السُّمُوُّ الرُّوحِيُّ الْأَعْظَمُ
وَالْجَمَالُ الْفَنِّيُّ فِي
الْبَلاَغَة النَّبَوِيَّة
بقلم الأديب الكبير الأستاذ
مصطفى صادق الرافعي
رفع الله قدره ورحمه
(١٨٨٠ - ١٩٣٧م)
تحقيق
وائل بن حافظ بن خلف
عفا الله عنه
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدَِّمة المحقق للطبعة الثانية
رب يسر وأعن يا كريم
إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. مَن يهده اللهُ فلا مضل له، ومَن يضللْ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ ( ﷺ )، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد:
فها هي ذه الطبعة الثانية (١) من تحقيقي لكتاب "السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية" للأديب الأروع، والشاعر الثائر المبدع، صاحب الذوق الرقيق، والفهم الدقيق، الغواص على جواهر المعاني، الضارب على أوتار مثالثها والمثاني (٢)، مصطفى صادق الرافعي (قدس الله سره).
وهذه الطبعة لا تخلو من زيادة في التحقيقات، وتقييد لفوائدَ مستحسنات، وتصويب لما وقع في الطبعة الأولى من هنات يسيرات.
واللهَ أسألُ أن ينفع بها كما نفع بسابقتها، وأن يجزي المؤلف والمحقق والطابع والناشر خير الجزاء. إن ربي لسميع الدعاء.
وكتب
وائل بنُ حافظ بنِ خلف
غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدَِّمة المحقق للطبعة الأولى
الحمد لله وكفى، ((والصلاة والسلام على مَن مَدَّتْ عليه الفصاحةُ رِوَاقها، وشَدَّت به البلاغة نطاقها، المبعوث بالآيات الباهرة والحجج، المنزَّل عليه قرآنٌ عربي غير ذي عوج)) (١)، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فهذا بحث بديع سطره الأديب الأريب الحُذاقيّ اللوذعيّ، واللَّسِن المِصْقَع الحصيف الألمعيّ، والفصيح البارع الحِبْل البَلْتَعيّ ... أبي السامي مصطفى صادق الرافعيّ، رحمة الله عليه.
بدا لنا أن نعيدَ بهاءَهُ، ونجددَ رُواءَهُ؛ ففعلنا وحققناهُ.
стр. 4
وهو خليق بأن يصل ليد كل عربي قارئ، ومَقْمَنَةٌ لأن يُتلى على كل أمي عابئ.
وحسبك دلالة على أهميته ونفاسته أن تعرف الجهدَ المبذولَ فيه من رجل مثل الرافعي (قدس الله روحه ونور ضريحه).
قال الأستاذ محمد سعيد العريان ﵀ في كتابه "حياة الرافعي" [ص٢١٥ - ٢١٦ - ط/ المكتبة التجارية الكبرى - الطبعة الثالثة (١٣٧٥هـ - ١٩٥٥م)]:
((أنشأ الرافعي هذا البحث إجابة لدعوة جمعية الهداية الإسلامية بالعراق؛ لتنشره في ذكرى المولد النبوي (١).
وقد لقي من العناء في إنشاء هذا الفصل ما لا أحسب غيره يقوى عليه.
وحسبك أن تعلم أن الرافعي لم يتهيأ لكتابة هذا
стр. 5
الفصل حتى قرأ "صحيح البخاري" كله قراءة دارس، وأنفق في ذلك بضعة عشر يومًا، وهو وقت قليل لا يتسع للقارئ العجل أن يقرأ فيه "صحيح البخاري" قراءة تلاوة؛ فكيف به دارسًا متمهلاً يقرأ ليتذوق بلاغة الأسلوب ودقة المعنى؟
ولكن ذلك ليس عجيبًا من الرافعي الذي كان يقرأ كل يوم ثماني ساعات متوالية لا يمل، فلا ينهض عن كرسيه حتى يَوْجَعَهُ قَلْبُهُ!
وكتب الفصل بعد ذلك في ثلاثة أيام، ثم دفعه إليَّ لأكتبه بخطي ولم يمله عليَّ، فأنفقت في كتابته ثلاثة أيام أخرى)) ا. هـ.
