Полный текст (947 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أهمية تبشير الناس بأن المستقبل للإسلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]، أما بعد: فإن الرائد لا يكذب أهله في مثل هذه الأوقات العصيبة، وعملاً بقول رسولنا ﷺ : (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)، وقول رسول الله ﷺ : (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة).
فسرور تدخله على مسلم بالتبشير بأن المستقبل المضيء للإسلام وللإسلام وحده ينور قلوباً ربما قد يعتريها الجفاف فتنتعش بعد ظمأ، وتسقي ساحات العمل الإسلامي المبارك، نبشر ليعقل ساذج، وليتململ كسلان راقد، وينافس هابط قاعد، ويفرح هامد يائس بائس.
نبشر بمستقبل الإسلام ليسكن القلب، ويسلو الحزين البائس، نجاةً من وهدة، وتوجيهاً في ساعة حيرة، وأذاناً في نيام، ونبلاً عندما يسهل الواقع، وسمواً إذا نطق الإغراء، ووفاء في ساعة النكوص، واقتحاماً في مواطن الانخذال، ودفعاً للانزواء الذي كلكل على اليائسين القانطين؛ لتدخل القلب برودة السكن بوعد الله للمؤمنين بعد حرارة القلق، ولذعات الحيرة، ومرارة اليأس، وصداً لكل مأجور غريق تائه لا يجد له طريقاً.
عندما نعيش للإسلام فإن حياتنا تبدو طويلة عميقة تبدأ من حيث بدأت البشرية، وتمتد بعد الأرض، فنعيش حياة مضاعفة بقدر ما يتضاعف إحساسنا بالمسلمين لإسلامي أعيش أنا بتوحيدي وذا ديني نقشت حروفه تعلو على كل العناوين بخط الباب أن يسمو على كل الميادين لإسلامي ولو حتى إلى الجدران شدوني لإسلامي ولو حتى إلى النيران زفوني لإسلامي لإسلامي ولو في السوق باعوني وثارات لإسلامي تعايشني تغذيني تبث النور في روحي وتنبض في شراييني وإسلامي له أعطي له نفسي وتكويني أنا ماذا أكون أنا بلا ربي بلا ديني أنا ماذا أكون أنا أجيبوني أجيبوني نحن لا نقول للناس: إن الإسلام جميل وطيب فاتركوا له فرصة؛ لأن هذا فعل اليائس، وإنما نقول: إننا بحاجة لأن نعلو حتى نصل إلى مستوى الإسلام النظيف، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]، هذا قول خليل الرحمن إبراهيم أعلى البشرية بعد رسولنا ﷺ ، يريد أن يبقيه الله ﵎ على الإسلام ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]؛ أدباً مع الله ، ومعرفة لقدر النعمة التي لما حدنا عنها حاد عن أرجلنا طريق المجد.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب ابن طاب) وهي رطب معروفة في المدينة لرجل يسمى: ابن طاب، قال: (فأولت ذلك الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب).
نحن نتكلم عن الإسلام من منطلق الرد على الصليبية بأن المستقبل للإسلام، وأن حضارة الإسلام هي الحضارة العظمى، ونرد عليهم بقول علماء الأرض ممن حصلوا على أعلى الجوائز كجائزة نوبل، من عقلاء الغرب الذين يقولون: إن مجتمعاتهم مجتمعات خنازير، كما قال أفلاطون.
قال ﷺ : (عند الله خزائن الخير والشر، مفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير)، وقال ﷺ : (بشر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة في الدين، والتمكين في البلاد، والنصر).
حال الأمة في هذه الأيام مثل حال النبي ﷺ ، فأثناء الهجرة وهو مطارد وحيد إلا من رفيقه الطريد مثله يقول النبي ﷺ لـ سراقة الذي يريد أن يلحق به: (يا سراقة: كيف بك وسواري كسرى؟) يعني: الإسلام سينتصر وسيأخذ بيت كسرى، كما قال النبي ﷺ : (تغدو عصابة من أمتي البيت الأبيض بيت كسرى).
فيقول النبي ﷺ : (كيف بك يا سراقة وسواري كسرى؟)، فتمثل ذلك الواقع حينما تقول للناس: إن المستقبل للمسلمين.
والحال كما هو معلوم ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١].
وفي يوم الأحزاب كان النبي ﷺ وهو يحفر الخندق على ضربات المعاول يبدو نور المستقبل، فيقول: (الله أكبر أعطيت خزائن كسرى، أعطيت ملك قيصر، أعطيت خزائن اليمن)، ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
وأما المنافقون فيمثلهم معتب بن قشير يقول: إن محمداً يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب ليقضي حاجته.
قال تعالى: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي
стр. 37
المبشرات بالنصر والتمكين
стр. 38
مبشرات من القرآن
إن المستقبل للإسلام، وهذه مبشرات من القرآن الكريم، ومن السنة المطهرة، ومن السنن الربانية، ومن تاريخ المسلمين ومن خصائص الإسلام، ومن واقع هذه الأمة، ومن شهادات عقلاء الغرب بأن المستقبل للإسلام.
