← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

مثله، فإن في ترجمته من " التهذيب " بعد أن حكى أقوال الموثقين له ما نصه: وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث صدوق يهم كثيرا يكتب حديثه. قلت: يحتج به؟ قال: لا. وقال النسائي: ضعيف ... قال مسعود عن الحاكم: ليس هو من شرط الصحيح. وقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه، قال ابن حبان في الثقات: يخطئ، وقال في " الضعفاء": كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات. فأنت ترى أنه قد ضعفه مع أبي حاتم النسائي والحاكم وابن حبان مع أنهما من المتساهلين في التوثيق كما تقدم. ثانياً: قوله: وجرحه غير مفسر. فهذا غير مسلم به، بل هو مفسر في نفس كلام أبي حاتم الذي نقلته، وهو قوله: يهم كثيراً، وقد اعتمد الحافظ ابن حجر هذا القول فقال في ترجمته: "صدوق يهم "، فمن كان يهم في حديثه كثيراً، فلا شك أنه لا يحتج به كما هو مقرر في محله من علم المصطلح. ثالثاً: قوله: بل وثقه البستي. قلت: البستي هو ابن حبان، وإنما عدل الكوثري عن التصريح باسم (ابن حبان) إلى ذكر نسبته (البستي) تدليساً وتمويهاً، وقد علمت أن ابن حبان كان له فيه قولان، فمرة أورده في " الثقات " (٧/ ٣١٦) وأخرى في " الضعفاء " (٢/ ٢٠٩) والاعتماد على هذا أولى من الأول، لأنه بين فيه سبب ضعفه، فهو جرح مفسر يقدم على التعديل كما تقرر في المصطلح أيضاً.

стр. 1017

الوجه الثاني في تضعيف الحديث: أنه من رواية عطية العوفي، وهو ضعيف أيضاً. قال الحافظ في " التقريب ": صدوق يخطيء كثيرا كان شيعياً مدلساً، فهذا جرح مفسر يقدم على قول من وثقه مع أنهم قلة، وقد خالفوا جمهور الأئمة الذين ضعفوه وتجد أقوالهم في " تهذيب التهذيب " وعبارة الحافظ التي نقلتها عن " التقريب " هي خلاصة هذه الأقوال كما لا يخفى على البصير بهذا العلم فلا نطيل الكلام بذكرها، ولهذا جزم الذهبي في " الميزان " بأنه ضعيف. أما تدليسه فلابد من بيانه هاهنا لأن به تزول شبهة يأتي حكايتها، فقال ابن حبان في " الضعفاء " ما نصه: سمع من أبي سعيد أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبي يحضر بصفته، فإذا قال الكلبي: قال رسول الله ﵌ كذا، فيحفظه، وكناه أبا سعيد ويروي عنه، فإذا قيل له: من حدثك هذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبي! قال: لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب. فهل تدري أيها القارئ الكريم ما كان موقف الشيخ الكوثري تجاه تلك الأقوال المشار إليها في تضعيف الرجل؟ إنه لم يشر إليها أدنى إشارة واكتفى بذكر أقوال القلة الذين وثقوه، الأمر الذي ينكره على خصومه (انظر ص ٣٩٢ من "مقالاته ") وليته وقف عند هذا، بل إنه أو هم أن سبب تضعيفه أمر لا يصلح أن يكون جرحاً فقال (ص ٣٩٤): وعطية جرح بالتشيع، لكن حسن له الترمذي عدة أحاديث.

стр. 1018

وقصده من هذا إفساح المجال لتقديم أقوال الموثقين بإيهام أن المضعفين إنما ضعفوه بسبب تشيعه، وهو سبب غير جارح عند المحققين، مع أن السبب في الحقيقة إنما هو خطأه كثيراً كما تقدم في كلام الحافظ ابن حجر، فانظر كم يبعد التعصب بصاحبه عن الإنصاف والحق! وأما تحسين الترمذي له فلا حجة فيه بعد قيام المانع من تحسين الحديث، والترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، وهذا شيء لا يخفى على الشيخ- عفا الله عنا وعنه- فقد نقل هو نفسه في كلامه على حديث الأوعال الذي سبقت الإشارة إليه عن ابن دحية إنه قال: كم حسن الترمذي من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية؟! وعن الذهبي أنه قال: لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي (انظر ص ٣١١ من " مقالات الكوثرى "). فانظر كيف يجعل كلام الرجل في موضع حجة، وفي آخر غير حجة!! ثم أجاب عن شبهة التدليس بقوله: وبعد التصريح بالخدري لا يبقى احتمال التدليس ولاسيما مع المتابعة. يعني أن عطية قد صرح بأن أبا سعيد في هذا الحديث هو الخدري، فاندفعت شبهة كونه هو الكلبي الكذاب. قلت: وهذا دفع هزيل، فالشبهة لا تزال قائمة، لأن ابن حبان صرح كما تقدم نقله عنه أن عطية لما كان يحدث عن الكلبي ويكنيه بأبي سعيد كان الذين يسمعون الحديث عنه يتوهمون أنه يريد الخدري، فمن أين للشيخ الكوثري أن التصريح بالخدري إنما هو من عطية وليس من توهم الراوي عنه أو من وهمه فقد علمت أنه كان سيء الحفظ؟! هذان احتمالان لا سبيل إلى ردهما وبذلك تبقى

стр. 1019

شبهة التدليس قائمة. وأما المتابعة التي أشار إليها فهي ما فسره بقوله قبل: ولم ينفرد عطية عن الخدري، بل تابعه أبو الصديق عنه في رواية عبد الحكم بن ذكوان، وهو ثقة عند ابن حبان، وإن أعله به أبو الفرج في علله. قلت: لقد عاد الشيخ إلى الاعتداد بتوثيق ابن حبان مع اعترافه بشذوذه في ذلك كما سبق النقل عنه، هذا مع قول ابن معين في ابن ذكوان هذا: لا أعرفه، فإذا لم يعرفه أمام الجرح والتعديل، فأنى لابن حبان أن يعرفه؟! فتبين أن لا قيمة لهذا المتابع لجهالة الراوي عنه، فإعلال أبي الفرج للحديث به حق لا غبار عليه عند من ينصف! ثم بدا لي وجه ثالث في تضعيف الحديث وهو اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته حيث أنه رواه تارة مرفوعا كما تقدم، وأخرى موقوفاً على أبي سعيد كما رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١٢/ ١١٠/١) عن ابن مرزوق به موقوفاً، وفي رواية البغوي من طريق فضيل قال: أحسبه قد رفعه، وقال ابن أبي حاتم في " العلل " (٢/ ١٨٤): موقوف أشبه. ثم إن الشيخ حاول أن يشد من عضد الحديث بأن أوجد له طريقا أخرى فقال: وأخرج ابن السني في عمل " اليوم والليلة " بسند فيه الوازع عن بلال، (كذا) وليس فيه عطية ولا ابن مرزوق. قلت: ولم يزد الشيخ على هذا فلم يبين ما حال هذا الوازع وهل هو ممن يصلح أن يستشهد به، أو هل عنده وازع يمنعه من رواية الكذب؟ ولو أنه بين ذلك لظهر لكل ذي عينين أن روايته لهذا الحديث وعدمها سواء، ذلك لأنه ضعيف بمرة

стр. 1020

عند أئمة الحديث بلا خلاف عندهم، حتى قال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدًّا ليس بشىء، وقال لابنه: اضرب على أحاديثه فإنها منكرة. بل قال الحاكم- على تساهله-: روى أحاديث موضوعة! وكذا قال غيره، وهو الوازع بن نافع العقيلي. فمن كان هذا حاله في الرواية لا يعتضد بحديثه ولا كرامة حتى عند الشيخ نفسه فاسمع إن شئت كلامه في ذلك (ص ٣٩) من " مقالاته ": " إن تعدد الطرق إنما يرفع الحديث إلى مرتبة الحسن لغيره إذا كان الضعف في الرواة من جهة الحفظ والضبط فقط، لا من ناحية تهمة الكذب، فإن كثرة الطرق لا تفيد شيئا إذ ذاك ". ومن هنا يتبين للقارئ اللبيب لم سكت الشيخ عن بيان حال الوازع هذا! وجملة القول أن هذا الحديث ضعيف من طريقيه وأحدهما أشد ضعفاً من الآخر، وقد ضعفه البوصيرى والمنذري وغيرهما من الأئمة، ومن حسنه فقد وهم أو تساهل، وقد تكلمت على حديث بلال هذا، وكشفت عن تدليس الكوثري فيما سيأتي (٦٢٥٢). ومن الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة في التوسل: " لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك،

