إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء:٢٨).والله لا يرضى إلا التوحيد كما قال : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران:٨٥).
فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﵌ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، فاطلب الشفاعة من الله، فقل: اللهم لا تحرمني شفاعة النبي ﵌، اللهم شفِّعْهُ فِيَّ، وأمثال هذا.
الشبهة السادسة: قولهم: إن الله أعطى النبي ﵌ الشفاعة، ونحن نطلبه مما أعطاه الله .
الجواب: اعلم أن الله أعطى النبي ﵌ الشفاعة ونهانا عن هذا فقال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن:١٨).
واعلم أن الله أعطى النبي ﵌ الشفاعة ولكنه ﵌ لا يشفع إلا بإذن الله، ولا يشفع إلا لمن ارتضاه الله، ومن كان مشركًا فإن الله لا يرتضيه فلا يأذن أن يشفع له كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء:٢٨).
واعلم أن الله تعالى أعطى الشفاعة غير النبي ﵌، فالملائكة يشفعون، والأفراط (١) يشفعون، والأولياء يشفعون. فهل نطلب الشفاعة من هؤلاء؟
فإن كنت تريد من الرسول ﵌ الشفاعة فقل: «اللهم شفع فيَّ نبيك محمدًا رسول الله ﵌».وكيف تريد شفاعة رسول الله ﵌ وأنت تخالف أمره وتدعوه ﵌ مباشرة، ودعاء غير الله شرك أكبر مخرج من الملة.
الشبهة السابعة: قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فالشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام .
الجواب: اعلم أن عُبَّاد الأصنام لا يعتقدون أنها تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها، وإن القرآن يكذب من قال أنهم كانوا يعتقدون غير ذلك. وأن عُبَّاد الأصنام هم من قصد خشبة، أو حجرًا، أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون: إنه
стр. 37
يقربنا إلى الله زلفى ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا. وأن فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها هو نفس فعلهم، وبهذا يكون فعلكم هو عبادة الأصنام.
وقولكم: الشرك عبادة الأصنام، هل هذا يعني أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين.
الشبهة الثامنة: قولهم: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﵌ -، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
الجواب: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن من كفر ببعض ما جاء به الرسول ﵌ وكذَّب به، فهو كمن كذب بالجميع وكفر به، ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميع الأنبياء لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ ِوَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (النساء: ١٥٠ - ١٥١) وقوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة:٨٥).
فمن أقر بالتوحيد وأنكر وجوب الصلاة فهو كافر، ومن أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة فإنه يكون كافرًا، ومن أقر بوجوب ما سبق وجحد وجوب الصوم فإنه يكون كافرًا، ومن أقر بذلك كله وجحد وجوب الحج فإنه كافر والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ (يعني من كفر بكون الحج واجبًا أوجبه الله على عباده) فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:٩٧).
стр. 38
ومن أقَرَّ بهذا كله، ولكنه كذب بالبعث فإنه كافر بالإجماع لقول الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن:٧).
فإذا أقررت بهذا فاعلم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﵌ وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذا الأمور كفَر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﵌؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل! فمنكر التوحيد أشد كفرًا وأبين وأظهر.
وها هم أصحاب رسول الله ﵌ قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ﵌ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﵌ ويؤذِّنون ويصلون وهم إنما رفعوا رجلًا، وهو مسيلمة الكذاب، إلى مرتبة النبي ﵌، فكيف بمن رفع مخلوقًا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، يدعوه ويذبح له ويستغيث به ويعتقد فيه النفع والضر؟ أفلا يكون أحق بالكفر ممن رفع مخلوقًا إلى منزلة مخلوق آخر؟!
وقد أجمع العلماء على كفر بني عبيد القداح (الفاطميين) الذين الذين ملكوا المغرب ومصر وكانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون الجمعة والجماعات ويدَّعون أنهم مسلمون، ولكن ذلك لم يمنعهم من حكم المسلمين عليهم بالردة حين أظهروا مخالفة المسلمين في أشياء دون التوحيد حتى قاتلوهم واستنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
وإذا كان الكفار الأولون لم يكفروا إلا حين جمعوا جميع أنواع الكفر من الشرك والتكذيب والاستكبار فما معنى ذِكر أنواع من الكفر في (باب حكم المرتد)؟ كل نوع منها يُكَفّر حتى ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزاح واللعب، فلولا أن الكفر يحصل بفعل نوع منه وإن كان الفاعل مستقيمًا في جانب آخر لم يكن لذكر الأنواع فائدة.
стр. 39
وقد حكم الله تعالى بكفر المنافقين الذين قالوا كلمة الكفر مع أنهم كانوا مع النبي ﵌ يصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويوحدون، فقال الله تعالى فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ (التوبة:٧٤).
وحكم الله تعالى بكفر المنافقين الذين قالوا كلمةً ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فقال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٩٦).
ومن الدليل على أن الإنسان قد يقول أو يفعل ما هو كفر من حيث لا يشعر قول بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم لموسى ﵊: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقول أصحاب النبي ﵌: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» فقال: «الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٨) لتركبن سنة من كان قبلكم». (رواه الترمذي وصححه الألباني). وهذا يدل على أن موسى ومحمدًا ـ عليهما الصلاة والسلام ـ قد أنكروا ذلك غاية الإنكار.
الشبهة التاسعة: قولهم: في قول بني إسرائيل لموسى ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقول بعض الصحابة للنبي ﵌: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط» إن الصحابة وبني إسرائيل لم يكفروا .
الجواب: أن الصحابة وبني إسرائيل لم يفعلوا ذلك حين لقوا من الرسولين الكريمين إنكار ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﵌ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا.
الشبهة العاشرة: قولهم: إن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى ، فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﵌، فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
стр. 40
الجواب: الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص:١٥).
والناس لم يستغيثوا بهؤلاء الأنبياء الكرام ليزيلوا عنهم الشدة، ولكنهم يستشفعون بهم عند الله ليزيل هذه الشدة، وهناك فرق بين من يستغيث بالمخلوق ليكشف عنه الضرر والسوء، ومن يستشفع بالمخلوق إلى الله ليزيل الله عنه ذلك، وهذا أمر جائز كما أن الصحابة ﵃ يسألون النبي ﵌ في حياته أن يدعو الله لهم، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه؟
ولا بأس أن تأتي لرجل صالح حي تعرفه وتعرف صلاحه فتسأله أن يدعو الله لك، وهذا حق إلا أنه لا ينبغي للإنسان أن يتخذ ذلك ديدنًا له كلما رأى رجلًا صالحًا قال: ادع الله لي، فإن هذا ليس من عادة السلف ﵃، وفيه اتكال على دعاء الغير، ومن المعلوم أن الإنسان إذا دعا ربه بنفسه كان خيرًا له؛ لأنه يفعل عبادة يتقرب بها إلى الله .
الشبهة الحادية عشرة: قولهم: أن في قصة إبراهيم ﵇ لما أُلقِي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، دليل على أنه لو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم ؟
الجواب: أولًا: قال العجلوني في (كشف الخفاء:١١٣٦): «(حسبي من سؤالي علمه بحالي) ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء بلفظ: رُوِي عن كعب الأحبار أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: «لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك» ثم رموا به في المنجنيق إلى النار فاستقبله جبريل، فقال: «يا إبراهيم ألك حاجة؟» قال: «أما إليك فلا»، قال جبريل: «فسَلْ ربك»، فقال إبراهيم: «حسبي من سؤالي علمه بحالي» انتهى، وذكر البغوي في تفسير ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ (الأنبياء:٦٨) أن إبراهيم ﵇ قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» حين قال له خازن المياه لما أراد النمرود إلقاؤه في النار: إن أردتَ أخمدتُ النار، وأتاه خازن الرياح فقال له: إن
стр. 41
شئتَ طيرتُ النار في الهواء، فقال إبراهيم: «لا حاجة لي إليكم، حسبي الله ونعم الوكيل» انتهى.
قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٧٤): (حسبي من سؤالي علمه بحالي). لا أصل له. أورده بعضهم من قول إبراهيم ﵊، وهو من الإسرائيليات ولا أصل له في المرفوع، وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء مشيرًا لضعفه فقال: رُوِيَ عن كعب الأحبار: أن إبراهيم ﵊ لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل. ..
وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنَّف في الحكمة على طريقة الصوفية فقال: سؤالك منه ـ يعني الله تعالى ـ اتهامٌ له، وهذه ضلالة كبري! فهل كان الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ متَّهِمين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟. .. وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تحصى. .. وبالجملة فهذا الكلام المعزو لإبراهيم ﵊ لا يصدر من مسلم يعرف منزلة الدعاء في الإسلام فكيف يصدر ممن سمانا المسلمين؟!
ثم وجدت الحديث قد أورده ابن عراق في (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبارالشنيعة الموضوعة) وقال (١/ ٢٥٠): قال ابن تيمية موضوع».انتهى كلام الألباني (بتصرف).
* الذي في البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»
ثانيًا: على فرض ثبوت الأثر ـ وقد تبين لك أنه من الإسرائيليات ـ فإن جبريل ﵇ إنما عرض على إبراهيم ﵇ أمرًا ممكنًا يمكن أن يقوم به فلو أذن الله لجبريل لأنقذ إبراهيم بما أعطاه الله تعالى من القوة فإن جبريل كما وصفه الله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم:٥) فلو أمره الله أن يأخذ نار إبراهيم وماحولها ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل ولو أمره أن يحمل إبراهيم إلى مكان بعيد عنهم لفعل ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل.
стр. 42
وهذا يشبه لو أن رجلًا غنيًا أتي إلى فقير فقال هل لك حاجة في المال؟ من قرض أو هبة أو غير ذلك؟ فإنما هذا مما يقدر عليه، ولا يُعَدُّ هذا شركًا لو قال: «نعم لي حاجة أقرضني، أو هِبْني» لم يكن مشركًا.
الشبهة الثانية عشرة: قال بعض أهل البدع الذين يَدْعُون أهل القبور: كيف تقولون: الميت لا ينفع وقد نفعنا موسى ﵇ حيث كان السبب في تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس ؟
الجواب: الأصل في الأموات أنهم لا يسمعون نداء من ناداهم من الناس، ولا يستجيبون دعاء من دعاهم، ولا يتكلمون مع الأحياء من البشر ولو كانوا أنبياء، بل انقطع عملهم بموتهم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر:١٤) وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (فاطر:٢٢) وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الأحقاف:٥ - ٦) وقول رسول الله ﵌: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به» (رواه مسلم).
