها والمخَّ في تلك العظامِ النُحَّلِ
ويرَى خرِيرَ الدمِّ في أوْداجِها متنقلًا مِن مِفصَلٍ في مِفصَلِ
ويرَى مكانَ الوطءِ مِن أقدامِها في سيرِها وحثيثِها المستعجِلِ
ويرَى ويسمعُ حِسَّ ما هُو دُونَها في قاعِ بحرٍ مظلِمٍ متهوِّلِ
امنُنْ عليَّ بتوبةٍ تمحو بها ما كان مِنِّي في الزمانِ الأوَّلِ
(ليلٌ ألْيَل: شديد الظلمة، أوداجها: عروقها، ناحل ونحيل: هزيل نحيف).
عَنْ أَبي ذَرٍّ ومعاذِ بن جَبَلٍ ﵄:أنَّ رَسولَ اللهِ ﵌ قال: «اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».رواه التِّرمِذيُّ (حسن)
• إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ:
لما كان العبدُ مأمورًا بالتقوى في السرِّ والعلانية مع أنَّه لابُدَّ أنْ يقع منه أحيانًا تفريط في التقوى، إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره أنْ يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أنْ يتبعها بالحسنة، قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤)
وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِي هَذَا؟
قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ».
وفي رواية: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: «يَا نَبِيَّ اللهِ هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟»
قَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً».
стр. 180
شكوتُ إلَى إلهِي سوءَ حالِي ... فقَدْ فاقَتْ مصيباتِي احتمالِي
فقلتُ وقد دنا فجرٌ جديدٌ ... ألا رفقًا إلهي ذا الجلالِ
فمرَّ بخاطري شيءٌ يقولُ: ... ألم تذْكُرْ ذُنُوبًا كالجبالِ
فكم يومٍ عصيتَ الله جهرًا ... بإتيانِ المحرَّمِ لم تُبالِ
وترجو بعدَها عيشًا هنيئًا ... بلا تَوبٍ ولا تغييرِ حالِ
• وَيلٌ للمُصِرّين:
وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصَّى به النَّبيُّ ﵌ في هذه الوصية في قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران:١٣٣ - ١٣٦).
فوصَف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسّان إليهم بالإنفاق، وكظمِ الغيظ، والعفو عنهم، فجمَع بين وصفهم ببذل النَّدى، واحتمال الأذى، وهذا هو غايةُ حسن الخلق الذي وصى به النَّبيُّ ﵌، ثم وصفهم بأنَّهم: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ولم يُصرُّوا عليها، فدلَّ على أنَّ المتقين قد يَقَعُ منهم أحيانًا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظُلمُ النفس، لكنَّهم لا يُصرُّون عليها، بل يذكرون الله عَقِبَ وقوعها، ويستغفرونه ويتوبون إليه منها، والتوبة: هي تركُ الإصرار على الذنبِ.
ومعنى قوله : ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ أي: ذكروا عظمته وشِدَّة بطشه وانتقامِه، وما توعد به على المعصية من العقابِ، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال والاستغفارَ وتركَ
стр. 181
الإصرار، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف:٢٠١).
وفي (الصحيحين) عن أَبَي هُرَيْرَةَ سدد خطاكمقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا ـ وَرُبَّمَا قَالَ: أَذْنَبَ ذَنْبًا ـ فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ـ وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ فَاغْفِرْ لِي.
فَقَالَ رَبُّهُ: «أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي».
ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا ـ أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا ـ فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ـ أَوْ أَصَبْتُ ـ آخَرَ فَاغْفِرْهُ.
فَقَالَ: «أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي».
ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا ـ وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا ـ قَالَ: قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ ـ أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ آخَرَ ـ فَاغْفِرْهُ لِي.
فَقَالَ: «أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ـ ثَلَاثًا ـ فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ ﵌ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي.
فَقَالَ ﵎: «أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ».
ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي.
فَقَالَ ﵎: «عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ».
ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي.
فَقَالَ ﵎: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ»
قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: «لَا أَدْرِي أَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ «اعْمَلْ مَا شِئْتَ».
стр. 182
«اعْمَلْ مَا شِئْتَ» يعني: ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبًا استغفر منه.
وعن عُقبة بنِ عامر ﵁ أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ ﵌ فقال: يا رسولَ الله أحدُنا يُذنب، قال: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ»، قال: ثم يستغفرُ منه، قال: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتَابُ عَلَيْهِ»، قال: فيعود فيذنب، قال: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ»، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتَابُ عَلَيْهِ، ولا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا». (إسناده حسن رواه الحاكم).
وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵌ قال: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنبَ لَهُ» (حسن رواه ابن ماجه).
وقيل للحسن: ألا يستحيي أحدُنا من ربه يستغفِرُ من ذنوبه، ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود.
فقال: «ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكم بهذه، فلا تملّوا من الاستغفار».
وروي عنه أنَّه قال: «ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين»، يعني: أنّ المؤمن كلما أذنب تاب.
وقال عمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: «من أحسن منكم فليَحْمَدِ الله، ومن أساء فليستغفر الله ولْيَتُبْ، فإنَّه لابُدَّ لأقوامٍ من أنْ يعملوا أعمالًا وظَّفها الله في رقابهم، وكتبها عليهم».
وفي رواية أخرى عنه أنَّه قال: «أيُّها الناسُ مَنْ ألَمَّ بذنبٍ فليستغفرِ اللهَ وَلْيَتُبْ، فإنْ عاد فليستغفر الله وَلْيَتُبْ، فإنْ عادَ فليستغفر الله وَلْيَتُبْ، فإنَّما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجال، وإنَّ الهلاك كُلَّ الهلاك في الإصرار عليها».
ومعنى هذا أنَّ العبدَ لابُدَّ أنْ يفعل ما قُدِّرَ عليه من الذنوب كما قال النَّبيُّ ﵌: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَى، فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالةَ» (رواه البخاري ومسلم). ولكنَّ الله جعل للعبد مخرجًا مما وقع فيه من الذنوب بالتوبة والاستغفار، فإنْ فعل، فقد تخلص من شرِّ الذنب، وإنْ أصرَّ على الذنب، هلك.
стр. 183
وعن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «ارحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُم، وَيْلٌ لأقْماعِ القَوْلِ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وهُمْ يَعْلَمُونَ» (حسن رواه الإمام أحمد)،
وأقماعُ القول من كانت أذناه كالقمع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع.
رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوبَ ... وقد يُورِثُ الذلَّ إدمانُها
وتَرْكُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ ... وخيرٌ لنفْسِكَ عصيانُها
• معنى أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنة:
قوله ﵌: «أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنة» قد يُراد بالحسنة:
١ - التوبة من تلك السيئة: قال قتادة: قال سلمان: «إذا أسأتَ سيئةً في سريرةٍ، فأحسن حسنة في سريرةٍ، وإذا أسأتَ سيئةً في علانية، فأحسن حسنةً في علانية، لكي تكونَ هذه بهذه».
وهذا يحتمِلُ أنَّه أراد بالحسنة التوبة أو أعمَّ منها.
وقد أخبر الله في كتابه أنَّ من تاب من ذنبه، فإنَّه يُغفر له ذنبه أو يتاب عليه في مواضع كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ (النساء:١٧)، وقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل:١١٩)، وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (الفرقان:٧٠)، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (طه:٨٢)، وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (مريم:٦٠)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ
стр. 184
يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران:١٣٥ - ١٣٦).
ويُروى عن ابن مسعودٍ سدد خطاكمقال: «هذه الآية خيرٌ لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها».
وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج:٧٨)، قال: «هو سعةُ الإسلامِ، وما جعل الله لأمة محمد من التوبة والكفارة».