стр. 1021

فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك ". موضوع. أخرجه الحاكم في " المستدرك " (٢/ ٦١٥) وعنه ابن عساكر (٢/ ٣٢٣/٢) وكذا البيهقي في باب ما جاء فيما تحدث به ﵌ بنعمة ربه من " دلائل النبوة " (٥/ ٤٨٨) من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل ابن مسلمة، نبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب مرفوعا، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب. فتعقبه الذهبي بقوله: بل موضوع، وعبد الرحمن واه، وعبد الله بن مسلم الفهري لا أدري من هو. قلت: والفهري هذا أورده في " ميزان الاعتدال " لهذا الحديث وقال: خبر باطل رواه البيهقي في " دلائل النبوة " وقال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وهو ضعيف. وأقره ابن كثير في " تاريخه " (٢/ ٣٢٣) ووافق الحافظ ابن حجر في " اللسان " أصله " الميزان " على قوله: خبر باطل وزاد عليه قوله في هذا الفهري: لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته. قلت: والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رشيد، ذكره ابن حبان فقال: متهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة لا يحل كتب حديثه، وهو

стр. 1022

الذي روى عن ابن هدبة نسخة كأنها معمولة. والحديث أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (٢٠٧) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن زيد ثم قال: لا يروي عن عمر إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في " المجمع " (٨/ ٢٥٣): رواه الطبراني في " الأوسط " و" الصغير " وفيه من لم أعرفهم. قلت: وهذا إعلال قاصر ما دام فيه عبد الرحمن بن زيد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة " (ص ٦٩): ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب " المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم ": عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. قلت: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً. وصدق شيخ الإسلام في نقله اتفاقهم على ضعفه وقد سبقه إلى ذلك ابن الجوزي، فإنك إذا فتشت كتب الرجال، فإنك لن تجد إلا مضعفاً له، بل ضعفه جداّ علي بن المديني وابن سعد، وقال الطحاوى: حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف. وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحق الترك. وقال أبو نعيم نحو ما سبق عن الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. قلت: ولعل هذا الحديث من الأحاديث التي أصلها موقوف ومن الإسرائيليات، أخطأ عبد الرحمن بن زيد فرفعها إلى النبي ﵌، ويؤيد هذا أن

стр. 1023

أبا بكر الآجري أخرجه في " الشريعة " (ص ٤٢٧) من طريق الفهري المتقدم بسند آخر له عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب موقوفاً عليه. ورواه (ص ٤٢٢ - ٤٢٥) من طريق أبي مروان العثماني قال: حدثني أبي (في الأصل: ابن وهو خطأ) عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: " من الكلمات التي تاب الله على آدم ﵇ أنه قال: اللهم إني أسألك بحق محمد عليك .. " الحديث نحوه وليس فيه ادعني بحقه إلخ. وهذا موقوف وعثمان وابنه أبو مروان ضعيفان لا يحتج بهما لو رويا حديثا مرفوعاً، فكيف وقد رويا قولاً موقوفاً على بعض أتباع التابعين، وهو قد أخذه- والله أعلم- من مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم، أو عن كتبهم التي لا ثقة لنا بها، كما بينه شيخ الإسلام في كتبه. وكذلك رواه ابن عساكر (٢/ ٣١٠/٢) عن شيخ من أهل المدينة من أصحاب ابن مسعود من قوله موقوفا عليه وفيه مجاهيل. وجملة القول: أن الحديث لا أصل له عنه ﵌، فلا جرم أن حكم عليه بالبطلان الحافظان الجليلان الذهبي والعسقلاني كما تقدم النقل عنهما. ومما يدل على بطلانه أن الحديث صريح في أن آدم ﵇ عرف النبي ﵌ عقب خلقه، وكان ذلك في الجنة، وقبل هبوطه إلى الأرض، وقد جاء في حديث إسناده خير من هذا على ضعفه أنه لم يعرفه إلا بعد نزوله إلى الهند وسماعه باسمه في الأذان! انظر الحديث (٤٠٣). ومع هذا كله فقد جازف الشيخ الكوثري وصححه مع اعترافه بضعف عبد

стр. 1024

الرحمن بن زيد لكنه استدرك (ص ٣٩١) فقال: إلا أنه لم يتهم بالكذب، بل بالوهم، ومثله ينتقى بعض حديثه. قلت: لقد بلغ به الوهم إلى أنه روى أحاديث موضوعة كما تقدم عن الحاكم وأبي نعيم، فمثله لا يصلح أن ينتقى من حديثه حتى عند الكوثري لولا العصبية والهوى، فاسمع إن شئت ما قاله (ص ٤٢) في صدد حكمه بالوضع على حديث " إياكم وخضراء الدمن ... " وقد تقدم برقم (١٤). وإنما مدار الحكم على الخبر بالوضع أو الضعف الشديد من حيث الصناعة الحديثية هو انفراد الكذاب أو المتهم بالكذب أو الفاحش الخطأ به. وقد علمت مما سبق أن مدار الحديث على عبد الرحمن بن زيد الفاحش الخطأ، فيكون حديثه ضعيفاً جداًّ على أقل الأحوال عنده لو أنصف! ومن عجيب أمره أنه يقول عقب عبارته السابقة (ص ٣٩١): وهذا هو الذي فعله الحاكم حيث رأى أن الخبر مما قبله مالك فيما روى ابن حميد عنه حيث قال لأبي جعفر المنصور: وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇. فمن أين له أن الحاكم رأى أن الخبر مما قبله مالك؟! فهل يلزم من كون الرجل كان حافظاً أنه كان يحفظ كل شيء عن أي إمام، هذا ما لا يقوله إنسان؟! فمثل هذا لابد فيه من نقل يصرح بأن الحاكم رأى ... وإلا فمن ادعى ذلك فقد قفا ما ليس له به علم. ثم هب أن مالكا قَبٍلَ الخبر، فهل ذلك يلزم غيره أن يقبله وهو لم يذكر إسناده المتصل منه إلى النبي ﵌، أفلا يجوز أن يكون ذلك من الإسرائيليات التي تساهل العلماء في روايتها عن بعض مسلمة أهل الكتاب مثل كعب الأحبار، فقد

стр. 1025

كان يروي عنه بعضها ابن عمر وابن عباس وأبوهريرة باعتراف الكوثري نفسه (ص ٣٤ ـ " مقالة كعب الأحبار والإسرائيليات ") فإذا جاز هذا لهؤلاء، أفلا يجوز ذلك لمالك؟ بلى ثم بلى. فثبت أن قول مالك المذكور لا يجوز أن يكون شاهداً مقوياًّ للحديث المروى عن النبي ﵌. وهذا كله يقال لوثبت ذلك عن مالك، كيف ودون ثبوته خرط القتاد! فإنه يرويه عنه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي في الراجح عند الكوثري ثم اعتمد هو على توثيق ابن معين إياه وثناء أحمد والذهلي عليه، وتغافل عن تضعيف جمهور الأئمة له، بل وعن تكذيب كثيرين منهم إياه، مثل أبي حاتم والنسائي وأبي زرعة وصرح هذا أنه كان يتعمد الكذب، ومثل ابن خراش فقد حلف بالله أنه كان يكذب، وقال صالح بن محمد الأسدي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه، وقال في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد، وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه، وقال أيضاً: ما رأيت أحدا أحذق بالكذب من رجلين سليمان الشاذكوني ومحمد ابن حميد، كان يحفظ حديثه كله. وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لوحدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، ولوعرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً. فهذه النصوص تدل على أن الرجل كان مع حفظه كذاباً، والكذب أقوى أسباب الجرح وأبينها، فكيف ساغ للشيخ تقديم التعديل على الجرح المفسر مع أنه خلاف معتقده؟! علم ذلك عند من يعرف مبلغ تعصبه على أنصار السنة وأهل الحديث، وشدة عداوته إياهم سامحه الله وعفا عنه.