لا تهيئ كفني يا عاذلي فأنا لي مع الفجر مواثيق وعهد قال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]، هل رأى الناس إلا ديناً يضيء للدنيا كالمصابيح؟ فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف:٨]، وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب لتطفيه؟! وأين نور القمر من كف يحسب صاحبها أنه سيرفعها إليه ليطفئه؟! هيهات هيهات! دون ذلك درج الشمس -وهي أم الحياة- في كفن وإنزالها بالأيدي -وهي روح النهار- في قبر من كهوف الزمن! إن المصباح السماوي الذي أوقده رسول الله ﷺ تألب عليه بعضهم من يوم أبي لهب، ومن يوم حيي بن أخطب -وزال هؤلاء وذهبوا إلى مزابل التاريخ وبقي الإسلام شامخاً.
فالإسلام كالشمس لا يغرب مطلقاً، فانظر -مثلاً- حينما سقطت غرناطة -دولة المسلمين بالأندلس- في نفس الوقت كان سليمان القانوني يدق أسوار فينا ويصل إلى الميدان الرئيسي في فينا، واحتل بلغراد ودخلها في يوم الجمعة ٢٥ رمضان، وأعلى الأذان في معابدها، ووصل خير الدين بربروس وهو قائد البحرية التركي الذي أنشأ دولة الجزائر، وصد الأسطول البرتغالي الأسباني ثلاث مرات ودحرهم، وأنقذ (٧٠٠٠٠ أسيرة مسلمة)، وأراد أن يعبر جبال البرانس بفرنسا، بل وصلت قوات المسلمين إلى مدينة سانت جنوب باريس بثلاثين كيلو متر.
وحينما سقطت دولة الخلافة العباسية -في نفس الوقت- قامت دولة الإسلام الفتية في الهند.
قال الله ﵎: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
فكلمة تكون بها عوالم، وتخلق بها نواميس، وكلمة تذهب أدراج التاريخ، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]، وذكر الله ﵎ لنبيه عيسى أن أتباعه من المسلمين فوق الذين كفروا، قال: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]، وكذلك كل متبع للنبي ولمن سبقه من الأنبياء كما قال ابن كثير.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
إن الله أبتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦]، وقال الله ﵎ عن حزب الشيطان: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩]، وقال رسول الله ﷺ : (كما لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينزل الأبرار منازل الفجار)، فهما طريقان أيهما أخذتم أدركتم ثمرته.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢٠ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق:٨ - ٩].
والعاقبة النتنة لأجيال البشرية الضالة المنكوبة الكافرة البعيدة عن طريق الله وطريق رسوله، قال الله مبشراً للمؤمنين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].
وقال الله ﵎ مبيناً معيته للمؤمنين: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]، وقال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
وبين الله أنه ولي الذين آمنوا فقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
قال أبو سفيان في غزوة أحد: اعل هبل، فأمرهم النبي ﷺ أن يردوا ويقولوا: (الله أعلى وأجل)، فقال: لنا العزة ولا عزة لكم، فقالوا له: (الله مولانا ولا مولى لكم).
قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، وهو ناصرهم قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].
والله يمكر لدينه دائماً قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، وقال جبريل لـ أم إسماعيل: لا تخشي الضيعة إن الله لا يضيع أهله.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:٥].
وقال تعالى: ﴿جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ﴾ [ص:١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٢]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧].
كل هذه مبشرات من كتاب الله ومن أصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً، فليس بعد قول الله قول.
стр. 39
مبشرات من السنة
وهناك مبشرات من السنة في انتشار الإسلام في أرض البسيطة، فقد بشر به النبي ﷺ فقال: (والله ليتمن الله هذا الأمر) أي: الإسلام، (حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، وراوي الحديث هو خباب بن الأرت الذي قال له النبي ﷺ : (ولكنكم تستعجلون) كانت سيدته تلقي عليه الحديد المحمى فوالله ما يطفأ الحديد إلا بما يسيل من شحمه.
وعن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذلك ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).
وبشر النبي باتساع رقعة الإسلام، فعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها).
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -الذي أخرجه الإمام أحمد - قال: (بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فقال النبي ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً)، ومدينة هرقل هي القسطنطينية، وصدق رسول الله ﷺ فقد فتحت القسطنطينية في يوم الثلاثاء ٢٠ جماد الأول سنة ٨٥٧ هجرية الموافق ٢٩ مايو سنة ١٤٥٣ ميلادية على يد السلطان محمد الفاتح، وهو ابن ٢٣ سنة، ففتحت القسطنطينية وستفتح روما.
هذه بشارة نبينا ﷺ في عودة الخلافة الراشدة كما جاء في حديث حذيفة: قال النبي ﷺ : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عضوضاً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت).
ومن المبشرات بمستقبل الإسلام السائر قول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)، ومن المبشرات بأن المستقبل لهذا الدين ظهور المجددين لهذا الدين كما قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود، والحاكم قال رسول الله ﷺ : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).