وظاهر هذه النصوص تدلُّ على أنَّ من تاب إلى الله توبةً نصوحًا، واجتمعت شروطُ التوبة في حقه، فإنَّه يُقطع بقبولِ الله توبته، كما يُقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلامًا صحيحًا، وهذا قولُ الجمهور، وكلامُ ابن عبدِ البرِّ يدلُّ على أنَّه إجماع.
٢ - قد يُراد بالحسنة في قول النَّبيِّ ﵌: «أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ» ما هو أعمُّ من التوبة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (هود:١١٤)
وعن أبي بكر الصدِّيق سدد خطاكم، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطهَّر، ثُمَّ يُصَلِّي، ثمَُّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ إلاَّ غَفَرَ اللهُ لَهُ» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (إسناده حسن رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابنُ ماجه).
وعَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
стр. 185
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟»
قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ.
قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا».
(رواه البخاري ومسلم)
وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» (رواه مسلم).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ». (رواه مسلم).
وفي (الصحيحين) أنّ النَّبيِّ ﵌ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه ِ، ومَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وقال ﵌: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (رواه البخاري ومسلم)
وعن عمرو بن العاص ﵁، قال: ... فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي.
قَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟»، قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ.
قَالَ: «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟»، قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي.
قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ». (رواه مسلم).
стр. 186
وفي رواية: «يَا عَمْرُو، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ» (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني).
وقال ﵌: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» (رواه مسلم).
روى الإمامُ أحمد من حديث عُقبة بن عامر، عن النَّبيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخْرَى فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ أُخْرَى، حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ» (سنده جيد).
• ذكرُ الله يُكفِّرُ الخطايا:
ومما يُكفِّرُ الخطايا ذكرُ الله فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (رواه البخاري).
وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ ﵌: «وَإِنْ كَانَتْ مِثْل زَبَد الْبَحْر» الْكِنَايَة عَنْ الْمُبَالَغَة فِي الْكَثْرَة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (رواه البخاري ومسلم).
وروى الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح عن أَنَسٌ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ أَخَذَ غُصْنًا فَنَفَضَهُ فَلَمْ يَنْتَفِضْ ثُمَّ نَفَضَهُ فَلَمْ يَنْتَفِضْ ثُمَّ نَفَضَهُ فَانْتَفَضَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ
стр. 187
سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ تَنْفُضُ الْخَطَايَا كَمَا تَنْفُضُ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا».
وسُئِلَ الإمام أحمد عن رجلٍ اكتسب مالًا من شبهةٍ: صلاتُه وتسبيحُهُ يَحُطُّ عنه شيئًا من ذلك؟ فقالَ: إنْ صلَّى وسبَّح يريد به ذَلِكَ، فأرجو، قالَ الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة:١٠٢).
• هل تُكفّرُ الأعمالُ الصالحةُ الكبائرَ والصغائرَ أم لا تكفر سوى الصغائر؟
لا تُكفر سوى الصغائر، وأما الكبائر، فلابدَّ لها من التوبة؛ لأنَّ الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالمًا؛ قال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات:١١) واتفقت الأمةُ على أنَّ التوبة فرض، والفرائضُ لا تُؤدى إلا بنيةٍ وقصدٍ، ولو كانت الكبائرُ تقع مكفرةً بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يُحْتَجْ إلى التوبة، وهذا باطلٌ بالإجماع.
وأيضا فلو كُفِّرَت الكبائرُ بفعل الفرائض لم يبق لأحدٍ ذنبٌ يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قولَ المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البرِّ في كتابه (التمهيد) وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدلَّ عليه بأحاديث:
منها: قولُ النَّبيِّ ﵌: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (رواه البخاري ومسلم).
وهذا يدلُّ على أنَّ الكبائرَ لا تكفرها هذه الفرائضُ.
وعن عثمان ﵁، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» (رواه مسلم).
وقال سلمان: «حافظوا على هذه الصلوات الخمس، فإنَّهنَّ كفَّارات لهذه الجراح ما لم تُصب المقتلة».
стр. 188
وقال ابنُ عمر لرجل: أتخاف النارَ أنْ تدخلها، وتحبُّ الجنَّةَ أنْ تدخلها؟ قال: نعم، قال: برَّ أمَّك فوالله لَئِنْ ألنتَ لها الكلام وأطعمتها الطَّعام، لتدخلن الجنَّة ما اجتنبت الموجبات.
وقال قتادة: «إنَّما وعد الله المغفرةَ لمن اجتنب الكبائر».
ومما يُستدلُّ به على أنَّ الكبائر لا تُكَفَّرُ بدونِ التوبة منها، أو العقوبة عليها حديثُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ؛ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ»، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك. (رواه البخاري ومسلم).
وَالْعِصَابَة بِكَسْرِ الْعَيْن: الْجَمَاعَة مِنْ الْعَشَرَة إِلَى الْأَرْبَعِينَ. والْبُهْتَان: الْكَذِب يَبْهَت سَامِعه، وَخَصَّ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل بِالِافْتِرَاءِ لِأَنَّ مُعْظَم الْأَفْعَال تَقَع بِهِمَا.
وفي روايةٍ لمسلم: «وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ».وهذا يدلُّ على أنَّ الحدود كفارات.
وقوله ﵌: «فَعُوقِبَ بِهِ» يعمُّ العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدَّرةُ أو غير المقدَّرة، كالتعزيزات، ويشمل العقوبات القدرية، كالمصائب والأسقام والآلام، فإنَّه صحَّ عن النَّبيِّ ﵌ أنَّه قال: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (رواه البخاري).
وقوله ﵌: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» صريحٌ في أنَّ هذه الكبائر من لقي الله بها كانت تحتَ مشيئتِهِ، وهذا يدلُّ على أنَّ إقامةَ الفرائضِ لا تكفِّرها ولا تمحوها، فإنَّ عموم المسلمين يُحافظون على
стр. 189
الفرائض، لاسيما مَنْ بايعهُم النَّبيُّ ﵌، وخرج مِنْ ذلك مَنْ لقي الله وقد تاب منها بالنُّصوص الدَّالَّةِ من الكتاب والسنة على أنَّ من تابَ إلى الله، تاب الله عليه، وغفر له، فبقى مَنْ لم يتُبْ داخلًا تحت المشيئة.
• حال كثير مِنَ الخائفين مِنَ السَّلف:
* قال ابن مسعود سدد خطاكم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، قَالَ بِهِ هَكَذَا فَطَارَ». (رواه البخاري وغيره).
قَوْله (إِنَّ الْمُؤْمِن يَرَى ذُنُوبه كَأَنَّهُ قَاعِد تَحْت جَبَل يَخَاف أَنْ يَقَع عَلَيْهِ) السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلْب الْمُؤْمِن مُنَوَّر، فَإِذَا رَأَى مِنْ نَفْسه مَا يُخَالِف مَا يُنَوِّر بِهِ قَلْبه عَظُمَ الْأَمْر عَلَيْهِ، وَالْحِكْمَة فِي التَّمْثِيل بِالْجَبَلِ أَنَّ غَيْره مِنْ الْمُهْلِكَات قَدْ يَحْصُل التَّسَبُّب إِلَى النَّجَاة مِنْهُ بِخِلَافِ الْجَبَل إِذَا سَقَطَ عَلَى الشَّخْص لَا يَنْجُو مِنْهُ عَادَة. وَحَاصِله أَنَّ الْمُؤْمِن يَغْلِب عَلَيْهِ الْخَوْف لِقُوَّةِ مَا عِنْده مِنْ الْإِيمَان فَلَا يَأْمَن الْعُقُوبَة بِسَبَبِهَا، وَهَذَا شَأْن الْمُسْلِم أَنَّهُ دَائِم الْخَوْف وَالْمُرَاقَبَة، يَسْتَصْغِر عَمَله الصَّالِح وَيَخْشَى مِنْ صَغِير عَمَله السَّيِّئ.