ويستثنى من هذا الأصل ما ثبت بدليل صحيح، كسماع أهل القليب من الكفار كلام رسول الله ﵌ عقب غزوة بدر، وكصلاته بالأنبياء ليلة الإسراء، وحديثه مع الأنبياء ﵈ في السماوات حينما عرج به إليها، ومن ذلك نصح موسى لنبينا ـ عليهما الصلاة والسلام ـ أن يسأل الله التخفيف مما افترضه عليه وعلى أمته من الصلوات فراجَعَ نبيُّنا ﵌ ربه في ذلك حتى صارت خمس صلوات في كل يوم وليلة، وهذا من المعجزات وخوارق العادات فيقتصر فيه على ما ورد. ولا يقاس عليه غيره مما هو داخل في عموم الأصل؛ لأن بقاءه في الأصل أقوى من خروجه عنه بالقياس على خوارق العادات، علمًا بأن القياس على المستثنيات من الأصول ممنوع خاصة إذا لم تعلم العلة، والعلة في هذه
стр. 43
المسألة غير معروفة؛ لأنها من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا بالتوقيف من الشرع، ولم يثبت فيها توقيف فيما نعلم، فوجب الوقوف بها مع الأصل.
الشبهة الثالثة عشرة: ١ - ما رُويَ عن عتبة بن غزوان عن نبي الله ﵌ أنه قال: «إذا ضل أحدكم شيئًا أو أراد عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني فإن لله عبادًا لا نراهم».
الرد: قال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة.
وقال الحافظ ابن حجر في (تخريج الأذكار): «أخرجه الطبراني بسند منقطع عن عتبة بن غزوان مرفوعًا. وزاد في آخره: «وقد جُرِّب ذلك». ثم قال الحافظ: «كذا في الأصل ـ أي الأصل المنقول منه هذا الحديث من كتاب الطبراني ـ ولم أعرف تعيين قائله، ولعله مصنف المعجم، والله أعلم».
قال الشيخ الألباني: وأما دعوى الطبراني ﵀ بأن الحديث قد جُرِّب، فلا يجوز الاعتماد عليها، لأن العبادات لا تثبت بالتجربة.
٢ - ما رُويَ عن عبد الله ابن مسعود أنه قال قال رسول الله ﵌: «إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا يا عباد الله احبسوا فإن لله حاصرًا في الأرض سيحبسه».
الرد: قال الحافظ الهيثمي: رواه أبو يعلى والطبراني وزاد سيحبسه عليكم، وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف.
٣ - ما رُويَ عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله.
الرد: قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
قال الشيخ الألباني ﵀ في (السلسلة الضعيفة والموضوعة) (٢/ ١٠٩): وأخرجه البزار عن ابن عباس بلفظ: «إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة
стр. 44
يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني».قال الحافظ كما في (شرح ابن علان) (٥/ ١٥١): «هذا حديث حسن الإسناد غريب جدًا، أخرجه البزار وقال: لا نعلم يروى عن النبي ﵌ بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد».وحسنه السخاوي أيضا في (الابتهاج) وقال الهيثمي: «رجاله ثقات».قلت (أي الألباني): ورواه البيهقي في (الشعب) موقوفًا كما يأتي .... ثم قال الشيخ الألباني: وقفت على إسناد البزار في " زوائده " (ص ٣٠٣): حدثنا موسى بن إسحاق: حدثنا منجاب بن الحارث: حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد (عن أبان) ابن صالح عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﵌ قال: فذكره. قلت: وهذاإسناد حسن كما قالوا، فإن رجاله كلهم ثقات غير أسامة بن زيد وهو الليثي وهو من رجال مسلم، على ضعف في حفظه، قال الحافظ في (التقريب): «صدوق يهم».
وموسى بن إسحاق هو أبو بكر الأنصاري ثقة، ترجمه الخطيب البغدادي في (تاريخه) (١٣/ ٥٢ - ٥٤) ترجمة جيدة. نعم خالفه جعفر بن عون فقال: حدثنا أسامة بن زيد. ... فذكره موقوفا على ابن عباس. أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان) (٢/ ٤٥٥).وجعفر بن عون أوثق من حاتم بن إسماعيل، فإنهما وإن كانا من رجال الشيخين، فالأول منهما لم يجرح بشيء، بخلاف الآخر، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي. وقال غيره: كانت فيه غفلة. ولذلك قال فيه الحافظ: «صحيح الكتاب، صدوق يهم». وقال في جعفر: «صدوق».ولذلك فالحديث عندي معلول بالمخالفة، والأرجح أنه موقوف، وليس هو من الأحاديث التي يمكن القطع بأنها في حكم المرفوع، لاحتمال أن يكون ابن عباس تلقاها من مسلمة أهل الكتاب. والله أعلم.
ولعل الحافظ ابن حجر ﵀ لو اطلع على هذه الطريق الموقوفة، لانكشفت له العلة، وأعله بالوقف كما فعلت، ولأغناه ذلك عن استغرابه جدًا، والله أعلم.» اهـ.
تنبيه: قولهم: «رجاله رجال الصحيح» أو «رجاله ثقات»، ليس تصحيحا للحديث؛ لأن من شروط الحديث الصحيح أن يسلم من العلل التي بعضها الشذوذ
стр. 45
والاضطراب والتدليس، وعليه فقول بعض المحدثين في حديث ما: «رجاله رجال الصحيح» أو: «رجاله ثقات» أو نحو ذلك لا يساوي قوله: «إسناده صحيح» فإن هذا يثبت وجود جميع شروط الصحة التي منها السلامة من العلل، بخلاف القول الأول، فإنه لا يثبتها، وإنما يثبت شرطًا واحدًا فقط وهو عدالة الرجال وثقتهم وبهذا لا تثبت الصحة كما لا يخفى.
تنبيه آخر: قد يَسْلَم الحديث المقول فيه ذلك القول من تلك العلل ومع ذلك فلا يكون صحيحًا، لأنه قد يكون في السند رجل من رجال الصحيح ولكن لم يحتَجّ به، وإنما أخرج له استشهادًا أو مقرونًا بغيره لضعف في حفظه، أو يكون ممن تفرد بتوثيقه ابن حبان، وكثيرًا ما يشير بعض المحققين إلى ذلك بقوله: «ورجاله موثقون» إشارة إلى أن في توثيق بعضهم لِينًا، فهذا كله يمنع من أن تفهم الصحه من قولهم الذي ذكرنا.
تنبيه أخير: قال أحد دعاة الصوفية المعاصرين بعد أن استشهد بالحديث: «ولا يبعد أن يقاس على الملائكة أرواح الصالحين فهي أجسام نورانية باقية في عالمها»
الرد: أولًا: من أين لك هذا؟ كيف يقال: «إن أرواح الصالحين أجسام نورانية» مع أن الله قد قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء:٨٥)
قال الحافظ ابن كثير: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎.
ثانيًا: بقاء أرواح الصالحين في عالمها ليس دليلًا على أنها تنفع أو تضر. فالحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلا الله تعالى، وليس لها أية علاقة بالحياة الدنيا وليس لها بها أي صلة ... فهي حياة مستقلة نؤمن بها ولا نعلم ما هيتها.
وإن ما بين الأحياء والأموات حاجز يمنع الاتصال فيما بينهم قطعيًا وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم لا ذاتًا ولا صفات والله سبحانه يقول: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠) والبرزخ معناه: الحاجز الذي يحول دون اتصال هؤلاء
стр. 46
بهؤلاء. لا سيما وأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (النمل:٨٠) ويقول : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (فاطر:٢٢).
قال الشيخ الألباني: فهذا الحديث ـ إذا صح ـ يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول: «يا عباد الله» إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، فإن الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بيِّن لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا لما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر ١٣ - ١٤).
الشبهة الرابعة عشرة: قالوا: من الأدلة على جواز دعاء الصالحين وندائهم، ما ذكره الله عن نبيه سليمان ﵇ وقوله لآصف بن برخيا وقد طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله . قال : ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل:٣٨ - ٤٠).
وقوله : ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: ارفع بصرك وانظر مُدّ بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكلّ بصرك إلا وهو حاضر عندك. وذُكر أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب، ثم قام فتوضأ، ودعا الله .
قال مجاهد: قال: يا ذا الجلال والإكرام. وقال الزهري: قال: يا إلهنا وإله كل شيء، إلهًا واحدًا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها. قال: فتمثل له بين يديه».
стр. 47
الرد: ما الدليل على أن المقصود هو آصف بن برخيا، إن قصة آصف بن برخيا لم يرِدْ فيها حديث مرفوع إلى النبي ﵌ فيما نعلم. نريد إسناداً ـ على الأقل ـ لهذه القصة؟
في المسألة أقوال كثيرة؛ أقواها أربعة أقوال وهي:
١ - أنه آصف بن برخيا كاتب سليمان ﵇.
٢ - أنه سليمان ﵇ نفسه.
٣ - أنه جبريل ﵇.
٤ - أنه ملك من الملائكة.
* القول الأول: بأنه آصف بن برخيا، وكان وزيراً لسليمان ﵇ وكان صدّيقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وهذا القول رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، وهذا إسناد لا يسمن ولا يغني من جوع، فإن بين يزيد بن رومان وبين سليمان ﵇ مفاوز تقطع دونها أعناق الإبل.
* القول الثاني: قال ابن عطية: وقالت فرقة هو سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا للعفريت، كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت فقال له تحقيراً له: ﴿أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وهذا القول أقرب لمعنى الآية، ودلالته ظاهرة، ورجحه بعض العلماء؛ لأن سليمان ﵇ نبي ورسول وملِك، فلا ينبغي أن يكون من حاشيته أعلم بالكتاب منه، فالذي عنده علم من الكتاب أيكون أحد حاشيته أو كاتبه؟ ويكون لديه من القوة أعظم مما لدى سليمان نفسه؟
وكيف يكون ذلك وقد استجاب الله دعوة سليمان ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (ص:٣٥) فكيف يكون لكاتبه قوة أقوى منه أليست القوة من أهم أسباب الملك، ولا سيما وأنه نبي مؤيد بالمعجزات؟ فبدهي أن يكون عند سليمان علم من الكتاب وذلك من باب أولى من جميع أفراد مملكته. وإلا فيكون في مملكته من هو أصلح للنبوة والملك منه؟!! فهل يعقل أن يكون عند آصف علم من الكتاب، وسليمان يجهل هذا العلم؟!!!