ومن المبشرات على أن شمس الإسلام لن تزول: بقاء الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة، كما جاء في حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة).
وفي حديث المغيرة بن شعبة: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون)، وفي حديث معاوية: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).
وحديث أبي هريرة: (لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها)، وحديث عقبة: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك).
وحديث سلمة بن نفيل: (ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله).
وقال ﷺ : (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره)، وهذا يدل على وجود الخيرية في هذه الأمة في كل زمن.
وقال ﷺ : (عصابتان من أمتي أخرجهما الله من النار) أي: لا يدخلان النار أبداً، (عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم).
وقال ﷺ : (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي).
ومن المبشرات لهذه الأمة نزول المسيح عيسى ابن مريم آخر الزمان، كما قال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها).
وفي حديث آخر صححه الشيخ أحمد شاكر قال: (سيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمانة على الأرض حتى تركع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات فلا تضرهم).
وكما قال ﷺ : (طوبى لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء بالقطر، ويؤذن للأرض بالنبات، حتى لو بذرت حبة على الصفا لنبتت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاح ولا تحاسد ولا تباغض).
وقال النبي ﷺ : (ليقتلن ابن مريم الدجال ببيت لد).
ثم من المبشرات أيضاً: ظهور المهدي في آخر الزمان، قال ﷺ : (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملأت جوراً).
ومن المبشرات: الانتصار على اليهود، كما قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد).
وجيش محمد سيعود في عز وفي غلب وأن الغرقد الملعون مقطوع بلا سبب وأن السامري سيوقد النيران فوق مفاوز العرب ويمضي مثلما ولت جميع كتائب الإفرنج من حقب ويبقى تائهاً في الأرض يعبد عجله الذهبي وفي آخر الزمان ستفتح القسطنطينية مرة ثانية بعد عودتها إلى الكفر، يقول النبي ﷺ : (تكون بينكم وبين بني الأصفر هدنة، فيغدرون بكم فيسيرون إليكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً)، وكما قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم -أي: الصليبيون- بالأعماق، فيخرج إليهم جيش من المدينة -أي: من مدينة دمشق- هم خير أهل الأرض يومئذ، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث هم خير الشهداء عند الله، ويفتح الله على الثلث الباقي، وبينا هم يقتسمون الغنائم وقد علقوا سيوفهم بأشجار الزيتون إذ صاح فيهم الصائح -وفي رواية: الشيطان-: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم وذراريكم -وهذا باطل-، فيبعثون من يتقصى الخبر).
стр. 40
مبشرات من سنن الله في الكون
وهناك مبشرات من سنن الله ومن نواميس الله في الكون، التي لا يحيد عنها حائد، ومن هذه السنن سنة التغيير وسنة التداول، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
فقد كانت الغلبة لهم ثم انتقلت الدولة والحضارة إلى المسلمين، ولما غفل المسلمون عن دينهم انتقلت الحضارة إلى الغرب، ويوماً من الأيام ستعود إلينا، وقد سقطت حضارة روسيا الأولى، وبعد سقوط حضارتهم تعود إلينا مرة ثانية.
وسنة التغيير؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال:٥٣ - ٥٤].
وهذه سنة الله في الذي يعرض عن هداه، ولا ريب أنهم في الغرب قد أعرضوا عن طريق الله ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤].
وأما سنة الله في المترفين: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
وأما سنة الله في الظالمين: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١]، ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام:٤٥]، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٤٧]، ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يونس:١٣]، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
فأين كان العالم يوم أن بكى الأطفال وماتوا وقتلوا، كانوا ٧٠٠٠٠٠ طفل بإحصاءات الأمم المتحدة؟! وأين كان العالم وأطفال العراق يموتون من الجوع؟! ولا شيء أشد على النفس من موت طفل وأنت تستطيع أن تنقذه.
وأين كان ضمير العالم وفلسطين تئن من الذبح والقتل والتشريد ونسف البيوت؟! ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
إن حضارة الغرب حضارة عوراء لا تنظر إلا بعين واحدة وهي عين المادة، وتكيل بمكيالين دائماً، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٩]، ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٢ - ١٤].
وسنة الله في الكفار واحدة، فليس هناك كافر يكفر هو أحسن من كافر آخر، قال الله : ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٤٣]، فكما أخذ عاد وثمود، وقوم لوط التي تمثلت فيها حضارة الشذوذ فسيأخذ حضارة الشذوذ في أي زمان، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:١٠]، وقال الله : ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:٢١١]، وقال الله : ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨].
إن سنن الله لا تحيد أبداً، فانظر إلى الغرب حين انتشرت فيه المخدرات، والبطالة، والقتل، والإجهاض، تقول الإحصائيات: إن ثلاثة وخمسين مليون طفل هم حصيلة الإجهاض، فالجريمة كل دقيقة، والاغتصاب مستمر، كما انتشرت الخمور، وكثر نكاح المحرمات، ونكاح الأقارب.
وهناك بنوك للحيوانات المنوية تأخذ منها المرأة ما تشاء فيولد الطفل من غير أب، فيباع الأطفال، وانتشرت البطالة، والديون والتردي، كل هذا موجود في حضارة الغرب.