стр. 1026

فتبين مما ذكرناه أن هذه القصة المروية عن مالك قصة باطلة موضوعة، وقد حقق القول في ذلك على طريقة أخرى شيخ الإسلام في " القاعدة الجليلة " (١/ ٢٢٧ - ضمن مجموع الفتاوى) وابن عبد الهادي في " الصارم المنكي " فليراجعهما من أراد المزيد من الاطلاع على بطلانها، فإن فيما أوردت كفاية. وبذلك ثبت وضع حديث توسل آدم بالنبي ﵌، وخطأ من خالف. ولقد أطلت كثيراً في تحقيق الكلام عليه وعلى الأحاديث التي قبله، وما كنت أود ذلك لولا أنى وجدت نفسي مضطراًّ لذلك، لما وقفت على مغالطات الشيخ الكوثري، فرأيت من الواجب الكشف عنها لئلَّا يغتر بها من لا علم له بما هنالك! فمعذرة إلى القراء الكرام. هذا وإن من الآثار السيئة التي تركتها هذه الأحاديث الضعيفة في التوسل أنها صرفت كثيراً من الأمة عن التوسل المشروع إلى التوسل المبتدع، ذلك لأن العلماء متفقون- فيما أعلم- على استحباب التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته تعالى، وعلى توسل المتوسل إليه تعالى بعمل صالح قدمه إليه . ومهما قيل في التوسل المبتدع فإنه لا يخرج عن كونه أمراً مختلفاً فيه، فلو أن الناس أنصفوا لانصرفوا عنه احتياطاً وعملاً بقوله ﵌ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» إلى العمل بما أشرنا إليه من التوسل المشروع، ولكنهم مع الأسف أعرضوا عن هذا وتمسكوا بالتوسل المختلف فيه كأنه من الأمور اللازمة التي لابد منها ولازموها ملازمتهم للفرائض! فإنك لا تكاد تسمع شيخاً أو عالماً يدعو بدعاء يوم الجمعة وغيره إلا ضمنه التوسل المبتدع، وعلى العكس من ذلك فإنك

стр. 1027

لا تكاد تسمع أحدهم يتوسل بالتوسل المستحب كأن يقول مثلا: "اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد لا إله ألا أنت، وحدك لا شريك لك، المنان، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك ... " مع أن فيه الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى كما قال ﵌ فيما صح عنه. فهل سمعت أيها القارئ الكريم أحداً يتوسل بهذا أو بغيره مما في معناه؟ أما أنا فأقول آسفاً: إننى لم أسمع ذلك، وأظن أن جوابك سيكون كذلك، فما السبب في هذا؟ ذلك هو من آثار انتشار الأحاديث الضعيفة بين الناس، وجهلهم بالسنة الصحيحة، فعليكم بها أيها المسلمون علماً وعملاً تهتدوا وتعزُّوا. وبعد طبع ما تقدم اطلعت على رسالة في جواز التوسل المبتدع لأحد مشايخ الشمال المتهورين، متخمة بالتناقض الدال على الجهل البالغ، وبالضلال والأباطيل والتأويلات الباطلة والافتراء على العلماء بل الإجماع! مثل تجويز الاستغاثة بالموتى والنذر لهم، وزعمه أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان! وغير ذلك مما لا يقول به عالم مسلم، كما أنه حشاها بالأحاديث الضعيفة والواهية كما هي عادته في كل ما له من رسائل- وليته سكت عنها، بل إنه صحح بعض ما هو معروف منها بالضعف كقوله (ص ٤٢) وفي الأحاديث الصحيحة: " إن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعباده " وغير ذلك مما لا يمكن البحث فيه الآن. وإنما القصد أن أنبه القراء على ما وقع في كلامه على الأحاديث المتقدمة في التوسل من التدليس بل الكذب المكشوف ليوهمهم صحتها، كي يكونوا في حذر منه ومن أمثاله من الذين لا يتقون الله فيما يكتبون، لأن غرضهم الانتصار

стр. 1028

لأهوائهم وما وجدوا عليه آبائهم وأمهاتهم. فحديث أنس (رقم ٢٣) الذي فيه «اغفر لأمي فاطمة .. بحق نبيك .. » الذي بينا ضعف إسناده، أوهم هو أنه صحيح بتمكسه بتوثيق ابن حبان والحاكم لروح بن صلاح! وقد أثبتنا ضعف هذا الراوي وعدم اعتداد العلماء بتوثيق المذكورين فتذكر، كما أثبتنا عدم أمانة الكوثري في النقل واتباعه للهوى وقد جرى على طريقته هذه مؤلف هذه الرسالة بل زاد عليه! فإنه بعد أن ساق الحديث موهما القارئ أنه صحيح قال عقبه (ص ١٥): ولهذا طرق منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في " المعرفة " والديلمي في " الفردوس " بإسناد حسن كما قاله الحافظ السيوطي. فهذا كذب منه على ابن عباس ﵁ وربما على السيوطي أيضا- فليس في حديث ابن عباس موضع الشاهد من حديث أنس وهو قوله " بحق نبيك والأنبياء الذين قبلي فإنك أرحم الراحمين " وذلك مما يوهن هذه الزيادة ولا يقويها خلافا لمحاولة المؤلف الفاشلة المغرضة! وأما حديث عمر (رقم ٢٥) فقال في تخريجه (ص ١٥): وأخرج البيهقي في " دلائل النبوة " وقد التزم أن لا يذكر في هذا الكتاب حديثاً موضوعاً. قلت: والجواب من وجهين: الأول: أن الالتزام المذكور غير مسلم به، فقد أخرج فيه غيرما حديث موضوع وقد نص على ذلك بعض النقاد، ومن يتتبع مقالاتنا هذه في الأحاديث الضعيفة والموضوعة يجد أمثلة على ذلك وحسبك دليلا الآن هذا الحديث فقد حكم عليه الحافظان الذهبي والعسقلاني بأنه حديث باطل كما سبق، فما

стр. 1029

بال المؤلف يتغاضى عن حكمهما وهما المرجع في هذا الشأن ويتعلق بالمتشابه من الكلام؟!. الآخر: أن البيهقي الذي أخرجه في " الدلائل " قد ضعف الحديث فيه كما سبق نقله عنه، فإن لم يكن الحديث عنده موضوعا فهو على الأقل ضعيف، فهو حجة على الشيخ الذي يحاول بتحريف الكلام أن يجعله صحيحا؟! ثم نقل المؤلف تخريج الحاكم للحديث وتصحيحه إياه، وتغاضى أيضا عن تعقب الذهبي إياه الذي سبق أن ذكرناه، والذي يصرح فيه أنه حديث موضوع! كما تغاضى عن حال راويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، الذي اتهمه الحاكم نفسه بالوضع! وعن غيره ممن لا يعرف حاله أو هو متهم، وعن قول الحافظ الهيثمي في الحديث فيه من لم أعرفهم!. عجباً من هذا المؤلف وأمثاله إنهم يزعمون أن باب الاجتهاد قد أغلق على الناس فليس لهم أن يجتهدوا لا في الحديث تصحيحاً وتضعيفاً، ولا في الفقه، ترجيحاً وتفريعاً، ثم هم يجتهدون فيما لا علم لهم فيه البتة، وهو علم الحديث، ويضربون بكلام ذوي الاختصاص عرض الحائط! ثم هم إن قلدوا قلدوا دون علمٍ متبعين أهواءهم، وإلا فقل لي بالله عليك: إذا صحح الحاكم حديثاً- وهو معروف بتساهله في ذلك- ورده عليه أمثال الذهبي والهيثمي والعسقلاني أفيجوز والحالة هذه التعلق بتصحيح الحاكم؟! اللهم إن هذا لا يقول به إلا جاهل أو مغرض! اللهم فاحفظنا من اتباع الهوى حتى لا يضلنا عن سبيلك. ثم زعم المؤلف (ص ١٦) أن الإمام مالكاً قد صح عنده محل الشاهد من

стр. 1030

هذا الحديث حيث قال للخليفة العباسى: ولم تصرف وجهك عنه ﵌ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم؟. وقد بينا فيما سلف بطلان نسبة هذه القصة إلى مالك، وأما المؤلف فلا يهمه التحقق من ذلك، وسيان عنده أثبتت أو لم تثبت، ما دام أنها تؤيد هواه وبدعته إذ الغاية عنده تسوغ الوسيلة!. ومن تهو ر هذا المؤلف وجهله أنه يصرح (ص ١٢): أن التوسل برسول الله ﵌ وسائر الأنبياء والأولياء والصالحين والاستغاثة بهم ... مما أجمعت عليه الأمة قبل ظهور هذا المبتدع ابن تيمية الذي جاء في القرن الثامن الهجري وابتدع بدعته!. فإن إنكار التوسل بغير الله تعالى مما صرح به بعض الأئمة الأولين المعترف بفضلهم وفقههم، وقد نقلنا نص أبي حنيفة في ذلك (ص ٧٧) من الكتب الموثوق بها من كتب الحنفية وفيها عن صاحبيه الإمام محمد وأبي يوسف نحو ذلك مما يعتبر قاصمة الظهر لهؤلاء المبتدعة، فأين الإجماع المزعوم أيها المتهور؟! وإن من أكبر الافتراء على الإجماع أن ينسب إليه هذا المؤلف جواز الاستغاثة بالأموات من الصالحين؟ وهذه ضلالة كبري لم يقل بها- والحمد لله- أحد من سلف الأمة وعلمائها، ونحن نتحدى المؤلف وغيره من أمثاله أن يأتينا ولو بشبه نص عنهم في جواز ذلك، بل المعروف في كتب أتباعهم خلاف ذلك ولولا ضيق المجال لنقلنا بعض النصوص عنهم. وأما حديث أبي سعيد الخدري (رقم ٢٤) فاكتفى المؤلف (ص ٣٦) بأن نقل تحسينه عن بعض العلماء، وقد بينا خطأ ذلك من وجوه بما لا مرد لها فأغنى عن