стр. 48
* إذا لم يكن المقصود هو سليمان ﵇، فإما من أن يكون جبريل ﵇ أو يكون مَلَكاً آخر. وسواءً كان هو القول الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع فإنه ليس به أي دلالة لما يُريدُ أن يستدل به المستغيثون بغير الله.
فعل فرض أن قصة آصف صحيحة ـ وهي ليست كذلك ـ فإنها من أدلة التوحيد، حيث إن آصف توسل إلى الله بتوحيده وإلهيته، وكرر ذلك في دعائه، وقد قيل إنه يعرف الاسم الأعظم، فهو طالب من الله، راغب إليه سائل له، وسليمان ﵇ آمِر ليس بسائل ولا طالب. وفرق بين الأمر والمسألة: فالأمر هو طلب فعل الشيء على وجه الاستعلاء.
وأما المسألة فهي طلب الشيء على وجه الضعف والرجاء والتذلل. وأمر سليمان لآصف هو من باب أمر السيد لمملوكه والأب لابنه والملك لرعيته.
وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفاً بالصلاح وإجابة الدعاء فطُلِب منه الدعاء، أو أمِر به فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع، فالآية من أدلة التوحيد، وصرف الوجوه إلى الله، وإقبال القلوب عليه، فإن آصف توسلَ إلى الله بتوحيده وربوبيته، وقصَدَه وحده، ولم يقصد سليمان، ولا غيره مع أن سليمان أفضل منه لنبوته.
وفي هذه القصة أن الأنبياء لا يُسألون ولا يُقصَدون، بل ربما صار حصول مقصودهم، ونيل مطلوبهم على يد من هو دونهم من المؤمنين، وإن أعظم الوسائل، وأشرف المقاصد هو: توحيد الله بعبادته ودعائه وحده لا شريك له كما فعل آصف. وفيها براءة أولياء الله من الحول والقوة كما دلت عليه القصة، فإنه توضأ وصلى ودعا.
стр. 49
ثانيًا: الرد على من زعم رؤية النبي ﵌ يقظة بعد موته !!
يزعم البعض أن الرسول ﵌ حي في قبره كحياتنا، ولو كان الأمر كذلك لما انصرف الصحابة ﵃ عن الصلاة وراءه ﵌ إلى الصلاة وراء غيره ممن لا يدانيه أبدًا في منزلته وفضله.
رؤية النبي ﵌ يقظة غير ممكنة والدليل على ذلك: أن أمورًا عظيمة وقعت لأصحاب رسول الله ﵌ وهم أفضل الأمة بعد نبيها كانوا في حاجة ماسة إلى وجوده بين أظهرهم ولم يظهر لهم، نذكر منها:
١ - أنه وقع خلاف بين الصحابة بعد وفاة النبي ﵌ بسبب الخلافة، فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصل النزاع بينهم.
٢ - اختلاف أبي بكر الصديق مع فاطمة ﵄ على ميراث أبيها ﵌ فاحتجت فاطمة عليه بأنه إذا مات هو إنما يرثه أبناؤه فلماذا يمنعها من ميراث أبيها؟ فأجابها أبو بكر بأن النبي ﵌ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركنا صدقة» (رواه البخاري).
٣ - الخلاف الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة وعلي بن أبي طالب وأصحابه ﵃ أجمعين من جهة أخرى، والذي أدى إلى وقوع معركة الجمل، فقتل فيها خلق كثير من الصحابة والتابعين، فلماذا لم يظهر لهم النبي ﵌ حتى يحقن هذه الدماء؟
٤ - الخلاف الذي وقع بين علي بن أبي طالب ﵁ مع الخوارج، وقد سفكت فيه دماء كثيرة، ولو ظهر الرسول ﵌ لرئيس الخوارج وأمره بطاعة إمامه لحقَن تلك الدماء.
٥ - النزاع الذي وقع بين علي ومعاوية ﵄ والذي أدى إلى وقوع حرب صفين حيث قتل خلق كثير جدًا منهم عمار بن ياسر. فلماذا لم يظهر النبي ﵌ حتى تجتمع كلمة المسلمين وتحقن دمائهم.
أقوال بعض أهل العلم في هذه المسألة:
١ - ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) (١٢/ ٣٨٥) «أن ابن أبى جمرة نقل عن جماعة من المتصوفة أنهم رأوا النبي ﵌ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة
стр. 50
وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك»، ثم تعقب الحافظ ذلك بقوله: «وهذا مشكل جدًا ولو حُمِل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ويعكر عليه أن جمعًا جمًا رأوه في المنام، ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف».
٢ - قال الحافظ السخاوي في رؤية النبي ﵌ في اليقظة بعد موته: «لم يصل إلينا ذلك ـ أي ادعاء وقوعها ـ عن أحد من الصحابة ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة ﵂ عليه ﵌ حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر على الصحيح وبيتُها مجاور لضريحه الشريف ولم تنقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه» نقل ذلك القسطلاني في (المواهب اللدنية) (٥/ ٢٩٥) عن السخاوي.
٣ - وقال ملا علي قاري في (جمع الوسائل شرح الشمائل للترمذي) (٢/ ٢٣٨): «إنه ـ أي ما دعاه المتصوفة من رؤية النبي ﵌ في اليقظة بعد موته ـ لو كان له حقيقة لكان يجب العمل بما سمعوه منه ﵌ من أمر ونهي وإثبات ونفي ومن المعلوم أنه لا يجوز ذلك إجماعًا كما لا يجوز بما يقع حال المنام، ولو كان الرائي من أكابر الأنام».
٤ - قال الشيخ رشيد رضا في (فتاويه) (٦/ ٢٣٨٥): «صرح بعض العلماء المحققين بأن دعوى رؤية النبي ﵌ بعد موته في اليقظة والأخذ عنه دعوى باطلة، واستدلوا على ذلك بأن أَوْلى الناس بها ـ لو كانت مما يقع ـ ابنته سيدة النساء وخلفاؤه الراشدون وسائر أصحابه العلماء، وقد وقعوا في مشكلات وخلاف أفضى بعضه إلى المغاضبة وبعضه إلى القتال؛ فلو كان ﵌ يظهر لأحد ويعلمه ويرشده بعد موته لظهر لبنته فاطمة لوأخبرها بصدق خليفته أبى بكر ﵁ فيما روى عنه من أن الأنبياء لا يورثون وكذا للأقرب والأحب إليه من آله وأصحابه ثم لمن بعدهم من الأئمة الذين أخذ أكثر أمته دينهم عنهم، ولم يدّع أحد منهم ذلك وإنما ادعاه بعض غلاة الصوفية بعد خير القرون وغيرهم من العلماء الذين تغلب عليهم تخيلات الصوفية، فمن العلماء من جزم بأن من ذلك ما هو كذب مفترى وأن الصادق من أهل هذه الدعوى من خُيِّلَ إليه في حال غيبة ـ أو ما
стр. 51
يسمى بين النوم واليقظة ـ أنه رآه ﵌ فخال أنه رآه حقيقة على قول الشاعر: ومثلك من تخيَّل ثم خالا.
والدليل على صحة القول بأن ما يدَّعُونه كذب أو تخيُّل ما يروونه عنه ﵌ في هذه الرؤية. .. وكون بعضه مخالفًا لنص كتاب الله وما ثبت من سنته ﵌ ثبوتًا قطعيًا ومنه ما هو كفر صريح بإجماع المسلمين».
٥ - قال الشيخ عبد الحي بن محمد اللكنوي ﵀ في (الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة) (ص٤٦): (ومنها ـ أي من القصص المختلقة الموضوعة ـ ما يذكرونه من أن النبي ﵌ يحضر بنفسه في مجالس وعظ مولده عند ذكر مولده وبنَوا عليه القيام عند ذكر المولد تعظيمًا وإكرامًا. وهذا أيضا من الأباطيل لم يثبت ذلك بدليل، ومجرد الاحتمال والإمكان خارج عن حد البيان».
٦ - قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في (حكم الاحتفال بالمولد النبوي): «بعضهم يظن أن رسول الله ﵌ يحضر المولد؛ ولهذا يقومون له مُحَيِّين ومرحّبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول ﵌ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٥ - ١٦)، وقال النبي ﵌: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر. وأول شافع وأول مشفع» عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام. فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث، كلها تدل على أن النبي ﵌ وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة». اهـ (والحديث رواه مسلم).
стр. 52
الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: أكثر ما يستدل به هؤلاء: الحكايات، والادعاءات المنقولة عن أرباب الأحوال الصوفية، وهذه الشبهة لا تستحق الرد عليها؛ فدين الله لا يُؤخَذ من أمثال هذه الحكايات، وإن صحت فإن مَن تُروى عنهم غيرُ معصومين.
* ومن أعجب الحكايات ما ذكره أحد دعاة التصوف المعاصرين ـ في أحد كتبه ـ من أن أهل الكشف تجتمع روح أحدهم بروح رسوا الله ﵌ ويسألونه عن كل شيء توقفوا فيه من الأدلة: هل هذا من قولك يا رسول الله أم لا؟ يقظة ومشافهة، وكذلك كانوا يسألونه عن كل شيء من الكتاب والسنة قبل أن يدونوه في كتبهم ويدينون لله تعالى به، ويقولون: «يا رسول الله، قد فهمنا من قولك في الحديث الفلاني كذا فهل ترضاه أم لا؟»، ويعملون بمقتضى قوله وإشارته ﵌. اهـ كلامه.
وله نقول: لو كان الأمر بهذه السهولة لما اختلف الصحابة ومن بعدهم في كثير من المسائل، ولأصبح الكشف الصوفي أحد مصادر التشريع في الإسلام وهذا ما لا يقول به عاقل.
وننقل له قول عبد الفتاح أبو غدة (١) في تعليقه على (المصنوع في معرفة الحديث الموضوع) لعلي قاري ﵀ (ص٢٧٣): «ومن غريب ما وقفتُ عليه بصَدَدِ (التصحيح الكشفي) و (التضعيف الكشفي):ما أورده الشيخ إسماعيل العجلوني الدمشقي في مقدمة كتابه (كشف الخفاء ومزيل الإلباس) (١/ ٩ - ١٠)، على سبيل الإقرار والاعتداد به!
