وكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵀ يَسْتَدِلّ بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ كَلَام اللهِ غَيْر مَخْلُوق، وَيَحْتَجّ بِأَنَّ النَّبِيّ ﵌ لَا يَسْتَعِيذ بِمَخْلُوقٍ.
(مِنْ كُلّ شَيْطَان) يَدْخُل تَحْته شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ.
(وَهَامَّة) وَاحِدَة الْهَوَامّ ذَوَات السَّمُوم، وَقِيلَ: كُلّ مَا لَهُ سُمٌّ يَقْتُل، وَقِيلَ: الْمُرَاد كُلّ نَسَمَة تَهُمُّ بِسُوءٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ كُلّ عَيْن لَامَّة) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِهِ كُلّ دَاء وَآفَة تُلِمّ بِالْإِنْسَانِ مِنْ جُنُون وَخَبَل.
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﵌ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (رواه البخاري).
مسألة: النبي ﵌ أفضل من إبراهيم، فكيف طلب له من الصلاة ما لإبراهيم، مع أن المشبَّه به أصله أن يكون فوق المشبَّه؟ فكيف الجمع بين هذه الأمرين ؟
أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة، وقد بلغت نحو عشرة أقوال، منها:١ - أن التشبيه المذكور إنما هو في أصل الصلاة، لا في قدرها، ولا في كيفيتها، فالمسئول إنما هو راجع إلى الهيئة، لا إلى
стр. 37
قدر الموهوب، وهذا كما تقول للرجل: أحسن إلى ابنك كما أحسنت إلى فلان، وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان، وإنما تريد به أصل الإحسان.
وقد يُحْتَجّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص:٧٧)، ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان لا قدره، فالتشبيه في الآية لا يتعلق بمقدار الإحسان؛ بل بأصله؛ فكأن معنى الآية: كما وقع الإحسان من الله إليك أيها العبد الفقير إلى الله ، فأحسن بالصدقة وبالعبادة وغيرها من الطاعات.
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (النساء:١٦٣)، وهذا التشبيه في أصل الوحي لا في قدره وفضل الموحَى به.
٢ - قول قوَّاه واستحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: وهو قول من قال عن آل إبراهيم ﵇: «فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي ﵌ ولآله مثل ما لإبراهيم وآله ـ وفيهم الأنبياء ـ حصل لآل محمد ﵌ من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي
стр. 38
للأنبياء ـ وفيهم إبراهيم ـ لمحمد ﵌ فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره»
٣ - قال الإمام ابن القيم في (جلاء الأفهام): « ... وأحسن منه (أي من القول السابق) أن يقال: «محمد ﵌ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، قال ابن عباس ﵄: «محمد من آل إبراهيم». وهذا نص، فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول الله ﵌ أوْلَى.
فيكون قولنا: «كما صليت على آل إبراهيم» متناولاً للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.
ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى آله خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﵌.
وتقرير هذا أنه يكون قد صُلِى عليه خصوصاً، وطُلِب له من الصلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ـ ورسول الله ﵌ معهم ـ أكمل من الصلاة
стр. 39
الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعاً». (اهـ بتصرف).
معنى قول: اللَّهم بارك على محمّد وعلى آل محمّد:
البركة: النماء والزيادة. والتبريك: الدعاء بذلك. ويقال: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له. وفي القرآن الكريم: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاق﴾ (الصافات:١١٣)، وفيه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (الأنبياء:٧١).
وقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄:عَلَّمَنِي رَسُولُ الله ﵌ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». (صحيح رواه أصحاب السنن).
والْمُبَارَك: الذي قد بارَكه الله سبحانه، كما قال المسيح ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي
стр. 40
مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:٣٠ - ٣١].
وكتاب الله مبارَك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وهو أحق أن يسمى مباركا من كل شيء؛ لكثرة خيره ومنافعه، ووجوه البركة فيه.
والرب تعالي يقال في حقه: «تبارك»، ولا يقال: مبارك.
وقال الحسن: «تبارك»:تجيء البركة من قِبَله.
وقال الضحاك: تبارك: تعاظم.
وقال الخليل بن أحمد: تمجد.
وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك فيمن شاء من خلقه.
قال الإمام ابن القيم: وهذا أحسن الأقوال.
ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله ، ولا تتصرف هذه اللفظة في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمر.
стр. 41
وقول: «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»: هذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له وزيادته، هذا حقيقة البركة.
وقد قال تعالى في إبراهيم وآله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٢ - ١١٣]، وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣].
وتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] ولم يذكر إسماعيل؛ إيذاناً بما حصل لبَنِيهِ من الخير والبركة، لا سيما خاتمة بركتهم وأعظمها وأجلها برسول الله ﵌، فنبهَهُم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك ﵌.