يقول الكاتب الإنجليزي أسبورن: نحن موتى مخدرون مضيعون، نحن سكيرون مجانين حمقاء، نحن تافهون.
وهذه كانت في مسرحية حضرها ستة مليون وسبعمائة وثلاثة وثلاثين ألف في الغرب.
وانظر إلى كتاب جيمس بادرسن، وديسر جيم: يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة.
وهذا الكتاب صدر في نيويورك عام ١٩٩١م وترجمه الدكتور محمد سعود البشر، وهناك كتاب آخر: نحن القوة الأولى أين تقف أمريكا؟ وأين تسقط في النظام العالمي الجديد؟ لـ أندرو شابيرو، صدر عام ١٩٩٢م بعد حرب الخليج.
ثم الكتاب الثالث: السقوط التراتيبي أمريكا عام ٢٠٢٠ ميلادية للجنرال هوف قائد السلاح الجوي السابق الأمريكي، وقائد قوات الأمم المتحدة في كوريا ومستشار وزارة الدفاع، صدر هذا الكتاب عام ١٩٩٢م، يقول: إن ديون الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٩٢م كانت أربعة ألف مليون دولار، وستصل في عام ٢٠٢٠م إلى عشرة واثنين من عشرة ترليون دولار.
يقول: إنه في كثير من الأوقات يراودهم شك بأنهم دجالون ومحتالون ومنافقون.
معنى هذا: أن هناك ثمانين مليون دجال ومنافق ومحتال في بلادهم.
وانظر إلى كتاب: سقوط الحضارة لـ كولن ولسن، وانظر إلى ما كتبه الشاعر الألماني بروشرت يقول: نحن جيل بلا رابط ولا عمق عمقنا هو الهاوية نحن جيل بلا دين ولا راحة شمسنا ضيقة حبنا وحشية شبابنا بلا شباب إننا جيل بلا قيود ولا حدود ولا حماية من أحد وانظر إلى ما كتبه العالم ألكيس كارتل صاحب كتاب: الإنسان ذلك المجهول، والحاصل على جائزة نوبل، أو انظر إلى كتاب إنسانية الإنسان لـ رنيه روبو الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل، أو انظر إلى ما كتبه لوبات سكرتير وزارة الداخلية الأمريكية في بحث له بعنوان: هل تستطيع أمريكا التغلب على خلاصة النمو؟ يقول: إنه من السهل اعتبار أمريكا التي صنعها الإنسان كارثة.
وانظر إلى ما كتبه جون ديوتي: إن الحضارة التي تسمح للعلم بتحطيم القيم المتعارف عليها لهي حضارة تضر نفسها بنفسها.
وانظر إلى كتاب سقوط الحضارة لـ كولن ولسن الذي يصف فيه المجتمعات بأنها مجتمعات الخنازير أو كما قال.
стр. 41
مبشرات من التاريخ
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
هذه مبشرات من التاريخ، ففي أشد الظروف التي مرت بالأمة الإسلامية حيث تكون الأمة أحوج ما تكون إلى النصر يأتي نصر الله، قال تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].
فقد نصر الله المؤمنين يوم بدر، ونصرهم الله يوم الأحزاب، وليس ذلك في أيام الرسول ﷺ بل انظر إلى الأيام التي أعز الله فيها المسلمين ودك شأن الصليبين، وانظروا إلى سيف الله خالد بن الوليد في معركة نهر الدم، حيث كانت هذه المعركة بين المسلمين وبين جيوش الفرس، وكان عددهم ١٥٠٠٠٠ ومعهم بعض نصارى العرب، وكان جيش خالد عدده ١٨٠٠٠، فقال جابان قائد جيش الفرس: استعدوا للقاء خالد.
فمن عدم احتفالهم بسيدنا خالد نشروا البسط وأرادوا أن يأكلوا الطعام وهم يرون جيش خالد أمامهم، فأجبرهم خالد بخيوله على ترك الطعام حتى قال لهم قائدهم جابان: والله لكأنكم أعددتم الطعام لـ خالد.
واستمر فيهم القتل، ونزل خالد وقد كان عاهد الله إن منحه أكتاف القوم أن يجري النهر من دمائهم، ولما اقترب النصر صاح منادي خالد: الأسر الأسر، أي: لا تقتلوهم، وجعل يأتي بهم جماعات جماعات فيضرب أعناقهم على حافة النهر.
فأراد أن يبر بقسمه لله ، وقال له القعقاع بن عمرو التميمي: والله لو أنك قتلت أهل الأرض جميعاً ما وفيت بنذرك حتى تجري قليلاً من الماء في النهر؛ فتحمل المياه دماءهم حتى تبر بقسمك، ففعل خالد وتغير لون مياه النهر ٢٠ يوماً.
ثم قال خالد بعد ذلك للمسلمين: اجلسوا للطعام.