стр. 1031

الإعادة، والمؤلف لا يهمه مطلقا التحقيق العلمي لأنه ليس من أهله، بل هو يتعلق في سبيل تأييد هواه بالأوهام ولو كانت كخيوط القمر أو مدد الأموات!. وبهذه المناسبة أريد أن أقول كلمة وجيزة من جهة استدلال المؤلف بهذا الحديث وأمثاله على التوسل المبتدع فأقول: إن حق السائلين على الله تعالى هو أن يجيب دعاءهم، فلو صح هذا الحديث وما في معناه فليس فيه توسل مَّا إلى الله بالمخلوق، بل هو توسل إليه بصفة من صفاته وهي الإجابة، وهذا أمر مشروع خارج عن محل النزاع فتأمل منصفاً، وبهذا يسقط قول هذا المؤلف عقب الحديث: فالنبى ﵌ توسل بالسائلين الأحياء والأموات، لأننا نقول هذا من تحريف الكلم فإننا نقول- إنما توسل- لو صح الحديث بحق السائلين، وعرفت المعنى الصحيح- وبحق الممشى، وهو الإثابة من الله لعبده، وذلك أيضاً صفة من صفاته تعالى فأين التوسل المبتدع وهو التوسل بالذات؟! وأنهي هذا الرد السريع بتنبيه القراء الكرام إلى أمرين آخرين وردا في الرسالة المذكورة: الأمر الأول ذكر (ص ١٦) حديث الأعمى وقد سبق بيان معناه، ثم أتبعه بذكر قصة عثمان بن حنيف مع الرجل صاحب الحاجة وكيف أنه شكي إليه أنه يدخل على عثمان بن عفان فلا يلتفت إليه! فأمره ابن حنيف أن يدعو بدعاء الأعمى ... فدخل على عثمان بن عفان فقضى له حاجته! احتج المؤلف بهذه القصة على التوسل به ﵌ بعد وفاته. وجوابنا من وجهين: الأول: أنها قصة موقوفة، والصحابة الآخرون لم يتوسلوا مطلقاً به ﵌ بعد وفاته، لأنهم يعلمون أن التوسل به معناه التوسل بدعائه وهذا غير ممكن كما سبق بيانه.

стр. 1032

الآخر: أنها قصة لا تثبت عن ابن حنيف، وبيان ذلك في رسالتنا الخاصة " التوسل أنواعه وأحكامه " وقد سبقت الإشارة إليها. ونحو ذلك أنه: ذكر (ص ٢٥) قصة مجيء بلال بن الحارث المزني الصحابي لما قحط الناس في عهد عمر إلى قبر النبي ﵌ ومنادته إياه: "يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا". فهذه أيضا قصة غير ثابتة وأوهم المؤلف صحتها محرفاً لكلام بعض الأئمة، مقلداً في ذلك بعض ذوي الأهواء قبله، وتفصيل ذلك في الرسالة المومئ إليها. "الضعيفة" (١/ ٧٦ - ٩٩). [٢٣٣] باب من التوسل البدعي [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «يا أبا هريرة! إن الله تعالى يحب من خلقه الأصفياء الأَخْفِياء الأبرياء الشَّعِثَةَ رؤوسُهم، المُغْبَرَّة وجوههم، الخَمِصَة بطونهم؛ إلا من كسب الحلال، الذين إذا استأذنوا على الأمراء؛ لم يُؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعِّمات لم يُنكَحوا، وإن غابوا؛ لم يُفتقدوا، وإن حَضَروا؛ لم يُدْعَوا، وإن طلعوا؛ لم يُفرح بطلعتهم، وإن مَرِضوا؛ لم يُعاودوا، وإن ماتوا؛ لم يَشْهَدوا». قالوا: يا رسول الله! كيف لنا برجل منهم؟ قال: «ذاك أويس القرني»، قالوا: وما أويس القرني؟ قال: «أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين، معتدل القامة آدم شديد الأدمة، ضارب بذقنه إلى صدره، رام بذقنه إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طِمْرين لا يُؤْبَه له، مُتَّزِرٌ بإزارِ

стр. 1033

صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في أهل السماء، لو أقسم على الله؛ لأبر قسمه، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة؛ قيل للعباد ادخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف فاشفع. فيُشَفِّعُه الله في مثل عدد ربيعة ومُضَرَ، يا عمرُ ويا عليُّ، إذا أنتما لقيتماه؛ فاطلبا إليه أن يستغفر لكما يغفر الله تعالى لكما ... » الحديث بطوله. (منكر جداً) [قال الإمام]: أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٨٠ - ٨٢)، ومن طريقه الرافعي في "تاريخ قزوين " (١/ ٩١ - ٩٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق، (٣/ ٢٠٠ - ٢٠٢) من طريق سلمة بن شبيب: ثنا الوليد بن إسماعيل الحراني: ثنا محمد ابن إبراهيم بن عبيد؛ حدثني مخلد بن يزيد عن نوفل بن عبد الله عن الضحاك ابن مزاحم عن أبي هريرة قال: بينا رسول الله ﵌ في حلقة من أصحابه إذ قال: "ليصلين معكم غداً رجل من أهل الجنة".قال أبو هريرة: فطمعت أن أكون أنا ذلك الرجل، فغدوت فصليت خلف النبي ﵌، فأقمت في المسجد حتى انصرف الناس وبقيت أنا وهو، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل أسود متزر بخرقة، مرتد برقعة، فجاء حتى وضع يده في يد رسول الله ﵌ ثم قال: يا نبي الله ادع الله لي؛ فدعا النبي ﵌ له بالشهادة وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر، فقلت: يا رسول الله أهو هو؟ قال: "نعم! إنه لمملوك لبني فلان".قلت: أفلا تشتريه فتعتقه يا نبي الله؟ قال: "وأنى لي ذلك، إن كان الله تعالى يريد أن يجعله من ملوك الجنة يا أبا هريرة، إن لأهل الجنة ملوكاً وسادة، وإن هذا الأسود أصبح من ملوك الجنة وسادتهم. يا أبا هريرة ... " الحديث. وزاد بعده: قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران

стр. 1034

عليه ... إلى آخر القصة، وفيها طول لا حاجة بنا إلى ذكرها. قلت: وهذا إسناد ضعيف مظلم منقطع؛ الضحاك بن مزاحم، قال الحافظ العلائي في "مراسيله " (ص ٢٤٣) وقد ذكر الضحاك هذا: "وقال أبو حاتم: لم يدرك أبا هريرة ولا أبا سعيد ﵃. وقال ابن حبان: أما رواياته عن أبي هريرة، وابن عباس وجميع من روى عنه، ففي ذلك كله نظر". قلت: والسند إليه لا يصح؛ فيه ثلاثة ليس لهم ذكر في شيء من كتب التراجم التي عندي، وهم: الوليد بن إسماعيل، ومحمد بن إبراهيم، ونوفل بن عبد الله؛ فلم يترجمهم البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حبان، ولا الذين جاءوا من بعدهم، اللهم! إلا الأول منهم؛ فقد ذكره المزي في شيوخ سلمة بن شبيب. أقول: ومع جهالة هؤلاء والانقطاع المشروح آنفاً، لم يتورع السيوطي أن يقول في "اللآلئ" (١/ ٤٥١): "وسنده لا بأس به "! والعجيب حقاً أن ابن عراق في "التنزيه " (٢/ ٣٦) أقره على ذلك، ولم يتعقبه بشيء! وليتأمل القارئ اللبيب الفرق بين السيوطي وقوله هذا، وبين قول الحافظ الذهبي وقد ساق من هذا الحديث بعضه في كتابه "السير" (٤/ ٢٧ - ٢٨): " وهذا سياق منكر، لعله موضوع ". وقد أورده ابن الجوزي في موضوعاته " (٢/ ٤٣ - ٤٤) من رواية ابن حبان، وهذا في "الضعفاء" (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨) من طريق محمد بن أيوب عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: بينما النبي ﵌ بفناء الكعبة إذ نزل عليه جبريل فقال: "يا محمد! إنه سيخرج من أمتك رجل يشفع، فيشفعه الله في عدد ربيعة ومضر، فإن أدركته؛ فسله الشفاعة

