• الحمدُ لله تملأ الميزانَ:
وقوله ﵌: «والْحَمْدُ للهِ تَملأُ المِيزانَ، وسُبحَانَ اللهِ، والْحَمْدُ للهِ، تَملآنِ أوْ تَملأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ» فهذا شكٌّ مِن الراوي في لفظه.
فأما الحمدُ لله، فاتفقت الأحاديثُ كلُّها على أنَّه يملأ الميزانَ، وقد قيل: إنَّه ضَرْبُ مَثَل، وأنَّ المعنى: لو كان الحمدُ جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله يُمثِّلُ أعمالَ بني آدم وأقوالهم صُوَرًا تُرى يومَ القيامة وتوزَنُ، كما قال النَّبيُّ ﵌: «يَأتِي القُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقْدُمُهُ الْبَقَرَةُ وآلُ عِمْرَانَ كَأنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أوْ غَيَايَتَانِ أوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَّافّ» (رواه مسلم). (غمامتان أو غَيَايتانِ: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها، فِرْقان أي: قطعتان).
وقال ﵌: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ» (رواه البخاري ومسلم).
وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم: «وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَآَنِ ـ أَوْ تَمْلَأُ ـ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، فشكَّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماءِ والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النَّسائي وابنِ ماجه: «وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (صحيح)، وهذه الروايةُ أشبه، وهل المرادُ أنَّهما معًا يملآن ما بينَ السماء والأرض، أو أنَّ كلًا منهما يملأُ ذلك؟ هذا محتمل.
• الصلاةُ نورٌ:
وقولُه ﵌: «والصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ»، هذه الأنواع الثلاثةُ من الأعمال أنوارٌ كلُّها، لكن منها ما يختصُّ بنوعٍ من أنواع النُّور:
فالصَّلاةُ نورٌ مطلق، فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تُشرِق بها قلوبُهم، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين، كما كان النَّبيُّ ﵌ يقول: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (حسن رواه أحمد والنَّسائي).
وروى أبو داود أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال: «يَا ِبلَالُ، أقِمِ الصَّلَاةَ، وأرِحْنَا بِهَا». (صحيح).
стр. 387
والصلاة في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» (سنده حسن رواه الإمام أحمد).
وقال ﵌: «بَشِّرِ الَمشّائِينَ فِي الظُلَمِ إلَى الَمسَاجِدِ بِالنُورِ التَّامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح رواه أبو داود والترمذي).
• الصدقةُ برهانٌ:
وأمَّا الصدقة، فهي برهان، والبرهان: هو الشُّعاعُ الذي يلي وجهَ الشَّمس، ومنه سُمِّيَت الحُجَّةُ القاطعةُ برهانًا؛ لوضوح دلالتها على ما دلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه.
قال النَّبيِّ ﵌: «ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَا يُعْطِي الْهَرِمَةَ وَلَا الدَّرِنَةَ وَلَا الْمَرِيضَةَ وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ». (صحيح رواه أبو داود).
(رَافِدَة عَلَيْهِ):الرَّافِدَة فَاعِلَة مِنْ الرَّفْد وَهُوَ الْإِعَانَة، أَيْ تُعِينُهُ نَفْسه عَلَى أَدَاء الزَّكَاة (وَلَا الدَّرِنَة) هِيَ الْجَرْبَاء، (وَلَا الشَّرَط) هِيَ صِغَار الْمَال وَشِرَارُهُ. (اللَّئِيمَة):الْبَخِيلَة بِاللَّبَنِ.
(وَلَكِنْ مِنْ وَسَط أَمْوَالكُمْ):فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاة مِنْ أَوْسَاط الْمَال لَا مِنْ شِرَارِهِ وَلَا مِنْ خِيَارِهِ.
стр. 388
فالمالَ تحبُّه النُّفوسُ، وتبخَلُ به، فإذا سمحت بإخراجه لله دلَّ ذلك على صحَّة إيمانها بالله ووعده ووعيده، ولهذا منعت العربُ الزكاة بعدَ النَّبيِّ ﵌،
وقاتلهم الصدِّيقُ ﵁ على منعها.
• الصبرُ ضياءٌ:
والضياءُ: هو النُّورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنَّه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (يونس:٥) ومِن هُنا وصف الله شريعةَ موسى بأنَّها ضياءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأنبياء:٤٨) وإنْ كان قد ذكر أنَّ في التوراة نورًا كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ (المائدة:٤٤)، ولكن الغالب على شريعتهم الضياءُ لما فيها مِنَ الآصار والأغلال والأثقال.
ووصف شريعةَ محمَّدٍ ﵌ بأنَّها نورٌ لما فيها من الحَنيفيَّةِ السمحة، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة:١٥) وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:١٥٧).
ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفس وحبسِها، وكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضياءً، فإنَّ معنى الصَّبر في اللغة: الحبسُ، ومنه قَتْلُ الصبر: وهو أنْ يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل.
والصبر المحمود أنواع: منه صبرٌ على طاعةِ الله ، ومنه صبرٌ عن معاصي الله ، ومنه صبرٌ على أقدار الله .
стр. 389
إذا اشتمَلَتْ على اليأسِ القلوبُ وضاقَ بما به الصدرُ الرحيبُ
وأوطنَت المكارهُ واطمأنَّتْ وأرْسَتْ في أماكنِها الخطوبُ
ولم تَرَ لانكشافِ الضرِّ نَفْعًا وما أجْدَى بحيلتِه الأريبُ
أتاك على قنوطِ منكَ غَوثٌ يَمُنُّ به اللطيفُ المستجيبُ
وكلّ الحادثاتِ وإنْ تَنَاهَتْ فمَوْصولٌ بها فَرَجٌ قَرِيبُ
والصبرُ على الطاعات وعنِ المحرَّماتِ أفضلُ من الصَّبرِ على الأقدار المؤلمة، صرّح بذلك السَّلفُ، منهم: سعيدُ بنُ جبير، وميمون بن مهران.
ومن أفضل أنواع الصبر: الصيامُ، فإنَّه يجمعُ الصبرَ على الأنواعِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّه صبرٌ على طاعةِ الله ?، وصبرٌ عن معاصي الله؛ لأنَّ العبدَ يتركُ شهواتِه لله ? ونفسه قد تنازعه إليها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ : إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» (رواه البخاري ومسلم).وفيه أيضًا صبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصُلُ للصَّائم من الجوع والعطشِ.
إني رأيتُ ـ وفي الأيامِ تجربةٌ ـ للصبرِ عاقبةً محمودةَ الأثرِ
وقَلّ مَن جَدَّ في أمرٍ يحاولهُ واستصحبَ الصبرَ إلا فازَ بالظفَرِ
• القرآنُ حجةٌ لك أو عليك:
قال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ (الإسراء:٨٢).
قال بعضُ السَّلف: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ فقام عنه سالمًا؛ بل إمَّا أنْ يربح أو أنْ يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية.
وقال ابنُ مسعود: «القرآنُ شافع مُشفَّع وماحِلٌ مصدَّق، فمن جعله أمامَه، قادَه إلى الجنَّةِ، ومن جعله خَلْفَ ظهره، قاده إلى النار».
стр. 390
وعنه قال: «يجيءُ القرآنُ يومَ القيامة، فيشفع لِصاحبه، فيكون قائدًا إلى الجنَّة، أو يشهد عليه، فيكون سائقًا إلى النار».
وقال أبو موسى الأشعري: «إنَّ هذا القرآن كائنٌ لكم أجرًا، وكائنٌ عليكم
وِزرًا، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يتَّبعكُم القرآن، فإنَّه مَنِ اتَّبعَ القرآنَ هبط به على رياضِ الجنَّةِ، ومن اتَّبعه القرآنُ، زخَّ في قفاه، فقذفه في النار».
سمعتُكَ يا قرآنُ والليلُ واجمُ سرَيْتَ تهُزّ الكونَ سبحانَ مَن أسرَى
فتحْنا بك الدنيا فأشرقَ نورُها وسِرْنا على الأفلاكِ نملؤُها أجْرَا
• كلُّ النَّاس يغدو:
قوله ﵌: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»
روى الإمامُ أحمد عن النَّبيِّ ﵌ قال: «النَّاسُ غَادِيَانِ، فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا» (سنده صحيح).
وقال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:٧ - ١٠)، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسَه بطاعة الله، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي، فالطاعةُ تُزكي النفس وتُطهرها، فترتفع، والمعاصي تُدسِّي النفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب.