قال: «والحكم على الحديث بالوضع والصحة أو غيرهما، إنما بحسب الظاهرِ للمحدثين، باعتبار الإسناد أو غيره، لا باعتبار نفس الأمرِ والقطع، لجواز أن يكون
стр. 53
الصحيح مثلًا باعتبار نظر المحدِّث: موضوعًا أو ضعيفًا في نفس الأمر، وبالعكس. نعم المتواتر مطلقًا قطعي النسبة لرسول الله ﵌ اتفاقًا.
ومع كون الحديث يحتمل ذلك، فيعمل بمقتضى ما يثبت عند المحدثين، ويترتب عليه الحكم الشرعي المستفاد منه للمستنبطين.
وفي (الفتوحات المكية) للشيخ الأكبر قدس سره الأنور (١)، ما حاصله: فَرُبَّ حديث يكون صحيحًا من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف أنه غير صحيح لسؤاله لرسول الله ﵌ فيعَلم وضعه، ويترك العمل به وإن عمل به أهل النقل لصحة طريقه.
ورُبَّ حديثٍ تُرِك العمل به لضعف طريقه، من أجل وضاع في رواته، يكون صحيحًا في نفس الأمر، لسماعِ المكاشف له من الروح حين إلقائه على رسول الله ﵌» انتهى».
قال عبد الفتاح أبو غدة: «هذا ما نقله العجلوني وسكت عليه واعتمده! ولا يكاد ينقضي عجبي من صنيعه هذا!
وهو المحدث الذي شرح (صحيح البخاري)، كيف استساغ قبول هذا الكلام الذي تُهْدَر به علوم المحدثين، وقواعد الحديث والدين؟ ويصبح به أمر التصحيح والتضعيف من علماء الحديث شيئًا لا معنى له بالنسبة إلى من يقول: إنه مكاشَف أو يَرى نفسه أنه مكاشَف! ومتى كان لثبوت السنة المطهرة مصدران: النقل الصحيح من المحدثين والكشف من المكاشفين؟!
فحذارِ أن تغتر بهذا، والله يتولاك ويرعاك» اهـ كلام أبي غدة.
الشبهة الثانية: قد يقول قائل إنه قد ورد أن النبي ﵌ قال: «أنا في قبري حي طري، من سلَّم علي سلَّمتُ عليه». وأنه يستفاد منه أنه ﵌ حيٌّ مثل حياتنا، فإذا توسلنا به سمعَنا واستجاب لنا، فيحصل مقصودنا، وتتحقق رغبتنا، وأنه لا فرق في ذلك بين حاله ﵌ في حياته، وبين حاله بعد وفاته.
وهذا مردود من وجهين:
الأول: الحديث المذكور لا أصل له بهذا اللفظ، كما أن لفظة (طريّ) لا وجود لها في شيء من كتب السنة إطلاقًا ـ فيما نعلم ـ ولكن معناه قد ورد في عدة أحاديث صحيحة، منها قوله ﵌ «إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قبِض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ» قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرض صلاتنا عليك، وقد أرمتَ (قال: يقولون: بَليتَ)، قال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء» (رواه أبو داود وصححه الألباني)، (أرم أي صار رميما ـ أي عظمًا باليًا)، ومنها قوله ﵌: «الأنبياء أحياء في قبورهم يصَلُّون» (رواه أبو يعلى والبزار وصححه الألباني) وقوله ﵌: «مررت ليلة أسري بي على موسى قائمًا يصلي في قبره» (رواه مسلم) وقوله ﵌: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام». (رواه النسائي وصححه الألباني).
الوجه الثاني: أن حياته ﵌ بعد وفاته مخالفة لحياته قبل الوفاة، ذلك أن الحياة البرزخية غيب من الغيوب، ولا يدري كيفيتها إلا الله ، ولكن من الثابت والمعلوم أنها تختلف عن الحياة الدنيوية، ولا تخضع لقوانينها، فالانسان في الدنيا يأكل ويشرب،
стр. 54
ويتنفس ويتزوج، ويتحرك ويتبرز، ويمرض ويتكلم، ولا أحد يستطيع أن يثبت أن أحدًا بعد الموت حتى الأنبياء ﵈، وفي مقدمتهم نبينا محمد ﵌ تعرِض له هذه الأمور بعد موته.
ومما يؤكد هذا أن الصحابة ﵃ كانوا يختلفون في مسائل كثيرة بعد وفاته ﵌، ولم يخطر في بال أحد منهم الذهاب إليه ﵌ في قبره، ومشاورته في ذلك، وسؤاله عن الصواب فيها، لماذا؟ إن الأمر واضح جدًا، وهو أنهم كلهم يعلمون أنه ﵌ انقطع عن الحياة الدنيا، ولم تعد تنطبق عليه أحوالها ونواميسها.
فرسول الله ﵌ بعد موته حي أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ، ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا، ولعل مما يشير إلى ذلك قوله ﵌: «ما من أحد يُسَلّم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرُدَّ ﵇» (رواه أبو داود وحسنه الألباني)، وعلى كل حال فإن حقيقتها لا يدريها إلا الله؛ ولذلك فلا يجوز قياس الحياة البرزخية أو الحياة الأخروية على الحياة الدنيوية، كما لا يجوز أن تعطى واحدة منهما أحكام الأخرى، بل لكل منها شكل خاص وحكم معين، ولا تتشابه إلا في الاسم، أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله.
الشبهة الثالثة: منهم من يستدل بحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه (حديث رقم ٦٩٩٣) ولفظه: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي». والكلام على الاستدلال بهذه الرواية من عدة أوجه:
الوجه الأول: بالنظر في ألفاظ الحديث ورواياته نجد ملاحظات على لفظ «فسيراني في اليقظة» لا ريب أنها تقلل من قيمة الاستدلال بها وهذه الملاحظات هي:
١ - رَوَى هذا الحديث اثنا عشر من أصحاب رسول الله ﵌ أو يزيد، مما يدل على شيوعه واستفاضته.
٢ - أن ثمانية من أئمة الحديث المصنفين اهتموا بهذا الحديث فأخرجوه في كتبهم مما يؤكد اهتمامهم به وفهمهم لمدلوله. ومع ذلك لم يُبَوِّب له أحد منهم بقوله مثلًا: باب في إمكان رؤية النبي ﵌ في اليقظة، ولو فهموا منه ذلك لبَوَّبُوا به أو بعضهم على الأقل؛ لأنه أعظم من كل ما ترجموا به تلك الأبواب.
٣ - أن المواضع التي أخرجوا فيها هذا الحديث بلغ (٤٤) موضعًا، ومع كثرة هذه المواضع لم يرد في أي موضع لفظ «فسيراني في اليقظة» بالجزم إلا في إحدى روايات البخاري عن أبي هريرة ﵁.أما بقية الروايات فألفاظها: «فقد رآني» أو «فقد رأى الحق» أو «فكأنما رآني في اليقظة «أو «فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة» بالشك.
٤ - أن البخاري أخرج الحديث في ستة مواضع من صحيحه: ثلاثة منها من حديث أبي هريرة ﵁، وليس فيها لفظ «فسيراني في اليقظة» إلا في موضع واحد.
٥ - أن مسلم (حديث رقم ٢٢٦٦)، وأبو داود (حديث رقم ٥٠٢٣)، وأحمد (٥/ ٣٠٦)، أخرجوا الحديث بإسناد البخاري الذي فيه اللفظ المذكور بلفظ «فسيراني في اليقظة. أو لكأنما رآني في اليقظة» وهذا الشك من الراوي يدل على أن المحفوظ إنما هو لفظ «فكأنما رآني» أو «فقد رآني «؛ لأن كلًا منهما ورد في روايات كثيرة بالجزم وليس فيها شيء شك فيه الراوي.
وعند الترجيح ينبغي تقديم رواية الجزم على رواية الشك.
الوجه الثاني: لو فرضنا أن هذا اللفظ «فسيراني» هو المحفوظ فإن العلماء المحققين لم يحملوه على المعنى الذي حمله عليه الصوفية.
* قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لصحيح مسلم (١٥/ ٢٦): «فيه أقوال:
* أحدها: أن يُرادَ به أهلُ عصره، ومعناه: أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ورؤيته ﵌ في اليقظة عيانًا.
* وثانيها: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته.
* وثالثها: أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته ونحو ذلك».
* قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (١٢/ ٣٨٥): «وحاصل تلك الأجوبة ستة:
*أحدها: أنه على التشبيه التمثيل، ودل عليه قوله ﵌ في الرواية الأخرى: «فكأنما رآني في اليقظة».
стр. 55
* ثانيها: أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.
* ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
* رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكن ذلك، وهذا من أبعدالمحامل.
* خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه.
* سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويُخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال.»
الوجه الثالث: ما يَرِدُ على الصوفية من الإشكال على المعنى الذي قالوا به: والإشكال أشار إليه ابن حجر ﵀ بقوله: «ونُقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي ﵌ في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك. قلت (أي الحافظ ابن حجر):وهذا مُشكِل جدًا ولو حُمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويُعَكّرُ عليه أن جمعًا جمًا رأوه في المنام ثم لم يُذكَر عن واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف. وقد أشتد إنكار القرطبي على من قال: من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة». (فتح الباري) (١٢/ ٣٨٥) (.
والإنكار الذي أشار إليه ابن حجر هو قول القرطبي: «اختُلِفَ في معنى الحديث: فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء، وهذا قول يُدرَكُ فسادُه بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب؛ لأنه جائز أن يُرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل».
الوجه الرابع: أن هذه العقيدة مخالفة لإجماع أهل السنة والجماعة وهي خاصة بأهل البدعة، قال ابن حزم في (مراتب الإجماع) (ص١٧٦): «واتفقوا أن محمدًا ﵌ وجميع أصحابه لا يرجعون إلى الدنيا إلا حين يبعثون مع جميع الناس».
الوجه الخامس: اضطراب مقالات الصوفية في كيفية الرؤية:
لما اشتد الإنكار على هؤلاء القائلين برؤيته ﵌ في الدنيا بعد وفاته يقظة لا منامًا، اضطربت مقالاتهم في كيفية تلك الرؤيا:
* فمنهم من أخذته العزة بالإثم فنفى الموت عن النبي ﵌ بالكلية وزعم أن موته ﵌ هو تَسَتّرُه عمن لا يفقه عن الله.
* ومنهم من زعم أنه ﵌ يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته.
* ومنهم من زعم أن له ﵌ مقدرة على التشكل والظهور في صور مشايخ الصوفية.