ولعمري ما إخال الكلمات - مهما كثرت ومهما كان شأن قائلها بلاغة ومقامًا - في الثناء على الرافعي تفي بمعشار حقه وقدره، وَقِدْمًا كان يقال: ((إنما يعرف
стр. 6
الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل)) (١).
والرافعي - بحق - سابق حلبة المقالة الأدبية، والصدر المُقَدَّم لمنشئي عصرنا وإن رغمت أنوف شُمَّخ - تُؤْبَن بالحيف - تريد أن تزحزحه عن الساحة لغرض أو لآخر!
وما قلناه واقع ما له من دافع، وحقيقة حينما أتذكرها تخطر بِخَلَدي عبارةُ الغزاليِّ الخالدة:
((لا أعرف مظلومًا تواطأ الناس على هضمه، ولا زهدوا في إنصافه، كالحقيقة))!.
ألا ليت شعري بأي وجه من دين أو خلق يستجيز منصف متجرد عن الهوى تقديمَ "عُوير"، أو "كُسير"، أو ثالثٍ " دِفْنَاس ما فيه خير"، أو رابعٍ "هِلْبَوث فَدْم"، أو خامس "فَقْفَاقَة رَذْل"، أو سادس "بين يديْ عَدْل" (٢) ... ؟!!
стр. 7
ولكن هكذا الظِّلِّيم المأفون لا يفتأ يأتي بالفواقر والبَهَالِق، والطامات والبوائق .. يخطئ ويزل، ((ويعثر عثرات يَدْمَى منها الأظَلّ، ويدحض دَحْضَات تخرجه إلى سبيل مَن ضل)) (١) ... تراه يصرخ في لِدَاته وأترابه، ويرفع عقيرته بين أتباعه وطلابه: لِيبلغ الشاهد منكم الغائب، وَلْيوصِ السابق منكم اللاحق: لَمَا علمتم من أديب يزعم أن الأدب هو: ((السُّمُو بضمير الأمة)) (٢)، وأن الأديب هو: ((مَن كان لأمته وَلِلُغتها في مواهب قلمه لقبٌ مِن ألقاب التاريخ)) (٣)؛ لتجهزن عليه ولا تتركونه! ولتكونن عونًا لمن ناوأه وإن كان في الأدب
стр. 8
من جنس المنخنقة، والموقوذة، والمتردية والنطيحة! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!!.
وتلك شِنْشِنَة نعرفها مِن أَخْزَمَ، وصدق مَن قال: ((لن ترضى شَانِئَةٌ إلا بِجَرْزَةٍ)) (١)!!
وَأَجْمِلْ بقول أبي الطيب المتنبي:
يُؤْذِي القَلِيلُ مِنَ اللِّئَامِ بِطَبْعِهِ ... مَنْ لا يَقِلُّ كَمَا يَقِلُّ وَيَلْؤمُ
الظُّلْمُ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ ... ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ
وَمِنَ البَلِيَّةِ عَذْلُ مَنْ لا يَرْعَوِي ... عَن جَهِلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لا يَفْهَمُ
فدع عنك الأغماز والطَّغام، والدخلاء والأغتام، والمَوْقَى والهُوج، والرُِّعاع والهَمَج ... واحفظ جيدًا:
стр. 9
((إن لم يكن البحر فلا تنتظر اللؤلؤ، وإن لم يكن النجم فلا تنتظر الشعاع، وإن لم تكن شجرة الورد فلا تنتظر الورد، وإن لم يكن الكاتب البياني فلا تنتظر الأدب)) (١). والسلام.
وخطه بيمينه
أبو عبد الرحمن البحيري
وائل بنُ حافظ بنِ خلف
غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه
كفر الدوار - البحيرة - جمهورية مصر العربية
مساء الأربعاء: ١٤جُمادى الأولى ١٤٣١هـ
٢٨/ ٤/٢٠١٠ م.