ودلَّ الحديثُ على أن كلَّ إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكاكِها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسَه للهِ، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصيةِ الله، فقد باعَ نفسَه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:١١١)، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة:٢٠٧)، وقال
стр. 391
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الزمر:١٥).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللهِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللهِ، يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ـ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ ـ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ اشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنْ اللهِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنْ اللهِ شَيْئًا، سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا» (رواه البخاري ومسلم).
وقد اشترى جماعةٌ من السَّلف أنفسَهم من الله بأموالهم، فمنهم مَنْ تصدَّق بوزنه فضة ثلاثَ مرَّاتٍ أو أربعًا، كخالد الطحَّان.
ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنَّما أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي، منهم عمرو بنُ عُتبة.
قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمنُ شيئًا حتّى يلقى الله وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح، فليكن همُّك نفسك، فإنَّك لن تربح مثلها أبدًا.
قال أبو بكر بن عيّاش: قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ: «خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبدًا»، قال: فوالله ما نسيتُها بعدُ.
وكان بعضُ السَّلف يبكي، ويقول: «ليس لي نفسان، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت لم أجد أخرى».
وقال محمد بن الحنفية: «إنَّ الله جعل الجنَّة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعُوها بغيرها».وقال: «من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر».
وقيل له: من أعظمُ الناس قدرًا؟ قالَ: «من لم يرَ الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطرًا».
أثامِنُ بالنفْسِ النفيسةِ ربََّها ... ولَيسَ لها في الخلقِ كُلِّهمُ ثَمَنْ
بها تُملَك الأخرَى فإنْ أنا بِعتُهَا ... بشيءٍ مِن الدُّنيا، فذَاكَ هُوَ الغَبَنْ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نفسي بدُنيا أُصيبُها ... لقَدْ ذَهَبَتْ نفسي وقد ذَهَبَ الثَّمنْ
بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وتُميطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وتُسْمِعُ الأصَمَّ، وتَهْدِي الأعْمَى، وتَدُلُّ المُسْتَدِلَّ عَلَى حَاجَتِهِ، وتَسْعَى بِشِدَّة سَاقَيْكَ مَعَ اللَّهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وتَحْمِلُ بِشِدَّة ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعَيفِ، فَهَذَا كُلُّهُ صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ». (صحيح).
السلامى: جمع سلامية، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواء، ويجمع على سلاميات: وهي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام، ومعنى الحديث: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة.
ومعنى الحديث: أنَّ تركيب هذه العظام وسلامتها مِن أعظم نِعَمِ الله على عبده، فيحتاج كلُّ عظم منها إلى صدقة يتصدق ابنُ آدم عنه، ليكونَ ذلك شكرًا لهذه النعمة. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:٦ - ٨)، وقال : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (الملك:٢٣)، وقال:
﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل:٧٨)، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (البلد:٨ - ٩).
قال مجاهد: هذه نِعَمٌ من الله متظاهرةٌ يقرِّرُكَ بها كَيْمَا تَشكُر.
وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسئل عن بكائِهِ، فقال: هل بِتَّ ليلةً شاكرًا للهِ أنْ جعل لك عينين تُبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًا لله أنْ جعل لك لسانًا تنطق به؟ وجعل يعدِّد من هذا الضَرْب. (الضرب: النوع).
وعن أبي الدرداء أنَّه كان يقول: الصِّحَّةُ غِنى الجسد.
وعن يونس بن عبيد: أنَّ رجلًا شكا إليه ضِيقَ حاله، فقال له يونس: «أيسُرُّك أنَّ لك ببصرك هذا الذي تُبصِرُ به مئة ألف درهم؟»، قال الرجل: لا، قال: «فبيدك مئة
النَّفْس؛ لِيَرْبَح خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِب مُطَاوَعَة النَّفْس وَمُعَامَلَة الشَّيْطَان لِئَلَّا يُضَيِّع رَأْس مَاله مَعَ الرِّبْح.
واُخْتُلِفَ فِي أَوَّل نِعْمَة اللهُ عَلَى الْعَبْد فَقِيلَ الْإِيمَان، وَقِيلَ الْحَيَاة، وَقِيلَ الصِّحَّة، وَالْأَوَّل أَوْلَى فَإِنَّهُ نِعْمَة مُطْلَقَة، وَأَمَّا الْحَيَاة وَالصِّحَّة فَإِنَّهُمَا نِعْمَة دُنْيَوِيَّة، وَلَا تَكُون نِعْمَة حَقِيقَة إِلَّا إِذَا صَاحَبَتْ الْإِيمَان وَحِينَئِذٍ يُغْبَن فِيهَا كَثِير مِنْ النَّاس أَيْ يَذْهَب رِبْحهمْ أَوْ يَنْقُص، فَمَنْ اِسْتَرْسَلَ مَعَ نَفْسه الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ الْخَالِدَة إِلَى الرَّاحَة فَتَرَكَ الْمُحَافَظَة عَلَى الْحُدُود وَالْمُوَاظَبَة عَلَى الطَّاعَة فَقَدْ غُبِنَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فَارِغًا فَإِنَّ الْمَشْغُول قَدْ يَكُون لَهُ مَعْذِرَة بِخِلَافِ الْفَارِغ فَإِنَّهُ يَرْتَفِع عَنْهُ الْمَعْذِرَة وَتَقُوم عَلَيْهِ الْحُجَّة.
اغتنِمْ في الفراغِ فضلَ ركوعٍ فعسَى أنْ يكونَ موتُك بغتَة
كم صحيحٍ رأيتَ مِن غيرِ سُقْمٍ ذهبَتْ نفسُهُ العزيزةُ فلتَة
وهذه النِّعم مما يُسألُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب بها كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر:٨).
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ـ يَعْنِي الْعَبْدَ ـ مِنْ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: «أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَنُرْوِيَكَ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ» (صحيح رواه الترمذي).
(مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ) أَيْ الَّذِي هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ بَقَائِك وَلَوْلَاهُ لَفَنِيَتْ بَلْ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ.
وقال ﵌: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». (حسن رواه الترمذي).
(آمِنًا) أَيْ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ عَدُوٍّ (فِي سِرْبِهِ) أَيْ فِي نَفْسِهِ، وَقِيلَ: السِّرْبُ الْجَمَاعَةُ، فَالْمَعْنَى فِي أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَقِيلَ بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ فِي مَسْلَكِهِ وَطَرِيقِهِ، وَقِيلَ: بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ فِي بَيْتِهِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: السَّرْبُ الطَّرِيقُ وَبِالْكَسْرِ الطَّرِيقُ وَالْبَالُ وَالْقَلْبُ وَالنَّفْسُ وَالْجَمَاعَةُ، وَبِالتَّحْرِيكِ جُحْرُ الْوَحْشِيِّ وَالْحَفِيرُ تَحْتَ الْأَرْضِ.
والْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمُبَالَغَةَ فِي حُصُولِ الْأَمْنِ وَلَوْ فِي بَيْتٍ تَحْتَ الْأَرْضِ ضَيِّقٍ كَجُحْرِ الْوَحْشِ أَوْ التَّشْبِيهِ بِهِ فِي خَفَائِهِ وَعَدَمِ ضَيَاعِهِ.
(مُعَافًى فِي جَسَدِهِ) أَيْ صَحِيحًا سَالِمًا مِنْ الْعِلَلِ وَالْأَسْقَامِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
(عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ) أَيْ كِفَايَةُ قُوتِهِ مِنْ وَجْهِ الْحَلَالِ.
(فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا) أَيْ جُمِعَتْ لَهُ بِتَمَامِهَا.
وقال ابن مسعود ﵁:النعيمُ: الأمنُ والصحة.
وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر:٨)، قال: النعيم: صحَّةُ الأبدان والأسماع والأبصار، يسأَلُ الله العبادَ: فيما استعملوها؟ وهو أعلمُ بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ (الإسراء:٣٦).
إنَّ الله تعالى قد أنعمَ على عباده بما لا يُحصونَه كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم:٣٤، والنحل:١٨)، وطلب منهمُ الشُّكرَ، ورضي به منهم.
قال سليمان التيمي: إنَّ الله أنعم على العباد على قدره، وكلَّفهم الشكر على قدرهم حتى رَضِيَ منهم مِنَ الشُّكرِ بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها.
«كلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ».
يعني: أنَّ الصَّدقةَ على ابنِ آدمَ عن هذه الأعضاء في كُلِّ يومٍ من أيَّامِ الدُّنيا.