* ومنهم من زعم أن المراد برؤيته كذلك يقظة القلب لا يقظة الحواس الجسمانية.
* ومنهم من قال إن الاجتماع بالنبي ﵌ يكون في حالة بين النائم واليقظان.
* ومنهم من قال إن الذي يُرَى روحه ﵌.
* ومنهم من قال إنه لا يُرَى جسمُه وبدنه بل يُرَى مثالٌ له.
* وبعد أن ظهر تفرد تلك الرواية ـ التي استدل بها الصوفية ـ عن روايات الجمهور، وتلك الاحتمالات التي تأولها أهل العلم في المراد بمعناها، وتلك الإشكالات والإنكارات التي وردت على المعنى الذي قصده الصوفية، واضطراب مقالاتهم في كيفية تلك الرؤيا، بكل ذلك يسقط استدلالهم بها، والقاعدة المشهورة في ذلك: إذا ورد على الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال.
الشبهة الرابعة: الاحتجاج على حياة الأنبياء بأن النبي ﵌ اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس. وما دام هذا ممكنًا في حق النبي ﵌ معهم، فيمكن أن يكون جائزًا في حق أولياء أمته معه، فيرونه في اليقظة.
الجواب:
أولاً: ليس النزاع في حياة الأنبياء في قبورهم ولا في اجتماع النبي ﵌ بهم ليلة الإسراء ولا صلاته بهم إمامًا، فإن ذلك كله ثابت عن النبي ﵌، فيجب على جميع المؤمنين التصديق به.
ثانيًا: حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية لا نعلم كيف هي، وحكمها كحكم غيرها من المغيّبات، نؤمن بها ولا نشتغل بكيفيتها، ولكننا نجزم بأنها مخالفة لحياتنا الدنيا.
ثالثًا: أن الذي أخبرنا بأنه اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء هو الصادق المصدوق ﵌ الذي يجب على كل مؤمن أن يصدقه في كل ما أخبر به من المغيّبات دقيقِها وجليلِها، ولذا آمنا بما أخبرنا به واعتقدناه عقيدة لا يتطرق إليها شك إن شاء الله تعالى.
أما من جاءنا بخبر وقوع رؤية النبي ﵌ في اليقظة فمجموعة من الدراويش خالفت الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، فلا يَجوز أن نصدقهم في دعواهم تلك.
بل وجب على كل موحد أن يردها بما استطاع لأنه باب يؤدي فتحه إلى ضلال عظيم وخراب للدين والعقل ويفتح باب التشريع من جديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تنبيه هام: روى الإمام البخاري أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري):قوله (قال أبو عبد الله: قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته) سقط هذا التعليق للنسفي ولأبي ذر وثبت عند غيرهما، وقد رويناه موصولًا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال: كان محمد ـ يعني ابن سيرين ـ إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﵌ قال: «صِفْ لي الذي رأيتَه، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تَرَهُ» وسنده صحيح.
ووجدت له ما يؤيده: فأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب: حدثني أبي قال: قلت لابن عباس: رأيت النبي ﵌ في المنام، قال: صِفْهُ لي، قال: ذكرتُ الحسنَ بنَ عليّ فشبهتُه به، قال: قد رأيتَه» وسنده جيد، ويعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «من رآني في المنام فقد رآني، فإني أُرَى في
стр. 56
كل صورة» وفي سنده صالح مولى التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط». اهـ كلام الحافظ ابن حجر ﵀.
стр. 57
ثالثًا: الرد على من زعم أن الأنبياء والأولياء يتصرفون في الكون
١ - لما اشتدت أذية المشركين للمسلمين بمكة واستفحل شرهم وتطاولهم حتى على رسول الله ﵌ رفع صوته ثم دعا عليهم:
«اللهم عليك بقريش. .. اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعقبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة ابن أبي معيط» (رواه البخاري ومسلم).
فالرسول ﵌ دعا الله ولا يخفى على عاقل أنه ﵌ لو كان يتصرف في الكون لاكتفى بقوله لهم: موتوا فيموتون.
٢ - في يوم بدر عندما واجه المسلمين خطرٌ جسيم عندما قابلهم جيش قريش ورأوا تفوقه عَددًا وعُددًا لم يكن منه ﵌ إلا أن استقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» (فما زال يهتف بربه مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه). رواه مسلم.
وهذا نص آخر صريح في أنه ﵌ كان أمره غاية في العبودية والخضوع والتذلل لربه.
٣ - بل ثبت بالدليل أن الله لم يكن يحقق كل ما يدعوه به ﵌ فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «سألتُ ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (رواه مسلم). (السَنَة: القحط، والمقصود به هنا القحط الذي يعمّهم، فإن وقع قحط فيكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام، ويوضح ذلك رواية أخرى لمسلم)
٤ - قال رسول الله ﵌: «يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوها ـ اشتروا أنفسكم. .. لا أُغْني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد
стр. 58
المطلب! لا أُغْني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أُغْني عنك من الله شيئًا» (رواه البخاري ومسلم).
فهذا رسول الله ﵌ يصرح بأنه لا يغني عن أحد من الله شيئًا، ولا حتى ابنته فاطمة ﵂. وإذا كان لا يملك شيئًا لفلذة كبده فاطمة ﵂ وهو حي، أفيملكه لغيرها وهو ميت؟!
٥ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (الجن:٢١)
٦ - قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء:٩٠ - ٩٣).
٧ - وقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ (هود:٣١)
بعض الأدلة التي تثبت بقاء الأجساد في القبور
١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵌ قال: «إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة». (رواه البخاري ومسلم)
٢ - قال رسول الله ﵌: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا على الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ» قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرَض صلاتُنا عليك، وقد أرمتً، قال: «إن الله حرَّم على الأرض أجسادَ الأنبياء» (رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني). فهذا الحديث يدل على أن أجساد الأنبياء ﵈ لا تفارق قبورهم.
٣ - قال النبي ﵌: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر. وأول شافع وأول مشفع» رواه مسلم.
стр. 59
٤ - ما ثبت في الحديث عن النبي ﵌ «أن موسى ﵇ نقل عظام يوسف ﵇ لما خرج من مصر». (رواه الحاكم وصححه الألباني). وقد أشار الألباني ﵀ أن معنى قوله ﵌ في الحديث «عظام يوسف» لا يعارض حديث: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»؛ لأنه قد ثبت في حديث بسند جيد رواه أبو داود على شرط مسلم: أن النبي ﵌ لما بدن، قال له تميم الداري ﵁: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله، يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: «بلى» فاتخذ له منبرًا مرقاتين».فدل هذا أنهم كانوا يطلقون العظام، ويريدون به البدن كله.
بعض الأدلة التي تثبت أن أرواح الشهداء والصالحين تتنعم في الجنة وتتمنى الرجوع إلى الدنيا لفعل الخيرات ولكن تمنع من ذلك:
١ - عن طلحة بن خراش قال: سمعت جابرًا ﵁ يقول: لقيني رسول الله ﵌ فقال لي: «يا جابر مالي أراك منكسرًا؟» فقلت: يا رسول الله استُشهِد أبي، قتل يوم أحد، وترك عيالًا وديْنًا. فقال: «أفلا أُبَشرك بما لقي الله به أباك؟» قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «ما كلَّم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك وكلمه كفاحًا، فقال: يا عبدي تَمَنَّ عليَّ أُعْطِكَ. قال: يا رب تُحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب :إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون» (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
وهو حديث صريح في منع القول بوقوع الرجعة فضلًا عن أن تكون عقيدة إسلامية يجب اعتقادها. ويستفاد منه أيضًا أن جابرًا ﵁ لم يكن يعلم عن النعيم الذي كان يتنعم به والده ﵁.
٢ - عن ابن مسعود ﵁ أن أصحاب النبي ﵌ سألوه عن هذه الآية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:١٦٩). فقال ﵌: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا قالوا: يا رب نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى
стр. 60
نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا» (رواه مسلم).
* يستفاد من هذا الحديث: أ- أن قول الرسول ﵌: «أرواحهم في جوف طير» يدل على أنها ليست في الأجساد المدفونة في الأرض.
ب- أنهم سألوا ربهم أن ترد أرواحهم في أجسادهم، وهذا صريح في أنها قد فارقتها بالموت.
جـ - أنهم تمنَّوا الرجوع إلى الدنيا ليقاتلوا في سبيل الله لما رأوا من عظيم ثواب الشهادة، فمنعوا من ذلك، فقد انقطع التكليف وانقطع العمل وما بقي إلا الجزاء، فإذا لم يملكوا هم لأنفسهم نفعًا ولا حياة ولا تصرفًا، مع كرامتهم عند ربهم ووجاهتهم عنده، فكيف يملكون لغيرهم من الخلق جلب منفعة أو دفع مضرة؟!
فكيف يقال أن الأنبياء والصالحين يخرجون من قبورهم بأجسادهم لإنقاذ من يستغيث بهم؟!
هل الأموات يسمعون
الراجح في هذه المسألة هو أن الأصل في الأموات أنهم لا يسمعون إلا ما ورد الدليل بخصوصه مثل سماعهم لقرع النعال بعد وضع الميت في قبره، وكذلك سماع قتلى بدر من المشركين قول الرسول ﵌ حيث إن الله أسمعهم صوت نبيه ﵌.
ومن أوضح الأدلة على عدم سماع الرسول ﵌ وغيره من الأموات كلام الأحياء قول الرسول ﵌: «إن لله ملائكة سياحِين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام». (رواه النسائي وصححه الألباني).
قال الشيخ الألباني ﵀ في مقدمته لكتاب (الآيات البينات في عدم سماع الأموات) للعلامة الألوسي ﵀: «ووجه الاستدلال به أنه صريح في أن النبي ﵌ لا يسمع سلام المسلمين عليه، إذ لو كان يسمعه بنفسه، لما كان بحاجة إلى من يبلغه إليه، كما هو ظاهر إن شاء الله.
وإذا كان الأمر كذلك، فبالأولى أنه ﵌ لا يسمع غير السلام من الكلام، وإذا كان كذلك فلأن لا يسمع السلامَ غيرُه من الموتى أولى وأحرى». ومن أراد التفصيل في هذه
стр. 61
المسألة فليرجع إلى كتاب الألوسي ﵀ المشار إليه سابقًا.