*****
стр. 10
وصف البلاغة المحمدية
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [المتوفى سنة ٢٥٥ هـ] في كتابه "البيان والتبيين" (١) واصفًا كلامَ رسولِ اللهِ ﷺ الذي لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة:
((هو الذي قَلَّ عددُ حروفه، وكثر عدد معانيه، وجلّ عن الصنعة، ونزه عن التكلف، وكان كما قال اللهُ ﵎: قل يا محمد!: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦].
فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أهل التقعير، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في
стр. 11
موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي. فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حُفَّ بالعصمة، وشُيّد بالتأييد، ويسر بالتوفيق.
وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام. ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يَبُذُّ الخطبَ الطوالَ بالكلم القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفَلَج إلا بالحق، ولا يستعين بالخِلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز، ولا يلمز، ولا يبطئ، ولا يعجل، ولا يسهب، ولا يَحْصَر.
стр. 12
ثم لم يسمع الناس بكلام قَطُّ أعم نفعًا، ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه؛ من كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كثيرًا ...
قال محمد بن سلام: قال يونس بن حبيب: ((ما جاءنا عن أحد مِن روائع الكلام، ما جاءنا عن رسول الله ﷺ ))
ولعل بعض مَن لم يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلام، يظن أنا تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره!
كلا والذي حرم التزيد على العلماء، وقَبَّح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء! لا يظن هذا إلا مَن ضل سعيُه ا. هـ
[وقال القاضي عياض المالكي ﵀ في كتابه الماتع "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (١/ ٥٦ - ٥٧):
((وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول: فقد كان ﷺ من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل؛ سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف.
أُوتي جوامع الكلم، وخُص ببدائع الحِكَم، وعلم ألسنة العرب. يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله.
ومَن تأمل حديثه وسبره علم ذلك وتحققه)) ا. هـ] (*)
стр. 13
السُّمُوُّ الرُّوحِيُّ الْأَعْظَمُ وَالْجَمَالُ الْفَنِّيُّ فِي الْبَلاَغَةِ النَّبَوِيَّةِ
((أنا لا أعبأ بالمظاهر والأغراض التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر. والقِبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها. فلا أكتب إلا ما يبعثها حية، ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكِّن لفضائلها وخصائصها في الحياة؛ ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها العليا؛ ثم إنه يُخيل إليَّ دائمًا أني رسول لغوي بُعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه ... ))
(مصطفى صادق الرافعي)
تحقيق
وائل بن حافظ بن خلف
عفا الله عنه
стр. 14
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لما أردت أن أكتب هذا الفصل (١) وهممت به، عرضت لي مسألة نظرت فيها أطلب جوابها، ثم قدرت أن يكون أبلغ فلاسفة البيان في أوربا لعهدنا هذا رجلًا يحسن العربية المبينة، وقد بلغ فيها مبلغ أئمتها علمًا وذوقًا، ودرَس تاريخ النبي ﷺ دَرْس الروح لأعمال الروح، وتفقه في شريعته فقْه الحكمة لأسرار الحكمة، واستوعب أحاديثه واعتبرها بفن النقد البياني الذي يبحث في خصائص الكلام عن خصائص النفس؛ وتمثلت أني لقيت هذا الرجل فسألته: ما هو الجمال الفني عندك في بلاغة محمد ﷺ ؟
стр. 15
وماذا تستخرج لك فلسفة البيان منه؟ وما سره الذي يجتمع فيه؟
ولم يكد يَخْطِر لي ذلك حتى انكشف الخاطر عن وجهٍ آخرَ، وذلك أن يكون معنى هذا السؤال بعينه قد وقع في شيء من حديث النفس لأبلغ أولئك العرب الذين رأوا النبي ﷺ ، وآمنوا به، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وقد صحبه فطالت صحبته، لا يفوته من كلامه في الملأ شيء، وخالطه حتى كان له في الإحاطة بأحوال نفسه كبعض التاريخ، فتدبر ما عسى أن يكون سر الجمال في بلاغته ﷺ ، وما مرجعه الذي يرد إليه؟
لو دار السؤال دورتيه في هذه السليقة العربية المحكمة التي رجعت أن تكون فلسفة تشعر وتحس، وفي تلك الفلسفة البيانية الملهمة التي بلغت أن تكون سليقة تدرس وتفكر لما خلص من كلتيهما إلا برأي
стр. 16
واحد تلتقي عليه حقيقة البيان من طرفيها، وهو: أن ذلك الجمال الفني في بلاغته ﷺ إنما هو أثرٌ على الكلام من رُوحه النبوية الجديدة على الدنيا وتاريخها.