• الشُّكر على درجتين:
ظاهرُ الحديث يدلُّ على أنَّ هذا الشُّكر بهذه الصَّدقة واجبٌ على المسلم كلَّ يوم، ولكن الشُّكر على درجتين:
إحداهما: واجب، وهو أنْ يأتي بالواجبات، ويجتنب المحارم، فهذا لابدَّ منه، ويكفي في شكر هذه النِّعم، ويدلُّ على ذلك ما رواه أبو داود من حديث أَبِى الأَسْوَدِ الدُّؤَلِىِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ أَبِى ذَرٍّ قَالَ «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ فِى كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ، فَلَهُ بِكُلِّ صَلاَةٍ صَدَقَةٌ، وَصِيَامٍ صَدَقَةٌ، وَحَجٍّ صَدَقَةٌ، وَتَسْبِيحٍ صَدَقَةٌ، وَتَكْبِيرٍ
стр. 396
صَدَقَةٌ، وَتَحْمِيدٍ صَدَقَةٌ». فَعَدَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْ هَذِهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ثُمَّ قَالَ «يُجْزِئُ أَحَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الضُّحَى». (صححه الألباني).
وفي حديث أبي موسى: «فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري ومسلم).وهذا يدلُّ على أنَّه يكفيه أنْ لا يفعل شيئًا من الشرِّ، وإنَّما يكون مجتنبًا للشرِّ إذا قام بالفرائض، واجتنبَ المحارمَ، فإنَّ أعظمَ الشرِّ تركُ الفرائض، ومن هنا قال بعضُ السَّلف: الشُّكرُ ترك المعاصي.
وقال بعضهم: الشُّكرُ أنْ لا يُستعانَ بشيءٍ مِنَ النِّعَمِ على معصية.
وذكر أبو حازمٍ الزاهد شُكْرَ الجوارح كُلِّها، وأنْ تُكفَّ عن المعاصي وتُستعمل في الطاعات، ثم قال: وأمَّا مَن شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فمَثَلُه كمَثَل رجل له كِساءٌ، فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لينظر العبدُ في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصرِه ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيءٌ إلاَّ وفيه نعمةٌ من الله ، حقٌّ على العبد أنْ يعملَ بالنِّعم التي في بدنه لله في طاعته، ونعمة أخرى في الرزق، حق عليه أنْ يعمل لله فيما أنعم عليه مِنَ الرِّزق في طاعته، فمن عمل بهذا، كان قد أخذ بحزم الشّكر وأصله وفرعه.
ورأى الحسن رجلًا يتبختر في مشيته، فقال: للهِ في كُلِّ عُضوٍ منه نعمة، اللهمَّ لا تجعلنا ممن يتقوَّى بنعمك على معصيتك.
همومُكَ بالعيشِ مقرونةٌ فما تقطعُ العيشَ إلا بِهَمّ
حلاوَةُ دُنياكَ مسمومةٌ فما تأكلُ الشهدَ إلا بِسُمّ
إذا كُنتَ في نعمةٍ فأرْعَها فإنَّ الذنوبَ تزيلُ النِّعَمْ
وحافِظْ عليها بتقوَى الإلَه فإنَّ الإلَهَ سريعُ النِّقَمْ
فإنْ تُعْطِ نفسَكَ آمالَها فعندَ مُنَاها تَحِلّ النِّقَمْ
فأينَ القرونُ ومَن حولهمْ تفانَوا جميعًا وربِّي الحَكَمْ
стр. 397
الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحبُّ:
وهو أنْ يعملَ العبدُ بعد أداءِ الفرائض، واجتنابِ المحارم بنوافل الطَّاعات، وهذه درجةُ السَّابقين المقرَّبين، وهي التي أرشد إليها النَّبيُّ ﵌، وكذلك كان النَّبيُّ ﵌ يجتهد في الصَّلاة، ويقوم حتَّى تتفطَّر قدماه، فإذا قيل له: أتفعلُ هذا وقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفَلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» (رواه البخاري ومسلم).
وقال بعضُ السَّلف: لما قال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (سبأ:١٣)، لم يأتِ عليهم ساعةٌ من ليلٍ أو نهارٍ إلاَّ وفيهم مصلٍّ يُصلي.
إذا كان شكرِي نعمةَ الله نعمةً عليَّ له في مِثلِها يجبُ الشكرُ
فكيف بلوغُ الشكرِ إلا بفضلِهِ وإنْ طالتْ الأيامُ واتصلَ العُمرُ
إذا مَسّ بالسراءِ عَمَّ سرورُها وإنْ مَسَّ بالضراءِ أعقبَها الأجرُ
فما مِنهُما إلا له فيه نِعمَةٌ تضيقُ بها الأوهامُ والسرُّ والجهرُ
• أنواع الصدقة:
هذه الأنواع التي أشار إليها النَّبيُّ ﵌ من الصدقة، منها:
١ - ما نفعُهُ متعدٍّ كالإصلاح، وإعانةِ الرَّجُلِ على دابته يحمله عليها أو يرفع متاعه عليها، والكلمة الطيبة، ويدخل فيها السلام، وتشميتُ العاطس، وإزالة الأذى عن الطَّريق، والأمر بالمعروف، والنَّهيُ عن المنكرِ، ودفنُ النُّخامة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسماع الأصمّ، والبصر للمنقوص بصره، وهداية الأعمى أو غيره الطريق.
٢ - ومنه ما هو قاصرُ النَّفع: كالتَّسبيحِ، والتَّكبير، والتَّحميد، والتَّهليل، والمشي إلى الصَّلاةِ.
وصلاة ركعَتَي الضُّحى إنَّما كانتا مجزئتين عن ذلك كلِّه؛ لأنَّ في الصَّلاة استعمالًا للأعضاء كلِّها في الطَّاعة والعبادة، فتكون كافيةً في شكر نعمه سلامة هذه الأعضاء.
وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﵌ بِسَبْعٍ: بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ». (رواه البخاري ومسلم).
٥ - ومن أنواع الصَّدقة: إنظارُ المعسر:
عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ، وَمَنْ أَنْظَرَهُ بَعْدَ حِلِّهِ كَانَ لَهُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» (صحيح رواه ابن ماجه).
(وَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا) أَيْ أَجَّلَ دَيْنه اِبْتِدَاء
(بَعْد حِلّه) أَيْ بَعْد حُلُولِ الدَّيْن بِحُضُورِ حِلّ الْأَجَل الْأَوَّل، أَيْ أَجَّلَ ثَانِيًا.
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُظِلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ فَلْيُنْظِرْ مُعْسِرًا أَوْ لِيَضَعْ لَهُ» (صحيح رواه ابن ماجه). (فَلْيُنْظِرْ) مِنْ الْإِنْظَار (أَوْ لِيَضَعْ لَهُ) أَيْ الدَّيْن.
٦ - ومن أنواع الصَّدقة: الإحسّان إلى البهائم، كما قال النَّبيُّ ﵌ لما سُئِلَ عن سقيها، فقال: «في كُلِّ كَبِدٍ رِطْبَةٍ أجْرٌ» (رواه البخاري ومسلم)، وأخبر أنَّ بغيًّا سقت كلبًا يلهثُ مِن العطش، فغفر لها» (رواه البخاري ومسلم).
وأمَّا الصَّدقة القاصرةُ على نفس العامل بها، فمثل أنواع الذكر مِن التَّسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والاستغفار، والصلاة على النَّبيِّ ﵌، وكذلك تلاوةُ القرآن، والمشي إلى المساجد، والجلوسُ فيها لانتظار الصلاة، أو لاستماع الذكر.
ومن ذلك: التَّواضعُ في اللِّباس، والمشي، والهدي، والتبذل في المهنة، واكتساب الحلال، والتحرِّي فيه.
ومنها أيضًا: محاسبةُ النفس على ما سلف من أعمالها، والندم والتوبة من الذنوب السالفة، والحزن عليها، واحتقار النفس، والازدراء عليها، ومقتها في الله ، والبكاء من خشية الله تعالى، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أمور الآخرة، وما فيها مِنَ الوعد والوعيد ونحوِ ذلك مما يزيد الإيمانَ في القلب، وينشأ عنه كثيرٌ من أعمال القلوب، كالخشية، والمحبَّةِ، والرَّجاء، والتوكُّل، وغير ذَلِكَ.
стр. 401
٣٤ - أكل الميراث بالباطل
النفسُ تجزعُ أنْ تكونَ فقيرةً ... والفقرُ خيرٌ مِن غِنًى يُطغِيهَا
وغِنَى النفوسِ هو الكفافُ فإنْ أبَتْ ... فجميعُ ما في الأرضِ لا يَكفِيها
أموالُنا لذوِي الميراثِ نجمعُها ... ودُورُنا لخرابِ الدهرِ نبنِيها
كم مِن مدائنَ في الإقامةِ قد بُنِيَتْ ... أمسَتْ خرابًا وأفْنَى الموتُ أهلِيها
• وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا:
يقول الله : ﴿فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر:١٥ - ٢٠).
يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان.
كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون:٥٥، ٥٦). وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضَيَّق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له.
قال الله : ﴿كَلّا﴾ أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر.
وقوله: ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ فيه أمر بالإكرام له؛ فعن مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
стр. 402
«كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ»، وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» (رواه مسلم).
﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ يعني: لا تأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضكم على بعض في ذلك، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ أي: من أي جهة حصل لهم، من حلال أو حرام، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي: كثيرًا.
﴿كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * َقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر:٢١ - ٣٠).
يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال: ﴿كَلَّا﴾ أي: حقًا ﴿إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا.
وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا» (رواه مسلم).
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ﴾ أي: عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي ـ إن كان عاصيًا ـ ويود لو كان ازداد من الطاعات ـ إن كان طائعًا فقد قَالَ رَسُولَ اللهِ ﵌: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللهِ لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (حسن رواه الإمام أحمد).
قال الله : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ أي: ليس أحد أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه، ﴿وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ أي: وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم ، هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين.
فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته، ﴿رَاضِيَةً﴾ أي: في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾ أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ أي: في جملتهم، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا.
• منع المرأة من حقها في الميراث صورة من صور ظلم المرأة في بعض المجتمعات الإسلامية:
بَيَّن تعالى في كتابه أن جميع الأوامر وجميع النواهي هي للرجال وللنساء على السواء، فالرسول ﵌ أرسِلَ إلى الرجال والنساء، والقرآن أنزل للرجال والنساء، فالله ذكر كل ذلك في القرآن.
وعند الكلام عن جزاء أهل الإيمان فإنه سبحانه ذكر الجميع: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ٧٢).
وفي الحديث عن المساواة في الحقوق المادية الخاصة قال تعالى: ﴿لِلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (النساء: ٣٢). وعند الميراث قال : ﴿لِلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالاْقْرَبُونَ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالاْقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: ٧). وقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء:١١).
قال سعيد بن جبير وقتادة: «كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورِّثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ
стр. 403
وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء؛ فإنه لُحْمَة كَلُحمة النسب.
هذا هو المبدأ العام الذي أعطى الإسلام به «النساء» منذ أربعة عشر قرنًا حق الإرث كالرجال ـ من ناحية المبدأ ـ كما حفظ به حقوق الصغار الذين كانت الجاهلية تظلمهم وتأكل حقوقهم؛ لأن الجاهلية كانت تنظر إلى الأفراد حسب قيمتهم العملية في الحرب والإنتاج.
وفي هذه الأيام اعتدى الرجال على حق من حقوق المرأة وهو حقها في الميراث، حقها من مال أبيها وأخيها وزوجها وابنها، زاعمين أن ذلك فضيحة وعار، والعار مَن عارض شريعة الجبار ، العار من كره ما أنزل الله حتى أدخله الله النار، العار من حرم الأنثى الضعيفة، واستغل حياءها، وأكل أموالها ليقيم عليها تجارته ومشاريعه، ذاكم هو العار، أما مطالبة المرأة بحقها وإرثها فهو حق مشروع شرعه الله من فوق عرشه ﴿لِلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالاْقْرَبُونَ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالاْقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء:٧).
إن الله الذي يأمر بالعدل أعطى كل ذي حق حقه، سواء كان رجلًا أم امرأة، وإن الواجب علينا أن نعطي الحقوق لأهلها، وأن ندرك أن الله محاسبنا يوم القيامة، رجالًا ونساءً، وأنه لا يرضى أن يعتدي أحد على أحد، بل لا يرضى أن يعتدي إنسان على حيوان، بل لا يرضى أن يعتدي حيوان على حيوان، فقد جاء في الحديث الصحيح أن الله يقتص يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ:» لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» (رواه مسلم) وَالْجَلْحَاء هِيَ الْجَمَّاء الَّتِي لَا قَرْن لَهَا.
وهَذَا تَصْرِيح بِحَشْرِ الْبَهَائِم يَوْم الْقِيَامَة، وَإِعَادَتهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُعَاد أَهْل التَّكْلِيف مِنْ الْآدَمِيِّينَ، وَكَمَا يُعَاد الْأَطْفَال وَالْمَجَانِين وَمَنْ لَمْ تَبْلُغهُ دَعْوَة، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِل الْقُرْآن وَالسُّنَّة.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوش حُشِرَتْ﴾ (التكوير:٥).
قَالَ الْعُلَمَاء: وَلَيْسَ مِنْ شَرْط الْحَشْر وَالْإِعَادَة فِي الْقِيَامَة الْمُجَازَاة وَالْعِقَاب وَالثَّوَاب، وَأَمَّا الْقِصَاص مِنْ الْقَرْنَاء لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ قِصَاص التَّكْلِيف؛ إِذْ لَا تَكْلِيف عَلَيْهَا، بَلْ هُوَ قِصَاص مُقَابَلَة.
وبعد هذا نقول لكل رجل يظلم أخته باحتقارها وازدرائها وحرمانها من حقها: إنه إنسان بعيد عن الحق، يأخذه الشيطان إلى طريق الجاهلية ومفاهيم الجاهلية، وعليه أن يعلم أنه بظلمه لأخته أو ابنته، عليه أن يعلم أنه ربما قد يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج فيجعلها الله هباء منثورًا، بسبب ظلمه وطغيانه، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:٥٨).
إن الإساءة إلى المرأة إساءة عظيمة، لماذا؟ لأنها ضعيفة، ولأنها لا تستطيع أن تردّ كيد الرجل أو تتظلم أو تجهر بالشكوى، ولا أن تخرج فتسيح في الأرض، لأنها عِرض، إنها امرأة، لذلك كان ظلمها أشد الظلم، وكان إلحاق الضرر بها مصيبة أكبر من كل المصائب، فلتتقوا الله أيها الرجال، فإن كانت تلك المرأة أختًا فدخول الجنة موقوف على
стр. 404
الإحسان إليها، وإن كانت بنتًا فهذا حقها، وإن كانت أمًّا فالجنة تحت قدميها (١)،فليؤدِّ إليها حقها، وإلا فقد ظلمها وأساء إليها، والويل له من ربه.
ونقول لهؤلاء الذين يحرمون النساء من حقهن في الميراث: تفكروا فيمن كان قبلكم، كم عمَّروا على هذه الدنيا، وأين هم الآن؟! اعتبروا بمن كان قبلكم، بماذا سينفعك الولد إذا تواريت التراب؟! ماذا ستفعل بتلك الأمتار التي تركتها ولأختك حق فيها، وستطوق بها يوم القيامة إن شاء الله تعالى؟!
قال رَسُولَ اللهِ ﵌: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (رواه البخاري) ولفظ مسلم: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَالتَّطْوِيق الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث يَحْتَمِل أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَحْمِل مِثْله مِنْ سَبْع أَرْضِينَ، وَيُكَلَّف إِطَاقَة ذَلِكَ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون يُجْعَل لَهُ كَالطَّوْقِ فِي عُنُقه كَمَا قَالَ : ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُطَوَّق إِثْم ذَلِكَ وَيَلْزَمهُ كَلُزُومِ الطَّوْق بِعُنُقِهِ.
ماذا ستقول لرب العالمين إذا سألك: لماذا حرمْتَ أختَك من حقها؟! تذكّر حديث النبي ﵌: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا
• المماطلة بالحقوق:
ومِن أنواع الظلم المماطلةُ بالحقوق، كتأخير قِسمةِ الميراث أحيانًا؛ لأن بعضَهم قد يريد بها ظلمَ الآخرين والتحايلَ عليهم ومحاولةَ تنازلهم عن بعض حقوقِهم، لأجل المصالح الشخصيّة، فالمسلم يتباعَدُ عن هذا، وإن ائتُمِنَ أدَّى أمانته بصدقٍ وإخلاص.
قال رَسُولَ اللهِ ﵌: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (رواه مسلم).
وقال النَّبيِّ ﵌: «إِنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. (هود:١٠٢).
رقَدَتْ عيونُ الظالمينَ ولَمْ ... ترقُدْ لمظلومٍ مظالمُهُ
ومَن اعتدى فالله خاذلُه ... ومَن اتقَى فالله عاصِمُهُ
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ». (رواه البخاري).