стр. 1035

لأمتك، قال ﵌: «اجبريل! ما اسمه وما صفته؛ قال: أما اسمه فأويس ... ». قال ابن حبان: "فذكر حديثاً طويلاً في ورقتين، وهو باطل لا أصل له عن رسول الله ﵌، ولا ابن عمر أسنده، ولا نافع حدث به، ولا مالك رواه. ومحمد بن أيوب يضع الحديث على مالك ". وأقره ابن الجوزي؛ ولكنه قال فأفاد: "وقد وضعوا خبراً طويلاً في قصة أويس من غير هذه الطريق؛ وإنما يصح عن أويس كلمات يسيرة جرت له مع عمر، وأخبره رسول الله ﵌ فقال: «يأتي عليكم أويس، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل»، فأطال القصاص وأعرضوا (كذا) في حَدِيثِ أويس بما لا فائدة في الإطالة بذكره". قلت: وحديث ابن عمر هذا قد ساقه بطوله ابن عساكر (ص ٢٠٨ - ٢١٠) من طريق محمد بن أيوب نفسه، وليس فيه حديث الترجمة، ولا في غيره من طرقه الكثيرة المختلفة عند ابن عساكر سنداً ومتناً، طولاً وقصراً، لكن فيه-مع الطول البالغ فيه- جملتان استنكرتهما جداً: الأولى: قول علي لأويس: "إنا نسألك بحق حرمنا هذا إلا أخبرتنا باسمك" .. فإنه توسل بمخلوق، وهو غير مشروع كما هو معلوم. "الضعيفة" (١٣/ ١/٥٩٥ - ٥٩٩). [٢٣٤] باب أقسام التوسل المشروع وحكم التوسل غير المشروع سؤال: فضيلة الشيخ! سائل يسأل يقول: ما هو التوسل المشروع، وما قولكم في التوسل بجاه النبي ﵌، وما صحة الأحاديث التي وردت في التوسل بذات النبي ﵌ حيًا وميتًا؟

стр. 1036

الشيخ: هذا بحث جديد، ولا أظن أنكم تصبرون عليه لا لرغبتكم عن العلم وإنما لشرطكم أن تسمعوا الجواب عما يمكن الجواب عنه وعن بقية الأسئلة، ولذلك فأنا سأوجز الجواب عن هذا السؤال بقدر ما أستطيع، فإن أطلت فلا مؤاخذة، وسلفًا أحيل إلى كتاب لمن كان حديثًا على القراءة والاطلاع إن لم يكن قد اطلع عليه البعض، ألا وهو الذي كنت سميته: "التوسل أنواعه وأحكامه"، وهو كتاب قد طبع مرارًا وتكرارًا. التوسل نوعان: مشروع، وغير مشروع .. عبادة وغير عبادة. أما التوسل المشروع: فهو توسل العبد إلى الله ﵎ باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته ﵎، أو بعمله الصالح، أو بدعاء أخيه المسلم، كما جاء في هذا القسم الأخير الاستسقاء بالصالحين كما فعل عمر بن الخطاب حينما أصيبوا في عام الرمادة، خرج يستسقي فقال: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون»، هذا هو الشرط المذكور، باسم من أسماء الله أو بصفة من صفات، أو بعمله الصالح، أو بدعاء الرجل الصالح، وبخاصة إذا كان من أهل البيت كالعباس عم النبي ﵌. ولعل من المستحسن والمفيد أن نذكركم، وقد لا يكون بعضكم سمع بالحديث الذي فيه مشروعية توسل الداعي إلى الله بعمله الصالح وليس بعمل غيره الطالح، ألا وهو حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال: بينما ثلاثة نفر ممن قبلكم يمشون في فلاة، إذ أصابهم المطر، فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليه، صخرة من الجبل ... سد عليهم طريق الخروج من الغار، فهم في مشكلة لا مغيث لهم إلا الله

стр. 1037

تبارك وتعالى، فلما وجدوا أنفسهم مقبورين في ذلك الغار قال أحدهم: يا هؤلاء! ادعوا الله بأعمالكم الصالحة .. توسلوا إلى الله بعمل لكم صالح لعل الله يفرجها عنكم، فقام أحدهم داعيًا فقال: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وامرأتي، وكان لي صبية صغار أرعى عليهم. وأظنكم تفهمون بدون شرح هذه الكلمات لأنها عربية أصيلة .. كان لي أبوان شيخان كبيران أرعى عليهم، فإذا أردت حلبت فبدأت بأبوي قبل بنيي، فنأى بي ذات يوم شجر فأرحت وقد أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، وجئت للخيام قد قمت على رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون من الجوع عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر .. بقي واقفًا حذرًا أن يوقظ أبويه ليبدأ بهما كما هي عادته، يقول لعل هذا الأفضل لكن لا أريد أن أزعجهما أبدأ إذًا بالصبية الصغار وهم يتضاغون يصيحون جوعًا، إذًا: أبدأ بهما قبل أبوي، عاش هكذا مهلة أتى الصباح، وهذا من تمام تبجيله وتقديره لحق الأبوين على أولاده الصغار، لذلك قال: فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، قال: فاللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء، فانزاحت الصخرة شيئًا قليلًا، لكن لا يستطيعون الخروج. حتى قام الرجل الثاني، فقال: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطلبت منها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار، قال: فتعبت حتى جمعت لها مائة دينار، فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، وقمت عنها وتركت لها مائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا كربة، فانزاحت الصخرة أيضًا شيئًا قليلًا، ولكن لا يستطيعون الخروج. يرون آيات الله واستجابة الله لدعاء عباده الصالحين ... ولكن لما تتم المعجزة بعد حتى يقوم الرجل الثالث ليقول: اللهم إن كنت تعلم إني استأجرت أجيرًا على فرق من أرز، يعني: شيء من أرز، فلما قضى عمله عرضت عليه فرقه فلبث عنده. قال: فلم أزل أزرع هذا الفرق حتى جمعت بقرًا ورعائها، ثم جاءني بعد زمن طويل .. سنين عديدة، والظاهر أن الرجل ألمت به مصيبة أو أصاب قومه جوع، فتذكر أن له عند ذلك الرجل صاحب المزرعة فرق من أرز، فذهب إليه وقال له: يا عبد الله! أعطني حقي، قال: انظر إلى تلك البقر فاذهب وخذها، قال: يا عبد الله! اتق الله ولا تستهزئ بي، إنما لي عندك فرق من أرز، قال: اذهب وخذها فإنما تلك البقر من ذاك الفرق، فذهب فساقها، فاللهم إن كنت تعلم

стр. 1038

أنني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما بقي، ففرج الله عنهم ما بقي وانزاحت الصخرة فخرجوا يتمشون. هذا دليل التوسل الثابت وهو توسل المتوسل إلى الله بعمل صالح توفر فيه الشرطان اللذان سبق ذكرهما في كلمتي الأولى وهي صالح وأنكم ترون الرجل الأول يعنى بخدمة أبيه أكثر من أولاده، والرجل الثاني اشتهى الزنا بالمرأة الغريبة عنه، فلما ذكرته بالله تذكر وانتهى، وذاك الرجل الغني لم يطمع بالرغم أنه استغل ذلك الفرق فجمع منه مالًا كثيرًا فلم يستغل هذا المال لصالح نفسه، بل أعاده إلى صاحب الأصل ألا وهو الفرق، فهذه بلا شك أعمال صالحة جليلة، ثم قالوا في توسلهم: إن كنت تعلم أننا فعلنا ذلك ابتغاء مرضاة الله، وهذا هو الإخلاص، ولذلك استجاب الله لهم وأنقذهم من ذلك الضيق الذي ألم بهم لا يقدر على

стр. 1039

تفريج كربهم هذا إلا الله ﵎. أما غير هذه التوسلات الأربعة: التوسل باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفات الله، أو بعمل الداعي الصالح، أو التوسل بدعاء الرجل الصالح، ما سوى ذلك من التوسلات فكلها من محدثات الأمور، وطالما سمعتم قول الرسول ﵊ في بعض خطبه: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» وشر البدع ما كان منها يؤدي إلى إشراك بالله ﵎. وبعض هذه التوسلات المبتدعة غير مشروعة كثيرًا ما يختلط بها ما هو الشرك الأكبر، كقولهم: اللهم إني أسألك بحق فلان وبحق فلان .. بجاه نبيك أو بنحو ذلك؛ لأن هذا التوسل يُشعر أن هذا المُتوسِل يعتقد أن المتوسَّل به له تأثير على الله ، وأن الله ليس يفعل ما يشاء كما نص القرآن .. إن الله يفعل ما يشاء: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (الإنسان: ٣٠) بل بعض هؤلاء المتوسلين يشعرون أنفسهم بأن لصاحب الجاه تأثيرًا على الخالق للناس أجمعين، والدليل على ذلك كما جربنا كثيرًا وناقشنا فيهم أي: العامة وبعض الخاصة، يقولون في إنكارهم علينا حينما ننكر عليهم التوسل المبتدع بغير هذه التوسلات الأربعة، يقولون يضربون مثلًا وبئس المثل: أليس إذا كان لأحدنا حاجة عند ملك أو وزير أو أمير أنه لا بد من أن يقدم إليه واسطة لنقضي حاجتنا، نقول: نعم هكذا الناس، ولكن هل هذا مدح لذاك الأمير أو الوزير أو الملك أم هو قدح؟ فكنا نقول: ما رأيك في عمر بن الخطاب الذي ضرب به الكفار مثلًا للحاكم العادل فسموه: بالحاكم الديمقراطي زعموا لعدالته في شعبه، فهل كان عمر أهدى سبيلًا من هؤلاء الأمراء الذين تضرب المثل بهم لله