قَوْله (وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ) أَيْ ذَنْبه سَهْل عِنْده لَا يَعْتَقِد أَنَّهُ يَحْصُل لَهُ بِسَبَبِهِ كَبِير ضَرَر، كَمَا أَنَّ ضَرَر الذُّبَاب عِنْده سَهْل، وَكَذَا دَفْعه عَنْهُ.
قَوْله (فَقَالَ بِهِ هَكَذَا) أَيْ نَحَّاهُ بِيَدِهِ أَوْ دَفَعَهُ، هُوَ مِنْ إِطْلَاق الْقَوْل عَلَى الْفِعْل قَالُوا وَهُوَ أَبْلَغ.
والسَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ قَلْب الْفَاجِر مُظْلِم فَوُقُوع الذَّنْب خَفِيف عِنْده، وَلِهَذَا تَجِد مَنْ يَقَع فِي الْمَعْصِيَة إِذَا وُعِظَ يَقُول: هَذَا سَهْل.
وَالْحِكْمَة فِي تَشْبِيهِ ذُنُوب الْفَاجِر بِالذُّبَابِ كَوْن الذُّبَاب أَخَفّ الطَّيْر وَأَحْقَره، وَهُوَ مِمَّا يُعَايَن وَيُدْفَع بِأَقَلّ الْأَشْيَاء، قَالَ: وَفِي ذِكْر الْأَنْف مُبَالَغَة فِي اِعْتِقَاده خِفَّة الذَّنْب
стр. 190
عِنْده؛ لِأَنَّ الذُّبَاب قَلَّمَا يَنْزِل عَلَى الْأَنْف وَإِنَّمَا يَقْصِد غَالِبًا الْعَيْن، قَالَ: وَفِي إِشَارَته بِيَدِهِ تَأْكِيد لِلْخِفَّةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِهَذَا الْقَدْر الْيَسِير يُدْفَع ضَرَره.
* قال بعضهم لرجلٍ: هل أذنبت ذنبًا؟ قال: نعم، قال: فعلمتَ أنَّ الله كتبه عليك؟ قال: نعم، قال: فاعمل حتّى تعلمَ أنَّ الله قد محاه.
* وكانوا يتَّهمُون أعمالهم وتوباتهم، ويخافون أنْ لا يكونَ قد قُبِلَ منهم ذلك، فكان ذلك يُوجِبُ لهم شدَّةَ الخوف، وكثرةَ الاجتهاد في الأعمال الصالحة.
* قال الحسن: «أدركتُ أقوامًا لو أنفق أحدهم ملءَ الأرض ما أمِنَ لِعظم الذنب في نفسه».
* وقال ابنُ عون: «لا تَثِقْ بكثرة العمل، فإنَّك لا تدري أيُقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك، فإنَّك لا تدري كُفِّرَتْ عنك أم لا، إنَّ عملك مُغَيَّبٌ عنك كله».
• بشرى للتائبين: سيئاتُ التائب توبةً نصوحًا تُكفَّر عنه، وتبقى له حسناتُه:
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (الأحقاف:١٥ - ١٦)
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الزمر:٣٣ - ٣٥)، فلمَّا وصف هؤلاء بالتَّقوى والإحسّانَ، دلَّ على أنَّهم ليسوا بمصرِّين على الذُّنوب، بل هم تائبون منها.
إذا كنتَ في نعمةٍ فأرْعَها فإن الذنوبَ تُزِيلُ النِّعَمْ
وحافِظْ عليها بتقْوَى الإله فإن الإلاهَ سريعُ النِّقَمْ
فإن تُعْطِ نفسَكَ آمالَهَا فعندَ مُناها تَحِلُّ النِّقَمْ
стр. 191
١٠ - خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ
عَنْ أَبي ذَرٍّ ومعاذِ بن جَبَلٍ ﵄:أنَّ رَسولَ اللهِ ﵌ قال: «اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». (حسن رواه التِّرمِذيُّ).
قوله ﵌: «وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» هذا من خصال التقوى، ولا تَتِمُّ التقوى إلا به، وإنَّما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإنَّ كثيرًا من النَّاس يظنُّ أنَّ التقوى هي القيامُ بحقِّ اللهِ دونَ حقوق عباده، فنصَّ له على الأمر بإحسان العشرة للناس؛ فإنَّه كان قد بعثه إلى اليمن مُعلمًا لهم ومُفقهًا وقاضيًا، ومَنْ كان كذلك، فإنَّه يحتاج إلى مخالقَةِ النَّاسِ بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيرُه ممن لا حاجةَ للنَّاس به ولا يُخالطهم.
وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيامِ بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكُلِّيَّة أو التقصير فيها، والجمعُ بَيْنَ القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًا لا يَقوى عليه إلاَّ الكُمَّلُ مِنَ الأنبياءِ والصديقين.
للخيرِ أهْلٌ لا تزالُ ... وجوهُهُم تدعُو إليْه
طوبَى لمن جَرَتِ الأمورُ ... الصالحاتُ على يدَيْه
ما لم يضِقْ خُلُقُ الفتَى ... فالأرضُ واسعةٌ عليْه
• فضائل حسن الخلق:
وقد عدَّ الله في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى، بل بدأ بذلك في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران:١٣٣ - ١٣٤).
وقد جعل النَّبيُّ ﵌ حسن الخلق من أحسن خصال الإيمانِ فقال: «أكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إيمَانًا أحْسَنُهُمْ خُلُقًا» (إسناده حسن رواه الإمام أحمد وأبو داود).
стр. 192
وعن أسامة بن شريك ﵁ قال: قالوا: يا رسولَ الله، ما أفضلُ ما أعطِي المرءُ المسلمُ؟ قال: «الخُلُقُ الحَسَنُ» (صحيح رواه أحمد، وأبو داود، والنَّسائي، وابنُ ماجه).
وأخبر النَّبيُّ ﵌ أنَّ صاحبَ الخلق الحسن يَبلُغُ بِخلقِه درجةَ الصَّائم القائم لئلا يشتغِلَ المريدُ للتقوى عن حسن الخلق بالصَّوم والصلاة، ويَظُنُّ أنَّ ذلك يقطعه عن فضلهما، فروى الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث عائشة ﵂، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «إنَّ المؤْمِنَ ليُدرِكَ بحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ الصَّائِمِ القَائِمِ» (حسن).
وأخبر ﵌ أنَّ حسن الخُلق أثقلُ ما يُوضَعُ في الميزان، وأنَّ صاحبَه أحبُّ الناسِ إلى الله وأقربهم من النبيين مجلسًا، فروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث أبي الدرداء ﵁، عن النَّبيِّ ﵌، قال: «ما مِنْ شيءٍ يوضَعُ في الميزَانِ أثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وإنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ والصَّلَاةِ» (صحيح).
وروى ابن حبان في (صحيحه) من حديث عبدِ الله بن عمرو ﵄، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «ألَا أخْبِرُكُمْ بأحَبِّكُمْ إلَى اللهِ وأقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ؟» قالوا: بلى، قال: «أحسَنُكُم خُلُقًا» (حسن).
وسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ:
«تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ».
وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الْفَمُ وَالْفَرْجُ». (حسن)
وقال النَّبيِّ ﵌ قال: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» (حسن رواه أبو داود).
قال ابن القيم: «وهذه كلها يشملها حسن الخلق».
(أَنَا زَعِيم): أَيْ ضَامِن وَكَفِيل (بِبَيْتٍ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْبَيْت هَا هُنَا الْقَصْر.
стр. 193
(فِي رَبَضِ الْجَنَّة): مَا حَوْلهَا خَارِجًا عَنْهَا تَشْبِيهًا بِالْأَبْنِيَةِ الَّتِي تَكُون حَوْل الْمُدُن وَتَحْت الْقِلَاع.