أمَا واللهِ إنَّ الظلمَ شُؤْمٌ وما زالَ الظلومُ هو الملومُ
إلى ديَّانِ يومِ الدينِ نمضي ... وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ
ستعلمُ في الميعادِ إذِ التقَيْنَا ... غدًا عند المليكِ مَن الظلومُ
• الميراث الحقيقي ميراث النبوة:
ولقد أخبر الرسول ﵌ أنَّ له تركة وميراثًا، لا يمكن أن يُختص بها إلا من أراد الله له الخير وأخبر أن هذا الميراث ليس من فئة الدينار والدرهم، وإنما هو العلم الذي من تحصل عليه فإنما وفق لخير عظيم قال: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَه أَخَذَ بِحَظٍّ وافر» (صحيح رواه أبو داود). (وَرَّثُوا الْعِلْم): لِإِظْهَارِ الْإِسْلَام وَنَشْر الْأَحْكَام (فَمَنْ أَخَذَهُ): أَيْ أَخَذَ الْعِلْم مِنْ مِيرَاث النُّبُوَّة (أَخَذَ بِحَظٍّ): أَيْ بِنَصِيبٍ (وَافِر): كَثِير كَامِل.
стр. 407
٣٥ - إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا
تفنى اللذاذةُ ممنْ ذاقَ صفْوتَها مِن الحرامِ ويبقَى الإثمُ والعارُ
تبقى عواقِبَ سوءٍ في مَغَبَّتِها لا خيرَ في لذَّةٍ بعدها النارُ
• نعم المال الصالح للمرء الصالح:
لقد جبل الله الخلق على حب المال، ورَكَّب في الطباع الحرص على طلبه وتحصيله؛ لأن به قوام حياة الناس وانتظام أمر معايشهم وتمام مصالحهم.
ويجب على المسلم أن يطلب المال ويسعى في أسباب تحصيله مما أذن الله به وشرعه من طرق الكسب الحلال والعمل المباح؛ حتى يستغني المرء به عن ذل السؤال للغير والحاجة للخلق، فطلب الرزق وتحصيله شرف للمؤمن وعزة للمسلم، به تُصان الأعراض وتحفظ الكرامة، وبه يُستَعان على كثيرٍ من أعمال البر والطاعة، فنعم المال الصالح للمرء الصالح.
عن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ سدد خطاكم قال: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ: «خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلَاحَكَ ثُمَّ ائْتِنِي»، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ ثُمَّ طَأْطَأَهُ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ وَأَرْغَبُ لَكَ مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً».
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌».
فَقَالَ: «يَا عَمْرُو، نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ» رواه الإمام أحمد وصححه الألباني).
• إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا:
الكسب الطيب والمال الحلال ينير القلب، ويشرح الصدر، ويورث الطمأنينة والسكينة والخشية من الله ، ويعين الجوارح على العبادة والطاعة، ومن أسباب قبول العمل الصالح وإجابة الدعاء.
стр. 408
أما الكسب الخبيث فإنه شؤم وبلاء على صاحبه، بسببه يقسو القلب، وينطفئ نور الإيمان، ويحل غضب الجبار، ويمنع إجابة الدعاء.
عَنْ أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﵌: «إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا، وإنَّ اللهَ تَعَالَى أمَرَ المُؤْمِنَينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون:٥١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة:١٧٢)، ثُمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمُدُّ يدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبّ يَا رَبّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟» (رواهُ مُسلمٌ).
قوله ﵌: «إنَّ اللهَ طَيِّبٌ» المعنى: أنَّه تعالى مقدَّسٌ منَزَّه عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في قوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ (النور:٢٦)، والمراد: المنزهون من أدناس الفواحش.
وقوله ﵌: «لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا» قد ورد معناه في قوله ﵌: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (رواه البخاري).الفُلُوّ: الْمُهْرُ.
والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالًا.
وقد قيل: إنَّ المراد بقوله: «لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا» أعمُّ مِنْ ذلك، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلِّها، كالرياء والعُجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا، فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ. وقد قيل: إنَّه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة:١٠٠) هذا كلُّه.
• الكلام منه طيب وخبيث:
قد قسَّم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة﴾ (إبراهيم:٢٤)، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (إبراهيم:٢٦)،
стр. 409
وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (فاطر:١٠)، ووصف الرسول ﵌ بأنَّه يحلُّ الطيبات ويحرِّمُ الخبائث.
وقد قيل: إنَّه يدخل في ذلك الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ أيضًا.
• المؤمن كله طيِّبٌ:
ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (النحل:٣٢) ولقد أخبرنا النبي ﵌ أنَّ «الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ» (صحيح رواه ابن ماجه) وإنَّ الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، فيقولون لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر:٧٣).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا» (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
(مَنْ عَادَ مَرِيضًا) أَيْ مُحْتَسِبًا (أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ) أَيْ فِي الدِّينِ (فِي اللهِ) أَيْ لِوَجْهِ اللهِ لَا لِلدُّنْيَا (مُنَادٍ) أَيْ مَلَكٌ (أَنْ طِبْت) دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ عَيْشِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى (وَطَابَ مَمْشَاك) كِنَايَةٌ عَنْ سَيْرِهِ وَسُلُوكِهِ طَرِيقَ الْآخِرَةِ بِالتَّعَرِّي عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِهَا (وَتَبَوَّأْت) أَيْ تَهَيَّأْت (مِنْ الْجَنَّةِ) أَيْ مِنْ مَنَازِلِهَا الْعَالِيَةِ (مَنْزِلًا) أَيْ مَنْزِلَةً عَظِيمَةً وَمَرْتَبَةً جَسِيمَةً بِمَا فَعَلْت. وَهذا دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ الْعَيْشِ فِي الْأُخْرَى كَمَا أَنَّ طِبْت دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا.
فالمؤمن كله طيِّبٌ قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه، فهذه الطيباتِ كلُّها التي هي الإيمان والعمل الصالح يقبلها الله .
ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه، وأنْ يكون من
حلال، فبذلك يزكو عملُه.
•
стр. 410
لا يُقبل العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال:
في هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يُقبلُ العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبولَه، فإنَّه بعد تقريره: «إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا» قال: وإنَّ اللهَ تَعَالَى أمَرَ الْمُؤْمِنَينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون:٥١) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة:١٧٢).
والمراد بهذا أنَّ الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأكل حلالًا، فالعملُ صالح مقبولٌ، فإذا كان الأكلُ غير حلالٍ، فكيف يكون العمل مقبولًا؟
وما ذكره بعد ذَلِكَ من الدعاء، وأنَّه كيف يتقبل مع الحرام، فهوَ مثالٌ لاستبعاد قَبُولِ الأعمال مع التغذية بالحرام.
ولقد كان الصحابة ﵃ يحرصون أشد الحرص على أن يأكلوا من الحلال ويبتعدوا عن الحرام، فعَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ (أي يأتيه بما يكسبه والخراج ما يقرره السيد على عبده من مال يحضره له من كسبه).وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ.
فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟
قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ».
فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ (أي أدخلها في حلقه) فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ». (رواه البخاري).
وفي رواية لأبي نُعيم في الحلية وأحمد في الزهد: «فقيل له: يرحمك الله كلُّ هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتُها، سمعت رسول الله ﵌ -
стр. 411
يقول: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أوْلَى بِهِ» فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة. (صحيح).
رُوحٌ تَغَذَّتْ بتقوَى اللهِ طيبةٌ ... قويةٌ ولها الرحمنُ حَرّاسُ
وجُثّةٌ نَبتَتْ مما يحِلّ لها ... مِنَ المآكِلِ ما في ضعفِها بَاسُ
اجعَلْ طعامَك مِنْ غيرِ الحرامِ علَى ... مقدارِ علمِك واترُكْ ما به الباسُ
وأبْشِرْ فإنك إنْ تحيَا مُنَاكَ تَنَلْ ... وإنْ تمَّتْ لكَ مِن مولاكَ إيناسُ
والحِلُّ يُنْبِتُ في الأعضَا موافقةً ... أمّا الحرامُ فعصيانٌ وأرجاسُ
الباس: البأس ومنه حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ إِذَا أَتَى مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ قَالَ: «أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ ـ وَأَنْتَ الشَّافِي ـ لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ ـ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (رواه البخاري).