стр. 1040

تبارك وتعالى فتقولون: كما أننا نتوسل إلى هؤلاء بالواسطة فنحن أيضًا نتوسل إلى الله بالواسطة، ما رأيكم عمر خير أم هؤلاء الذين لا يقضون الحاجة إلا بواسطة، مساكين ضالين تائهين لا يعرفون ما يليق بالله وما لا يليق كان، فما يسعهم إلا أن يقولوا: عمر بن الخطاب خير من هؤلاء الأمراء الذين لا يصلون إليهم إلا بالوساطة. فنقول حينئًذ: اتقوا الله ، لو أنكم شبهتم رب العالمين بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لكفرتم؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) فكيف وأنتم قد أبيتم أن تشبهوا الله بالأمير العادل والتشبيه هذا كفر حتى شبهتموه بالظَلَمة من الحكام والأمراء، أفلا تتقون؟! إذا اقترن بالتوسل هذا المعنى وهو شرك في الربوبية وليس فقط بالعبادة، أما إذا تعرى التوسل عن هذا التشبيه للخالق بالمخلوقين فهو بدعة وكفى بذلك تحذيرًا كما سمعتم آنفًا من قوله ﵇: «وإياكم ومحدثات الأمور ... » إلى آخر الحديث. "رحلة النور" (ب٤٢/ ٠٠:٠٨:٣٢) [٢٣٥] باب حكم التوسل بالمخلوق سؤال: فضيلة الوالد حفظكم الله، ما حكم الصلاة خلف بعض الأئمة الذين تقع منهم أعمال شركية، كسؤال الله بجاه النبي، وما شابه ذلك، وجزاكم الله خيرًا. الشيخ: تكلمنا عن هذه المسألة في بعض المجالس. أولًا: لا يجوز المبادرة إلى تكفير بعض أهل البدع لمجرد وقوعهم في شيء

стр. 1041

منها قبل أن تقام حجة العلماء عليهم، لما عُرِف من قواعد الشريعة أن الكفار كفرًا بواحًا لا نحكم لهم بنار إلا بعد أن تقوم حجة الله عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) وكما في قوله ﵊ كما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فإذًا: الذي يدخل النار هو الذي تبلغه الحجة، ورسالة النبي ﵌، ثم لا يُؤمن بها، على هذا علماء المسلمين قاطبة، ولذلك فالسلف الصالح في عقائدهم التي ورثها الخلف عنهم يقولون بصحة الصلاة وراء كل بر وفاجر وبالصلاة على الميت سواء كان برًا أو كان فاجرًا، ولا يكفرون من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله إلا بعد أن تقام حجة الله عليه، إذا عرفنا هذه الحقيقة ورأينا بعض الطوائف الإسلامية قد وقعوا في بدع شركية محضة لا مجال لأن تفسر بغير الشرك، فلا يجوز المبادرة إلى التكفير إلا بعد إقامة الحجة. وأنا أعتقد أن الحجة بالنسبة لكثير من الناس وبخاصة منهم الأعاجم الذين لا يفقهون اللغة العربية، وبخاصة منهم الذين لم يسبق أن هدوا هم أو آباؤهم إلى الإسلام كالأوروبيين والأمريكيين ونحوهم، فهؤلاء ليس من السهل أن يقال: قد أقيمت حجة الله عليهم فهذا هو كلام الله يتلى عليهم ليلًا نهارًا، أنتم تعلمون أن كثيرًا من العرب المسلمين لا يفهمون كلام رب العالمين، فكيف نظن بالأعاجم الكفار، أما هم فهموا القرآن وقامت حجة الله عليهم، هذا أولًا. وثانيًا: أن بعض البدع ليست شركًا، وإنما يمكن اعتبارها خطئًا أو ضلالًا أو بدعة؛ لأن الشرك أمر عظيم كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ

стр. 1042

يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨) والمثال السابق الوارد في السؤال وهو: يتوسلون بجاه النبي ﵌، هذا بلا شك خطأ مخالف للسنة، وهذا له بحث طويل ... [التوسل] بالمخلوق كما كنا نسمع هذا كثيرًا في بلادنا السورية، ولنا مجادلات ومناقشات مع بعض المبتدعة الضالة، فكان أحدهم يعادل القضية بعقله الأعوج المنحرف، فيقول: الإنسان إذا كان له حاجة عند أمير أو وزير، هل يأتيه ويطلب منه حاجته أن يقضيها أم يدخل بينه وبين ذلك الأمير واسطة، فكنا نقول لهم: نعم، لا بد من واسطة، لكن ما رأيك الذي ليس بحاجة للواسطة ويقبل ويفتح بابه لكل الناس أن يخاطبوه وجهًا لوجه، وألا يدخلوا واسطة بينه وبينهم، هل هذا أفضل عندك أم الأمير الذي لا بد من واسطة؟ يفكر قليلًا المسكين ويتبع لضلاله على تردد، لكن لا يسعه أن يقول خاصة حينما أُذَكِّره بعمر بن الخطاب الذي أطلق عليه بعض المعاصرين وكذب: إنه أول ديمقراطي في الإسلام، وهم يعنون بالديمقراطية كما تعرفون: العدالة، عمر بن الخطاب هو أول ديمقراطي بزعمهم، أما أبو بكر وأما الرسول الذي رباهم فلم يكن أول ديمقراطي في حد تعبيره. الشاهد: فحينما نُذَكِّر هؤلاء الضالين بأن عمر بن الخطاب كان يأتيه البدوي ويقول له: يا عمر حاجتي كذا وكذا، ماذا ترى؟ هذا أفضل وإلا هذا الأمير الذي ضربتَ به المثل؟ فلا يسعه إلا أن يقول: إن عمر أفضل، فنقول لهم: يا مساكين يا ويلكم لقد شبهتم رب العالمين بالأمراء الضالين وأبيتم أن تشبهوه بعمر العادل الحكيم، ولو أنكم شبهتموه لكنتم في ضلال مبين؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١) فكيف وأبيتم أن تشبهوه بعمر وشبهتموه بالضللة، ألا يكفيكم هذا تنبيهًا في ضلالكم في توسلكم إلى الله بالنبي عليه

стр. 1043

الصلاة والسلام، فضلًا عن توسلكم بمن دونه مقامًا ومنزلًة فيسقط في أيديهم كما يقال. هذا النوع لا شك فيه أنه شرك أكبر، لكن هناك نوع من التوسل ليس من هذا القبيل إطلاقًا، فقد جاء عن بعض المعروفين بتمسكهم بالكتاب والسنة أنهم جوزوا التوسل بالنبي ﵌ فقط دون كل الأنبياء .. دون كل المخلوقات، تمسكوا بحديث الضرير منهم العز بن عبد السلام، منهم الإمام الشوكاني الذي خالف مذهبه مذهب الزيدية وارتمى إلى الكتاب والسنة ولم يرض بديلهما شيئًا آخر، بل قد روي عن الإمام أحمد إمام السنة أنه قال بالتوسل بالنبي ﵌ وقوفًا منه عند ظاهر حديث الضرير، فهل نقول في هذا النوع الثاني ممن أجاز التوسل وإن كنا لا ندين الله به أنهم ... الشرك أو وقعوا فيه؟ الجواب: لا، إذًا: التوسل بالمخلوقات له حالتان: من توسل مشبهًا الخالق بالمخلوق فهو الكفر بعينه. ومن توسل ظانًا منه أن هذا عليه دليل، هو حديث الأعمى فيخطَّأ ولا يُضلل، فكيف يُكفر، نسأل الله أن يجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مفتونين .. "رحلة النور" (٢٩أ/٠٠:٤٠:٢٦) (٢٩ب/٠٠: ٠٠: ٠٠) [٢٣٦] باب مشروعية التوسل بأسماء الله تعالى، وحرمة التوسل بحق فلان وجاه فلان [سمع النبي ﵌ رجلا يقول في تشهده]: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك

стр. 1044

المنان، يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. فقال النبي ﵌ لأصحابه: «تدرون بما دعا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إذا دعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى». [صححه الإمام ثم قال]: فيه مشروعية التوسل إلى الله تعالى بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته, وهو ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٨)؛ ولا سيما الاسم الأعظم. وقد اتفق العلماء على ذلك؛ لهذا الحديث وما في معناه. وإن ما يؤسف له أن ترى الناس اليوم-وفيهم كثير من الخاصة-لا تكاد تسمع أحداً منهم يتوسل بأسماء الله تعالى؛ بل إنهم على العكس من ذلك يتوسلون بما لم يأت به كتاب ولا سنة, ولم يعرف عن السالفين من الأئمة؛ كقولهم: أسألك بحق فلان, أو جاه فلان, أو حرمة فلان! وقد يحتج أولئك على علمهم هذا بأحاديث بعضها صحيح-كحديث الأعمى, وإن تكلم فيه بعض المتأخرين, فالصواب ما قلناه-, ولكنه لا يدل على ما زعموه-كما بين ذلك العلماء المحققون-؛ والبعض الآخر ضعيف لا يصح, وفيها كثير من الموضوعات؛ كحديث: «لما أذنب آدم ﵊ ... , وفيه قال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي. كما بينت ذلك في تعليقي على «المعجم الصغير» (٢/ ١٤٨) , [و «السلسلة الضعيفة» (رقم ٢٥)].

стр. 1045

ولا أريد التوسع في ذلك الآن, وإنما أردت أن ألفت نظر المسلم البصير في دينه إلى ما يفعله الإحداث في الدين من صرف الناس عن الصحيح الثابت عن سيد المرسلين, وذك مصداق قول بعض الصحابة ﵃: "ما أُحدث بدعه إلا وأُميتت سنة". ومما يتعجب منه أن أكثر علماءنا المتأخرين لا يجيزون لأحدهم مخالفة المذهب, ولو كان معه دليل صريح من الكتاب والسنة! ثم هم يخالفون المذهب بتجويزهم لذلك التوسل المبتدع بدون أي دليل صريح من الكتاب والسنة الصحيحة! أقول: إنهم يخالفون المذهب؛ لأنه قد جاءت نصوص صريحة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه في المنع مما أجازوا؛ فقال أبو حنيفة ﵁: «أكره أن يسأل الله تعالى إلا به».وكذا قال أبو يوسف, وزاد: «وأكره أن يقول: بحق فلان, أو بحق أنبيائك ورسلك». وكُتب المتون مليئة بهذا المعنى. والكراهة إذا أطلقت؛ فهي للتحريم-كما هو معروف عند علمائنا-وقال القُدُوري: «المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق؛ فلا تجوز وفاقاً». فإذن المسألة متفق عليها بين علمائنا, فما بال المنتسبين إلى أبي حنيفة اليوم ينبزون بشتى الألقاب مَن ذهب هذا المذهب الصحيح؛ الموافق للكتاب والسنة, وعمل السلف الصالح ﵃؟! وصدق الله العظيم: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾. "أصل صفة الصلاة" (٣/ ١٠١٩ - ١٠٢١)

стр. 1046

[٢٣٧] باب حرمة التوسل بحق الأنبياء وجاههم وذكر بعض من خالف في ذلك [وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قررها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام]: قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمناً حقاً بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل, فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه, وأعتذر إليه من إساءة الظن به, وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد-مع الأسف- ما رميته به من المداراة. [فذكر ست مسائل ثم قال]: المسألة السابعة: ذهب شارح الطحاوية (ص ٢٣٦ - ٢٣٩) تبعاً لإمامه أبي حنيفة وصاحبيه إلى كراهة التوسل بحق الأنبياء وجاههم. وهذا مما خالف فيه الكوثري إمامه أبا حنيفة رحمه الله تعالى, اتباعاً لأهواء العامة, ونكاية بأهل السنة. كما يعلم ذلك من اطلع على رسالة "محق التوسل" وغيرها. وقد كنت بينت شيئاً من تعصبه واتباعه لهواه في محاولته تقويته إسناد حديث في التوسل فيه من هو ضعيف عنده, كما هو مشروح في الجزء الأول من "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٤) , فليراجعه من شاء. قلت: فهذه سبع مسائل هامة, كلها في العقيدة, إلا الأخيرة منها, قد وجهتها إلى أبي غدة الذي تظاهر بالثناء على شارح "الطحاوية" ووصفه بأنه صاحب "إمامة ملموسة مشهورة", فإذا أجاب بمتابعته له فيها-وهذا ما استبعده على

стр. 1047

كوثريته-فالحمد لله. وإن خالفه فيها, وظل على كوثريته. فقد تبين للناس-إن شاء الله تعالى-أن ثناءه على شارح "الطحاوية" (الإمام) , لم يكن عن اعتقاد وثقة به كما زعم, وإنما ليتخذه سلماً للطعن, بمخرج أحاديثه, وإلا كيف ساغ له أن يسكت عن الشارح في هذه الأخطاء بل الضلالات السبع بزعمه تبعاً لشيخه الكوثري, وعن أخطائه الأخرى الحديثية التي سبقت الإشارة إلى أنواع منها, وينتقدني شاكياً إلى بعض رؤسائه أو المسؤولين هناك-في أمور-لو صح نقده فيها-لا تكاد تذكر تجاه تلك, كماً ولا كيفاً؟! "تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٩ - ٦٠). [٢٣٨] باب حرمة التوسل بجاه النبي ﵌ - [قال يوسف النبهاني في آخر مقدمة «الفتح الكبير»: «وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم، بجاه نبيه الرؤوف الرحيم ... » فعلَّق الإمام قائلاً]: قلت: هذا التوسل غير مشروع، وليس غريباً صدوره من مثل النبهاني وهو الذي يجيز ما هو شر منه ألا وهو الاستغاثة بالأموات، وقد أفصح بنحو ذلك في قوله الآتي: «وأن يحشرني مع مؤلفه في زمرة المقبولين عنده وعند نبيه»، فلم يكفه المسكين أن يطلب من الله أن يكون عنده وحده من المقبولين حتى قرن معه تعالى نبيه ﵌، وقد قال في مثل هذا المقام «أجعلتني لله ندا؟!» فالله المستعان. وقد أنكر هذا التوسل الإمام أبو حنفية وغيره من الأئمة, فمن أراد تحقيق القول في ذلك، فعليه بكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة»، فإنه أجمع كتاب في موضوعه، وأكثره علماً، وفائدةً وتحقيقاً، ولنا بعض تعليقات حول ذلك، في بعض كتبنا، فانظر مثلاً «سلسلة الأحاديث

стр. 1048

الضعيفة» (ج١ ص ٣٢ - ٤٧ طبع المكتب الإسلامي) فقد أوردنا هناك قول الإمام أبي حنفية، وبعض الأحاديث الواهية الموضوعية، التي يحتج بها أمثال النبهاني. "صحيح الجامع الصغير" (١/ ٣٧) [٢٣٩] باب حكم التوسل بجاه النبي ﵌ - السؤال: الجاه، الاستعانة بجاه النبي ﵇ هل يجوز أو لا يجوز؟ الشيخ: يعني أن يقول القائل: يا رب! أسألك بجاه محمد أن تغفر لي مثلاً. مداخلة: نعم. الشيخ: لا ما يجوز؛ لأن كل شيء يتعلق بالمخلوق فهو مخلوق، والتوسل إلى الله بمخلوق لا يجوز، فالله أكبر من ذلك، لكن يتوسل الإنسان بما ثبت في الشرع ولا يزيد على ذلك أبداً. تجد الناس كل الناس وفيهم بعض الخاصة بعض أهل العلم والمشايخ يلهجون في دعواتهم السؤال بجاه محمد، بحق محمد، هل سمعت أحدهم يلهج بالتوسل إلى الله باسم من أسماء الله أو بصفة من صفاته؟ الجواب: لا. مداخلة: أنا حقيقة سمعت كثير. الشيخ: الجواب: لا. كيف سمعت كثير، اعطني شيخ يتوسل عندما يدعي لعامة الناس في المسجد يقول: أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد. مداخلة: أنا بصراحة سمعت هذا الدعاء أكثر من مرة من واحد ...