رد بعض الشبهات حول هذا الموضوع:
١ - قد يستدل البعض بمعجزات المسيح ﵇.وهذا الاستدلال باطل لأن إحياء الموتى ـ بإذن الله ـ من خصوصيات المسيح ﵇، وليس لغيره من البشر لا من الأنبياء ولا غيرهم، ومما يؤيد هذه الخصوصية دعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ (البقرة:٢٦٠).فإنه ﵇ لو كان من شأنه إحياء الموتى لما دعا بمثل هذا الدعاء، وإذا انتفى كون إحياء الموتى من معجزات نبي آخر غير المسيح فانتفاؤه عمن دون الأنبياء من الأولياء والصالحين من باب أولى.
٢ - قد يستدل البعض أيضًا بقول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون:١٤).
والجواب: أننا نثبت للمخلوق خلقًا، لكنه ليس كخلق الله تعالى. فخلق الله إيجاد من العدم. وخلق المخلوق لا يكون إلا بالتغيير والتحويل والتصرف في شيء خلقه الله تعالى.
ومن ذلك ما جاء في (الصحيحين) عن النبي ﵌ أنه يقال للمصورين يوم القيامة: «أحيوا ما خلقتم». ومعلوم أن المصوِّر لم يوجِد شيئًا من العدم إنما حوَّل الطين، أو الحجر إلى صورة إنسان أو طير ـ بدون روح ـ، وحوَّل بالتلوين الرقعة البيضاء إلى ملونة، والطين والحجر والمواد والورق كلهم من خلق الله تعالى.
شبهة: رُوي عن النبي ﵌ أنه قال: «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرتُ الله لكم».
يستدل الصوفية بهذا الحديث على سماع الأموات وعلمهم بحال الأحياء بعد وفاتهم، من أجل ترويج عقائدهم الفاسدة في جواز الطلب والاستمداد من القبور ومن يدفن فيها من الصالحين والأولياء، واستدلالهم هذا باطل عقلًا ونقلًا.
أولًا: تخريج الحديث: أخرجه البزار في مسنده ٩/ ٢٤ حديث رقم ١٩٢٥، وقال: وهذا الحديث آخره لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (٢/ ٨٨٤) حديث رقم: (٩٥٣) وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٩٤) وأخرجه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب (١/ ١٨٤).
ثانيا: حكم علماء الحديث عليه: قال الحافظ العراقي في كتابه (طرح التثريب) (٣/ ٢٩٧): «إسناده جيد»، ولكنه فصَّل في كتابة (المغني عن حمل الأسفار) (٢/ ١٠٥١) حديث رقم: (٣٨١٠) فقال: أخرجه البزار من حديث عبد الله بن مسعود ورجاله رجال الصحيح، إلا أن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه كثيرون، ورواه الحارث ابن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسناد ضعيف.
ومن المعلوم أن هذا التعارض في قولي الحافظ العراقي ﵀ سببه أن كلامه في طرح التثريب ـ وهو كتاب فقه ـ كلام مجمل، وأن كلامه في كتابه المعني ـ وهو كتاب تخريج وحكم على الحديث ـ كلام تفصيل وبيان لسبب الضعف، فعلم أن في مثل هذه الحالة يقدم قول التفصيل في كتاب خص للحكم على الحديث.
وممن حكم على الحديث بالضعف، العجلوني فقال: بأنه مرسل، كما في كتابه (كشف الخفاء ١/ ٤٤٢) (حديث رقم ١١٧٨)، وكذلك ضعفه ابن القيسراني في كتابه (معرفة التذكرة ٣/ ١٢٥٠) (حديث رقم ٢٦٩٤).
لمزيد من الفائدة انظر كتاب (الكامل في ضعفاء الرجال) لابن عدي (٣/ ٧٥) (ترجمة رقم ٦٢٢) وكتاب (ميزان الاعتدال) للإمام الذهبي (٢/ ٤٣٨) (ترجمة رقم ٢٥٠٣) وكتاب (لسان الميزان) للحافظ ابن حجر) (٢/ ٣٩٥) (ترجمة رقم ١٦٢٠)
* هذا الحديث ضعفه الألباني في (السلسلة الضعيفة والموضوعة) (٢/ ٤٠٤) وحكم عليه بالشذوذ؛ لتفرد عبد المجيد بن عبد العزيز به لاسيما وهو متكلم فيه من قبل حفظه مع أنه من رجال مسلم وقد وثّقه جماعة وضعفه آخرون، فقال الخليلي: «ثقة
стр. 62
لكنه أخطأ في أحاديث وقال النسائي: «ليس بالقوي يُكتب حديثه». وقال ابن عبد البر: «روَى عن مالك أحاديث أخطأ فيها». وقال ابن حبان في (المجروحين) (٢/ ١٥٢): «منكر الحديث جدًا يقلب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك».
قال الألباني: «ولهذا قال فيه الحافظ في (التقريب): «صدوق يخطىء». وإذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في (المجمع) (٦/ ٢٤): «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح».فهو يوهم أنه ليس فيه من هو متكلم فيه! ولعل السيوطي اغتر بهذا حين قال في (الخصائص الكبرى) (٢/ ٢٨١): «سنده صحيح».ولهذا فإني أقول: «إن الحافظ العراقي - شيخ الهيثمي - كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حين قال عنه في (تخريج الإحياء) (٤/ ١٢٨): «ورجاله رجال الصحيح ... إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه بعضهم، ومخالفة عبد المجيد للثقات هي علة الحديث» اهـ كلام الألباني بتصرف.
* راجع ما تقدم ـ في باب الدعاء والذبح والنذر والاستغاثة بغير الله، الشبهة الثالثة عشرة ـ من أن قولهم: «رجاله رجال الصحيح» أو «رجاله ثقات»،ليس تصحيحا للحديث.
* والكذب أسوأ من الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، فقد كذب داعية التصوف علي الجفري فعزى هذا الحديث إلى مستدرك الحاكم على الصحيحين، ليوهم مستمعيه بأن الحديث صحيح، وبكل جرأة قال: «إن الحديث رواه الحاكم في المستدرك بإسناد حسن»، والحديث غير موجود في هذا الكتاب نهائيًا، لا حسنًا ولا ضعيفًا ولا موضوعًا.
* لو ثبت هذا الحديث لم يكن فيه ما ادعاه الصوفية من جواز التوسل بعموم استغفار رسول الله ﵌ لأمته؛ لأنَّ دعاء الرسول ﵌ في حياته لأمته وسؤاله الله لهم أبلغ وأقطع من استغفاره بعد موته ـ إن ثبت ـ وهذا السبب الذي كان موجودًا في حياته هو عين السبب الذي علق الحكم بعد مماته؛ فلما لم يشرع هذا العمل، وهو التوسل بالاستغفار العام مع القيام المقتضي له في حياة رسول الله ﵌ عُلم أنَّ إحداثه بدعة.
стр. 63
ويؤيد هذا أنَّ خير القرون ثم الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم؛ لم يستعمل أحد منهم التوسل بهذا الطريق الذي اخترعه عشاق البدع، وهُجَّار السُنَن.
* واعلم أنَّ النبي ﵌ لا يُعرض عليه من أعمالنا شيءٌ؛ باستثناء السلام والصلاة عليه. قال النبي ﵌: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أُمتي السلام» رواه النسائي وصححه الألباني، وقال ﵌: «صلوا عليَّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيثُ كنتم» رواه أبوداود صححه الألباني.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يبين بأن النبي ﵌ لا يعلم من أعمال أُمَّته شيئاً بعد وفاته. فهذا الحديث الضعيف فيه لفظة (تعرض عليَّ أعمالكم) وهي تخالف الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﵌ يقول، وهو بين ظهراني أصحابه: «إني على الحوض. أنتظر من يَرِدُ عليَّ منكم. والله ليقتطعن دوني رجال. فلأقولَنَّ: أي رب! مني ومن أمتي. فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك. ما زالوا يرجعون على أعقابهم».
فإذا كانت أعمال أمته تُعرض عليه ـ كما في الحديث الضعيف الذي يستدلون به ـ فكيف لا يدري ما أحدثوا بعده؟ فهذا يدلُّ على عدم علم النَّبيِّ ﵌ بما يحدث في أُمته من بعده، وهذا يدلُّ على بطلان الحديث المتقدم ـ لو صحَّ سنده ـ فكيف والسند ضعيف!!.
стр. 64
رابعًا: الرد على شبهات من زعم جواز التوسل بالمخلوقين فى الدعاء، وطلب الشفاعة منهم بعد وفاتهم
* التوسل المشروع:
١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني»، أو يقول: «أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي»، ومثله قول القائل: «اللهم إني أسألك بحبك لمحمد»، فإن الحب من صفاته تعالى.
٢ - التوسل إلى الله بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقول المسلم: «اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك ﵌ اغفر لي. .. »، أو يقول: «اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﵌ وإيماني به أن تفرج عني»، ومنه أن يذكر الداعي عملًا صالحًا ذا بال، فيه خوفه من الله سبحانه وتقواه إياه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه.
٣ - التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر: كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله ﵎، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله تعالى، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج عنه كربه ويزيل عنه همه.
* التوسل غير المشروع له ثلاث مراتب:
١ - أن يدعو غير الله ويستغيث به، أو يطلب منه المدد، وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء، أم الصالحين، أم الملائكة، أم الجن، أم غيرهم كأن يقول: «يا سيدى فلان أغثنى أو اقض حاجتى، أو اشف مريضي» ونحو هذا، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وإن سماه صاحبه توسلًا، فهو توسل شركى من جنس توسل المشركين بعبادة غير الله، القائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ (الزمر: ٣).
٢ - أن يقول للميت والغائب: ادْعُ الله لي أو اشفع لي في كذا، فهذا لا خلاف بين السلف أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يقل بها أحد من علماء الأمة وهو من ذرائع
стр. 65
الشرك، فهو من الشرك الأصغر، والفرق بينه وبين الذي قبله أن الأول دعاء غير الله، والثاني مخاطبة الميت بما لم يَرِدْ في الكتاب والسنة، ولكنه لم يَدْعُه، ولم يسأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات؛ فلم يصرف له العبادة.
٣ - أن يقول في دعائه لله : «أسألك يا رب بفلان»، يقصد بذاته أو بحقه أو بجاهه، ونحو ذلك، وليس هذا مشهورًا عن الصحابة ﵃ بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس ﵁، وتَرْكهم لهذا النوع ـ مع وجدود المقتضي له وانتفاء الموانع منه، واستحضارهم له ـ يدل على أنهم تركوه تعبدًا لله ففِعْله بدعة، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه. وهذا النوع الأخير فيه خلاف بين أهل العلم لكن الصحيح النهي عنه.