• من حجَّ بمالٍ حرام، ومن صلَّى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك؟
إذا حجَجْتَ بمال أصلُه دنَسٌ فما حجَجْتَ ولكن حجَّت العيرُ
ما يقبلُ اللهُ إلا كلّ طيِّبَةٍ ما كُلّ مَن حجّ بيتَ اللهِ مبرورُ
قد اختلفَ العلماءُ في حجِّ من حجَّ بمالٍ حرام، ومن صلَّى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك، وفيه عن الإمام أحمد روايتان، وهذه الأحاديث المذكورة تدلُّ على أنَّه لا يتقبل العملُ مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يُراد به الرضا بالعمل، ومدحُ فاعله، والثناءُ عليه بين الملائكة والمباهاةُ به، وقد يُراد به حصولُ الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة.
فإنْ كان المراد هاهنا القبولَ بالمعنى الأوَّل أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد في صحيح مسلم عن النبي ﵌ أنه قال: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ
стр. 412
تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ».وقال ﵌: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (رواه مسلم) (١).
والمراد ـ والله أعلم ـ نفي القبول بالمعنى الأوَّل أو الثاني، وهو المراد ـ والله أعلم ـ من قوله : ﴿إنَّما يَتقبَّلُ الله من المتَّقين﴾ (المائدة:٢٧).
стр. 413
ولهذا كانت هذه الآية يشتدُّ منها خوفُ السَّلف على نفوسهم، فخافوا أنْ لا يكونوا من المتَّقين الذين يُتقبل منهم.
وسُئل أحمد عن معنى (المتقين) فيها، فقال: يتقي الأشياء، فلا يقع فيما لا يَحِلُّ له.
قال أبو عبد الله الناجي الزاهد ﵀: «خمسُ خصال بها تمامُ العمل: الإيمان بمعرفة الله ومعرفةُ الحقِّ، وإخلاصُ العمل للهِ، والعمل على السُّنَّةِ، وأكلُ الحلالِ، فإن فُقدَتْ واحدةٌ، لم يرتفع العملُ، وذلك أنَّك إذا عرَفت الله ، ولم تَعرف الحقَّ، لم تنتفع، وإذا عرفتَ الحقَّ، ولم تَعْرِفِ الله، لم تنتفع، وإنْ عرفتَ الله، وعرفت الحقَّ، ولم تُخْلِصِ العمل، لم تنتفع، وإنْ عرفت الله، وعرفت الحقَّ، وأخلصت العمل، ولم يكن على السُّنة، لم تنتفع، وإنْ تمَّتِ الأربع، ولم يكن الأكلُ من حلال لم تنتفع».
وقال وُهيب بن الورد: «لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام».
• الصدقة بالمال الحرام هل تُقبل؟
وأما الصدقة بالمال الحرام، فغيرُ مقبولةٍ كما في «صحيح مسلم» عن ابن عمر ﵄، عن النَّبيِّ ﵌: «لَا يَقبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ولَا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ».
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ـ وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ ـ فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (رواه البخاري ومسلم).
(الفَلُوُّ: المُهْرُ).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «مَنْ كَسَبَ مَالًا حَرَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ أجْرٌ، وَكَانَ إصْرُهُ عَلَيْهِ» (رواه ابن حبان في صحيحه، وإسناده جيد).
ورُوي عن أبي الدرداء، ويزيد بن مَيْسَرَة أنَّهما جعلا مثلَ من أصاب مالًا من غير حلِّه، فتصدَّق به مثلَ من أخذ مال يتيم، وكسَا بهِ أرملةً.
стр. 414
وسُئِلَ ابنُ عباس عمَّن كان على عمل، فكان يَظلِمُ ويأخُذُ الحرام، ثم تابَ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه، فقال: إنَّ الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ.
وكذا قال ابن مسعود: إنَّ الخبيثَ لا يُكفِّر الخبيث، ولكن الطَّيِّبَ يُكفِّرُ الخبيث.
وقال الحسنُ: أيها المتصدِّق على المسكين يرحمُه، ارحم من قد ظَلَمْتَ.
الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:
أحدهما: أنْ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يُتُقبَّلُ منه، بمعنى: أنَّه لا يُؤجَرُ عليه، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ؛ لعدم قصده ونيته، كذا قاله جماعةٌ من العلماء.
الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أنْ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى ورثته، فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء، منهم: مالكٌ، وأبو حنيفة، وأحمد وغيرهم.
وروي عن مالك بن دينار، قال: سألتُ عطاء بن أبي رباح عمن عنده مالٌ
حرام، ولا يعرف أربابه، ويريدُ الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إنَّ ذلك يُجزئ عنه. قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحبَّ إليَّ من وزنه ذهبًا.
وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يردُّه إليهم، فإنْ لم يقدر
عليهم، تصدَّق به كلَّه، ولا يأخذ رأس ماله.
• آداب الدعاء:
قوله: «ثُمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمُدُّ يدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبّ يَا رَبّ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟»
هذا الكلام أشار فيه ﵌ إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابَته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:
стр. 415
أحدها: إطالةُ السفر: والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء، كما في حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﵌: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» وفي رواية: «وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» (حسن رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي).
ومتى طال السفر، كان أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء؛ لأنَّه مَظنِّةُ حصول انكسار النفس بطول الغُربة عن الأوطان، وتحمُّل المشاق، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
الثاني: حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والإغبرار: وهو ـ أيضًا ـ من المقتضيات لإجابة الدُّعاء، كما في الحديث المشهور عن النَّبيِّ ﵌: «رُبَّ أشْعَثَ أغْبَرَ، مَدْفُوعٍ بِالأبْوَابِ، لُوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأبَرَّهُ» (رواه مسلم).
ولما خرج النَّبيُّ ﵌ للاستسقاء، خرج متبذِّلًا متواضعًا متضرِّعًا (رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي وإسناده حسن).
وكان مُطَرِّفُ بنُ عبد الله قد حُبِسَ له ابنُ أخٍ، فلبس خُلْقان ثيابه، وأخذ عكازًا بيده، فقيل له: ما هذا؟ قالَ: «أستكين لربي، لعلَّه أنْ يشفِّعني في ابن أخي».
الثالث: مدُّ يديه إلى السَّماء: وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمانَ عن النَّبيِّ ﵌: «إنَّ اللهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إلَيْهِ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْن»، (صحيح رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه).
وكان النَّبيُّ ﵌ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياضُ إبطيه (رواه البخاري ومسلم)، ورَفَعَ يديه يومَ بدرٍ يستنصرُ على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه (رواه مسلم).
وقد روي عن النَّبيِّ ﵌ في صفة رفع يديه في الدُّعاء أنواعٌ متعددة، فمنها:
стр. 416
١ - أنَّه كان يُشير بأصبعه السَّبَّابةِ فقط (رواه مسلم)، وكان يفعل ذلك على المنبر فعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ سدد خطاكم قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا. وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ. (رواه مسلم).
(الْمُسَبِّحَةِ) يعني: السبابة التي تلي الإبهام.
وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﵌ وَأَنَا أَدْعُو بِأُصْبُعَيَّ فَقَالَ: «أَحِّدْ أَحِّدْ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ». (رواه أبو داود، والنسائي وصححه الألباني).
«أَحِّدْ أَحِّدْ»: أَيْ أَشِرْ بِوَاحِدَةٍ لِيُوَافِقَ التَّوْحِيد الْمَطْلُوب بِالْإِشَارَةِ.
٢ - أنَّه ﵌ رفع يديه وجعل ظُهورَهما إلى جهةِ القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونَهما ممَّا يلي وجهَه. فقد روى ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﵌ كان إذا دعا جعل باطن كفيه إلى وجهه. (رواه الطبراني وصححه الألباني).
وقد رُويت هذه الصَّفةُ عنِ النَّبيِّ ﵌ في دعاء الاستسقاء فعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﵌ يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنْ الزَّوْرَاءِ، قَائِمًا يَدْعُو يَسْتَسْقِي، رَافِعًا كَفَّيْهِ، لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، مُقْبِلٌ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ إِلَى وَجْهِهِ». (رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه الألباني).
٣ - رفْع يديه، وجعْلُ كفَّيه إلى السَّماء وظهورهما إلى الأرض. قال رسول الله ﵌، قال: «إِذَا سَأَلْتُمْ اللهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا». (رواه أبو داود وصححه الألباني).
٤ - عكسُ ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلي الأرض. وفي (صحيح مسلم) عن أنس ﵁ قال: «إِنَّ النَّبِيّ ﵌ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء».
قال النووي: «قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ: السُّنَّة فِي كُلّ دُعَاء لِرَفْعِ بَلَاء كَالْقَحْطِ وَنَحْوه أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ وَيَجْعَل ظَهْر كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء، وَإِذَا دَعَا لِسُؤَالِ شَيْء وَتَحْصِيله جَعَلَ بَطْن كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاء واحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيث».