стр. 42
اختتام الصلاة على النبي ﵌ باسْمَيْن من أسماء الرب وهما: الحميد والمجيد:
وذكر هذين الاسمين: الحميد والمجيد عقب الصلاة على النبي ﵌ مطابق لقوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
ولما كانت الصلاة على النبي ﵌ ـ وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه والتنويه به، ورفع ذكره، وزيادة حبه وتقريبه ـ كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما اسما الحميد والمجيد.
والداعي يُشرَع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وهذا من قوله : ﴿وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال سليمان ﵇ في دعائه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، وقال الخليل وابنه إسماعيل سدد خطاكم في دعائهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً
стр. 43
لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: كَانَ يُعَدُّ لِرَسُولِ الله ﵌ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ» (صحيح رواه الترمذي)
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (صحيح رواه الترمذي).
ولما كان المطلوب للرسول ﵌ حمداً ومجداً بصلاة الله عليه، ختم هذا السؤال باسمي الحميد والمجيد.
وأيضاً فإنه لما كان المطلوب للرسول ﵌ حمداً ومجداً، وكان ذلك حاصلاً له، ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت هذين الوصفين للرب بطريق الأولى، وكل كمال في العبد غير مستلزم للنقص، فالرب أحق به.
وأيضاً فإنه لما طلب للرسول ﵌ حمداً ومجداً بالصلاة عليه ـ وذلك يستلزم الثناء عليه ـ خُتم هذا المطلوب بالثناء على مُرسِله -
стр. 44
بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمناً لطلب الحمد والمجد للرسول ﵌، والإخبار عن ثبوته للرب .
الصلاة على غير النبي ﵌ -
أما سائر الأنبياء والمرسلين فيصلى عليه ويسلم؛ قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٧٨ - ٨٠]، وقال عن إبراهيم خليله ﵇: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩]، وقال تعالى في موسى وهارون سدد خطاكم: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات: ١١٩ - ١٢٠]، فالذي تركه سبحانه على رسله في الآخرين هو السلام عليهم المذكور.
وأما من سوى الأنبياء، فإن آل النبي ﵌ يُصَلَّى عليهم بغير خلاف بين الأمة.
стр. 45
هل يصلي على آل النبي ﵌ منفردين عنه ؟
قال الإمام ابن القيم ﵀ في (جلاء الأفهام):هذه المسألة على نوعين: أحدهما: أن يقال: «اللهم صل على آل محمد» فهذا يجوز، ويكون ﵌ داخلاً في آله، فالإفراد عنه وقع في اللفظ لا في المعنى.
الثاني: أن يفرد واحد منهم بالذكر، فيقال: اللهم صل على عَلِيٍّ، أو على حسن، أو حسين، أو فاطمة، ونحو ذلك.
فاختلف في ذلك وفي الصلاة على غير آله ﵌ من الصحابة ومن بعدهم ... (وذكر الإمام ابن القيم الخلاف في ذلك وناقش الأدلة ثم قال): «وفصل الخطاب في هذه المسألة: أن الصلاة على غير النبي ﵌ إما أن يكون آله وأزواجه وذريته أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي ﵌ وجائزة مفردة (١).
وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموماً الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم، جاز ذلك أيضاً، فيقال: اللهم صل على ملائكتك المقربين وأهل طاعتك أجمعين.
وإن كان شخصاً معيناً أو طائفة معينة كُرِهَ أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً (٢) لا يخلّ به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولا سيما إذا جعلها شعاراً له، ومنع منها نظيره، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة (٣) بعلي ﵁، فإنه حيث ذكروه قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع، لا سيما إذا اتخذ شعاراً لا يخل به، فتركه حينئذ متعين.
وأما إن صلى عليه أحياناً بحيث لا يجعل ذلك شعارًا كما يصلي على دافع الزكاة (٤)، وكما قال ابن عمر ﵁ للميت: صلى الله عليه (٥).
стр. 46
وكما صلى النبي ﵌ على المرأة وزوجها (١)، فهذا لا بأس به. وبهذا التفصيل تتفق الأدلة وينكشف وجه الصواب والله والموفق. (انتهى كلام الإمام ابن القيم بتصرف يسير)
اتباع النبي ﵌ دليل محبة الله -
محبة الرسول ﵌ تكون باتباع سنته، والامتثال لأوامره، قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران ٣١ - ٣٢)
دلت هذه الآية الكريمة على أن كل من ادعى محبة الله ، وليس متبعًا لهدي النبي ﵌ فإنه كاذب في دعواه، حتى يتبع سنة النبي ﵌ في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﵌ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم)؛ ولهذا قال :قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه
стр. 47
وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ.
وقال الحسن البصري وغيره من السلف: «زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾».
ثم قال : ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم للرسول ﵌ يحصل لكم هذا كله.
ثم قال آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء ـ بل المرسلون، بل أولو العزم منهم ـ في زمانه لما وَسِعَهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته ﵌.