(الْمِرَاء): أَيْ الْجِدَال؛ كَسْرًا لِنَفْسِهِ كَيْلَا يَرْفَع نَفْسه عَلَى خَصْمه بِظُهُورِ فَضْله.
• تفسيرُ السلف لحُسنِ الخُلق:
عن الحسن قال: حُسنُ الخلق: الكرمُ والبذلة والاحتمالُ.
وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة والعطية والبِشرُ الحسن.
وعن ابن المبارك قال: هو بسطُ الوجه، وبذلُ المعروف، وكفُّ الأذى.
وسئل سلامُ بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد:
تراهُ إذا ما جئتَهُ متهَلِّلًا ... كأنَّك تُعطِيهِ الذي أنتَ سائِلُه
ولَوْ لَم يَكُنْ في كَفِّه غيرُ رُوحِهِ ... لَجَادَ بِها فَليَتَّق الله سائِلُه
هُو البَحرُ مِنْ أيِّ النَّواحِي أتيتَهُ فَلُجَّتُه المعروفُ والجُودُ سَاحِلُه
وقال الإمامُ أحمد: حُسنُ الخلق أنْ لا تَغضَبَ ولا تحْتدَّ، وعنه أنَّه قال: حُسنُ الخلق أنْ تحتملَ ما يكونُ من الناس.
وقال إسحاق بن راهويه: هو بسطُ الوجهِ، وأنْ لا تغضب.
وقال بعضُ أهل العلم: حُسنُ الخلق: كظمُ الغيظِ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفوُ عن الزَّالين إلا تأديبًا أو إقامة حدٍّ، وكفُّ الأذى عن كلّ مسلم أو معاهَدٍ إلا تغييرَ منكر أو أخذًا بمظلمةٍ لمظلومٍ من غير تعدٍّ.
وروى الحاكم من حديث عُقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسولُ الله ﵌: «يا عُقْبَةُ، ألَا أخْبِرُكَ بأفْضَلَ أخْلَاقِ أهْلِ الدُنْيَا والآخِرَةِ؟ تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ» (حسن).
إن شأن الأخلاق عظيم، وإن منزلتها لعالية، فالدين هو الخلق، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، وأحسنهم أخلاقًا أقربهم من النبي يوم القيامة.
стр. 194
أيها الطالبُ فخرًا بالنسبْ إنما الناسُ لأمٍ ولأبْ
هل تراهم خُلِقوا مِن فضةٍ أو حديدٍ أو نُحاسٍ أو ذهبْ
أو ترى فضْلَهُمو في خَلْقهم هل سوى لحمٍ وعظمٍ وعصبْ
إنما الفضلُ بعقلٍ راجحٍ وبأخلاقٍ كرامٍ وأدبْ
ذاك مَن فاخَرَ في الناسِ به فاقَ مَن فاخَر منهم وغلبْ
• نصوص الشرع تحث على محاسن الأخلاق:
لقد تظاهرت نصوص الشرع في الحديث عن الأخلاق، فحثّت وحضّت ورغّبت في محاسن الأخلاق، وحذّرت ونفّرت ورهّبت من مساوئ الأخلاق، بل إن رسول الله ﵌ بيّن أن الغاية من بعثته إنما هي لإتمام مكارم الأخلاق، فقال: «إنَّمَا بُعِثْتُ لأتَمِّمَ صَالِحَ الأخلاقِ» (صحيح رواه الحاكم وغيره).
وقال الله لنبيه ﵌: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤)، قال ابن عباس ومجاهد: لعلى دين عظيم، وقال الحسن: هو آداب القرآن.
وسئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي فقالت: «كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنُ». (رواه مسلم وأحمد وأبو داود).
وقال عن عباده: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان:٦٣).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْه ﵁ ٍ قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَشْرَ سِنِينَ وَاللهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا» (رواه البخاري ومسلم).
وفي رواية: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﵌ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ، وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ» (رواه البخاري).
وفي رواية: «فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَاللهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا» (رواه البخاري ومسلم).
стр. 195
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء ِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» (صحيح رواه الترمذي).
(الْفَاحِشَ) الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِمَا يَكْرَهُ سَمَاعَهُ أَوْ مَنْ يُرْسِلُ لِسَانَهُ بِمَا لَا يَنْبَغِي.
(الْبَذِيءُ) هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْفُحْشِ، وَالْبَذَاءُ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ.
وَمِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مَبْغُوضًا للهِ لَيْسَ لَهُ وَزْنٌ وَقَدْرٌ كَمَا أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لَهُ يَكُونُ عِنْدَهُ عَظِيمًا، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (الكهف:١٠٥).وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ» (رواه البخاري).
وعَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (رواه مسلم).
قَالَ الْعُلَمَاء: الْبِرّ يَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة، وَبِمَعْنَى اللُّطْف وَالْمَبَرَّة وَحُسْن الصُّحْبَة وَالْعِشْرَة، وَبِمَعْنَى الطَّاعَة، وَهَذِهِ الْأُمُور هِيَ مَجَامِع الْخُلُق.
وَمَعْنَى (حَاكَ فِي صَدْرك) أَيْ تَحَرَّكَ فِيهِ، وَتَرَدَّدَ، وَلَمْ يَنْشَرِح لَهُ الصَّدْر، وَحَصَلَ فِي الْقَلْب مِنْهُ الشَّكّ، وَخَوْف كَوْنه ذَنْبًا.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ» (صحيح رواه الترمذي).
(عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ) أَيْ إِلَى النَّاسِ. (هَيِّنٍ) أَيْ تُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ حَلِيمٍ لَيِّنِ الْجَانِبِ (سَهْلٍ) هُوَ ضِدُّ الصَّعْبِ، أَيْ سَهْلِ الْخُلُقِ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ.
• حسن الخلق يقوم على أربعة أمور: وهي الصبر والعفّة والشجاعة والعدل.
فالصبر يحمل صاحبه على الاحتمال وكظم الغيظ وكفّ الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة.
стр. 196
والعفة تحمله على اجتناب الرذائل من القول والفعل، وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير، وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة.
والشجاعة تحمله على عزّة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشِّيَم وعلى البذل الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عِنَانها، ويكبحها بلِجَامِها عن النزغ والبطش، كما أنه ليس الشديد بالصرعة، أي: ليس الشجاع الذي يصرع الناس، إنما الشديد الذي يملك ويمسك نفسه عند الغضب.
والعدل يحمله على الإنصاف وعدم الظلم وتوسّطه بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على وسطية التصرّف بين التهوّر والجبن والإسراف والإقتار، وبين الغضب والمهانة وسقوط النفس.
فهذه الأركان الأربعة هي منشأ الأخلاق الحسنة الفاضلة.
• منشأ الأخلاق السافلة على أربعة أركان: الجهل والظلم والشهوة والغضب.
فالجهل يُرِي صاحبه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، ويُريه الكمالَ نقصًا، والنقصَ كمالًا، يقول القائل:
فلا تصحبْ أخَا الجهلِ وإياكَ وإياهُ
فكم مِن جاهلٍ أرْدَى حَلِيمًا حين آخاهُ
يُقاس المرءُ بالْمرءِ إذا ما الْمرءُ ماشاهُ
والظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضا، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل.
والشهوة تحمله على الحرص والشحّ والبخل وعدم العفّة والنّهبة والجشع والذل والدناءات.
وأما الغضب فيحمله على الكبر والحقد والحسد والعداوة والسَّفَه.
стр. 197
• هل يمكن تغيّر الأخلاق من قبيح إلى حسن؟
الجواب: إن الناس على رأيين: الأول: أنها لا تتغير، والثاني: أنها تتغيّر، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأخلاق على ضَربين: منها ما هو جِبِلِّي، ومنها ما هو اكتسابي يأتي بالتدريب والممارسة والمحاكاة، بل كيف يُنكَر عدم تغيّر خلق الإنسان وتغيّر خلق الحيوان البَهِيم ممكن؟! فالبازِيّ يُنقَل من الاستِيحاش إلى الأُنس، والكلب من شَرَهِ الأكل إلى التأدّب والإمساك عن الصيد بعد إمساكه، والفرس من الجِمَاح إلى السلاسة؛ فإذا كان هذا شأن الحيوان فأجدر بالإنسان أن يغيّر خلقه.