стр. 1049

الشيخ: لك يا أخي الله يهديك سمعته من واحد، هذا لا يخرق القاعدة الذي نتكلم عنها. مداخلة: لا، لا يخرق القاعدة صحيح. الشيخ: سبحان الله، نحن لم نحكم على أهل السنة بالإعدام، نقول هؤلاء قلة، يعني نحن نقول أنهم بدلاً من أن يلهجوا بالشيء المشهور والثابت في السنة، يلهجوا بالشيء المهجور غير الثابت في السنة، يعني يحققوا الآية التي أنزلها الله في حق اليهود: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٦١)، هذا هو الاستبدال. "الهدى والنور" (٢٢٧/ ٠٠٥٦: ٥٠: ٠٠) [٢٤٠] باب هل يجوز التوسل بأعمال الغير الصالحة ؟ سؤال: مثلاً أنا لو قلت: اللهم إني أتوسل إليك مثلاً في محبتي للشيخ ناصر، أو اللهم إني أتوسل إليك مثلاً في أعمال الشيخ ناصر، يجوز هذا؟ الشيخ: لا، لا يجوز؛ لأن الشيخ ناصر هو فرد من أفراد الأمة .. لكن لو قلت: أتوسل إليك بحبي لمحمد ﵌ فهذا يجوز؛ لأنه مقطوع به، نعم. مداخلة: لو قلت: اللهم إني أتوسل إليك بأعمال الشيخ ابن تيمية الصالحة، ... هل يجوز هذا التوسل؟ الشيخ: أقول لك الآن، كما لو قلت: أتوسل إليك يا رب بأعمال رسول الله هكذا؟ مداخلة: ممكن؟ الشيخ: أقول: سؤالك هكذا؟

стр. 1050

مداخلة: نعم. الشيخ: لا، لا يمكن. مداخلة: بالمحبة لله؟ الشيخ: المحبة تتعلق بك فيجوز؛ لأن هذا عمل صالح. مداخلة: الشيء اللي أعمله أنا أتوسل به. الشيخ: نعم. مداخلة: أما الشيخ ابن تيمية لا أعلم أعماله أنا، ظاهره طيب! ولكن باطنه لا أعلمه. الشيخ: لا لا، أريد أن أقول: هناك فرق بين أن تتوسل بشيء يتعلق بك تتقرب به إلى الله فهو توسل بعمل صالح، أما أن تتوسل بعمل صالح لفلان هذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ (فاطر: ١٨) هذا العمل الصالح هو لصالح ذاك الذي عمله لنفسه، وأنت لا تستفيد منه شيئاً، لو توسلت بأعمال الأنبياء والرسل والصالحين جمعياً ما يفيدك هذا شيئاً .. لكن بعملك الصالح .. بمحبتك لله .. بمحبتك لرسوله .. باتباعك إياه هذا هو التوسل بالعمل الصالح أما عمل غيرك فهذا لا يمكن. مداخلة: وهل يجوز التوسل بمحبة الرسول ﵌؟ الشيخ: نعم. مداخلة: وهل يجوز أن يتوسل بمحبة الله والصالحين، سواء أحياء أو أموات؟ الشيخ: إذا كانوا صالحين يجوز، لكن لا تعين شخصاً لأن المسألة فيها دقة، إذا أطلقت كما فعلت أخيراً فلا بأس. "الهدى والنور" (٨٧/: ٠٠:٤٧:٢٠)

стр. 1051

[٢٤١] باب هل يجوز التوسل بقول القائل: اللهم انصر هذه الأمة إكراماً لمحمد ؟ مداخلة: يقول: بعضهم اللهم انصر هذه الأمة إكراماً لمحمد. وأنا أعرف أن التوسل المشروع قد يكون بصالح الأعمال, «فهل هذا جائز»؟ الشيخ: هذا وإن كان غير وارد فهو لا يدخل في نوع التوسل بالمخلوق وإنما هو يدخل في موضوع التوسل بصفة من صفات الله ﵎، وهذا المعنى هو الذي قيل في حديث على فرض صحته ... «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا»، فاستدل به بعض المبتدعة على جواز التوسل المبتدع، فكان الرد عليهم من وجهين أو من ناحيتين: الأولى: أن الحديث ضعيف لا يصح. والأخرى أنه لو صح فإنما هو توسل باستجابة الله ويعود الحديث حينذاك إلى أنه توسل بصفة من صفات الله، فكذلك يقال في هذه الجملة وإن كانت غير مأثورة. مداخلة: يعني لو قال واحد اللهم انصر هذه الأمة إكراماً لهذه الأمة لا ننكر عليه. الشيخ: لا ننكر عليه، كما لو قلنا بمحبتك لرسول الله ﵌ ونحو ذلك، لكن قد يكون الإنكار من جهة أخرى قد لا يفيد إذا كان المتوسل مبطئاً في العمل، من هذه الناحية فقط يمكن إلفات النظر، أما من حيث العبارة نفسها فلا غبار عليها. " الهدى والنور" (٤٣٧/ ٠١: ٠١: ٠٠)

стр. 1052

[٢٤٢] باب ذكر جملة من شبهات المجوزين للتوسل الممنوع والرد عليها [قال الإمام]: يورد المخالفون في هذا الموضوع [أي موضوع التوسل] بعض الاعتراضات والشبهات، ليدعوا رأيهم الخاطئ، ويوهموا العامة بصحته، ويلبسوا الأمر عليهم، وأعرض فيما يلي هذه الشبهات واحدة إثر واحدة، وأرد عليها رداً علمياً مقنعاً إن شاء الله، بما يقرر ما بينته في الفصل السابق وينسجم معه، ويقنع كل مخلص منصف، ويدحض كل افتراء علينا بالباطل، وبالله تعالى وحده التوفيق، وهو المستعان. الشبهة الأولى: حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄: يحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث انس السابق: (أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون). فيفهمون من هذا الحديث أن توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون. وأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول ﵌ بزعمهم-وتوسله بدلاً منه بالعباس ﵁، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول

стр. 1053

مع وجود الفاضل ليس غير. وفهمهم هذا خاطئ، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة أهمها: ١ - إنّ من القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضاً، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا .. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئاً محذوفاً، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: (كنا نتوسل بـ (جاه) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (جاه) عم نبينا) على رأيهم هم، أو يكون: (كنا نتوسل إليك بـ (دعاء) نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ (دعاء) عم نبينا) على رأينا نحن. ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء. ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي ﵌. ترى هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في دراه، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله ﵌، ثم دعوا ربهم قائلين: (اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث).مثلاً أم كانوا يأتون النبي ﵌ ذاته فعلاً، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق ﵌ طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟ أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقاً في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل

стр. 1054

الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا يستطيع أحد من الخلفيين أو الطُّرُقيين ان يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي ﵌، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون. بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة هو الأمر الثاني، إذ تبين أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي ﵌ إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه ﵌، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم ﵌ ليس غير. ويرشد إلى ذلك قوله ﵎: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ (النساء: ٦٤). ومن أمثلة ذلك ما مر معنا في حديث أنس السابق الذي ذكر فيه مجيء الأعرابي إلى المسجد يوم الجمعة حيث كان رسول الله ﵌ يخطب، وعرضه له ضنك حالهم، وجدب أرضهم، وهلاك ماشيتهم، وطلبه منه أن يدعو الله سبحانه لينقذهم مما هم فيه، فاستجاب له ﵌، وهو الذي وصفه ربه بقوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ (التوبة: ١٢٨ (، فدعا ﵌ لهم ربه، واستجاب سبحانه دعاء نبيه، ورحم عباده ونشر رحمته، وأحياء بلدهم الميت. ومن ذلك أيضاً مجيء الأعرابي السابق نفسه أو غيره إلى النبي ﵌ وهو يخطب الجمعة الثانية، وشكواه له انقطاع الطرقات وتهدم البنيان، وهلاك المواشي، وطلبه منه أن يدعو لهم ربه، ليمسك عنهم الأمطار، وفعل ﵌ فاستجاب له ربه جل شأنه أيضاً.

стр. 1055

ومن ذلك ما روته السيدة عائشة ﵂ حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﵌ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه. قالت: فخرج رسول الله ﵌ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم ... " الحديث، وفيه انه ﵌ دعا الله سبحانه، وصلى بالناس، فأغاثهم الله تعالى حتى سالت السيول، وانطلقوا إلى بيوتهم مسرعين، فضحك الرسول ﵌ حتى بدت نواجذه، وقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله ". فهذه الأحاديث وأمثالها مما وقع زمن النبي ﵌ وزمن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تُبين بما لا يقبل الجدال أو الممارة أن التوسل بالنبي ﵌ أو بالصالحين الذي كان عليه السلف الصالح هو مجيء المتوسل إلى المتوسل به، وعرضه حاله له، وطلبه منه أن يدعو له الله سبحانه، ليحقق طلبه، فيستجيب هذا له، ويستجيب من ثم الله . ٢ - وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس واستعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس أو موظف مثلاً، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالباً. فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان (الوسيط) عندك، ومنزلته لديك اقض لي حاجتي.
следующие страницы →