стр. 417
وعَنْ أَنَسٍ سدد خطاكم أَنَّ النَّبِىَّ ﵌ كَانَ يَسْتَسْقِى هَكَذَا ـ يَعْنِى وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِى الأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ. (رواه أبو داود وصححه الألباني).
الرابع من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته: وهو مِنْ أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء.
فعن عطاءٍ قال: ما قال عبدٌ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ ثلاث مرات، إلاّ نظر الله إليه، فذُكر ذلك للحسن، فقال: أما تقرءون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾. (آل عمران:١٩١ - ١٩٥).
ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرَّبِّ، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة:٢٠١).
ومثل هذا في القرآن كثير.
وسئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي، فقالا: يقول: يا ربّ.
زاد مالك: كما قالت الأنبياء في دعائهم.
• من موانع إجابة الدعاء:
١ - قد أشار ﵌ في هذا الحديث إلى أنّ منها التوسُّع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذيةً.
وقيل لسعد بن أبي وقاص: تُستجابُ دعوتُك من بين أصحاب رسول الله ﵌؟، فقال: «ما رفعتُ إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئُها، ومن أين خرجت».
وعن وهب بن مُنبِّه قال: من سرَّه أنْ يستجيب الله دعوته، فليُطِب طُعمته.
стр. 418
وقوله ﵌: «فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟»، معناه: كيف يُستجاب له؟ فهوَ استفهامٌ وقع على وجه التَّعجُّب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، فَيُؤْخَذُ من هذا أنَّ التوسُّع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة، وقد يُوجد ما يمنعُ هذا المانع من منعه.
٢ - وقد يكونُ ارتكابُ المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث: أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﵌ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
وفعل الطاعات يكون موجبًا لاستجابة الدعاء؛ ولهذا لمَّا توسَّل الذين دخلوا الغارَ، وانطبقت عليهمُ الصخرةُ بأعمالهم الصالحةِ التي أخلصوا فيها لله تعالى ودَعُوا الله بها، أجيبت دعوتهم. (القصة رواها البخاري ومسلم).
وقال وهب بن مُنبِّه: مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر.
وعنه قال: العملُ الصالحُ يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ (فاطر:١٠).
وعن عمر ﵁ قال: بالورع عما حرَّم الله يقبلُ الله الدعاء والتسبيحَ.
وعن أبي ذر ﵁ قال: يكفي مع البرِّ من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامُ من الملح.
وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسيرُ.
وقال بعض السَّلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سددتَ طُرُقها بالمعاصي.
وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
نحن نَدْعُو الإله في كُلِّ كَربٍ ... ثُمَّ نَنساهُ عِندَ كَشفِ الكُروبِ
كَيْفَ نَرجُو إجابةً لدُعاءٍ ... قَدْ سَدَدْنا طرِيقَها بالذُّنوب
стр. 419
٣٦ - لا تَحَاسَدُوا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» ـ وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم).
• لا تحاسدوا:
قوله ﵌: «لَا تَحَاسَدُوا» يعني: لا يحسُدْ بعضُكم بعضًا، والحسدُ مركوزٌ في طباع البشر، وهو أنَّ الإنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ منْ جنسهِ في شيءٍ من الفضائل.
ثم ينقسم الناس بعدَ هذا إلى أقسام:
فمنهم من يسعى في زوال نعمةِ المحسودِ بالبغي عليه بالقول والفعل.
ثمَّ منهم من يسعى في نقلِ ذلك إلى نفسه.
ومنهم من يَسعى في إزالته عن المحسودِ فقط من غيرِ نقل إلى نفسه، وهو شرُّهما وأخبثهما.
والحسدُ المذمومُ المنهيُّ عنه كان ذنبَ إبليس حيث حسدَ آدم ﵇ لمَّا رآه قد فاق على الملائكة بأنْ خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكتَه، وعلَّمه أسماء كلِّ شيءٍ، وأسكنه في جواره، فما زال يسعى في إخراجه من الجنَّة حتَّى أخرج منها.
وقد وصف الله اليهودَ بالحسد في مواضع من كتابه القرآن، كقوله تعالى:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ﴾ (البقرة:١٠٩)، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء:٥٤).
كلّ العداوةِ قد تُرجَى إماتَتُها إلا عداوةَ مَن عاداك مِن حسدِ
فإنّ في القلبِ منها عُقدةٌ عُقِدَتْ وليسَ يفتحُها راقٍ الى الأبدِ
إلا الإلهُ فإنْ يرحمْ تحلّ به وإن أباه فلا ترجُوه مِن أحدِ
وعن الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ». (حسن رواه الترمذي)؟.
(دَبَّ إِلَيْكُمْ) أَيْ سَرَى وَمَشَى بِخُفْيَةٍ (الْحَسَدُ) أَيْ فِي الْبَاطِنِ.
(وَالْبَغْضَاءُ) أَيْ الْعَدَاوَةُ فِي الظَّاهِرِ. (وَهِيَ) أَيْ الْبَغْضَاءُ، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
(لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ) أَيْ تَقْطَعُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ سَهْلٌ.
(وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) وَضَرَرُهُ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. أَيْ الْبَغْضَاءُ تَذْهَبُ بِالدِّينِ كَالْمُوسَى تَذْهَبُ بِالشَّعْرِ.
(وَلَا تُؤْمِنُوا) أَيْ إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى تَحَابُّوا) أَيْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
(أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ) مِنْ التَّثْبِيتِ (ذَلِكَ) أَيْ التَّحَابُبَ.
(أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) أَيْ أَعْلِنُوهُ وَعُمُّوا بِهِ مَنْ عَرَفْتُمُوهُ وَغَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يُزِيلُ الضَّغَائِنَ وَيُورِثُ التَّحَابُبَ.
أيا حاسدًا لي علَى نِعمَتِي أتَدْري علَى مَنْ أسَأتَ الأدَبْ
أسَأتَ علَى اللهِ في حُكمِهِ لأنّكَ لمْ تَرْضَ لي مَا وَهَبْ
وقسم آخر من الناسِ إذا حسدَ غيره، لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغِ على المحسود بقولٍ ولا فعلٍ، وهذا على نوعين:
أحدهما: أنْ لا يمكنه إزالةُ الحسدِ من نفسِه، فيكون مغلوبًا على ذَلِكَ، فلا يأثمُ به.
стр. 420
والثاني: من يُحدِّثُ نفسَه بذلك اختيارًا، ويُعيده ويُبديه في نفسه مُستروِحًا إلى تمنِّي زوالِ نعمة أخيه، فهذا شبيهٌ بالعزم المصمِّم على المعصية، وفي العقاب على ذلك اختلافٌ بين العلماء، لكن هذا يَبعُدُ أن يَسلَمَ من البغي على المحسود، ولو بالقول، فيأثم بذلك.
وقسم آخر: إذا حسد لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنَّى أنْ يكونَ مثله، فإن كانتِ الفضائلُ دنيويَّةً، فلا خيرَ في ذلك، كما قال الَّذينَ يُريدُونَ الحياةَ الدُّنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ (القصص:٧٩)، وإنْ كانت فضائلَ دينيَّةً، فهو حسن، وقد تمنَّى النَّبيُّ ﵌ الشَّهادة في سبيل الله .
وعن عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (رواه البخاري ومسلم).وهذا هو الغبطة، وسماه حسدًا من باب الاستعارة.
وقسم آخر: إذا وجدَ من نفسه الحسدَ سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداءِ الإحسان إليه، والدُّعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه مِنَ الحسدِ حتّى يبدلَه بمحبَّة أنْ يكونَ أخوه المسلمُ خيرًا منه وأفضلَ، وهذا مِنْ أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمنُ الكاملُ الذي يُحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وقد قال ﵌: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
اصبِرْ علَى حَسَدِ الحسُودِ ... فإنّ صبرَك قاتِلُه
كالنارِ تأكلُ بعضَها إنْ لمْ تَجِدْ ما تأكُلُه
• لا تناجَشوا:
وقوله ﵌: «وَلَا تَنَاجَشُوا»:فسَّره كثيرٌ من العلماء بالنَّجْشِ في البيع، وهو: أن يزيدَ في السِّلعة من لا يُريدُ شِراءها، إمَّا لنفع البائع بزيادةِ الثَّمن له، أو بإضرارِ المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي «الصحيحين» عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ ﵌ أنَّه نَهَى عَن النَّجَشِ.