• أسباب اكتساب حسن الخلق:
أولًا: سلامة العقيدة:
فشأن العقيدة عظيم وأمرها جليل، فكل انحراف في السلوك إنما هو ناتج عن خلل في العقيدة؛ فآداب الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر؛ فالناس إذا صحّت عقائدهم زَكَت نفوسهم، واستقامت أخلاقهم تبعًا لذلك.
ثانيًا: الدعاء:
فهذا رسول الله ﵌ ـ أكمل الناس وأعظمهم أخلاقًا ـ يدعو ربه أن يرزقه حسن الخلق، فمن دعاء النبي ﵌: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ لِي إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» (صحيح رواه أبو داود).
ثالثًا: المجاهدة:
فمجاهدة النفس على حسن الخلق وكبحها عن سيئها يجعلها تتحلّى بأحسن الأخلاق، ويقرّب عون الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:٦٩).والمجاهدة لا تعني أن يجاهد العبد نفسه مرّة أو مرّتين، بل تعني أن يجاهد نفسه حتى يموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ
стр. 198
الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩).ومن ذلك المحاسبة بنقد النفس إذا ارتكبت أخلاقًا ذميمة، وحملها على عدم العودة.
رابعًا: التفكّر في عواقب سوء الخلق بتأمّلٍ فيما يجلبه من الأسف الدائم والهمّ اللازم والحسرة والندامة والبُغض في قلوب الخلق.
خامسًا: إنّ أعظم سبب لحسن الخلق الترفّع عن السِّباب. واسمع لهذه النماذج العجيبة في تحمّل السِّباب والإعراض عن الجاهلين.
خرج عمر بن عبد العزيز ﵀ ليلةً في السحر فَعَثَر في رجل نائم على الأرض، فقال له الرجل: أمجنون أنت؟! قال عمر: لا.
فَهَمَّ الحرسُ به، فقال عمر: اتركوه؛ سألني فأجبته.
وقال الأصمعي: بلغني أن رجلًا قال لآخر: والله لئن قلت واحدة لتسمعنّ عشرًا، فقال الآخر: لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة.
واسمع إلى الإمام الشافعي ﵀ يقول:
إذا سبّني نَذْلٌ تزايَدتُ رِفْعَة وما العَيبُ إلا أن أكون مُسَابِبُه
ولو لم تكن نفسي عليّ عزيزةً لمكّنْتُها مِن كُلِّ نَذْلٍ تُحَارِبُه
وآخر يقول:
ولست مُشاتِمًا أحدًا لأني رأيتُ الشتمَ مِن عِيّ الرجالِ
إذا جعل اللئيمُ أباه نَصْبًا لشاتِمِه فدَيْتُ أبي بمالِي
стр. 199
١١ - احفَظِ الله يَحْفَظْكَ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (صَحيحٌ رواه الترمذيُّ).
هذا الحديث رواه الإمامُ أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ: «يَا غُلَامُ ـ أَوْ يَا غُلَيِّمُ «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ» فَقُلْتُ: «بَلَى».
فَقَالَ: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (إسناده صحيح).
هذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهمِّ أمور الدين، حتى قال بعض العلماء: تدبرتُ هذا الحديثَ، فأدهشني وكِدتُ أطيشُ، فوا أسفى من الجهل بهذا الحديث، وقِلَّةِ التفهم لمعناه.
• معنى: «احفظِ الله»:
قوله ﵌: «احْفَظِ اللهَ» يعني: احفظ حدودَه، وحقوقَه، وأوامرَه، ونواهيَه، وحفظُ ذلك: هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتنابِ، وعندَ حدوده، فلا يتجاوزُ ما أمر به، وأذن فيه إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله الذين مدحهمُ الله في كتابه؛ قال : ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ
стр. 200
حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (ق:٣٢ - ٣٣) وفُسِّر الحفيظ ها هنا: بالحافظ لأوامرِ الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.
• حفظ الصلاة:
ومن أعظم ما يجبُ حِفظُه من أوامر الله الصَّلاةُ، وقد أمر الله بالمحافظة عليها، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ «البقرة:٢٣٨» ومدح المحافظين عليها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المعارج:٣٤).
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» (حسن رواه أحمد).
شعبٌ بغيرِ عقيدةٍ وَرَقٌ تُذَرِّيهِ الرياحْ
من خانَ (حيَّ على الصلاةِ) يخونُ حيَّ على الكِفاحْ
• حفظ الطهارة:
الطهارة مفتاحُ الصلاة، وقد قال النَّبيُّ ﵌: «لا يُحافِظُ على الوضوء إلاَّ مؤمن» (صحيح رواه أحمد).
• حفظ الأيمان:
وممَّا يُؤمر بحفظه الأيمانُ، قال الله : ﴿واحْفَظوا أَيْمَانَكُم﴾ (المائدة:٨٩)، فإنَّ الأيمان يقع الناس فيها كثيرًا، ويُهْمِل كثيرٌ منهم ما يجب بها، فلا يحفظه، ولا يلتزمه.
• حفظُ الرأس والبطن:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «اسْتَحْيُوا مِنْ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»، قَالَ: قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي، وَالْحَمْدُ للهِ».
قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ». (حسن رواه الترمذي).
стр. 201
وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظُ السَّمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظُ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عَنِ الإصرار على محرم.
قال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ «البقرة:٢٣٥»، وقد جمع الله ذلك كُلَّه في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء:٣٦).ويتضمن أيضًا حفظُ البطنِ من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب.
لسانك لا تذْكرْ به عورةَ امرءٍ فكُلّكَ عوراتٌ وللناسٍ ألسُنُ
وعينُك إن أبدتْ إليك معائبًا فصُنْها وقُلْ يا عينُ للناسِ أعيُنُ
وعاشِر بمعروفٍ وسامِحْ مَن اعتدَى وفَارِقْ ولَكِنْ بالتي هي أحسنُ
**********
كل الحوادثِ مبدؤُها مِن النظرِ ومعظمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشررِ
كم نظرةٍ فتَكَتْ في قلبِ صاحبِها فتْكَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وترِ؟
والعبدُ مادامَ ذا عيْنٍ يقَلّبُها في أعْيُنِ الغِيدِ موقوفٌ على الخطرِ
يُسِر مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَتَهُ لا مرحبًا بسرورٍ عادَ بالضررِ
(الغَيْداء المرأَة المتثنية في مَشْيِها، والغادَةُ الفتاة الناعمة اللينة).
*********
تفنى اللذاذةُ ممنْ نالَ لذتَها ... مِنَ الحرامِ ويبقى الإثمُ والعارُ
تُبْقِى عواقبَ سُوءٍ مِن مَغبّتِها ... لاخيرَ في لذةٍ مِن بعدِها النارُ
*********
وسمعك صُنْ عن سَمَاعِ القَبيحِ كصَوْنِ اللسانِ عن النطقِ بِهْ
فإنَّكَ عندَ سماعِ القبيحِ شريكٌ لقائلِه فانْتَبِهْ
стр. 202
• حفظ اللسانُ والفرجُ:
ومِنْ أعظم ما يجبُ حفظُه من نواهي الله :اللسانُ والفرجُ، وفي حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «مَنْ حَفِظَ َ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، ومَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» (صحيح رواه الحاكم).