* اعتاد كثير من المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلًا: «اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني» و «اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي» و «اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ومثل فلان وفلان»
ويسمون هذا توسلًا، ويدَّعُون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله تعالى ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجر القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه حتى يصح أن يكون وسيلة إلى الله.
وفي قضية التوسل التي نحن بصددها الحق مع الذين حظروا التوسل بمخلوق، ولم نر لمجيزيه دليلًا صحيحًا يعتد به، ونحن نطالبهم بأن يأتونا بنص صحيح صريح من الكتاب أو السنة فيه التوسل بمخلوق، وهيهات أن يجدوا شيئًا يؤيد ما يذهبون إليه، أو يسند ما يدعونه، اللهم إلا شبهًا واحتمالات.
ومن الغريب حقًا أنك ترى هؤلاء يُعرِضون عن أنواع التوسل المشروعة السابقة، فلا يكادون يستعلمون شيئًا منها في دعائهم أو تعليمهم الناس مع ثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة عليها، وتراهم بدلًا من ذلك يعمدون إلى أدعية اخترعوها،
стр. 66
وتوسلات ابتدعوها لم يشرعها الله ، ولم يستعملها رسوله المصطفى ﵌، ولم ينقل عن سلف هذه الأمة من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، وأقل ما يقال فيها: إنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله ﵎: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة:٦١).
دفع توهم: حينما ننفي التوسل بجاه النبي ﵌، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم.
بل إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأن أتباع سنة النبي ﵌ والحمد لله من أشد الناس حبًا لرسول الله ﵌، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله ﵌، وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله ﵌ ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف ﵌ تسليمًا كثيرًا.
إننا من أول الناس اعترافًا بذلك كله، ولعل منزلته ﵌ عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدّعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له ﵌، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال : ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران:٣١)، وطاعة الله ، واتباع نبيه ﵌ هما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإفراط في الوصف اللذين نهى الله تعالى عنهما، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ (النساء: ١٧١) كما نهى النبي ﵌ عنهما فقال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري).
стр. 67
الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:٣٥).
الجواب: قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير ﵀ في تفسيرها: «يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. ﴿اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾:يقول: «واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه».
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس ﵁ أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: «أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه» ثم قال ابن كثير: «وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه ... والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود» ..
الشبهة الثانية: قوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء:٥٧).
الجواب: بَيَّنَ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: «نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون». (رواه مسلم والبخاري بنحوه)، وفي رواية له: «فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم».
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية». (فتح الباري) (١٠/ ١٢ - ١٣).
وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم: ظاهرة أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم
стр. 68
ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفّه في هذه الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء.
ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطئ لا يصح حمل الآيتين عليه؛ لأنه لم يثبت شرعًا أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكروا هذا الاستدلال عن أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله ﵎ يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بك قربة، والتوصل إلى رضاه بكل سبيل.
ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن نتقدم إليه بالإعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يَكِل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم، بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه، لأنه لا يعلم ما يرضي الله ? إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسول الله ﵌، ويعني ذلك أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﵌ وهذا هو الذي وصانا به رسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه حيث قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله». (رواه مالك، والحاكم وحسّن إسناده الألباني).
الشبهة الثالثة: قوله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء:٦٤).
* قال الصوفية: يطلب الله من المؤمنين الذهاب إلى النبي ﵌ واستغفار الله عند ذاته الشريفة، وأن ذلك أرجى في قبول استغفارهم.
واستدلوا بالحكاية المشهورة التي ذكرت في تفسير ابن كثير عن العتبي قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﵌ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء:٦٤). وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خيرَ من دُفِنتْ بالقاعِ أعظُمُه ... فطاب مِن طِيبِهنّ القاعُ والأكَمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه ... فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي ﵌ في النوم فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له»
والجواب من وجوه:
أولا: هذه القصة ضعيفة لم يثبتها أحد ممن أوردها، بل صنيع بعضهم يدل على ضعفها:١ - فالنووي قال في (المجموع شرح المهذب) (٨/ ٢٧٤) وفي آخر منسكه المعروف بـ (الإيضاح): «ومن أحسن ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: كنت جالسا عند قبر النبي ﵌ ...
٢ - قال ابن كثير في (تفسيره): «ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي.
٣ - حكاها ابن قدامة في (المغني) بصيغة التمريض وهي تفيد التضعيف. (٣/ ٥٥٧) فقال: "ويُرْوَى عن العتبي ... ".
стр. 69
تخريج القصة: قال الألباني ﵀ في (الصحيحة٢٩٢٨):أورد البيهقي في (الشُعَب) بإسناده عن أبي يزيد الرقاشي عن محمد بن روح بن يزيد البصري: حدثني أيوب الهلالي قال: «حج أعرابي فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله ﵌ أناخ راحلته فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر ووقف بحذاء وجه رسول الله ﵌ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! جئتك مُثْقَلًا بالذنوب والخطايا أستشفع بك على ربك؛ لأنه قال في محكم كتابه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (النساء:٦٤) ثم أقبل في عرض الناس وهو يقول:
يا خيرَ من دُفِنتْ بالقاعِ أعظُمُه ... فطاب مِن طِيبِهنّ القاعُ والأكَمُ
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه ... فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ
قلت (الألباني): وهذا إسناد ضعيف مظلم لم أعرف أيوب الهلالي ولا من دونه. وأبو يزيد الرقاشي أورده الذهبي في (المقتنى في سرد الكنى) (٢/ ١٥٥) ولم يُسَمِّه وأشار إلى أنه لا يُعرَف بقوله: «حكى شيئًا».وأرى أنه يشير إلى هذه الحكاية.
وهي منكرة ظاهرة النكارة وحسبك أنها تعود إلى أعرابي مجهول الهوية!. وهي في (ابن كثير) غير معزوة لأحد من المعروفين من أهل الحديث بل علَّقها على (العتبي) ... وهو غير معروف إلا في هذه الحكاية ويمكن أن يكون هو أيوب الهلالي في إسناد البيهقي. وهي حكاية مستنكرة بل باطلة لمخالفتها الكتاب والسنة ولذلك يلهج بها المبتدعة لأنها تجيز الاستغاثة بالنبي ﵌ وطلب الشفاعة منه بعد وفاته وهذا من أبطل الباطل كما هو معلوم.
قال الحافظ ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي في الرد على السبكي) (ص ٢١٢): «وهذه الحكاية التي ذكرها ـ يعني السبكي ـ بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب بلا إسناد، عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي.
وقد ذكرها البيهقي في كتاب (شعب الإيمان) بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدثني أبوحرب الهلالي ...
وفي الجملة؛ ليست الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما تقوم به الحجة، وإسنادها مظلم، ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض، ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم».
فهذه القصة مروية عن العتبي وعن محمد بن حرب الهلالي وعن أبي الحسن الزعفراني وعن علي بن أبي طالب بإسناد موضوع، كما حقق ذلك الحافظ ابن عبد الهادي، وكلهم يرويها عن أعرابي أنه أتى إلى القبر فقرأ الآية فرأى العتبي في المنام أن النبي ﵌ أتاه وقال له: «الحق بذاك الأعرابي وأخبره أن الله قد غفر له بشفاعتي» وهذا منام لا يحتج به، والأعرابي مجهول لا حجة في فعله لو صح الإسناد إليه، فكيف وإسناد القصة لا تقوم به الحجة.
ثانيًا: على فرض صحة القصة ـ وهي غير صحيحة ـ فإن دليل الصوفية في القصة قول العتبي: «فغلبتني عيني فرأيت النبي ﵌ في النوم فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي فبشِّره أن الله قد غفر له».
ومتى كانت الأحلام والرؤى مصدرًا من مصادر التشريع؟!!! ولو جاء رجل لأحد هؤلاء الصوفية وقال له: رأيتُ الرسول ﵌ في الرؤيا يأمرك أن تعطيني بيتك بلا مقابل، فهل سيعطيه بيته بلا مقابل؟ بالطبع لن يفعل؛ لأنها مجرد رؤيا، فكيف يقبلون الدين من الرؤى وهو عند كل مسلم أعز عليه من بيته وماله ووالده وولده والناس أجمعين؟
ثالثًا: هذه الآية لم تنزل لهذا الغرض مطلقًا إنما الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يصدون الناس عن متابعة الرسول ﵌ ويتحاكمون إلى الطاغوت ... فهؤلاء إذا جاءوا النبي واستغفروا الله من نفاقهم في مجلسه، وسألوه أن يعقب على استغفارهم لأنفسهم ... بأن يستغفر الرسول لهم عندها يجدون الله توابًا رحيمًا ... ولكن لم يجيئوا ولم يستغفروا، ولم يستغفر لهم الرسول فما علاقة هذا بواقع الأعرابي الذي جاء رسول الله بعد وفاته وطلب منه وهو ميت أن يستغفر لهم. .؟!!
стр. 70
لا علاقة بين الموضوعين؛ بل ولا قياس بين الواقعين لاختلافهما. وليس هناك لفظ عام لا من جهة الآتي ولا الذي يؤتى إليه حتى يقال أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولو صح حمل الآية على العموم لصح ذلك في قوله تعالى: ﴿َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ (الممتحنة:١٢).فلو صح الاستدلال بالآية المذكورة على المجيء إلى قبر النبي ﵌ لكان هنا من باب أولى ولا أحد يقول بهذا.
رابعًا: يدعي الصوفية أن العبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولكن هاهنا سؤال: ألم يكن الصحابة من هذا العموم؟!!
إذا كان الجواب: نعم. فمَن مِن الصحابة عمل بمقتضى هذا المفهوم الذي تزعمونه؟ لقد تركوا التوسل به ﵌ ـ كما عند البخاري ـ ولم يأتوا قبره ولم يثبت عن واحد منهم أنه جاء إلى قبره ﵌ وطلب الاستغفار هناك بعد موته. وهذا يؤكد أن هذا العموم قد انقطع بموته ولو كانت العبرة بالعموم لفعلوه بعد موته ﵌.
وإذا كانت الآية عامة لزم منه أن خير القرون قد عطلوا هذا الواجب وتجاهلوه حتى جاء المتأخرون وعملوا به، أو أن السلف جهلوه وضلوا عنه وفقهه الخلف!!!