وخطب سيدنا أبو بكر الصديق فقال: يا معشر قريش! عدا أسدكم على الأسد -أي: سيدنا خالد عدا على قوات الفرس- فغلبهم على خراجينه -أي: على اللحم الذي كانوا يأكلون منه-، عجزت النساء أن ينشئن مثل خالد.
وثاني معركة كانت بينه وبين صليبي العرب، واسمها: معركة عين التمر، وكان قائد قوات الصليبين عقة بن أبي عقة في وسط جيشه، وسيدنا خالد في وسط الجيش، ونظر خالد سيف الله فقال: احموا مجلدتي بعشرة فرسان، أي: احموا ظهري بعشرة فرسان، ثم انطلق إلى جيشهم فمضى في صف الجيش المحارب ثم صاول عقة بن أبي عقة حتى اقتلعه عن فرسه وأمسك به ثم وضعه على فرسه، وانطلق به إلى جيش المسلمين وانتهت المعركة.
وفي معركة الفراض في ١٥ ذي القعدة سنة ١٢ هجرية كان أول مرة في التاريخ تجتمع فيها قوات الفرس وقوات الروم والصليبين وعددهم ١٥٠٠٠٠، أما سيدنا خالد ومن معه فكان عددهم ٣٨٠٠٠، فقتل منهم سيدنا خالد ١٠٠٠٠٠.
وبعث سيدنا أبو بكر إلى خالد أن يذهب إلى جبهة الروم بالشام، وقال: والله لأذهبن وساوس الروم بسيف خالد.
وكانت معركة اليرموك وفتح دمشق، وكانت في ١٥ رجب سنة ١٢ هجرية، وكانت جيوش المسلمين خمسة جيوش: جيش شرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وأبي عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وجيش خالد بن الوليد، فمكثوا أربعة أشهر كاملة لا يستطيعون فتح مدينة دمشق، حتى وصلت الأخبار إلى خالد الذي وصفه المؤرخون بأنه لا ينام ولا ينيم، أي: هو لا ينام والعدو الذي أمامه من شدة خوفه لا ينام، فعيونه ذكية، فبث مخابراته فقالوا له: إن نسطاس بن نسطور قائد الروم في دمشق قد ولد له مولود، وإنه سيوزع الخمر الليلة على جنود الحامية، فأعد خالد قرباً مليئة بالهواء ثم عبر عليها النهر سباحة حتى وصل إلى أسوار دمشق، وأعد سلالم من حبال الليف معلقة فيها خطاطيف في نهاية كل حبل، فجعلوا يلقونها على الأسوار فعلق حبلان، فصعد عليهما مذعور بن عدي العجلي، والقعقاع بن عمرو التميمي ومعهما بقية الحبال، فعلقاها فوق أسوار دمشق، ونادى خالد: إذا سمعتم تكبيرنا من فوق الأسوار فانهدوا إليهم، وطيلة الليل يقتل خالد في الروم حتى قالوا: افتحوا الباب لجيش أبي عبيدة حتى لا يفنينا خالد.
وكانت معركة اليرموك هي التي أنهت وجود الروم في بلاد الشام، وكان عدد الروم فيها ٣٠٠٠٠٠ مقاتل، وعليهم قائدهم ماهان أقوى قادة الروم، ومعه القيقلان وبندارق أخو هرقل، وكان جيش المسلمين ٣٦٠٠٠ مقاتل، فيهم ١٠٠٠ صحابي، وفيهم ١٠٠ بدري.
وأرسل سيدنا أبو عبيدة لسيدنا عمر قال: إنه قد أتى المسلمين ما لا قبل لهم به إلا أن يمدهم الله بملائكة، فسيدنا خالد قال لـ أبي عبيدة: إن كنا نقاتلهم بالقوة والكثرة فوالله ما تغني قلتنا أمام الناس شيئاً، وإن كنا نقاتلهم بالله ولله فإن قواتهم لا تغني عنهم ولو ملئوا جيوش الأرض لنا، ثم قال البطل خالد: أتطيعني فيما آمرك؟ قال: نعم، قال: ولني ما وراء ذلك واتركني والقوم فإني أدعو الله أن ينصرني عليهم، وكان على جيش المسلمين في القلب أمين هذه الأمة أبو عبيدة، وعلى الميمنة أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباث بن أشيم بطل المسلمين وصنديدهم، وعلى الرجالة قاتل الأسود هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وبالتناوب مع أبي الأعور سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، حتى إن الروم كان كل ١٠٠ منهم يسلسلون بسلاسل، فقتل منهم ١٢٠٠٠٠، منهم ٨٠٠٠٠ مسلسلين بالسلاسل، و٤٠٠٠٠ قتلوا في يوم المعركة، حتى إن القيقلان لما رأى ما حل بالروم من هزيمة منكرة قال: غطوا رأسي، فحز المسلمون رأسه وهو ملفوف.