احْفَظْ لسانَك أيها الإنسانُ لا يلدَغَنَّكَ إنه ثعبانُ
كم في المقابرِ مِنْ قَتيلِ لسانهِ كانتْ تَهَابُ لقاءَهُ الشجعانُ
وأمَر الله بحفظ الفروج، ومدحَ الحافظين لها، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (النور:٣٠)، وقال: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٣٥)، وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون:١ - ٦).
عَفّوا تعفّ نساؤُكم في المحْرمِ وتجنَّبُوا ما لا يليقُ بمسلمِ
إن الزّنَى دَيْنٌ فإنْ أقرضْتَهُ كانَ الوفَا مِنْ أهْلِ بيتِكَ فاعلمِ
مَنْ يَزْنِ في قومٍ بألفَيْ دِرْهَمٍ في بيتهِ يُزنَى برُبْعِِِِِ الدرهمِ
يا هاتكًا حَرَمَ الرجالِ وتابعًا طُرُقَ الفسادِ تعيش غيرَ مُكَرَّمِ
لو كنتَ حرًا من سلالةِ ماجدٍ ما كنت هتَّاكًا لحرمةِ مسلمِ
• الجزاء من جنس العمل:
قوله ﵌: «يَحْفَظْكَ» يعني: أنَّ من حفظَ حدود الله، وراعى حقوقَه، حفظه الله، فإنَّ الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ «البقرة:٤٠»، وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (البقرة:١٥٢)، وقال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمد:٧).
стр. 203
• حفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان:
النوع الأول: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ (الرعد:١١).
قال ابن عباس: هم الملائكة يحفظونَهُ بأمرِ الله، فإذا جاء القدر خَلُّوْا عنه.
وقال عليٌّ ﵁:إنَّ مع كلِّ رجلٍ ملكين يحفظانه مما لم يقدرْ فإذا جاء القدر خلّيا بينه وبينَه، وإنَّ الأجل جُنَّةٌ حصينة.
وقال مجاهد: ما مِنْ عبدٍ إلاَّ له مَلَكٌ يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإنس والهوامِّ، فما من شيء يأتيه إلا قال: وراءك، إلا شيئًا أذن الله فيه فيصيبه.
عن ابْنَ عُمَرَ ﵄ قال: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» (صحيح رواه أبو داود).
قَالَ أَبُو دَاوُد: قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي الْخَسْفَ.
(مِنْ بَيْن يَدَيَّ):أَيْ أَمَامِي، (أَنْ أُغْتَال):بِصِيغَةِ الْمَجْهُول: أَيْ أُوخَذ بَغْتَة وَأَهْلَكَ غَفْلَة (قَالَ وَكِيع: يَعْنِي الْخَسْف):أَيْ يُرِيد النَّبِيّ ﵌ بِالِاغْتِيَالِ مِنْ الْجِهَة التَّحْتَانِيَّة: الْخَسْف.
قَالَ فِي الْقَامُوس: خَسَفَ اللهُ بِفُلَانٍ الْأَرْض غَيَّبَهُ فِيهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: عَمَّ الْجِهَات لِأَنَّ الْآفَات مِنْهَا وَبَالَغَ فِي جِهَة السُّفْل لِرَدَاءَةِ الْآفَة.
• احفظ الله في صغرك يحفظْكَ في كبَرك:
ومَنْ حفظ الله في صباه وقوَّته، حفظه الله في حال كبَره وضعفِ قوّته، ومتَّعه بسمعه وبصره وحولِه وقوَّته وعقله.
стр. 204
كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّعٌ بقوَّتِه وعقله، فوثب يومًا وثبةً شديدةً، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: هذه جوارحُ حفظناها عَنِ المعاصي في الصِّغر، فحفظها الله علينا في الكبر.
وعكس هذا أنَّ بعض السَّلف رأى شيخًا يسأل الناسَ، فقال: إنَّ هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره.
• وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحًا:
وقد يحفظُ الله العبدَ بصلاحه بعدَ موته في ذريَّته كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحًا﴾ (الكهف:٨٢):أنَّهما حُفِظا بصلاح أبيهما.
قال عمرُ بن عبد العزيز: ما من مؤمن يموتُ إلاَّ حفظه الله في عقبه وعقبِ عقبه.
ومتى كان العبد مشتغلًا بطاعة الله، فإنَّ الله يحفظه في تلك الحال؛ ففي (مسند الإمام أحمد عَنْ حُمَيْدٍ بْنَ هِلَالٍ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِنْ الطُّفَاوَةِ طَرِيقُهُ عَلَيْنَا فَأَتَى عَلَى الْحَيِّ فَحَدَّثَهُمْ، قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي عِيرٍ لَنَا فَبِعْنَا بِيَاعَتَنَا ثُمَّ قُلْتُ لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَلَآتِيَنَّ مَنْ بَعْدِي بِخَبَرِهِ، قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَإِذَا هُوَ يُرِينِي بَيْتًا.
قَالَ: «إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا لَهَا وَصِيصِيَتَهَا كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا، قَالَ: «فَفَقَدَتْ عَنْزًا مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي»
قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا لِرَبِّهَا ﵎.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
«فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا» (إسناده صحيح).
والصيصية: هي الصِّنارة التي يُغزل بها ويُنسج.
فمن حفظ الله حَفِظَهُ الله من كُلِّ أذى.
стр. 205
قال بعضُ السَّلف: من اتقى الله، فقد حَفِظَ نفسه، ومن ضيَّع تقواه، فقد ضيَّع نفسه، والله الغنىُّ عنه.
ومن عجيب حفظِ الله لمن حفظه أنْ يجعلَ الحيوانات المؤذية بالطبع حافظةً له من الأذى، كما جرى لِسَفِينةَ مولى النَّبيِّ ﵌ حيث كُسِرَ به المركبُ، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسدَ، فجعل يمشي معه حتَّى دلَّه على الطريق، فلمَّا أوقفه عليها، جعل يُهَمْهِمُ كأنَّه يُوَدِّعُهُ، ثم رجع عنه. (رواه الحاكم وصححه).
ورؤي إبراهيمُ بن أدهم نائمًا في بستان وعنده حَيَّةٌ في فمها طاقةُ نَرجِس، فما زالت تذبُّ عنه حتَّى استيقظ. (النَّرْجِسُ من الرياحين).
وعكسُ هذا أنَّ من ضيع الله، ضيَّعهُ الله، فضاع بين خلقه حتى يدخلَ عليه الضررُ والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم، كما قال بعض السَّلف:
«إني لأعصي الله، فأعرِفُ ذلك في خُلُقِ خادمي ودابَّتي».
النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظُ الله للعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المُضِلَّة، ومن الشهوات المحرَّمة، ويحفظ عليه دينَه عندَ موته، فيتوفَّاه على الإيمان.
فعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﵌ أنَّه أمره أنْ يقولَ عندَ منامه: «بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ». (رواه البخاري ومسلم).
وفي حديث عمر: أنَّ النَّبيَّ ﵌ علمه أنْ يقول: «اللهُمَّ احْفَظْنِي بالإسْلَامِ قَائِمًا، واحْفَظْنِي بالإسْلَامِ قَاعِدًا، واحْفَظْنِي بِالإسْلَامِ رَاقِدًا، ولا تُشَمِّتْ فيَّ عَدُوًّا ولَا حَاسِدًا» (حسن رواه ابن حبان).
وكان النَّبيُّ ﵌ يودِّع من أراد سفرًا، فيقول: «أسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكََ وأمَانَتَكَ وخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ»، وكان يقول: «إنَّ اللهَ إذَا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ». (صحيح رواه النَّسائي وغيره).
стр. 206
وفي الجملة، فالله يحفظُ المؤمن الحافظ لحدود دينَه، ويحولُ بينَه وبين ما يُفسد عليه دينَه بأنواعٍ مِنَ الحفظ، وقد لا يشعرُ العبدُ ببعضها، وقد يكونُ كارهًا له، كما قال في حقِّ يوسُف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف:٢٤).
قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال:٢٤)، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار.
وقال الحسن ـ عن أهل المعاصي ـ: «هانوا عليه، فعَصَوْه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم».
وقال أبو سليمان الداراني: «هانوا عليه فتركهم وعصوا، ولو كرموا عليه منعهم عنها».
• احفظ الله تجده تجاهك:
قوله ﵌: «احْفَظْ اللهَ تَجِدْهُ تجَاهَكَ»، وفي رواية: «أمامك» معناه: أنَّ مَنْ حَفِظَ حُدودَ الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كُلِّ أحواله حيث توجَّه يَحُوطُهُ وينصرهُ ويحفَظه ويوفِّقُه ويُسدده فـ ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل:١٢٨)
قال قتادة: «من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل».
كتبَ بعضُ السَّلف إلى أخٍ له: «أمَّا بعد، فإنْ كان الله معك فمن تخاف؟ وإنْ كان عليك فمن ترجو؟».
وهذه المعيةُ الخاصة هي المذكورةُ في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه:٤٦)، وقول موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: ٦٢). وفي قول النَّبيِّ ﵌ لأبي بكر وهما في الغار: «ما ظَنُّكَ باثنَيْنِ اللهُ ثالثُهُما؟ لا تحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا» (رواه البخاري ومسلم).
стр. 207
فهذه المعيةُ الخاصةُ تقتضي النَّصر والتَّأييدَ، والحفظ والإعانة بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (المجادلة:٧).
فإنَّ هذه المعية تقتضي علمَه واطِّلاعه ومراقبته لأعمالهم، فهي مقتضيةٌ لتخويف العباد منه، والمعية الأولى تقتضي حفظ العبد وحياطَتَه ونصرَه، فمن حفظ الله، وراعى حقوقه، وجده أمامَه وتُجاهه على كُلِّ حالٍ، فاستأنس به، واستغنى به عن خلقه.
وقيل لآخر: نراكَ وحدكَ؟ فقال: من يكن الله معه، كيف يكونُ وحده؟
• تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفكَ في الشِّدَّةِ:
قوله ﵌: «تَعَرَّفْ إلَى اللهِ في الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» يعني: أنَّ العبدَ إذا اتَّقى الله، وحَفِظَ حدودَه، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرَّف بذلك إلى الله، وصار بينه وبينَ ربه معرفةٌ خاصة، فعرفه ربَّه في الشدَّة، ورعى له تَعَرُّفَهُ إليه في الرَّخاء، فنجَّاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قربَ العبدِ من ربِّه، ومحبته له، وإجابته لدعائه.
فمعرفة العبد لربه نوعان:
أحدُهما: المعرفةُ العامة: وهي معرفةُ الإقرار به والتَّصديق والإيمان، وهذه عامةٌ للمؤمنين.
والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه والأنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكينُ أهلُ الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفةُ الله .
وقال أحمدُ بنُ عاصم الأنطاكيُّ: أحبُّ أنْ لا أموتَ حتّى أعرفَ مولاي، وليس معرفتُه الإقرار به، ولكن المعرفة التي إذا عرفته استحييت منه.
стр. 208
ومعرفة الله أيضًا لعبده نوعان:
الأول: معرفة عامة: وهي علمه سبحانه بعباده، واطِّلاعه على ما أسرُّوه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (ق:١٦)، وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (النجم:٣٢).
والثاني: معرفة خاصة: وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبَه إليه، وإجابةَ دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله ﵌ فيما يحكى عن ربِّه: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» (رواه البخاري).
ولما هرب الحسنُ من الحجاج دخلَ إلى بيت حبيب أبي محمد، فقال له حبيب:
يا أبا سعيد، أليس بينك وبينَ ربِّك ما تدعوه به فيَستركَ مِنْ هؤلاء؟ ادخل البيتَ، فدخل، ودخل الشُّرَطُ على أثره، فلم يرَوْهُ، فذُكِرَ ذلك للحجاج، فقال: «بل كان في البيت، إلا أنَّ الله طَمَسَ أعينهم فلم يروه».
فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه، عامله الله باللطف والإعانة في حال شدَّته.
قال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرَّخاء، يذكركُم في الشِّدَّة، فإنَّ يونس ﵇ كان يذكُرُ الله تعالى، فلمَّا وقعَ في بطن الحوت، قال الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافات:١٤٣ - ١٤٤)، وإنَّ فرعون كان طاغيًا ناسيًا لذكر الله، فلما أدركه الغرق، قال: آمنتُ، فقال الله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس:٩١).
وقال رجل لأبي الدرداء: أوصني، فقال: اذكر الله في السرَّاء يذكُرْك الله في الضَّرَّاء.
стр. 209
وعنه أنَّه قال: ادعُ الله في يوم سرَّائك لعله أنْ يستجيب لك في يوم ضرَّائك.
وأعظمُ الشدائد التي تنْزل بالعبد في الدنيا الموتُ، وما بَعده أشدُّ منه إنْ لم يكن مصيرُ العبد إلى خيرٍ، فالواجبُ على المؤمن الاستعدادُ للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر:١٨ - ١٩).
فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعدَّ حينئذٍ للقاء الله بالموت وما بعده، ذكره الله عندَ هذه الشدائد، فكان معه فيها، ولَطَفَ به، وأعانه، وتولاَّه، وثبته على التوحيد، فلقيه وهو عنه راضٍ. ومن نسيَ الله في حال صحته ورخائه، ولم يستعدَّ حينئذٍ للقائه، نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنَّه أعرض عنه، وأهمله.
فإذا نزل الموتُ بالمؤمنِ المستعدِّ له، أحسن الظنَّ بربه، وجاءته البُشرى مِنَ اللهِ، فأحبَّ لقاءَ الله، وأحبَّ الله لقاءه، والفاجرُ بعكس ذلك، وحينئذٍ يفرحُ المؤمنُ، ويستبشر بما قدمه مما هو قادمٌ عليه، ويَنْدَمُ المفرطُ، ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ (الزمر:٥٦).
كَم نطلبُ اللهَ في خيرٍ يَحِلُّ بنا فإنْ تَولَّتْ بلايَانَا نَسِينَاهُ
نرجوه في البحرِ أن يَرعَى سفينتَنا فإنْ رجَعْنَا إلى الشاطِي عصَيْناهُ
ونركبُ الجوَّ في أمْنٍ وفي دَعَةٍ فما سقطْنا لأنَّ الحافظَ اللهُ
ننساهُ بعد نجاحٍ في امتحانِ غدٍ وإن رسَبْنَا وأكْمَلْنَا دعَوْناهُ
عُمْيٌ عن الذكرِ والأياتُ تندبُنَا لو كلَّم الذكرُ جُلْمُودًا لأحياهُ
(الجُلْمود: الصخر).
ختم آدمُ بن أبي إياس القرآن وهو مُسَجَّى للموت، ثم قال: بحُبِّي لك، إلا رفقتَ بي في هذا المصرع؟ كنت أؤمِّلُك لهذا اليوم، كنتُ أرجوكَ، لا إله إلاَّ الله»، ثم قُضِى.
стр. 210
ولما احتُضِرَ زكريا بنُ عديٍّ، رفع يديه، وقال: اللهمَّ إنِّي إليك لمشتاقٌ.
وقال عبدُ الصمد الزاهد عند موته: سيدي لهذه الساعة خبَّأتك، ولهذا اليوم اقتنيتُك، حقِّق حُسْنَ ظنِّي بك.
قال قتادة في قول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (الطلاق:٢) قال: من الكرب عندَ الموت.
وقال عليُّ بن أبي طلحَة، عن ابن عباس في هذه الآية: يُنجيه من كُلِّ كَربٍ في الدنيا والآخرة.