وبعد:
فأنا في هذه الصفحات لا أصنع شيئًا غيرَ تفصيلِ هذا الجوابِ وَشَرْحِهِ، باستخراجِ معانيه، واستنباطِ أدلته، والكشفِ عن أسراره وحقائقه؛ ولقد درست كلامَهُ ﷺ ، وقضيت في ذلك أيامًا أتتبع السر الذي وقع في التاريخ القفر المجدب فَأَخْصَبَ به، وَأَنْبَتَ للدنيا أزهاره الإنسانية الجميلة، فكانوا ناسًا إِنْ عِبْتَهُمْ بشيء لم تَعِبْهُم إلا أنهم دون الملائكة؛ وكانوا ناسًا، دارت الكرة الأرضية في عدهم ثلاث دورات: واحدة حول الشمس، وثانية حول نفسها، وثالثة حول أصحاب النبي ﷺ .
стр. 17
ثم تركت الكلام النبوي يتكلم في نفسي ويُلهمني ما أُفصح به عنه، فلكأني به يقول في صفة نفسه: إني أصنع أمة لها تاريخُ الأرضِ مِن بعدُ، فأنا أقبل من هنا وهناك، وأذهب هناك وهنا، مع القلوب والأنفس والحقائق، لا مع الكلام والناس والوقت.
إن ههنا دنيا الصحراء ستلد الدنيا المتحضرةَ التي من ذريتها أوربا وأمريكا؛ فالقرآن والحديث يعملان في حياة أهل الأرض بنورٍ مُتَمِّمٍ لما يعمله نورُ الشمسِ والقمرِ.
وقد كان المسلمون يَغزون الدنيا بأسلحة هي في ظاهرها أسلحةُ المقاتلين، ولكنها في معانيها أسلحة الأطباء؛ وكانوا يحملون الكتاب والسنة، ثم مَضَوْا إلى سبيلهم وبَقِي الكلامُ من بعدهم غازيًا محاربًا في العالم كُلِّهِ حربَ تغيير وتحويل إلى أن يدخل الإسلام على ما
هذا منطلق الحديث في نفسي. وقد كنت أقرؤه وأنا أتمثله مُرْسَلاً بتلك الفصاحة العالية من فم النبي ﷺ حيث يَمُرُّ إعجاز الوحي أولَ ما يخرج به الصوتُ البشري إلى العالم، فلا أرى ثَمَّ إلا أن شيئًا إلهيًا عظيمًا متصلاً بروح الكون كله اتصالَ بعض السر ببعض السر، يتكلم بكلام إنساني هو هذا الحديث الذي يجيء في كلمات قوية رائعة، فنها في بلاغتها كالشباب الدائم.
стр. 20
كنت أتأمله قطعًا من البيان، فأراه ينقلني إلى مثل الحالة التي أتأمل فيها روضة تتنفس على القلب، أو منظرًا يَهُز جمالُه النفسَ، أو عاطفة تَزيد بها الحياة في الدم، على هدوء ورَوْح وإحساس ولذة؛ ثم يزيد على ذلك أنه يصلح من الجهات الإنسانية في نفسي، ثم يرزق الله منه رزق النور فإذا أنا في ذوق البيان كأنما أرى المتكلم ﷺ وراء كلامه.
وأعجب من ذلك أني كثيرًا ما أقف عند الحديث الدقيق أتعرف أسراره، فإذا هو يشرح لي ويهديني بهديه؛ ثم أُحِسُّه كأنما يقول لي ما يقول المعلم لتلميذه: ((أفهمت؟)).
وقفت عند قوله ﷺ : ((إِنَّ قومًا ركبوا في سفينة، فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجلٌ منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟ قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت! فإن أخذوا على يده نجا
فكان لهذا الحديث في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر ويسمون أنفسهم بالمجددين، وينتحلون ضروبًا من الأوصاف: كحرية الفكر، والغيرة، والإصلاح؛ ولا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا وأخلاقنا وآدابنا بفأسه، أي بقلمه ... زاعمًا أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع فيه ما يشاء، ويتولاه كيف أراد، موجهًا لحماقته وجوهًا من المعاذير والحجج، من المدنية والفلسفة، جاهلاً أن القانون في السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه كما يحكم على الأعمال الأخرى؛ بل قبل وقوعه، والعقاب لا يكون على الجرم يقترفه المجرم كما يعاقب اللص والقاتل وغيرهما، بل على الشروع فيه، بل على توجه النية إليه، فلا حرية هنا في عمل يفسد خشب السفينة أو يمسه من قرب أو بعد
стр. 23
ما دامت ملججة في بحرها، سائرة إلى غايتها؛ إذ كلمة (الخرق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، وهنا لفظة (أصغر خرق) ليس لها إلا معنى واحد وهو (أوسع قبر).
ففكِّر في أعظم فلاسفة الدنيا مهما يكن من حريته وانطلاقه، فهو ههنا محدود على رغم أنفه بحدود من الخشب والحديد تفسرها في لغة البحر حدود الحياة والمصلحة، وكما أن لفظة (الخرق) يكون من معانيها في البحر القبر والغرق والهلاك، فكلمة (الفلسفة) يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة والغفلة والبلاهة، وكلمة الحرية يكون من معانيها الجناية والزيغ والفساد (١).
стр. 24
وعلى هذا القياس اللغوي فالقلم في أيدي بعض الكُتَّاب من معانيه الفأس، والكاتب من معانيه المخرب، والكتابة من معانيها الخيانة؛ قال لي الحديث: ((أفهمت؟)).
هكذا يجب تأمل الجمال الفني في كلامه ﷺ ، فهو
стр. 25
كلام كلما زدته فكرًا زادك معنى، وتفسيره قريب، قريب كالروح في جسمها البشري، ولكنه بعيد بعيد كالروح في سرها الإلهي، فهو معك على قدر ما أنت معه، إن وقفت على حد وقف، وإن مددت مد، وما أديت به تأدى، وليس فيه شيء مما تراه لكل بلغاء الدنيا من صناعة عبث القول، وطريقة تأليف الكلام، واستخراج وضع من وضع، والقيام على الكلمة حتى تبيض كلمةً أخرى، والرغبة في تكثير سواد المعاني، وترك اللسان يطيش طيشه اللغوي يتعلق بكل ما عرض له، ويحذر الكلام على معاني ألفاظه، ويجتلب له منها ويستكرهها على أغراضه، ويطلب لصناعته من حيث أدرك وعجز، ومن حيث كان ولم يكن ..
إنما هو كلام قيل؛ لتصير به المعاني إلى حقائقها، فهو من لسان وراءه قلب، وراءه نور، وراءه الله (جل
стр. 26
جلاله)؛ وهو كلام في مجموعه كأنه دنيا أصدرها ﷺ عن نفسه العظيمة، لا تبرح ماضية في طريقها السوي على دين الفطرة؛ فلا تتسع لخلاف، ولا يقع بها التنافر؛ والخلاف والتنافر إنما يكونان من الحيوانية المختلفة بطبيعتها؛ لقيامها على قانون التنازع تعدو به وتجترم وتأثم، فهي نازلة إلى الشر، والشر بعضه أسفل من بعض؛ أما روحانية الفطرة فمتسقة بطبيعتها، لا تقبل في ذاتها افتراقًا ولا اختلافًا؛ إذ كان أولها العلو فوق الذاتية، وقانونها التعاون على البر والتقوى؛ فهي صاعدة إلى الخير، والخير بعضه أعلى من بعض.
فكلامه ﷺ يجري مجرى عمله: كله دين وتقوى وتعليم، وكله روحانية وقوة وحياة؛ وإنه يخيل إلي وقد أخذت بطهره وجماله أن من الفن العجيب أن يكون هذا الكلام صلاة وصيامًا في الألفاظ.
стр. 27
أما أسلوبه ﷺ فأجد له في نفسي روح الشريعة ونظامها وعزيمتها، فليس له إلا قوة قوة أمر نافذ لا يختلف، وإن له مع ذلك نسقًا هادئًا هدوء اليقين، مبينًا بيان الحكمة، خالصًا خلوص السر، واقعًا من النفس المؤمنة موقع النعمة من شاكرها.
وكيف لا يكون كذلك وهو أمر الروح العظيمة الموجهة بكلمات ربها ووحيه؛ ليتوجه بها العالم كأنه منه مكان المحور: دورته بنفسه هي دورته بنفسه وبما حوله، روح نبي مصلح رحيم، هو بإصلاحه ورحمته في الإنسانية، وهو بالنبوة فوقها، وهو بهذه وتلك في شمائله وطباعه مجموع إنساني عظيم لو شبه بشيء لقيل فيه: إنه كمجموع القارات الخمس لعمران الدنيا.
ومن درس تاريخه ﷺ وأعطاه حقه من النظر والفكر والتحقيق، رأى نسقًا من التاريخ العجيب كنظام فلك
стр. 28
من الأفلاك موجَّه بالنور في النور من حيث يبدأ إلى حيث ينتهي.
فليس يمتري عاقل مميز أن هذه الحياة الشريفة، بذلك النظام الدقيق، في ذلك التوجه المحكم - لا يطيقها بشر من لحم ودم على ناموس الحياة إلا إذا كان في لحمه ودمه معنى النور والكهرباء على ناموس أقوى من الحياة.
ولم يكن مثله ﷺ في الصبر والثبات واستقرار النفس واطمئنانها على زلازل الدنيا، ولا في الرحمة ورقة القلب والسمو فوق معاني البقاء الأرضي.
فهو قد خُلق كذلك؛ ليغلبَ الحوادث ويتسلط على المادة؛ فلا يكون شأنه شأن غيره من الناس: تدفنهم معاني التراب وهم أحياء فوق التراب، أو يحدّهم الجسم الإنساني من جميع جهاتهم بحدود طباعه ونزعاته؛ وبذلك فقد كان
стр. 29
(﵊ منبعَ تاريخ في الإنسانية كلها دائمًا، ولرأس الدنيا نظام أفكاره الصحيحة.
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوا الْمَبِيتَ (١) إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ
فَخَرَجُوا يَمْشُونَ)) (١).
انتهى الحديث.
وأنا فلست أدري، أهذا هو النبي ﷺ يتكلم في الإنسانية
стр. 36
وحقوقها بكلامٍ بَيِّنٍ صريحٍ فلا فلسفة فيه، يجعل ما بين الإنسان والإنسان من النية هو ما بين الإنسان وربه من الدين؛ أم هي الإنسانية تنطق على لسانه بهذا البيان العالي، في شعر من شعرها ضاربة فيه الأمثال، مشيرة فيه إلى الرموز، واضعة إنسانها بين شدة الطبيعة ورحمة الله، محكمة عناصر روايتها الشعرية، محققة في بيانها المكشوف أغمض معانيها في فلسفة الحاسة الإنسانية حين تتصل بأشيائها فتظهر الضرورة البشرية وتختفي الحكمة، وفلسفة الروح حين تتصل بهذه الأشياء ذاتها فتظهر الحكمة وتختفي الضرورة، مبينة أثر هذه وتلك في طبيعة الكون، مقررة أن الحقيقة الإنسانية العالية لن تكون فيما ينال الإنسان من لذته، ولا فيما ينجح من أغراضه، ولا فيما يقنعه من منطقه، ولا فيما يلوح من خياله، ولا فيما ينتظم من قوانينه؛ بل هي السمو على هذه الحقائق الكاذبة كلها، وهي الرحمة التي تغلب على
стр. 37
الأثرة فيسميها الناس بِرًّا، والرحمة التي تغلب على الشهوة فيسميها الناس عفةً، والرحمة التي تغلب على الطمع فيسميها الناس أمانةً؛ وهي في ضبط الروح لثلاث من الحواس: حاسة الدعة التي يقوم بها حظ الخمول، وحاسة اللذة التي يقوم بها حظ الهوى، وحاسة التملك التي يقوم بها حظ القوة.
وتَزيد الإنسانية على ذلك في نسق شعرها أنها تثبت أن الْبِرَّ من العفةِ والأمانةِ هو على إطلاقه كالأساس لهما؛ فمن نشأ على بر أبويه كان خليقًا أن يتحقق بالعفة والأمانة، وأن العفةَ من الأمانةِ والْبِرِّ هي مساكهما وجامعتهما في النفس، وأن الأمانةَ من الْبِرِّ والعفةِ هي كمالُ هذه الفضائل، وكلهن درجات لحقيقة واحدة، غير أن بعضها أسمى من بعض في الشأن والمنزلة، وبعضها طريق لبعض يجر سبب منها سببًا منها، وأن الرحمة الإنسانية التي هي وحدها الحقيقة الكبرى إنما
стр. 38
هي هذا الحب، بادئًا من الولد لأبويه، وهو الحب الخاص؛ ثم من المحب لحبيبته، وهو الحب الأخص، ثم من الإنسان للإنسانية، وهو الحب مطلقًا بعمومه وبغير أسبابه الملجئة من الحاجة والغريزة؛ وهي درجات كدرجات الحياة نفسها من طفولتها إلى شبابها إلى الشيخوخة، ومن العاطفة إلى الرغبة إلى العقل.
ثم إنه ما دام كمال الفضيلة هو الأمانة، فما قبلها أنواع منها؛ فبر الولد أمانة الطبع المتأدب، وعفة المحب أمانة القلب الكريم، والثالثة أمانة الخلق العالي، وهي أسماهن؛ لأنها لن تكون خلقًا ثابتًا إلا وقد خضع لقانونها الطبع والقلب، ودخل في أسبابها الأدب والكرم؛ فالأمانة الكاملة في هذه الفلسفة هي الأمانة للإنسانية العامة المتصلة بالمرء من أبعد جهاته، دون الإنسانية الخاصة بكل شخص من أب، أو أم، أو قريب؛ ودون التي هي أخص وهي إنسانية الحب.
стр. 39
ونرى في لفظ الحديث أن كل رجل من هؤلاء الذين مثلوا رواية الإنسانية الفاضلة في فصولها الثلاثة، لا يقول إنه فعل ما فعل من صالح أعماله إلا (ابتغاء وجه الله)، وقد تطابقوا جميعًا على هذه الكلمة، وهي من أدق ما في فلسفة الإنسانية في شعرها ذلك، فإن معناها أن الرجل في صالح عمله إنما كان مجاهدًا نفسه، يمنعها ما تحرص عليه من حظها أو لذتها أو منفعتها، أي: منخلعًا من طبيعته الأرضية المنازعة لسواها، المنفردة بذاتها، متحققًا بالطبيعة السماوية التي لا يرحم الله عبدًا إلا بها، وهي: رحمة الإنسان غيره (١)، أي: اندماجه
стр. 40
باستطاعته وقوته، وإعطاؤه من ذات نفسه، ومعاونته كف أذاه.
والحديث كالنص على أن هذه الرحمة في النفس هي الدين عند الله، لا يصلح دين بغيرها، ولا يقبل الله صرفًا ولا عدلًا من نفس تخلو منها؛ وإذا كانت بهذه المنزلة، وكانت أساس ما يفرض على الإنسان من الخير والحق، فهي من ذلك في معنى الحديث أساس ما يصلح هذه الإنسانية من الشر والباطل؛ وبهذا كله تكون الغاية الفلسفية التي ينتهي إليها كلامه ﷺ ، أنَّ تنشئة الناس على البر والعفة والأمانة للإنسانية هي وحدها الطريقة العملية الممكنة لحل معضلة الشر والجريمة في الاجتماع البشري. وانظر كيف جعل نهاية السمو في رحمة المال الذي يصفونه بأنه شقيق الروح، فكأن الإنسان لا يخرج فيها لغيره من بعض ماله، بل ينخلع من بعض روحه؛