وفي أيام الدولة الأموية كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان الجرادة الصفراء أفضل أخوته، وكان الروم يفزعون منه إلى آخر بلادهم، وكان معه قائد من قواد المسلمين اسمه: أبو محمد عبد الله البطال، فبلغ الذعر بقوات الروم من هذا البطل المسلم ما روي أنه قال له عبد الملك بن مروان: ما أغرب ما حدث لك يا بطال؟ قال: توغلت في أرض الروم في ليلة بادية وإذا أنا بضوء خافت ينفذ من نافذة، وإذا بامرأة تريد أن تنيم ولدها فلا ينام، فتقول له: اسكت وإلا آتيك بـ البطال فأقول: خذه يا بطال، ومدت يدها نحو النافذة قال: فأخذت الصبي منها.
وفي أيام المستعصم الخليفة العباسي بلغ خوف الروم من قائد جيش اسمه ابن فتحون أن الرجل الرومي كان يسقي فرسه من الماء فإذا امتنعت عن الشرب يقول لها: اشربي وإلا رأيت ابن فتحون في الماء.
وفي معركة من معارك المسلمين اسمها: معركة ملاذكرد سنة ٦٥٣ ميلادية كانت بين السلطان المسلم ألب أرسلان وجيشه كان ١٥٠٠٠ مقاتل، وبين أرانوس الرابع قائد وإمبراطور الروم وجيشه كان ٦٠٠٠٠٠ مقاتل، حتى إن ألب أرسلان خاف استئصال شأفة الجيش المسلم فعرض المال -وهذا جائز- على أرانوس الرابع فلم يقبل.
فأتى السلطان وقال: أيها الأمراء! من أراد أن يرجع فليرجع، فلا أمير ولا سلطان عليكم بعد اليوم، وإني ماض إلى الجنة، فمن أراد أن يتبعني فليتبعني، فلبس الجيش كله الأكفان، وكان يسمى: جيش الأكفان، ثم كانت الدائرة في نهاية الأمر على الروم، وأخذ أميرهم وإمبراطورهم أسيراً، ونودي عليه: من يشتري الكلب؟ فنادى أحد جنود المسلمين: لا اشتري الكلب إلا بكلب.
فقراءة التاريخ الإسلامي وما حدث فيه من انتصارات للإسلام والمسلمين مما يذهب الإحباط واليأس عن النفوس.
стр. 42
فضائل الحج
اختص الله عشر ذي الحجة بفضائل على غيرها، مما جعلها أفضل الأيام، والعمل فيها أفضل من سائر الأعمال، وفي هذه الأيام تقام شعيرة الإسلام وركنه العظيم، وهو الحج إلى بيت الله الحرام.
وقد رغب ديننا في الحج، وبين فضله ومناسكه؛ ليشمر أصحاب الهمم إلى رضوان الله.
стр. 43
بيان فضل عشر ذي الحجة
стр. 44
فضل عشر ذي الحجة على غيرها من الأيام
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل كفى خير من ما كثر وألهى، و ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].
ثم أما بعد: اعلم يا أخي! أن الله اختار من الزمان شهوراً طيبة هي أفضل الزمان، وهي الأشهر الحرم، واختار من الأشهر الحرم أفضلها، وهو ذو الحجة، واختار من ذي الحجة أفضله، وهو العشر الأوائل منه، وأقسم الله ﵎ بهن، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢].
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة: الليالي العشر هي عشر ذي الحجة.
وهي الأيام المعلومات التي قال الله ﵎ فيهن: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨].
قال ابن عباس: هي عشر ذي الحجة.
وأخبر النبي ﷺ أن هذه الأيام لها فضل في ذاتها، بخلاف فضل العمل فيها، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل أيام الدنيا أيام العشر).
قال ﷺ : (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيامكم هذه، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير).
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام - يعني: أيام العشر - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).
فالعمل المفضول في هذه الأيام أفضل من العمل الفاضل في غير هذه الأيام، والعمل المفضول وهو الذكر أفضل من الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام.
فالذكر في هذه الأيام من تسبيح وتحميد وتهليل أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا من لون واحد من الجهاد، وهو رجل يخرج بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء.
ولذلك كان راوي الحديث سعيد بن جبير يقوم هذه الأيام ويجتهد فيها اجتهاداً لا مزيد عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سرجكم هذه الأيام، يعني: أحيوا هذه الأيام، ولا تطفئوا سرجكم فيها، فكانت تعجبه كثرة العبادة.
стр. 45
الأحاديث الواردة في صيام أيام العشر وطريق الجمع بينها
أما صوم هذه الأيام فورد فيه حديثان: الحديث الأول: حديث حفصة بنت عمر ﵂ في مسند الإمام أحمد قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يدع صيام عاشوراء وعشر ذي الحجة وثلاثة أيام من كل شهر).
وفي سند هذا الحديث اختلاف.
والحديث الثاني: حديث عائشة الذي رواه الإمام مسلم: (ما رأيت رسول الله صائماً العشر قط)، وفي رواية: (ما رأيت رسول الله صائماً في العشر قط).
وجمع العلماء بين الحديثين بجمعين: الجمع الأول: أن الحديثين خرجا مخرج الغالب، يعني: عندما قالت السيدة عائشة ﵂: (ما رأيت رسول الله صائماً العشر قط) كانت تعني: ما أتم صيامهن.