وقال زيدُ بن أسلم في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ (فصلت:٣٠) الآية. قال: يُبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يُبعث، فإنَّه لفي الجنة، وما ذهبت فرحة البِشارة من قلبه.
стр. 211
١٢ - إذا سَأَلْتَ فاسْألِ الله
وإذا اسْتََعَنْتَ فاستَعِنْ باللهِ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَوْمًا فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (صَحيحٌ رواه الترمذيُّ).
هذا الحديث رواه الإمامُ أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ: «يَا غُلَامُ ـ أَوْ يَا غُلَيِّمُ «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ» فَقُلْتُ: «بَلَى».
فَقَالَ: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» (إسناده صحيح).
• اسأل الله لا تسأل غيره:
وقوله ﵌: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» هذا مُنْتَزَعٌ من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥)، فإنَّ السؤال لله هو دعاؤُه والرغبةُ إليه، و «الدُّعاء هو العبادة»، كما قال النَّبيِّ ﵌ فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر:٦٠)» (صحيح رواه الترمذي).
стр. 212
فتضمن هذا الكلام أنْ يُسأل الله ، ولا يُسأل غيره، وأنْ يُستعان بالله دونَ غيره.
وأما السؤال فقد أمر الله بمسألته، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء:٣٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﵌ قال: «مَنْ لَا يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (حسن رواه الترمذي).
إذا أذِنَ اللهُ في حاجةٍ ... أتاك النجاح على رِسْلِهِ
فلا تسأل الناسَ من فضلِهِمْ ولكن سَلِ اللهَ مِن فضلِهِ
وفي النَّهي عن مسألة المخلوقين أحاديثُ كثيرة صحيحة، وقد بايع النبيُّ ﵌ جماعةً من أصحابه على أنْ لا يسألوا النَّاسَ شيئًا، منهم: أبو بكر الصدِّيق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطُه أو خِطام ناقته، فلا يسأل أحدًا أنْ يُناوله إياه.
عن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﵌ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»، وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: «قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»، فَقُلْنَا: «قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ».
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»
قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: «قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟».
قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا» وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً، «وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا».فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. (رواه مسلم).
إذا عَرِضَتْ لي في زَمَانيَ حَاجةٌ ... وقد أشكِلَتْ فيها عَليَّ المقاصِدُ
وقَفْتُ ببابِ اللهِ وقفَةَ ضَارِعٍ ... وقلتُ: إلهِي إنَّنِي لَكَ قاصِدُ
ولستَ ترانِي واقفًا عند باب مَنْ ... يقول فَتَاهُ: سيِّدِي اليَوْمَ راقدُ
واعلم أنَّ سؤالَ اللهِ تعالى دونَ خلقه هوَ المتعين؛ لأنَّ السؤال فيهِ إظهار الذلِّ من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعترافُ بقدرةِ المسئول على دفع هذا
стр. 213
الضَّرر، ونيل المطلوب، وجلبِ المنافع، ودرء المضارِّ، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلاَّ لله وحدَه؛ لأنَّه حقيقة العبادة.
وكان الإمامُ أحمد يدعو ويقول: اللهمَّ كما صُنتَ وجهي عَنِ السُّجود لغيرك فصُنْه عن المسألة لغيرك.
ولا يقدر على كشف الضرِّ وجلب النفع سواه. كما قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (يونس:١٠٧)، وقال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (فاطر:٢).
• الله يحبّ أنْ يُسأل:
والله سبحانه يحبّ أنْ يُسأل ويُرْغَبَ إليه في الحوائج، ويُلَحَّ في سؤاله ودُعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي مِنْ عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كُلِّهم سُؤْلَهم من غير أنْ يَنْقُصَ من ملكه شيء.
والمخلوق بخلاف ذلك كله: يكره أنْ يُسأل، ويُحبُّ أنْ لا يُسألَ، لعجزه وفقره وحاجته. ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يُغلِقُ عنك بابَه، ويُظهِرُ لك فقرَه، ويواري عنك غناه، وتَدَعُ من يفتحُ لك بابه بنصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول: ادعني أستجب لك؟!
وقال طاووس لعطاء: إياك أنْ تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أنْ تسأله، ووعدك أنْ يُجيبك.
لا تَسْألَنَّ بُنَيَّ آدَمَ جاجةً ... وسَلِ الذِي أبوابُه لا تُحْجَبُ
اللهُ يغضبُ إن تركْتَ سؤالَه ... وبُنَيَّ آدمَ حينَ يُسْأَلُ يغضبُ
• لماذا الاستعانة بالله دونَ غيره من الخلق؟
لأنَّ العبدَ عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ، فمن أعانه الله، فهو المُعانُ، ومن خذله فهو المخذولُ،
стр. 214
وهذا تحقيقُ معنى قول: «لا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله»، فإنَّ المعنى: لا تَحوُّلَ للعبد مِنْ حال إلى حال، ولا قُوَّة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمةٌ عظيمةٌ، وهي كنز من كنوز الجنة.
فالعبدُ محتاجٌ إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلِّها في الدنيا وعندَ الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.
وفي الحديث الصحيح عَنِ النَّبيِّ ﵌ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاْسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ» (رواه مسلم).
ومَن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيرِه، وكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولًا. كتب الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ العزيز: لا تستعِنْ بغيرِ الله، فيكِلَكَ الله إليه.
ومن كلام بعضِ السَّلف: يا ربِّ عَجبت لمن يعرفُك كيف يرجو غيرك، عجبتُ لمن يعرفك كيف يستعينُ بغيرك.
• أنواع الدعاء:
النوع الأول: دعاء العبادة:
وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: كالنطق بالشهادتين والعمل بمقتضاهما، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والذبح لله، والنذر له، وبعض هذه العبادات تتضمن الدعاء بلسان المقال مع لسان الحال كالصلاة.
فمن فعل هذه العبادات وغيرها من أنواع العبادات الفعلية فقد دعا ربه وطلبه بلسان الحال أن يغفر له، والخلاصة أنه يتعبد لله طلبًا لثوابه وخوفًا من عقابه.
وهذا النوع لا يصح لغير الله تعالى، ومن صرف شيئًا منه لغير الله فقد كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وعليه يقع قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾. (غافر:٦٠).وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ الأنعام:١٦٢، ١٦٣)
النوع الثاني: دعاء المسألة: وهو دعاء الطلب: طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، وطلب الحاجات، ودعاء المسألة فيه تفصيل كالتالي:
أ- إذا كان دعاء المسألة صدر من عبد لمثله من المخلوقين وهو قادر حي حاضر فليس بشرك. كقولك: اسقني ماءً، أو يا فلان أعطني طعامًا، أو نحو ذلك فهذا لا حرج فيه، ولهذا قال ﵌: «مَنْ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا اللهَ لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (صحيح رواه أبو داود).
ب - أن يدعو الداعي مخلوقًا ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله وحده، فهذا شرك سواء كان المدعو حيًّا أو ميتًا، أو حاضرًا أو غائبًا، كمن يقول: يا سيدي فلان اشْفِ مريضي، رُدّ غائبي، أعطني ولدًا، وهذا كفر أكبر مخرج من الملة، قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير﴾ الأنعام:١٧).وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ، وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس:١٠٦، ١٠٧).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأعراف، الآية:١٩٤)
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ (الأعراف:١٩٧).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، يَدْعُواْ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُواْ لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (الحج:١١ - ١٣).
стр. 215
وقال تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، مَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:٧٣ - ٧٤).
وقال ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤١ - ٤٣).
وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾) سبأ:٢٢، ٢٣).
قال : ﴿ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر:١٣، ١٤). (القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، أي: لا يملكون من السموات والأرض شيئًا، ولا بمقدار هذا القطمير).
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الأحقاف:٥، ٦).
فمن الشرك الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله دعاء عبادة أو دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾. (المائدة:٧٢).
следующие страницы →