стр. 421
وقال ابن أبي أوفى ﵁: «النَّاجش: آكِلُ رِبًا خَائِنٌ» (ذكره البخاري في صحيحه معلقًا).
قال ابنُ عبد البرِّ: أجمعوا أنَّ فاعلَه عاصٍ لله إذا كان بالنَّهي عالمًا.
ويحتمل أن يُفسَّرَ التَّناجُشُ المنهيُ عنه في هذا الحديث بما هو أعمُّ من ذلك، فإنَّ أصلَ النَّجش في اللُّغة: إثارةُ الشَّيءِ بالمكرِ والحيلةِ والمخادعةِ، ومنه سُمِّي النَّاجِشُ في البيع ناجشًا، ويسمّى الصَّائدُ في اللغة ناجشًا؛ لأنَّه يُثير الصَّيد بحيلته عليه، وخِداعِه له، وحينئذٍ.
فيكونُ المعنى: لا تتخادَعوا، ولا يُعامِلْ بعضُكُم بعضًا بالمكرِ والاحتيال.
وإنَّما يُرادُ بالمكر والمخادعة إيصالُ الأذى إلى المسلم: إمَّا بطريقِ الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصولُ الضَّرر إليه، ودخولُه عليه.
وقد قال الله : ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر:٤٣).وفي حديث ابن مسعودٍ عنِ النَّبيِّ ﵌: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكرُ والخِدَاعُ فِي النَّارِ» (حسن رواه ابن حبان).
فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميعُ أنواع المعاملات بالغشِّ
ونحوه، كتدليس العيوب، وكِتمانها، وغشِّ المبيع الجيد بالرديء، وغَبْنِ المسترسل الذي لا يَعرِفُ المماكسة، وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفَّار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم، وما أحسنَ قول من قال:
لَيس دُنيا إلاَّ بدينٍ ولَيْـ ... ـسَ الدِّين إلاَّ مَكارمُ الأخْلاقِ
إنَّما المَكْرُ والخَديعَةُ في النَّارِ ... هُمَا مِنْ خِصالِ أهْلِ النِّفاقِ
وإنَّما يجوزُ المكرُ بمن يجوزُ إدخالُ الأذى عليه، وهم الكفَّارُ المحاربون، كما قال النَّبيُّ ﵌: «الحَرْبُ خُدْعَةٌ» (رواه البخاري ومسلم).
стр. 422
• لا تَباغضوا:
قوله ﵌: «وَلَا تَبَاغَضُوا»:نهى المسلمين عَنِ التَّباغض بينهم في غير الله، بل على أهواءِ النُّفوسِ، فإنَّ المسلمينَ جعلهمُ الله إخوةً، والإخوةُ يتحابُّونَ بينهم، ولا يتباغضون، وقال النَّبيُّ ﵌: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (رواه مسلم).
وقد حرَّم الله على المؤمنين ما يُوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:٩١).وامتنَّ على عباده بالتَّأليف بين قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران:١٠٣)، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال:٦٢ - ٦٣).
كم مِن أخٍ لكَ لم يَلِدْهُ أبُوكَا وأخٌ أبُوه أبُوكَ قد يجْفُوكَا
صافِ الكرامَ إذا أردتَ إخاءَهُم وأعلَمْ بأنَّ أخَا الحفاظِ أخوكَا
كم إخوةٌ لك لم يلدْك أبوهُم وكأنما آباءَهم ولدُوكَا
ولهذا المعنى حرم المشي بالنَّميمة، لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، ورُخِّصَ في الكذب في الإصلاح بين النَّاس، ورغَّب الله في الإصلاح بينهم، كما قال تعالى:
﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:١١٤)، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات:٩)، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (الأنفال:١).
стр. 423
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» (صحيح رواه الترمذي).
وقال ﵌: «إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ». (حسن رواه الترمذي).
• البغض في الله من أوثق عرى الإيمان:
وأمَّا البغض في الله، فهو من أوثق عرى الإيمان، وليس داخلًا في النَّهي؛ قال ﵌: «أوْثَقُ عًرَى الإيمَانِ: المُوَالَاةُ فِي اللهِ والمُعَادَاةُ فِي اللهِ وَالحُبُّ فِي اللهِ والبُغْضُ فِي اللهِ » (صحيح رواه الطبراني).
ولو ظهر لرجل من أخيه شرٌّ، فأبغضه عليه، وكان الرَّجُل معذورًا فيه في نفس الأمر، أثيب المبغضُ له، وإن عُذِرَ أخوه، كما قال عمر ﵁: «إنَّا كُنَّا نعرفكُم إذ رسول الله ﵌ بين أظهُرنا، وإذ ينْزل الوحيُ، وإذ يُنبِّئُنا الله مِنْ أخبارِكُم ألا وإنَّ رسول الله ﵌ قدِ انطُلِقَ به، وانقطعَ الوحيُ، فإنَّما نَعْرفكم بما نَخْبُركم، ألا مَنْ أظهرَ منكم لنا خيرًا ظننَّا به خيرًا، وأحببناه عليه، ومَنْ أظهر منكم شرًّا، ظننا به شرًا، وأبغضناه عليه، سرائرُكم بينكم وبينَ ربِّكم ».
وقال الربيع بن خُثَيْم: «لو رأيتَ رجلًا يُظهر خيرًا، ويُسرُّ شرًّا، أحببتَه عليه، آجرَك الله على حبِّك الخيرَ، ولو رأيتَ رجلًا يُظهر شرًّا، ويسرُّ خيرًا أبغضته عليه، آجرَك الله على بُغضك الشرَّ».
• لا تدابروا:
وقوله ﵌: «وَلَا تَدَابَرُوا» التَّدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يُولِّي الرَّجلُ صاحبَهُ دُبُرَه، ويُعرِض عنه بوجهه، وهو التَّقاطع.
وروى مسلم من حديث أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «لا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا كَمَا أمَرًَكُمُ اللهُ».
وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (رواه البخاري).
стр. 424
وقال ﵌: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ». (صحيح رواه أبوداود) وقال النَّبيِّ ﵌ قال: «مَنْ هَجَرَ أخَاهُ سَنَةً، فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ». (صحيح رواه أبو داود).
«مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ»:أَيْ أَخَاهُ فِي الإسلام (سَنَةً) أي بغير عذر شرعي «فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ»:أَيْ كَإِرَاقَةِ دَمه فِي اِسْتِحْقَاق مَزِيد الْإِثْم لَا فِي قَدْره، أي مهاجرته سنة توجب العقوبة كما أن سفك دمه يوجبها، والمراد اشتراك الهاجر والقاتل في الإثم لا في قدره ولا يلزم التساوي بين المشبه والمشبه به.
• التَّقاطع لأجلِ الدِّين:
في التَّقاطع لأجلِ الدِّين تجوزُ الزِّيادةُ على الثلاثِ، نصَّ عليه الإمام أحمدُ، واستدلَّ بقصَّةِ الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفوا، وأمر النَّبيُّ ﵌ بهجرانهم لمَّا خاف منهمُ النِّفاق، وأباح هِجران أهلِ البدع المغلَّظة والدعاة إلى الأهواء، وذكر الخطابي أنَّ هِجران الوالدِ لولده، والزَّوج لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوزُ الزِّيادة فيه على الثَّلاث؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵌ هجر نساءه شهرًا.
• هل ينقطع الهِجران بالسَّلام؟
واختلف العلماء: هل ينقطع الهِجران بالسَّلام؟ فقالت طائفةٌ: يَنقطِعُ بذلك، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا يَكُونُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ، فَإِذَا لَقِيَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ» (حسن رواه أبوداود).
ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخرُ من الرَّدِّ عليهِ، فأمَّا معَ الرَّدِّ إذا كانَ بينهما قبل الهجرةِ مودَّةٌ، ولم يعودا إليها، ففيه نظر، وقد قال َالإمام أحمد في رواية الأثرم، وسئل عن السَّلام: يقطعُ الهِجران؟ فقال: قد يُسلم عليه وقد صَدَّ عنه، ثم قال: النَّبيُّ ﵌ يقول: «يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا»، فإذا كان قد عوَّده أنْ يُكلِّمه أو يُصافحه ـ وكذلك رُوي عن مالكٍ ـ أنَّه لا تنقطعُ الهجرة بدونِ العود إلى المودَّة.
وفرَّق بعضُهم بين الأقارب والأجانب، فقال في الأجانب: تزول الهجرةُ بينهم بمجرَّد السَّلام، بخلافِ الأقارب، وإنَّما قال هذا لوجوب صلة الرَّحِمِ.