وقول السيدة حفصة: (ما كان رسول الله يدع صيام عشر ذي الحجة) تعني: أنه كان يصوم أغلبهن.
والجمع الثاني: القاعدة: أن المثبت عنده زيادة علم على النافي، والمثبت هو حفصة ﵂، والنافي هو عائشة ﵂، فقد يوافق أن رسول الله ﷺ لم يصم في أيام عائشة وما رأته صائماً، ولكن أم المؤمنين حفصة ﵂ رأته صائماً في أيامها عندها.
فيكون الجمع: أن النبي ﷺ لم يكمل صيام هذه الأيام وإنما صام أغلبها.
وإذا أراد أخ أن يكمل صيام هذه الأيام التسع فلا حرج عليه؛ فقد كان عبد الله بن عمر يصوم العشر، وهذا أيضاً خرج مخرج الغالب؛ لأن اليوم العاشر -وهو يوم العيد- يحرم صومه.
يعني: كان يصوم التسع بأكملهن.
وممن قال بهذا الحسن البصري وجمهور أهل العلم، فمن أكمل صيام هذه الأيام فلا حرج عليه، وله في ذلك سلف، وهو عبد الله بن عمر.
ومن لم يكملهن فهدي النبي ﷺ أكمل وأنفع وأطيب، هذا بالنسبة للصيام.
стр. 46
حكم التكبير في عشر ذي الحجة
وأما بالنسبة للتكبير، وهل يشرع الجهر بالتكبير والتسبيح والتحميد؟ فقد اختلف فيه أهل العلم، فأنكره جماعة واستحبه الشافعي وأحمد، إلا أن الشافعي خص الجهر بالتكبير عند رؤية بهيمة الأنعام، واستحبه الإمام أحمد مطلقاً.
وروى الإمام الفريابي في كتاب العيدين: أن سعيد بن جبير ومجاهداً وعبد الرحمن بن أبي ليلى كانا يدخلان السوق في أيام العشر فيكبران فيكبر السوق بتكبيرهما، وأن عبد الله بن عمر وأبا هريرة كانا يدخلان السوق فيكبران لا يدخلان إلا لذلك.
فبين أهل العلم اختلاف في التكبير.
стр. 47
آداب عشر ذي الحجة
عن أم سلمة ﵂ مرفوعاً: (من أراد منكم أن يضحي فإذا ظهر هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من بشره)، وفي رواية: (ولا من أظافره شيئاً)، أي: يمسك عن قص الشعر من أراد أن يضحي، ولا يأخذ من شعره ولا من أظافره شيئاً.
وهذه أيام طيبة فيها يوم عرفة، وصيامه كفارة للسنة الماضية والمستقبلة، فصيامه يكفر سنتين.
وفي هذه الأيام يوم النحر، وهو أفضل أيام الدنيا عند الله ، كما قال النبي ﷺ : (أفضل الأيام يوم النحر، ثم يوم القر)، وهي الأضحية، وهو علم وشريعة من شرائع الملة المحمدية الإبراهيمية، فيها ركن من أركان الإسلام العظيمة الحج.
стр. 48
فضل الحج
والملائكة تحج أفلا نحج نحن؟ وقد أقسم الله بالبيت المعمور، وهو كعبة الملائكة في السماء، كما جاء في حديث الإسراء من حديث مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: (ثم رفع بي إلى البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم)، أي: يدخله للصلاة فيه سبعون ألف ملك يومياً من يوم أن خلق الله السماوات والأرض لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
وفي حديث خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه لما سئل عن البيت المعمور؟ قال: كعبة في السماء السابعة حيال الكعبة -يعني: فوق الكعبة- في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك.
قال ابن كثير: يطوفون حوله ويصلون نحوه، وفي كل سماء بيت يطوف حوله أهل هذه السماء من الملائكة، والذي في السماء الدنيا يسمى بيت العزة.
وأما الذي في السماء السابعة فهو البيت المعمور، ويعظم الملائكة البيت الذي في السماء في طوافهم حوله، أفلا يعظم أهل الأرض هذا البيت؟ والحسن بن علي ريحانة النبي ﷺ من الدنيا حج خمساً وعشرين مرة ماشياً على قدميه، وإن النجائب لتقاد من حوله.
وأبو عثمان النهدي شيخ وقته حج واعتمر ستين مرة.
والأسود بن يزيد حج ثمانين مرة؛ فهذا من تعظيم العلماء والصالحين للحج وللعمرة.
стр. 49
موقف المبتدعة من الحج
стр. 50
القرامطة ينتهكون حرمة البيت الحرام وحجاجه
وأما غيرهم من الفجار والكفار فيصدون عن البيت الحرام، فقوم من غلاة الشيعة القرامطة الذين كانوا يسكنون في جنوب الجزيرة العربية وفي البحرين بالذات؟ كان فيهم رجل يسمى أبو سعيد الجنابي، وفي سنة ثلاثمائة وسبعة هجرية قتل هذا الفاجر اللعين من الحجاج ثلاثة عشر ألفاً، وقلع الركن في يوم النحر، وقتل في المسجد الحرام ألفاً وسبعمائة رجل وامرأة وهم متعلقون بأستار الكعبة، وردم بهم زمزم.