خامسًا: هذا القول فيه مصادمة لقول النبي ﵌: «لا تجعلوا قبري عيدًا» (رواه أبو داود وصححه الألباني)؛ لأنه حينئذ سيكون عيدًا للمذنبين كلما أذنبوا.
سادسًا: مادام أنها ليست من سنة الرسول ﵌ ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابه المكرمين، ولا من فعل التابعين والقرون المفضلة وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول، نقلت بسند ضعيف فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد الذي هو أصل الأصول، وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهى فيها ﵌ عن الغلو في القبور والغلو في الصالحين عموما وعن الغلو في قبره والغلو فيه ﵌ خصوصًا.
* وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارَض بها النصوص الصحيحة وتخالَف من أجلها عقيدة السلف فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم وتكون الحجة مع من خالفهم. وما دمنا قد علمنا طريق الصواب فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان فليس ديننا مبنيًا على الحكايات والمنامات. وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة.
سابعًا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله، وسنة رسوله ﵌ بقول حكاه حاكٍ مستحسنا له، والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٣)
فطاعة رسول الله ﵌ مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي ﵌، وتقولون: نهى أبو بكر وعمر. (رواه الإمام أحمد وصححه الشيخ أحمد شاكر).
فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي في قصة العتبي الضعيفة المنكرة.
ثامنًا: ما يضير هذا المستغفر إذا توجه إلى الله وتاب من ذنوبه، وطلب من الله المغفرة ... ؟ أو اختار أحد الصالحين الأحياء وكلفه أن يدعو له فلا مانع من ذلك كما طلب عمر من العباس ﵄ أن يستسقي للمسلمين بعد وفاة رسول الله ﵌، ولم يطلب عمر ﵁ من رسول الله بعد وفاته أن يستسقي للمسلمين.
ولو كان هذا جائزًا لفعله عمر ﵁ ولكن لم يفعل ذلك ... لأنه يعلم أن رسول الله التحق بالرفيق الأعلى ولم يعد يستطيع الدعاء وما أشبه ذلك.
تاسعًا: يقول الله تعالى: (﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ و (إذ) هذه ظرف لما مضى، وليست ظرفًا للمستقبل، لم يقل الله : «ولو أنهم إذا ظلموا» بل قال: ﴿إِذ ظَّلَمُواْ﴾ فالآية
стр. 71
تتحدث عن أمرٍ وقع في حياة الرسول ﵌ والآية نزلت في قوم تحاكموا، أو أرادوا التحاكم إلى غير الله ورسوله؛ كما يدلُّ على ذلك سياقها السابق واللاحق.
عاشرًا: الآية ليس فيها التوسل بذات الرسول ﵌ بل فيها (كما قال الحافظ ابن كثير): يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﵌ فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم»
فالآية دليل على التوسل بدعاء النبي ﵌،وهو حي، فهي حجة عليهم.
واستغفار النبي ﵌ للمذنبين ممكن حال حياته ﵌ أما بعد وفاته فغير ممكن؛ لأن حياته ﵌ في قبره حياة برزخية لا نعلم كيفيتها وهي تختلف عن حياتنا هذه. ولو كان المراد من هذه الآية الذهاب إلى النبي ﵌ وطلب الاستغفار منه بعد مماته لقال تعالى (ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم) بصيغة الاستقبال، ولكنه ـ قال: ﴿إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بصيغة الماضي.
حادي عشر: لم يفهم الصحابة ﵃ من الآية ما فهمه الصوفية؛ فلم يثبت بسند صحيح ـ فيما نعلم ـ أن أحدًا من الصحابة ذهب إلى قبر الرسول ﵌ بعد وفاته، وطلب منه أن يستغفر له، أو طلب منه أن يدعوَ الله له أن يرزقه مثلًا، مع العلم أن الصحابة كانوا من أحرص الناس على الخير، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
* والعجب من هؤلاء الصوفية أنهم لا يحتجون بالأحاديث الصحيحة في باب الاعتقاد، فكيف يتعلقون فيما يوافق أهواءهم بروايات المجهولين، الذين لا يعرفهم علماء الجرح والتعديل، الذين دونوا أسماء الثقات والضعفاء والمجهولين، وفاتَهم هؤلاء المجهولون الذين يتعلق برواياتهم أصحاب الأهواء.
ثم العجب ـ ثانيًا ـ أنهم يتعلقون بالمنامات، ويحتجون بها في الاعتقادات.
ثم العجب ـ ثالثًا ـ أنهم يتعلقون بما ينسب إلى الأعراب الأجلاف، ويعرضون عما ثبت عن أئمة الأسلاف من مثل ما روى عبد الرزاق عن معمر عن عبيد الله بن عمر،
стр. 72
أنه لا يعلم عن أحد من الصحابة أنه كان يزور قبر النبي ﵌، وهي رواية ثابتة صحيحة لا غبار عليها.
وهل هذا الأعرابي أفقه من أصحاب رسول الله ﵌، وأعلم بالقرآن منهم، وأحرص على تطبيقه منهم؟ كيف لم يأت أصحاب محمد ﵌ إلى قبره، مستغفرين من ذنوبهم، مستشهدين بهذه الآية؟
الشبهة الرابعة: حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄ -: يحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث أنس ﵁: «أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون». (رواه البخاري)
فيفهمون من هذا الحديث أنّ توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذِكْر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد ـ بزعمهم ـ ما يدعون.
وأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول ﵌ بزعمهم ـ وتوسله بدلًا منه بالعباس ﵁، فقالوا: إنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.
وفهمهم هذا خاطىء، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة أهمها:
١ - إن القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يُفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا .. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئًا محذوفًا، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: (كنا نتوسل بـ (جاه) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (جاه) عم نبينا) على رأيهم هم، أو يكون: (كنا نتوسل إليك بـ (دعاء) نبينا، وإنا
стр. 73
نتوسل إليك بـ (دعاء) عم نبينا) على رأينا نحن. ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليُفهَم الكلام بوضوح وجلاء.
ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي ﵌.
هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قَبَع كل منهم في داره، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله ﵌، ثم دعَوا ربهم قائلين: «اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث» مثلًا أم كانوا يأتون النبي ﵌ ذاته فعلًا، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق ﵌ طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟
أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقًا في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة ﵃، ولا يستطيع أحد من الصوفية أن يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي ﵌، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي ﵌ إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه ﵌، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم ﵌ ليس غير.
ومن أمثلة ذلك مارواه البخاري من مجيء الأعرابي إلى المسجد يوم الجمعة حيث كان رسول الله ﵌ يخطب، وعرضه له ضنك حالهم، وجدب أرضهم، وهلاك ماشيتهم، وطلبه منه أن يدعو الله سبحانه لينقذهم مما هم فيه، فاستجاب له ﵌، وهو الذي وصفه ربه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨)، فدعا ﵌ لهم ربه، واستجاب سبحانه دعاء نبيه، ورحم عباده ونشر رحمته، وأحيا بلدهم الميت.
ومن ذلك أيضًا ما رواه البخاري من مجيء الأعرابي السابق نفسه أو غيره إلى النبي ﵌ وهو يخطب الجمعة الثانية، وشكواه له انقطاع الطرقات وتهدم البنيان، وهلاك المواشي، وطلبه منه أن يدعو لهم ربه، ليمسك عنهم الأمطار، وفعل ﵌ فاستجاب له ربه جل شأنه أيضًا.
٢ - وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس واستعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس أو موظف مثلًا، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالبًا. فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان (الوسيط) عندك، ومنزلته لديك اقض لي حاجتي.
وهكذا فالتوسل إلى الله بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به ـ، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر ﵁: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا» أي: كنا إذ قل المطر مثلًا نذهب إلى النبي ﵌، ونطلب منه أن يدعو لنا الله جل شأنه.
٣ - ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر ﵁: «وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»، أي إننا بعد وفاة نبينا ﵌ جئنا بالعباس عم النبي ﵌، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا سبحانه ليغيثنا.
* لماذا عدل عمر عن التوسل بالنبي ﵌ إلى التوسل بالعباس ﵁، مع العلم أن العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يُذكَر أمام شأن النبي ﵌ ومقامه؟ لأن التوسل بالنبي ﵌ غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه ﵌ ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤَمِّنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمه إلا الله ـ، فأنى لهم أن
стр. 74
يحظوا بدعائه ﵌ وشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠).
ولذلك لجأ عمر ﵁، وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي ﵌ ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس ﵁، لقرابته من النبي ﵌ من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية آخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي ﵌، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي ﵌ ممكنًا، وما كان من المعقول أن يقر الصحابة ﵃ عمر على ذلك أبدًا؛ لأن الانصراف عن التوسل بالنبي ﵌ إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالانصراف عن الاقتداء بالنبي ﵌ في الصلاة إلى الاقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة ﵃ كانوا يعرفون قدر نبيهم ﵌ ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد.
* إن تعليل الصوفية لعدول عمر ﵁ عن التوسل بالنبي ﵌ إلى التوسل بالعباس ﵁ بأنه لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل هو تعليل مضحك وعجيب.
أ- إذ كيف يمكن أن يخطر في بال عمر ﵁، أو في بال غيره من الصحابة الكرام ن تلك الحذلقة الفقهية المتأخرة، وهو يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعًا وعطشًا لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سمي ذاك العام بعام الرمادة، كيف يَرِد في خاطره تلك الفلسفة الفقهية في هذا الظرف العصيب، فيدَع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي الأعظم ﵌ ـ لو كان ذلك جائزًا ـ ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!!
إن المشاهد والمعلوم أن الإنسان إذ حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذ كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله تعالى وحده
стр. 75
في أوقات العسر، كما قال ـ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت:٢٦٥).
فنعلم من هذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل.
ب- هبْ أن عمر ﵁ خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بدعاء التابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضًا؟
٤ - إننا نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄ أمرًا جديرًا بالانتباه، وهو قوله: «إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحطوا، استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، ففي هذا إشارة إلى تكرار استسقاء عمر بدعاء العباس ﵄، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به ﵌ إلى التوسل بعمه ﵁، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقى.
٥ - لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور وقصده، إذ نقلت دعاء العباس استجابةً لطلب عمر ﵄، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني ﵀ في (الفتح) (٣/ ١٥٠) حيث قال: «قد بين الزبير بن بكار في (الأنساب) صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذا أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث»، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس».