Полный текст (947 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
بيان أهمية العمل بالعلم
والعبد بحاجة إلى أن يتعلم، وإلى أن يقرن هذا العلم بالعمل الصالح، ويزينه بالإخلاص لله ﵎، ويتوج هذا العلم والعمل والإخلاص بالصدق لله ﵎ فيه، ونحن إذا أردنا أن نحول علمنا وطلبنا للعلم من مجرد اجتماع وتأثر وقتي فلنجتهد ولنصدق في ذلك.
стр. 247
وسائل العلم
أيها الطالب علماً ائت حماد بن زيد فاستفد علماً وحلماً ثم قيده بقيد وهكذا يكون طلب العلم، فليس طلب العلم أن تفتح كتباً فتقرأ فيها فحسب، ولا أن تحشو عقلك ورأسك بمعلومات فحسب، وإنما طلب العلم كما قال الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وإخلاص وصدق وبلغة وصحبة أستاذ وطول زمان فلابد لكي تطلب العلم إلى أن تتحلى بهذه الأمور: ذكاء وإخلاص وصدق وبلغة، وهذه هي إمكانات العلم، وصحبة أستاذ وطول زمان، فصحبة الأستاذ تتعلم منها الأدب قبل العلم، وكيف يكون علمك هذا حجة لك لا عليك، وكيف تجعل هذا العلم نبراساً يضيء لك طريقك، فكم رأينا من علماء صار علمهم وبالاً عليهم، وكم رأينا من علماء استعملوا آلة الدين للدنيا، وكم رأينا من علماء أكبوا على وجههم والعياذ بالله في النار، وقد كان من المفروض أن يقودهم علمهم إلى جنة الله تعالى.
стр. 248
فضل العلم وأهمية الصدق فيه
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فيسعدني في هذا اليوم أن أجلس بين إخواني ومشايخي لكي أشارك معهم وقد شاركنا من قبل، وكلما تجددت علينا هذه المجالس ازددنا بذلك غبطة وفرحة، وازداد رجاؤنا في الله ، حيث نرى كل يوم ونسمع ونشهد إخواناً لنا يطلبون العلم ويجلسون أمام العلماء، فإن في ذلك صحوة للأمة، وهي ثمرة ما يبذله مشايخنا الأفاضل وعلى رأسهم أستاذنا وشيخنا الدكتور سيد حسين العفاني الذي ما كنت لأجرؤ أن أتكلم بين يديه، ولكن كما كان منهج سلفنا رضي الله تعالى عنهم، فقد كان عكرمة يتكلم بين يدي عبد الله بن عباس ﵁، حتى إذا أخطأ أو مال عن الصواب أرشده وبين له.
إن موضوع الصدق له أهميته ومكانته؛ ذلك أننا لا نستطيع أن نطلب العلم إلا بالصدق، ونحن نسمع كثيراً عن فضل العلم، ويكفي في ذلك قول النبي ﷺ : (العلماء ورثة الأنبياء)، فهذا من أعظم الفضل والشرف أن يكون الإنسان وريث الأنبياء يحمل العلم من بعدهم.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
ولكن هذا العلم لكي نتحصل عليه وننال هذا الشرف لابد فيه من الصدق.
стр. 249
بيان شمولية معنى الصدق والكذب
وبعض الناس يظن أن الصدق هو مجرد الصدق في الكلام والحديث، أي: أنك عندما تتكلم لا تكذب، وهذا أحد جوانب الصدق وأحد أقسامه، بل ربما يكون أقل أقسامه، وإن كان المتخلف عنها في عداد المنافقين، وهناك أقسام أخرى للصدق: من ذلك الصدق في الإخلاص، فقد يدعي الإنسان الإخلاص وهو كاذب في إخلاصه، والدليل على ذلك: حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، (فيؤتى بأحدهم فيسأله الله ويعرفه نعمه فيعرفها، فيقول: ماذا عملت؟ فيقول: قرأت فيك القرآن وتعلمت العلم وعلمته، فيقول الله: كذبت).
والكذب هنا ليس كذباً في الكلام ولكنه كذب في الإخلاص، فهو حقاً قد قرأ القرآن وتعلم العلم وعلمه، لكنه لم يفعل ذلك لله ، ولكنه قرأ ليقال: قارئ، وتعلم ليقال: عالم، وقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار.
ثم ذكر بقية الثلاثة وفيهم الجواد الكريم الذي يقول له الله : كذبت؛ إنما أنفقت ليقال: جواد، وفيهم المقاتل في سبيل الله الذي يقول له الله : كذبت؛ إنما قاتلت ليقال: شجاع وجريء، فقد قيل.
стр. 250
الصدق في العزم وطلب العلم
وهناك الصدق في العزم، مثل أنس بن النضر عندما صدق في عزمه، والله عز جل ذكر الذين يعاهدون الله ولا يصدقون في عهدهم، فقال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٧] أي: كانوا في عهدهم كاذبين، وفي عزمهم غير صادقين.
فينبغي لمن أراد أن يطلب العلم أن يكون صادقاً مع الله ، فيترك كل شيء من أجل العلم، وهذا يحتاج إلى عزيمة قوية وقرار حاسم، وعندما نتكلم عن طالب العلم لا نقصد بأنك تجلس وتذاكر وتحفظ وتتعلم وتعرف التفسير فقط ثم لا تعرف موعظة توسع بها صدرك، وتنشط بها رجاءك، وتجدد بها نشاطك، ولكننا نريد الثمرة، فنحن محتاجون إلى علماء للأمة يأخذون بيدها إلى الرشاد والحق والهدى، فأين هذه الثمار؟ وأين البذل لله ؟ فلا ينفع أن تأتي وتسمع محاضرة مدة ساعة أو ساعتين ثم تذهب وتنام، بل لابد أن تكون حياتك كلها للعلم، والعلم لا ينال براحة الجسم، وأما إرادة بعض العلم والتعذر بأنك لست فارغاً أو عندك أشغال أو أتعبك العيال فهذه كلها معاذير، فلماذا لا تعكس المسألة وتقول: عندي درس علم، ولست فارغاً للذهاب في المشاوير؛ من أجل درس العلم، ولست فارغاً لمقابلة الضيوف؛ من أجل درس العلم، ولست فارغاً لأن أفسح على العيال؛ من أجل درس العلم؟! فلماذا جعلنا العلم بل جعلنا أعمالنا كلها التي هي مع الله على هامش الحياة، فبعد أن نأكل ونشرب وننام ونتكلم ونصاحب ونمزح ونمرح بعد ذلك نفكر أننا نمسك المصحف ونقرأ، ونفكر أننا نمسك كتاب صحيح مسلم ونحفظ منه حديثاً، أو نفكر أننا نتعلم مسألة من مسائل الفقه؟! والله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وأبو هريرة لما كانوا ينكرون عليه كثرة الحديث قال: كنت أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، يعني: كان أهم شيء عنده أن يتعلم من النبي ﵊.
وكان السلف يذلون أنفسهم من أجل العلم، فـ عبد الله بن عباس -وهو من هو شرفاً ومكانةً وابن عم رسول الله ﷺ يقول: كنت آتي هذا الحي من الأنصار لما أعلم ما عندهم من العلم، فأقيل عند باب أحدهم وإني لأعلم أني لو استأذنته لأذن لي.
وكان يفعل ذلك ليطيب بها نفسه، ويرقق بها قلبه.
فكانوا يذلون أنفسهم بصدق في العلم.
والإمام الشافعي الذي تربى يتيماً يقول: كنت يتيماً في حجر أمي، وكانت لا تجد ما تعطيه المعلم.
وهذه العادة موجودة حتى الآن في الريف، فالشيخ الذي يحفظ الأطفال في الكتاب منهم من يعطيه خبزاً، ومنهم من يعطيه دقيقاً، ومنهم من يعطيه أشياء يعيش بها، فكانت أم الشافعي لا تجد ما تعطي المعلم.
قال: فرضي مني أن أخلفه في مجلسه، يعني: ينظف المجلس بعدما يقوم المدرس ويمسحه، حتى حفظ كتاب الله ، ثم جلس في مجالس العلماء، قال: فكنت لا أجد ما أشتري به القراطيس -يعني: الأوراق التي يكتب فيها- فكنت أذهب إلى المزابل فإذا وجدت عظماً يلوح أخذته فكتبت عليه، حتى إذا امتلأ جعلته في جرة لنا قديمة، هذا هو الإمام الشافعي الذي مات وله خمسون سنة وقد ملأ علمه الآفاق، وهو أول من علم الناس علم أصول الفقه، وصنف كتاب الرسالة.
وكان عمر بن عبد العزيز يذهب إلى العلماء فمنهم من يدخله ومنهم من يرجعه.
فكانوا يذلون أنفسهم بصدق في العلم، وكانوا يقولون: من طلب الحديث أفلس، ولا ينال العلم إلا بالفقر، يعني: أنك تفتقر من كثرة الطلب ومن كثر الإنفاق، فإذا علمت أن منزلة العالم منزلة عظيمة عند الله فينبغي عليك أن تنفق كل غال ورخيص من أجل أن تنال هذا العلم.
стр. 251
تفضيل العلماء على المجاهدين
ويكفي أهل العلم شرفاً أنه عندما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مكانة العلماء في طبقات المكلفين ذكر مسألة وهي: هل العلماء أعظم منزلة أم المجاهدون؟ وكلنا يعلم منزلة المجاهد عند الله ، وانتهى في بحثه وتحقيقه إلى أن العالم أفضل مكانةً من المجاهد، فإذا كانت الأبواب مغلقة تمنعك من الذهاب للجهاد ونصرة إخوانك في كل مكان فهناك أبواب مفتوحة فجاهد فيها، ومنزلتها أعظم، ولعل الله يغير على يديك وبعلمك من يقود الأمة، فربما يقعد طفل صغير بين يديك لتعلمه وترشده وتثبته على طريق الحق، فيكون سبباً لهداية الأمة.
ونحن نذكر قصة الغلام الذي هداه الله على يد راهب، فكان هذا الغلام سبباً لهداية الأمة كلها، حتى قال له الراهب: أي بني! إنك اليوم صرت أعظم مني وأفضل.
وهذا دليل على صدق هذا الرجل في تعليمه للغلام، ولم يدخله غيرة ولا حسد، ولكنه قال للغلام: أنت اليوم أفضل مني.
ولا يتسع الوقت لأن نحكي هذه القصص، فكلها والحمد لله قصص مشهورة، ولكن هذا الغلام كان سبباً هدى الله الناس على يديه بعدما وصل الأمر إلى الملك، ثم كان ما كان حتى قال الناس جميعاً: آمنا برب الغلام.
فأبواب الخير عند الله كثيرة، ولا تدري من أي باب ينصر الله دينه، فرب طفل صغير أو إنسان يتعلم على يديك يكون سبباً لنجاة الأمة، ويكون سبباً لفتح باب الجهاد في سبيل الله ، فلا تترك أنت هذا الباب، وباب العلم مفتوح والحمد لله، وكتب العلم كثيرة، والعلماء بين يديك فاجلس واطلب العلم.
وقد استدل ابن القيم في تحقيقه أن العلماء أعظم منزلة من المجاهدين بقوله ﷺ : (العلماء ورثة الأنبياء)؛ لأن الذي يرث الميت أقرب الناس إليه، فهم أقرب الناس إلى النبي ﷺ ؛ لأنهم ورثوا العلم، وقال ﷺ : (وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم).
قال: وأيضاً فإن العالم في جهاد مستمر لا كالمجاهد في المعركة، بل حتى وهو نائم يجاهد، فحياته كلها في جهاد مع أهل البدع والفرق، ومع أهل الملل والنحل، فيرد الشبهات عن الأمة ويدفعها عنها.
وقد كانت الشبهات من قريب عن اللحية والنقاب والسواك، ولكن كثر الكلام الآن، فهم الآن يتكلمون في أصول الدين، وفي العقائد، وفي مصادر الإسلام، ويتكلمون عن البخاري ومسلم، وعن كتب السنة التي هي الأصول، ويتكلمون عن الشرائع، وعن الحج، كالذين يقترحون على الناس أن يقسم يوم عرفة على سبعين يوماً؛ من أجل الزحام.
ومنهم من يحاول أن يمنع الناس من أداء الحج والعمرة؛ بحجة أن هذه الأموال التي تنفق صرفها على الفقراء والمرضى أولى، ومن ثم لا يضيع اقتصاد الأمة، حيث تنفق في هذه الرحلة أكثر من مليار، ونحن محتاجون لها؛ إذ علينا ديون، ونسي حديث النبي ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب)، ومن غير العلماء سيدفع عن الأمة هذه الشبهات إذا كان كل أحد فيها همه جمع الأموال ولا يشبع من المال الذي يجمعه، وكما قال النبي ﵊: (لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى أن يكون له ثانٍ، ولو كان له واديان لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب).
وإذا رزقت القناعة فهذا هو الكنز الذي لا يفنى، فإنك إذا رزقت القناعة فلقمة من كسرة تكفيك، وإن لم ترزق القناعة فمال الأرض كله لا يكفيك، وستظل ترى الفقر أمام عينك.
ومن الشبهات: أن هناك من يقول: إن الهندوس بشر مثلنا، ولهم دين مثل ما لنا نحن دين، ولهم رب يرحمهم مثل ما لنا نحن رب يرحمنا، مع أنهم يتكلمون في العقائد وفي المسائل التي نقول عنها: إنها معلومة من الدين بالضرورة، ويعلمها العامي والعالم والصبي والصغير والكبير.
إذاً: فلابد من الصدق في طلب العلم، وبذل كل أوقاتنا وحياتنا في سبيله.
إن مجيئك إلى المسجد نعمة كبيرة جداً وفضل من الله واصطفاء واختيار منه ، فربنا اصطفاك من وسط هؤلاء الناس جميعاً لأن تكون في المسجد في طاعة لله .
أسأل الله أن يرزقني وإياكم الصدق في القول والعمل، وأن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 252
بيان ضرورة العلم لكل عمل
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبها يرتفع العبد في الدرجات، الحمد لله الذي من علينا وجمعنا في بيته الكريم الطاهر، أما بعد: فإن طلب العلم ضرورة لكل عمل، فأنت إذا أردت أن تدعو الناس إلى الله فلابد أن تكون على علم، وإذا أردت أن تستقيم على طريق الله فلابد أن تكون على علم، وإذا أردت أن تجاهد في سبيل الله فلابد أن تكون على علم، وكل عمل تعمله فلابد وأن يكون على علم وعلى نور يضيء لك الطريق؛ حتى لا تريد طاعة الله فتقع في معصيته.
وقد قال بعض السلف: إنك إذا لم تحسن أن تتقي لقيتك امرأة فنظرت إليها ووقعت في الحرام، وإذا لم تحسن أن تتقي أكلت الربا، وإذا لم تحسن أن تتقي وضعت سيفك على عاتقك، يعني: قاتلت به المسلمين.
فأنت إن لم تتعلم فكيف تحيا بالدين، وكيف تعيش لله ﵎، فستقع ولاشك فيما يغضب الله .
стр. 253
أهمية التدرج في طلب العلم
كان سلفنا الصالح يبدأون بصغار العلم قبل كباره، ونحن نريد أن نخرج من تلك الحالة السيئة التي يعيشها أغلب الملتزمين أو أغلب المتدينين، حيث إنه يأخذ علمه نتفاً ينتفها من الكتب، فقد يروق له هذا الكتاب تارة فيأخذ منه صفحة أو صفحتين أو غير ذلك، ثم ينتقل إلى غيره، ثم إلى ثالث وإلى رابع، ويكون حاله كحال ذلك الرجل الذي قص علي بعض إخواني مثله، قال: إنه منذ ثلاثين عاماً يتعلم لكنه ما حصل شيئاً، فقيل له: كيف ثلاثون عاماً وما حصلت شيئاً؟! قال: إن مثلي كمثل رجل أراد أن يحفر بئراً ليتحصل على الماء، وكان الماء مثلاً على مسافة عشرة أمتار، فجاء وحفر خمسة أمتار في بئر ثم تركه، وانطلق إلى موقع آخر فحفر مترين، ثم إلى ثالث فحفر سبعة وإلى رابع وهكذا حتى حفر ثلاثين بئراً، وهو يحفر فيها ما بين متر ومترين وخمسة، فظل هكذا وما تحصل على الماء، ولو بقي على البئر الأول حتى حفر الأمتار العشرة لتحصل على الماء.
وهذا بالضبط مثل من يأخذ من هذا الكتاب تارة ومن هذا تارة، فلم يحصل علماً ولا أصولاً ولا وقف على أرض صلبة، ولو علم نفسه الصبر، وجلس وزاحم العلماء بالركب، وصبر نفسه ورباها وعودها على أن تتعلم ممن سبقها، وأن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وأن تتعلم ما تحبه وما تكرهه، وما تشتهيه وما لا تشتهيه؛ لأنه إنما يتعلم لله جل وعلا لا لكي يقضي وطره، أو لكي يشبع شهوته، أو يلائم هواه، فلو صبرها على هذا لنال بفضل الله العلم والتربية.
ومسك الختام هو أن نرد الأمر إلى أهله، ونعطي أصحاب الحقوق حقوقهم، وما شكر الله جل وعلا من لم يشكر الناس، وما شكر الله ﵎ من لم يشكر من أجرى النعمة على يديه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: قال النبي ﵌ في الحديث الذي صح عنه: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه).
فالنبي ﵌ أمرنا بالأخذ بالأسباب لنتعلم، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فمن تقواك لله جل وعلا أن تسلك سبيل العلم، واعلم أنك لن تصل إلى الله جل وعلا إلا عن طريق العلم، فالسائر على غير علم كالسائر على غير طريق، والذي يعبد الله جل وعلا على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فقليل مع العلم خير من كثير بغير علم.
نسأل الله ﵎ أن يوفق الجميع ليتعلموا ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ونسأل الله ﵎ أن يبارك في هذه الأعمال، وأن يجعلها خالصة لوجهه، ونسأل الله ﵎ أن يجمعنا وإياكم في الجنة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 254
أهمية الأخذ بالأسباب في طلب العلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﵌.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: قال النبي ﵌ في الحديث الذي صح عنه: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه).
فالنبي ﵌ أمرنا بالأخذ بالأسباب لنتعلم، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فمن تقواك لله جل وعلا أن تسلك سبيل العلم، واعلم أنك لن تصل إلى الله جل وعلا إلا عن طريق العلم، فالسائر على غير علم كالسائر على غير طريق، والذي يعبد الله جل وعلا على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فقليل مع العلم خير من كثير بغير علم.
نسأل الله ﵎ أن يوفق الجميع ليتعلموا ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ونسأل الله ﵎ أن يبارك في هذه الأعمال، وأن يجعلها خالصة لوجهه، ونسأل الله ﵎ أن يجمعنا وإياكم في الجنة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 255
البحار الزاخرة في فضل المغفرة
لقد خلق الله الإنسان وجعله معرض للخطأ والتقصير والنسيان، ومن رحمته سبحانه أن فتح باب التوبة والمغفرة لمن عاد إليه وتاب واستغفر من ذنوبه، وحث سبحانه على المبادرة إلى التوبة، ويسر طريقها للسالكين، وسمى نفسه الغفور الرحيم.
стр. 256
الحث على المبادرة بالتوبة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد: قال تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين، وكلام الملوك ملوك الكلام ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٦٠].
يا ابن آدم ابسط الحزن على قراب الأسف، وقل قد قدم الغائب، وقل: قد مسنا وأهلنا الضر.
يا غافر الذنب العظيم وقابلاً للتوب قلب تائب ناجاك أترده وترد صادق توبتي حاشاك تطرد تائباً حاشاك ما لي وأبواب الملوك وأنت من خلق الملوك وقسم الأرزاق ما لي وما للأقوياء وأنت يا رب القوي ولا تحد قواك يا أيها الماء المهين من الذي سواك ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد واراك ومن الذي غذاك من نعمائه ومن الكروب جمعيها أنجاك ومن الذي شق العيون فأبصرت ومن الذي بظهوره أعلاك ومن الذي تعصي ويغفر دائماً ومن الذي تنسى ولا ينساك قال ابن مسعود الذي قال فيه النبي ﷺ : (وتمسكوا بهدي ابن أم عبد) قال: وددت لو أن الله غفر لي ذنباً واحداً وأني دعيت، ولا يدرى لي نسب.
إن مغفرة الذنب عظيمة، وأرجى آية في كتاب الله للعصاة النافرين الشاردين عن باب الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، وليس العجب من نائم لا يدري كم مر من عمره، إنما الأعجب من نائم في يقظته، ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤].
آخر العدد فراق روحك، آخر العدد ركوب نعشك، آخر العدد دخول قبرك، آخر العدد عرصات القيامة، وتطاير الصحف، آخر العدد المرور على الصراط، فاتق الله في أيامك التي تذهب هدراً، ولا تدري ما قيمتها، فمغفرة الذنوب لها قدر عظيم عند الله ، ويكفي من شأنها أن غفران الذنوب صفة من صفات الله ، قال الله ﵎: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٣]، والتوب هنا: مصدر، بمعنى أن أقل توبة يقبلها الله ، فما ظنك بالتوبة النصوح، (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم).
ومن أعجب الأشياء: أن تعرفه ثم لا تحبه، وأنت تسمع داعيه ثم تتأخر في إجابته، وأنت تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وتعلم قدر غضبه ثم تتعرض له، وتعلم قسوة القلب عند الخوض في غير حديثه ثم لا ترتاح إلى ذكره، وأعجب من هذا علمك أنك لابد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت فيما يبعدك عنه راغب، لقد أعطاك ما لم تأمل، وبلغك ما لم تطلب، وستر عليك من القبيح ما لو فاح لضجت المشام، فكم عدو حط منك بالذم فرقاك، وكم أعطش من شراب الأماني خلقاً وسقاك، وكم أمات بعض من لم يبلغ مرادك وأبقاك.
يا أهل الموت والفناء! كيف تستنكفون عن عبادته ولا رب لكم غيره، ولا واحد وارث لكم سواه، ينادى بصوت عزته: لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون، ويصاح على محجة حجته: لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، وينزل جاسوس علمه: لا يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ويترنم منشد فضله: لا تقطنوا من رحمة الله، ويهتف بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، وكل موافق ومخالف يمشي وفق مشيئته، ويتقلب في قبضته، يا ابن آدم إنه ليس أعز من خالق طلبته بيده، وليس أذل من مخلوق هو بيد طالبه.
стр. 257
فضل المغفرة
إن للمغفرة فضلاً عظيماً، فالله وصف نفسه بأنه الغفار، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، وقد كتبها الله تعالى بيده قبل أن يخلق الخلق، فكتب كتاب الرحمة بيده، فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تسبق غضبي.
وقد فتح الله باب التوبة أمام اليهود -عليهم لعائن الله- وهم الذين قالوا: إن يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وهم الذين ادعوا له الولد، وقتلوا أنبياءه، وأمام النصارى الذين قالوا: إن ثالث ثلاثة، فقال الله : ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤]، فيقتلون أولياءه ثم يدعوهم إلى التوبة!! ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] أي: حرقوا المؤمنين والمؤمنات، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠].
فأي كرم أفضل من كرم الله ، وأي نعمة سابغة أفضل من نعم الله ، هذا فعله بمن عصاه فكيف إرادته بمن أطاعه، إن كان هذا فعل الله بالبعيدين عن بابه، فكيف بالمقربين الداعين إلى ثوابه؟! حكى ذو النون المصري أنه رأى ضفدعة كبيرة تسبح في الغدير وعليها أفعى، فقال: إن لهذه الضفدعة لشأناً، فعبر وراءها الغدير فلما وصلت إلى سطح الغدير الثاني إذا برجل سكران مخمور نائم وحية أخرى أرادت أن تلسعه في أذنه، وإذا بالأفعى تنزل من على ظهر هذه الضفدع ثم تستجمع كل قواها فتقتل تلك الأفعى، فيوقظه ذو النون ويقول له: يا غافلاً والجليل يحرسه عن كل شيء دب في الظلم كيف تنام العيون عن ملك تأتيك منه فوائد النعم فبكى الرجل فقال: يا رب، هذه إرادتك بمن عصاك فكيف إرادتك بمن أطاعك؟ إن فضل الله في التوبة لا يدانيه فضل، والله ﵎ يسوي بين دعوته إلى الجنة وبين دعوته إلى المغفرة، قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢٢١]، فيسوي بين الجنة وبين المغفرة، بل لا يدخلون الجنة حتى يغفر الله لهم، قال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣].
وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١].
فالله من كرمه وفضله يدعو عباده إلى المغفرة، ويفتح لهم باب التوبة على مصراعيه.
стр. 258
حرمان الله الشيطان من المغفرة ومنه بها على ابن آدم
ومن عظم المغفرة: أن الله حرمها الشيطان ومن بها على ابن آدم، قال النبي ﷺ : (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم.
فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) أو كما قال ﷺ .
стр. 259
امتنان الله على نبيه بالمغفرة
من فضل المغفرة: أن الله ﵎ امتن بها على نبيه، فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:١ - ٢].
وفرح القلب الكبير قلب رسولنا بهذه المغفرة، وبغفران ما تقدم وما تأخر من ذنوبه، فيقول: (لقد أنزلت علي الليلة آيات أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) أحب إليه من حمر النعم، وأحب إلي من الدنيا وما فيها، ففرح القلب الكبير وأدى شكر هذه النعمة.
تقول له السيدة عائشة حينما رأته يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، تقول: يا رسول الله! أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! يقول: (يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً).
стр. 260
الشفاعة العظمى هي طلب المغفرة لأًصحاب الكبائر من هذه الأمة
ومن أعظم المغفرة عند الله : أن طلب المغفرة هي الشفاعة العظمى، وهي مقام نبينا المحمود، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، والمقام المحمود لم ينله أحد من البشر إلا نبينا.
إن مقام الشفاعة العظمى للخلائق بأسرهم هو مقام طلب المغفرة لأصحاب الكبائر من أمة رسول الله ﷺ ، بل هي الدعوة التي خبأها الرسول ﷺ لأمته، يقول النبي ﷺ : (إن لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي).
بل إن الله يخيره بين أن يدخل شطر أمته الجنة وبين الشفاعة وطلب المغفرة للخلق، فيختار الشفاعة لأمته، وهذا يدل على عظم هذه الشفاعة، ومن هنا نعلم قول سيدنا عبد الله بن مسعود: وددت أن الله غفر لي ذنباً واحداً ولا يدرى لي نسب.
وسؤال المغفرة والعفو عن الذنوب هو: السؤال في أحلى ليالي العمر، فقد يهون العمر إلا ليلة القدر، فأعظم دعاء مأثور عن نبينا: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا)، وأجمل ما يقوله الإنسان في ليلة القدر سؤال المغفرة، بل يقول النبي ﷺ لصديق هذه الأمة ولحبيبه: (سل الله العافية، ما من الله ﵎ على عبده بأكثر من سؤاله العافية، وبأكثر من أن يستجيب الله ﵎ له).
ودعوة الأنبياء كانت دعوة للتوحيد ولغفران الذنوب، يقول سيدنا نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٣] أي: ما لكم لا تعظمون الله وتخافون منه.
ويذكر أنه كان هناك امرأة عاقر عقيم لا تلد، فأخذت هذه الآية وجعلت تمسح بها على بطنها وتدعو الله ، وتستغفر من ذنبها، ثم من الله ﵎ عليها بأن حملت بعد أن احتار فيها الأطباء، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٣].
إن انكسار القلب وخضوعه وذله واستسلامه بين يدي الله ، وخضوع الجوارح -كل ذلك لا يحصل إلا بذنب، ثم يتوب العبد منه، وأنين المستغفرين أحب إلى الله من زجل المسبحين، تقابل المولى بضعفك وذلك وفقرك وتقول: أسألك بغناك عني، وبفقري إليك، أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، هذه ناصية خاطئة كاذبة بين يديك، أسألك سؤال من رغم لك أنفه، وذلت لك جبهته إلا عفوت عني، ولذلك كان سيد الاستغفار كما جاء عن شداد بن أوس قال النبي ﷺ : (سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
هذا الدعاء كان سيد الاستغفار لأنك تسير إلى الله بين مشاهدتك لنعم الله عليك، وبين ذكرك لعيوب نفسك، فانظر إلى ربك نظرة، ثم انظر إلى نفسك الحقيرة اللوامة نظرة، فستعود إلى الله قائلاً (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي)، فقد خلوت بمحارم الله ولم ترك إلا عين الله ، ثم أقدمت على المعصية وجعلت الله أهون الناظرين إليك.
إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني إذا ارتكبت ذنباً واحداً فاعلم أن الله مطلع عليك، وهو يراقبك من فوق سبع سموات، يقول بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلا كبرياء من واجهته بها.
يا رب أتراك تغفر وترحم من لم تقر عيناه بالمعاصي حتى علم أن لا عين تراه غيرك، قدر قيمة هذا الجناب العظيم، وابك بكاء الندم على ما فاتك من طاعة الله .
ابن سنة كان تائباً، فلما حسب سنين عمره وجدها إحدى وستين سنة، وعدد أيامها عشرون ألف يوم، فقال: إن كان هذا عدد الأيام فكيف وفي كل لحظة ذنب، كيف تلقى الملك، ثم مات الرجل من ساعته.
стр. 261
استغفار حملة العرش للمؤمنين
ومن فضل المغفرة وعظمها: استغفار حملة العرش للمؤمنين، ومن نحن حتى يستغفر لنا أحد حملة العرش الذين قال النبي ﷺ عن أحدهم: (أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش قد مرقت رجلاه الأرض السابعة، وعنقه منثنية تحت العرش، والعرش على كاهله، خفقان الطير ما بين منكبيه مسيرة سبعمائة سنة) صححه الشيخ الألباني.
فهؤلاء يستغفرون لك، يقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧].
ثم يذكر هذا التائب في الملأ الأعلى، وينادى: هذا التائب قد أقبل على ربه، فسيد القضاة أبي بن كعب يقول له رسول الله ﷺ : (إن الله يأمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة:١]، قال: وذكرت يا رسول الله هناك في الملأ الأعلى، قال: نعم، فبكى أبي، فقيل له: لم البكاء؟ قال: ولم لا أبكي، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]).
يقول سيدنا يحيى بن معاذ: يا غفول يا جهول لو سمعت صرير الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند توبتك، وعند ذكرك لمولاك، لمت شوقاً إلى مولاك.
يا جوهرة بمزبلة لا تعرف قدرها! أنت المراد من هذا الكون، كم من ملك في السموات والأرض لا تذوق أعينهم غمضاً ليس لهم مرتبة: تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فإذا قمت من الليل ساعة أو نصف ساعة فإنك تحمل صفة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، وكم ملك في السموات والأرض ما ذاقوا طعاماً، وما شربوا شراباً ليس لهم مرتبة: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).
كم من ملك في السموات والأرض مسخرون لخدمتك يدخلون عليك دخول الرجل على سيده: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
يا ولي الله! إن ربك يستأذنك في زيارتك، هذا قدرك عند الله ، وينسبك الله إلى نفسه، فكفاك جزاءً على الطاعة أن رضيك لها أهلاً حتى لو لم يكن هناك جنة، كفاك ما تجد في صدرك من أحاسيس ومن شوق إلى الله ، ومن رضاً عنه سبحانه، بل يكفيك نعمة ذهابك إلى المساجد، فهذه نعمة أنت لا تقدرها، ولكن غيرك يحس بألم فقدها، حين يتمتع بكامل صحته، وبكامل عافيته ولا يستطيع أن يذهب إلى المسجد، وأنت تأتي إلى المسجد كل يوم خمس مرات، فكفاك جزاءً على الطاعة أن رضيك لها أهلاً.
وحسبي انتسابي من بعيد إليكم وذلك حظ مثله يتيمم إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم تهلل بشراً ضاحكاً يتبسم
стр. 262
تيسير الله سبحانه لطريق التوبة
الحمد لله حبيب قلوب التائبين، ومنتهى رغبة السالكين، ومحط آمال الراحلين.
من عظم التوبة عند الله : أن الله سهل سبيلها لهذه الأمة، فجعل مجرد الندم توبة، ولم يسهل طريقها على بني إسرائيل لما عبدوا العجل من دون الله ، فلم يتب الله عليهم حتى قام كل رجل منهم على الآخر بسيفه، فلم يأذن الله ﵎ في التوبة لعبده موسى إلا بعد قتل سبعون ألف يهودي، كما قال الله ﵎: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] يعني: اقتلوا إخوانكم ممن عبدوا العجل، وألقى الله ﵎ عليهم الظلمة، ثم أمسك الرجل من الذين لم يعبدوا العجل السكين وطعن بها من وجده ممن عبد العجل، سواء كان أباه، أو أخاه، حتى قتل سبعون ألف يهودي، ثم تاب الله ﵎ عليهم.
والنبي ﷺ يقول: (الندم توبة)، ويكفي أن يعلم الله الصدق من قلبك فيتوب عليك.
وانظر إلى الذين تاب الله ﵎ عليهم كـ عكرمة بن أبي جهل الذي حاد الله ورسوله، وقاتل رسول الله ﷺ حتى أهدر النبي ﷺ دمه، ثم بعد ذلك من الله عليه بالتوبة، وقتل شهيداً في سبيل الله .
وسيدنا خالد بن الوليد في معركة اليرموك يقول له: يا أبا عمرو استبقنا لنفسك، فيقول: إليك عني يا خالد، لقد قاتلت رسول الله ﷺ في كل معركة أفأفر اليوم عن الجنة!! من يبايع على الموت؟ فقتل، وقتل عمه، وقتل ابنه.
ويتوب الله على سجاح التي ادعت النبوة كما قال العلامة ابن كثير، بل وعلى طليحة الأزدي الذي ادعى النبوة، ولم يسلم إلا في عهد أبي بكر، وكان أحد أبطال معركة القادسية ومات شهيداً بعد القادسية، فماذا تنتظر بعد ذلك وقد فتح باب التوبة على مصراعيها.
والأمر مع الله ليس بالأيام، ولا بعدد السنين التي قضيتها في طاعته، فقد يتوب تائب اليوم ويعلي الله ﵎ درجته، فانظر إلى السحرة الذين كانوا في أول الأمر يقسمون برأس فرعون، ويعدون القرب من فرعون مغنماً، ثم بعد ذلك يتوب الله ﵎ عليهم، فلما سجدوا نظروا إلى قصورهم في الجنة فقالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣].
أيها المؤمنون! لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم آلهة، جاء في الأثر: يا داود حببني إلى خلقي، قال: كيف يا ربي؟ قال: ذكرهم بنعمي عليهم، فإنهم لم يعرفوا مني إلا الجميل، يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورحمتي إياهم لتقطعت أوصالهم شوقاً إلي، هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف بالمقبلين علي! ادع إلى الله لعل الله ينقذ بك أحد الشباب الضائعين فيكون في ميزان حسناتك، ويكون خيراً لك من الدنيا وما فيها، حبب الله إلى خلقه، لا تقنطهم من رحمة الله ، لا تنظر في ذنب الناس كأنك إله، يسر الأمر على عباد الله ، ووسع لهم طريق التوبة، وضيق أنت على نفسك بالخوف، كما كان الفضيل بن عياض، فقد رأى أهل الموقف وهم يبكون فبكى ﵀ إلى قبيل الغروب وهو قابض بيده على لحيته، ثم قال: واسوأتاه منك وإن عفوت، واخجلي منك حتى وإن غفرت لي حتى وإن تبت علي، ثم بعد ذلك يقول لـ شعيب بن حرب: من أسوأ الناس؟ قال: لا أدري، قال: من يظن أن الله لا يغفر لهؤلاء، أفترى لو أن جماعة مثل هؤلاء أتوا إلى باب غني فسألوه دانقاً -أي: سدس درهم- أفكان يردهم مع بكائهم؟ قال: لا، قال: فوالله للمغفرة أهون على الله من الدانق على هذا الغني.
هذا هو الفضيل بن عياض سيد من سادات الأمة، كان سيدنا سفيان بن عيينة إذا قابله يقبل يده، ويقبل رأسه، وسيدنا عبد الله بن المبارك يقول له: إيه لا يحسن هذا غيرك يا طبيب القلوب.
يقول عبد الله بن المبارك: كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه الفضيل، فجدد لي الحزن، فأمقت نفسي.
وقد كان الفضيل في أول أمره قاطع طريق، وكان عاشقاً للنساء، وبينما هو ذات ليلة يتسلق الجدار ليصل إلى معشوقته، سمع قول الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦]، فقال: آن الأوان، وتاب إلى الله وقبل العلماء يديه، هذا هو الفضيل بن عياض.
وكذلك بشر الحافي، كان الإمام أحمد إذا سئل عن مسألة من مسائل الزهد يقول: أتسألوني عن الورع وفيكم بشر؟! وقد كان في بداية أمره يستمع إلى الغناء وإلى الجواري، ثم مر عابد ببابه فقال لجاريته: لمن هذا القصر؟ قالت: لسيدها بشر، قال: عبد هو أم حر؟ قالت: حر، قال: صدقت يا بنيتي! لو كان عبداً لاستعمل آداب العبودية، ولرأى حق العبودية، فسمعه بشر من بيته فخرج إلى الرجل حافياً وتاب على يديه، ثم بعد ذلك ما لبس نعلاً في رجله، وقال: حالة وصلت إلى الله عن طريقها وعرفت الله بها، لا أفارقها أبداً.
стр. 263
حجب التوبة عن المنافقين
من عظم المغفرة: أن الله حجبها عن المنافقين والكافرين، قال الله في شأن المنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠].
وقال عن الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١٦٨ - ١٦٩].
وحجبها عن أصحاب البدع، قال رسول الله ﷺ : (إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته).
стр. 264
سؤال الأنبياء مغفرة الله
من عظم المغفرة أن الأنبياء يسألونها من الله تعالى، يقول سيدنا نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨].
وقال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢].
فعليك أيها المسلم أن تسأل الله المغفرة فإنك من الله بمكان، قال حبيبنا الشيخ أبو إسحاق: لا تحقر نفسك، أنت عند الله بمكان، فقبل أن توجد يستغفر لك الأنبياء، فسيدنا نوح يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨].
وأنت داخل في عموم ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨].
وسيدنا إبراهيم يدعو لك كما جاء في سورة إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١].
والنبي ﷺ يستغفر لك، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩].
وأصحاب الأنبياء يسألون الله المغفرة، كما قال الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٧].
وأولوا الألباب يسألون المغفرة ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
وكذلك المتهجدين الذين يقومون الليل بين يدي الله ، ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
стр. 265
استمرار المغفرة إلى عرصات القيامة
ومن عظم المغفرة: أنها تستمر إلى عرصات القيامة عند المرور على الصراط، وأعظم دعاء للنبي ﷺ هناك (اللهم سلم، اللهم سلم).
﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
فتستمر المغفرة حتى عرصات القيامة.
стр. 266
من كذب بالشفاعة فليس من أهلها
ومن عظم المغفرة: أن من كذب بالشفاعة -وهي: سؤال المغفرة- فلا يكون من شفعاء الله في عباده، كما قال النبي ﷺ : (إن اللعانين -أي: الذين يسألون الله طرد عباده من رحمته- لا يكونون شفعاء للناس يوم القيامة).
وقال سيدنا أنس: من كذب بالشفاعة فليس من أهلها.
فلا تقبل منه شفاعة.
ولذلك: من آدب الإسلام ومن معتقد أهل السنة والجماعة: أنك لا تدعو على كافر حي على ظهر الأرض باللعنة؛ لأن اللعنة دعاء بالطرد مطلقاً من رحمة الله، وطالما أنه في دار الدنيا فقد يختم الله له بالإسلام، كما ختم لـ عكرمة بن أبي جهل، وباب التوبة مفتوح، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لا تدعو على معين باللعنة، فإن النبي ﷺ كان يدعو على رعل وذكوان حتى نزل عليه قول الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، وهم يحاربونه، ويقتلون أصحابه، وبرغم هذا يقول له الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].
وادع على الكافرين بما شئت، قل مثلاً: لعنة الله على الكافرين، لعنة الله على اليهود، لعنة الله على النصارى، أما المعين فلا يجوز لعنه باسمه، ولا تدعو عليه مطلقاً، وإذا قلت: الله يلعن المتبرجات وأنت تقصد واحدة بعينها فهذا لا يجوز، فالدعاء باللعن على المعين لا يجوز، وهذا من رحمة الله ﵎ بعباده.
стр. 267
شفاعة النبي لأهل الكبائر
من أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يثبتون الشفاعة لنبينا ﷺ ، وأما الخوارج فيضيقون باب الرحمة، ويحجرون واسعاً، ويكفرون من يأتي بالكبيرة، ويحكمون عليه بالخلود في النار، والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، ولكنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر.
وأما أهل السنة فيقولون: لا نحكم على معين بالنار، فقد يتوب الله ﵎ عليه، والناس على الإسلام، ولا نستطيع أن نحكم على واحد بالنار، كما لا نستطيع أن نحكم على رجل بالجنة، إلا من حكم له الشارع.
стр. 268
الاستغفار شعار الصالحين
شعار الصالحين في كل لحظة هو الاستغفار، وحتى بعد الطاعات؛ لأنهم يعلمون أن لله من العظمة ما هو فوق طاعات الخلق، ولذلك يقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:١٩٩]، ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
فهم أناس يقومون معظم الليل، فإذا كان السحر مدوا أيديهم مستغفرين، والنبي ﷺ بعد مشوار من الدعوة والجهاد يأمره الله بالاستغفار ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣].
وسيدنا نوح بعد تسعمائة وخمسين سنة من الدعوة يختم دعوته بالاستغفار ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨].
فالباب مفتوح ولا يغلق أبداً، فهيا إلى ظلال الرحمة الندية المحيية لموتى النفوس، يا عفو عفوك عند السكرات، وفي القبور عفوك، وعند العرصات عفوك، وعند تطاير الصحف عفوك، وعند الميزان عفوك، وعلى الصراط عفوك.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين، تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك استعنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولبابك نقرع فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا.
اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، وحسن النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك.
اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا مفتونين، ولا مبدلين.
اللهم داو أمراض قلوبنا، اللهم لا تجمع بيننا وبين قوم طالما عاديناهم فيك، اللهم اجعل نبينا خير النبيين منزلاً يوم القيامة، اللهم شرف بنيانه، وأعل مكانه، وأتم نوره وتبيانه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 269
يا قومنا أجيبوا داعي الله
من رحمة الله سبحانه أن شرع لنا صوم شهر رمضان وقيامه، وقد ضاعف الله فيه الأجر والثواب، ولشهر رمضان فضائل تفرد بها على باقي الشهور، فهو شهر الجود والكرم، وشهر قراءة القرآن ففيه أنزل، وهو شهر أعز الله فيه الإسلام وأهله، ولنا في رسول الله ﷺ وصحابته الكرام وتابعيهم أسوة حسنة.
стр. 270
فضل صيام شهر رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله وعليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
إن في هذه الأيام تعرض النفحات، كما قال رسولنا ﷺ ، ألا فتعرضوا لها، فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة من رحمة الله ما يشقى بعدها أبداً، فقال رسول الله ﷺ : (افعلوا الخير جهرة، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده).
فيا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، ويا شمس التقوى والإيمان على القلوب اطلعي، ويا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي، ويا أقدام المتهجدين لربك انصبي واركعي واسجدي، ويا عيون المتأدبين في ليل رمضان لا تهجعي، ويا همم المحبين بغير الله لا تقنعي: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١].
ضيف أنت حل على الأنام وأبسم المحيا بالصيام يجوب الدهر دواباً وفياً يعود مزاره في كل عام وتقبل كالغمام تفيض حباً فيبقى بعده أثر الغمام مسخت شعائر الضيفان لما قنعت من الضيافة بالمقام ورحت تتم للأزواد شرعاً من الإحسان علوي النظام بأن الجود حرمان وزهد ألذ من الشراب أو الطعام ها قد أتاكم شهر رمضان، وكان رسول الله ﷺ يذكر الناس بقدوم رمضان، فيقول: (أتاكم شهر رمضان)، قال العلامة ابن رجب الحنبلي: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بحلول شهر رمضان، فتقبل الله منا ومنكم الصلاة والصيام.
هذا الشهر العظيم هو شهر الصوم، ورسولنا ﷺ يقول: (من ختم له بصيام يوم دخل الجنة).
والغاية من الصيام يحددها الله ﵎ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
جمهور المفسرين قالوا: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) أي: لعلكم تصلون إلى الغاية التي شرعت من أجلها العبادات وهي التقوى، ولأديب الإسلام مصطفى صادق الرافعي في قوله ﵎: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) معنى آخر يخالف فيه جمهور أهل العلم، يقول: والتقوى هنا: من الاتقاء والوقاية، أي: يتقي الرجل أن يصير عبداً لجسده ولشهواته، وأن يعامل الناس على حساب الجسد فقط، فيرفرف بروحه بعيداً بعيداً عن عالم اللحم والحمأ المسنون، وثورة البطن والفم والفرج.
والصيام يا إخوتاه! أعظم وقاية من النار، يقول رسولنا صلى الله وعليه وسلم: (الصيام جنة كجنة أحدكم) فالصيام جنة لمن يصوم من النار.
ويقول رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض).
وهذا الأمر قد يقول الناس فيه: هذا أمر سهل، ولكن حين تعلم عن حال النار كما جاء في الحديث: (إن آخر من يخرج من النار يخرج منها حبواً فيقول لمولاه: اصرف وجهي عن النار لا أسألك شيئاً غير ذلك)، فقد استولى عليه الخوف من النار فيقول ذلك حتى يدخل الجنة، فبدءاً يقول: اصرف وجهي عن النار لا أسألك شيئاً غير ذلك، ويأخذ الله ﵎ منه العهد الميثاق ألا يسأله شيئاً غير ذلك، ثم بعد ذلك يغدر ابن آدم.
والشاهد: أن الصرف والزحزحة عن النار فلاح، وبصيام يوم يجعل الله ﵎ بينك وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض، فكيف بمدرسة الثلاثين يوماً، يقول رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار مائة عام).
وفي رواية: (سبعين خريفاً) وهذا ثمرة صيام يوم واحد.
ويخبرنا رسول الله ﷺ عن الصيام أنه كفارة للذنوب، فيقول: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
ويقول: (من ختم له بصيام يوم دخل الجنة).
فإذا أتى رمضان أتى الصوم بغفران الذنوب، يقول رسولنا ﷺ : (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
ويقول ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، ورجح الإمام النووي ومال إلى ذلك الحافظ ابن حجر: أن غفران الذنوب يشمل الصغائر والكبائر.
وقد يبدو لكم أن هذا الأمر هين، ولكن إذا قارنتموه بقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: وددت أن الله غفر لي ذنباً واحداً وأنه لم يعرف لي نسب، فكيف إذا أتى الصيام بغفران الذنوب كلها ورسولكم ﷺ يقول: (من صام يوماً في سبيل الله سقاه الله يوم العطش).
تصور أن أناساً يقفون أمام الله ﵎ في عرصات القيامة خمسين ألف سنة، ما ذاقوا طعاماً، وما شربوا شراباً، ثم يسقيهم الله ﵎.
قال الرسول ﷺ : (اللهم اجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد على الظمأ) فكيف بالري الذي يأتي بعد خمسين ألف سنة! ويقول رسول الله ﷺ : (إن للجنة ثمانية أبواب، منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون، ولا يدخل معهم أحد سواهم، فإذا دخلوا أغلق من ورائهم، من دخل منه شرب، ومن شرب لا يظمأ أبداً).
يقابل الله ﵎ ظمأ الناس وعطشهم بالري، واسم الباب: الريان من الري، والري ضد الظمأ، فاسم الباب يبعث الراحة إلى النفس، فما ظنك بالداخل! فطوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الكامل، وطوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر، وطوبى لمن ترك شهوات حياة عاجلة لموعد غيب لم يره، لقد شد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري الكامل، وقل: قد عيل صبر الطبع في سنيه العجاف، فعجل لي العام الذي فيه يغاث الناس ويعصرون.
وقد صمت عن لذات دهري كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي من صام عن شهواته أدركها ولو في الجنة، ومن صام عما سوى الله فذلك ستره يوم لقيا ربه، وذلك ستره في يوم المزيد.
يا إخوتاه! يقول رسولكم ﷺ : (عليكم بالصوم فإنه لا عدل له).
وفي رواية: (عليك بالصوم فإنه لا مثل له)، قال هذا لـ أبي أمامة الباهلي، فما كان هذا الصحابي الجليل يرى في بيته نار إلا في حضرة ضيف، فقد كان يسرد الصوم سرداً، وذلك بعد أن سمع رسول الله ﷺ يقول: (عليك بالصوم فإنه لا عدل له).
стр. 271
سبب انفراد عبادة الصوم بهذا الفضل
قال العلماء: لأن في الصوم خواص لا توجد في عبادة غير الصوم، منها: ما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
قال العلماء: إن ثواب أي عمل من العبادات لا يزيد بحال من الأحوال عن السبعمائة ضعف، فيضاعفه الله ﵎ إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، فإنه مضاعف فوق سبعمائة ضعف؛ لأنه من الصبر: (والصوم نصف الصبر) كما قال رسولنا صلى الله وعليه وسلم، والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
فاستثني ثواب الصوم إلى سبعمائة ضعف، ويزيد على ذلك بكرم الله ﵎ وجوده ومنه.
الأمر الثاني: أن الإنسان قد يرتكب عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فيأتي يوم القيامة وقد خلص هذا وهذا، فيأخذ الغرماء من ثواب كل الأعمال؛ من ثواب الصلاة، وقراءة القرآن، والزكاة، والجهاد، والحج إلا ثواب الصوم، فلا يأخذ منه الغرماء شيئاً.
قال الإمام سفيان بن عيينة: يختم الله ﵎ على ثواب الصوم ولا يأخذ منه الغرماء شيئاً، ويدخل صاحبه به الجنة.
الخاصية الثالثة للصوم: كما جاءت في الرواية الثالثة: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
فالعبادات كلها لله ﵎؛ لأن الله زاد الصيام تعظيماً فنسبه إلى نفسه، كما أن المساجد كلها لله، ويأتي الله ﵎ إلى مسجد بعينه وينسبه إلى نفسه، فيقول: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦]، والمراد به: المسجد الحرام، فهذه زيادة تخصيص وتشريف؛ لأن كل العبادات قد يدخلها الرياء إلا الصوم كما قال الإمام أحمد.
والصلاة قد تصح لك من الناحية الفقهية؛ إذ تأتي بأركانها وبشروطها وبسننها، وبالرغم من هذا قد يقذف بها في وجهك يوم القيامة، وقد قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (يأتي أناس بأعمال مثل جبال تهامة يجعلها الله هباء منثوراً، ثم قرأ الرسول صلى الله وعليه وسلم قول الله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]).
وفي حديث محمود بن لبيد: يقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (إياكم وشرك السرائر! قالوا: وما شرك السرائر يا رسول الله؟! قال: أن يقوم الرجل فيصلي فيطيل في صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه).
وأنتم تعلمون أول من تسعر بهم النار، فكل العبادات قد يدخلها الرياء إلا الصوم، فمتى صح لك من الناحية الفقهية أخذت الأجر كاملاً ولا رياء في الصوم.
فالصوم مداره كله على الإخلاص لله ﵎، والإخلاص يا إخوتاه! يورث النصر والعزة، ألم يقل الرسول صلى الله وعليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء والنصرة والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب).
فمفهوم الحديث يدل على أن من راءى بعمله أصابته الذلة والمسكنة والهوان والضعة في الأرض.
ويقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها: بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).
ولذلك كثرت الانتصارات في شهر الصوم والإخلاص؛ وذلك لارتباط الناس بالإخلاص، فكانت هناك بدر، وفتح مكة، وغزوة تبوك، ومعركة عين جالوت، وكان هناك فتح عمورية، وكان هناك الاستيلاء على قلعة صدر بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وموقعة الزلاقة، وكان هناك عبور المسلمين إلى الأندلس تحت قيادة خادم لـ موسى بن نصير وهو طارق بن زياد، فاستولى على تلك المناطق حتى وصل إلى جنوب فرنسا.
وعلى الطرف الآخر أبو عبد الله الصغير آخر ملك من ملوك الأندلس، ضيعه الإفراط والترف، فأضاع الأندلس، فقالت له أمه: ابك بكاء النساء ملكاً لم تحافظ عليه مثل الرجال ولم يصل هذا الرجل في إصراره وتمسكه بوطنه وتمسكه بأرضه إلى ما فعلت إيزابيلا ملكة أسبانيا، ففي الأدب الأسباني -وهذه الرواية واقعية في تاريخ إيزابيلا - أن هذه المرأة أقسمت ألا تخلع قميصها الداخلي حتى تدخل غرناطة، وكان لها ما أرادت، فقد ضيع أبو عبد الله الصغير مملكة الإسلام في أسبانيا، وكان قد اشترط أن يتولى ولايات من قبل إيزابيلا ومن قبل فرديناند هو وأولاده وأحفاده، يقول أحد علماء السير: والله لقد رأيت أحفاده عالة يتسولون الناس في شوارع صرف في المغرب العربي، ضيع ملك الأندلس في سبيل أن يبقى الملك له ولأحفاده، فتسول أحفاده في شوارع المغرب.
فالصوم يا إخوتاه! مرتبط بالإخلاص، والإخلاص يؤدي إلى النصر.
يقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (يقول الله ﵎: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
لأنك تبتعد عن شهوات جبلك الله ﵎ عليها، حتى تحس بألم فقدك لهذه الشهوات.
стр. 272
ثواب الصائمين
يا إخوتاه! إن الله يعطي أناساً يوم القيامة حتى يملوا، فإذا رفعوا رءوسهم وجدوا أمامهم قوماً قد سبقوهم إلى الدرجات العلى، فيقولون: يا رب! هؤلاء إخواننا الذين فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات، فإنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويقومون حين تنامون، ويظمئون حين تروون، ألم يقل الله ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
فكل الناس يأكلون، فما ثواب الصائمين؟ قال قتادة: يمد للصائمين موائد إطعام من رب البرية والناس بعد يحاسبون في عرصات القيامة.
وقال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).
بل يقول مكحول الدمشقي: يروح على أهل الجنة برائحة ما وجدوا خيراً منها، فيقال: يا رب ما هذه الرائحة؟ فيقال: هذه رائحة أفواه الصائمين فتتطيب الجنة من عطر أفواههم.
وهذا إبراهيم بن علي النيسابوري تلميذ الإمام أحمد ظل ستين سنة يسرد الصوم فمات وهو صائم، فقال قبل الموت لابنه: قرب لنا القدح يا بني! ثم قال له: يا بني! هل غربت الشمس قال: لا، قال: تنح عني إذاً، ثم تلا قول الله ﵎: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] ثم مات.
وعروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة ظل يصوم يوماً ويفطر يوماً أربعين سنة، ومات وهو صائم.
فيا أهل الصيام! كيف حالكم مع الله ﵎ في هذا الشهر العظيم الذي ميزه الله ﵎ بخصائص دون باقي الشهور؟! الخير باد فيك والإحسان والذكر والقرآن يا رمضان والليل فيك نسائم هفهافة حنت لطيب عبيرها الرهبان
стр. 273
فضل قراءة القرآن في رمضان
شهر الصيام هو شهر نزول كل الكتب السماوية، يقول الله ﵎: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].
وفي حديث واثلة بن الأسقع الذي حسنه الشيخ الألباني يقول: قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة من ست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل من ثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور من ثمان عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان).
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
فأين نحن من القرآن؟! يقول أحمد بن أبي الحواري: إني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار عنهم النوم فرحاً بما رزقوا، ألم يقل رسولكم صلى الله وعليه وسلم: (أبشروا فإن هذا القرآن حبل الله المتين، طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم).
والله لو لم يكن للقرآن إلا هذه الخاصية لكفاه، طرف القرآن بيد الله العظيم، بيد الله الكريمة، وطرفه بأيدي البشر، فاستمسكوا بهذا، استمسكوا بحبل الله ﵎، (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
يقول رسولكم صلى الله وعليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين).
أبو جعفر القارئ أحد القراء العشرة لما مات تعجب مغسلوه من أنهم وجدوا نوراً يملأ ما بين قلبه وترقوته، فقال مغسلوه: والله لقد فضحت القراء من بعدك، فقد وجدوا هذا النور على صورة صفحة، أو ورقة من مصحف، فقال مغسلوه: هذا والله من القرآن.
ونافع أحد القراء العشرة لما مات شموا الطيب من فمه.
فأين نحن من كلام الله ﵎، (من مات على شيء بعث عليه)، قال المناوي: أي: من عاش على شيء بعث عليه.
وهذا شيخ القراء في المملكة العربية السعودية يحكي عنه الشيخ عبد الرحمن بن عقيل الظاهري وهو الشيخ عامر يقول: إن هذا الشيخ الجليل أصيب سبع سنوات بسرطان في الحنجرة، فما كان يدرس طلبة الماجستير والدكتوراه إلا بإيماء منه فقط، فلما أذن الله بقرب موت هذا الشيخ وقبل موته بثلاثة أيام اعتدل الشيخ على سريره الأبيض وقطع صوته الجوهري بكلام الله ﵎؛ بحيث يسمع السامع تلاوته بصوت ما سمعوا مثله من قبل، فلما انتهى من الختمة قبضت روحه إلى الله ﵎.
أما سمعتم قول رسولكم صلى الله وعليه وسلم: (يأتي القرآن يوم القيامة ماحل مصدق).
وفي حديث أبي هريرة وابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: (يقول القرآن: يا رب! حله حلة الكرامة، يا رب! ألبسه تاج الكرامة، يا رب! ارض عنه فليس بعد رضاك شيء).
ويقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (من سره أن يحب الله ورسوله فلينظر في المصحف).
وأينا لا يسره محبة الله ورسوله؟! فلننظر في المصحف.
أطيلوا على السبع الطوال وقوفكم تدر عليكم بالعلوم سحاب وفي طي أسماء المثاني نفائس يطيب بها نثر ويفتح باب فلا فصلت لما أتاه مجادل فأنصت حتى ما يكون جواب أقر بأن القول فيه طلاوة ويعلو ولا يعلو عليه خطاب قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣].
قالوا للحسن البصري: إن هنا رجلاً يحفظ كتاب الله ثم ينام عنه، قال: ذاك رجل يتوسد القرآن أي: ذاك رجل ينام على القرآن.
ويقول محمد بن واسع: القرآن بستان العارفين، فأينما حلوا منه حلوا في رياض نضرة.
ويقول عثمان بن عفان: لو طهرت قلوبكم ما شبعتهم من كلام ربكم.
فهو روح لا تطيب الحياة إلا به، وهو نور يضيء القلوب، وتشرق بنوره.
فاتقوا الله ﵎، وأقبلوا على القرآن في شهركم هذا شهر القرآن، لا نقول لكم افعلوا كما كان يفعل الإمام الشافعي، فقد كانت له ستون ختمة في ليل رمضان ونهاره، ولكن على الأقل عشرة أجزاء في كل يوم بدلاً من الجدال، فطيبوا أجوافكم بكلام الله ﵎، وطيبوا أفواهكم بكلام الله ﵎، إن الصديقين إذا تلي عليهم كلام الله اضطربت قلوبهم، واشتاقت إلى ما عند الله ﵎ إن كنت تزعم حبي فلم هجرت كتاب أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي والأسد بن يزيد عمي فأذن الله له عند فتح المصحف أن يرتد إليه بصره، فإذا أغلق المصحف وعاد إلى دنيا الناس عاد إلى العمى مرة ثانية.
فأقبلوا على الله ﵎، واسألوا الله لي ولكم أن يشغلكم بكتاب الله عن الدنيا وأهلها، وعن الخوض فيها واللعب بها.
стр. 274
شهر رمضان شهر الكرم والجود
شهر رمضان يا إخوتاه! هو شهر الكرم، يقول ابن عباس ﵁: (كان رسول الله صلى الله وعليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله وعليه وسلم حين يأتيه جبريل أجود من الريح المرسلة).
تعود بسط الكف حتى لو انه ثناها لقبض لم تجبه أنامله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله وهذا سيدنا ابن عمر ﵁ ما كان يفطر إلا في حضرة اليتامى والمساكين.
وهذا الإمام أحمد يعطي رغيفين أعدهما لفطره لسائل على الباب، ثم يظل طوال الليل صائماً، ويصوم اليوم التالي من غير أكل.
يقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (أفضل الأعمال عند الله سرور تدخله على مسلم)، وسرور هذا الشهر الإطعام، (سرور تدخله على مسلم، أو تطرد عنه جوعاً، أو تطعمه خبزاً).
فلو أن الناس أتوا إلى مسجد من المساجد، فأتى كل منهم بالزائد عن حاجته من البقوليات واللحم وغيره ثم وضعه الناس في كيس ووزعوه على الفقراء لكان في هذا الخير.
يقول الجيلاني: وجدت خير الأعمال إطعام الناس، والله كأن كفي مكتوفة ما تمسك درهماً ولا ديناراً.
وفي الحديث: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، (ومن لا يرحم لا يرحم).
يقول الإمام الشافعي: يسن كثرة الجود في نهار رمضان وليله؛ اقتداء برسول الله ﷺ .
وقد ذكر العلماء أنه يجوز للرجل أن يقاضي الرجل إذا نزل عليه بمسمى الإسلام فقط، أي: إذا عرف أنه مسلم ولم يطعمه ثلاثة أيام فيجوز له أن يقاضيه بثمن قراه، يقول المصطفى صلى الله وعليه وسلم: (ومن نزل بقوم فلم يطعموه فله أن يعقبهم بمثل قراء ثلاثة أيام).
والرسول صلى الله وعليه وسلم يقول: (أدوى داء البخل)، فإياكم والبخل، انفوه عنكم.
يقول عبد الله بن جعفر: ابذل المعروف، وانثر المعروف نثراً، فإن صادف أهله كانوا له أهلاً، وإن لم يصادف أهله كنت أنت له أهلاً.
стр. 275
شهر رمضان شهر التراويح وقيام الليل
شهر رمضان يا إخوتاه! هو شهر التراويح وشهر القيام، (أتى رجل إلى الرسول الله صلى الله وعليه وسلم فقال له: يا رسول الله! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، ممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء).
ويقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة منكم إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد).
ويقول رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).
قال الصحابي الجليل أبو ثعلبة الخشني: والله لا أموت كما تموتون، ولا أخلق كما تخلقون، فلما قام إلى صلاته وتهجده بالليل قبضه الله ﵎ إليه وهو ساجد، فرأت ابنته وكانت بجواره أن أباها قد مات، فقامت من نومها فزعة مرعوبة، وقالت لأمها: يا أماه! أين أبي؟ قالت: يا بنية! هو في مصلاه، فوجدته ساجداً فحركته فإذا هو ميت.
مات وهو ساجد في قيام الليل.
وكم عند الصحابة من أعاجيب، فهذا صحابي آخر اسمه علبة بن زيد الأوسي البكاء أحد البكائين، في غزوة تبوك قام إلى صلاته من الليل، وقد تخلف عن الغزو؛ لأنه لم يكن عنده ما يسوقه للجهاد، فقال في صلاته: اللهم إنك أذنت لرسولك في الجهاد، وليس عندي ما أخرج به مع رسولك، اللهم إني أتصدق على كل مسلم ظلمني في عرضي أو جسدي الليلة.
فأي واحد شتمه في عرضه ونال من عرضه، أو نال من جسده يتصدق بعرضه عنه، فلما أصبح صلى الله وعليه وسلم قال: (من المتصدق بعرضه الليلة، فقام إليه علبة، فقال له رسول الله ﷺ : قد قبلت صدقتك).
فمن منا الذي يتصدق بعرضه على المسلمين؟ ومن منا الذي يعفو ويصفح؟ ومن منا الذي يعفو حتى يعتقه الله ﵎ في شهر العتق؟ ألم يقل الرسول صلى الله وعليه وسلم: (ولله عند كل فطر عتقاء من النار).
فتجاوزوا عن هفوات الناس، وحاسب نفسك بنفسك، أما غيرها من الأنفس فعليها حسيب غيرك، يقول رسول الله ﷺ : (ثلاثة يضحك الله إليهم) ومن ضحك الله إليه فلا يعذبه أبداً، قال: (ويستبشر بهم: رجل يكون في جهة فتنعدم الجهة، فيعلم ما له في الثبات وما عليه في الميزان، فيصبر نفسه بنفسه لله حتى يقتل أو يفتح الله على قومه، ورجل عنده صلاة الليل وامرأة حسناء فيذر شهوته ويقوم في سواد الليل، فيقول الله ﵎: يذر شهوته من أجلي ولو شاء لرقد، والرجل يكون في سفر يطول سراهم بالليل فيمسون فينامون، ويقوم أحدهم في سراء وضراء).
يقول الرسول ﷺ : (رحم الله رجلاً أيقظ امرأته لصلاة الليل، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها لقيام الليل، فإن أبى نضحت في وجهه الماء، فإن قاما من ليلتهما هذه كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).
يا إخوتاه! شهر رمضان تضاعف فيه الأعمال، يقول المصطفى ﷺ : (عمرة في رمضان تعدل حجة معي).
فثواب العمرة في هذا الشهر يضاعف حتى يصل إلى ثواب الحج مع رسول الله ﷺ ، وأي روحانية في الحج مع رسول الله ﷺ ! ترتفع فيها ثواب الأعمال حتى تصل إلى أن تأخذ ثواب حجة مع رسول الله ﷺ .
يقول المصطفى ﷺ : (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مؤمن يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة)، هذا في غير رمضان فكيف برمضان! قم بنا يا أخي لما نتمنى واطرد النوم بالعزيمة عنا قم فقد صاحت الديوك ونادت لا تكون الديوك أطرب منا
стр. 276
نماذج من قصص التابعين في قيام الليل
كان علي بن الفضيل لا يأتي فراشه إلا زحفاً كما يزحف البعير، وإن قدميه لملتصقتان من أثر القيام.
وكانت امرأة مسروق بن عبد الرحمن تجلس خلف مسروق في ظلام الليل وهو يصلي تبكي له؛ رحمة مما يصنع بنفسه، وكان لا يأتي صلاته إلا زحفاً كما يزحف البعير.
يا إخوتاه! صاح الديك فلم تنتبهوا، وأعاد فلم تفيقوا، فقوى ضرب الجناحين، فلطم خديه حزناً على مصيبتكم.
يقول الرسول ﷺ : (لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة).
فرحم الله رجلاً أعان الناس على قيام الليل.
يقول ﷺ : (من قام الليل بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام الليل بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام الليل بألف آية كتب من المقنطرين)، والقنطار خير من الدنيا وما فيها فأين المقنطرون؟ قال الحافظ ابن حجر ألف آية جزء عم وجزء تبارك.
ويجوز لك في رمضان بعد أن تصلي التراويح الإكثار من النوافل، وأرجح الأقوال في قيام الليل: أنه من النوافل المطلقة، فبعد أن تعود من التراويح وتصلي الوتر إن كان عندك ليل طويل فتستغله في العبادة والطاعة والصلاة، وإلا فسيأتي الشيطان فيقول: عليك ليل طويل فارقد، أو كما يقول رسول الله ﷺ : (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه).
يقول الحسن البصري: إنه والله بول ثقيل.
والرسول ﷺ يقول: (سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتن، ماذا أنزل الليلة من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة).
شهر رمضان شهر الجنة، ألم يقل المصطفى ﷺ : (إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين مردة الجن، ونادى مناد من السماء: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة).
ففي رمضان تصفد الشياطين ومردة الجن، لكن شياطين الإنس لا يصفدون، وخرس الله ﵎ أفواههم إن لم يتوبوا، وخرس أفواههم حتى يعودوا إلى رحابه ﵎.
نسأل الله ﵎ أن يشغلهم به عن فجورهم وعن تمردهم على طاعة الله.
عباد أعرضوا عنا بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنهم فينا فهلا أحسنوا الظنا فإن خانوا فما خنا وإن عادوا فقد عدنا وإن كانوا قد استغنوا فإنا عنهم أغنى هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم يا إخوتاه! هذا شهر الجنة، والله ما فتحت الجنة لأمة من الأمم مثلما فتحت لأمتنا هذه، ومع هذا لا نرى لها طالباً، فمهر الجنة طول التهجد في ظلمات الليالي وفي ليالي رمضان خاصة.
إن أهل السماء ليصلون عليكم، وينظرون إليكم أيكم يقال فيه: يا جبريل أقم فلاناً، وأنم فلاناً.
كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني.
اتقوا الله ﵎، وأمهروا الجنة، وأمهروا حورها، ودع المفرغات من ماء وطيب، وأشغل هواك بالحور العين.
قال أبو سليمان الداراني: نمت ذات ليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء من أهل الجنة تأتيني في المنام، وتقول: أتنام والملك يقظان؟! بؤساً لعين آثرت لذة نوم على مناجاة الملك العلام، ثم تقول له: أتنام وأنا أربى لك في الخدور منذ آلاف الأعوام، ثم أنشدته شعراً حفظه: أتخطب مثلي وعني تنام ونوم المحبين عنا حرام لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة براه القيام أين ابن أدهم والفضيل؟ أين رجال الليل؟ ذهب السادة وبقي قرناء اللحاف والوسادة.
قم الليل يا أخي! إذا جن الغاسق حن العاشق، وقلوب المحبين جمرة تحت شحمة الليل، إذا هب عليها نسيم السحر أجج ما فيها من شوق إلى الله ﵎.
قالوا للحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.
وهذا الحافظ عبد الغني المقدسي قام إلى صلاته من الليل وكان معه في البيت رجل شمسي -يعبد الشمس-، فلما سمع قراءة عبد الغني المقدسي زفر، وبعد أيام أسلم، فقال للحافظ عبد الغني المقدسي: لما استمعت إلى قراءتك أسلمت.
والحافظ عبد الغني المقدسي كان الناس يصطفون لرؤية وجهه، لسطعات النور التي على وجهه من أثر التهجد، فكذلك كن، فهم لكم سلف ونعم السلف.
стр. 277
ذكر بعض انتصارات المسلمين في شهر رمضان المبارك
يا إخوتاه! هذا الشهر رفع الله فيه أهل السنة والجماعة برفعته لإمامهم، لما ابتلي الإمام أحمد في العشر الأواخر من رمضان وصبر خرج من المحنة ذهباً أحمر خالصاً، فقالوا لـ بشر: ألا تقوم لترى ما فيه أحمد؟ فيقول بشر: حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره، أتريدون مني أن أقوم مقام الأنبياء وورثة الأنبياء! ولذلك فإن الإمام أحمد يقول: الحمد لله الذي ربى بشراً بما صنعنا، فسياط على ظهر ابن حنبل صار بها إمام أهل السنة والجماعة.
وقد سمع الإمام أحمد إلى مقولة رجل، وذلك حين قال للإمام أحمد: إن هو إلا سوط واحد ثم لا تدري أين يقع الباقي، ثم قال الرجل: يا أحمد! اصبر لأمر الله، فإن يقتلك الحق يقتلك شهيداً، وإن تعش تعش حميداً مجيداً، وصار إمام أهل السنة.
في هذا الشهر أيضاً في السابع والعشرين من شهر رمضان أراح الله المسلمين من الحجاج الثقفي المبير، وقتل أيضاً في سنة ثلاثة وستين في هذا الشهر المختار بن عبيد الثقفي الكذاب، فأراح الله الأمة منه.
قال ﷺ : (يخرج من ثقيف كذاب ومبير)، أما الكذاب فهو المختار الذي ادعى أن جبريل كان ينزل عليه، وأما المبير -المهلك- فهو الحجاج.
وقال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمة فأتت كل أمة بخبيثها وجئنا بـ الحجاج لفقناهم.
فكيف لو رأى ما يسع الناس في القرن العشرين؟!! والحسن البصري لما بلغه موت الحجاج سجد لله ﵎.
وكان هناك آلاف من الناس في سجون الحجاج وأراح الله الأمة منه، كذلك أراح الله الأمة من الخرمي صاحب الإباحية، وأراح الله الأمة من المختار بن عبيد الثقفي الذي كان يقول: إن جبريل ينزل عليه، فقتله مصعب بن الزبير بن العوام.
فهذا الشهر يا إخوتاه! شهر الانتصارات، فأين نحن من الانتصارات؟ رسولكم ﷺ كان يقول: (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل).
ونحن نقول: لنعل أبي طلحة ولقلامة ظفر أبي طلحة خير من ملء الأرض من أمثالنا.
فهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ الذين اشتاقوا إلى الجنة.
هذا عمير بن الحمام يقول: إنها لحياة طويلة إذاً أنا مكثت في الدنيا حتى آكل تمراتي هذه فأين نحن من أيام المسلمين؟! أين نحن من عين جالوت؟! كسرنا قوس حمزة عن جهالة وحطمنا بلا وعي نباله وأضحت أمة الإسلام حيرى وصار رعاتها في شر حالة فلا الصديق يرعاها بحزم ولا الفاروق يورثها فعاله ولا عثمان يمنحها عطاء ويرخص في سبيل الله ماله ولا سيف صقيل من علي يسيرنا إلى عذب زلاله ولا القعقاع يهتف بالسرايا فتخشى ساحة الهيجا نزاله سرى صوت المؤذن في سمانا وقد فقدت مآذننا بلاله ولا حطين يبعثها صلاح طوى الجبناء في خور هلاله اللهم أنعم علينا بالشهادة، اللهم أنعم علينا بالشهادة، اللهم أنعم علينا بالشهادة.
اللهم لا تجعلنا أهون شيء عليك.
اللهم لا تجعل حظنا من ديننا لفظنا.
اللهم متعنا برمضان، اللهم متعنا برمضان، اللهم متعنا برمضان، وارزقنا الخير بعده، وارزقنا حسن العمر بعده، وطول العمر بعده.
رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، وببابك نقف فلا تطردنا.
اللهم جد بالعتق علينا وعلى إخواننا، اللهم جد بالعتق علينا وعلى إخواننا، اللهم جد بالعتق علينا وعلى إخواننا.
اللهم انصر المسلمين في كل مكان.
اللهم فرج الكرب عنهم، اللهم فرج الكرب عنهم في البوسنة، اللهم فرج عنهم وعن كل مستضعف في كل مكان.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصل اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 278
أسود من التاريخ
إن الحق عالٍ رغم كل شيء، ودولة الباطل مهما طالت فهي زائلة، ولكن سنة الله ألا يعلو الحق إلا على أكتاف رجال مخلصين يسطرون بتاريخهم المشرق الصفحات الوضاءة، فهم النبراس الذي يجب أن يحتذى به للخروج من الأزمة الراهنة.
стр. 279
لا حل لهذه الأمة إلا بالجهاد
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، و ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: يقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، والبخاري في التاريخ عن أبي عنبة الخولاني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعمله في طاعته إلى يوم القيامة).
وفي هذه الأيام تكثر الهمم الساقطة، والعزائم الضعيفة، والأرواح الصغيرة، والنفوس الهزيلة التي يعيش أصحابها على جانب الحياة وعلى هامش التاريخ، فينالهم الذل من كل مكان، وتعلوهم أقدام الغرب الكارهة الكريهة، حتى يقول رأس الكفر ورأس الصليبيين على مرأى من العالم: إنه يعد لحملة صليبية، ثم تراجع وقال: إنه يعد لحملة مقدسة.
يا أيها الشيطان إنك لم تزل غراً وليس لمثلك الميدان أنا ضد أمريكا إلى أن تنتهي هذي الحياة ويوضع الميزان هي ظل دوح الموبقات وكل ما في الأرض من شر هو الأغصان فهي زارعة الشر في الأرض، وهي رأس الإرهاب في الأرض وإلا فمن الذي قتل أطفال المسلمين في العراق في مخيمات العامرية، وضربهم بالقنابل الفسفورية، وكتبوا على رءوس صواريخهم: إن عجز محمدهم عن نصرهم فليدعوا المسيح لينصرهم.
وذلك فيما يسمى بعاصفة الصحراء أو المجد للعذراء، لقد كانت هذه الحرب حرباً صليبية أعلنوها في الخليج، ثم بعد ذلك أزهقوا بسلاحهم من الأرواح ما أزهقوا على ثرى فلسطين.
والله قادر أن يبعث من يحيي في هذه الأمة نواتها، قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩].
وقال رسول الله ﷺ : (عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم).
وقال رسول الله ﷺ : (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله).
وقال ﷺ لـ أبي ذر: (أوصيك بتقوى الله؛ فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد في سبيل الله؛ فإنه رهبانية الإسلام)، حسنه الألباني.
وقال ﷺ : (للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين من أهل بيته).
وقال النبي ﷺ : (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في أرجاء الجنة حيث تشاء، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بأرجاء العرش).
يا ويح نفسي وما ارتفعت لنا همم إلى الجنان وتالي القوم أواب إلى كواعب للأطراف قاصرة وظل طوبى وعطر الشجو ينساب إلى قناديل ذهب علقت شرفاً بعرش ربي لمن قتلوا وما غابوا وقال الآخر: يا ويحنا ماذا أصاب رجالنا أو ما لنا سعد ولا مقداد أجدادنا كتبوا مآثر عزنا فمحا مآثر عزنا الأوغاد سلت سيوف المعتدين وعربدت وسيوفنا ضاقت بها الأغماد وقال الآخر: قالوا سهرت وفي فؤادك حرقة تدمى وألف تساؤل يتردد وعلى جبينك قصة مكلومة تروي المآسي للجميع وتسرد أنا يا صحاب قضية مسلوبة لعب الدعي بها وغاب السيد أنا يا صحاب مشاعر موتورة للشعر تسلك والمسالك توصد على مدار تاريخ الإسلام كان بين المسلمين وبين الصليبيين في كافة أرجاء الدنيا معارك برز فيها قادة يرصع بأسمائهم جبين التاريخ، أذكر لكم ٢٥ ملكاً أو أميراً أو قائداً هزموا الصليبيين وأوقعوا بهم شر هزيمة، وذلك حتى نقول لكل صليبي: اخسأ فلن تعدو قدرك، فمهما صالوا وعربدوا وظنوا أن لهم الدولة في العالم فوالله إن مصيرهم إلى نهاياتهم، فمن كان يظن أن روسيا ستسقط يوماً من الأيام على يد أناس يعيشون في الجبال؟ ومن كان يظن أن الحضارة الروسية ستنهار؟ يقول كبار الخبراء العسكريين في العالم الغربي ومنهم قائد الطيران الأمريكي السابق: إن أمريكا ستنهار من الداخل مع بداية سنة ٢٠٢١م، وقال هذا أيضاً محللون اقتصاديون وسياسيون وتربويون وعسكريون.
وانهيارها من الداخل يعني: بدون عامل خارجي, وإن كانوا قد توقعوا سقوط أمريكا سنة ٢٠٢١م فما ظنك إذا أرسل الله عليهم عقوبة وسنة من سننه الكونية جزاء بما قدمت أيديهم من بغي وظلم ودمار عم أرجاء البسيطة؟ ولذا نقول لكم في دعوة للأمل حتى لا ييأس الناس ويظنوا أن شمس الإسلام ستغيب يوماً: شمس الإسلام لن تغيب، وقد مرت على الأمة الإسلامية ظروف أحلك من الظروف التي نعيش فيها، ويشاء الله أن يرفع البلاء عن الأمة.
يقول قطز: والله لن أستظل بظل جدار حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام منهم.
стр. 280
أبطال في عصر الخلافة الراشدة
ولو رجعنا إلى بداية قيام الدولة الإسلامية لوجدنا أسامة بن زيد أسد الله وأسد رسوله، حب رسول الله ﷺ يذيق الصليبيين في شمال الجزيرة العربية الذل والهوان، ويوقع الرعب بهم وهم حلفاء الروم، وفي خلافة أبي بكر الصديق يضع فارس الإسلام وسيف الله وسيف رسوله أبو سليمان خالد بن الوليد في أول لقاء له مع صليبي العرب في معركة في الجبهة الفارسية تسمى: معركة أُلَّيس أو نهر الدم.
وقد كانت بينه وبين نصارى العرب من تغلب وبكر بن وائل وبني عجل وأهل الحيرة وقبيلة جذرة العربية، وعلى رأس هذا التجمع الصليبي عبد الأسود العجلي، وكانوا قد تحالفوا مع قوات الفرس وعلى رأسهم جابان ١٥٠٠٠٠ محارب، وكان سيف الإسلام خالد جيشه ١٨٠٠٠ مقاتل فقط أمام ١٥٠٠٠٠ مقاتل.
وبلغ من استهزائهم بالمسلمين أنهم مدوا البسط ليتناولوا الطعام فحذرهم جابان من الاستهانة بـ خالد وقال لهم: اتركوا الطعام واستعدوا للصدام، فعصوه فقال: إن القوم سيعاجلونكم قبل أن تطعموا الطعام وإنكم إنما هيأتموه لهم ليأكلوه بدلاً منكم.
ولما أتى خالد بجيشه اضطرهم إلى أن يتركوا طعامهم ودعا خالد للمبارزة، فخرج إليه مالك بن قيس، فقال له خالد: يا ابن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك كفاء، يعني: أنت لست بكفء لأن تبارز خالد بن الوليد، ثم قتله واقتتل المسلمون ونصارى العرب والمجوس قتالاً شديداً، حتى إن خالداً ﵁ نذر لله إن منحه الله أكتافهم أن يجري النهر بدمائهم، إذ قال: اللهم إن لك علي إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحداً حتى أجري نهرهم بدمائهم، وبعد قتال عنيف وقتل المسلمون ما قتلوا نادى خالد لا تقتلوا أحداً ولكن اضطروهم إلى الأسر.
فاضطرتهم جيوش المسلمين ورجالهم إلى الأسر وقدموهم إلى حافة النهر ليضربوا رقابهم حتى يوفي خالد بنذره، وحبس ماء النهر فقال له القعقاع بن عمرو التميمي: والله لو أنك قتلت أهل الأرض جميعاً لم تجر النهر من دمائهم ولكن أرسل على الدماء قليلاً من الماء فيجري النهر وتبر بيمينك، وكان له ما أراد وجرى النهر أحمر قانياً بدمائهم.
وقال الصديق للناس في المدينة: يا معشر قريش عدا أسدكم على الأسد -يريد أن خالداً عدا على الفرس- فغلبه على خراذيله -يعني: غلبه على اللحم المطيب المعد له-، عجزت النساء أن ينشئن مثل خالد.
وقال خالد للعرب المسلمين: كلوا على بركة الله وباسم الله، فكان الطعام الذي قد أعد لأن يأكله الفرس طعاماً للمسلمين.
وفي معركة عين التمر اجتمع الصليبيون العرب كلهم حنقاً على خالد وقالوا للفرس: لا تقاتلوا خالداً نحن العرب أعلم بقتال خالد منكم فدعونا وخالداً، وجمعوا كل فرسانهم، ونظر خالد إلى الجيش وأراد أن ينهي المعركة دون أن يخسر رجلاً واحداً من رجاله، فقال لعشرة فرسان: احموا جنبي واكفوني ما عنده فإني حامل عليهم، ووسط ذهول الجيشين ينطلق عشرة من الرجال يقودهم خالد حتى دخل في وسط الجيش، ثم ظل خالد يصاول عقة بن أبي عقة ثم يقتلعه من فوق سرجه ويحتضنه، ويعود به على فرسه كالطفل الرضيع، ثم يذبحه ما بين الجيشين لتنتهي المعركة.
هذه ثاني وقعات خالد بالصليبيين.
وأما الثالثة: فكانت معركة الفرات في ١٥ ذي القعدة ١٢ هجرية، وكانت بين الفرس والروم والنصارى الموتورين وبين خالد بن الوليد لتقع المعركة بين ١٥٠٠٠٠ أمام ١٢٠٠٠ مقاتل، فعبروا نهر الفرات يريدون خالد بن الوليد، ولك أن تتصور الأعداء الفرس والروم الذين كانوا على عداء دائم ولأول مرة يجتمعون على قتال المسلمين، واليوم نسمع أن أسبانيا تستمر في قتل العرب، وألمانيا كذلك، وفرنسا كذلك، وبريطانيا كذلك، والفلبين تصرح أنها قبضت على الإرهابيين، فقامت الدنيا كلها على المسلمين مثلما قام الفرس والروم لأول مرة في التاريخ في معركة الفرات سنة ١٢ هجرية، وقتل سيف الله خالد بن الوليد منهم في هذه المعركة ١٠٠٠٠٠ في المعركة، وبعد المعركة وأثناء المطاردة ١٠٠٠٠٠، فلما سمع الخليفة أبو بكر بهذه المعارك، قال: لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد، وأمر خالداً أن يترك العراق ليساعد المسلمين في جبهة الشام.
وكانت أول معارك سيف الله خالد أنه اضطر النصارى إلى دفع الجزية في بصرى، فكانت أول جزية يقبضها المسلمون على يد البطل خالد بن الوليد، وكان فتح دمشق بعد ذلك في ١٥ رجب سنة ١٤ هجرية، وقد وقفت خمسة جيوش إسلامية أمام أسوار دمشق: جيش القائد أبي عبيدة، وجيش شرحبيل بن حسنة، وجيش يزيد بن أبي سفيان، وجيش عمرو بن العاص، وجيش خالد بن الوليد وظلوا أربعة أشهر كاملة أمام أسوار دمشق والجيوش لا تستطيع أن تدخل هذه المدينة.
وكان خالد لا ينام ولا ينيم -يعني: لا ينام هو ولا يترك من أمامه ينامون خوفاً منه وذعراً منه- يعيش على تعبئة كاملة، عيونه ذكية ساهرة، فأخبرته: أن بطريرك الروم نسطار بن نسطور قائد الروم في دمشق ولد له مولود، وأنه سيوزع الخمر على حامية السور في مساء الأحد في ١٥ رجب سنة ١٤ هجرية.
وهنا أعد خالد بن الوليد قرباً نفخ فيها الهواء حتى امتلأت، وكأن الروم قد حفروا خندقاً عظيماً وأجروا فيه ماءً كثيراً، فما استطاع خالد وقواته أن يعبروها إلا سباحة على ظهر القرب، وأعد سلالم من حبال الليف منتهية بخطاطيف وحلق، ودعا مذعور بن عدي العجلي، والقعقاع بن عمرو التميمي فجعلا يلقيان بهذه الحبال فتعلق حبلان في أعلى السور وصعد عليها مذعور بن عدي العجلي، والقعقاع بن عمرو ومعهما بقية الأحبال حتى ثبتوها في أعلى السور، وتسلق خالد وقواده إلى أعلى السور، ثم قال لبقية الجنود: إن سمعتم تكبيراتنا من خلف الأسوار فانهدوا إليهم، وألقى خالد بنفسه مع التكبير من فوق الأسوار هو وقادة الجيش، فقتلوا من قتلوا من جنودهم المكلفين بحراسة الباب الشرقي لدمشق، ثم فتحوا الباب وظل خالد يحصد أرواح الروم حصداً حتى سلموا لـ أبي عبيدة.
وقالوا: أسرعوا بفتح الباب الغربي لـ أبي عبيدة حتى لا يحصدنا خالد حصداً.
والتقى جيش أبي عبيدة بجيش خالد بن الوليد عند سوق الزياتين بدمشق وتم الصلح.
وقد تلت هذه المعركة معركة اليرموك الفاصلة التي أنهت الوجود الصليبي من على أرض الشام، حتى قال هرقل وهو يودع دمشق: سلام عليك يا سورية سلام مودع لا يلقاك بعد هذا اليوم أبداً، وكان الروم قد أعدوا ٢٠٠٠٠٠ فارس على رأسهم ماهان أقوى فارس عندهم، أمام ٣٦٠٠٠ فارس فقط من المسلمين.
وخطب هرقل في الروم فقال: يا معشر الروم إن العرب قد ظهروا على سورية ولم يبقوا بها حتى تعاطوا أقاصي بلادكم، وهم لا يرضون بالأرض والمدائن والبر والشعير والذهب والفضة حتى يسبوا الأخوات والأمهات والبنات والأزواج، ويتخذوا الأحرار من أبناء الملوك عبيداً، فامنعوا حريمكم وسلطانكم أو ذروا مملكتكم.
فكتب أبو عبيدة إلى عمر ﵁ فقال: قد جاء المسلمين ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله بملائكة أو يأتيهم بغياث من قبله، فقال خالد لـ أبي عبيدة حينما اجتمع بقيادة القوات في الجابية: أرى والله! إن كنا نقالتهم بالكثرة والقوة فهم أكثر منا وأقوى، وما لنا بهم إذاً طاقة، وإن كنا نقالتهم بالله ولله فإن جماعتهم ولو كانوا أهل الأرض جميعاً لا تغني عنهم شيئاً، ثم قال لـ أبي عبيدة: تطيعني فيما آمرك به، قال: نعم.
قال: ولني ما وراء ذلك فإني أرجو الله أن ينصرني عليهم، ثم تنازل له أبو عبيدة عن قيادة القوات، ورتب خالد صفوف جيشه، فجعل أبا عبيدة أمين هذه الأمة في القلب، وعلى الميمنة أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباث بن أشيم، وهاشم بن عتبة قاتل الأسود على الرجالة، وعلى الخيل خالد بن الوليد ومعه قيس بن هبيرة فارس الإسلام.
وخطب ماهان في جنوده قبل المعركة فقال: أنتم عدد الحصى والثرى والذر فلا يهولنكم أمر هؤلاء القوم؛ فإن عددهم قليل، وهم أهل الشقاء والبؤس، وجلهم حاسر وجائع، وأنتم من الملوك وأبناء الملوك أهل الحصون والقلاع والعدة والقوة والسلاح، فلا تبرحوا الميدان وفيكم عين تطرف حتى تهلكوهم أو تهلكوا أنتم.
ثم دعا خالداً للكلام معه، فقال: يا خالد! قد علمنا أنه ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فهلموا إلى أن نعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال له خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت غير أنا قوم نشرب الدماء، وإنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك.
ولخوف الروم من المسلمين جعلوا يسلسلون كل مائة فارس بسلسلة حتى إذا فر رجل يعود به التسعة والتسعون.
ويقف الجيشان ٢٠٠٠٠٠ أمام ٣٦٠٠٠، ولكن الستة والثلاثين ألفاً هؤلاء منهم ألف صحابي،
стр. 281
أبطال في الدولة الأموية
وأرسل موسى بن نصير مولى من مواليه وهو طارق بن زياد ففتح بلاد الأندلس، وظل موسى بن نصير مع طارق بن زياد يجوبا المدينة إثر المدينة حتى قال: أما والله لو انقادت لي العرب لقدتهم إلى روما حتى يفتحها الله ﵎ على يدي.
يقول موسى بن نصير لـ سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين! كانت الألف شاة تباع بمائة درهم، والعلج -الرجل الصليبي- وزوجته وأولاده يباعون بخمسين درهماً.
يعني: بثمن خمس شياه تشتري عائلة كاملة.
وخاض طارق بن زياد معركة وادي لكة التي استمرت أسبوعاً كاملاً حتى فتح الله للمسلمين بلاد الأندلس، وخاض بفرسه البحر، وقال لـ موسى بن نصير: يا أيها الأمير والله لا أرجع عن قصدي حتى أنتهي إلى البحر المحيط وأخوض فيه بفرسي.
ومن القواد الذين صنعوا تاريخ المسلمين أبو سعيد الجرادة الصفراء مسلمة بن عبد الملك بن مروان، قال عنه الإمام الذهبي: كانت له مواقف مشهودة مع الروم، وكان أولى بالخلافة من إخوته، غزا الصائفة وافتتح حصون الروم وهربت منه الروم إلى أقصى الأرض.
وكانت المرأة من الروم إذا أرادت أن تسكت طفلها تقول له: اسكت وإلا أدعو لك البطال ليأخذك.
وهذا مثل قول بعض الأمهات اليوم لطفلها: نم وإلا أتيت لك بالعفريت.
وقال بعضهم يحكي عن مثل هذا: ذهبت في ليلة داجية في بلاد الروم وإذا أنا بنور خافت يخرج من نافذة، وإذا بامرأة تهدهد صبيها وتقول: نم وإلا قلت: خذه يا بطال، ثم مدت يدها إلى خارج النافذة فأخذته منها، وهذا الشخص الذي كانوا يخوفون به أطفالهم هو عبد الله بن بطال القائد المسلم.
стр. 282
أبطال في عصر الدولة العباسية
ثم بعد ذلك جاء هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه، الذي كان يصلي مائة ركعة تطوعاً لله في اليوم والليلة.
قال منصور بن عمار الواعظ: أكثر من لقيت دمعاً فضيل بن عياض، وهارون الرشيد.
أما فضيل بن عياض فقد قال فيه عبد الله بن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الخوف من الأرض.
فملك يقارن حزنه وبكاؤه وخوفه من الله بخوف الفضيل إنه لملك رشيد! وقد فتح هارون حصن الصفصاف سنة ١٨١ هجرية، وأخذه من ملك الروم قسطنطين بن ليون عنوة.
وأرسل إليه نقفور ملك الروم الذي تولى الحكم بعد الملكة أغسطة ملكة الروم، فكتب إليه: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ -طائر كبير في السماء-، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثالها إليها، ولكن ذاك ضعف النساء وحمقهن.
فإذا قرأت كتابي فاردد ما وصل إليك من أموالها، وافتدي نفسك بمالك.
فغضب هارون لما وصله الكتاب فمزق الكتاب وكتب في ظهره: من هارون ملك العرب إلى نقفور كلب الروم أما بعد: يا ابن الكافرة! فالجواب ما ترى لا ما تسمع والسلام.
وسار بنفسه على رأس الجيش حتى اضطر نقفور إلى دفع جزية قدرها ٤٠٠٠٠٠ دينار سنوياً.
وافتدى هارون الرشيد أسارى المسلمين في بلاد الروم وكان عددهم ٣٧٠٠ أسيراً حتى لم يبق أسيراً واحداً في بلاد الروم.
ثم جاء من بعده المعتصم رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعنا لكنها لم تلامس نخوة المعتصم فبمجرد أن صاحت امرأة في بلاد الروم وامعتصماه، ويسمع المعتصم قصتها وهو يدعو بالشراب لأن يشرب فيقول لساقيه: دع هذا الشراب حتى أفرغ من قتالهم، ثم قال: أي مدنهم أكثر أمناً؟ قالوا: عمورية، فساق الجيش إليها وانتصر واضطر ملك الروم إلى دفع الجزية مرة ثانية.
يقول الشاعر: أما سمعت بأرض الروم مسلمة تشكو لمعتصم ظلم المغيرينا فتسبق الخيل أصوات استغاثتها وتملأ الكون صيحات الملبينا وتصرخ اليوم آلاف مؤلفة فهل سمعت سوى أحزان باكينا ونحن نسمع أصوات استغاثتها وليس نسمعها إلا أغانينا خضر مرابعنا بيض صنائعنا سود وقائعنا حمر ليالينا ويذبح الطهر طهر البكر في دمه ونحن نسبح في أحلام ماضينا يقول النبي ﷺ : (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة)، أو كما قال ﷺ .
وكان في المغرب أيام حكم الخليفة العباسي المستعصم فارس يسمى: ابن فتحون، وقد بلغ من ذعر الروم منه أن الرجل كان إذا أراد أن يسقي فرسه الماء فتمتنع عن الشرب فيقول لها: اشربي أم أنك رأيت صورة ابن فتحون في الماء؟ ولك أن تتخيل مدى ذعر الروم من هذا القائد.
وخرج علج رومي ودعا المسلمين للمبارزة، فقتل من المسلمين ثلاثة، ثم نادى في المسلمين أيها المسلمون! رجل لثلاثة منكم، فشق ذلك على الخليفة فقال: علي بـ أبي الوليد بن فتحون فلما أتي به، قال له الخليفة: أما تسمع؟ قال: أسمع، وماذا تريد؟ قال: أن تأتيني به الساعة.
قال: لك هذا، ثم دعا بسوط، فقيل له: أما تخرج إليه بالسيف؟ قال: لا والله ثم دعا بسوط -والسوط هو الذي تؤدب به الكلاب- وعقد فيه عقدة وجعل لها خية في طرف السوط -يدخل فيها عنق فارس- ثم خرج وسط دهشة الرجل الصليبي فظل يصاوله فضربه الرومي على السرج ضربة قاتلة وفي لمح البصر نزل عن سرجه وتعلق برقبة فرسه، وقبل أن يصل ابن فتحون إلى الأرض علا مرة ثانية فوق السرج ثم ضرب هذا الفارس بالسوط ولف السوط على عنقه حتى دخلت الخية في عنق هذا الرجل وشدها إليه، ثم اقتلعه من على سرجه وأتى به إلى وسط صفوف المسلمين.
فكم نحتاج إلى مثل هؤلاء.
стр. 283
أبطال في الأندلس وأسبانيا
نأتي بعد ذلك إلى محمد بن عبد الرحمن بن الحكم أمير المؤمنين في الأندلس، صاحب معركة سليط التي قتل فيها ٣٠٠٠٠٠ من جيوش أوروبا، ومن بعده أتى عبد الرحمن الناصر فأدب ملك ليون أوردنيو وشانسو ملك ناصار في غزوة موبش واستمر الحريق عشرة أيام، وكان يغزو وربما مكث في غزوته أربعة أشهر، ودخل عاصمة ملك ناصار واستولى عليها.
ومن أبطال المسلمين أيضاً: الحاجب المنصور ملك المسلمين في أسبانيا، وقد بلغ عدد الغزوات التي غزاها ٥٠ غزوة، وكانت له غزوة في الصيف وغزوة في الشتاء، وأراد أن يعبر جبال برينيه -التي هي جبال البرانس- إلى فرنسا، وكان أكثر جنود هذا الملك من السبي الذين اعتنقوا الإسلام بعد ذلك.
وقد غزا الغزوات الكثيرة واستولى على برشلونة، وغزا زامورا حتى دخل في عاصمة المملكة التي كانت تسمى (ليون) أقوى مملكة نصرانية في ذلك الوقت، ووصل إلى شانتياقو ثاني مدينة عندهم -يعني: بعد مدينة بيت المقدس-، ويذكر عنه أنه كان يجمع غبار الحروب لتصنع منه لبنات توضع معه في قبره، وفي مرة من المرات سار بجيشه وسط جبلين وكان الممر الذي سلكه ضيقاً، ففوجئ أن الغزاة قد اجتمعوا خلفه وسدوا الممر بين الجبلين فظل يبني المدن والقرى ويعسكر هو وجنودهـ وهم ينظرون خروجه فلما أطال أخذوا يرسلون إليه: أن عد، واخرج من غير غنائم ولا أسرى.
فرد عليهم: لا، ثم أرسل إليهم: إنا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، ولذا سنظل ها هنا إلى وقت الغزوة الثانية فإذا غزونا عدنا.
وظل يحرق في بلادهم ويقتل ويسبي حتى قالوا له: إذاً فعد ومعك غنائمك، قال: لا أحمل الغنائم على دواب وإنما تحملونها أنتم على دوابكم، وتدفعون إلي المال والطعام حتى أصل إلى بلادي، وتنحون جيف قتلاكم عن الطريق.
فكان له ما أراد.
ولما مات الحاجب المنصور استولى ألفونسو ملك أسبانيا على المملكة ونصب سرير ملكه على قبر المنصور، وقال لزوجته: أما ترين أني ملكت ملك ملك العرب، ونصبت سرير ملكي على قبره؟ فقال له أحد العرب ممن كانوا في جواره: لو تنفس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه.
فهم أن يبطش به، فقالت له المرأة: والله إنه لحق.
стр. 284
أبطال دولة المرابطين في المغرب وغيرها
ومن أبطال المسلمين: يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، خاض يوم الجمعة ١٢ رجب سنة ٤٧٩ هجرية هو والمعتمد بن عباد معركة من أكبر معارك المسلمين في الأندلس اسمها: معركة الزلاقة، اجتمع له ألفونسو ملك قشتالة وملك أرجون وقوات من كل دول أوروبا بأمر من البابا، فكانت المعركة بين ٢٠٠٠٠٠ صليبي أمام ٤٨٠٠٠ يقودهم يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد.
وقبل بداية المعركة أرسل يوسف بن تاشفين -وكان خاض البحر من المغرب العربي حتى ينصر المعتمد بن عباد في أسبانيا- إلى ألفونسو: بلغنا أنك دعوت للاجتماع بك وتمنيت أن يكون لك فلك تعبر البحر إلينا عليها فقد جزناه إليك، وجمع الله بيننا وبينك في هذه العرصة وسترى عاقبة دعائك ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤].
وقد انتهت المعركة بقتل وأسر ١٨٠٦٠٠ وفر فقط ٤٠٠، ثم جمع أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين رءوس هذه الجثث وجعلها على هيئة هرم وأذن المؤذن فوقها بأذان النصر وصلوا المغرب.
وهناك معركة أخرى هي معركة: الأرك كانت بعدها خاضها يعقوب بن يوسف أمام ألفونسو الثامن، وكان الملك الرومي قد كتب إليه كتاباً يدعوه فيه إلى النصرانية، فمزق الكتاب وكتب إليه في ورقة صغيرة: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧].
وكان النصر في هذه المعركة أيضاً للمسلمين، وكان عدد القتلى ١٤٦٠٠٠ قتيل من الصليبيين، وبلغ عدد الأسرى ٣٠٠٠٠ أسير، والخيام ١٥٠٠٠٠ خيمة، وبلغ عدد الخيول ٨٠٠٠٠، و١٠٠٠٠٠ من البغال، و٤٠٠٠٠٠ من الحمير، و٦٠٠٠٠ درع، وكانت الفتاة تباع بدرهم.
ومن أبطال المسلمين الظاهر بيبرس الذي أكمل ما بدأه صلاح الدين الأيوبي، ففتح قلعة أرصوف، ودمر ثلث الفرسان المدافعين عنها، حتى قال شاعر صليبي في قصيدة له: المسيح أصبح فيما يظهر مسروراً لما حل بالمسيحيين من مذلة وهوان، وقد هزم الظاهر بيبرس الأرمن وقتل ابن ملكهم وأسر الابن الآخر، ودخل عاصمة ملكهم وأخذ ٤٠٠٠٠ أسير، وهو الذي حرر يافا، وأخذ قلعة الشقيف، ودمر أنطاكية، وقتل ملكها سيمون وما من جندي من المسلمين إلا وأصبح له أسير من الفرنجة، وأرسل الملك الظاهر بيبرس سفيرهم محيي الدين إلى ملك عكا، فأراد ملك عكا أن يستعرض قواته أمامه، فقال له السفير: إن كل هذا الجيش لا يضارع أسرى الفرنجة عندنا في القاهرة، وسقطت قلعة الحصن -قلعة الأكراد- التي ما استطاع صلاح الدين أن يسقطها على يد الملك البطل الظاهر بيبرس.
ثم أتى من بعده السلطان محمد بن قلاوون فحرر اللاذقية وطرابلس، ثم أتى الملك أشرف خليل ففتح عكا، وهو الملك المسلم الوحيد الذي استطاع أن يدخل عكا؛ لأن صلاح الدين بعد أن استرجعها أخذها النصارى منه مرة أخرى، ولكن الملك الذي استطاع أن يبقي عكا في أيدي المسلمين إلى الأبد هو الملك أشرف خليل حيث دخل عكا سنة ٦٩٠ هجرية.
ودخل المسلمون في عصره إلى قبرص في رمضان، وأتوا بملكها إلى الإسكندرية مأسوراً وكان يردد: قبرص قبرص قبرص وربما رددها في منامه، إذ كان شغله الشاغل بعد فتح عكا أن يفتح قبرص، وكان قبلها أن أرسل ملك قبرص بعض فرسانه وبعض البحرية فدخلوا مدينة الإسكندرية واستولوا عليها، وذبحوا من المسلمين ما ذبحوا، فنذر أشرف خليل أن يأسر هذا الملك، وتم أسره، فغزا المسلمون قبرص ودارت معركة لمدة سبعة أيام في رمضان، ثم عاد المسلمون بملك قبرص أسيراً.
ومن أبطال المسلمين الملك ألب أرسلان من السلاجقة، وقد خاض سنة ٦٤٣ هجرية معركة ملاذكرد، وكان عدد جنوده ١٥٠٠٠ أمام ملك الروم أرمانوس وكان عدد الروم في هذه المعركة ٦٠٠٠٠٠، وقبل بدء المعركة لبس الملك ألب أرسلان كفنه وتحنط بحنوطه وقال للناس: لا أمير لكم اليوم ولا سلطان لكم اليوم، من أراد أن يرجع ويبكي نفسه فليرجع، فلبس جيشه عن بكرة أبيه الأكفان وعرف هذا الجيش في التاريخ باسم جيش الأكفان، فكان النصر بإذن الله، فقد هزم الـ ١٥٠٠٠ جيش الروم وعدده ٦٠٠٠٠٠ ووقع أرمانوس في الأسر، ونودي عليه في آخر النهار: من يشتري الكلب؟ فصاح أسير من المسلمين: لا نشتري الكلب إلا بكلب، فوضعوا رباط الكلب في عنقه وجروه إلى بلاده، فلما رآه الرومان على هذه الحال سملوا عينيه.
أما في الهند! وأحوال المسلمين فيها فإن السلطان فتح علي خان المشهور بجهاده للإنجليز، قيل له: سيقتلك الإنجليز، فقال: يوم من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة ابن آوى.
وأما سلطان المسلمين في الفلبين فإنه لما قدم ماجلان إلى الفلبين قال: إنني باسم المسيح أطلب منكم التسليم، ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد، فتقدم منه سلطان المسلمين في الفلبين لابولابو وقاتله في معركة حتى ذبحه.
وأما الأتراك فإن السلطان العثماني مراد بن أورخان بلغ من ملكه أنه دخل صوفية عاصمة بلغاريا ودخل بيزنطة، فتجهز إمبراطور القسطنطينية وملك الصرب والبلغار والمجر ليلتقوا معه في معركة تسمى: معركة مارتيزا، فينتصر عليهم ويضطرهم إلى دفع جزية سنوية.
وفي سنة ٧٩١ هجرية يفتح جميع بلاد البلغار ويأخذ ملكهم شيمان أسيراً، ثم عاد ليؤدب ملك الصرب لازار في معركة قوصوه حتى يغدر به الصرب ويقتلونه غيلة في هذه المعركة بعد أن انتصر، وكان يدعو قبيلها في صلاة التهجد يقول: إلهي ومولاي إن كان في استشهادي نجاة لأحد من المسلمين فلا تحرمني الشهادة في سبيلك؛ لأنعم بجوارك، ونعم الجوار جوارك، إلهي ومولاي لقد شرفتني بأن هديتني إلى طريق الجهاد في سبيلك فزدني تشريفاً بالموت في سبيلك، وكان له ما أراد.
ومن بعده السلطان العثماني بايزيد الصاعقة الذي انتصر على لازار ملك الصرب وأمراء النمسا وألمانيا وفرسان القديس يوحنا، وفرسان البابا في معركة سنة ٧٩٨ هجرية.
ومن بعده السلطان مراد الثاني والد السلطان محمد الفاتح الذي استولى على الحكم وسنه حينها ١٨ سنة، ويهزم المجر وبولندا وفرنسا وألمانيا والزنادقة في معركة فارانا في ٢٨ رجب سنة ٨٤٨ هجرية ويقتل ملك المجر والكاردينال مندوب البابا في معركة كوسوفا سنة ٨٥٢ هجرية.
وأتى بعده سليمان القانوني ليفتح بلغراد في رمضان سنة ٩٢٧ هجرية، ثم يؤدب ملك المجر ويقتله سنة ٩٢٣ هجرية في معركة موهاس، ويقف بأربعة مليون جندي أمام فيينا عاصمة النمسا، ويصل إلى الميدان الرئيسي فيها.
ثم جاء بعده خير الدين بربروس ليؤدب أساطيل الدولة الأسبانية، وكان أمير البحار في الدولة العثمانية خير الدين بربروس وأخوه عروب الدين بربروس هما اللذان أقاما دولة الجزائر.
ويليه ملك المغرب مولاي عبد الملك الذي انتصر في معركة وادي المخازن سنة ٩٨٦ هجرية على البرتغال وأسبانيا والفاتيكان والنمسا، وقتل في هذه المعركة ملك البرتغال، ثم مات هذا القائد لمرض ألم به، وقد كان يقود المعركة وهو على محفة من شدة المرض.
ومن الحبشة ظهر بطل مسلم وكان ابن قسيس ثم أسلم بعد ذلك، واستطاع أن يوحد جهود المسلمين ومن ثم ينتصر على جيوش الصليبيين سنة ٩٣٥ هجرية، وهو يقول: الجهاد بغيتنا ومنانا، ولا نزال نصبر لهم على الضرب والطعن حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، ويؤسس مملكة للمسلمين في الحبشة.
فأين نحن من هذا كله؟ إنه لا سبيل إلى النصر إلا أن يعود المسلمون إلى الله ، وحينها تعود لنا العزة والشرف والكرامة والسؤدد، فإن يوماً من حياة الأسد خير من مائة سنة من حياة ابن آوى أو كما قال السلطان فتح علي خان.
اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، اللهم احم المسلمين المستضعفين في كل مكان، واحم أعراض المسلمين ودماء المسلمين في بلاد أوروبا وأمريكا.
اللهم انصر المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم احم إخواننا في فلسطين، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك بالصليبيين، اللهم وحد صفوف المسلمين، وهيئ لشريعتك أن تحكم الأرض وأن تسود.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
ربنا احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مفتونين ولا مبدلين، واجعل خير أيامنا يوم لقياك، وارزقنا لذة العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك.
رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين منيبين، وتقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، فبك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا.
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! اللهم صل على عبدك ونبيك محمد ﷺ .
اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك، وارزقنا الصدق في معاملتك، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
стр. 285
الاتباع بين أصحاب الوجد والعقلانية
فرض الله اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وعلق الفلاح والنجاح على ذلك، فأطاع أمره سبحانه من كتب الله له السعادة في الدنيا والآخرة، وجاء أقوام وفرق استعاضوا عن الكتاب والسنة بعلوم الكلام والجدل وشطحات لا ترجع إلى عقل أو دين، ومنهم من قدم عقله وحكمه على دين الله، ومنهم من اعتمد على منامات وحكايات وأساطير الإسلام بريء منها كل البراءة، ولا نجاح ولا فلاح إلا بالاتباع والاعتصام بالكتاب والسنة، وقد كثرت أقوال الصحابة والعلماء في التنبيه على أهمية الاتباع والتقيد به.
следующие страницы →