وقتل من أهل خراسان والمغاربة ثلاثين ألفاً، وسبى مثلهم من الأطفال والنساء، واقتلع الحجر الأسود من مكانه في الكعبة وذهب به إلى البحرين، وظل عنده حتى سنة ثلاثمائة وتسع ثلاثين هجرية حتى أعاده الخليفة العباسي مرة أخرى.
وهذا اللعين كان يقول: خذي الدف يا هذه والعبي وغني هزاريك ثم اطربي تولى نبي بني هاشم وهذا زمان بني يعرب لكل نبي مضى شرعة وهذي شريعة هذا النبي فقد حط عنا فروض الصلاة وحط الصيام ولم يتعب إلى آخر المحرمات التي أباحها هذا الفاجر، فكان جزاؤه أن امرأة ألقت عليه بقالب من الطوب وهو يخطب في البحرين فمات قتيلاً، وقتيل النساء شر قتيل، لأن الرجل الذي تقتله امرأة رجل لئيم.
стр. 51
بيان ضلال الحلاج وصده عن الحج والصيام والقرآن
وممن يصدون أيضاً عن البيت أصحاب التصوف الفلسفي، فـ الحلاج وهو شخصية صوفية كفرها أهل العلم وكان يقول في كتابه التواصيل: ألا أبلغ أحبائي بأني ركبت البحر وانكسرت سفينه على دين الصليب يكون موتي فلا البطحا أريد ولا المدينه وهو رائد الحج بالهمة، فكان هذا الرجل يقول كما ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في المجلد الحادي عشر: من أراد الحج ولم يتيسر له فليبن في داره بيتاً لا يناله شيء من النجاسة ولا يمكن أحداً من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به -يعني: ببيته هذا حتى وإن كان في مصر مثلاً- كما يطاف بالكعبة، ثم يفعل في داره ما يفعل الحجيج بمكة، ثم يستدعي ثلاثين يتيماً فيطعمهم من طعامه ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصاً قميصاً، ويعطي كلاً منهم سبعة دراهم، أو قال: ثلاثة دراهم، فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج.
أي: يسقط عنه فرض الحج، كما قال الحلاج.
ويقول عن النيابة في صيام رمضان: وصيام رمضان ينوب عنه -وهذا نقل الحافظ ابن كثير عنه- أن يصوم الرجل ثلاثة أيام، يفطر بعدها في اليوم الرابع على ورق الشجر.
أي: فيصبح هذا كمن صام رمضان.
وأما القرآن فإن تلامذته يقولون: إن الحلاج يستطيع أن يؤلف مثله.
стр. 52
من ضلال الصوفية في الحج
ونسب فريق الدين العطار مؤرخ الصوفية هذا إلى رابعة العدوية، وهي من هذا بريئة، فجمهور أهل العلم على توثيقها، وأنها كانت عابدة تقية.
ونسبوا إليها أنها قالت عن الكعبة: ذلك الصنم المعبود في الأرض ما ولجه الله ولا دخله.
وبرأها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه مجموع الرسائل، بل منهم من يقول كما يحكي الشيخ عبد الرحمن الوكيل: إنهم لا يذهبون للطواف حول الكعبة؛ لأن الكعبة تأتي إليهم وتطوف حولهم.
وينسبون إلى التقي الورع الإمام الزاهد العابد إبراهيم بن أدهم أنه حج إلى الكعبة أربعين سنة ماشياً من كثرة عبادته.
يعني: أنه خرج من بيته ولم يصل إلى الكعبة إلا بعد أربعين سنة، فلما كان عند الكعبة اختفت الكعبة عن إبراهيم، فقال: يا رب! صرت أعمى حتى لا أرى الكعبة أم ماذا؟ فسمع هاتفاً يقول له: يا إبراهيم! ما أنت بأعمى، ولكن الكعبة قد تحولت للقاء رابعة.
وهذا الكلام خرافات ودجل، وإبراهيم بن أدهم التقي الورع من ذلك بريء.
стр. 53
ضلال البهائية والقاديانية في الحج
وأيضاً البهائية أسقطوا الحج عن النساء وقالوا: بأن الحج واجب على الرجال فقط، وهم لا يعرفون شعائر الحج وقالوا: الحج إلى بيتين: إما إلى بيت البهاء، وهو الذي ادعى الألوهية في بغداد، أو إلى بيت علي محمد الشيرازي في شيراز.
والبيتان ليست موجودين في هذا الوقت؛ لأن الحكومة العراقية هدت البيت الأول، والإيرانية هدت البيت الثاني، وانتهى هذا الدجل.
وأما أحمد القادياني عميل الإنجليز فقال عن مسجد القاديان في أقصى أغوار الهند: ومن دخله كان آمناً.
وقال: الحج هو حضور المؤتمر السنوي لجماعة القاديان.
فهذا هو الحج عند القاديانية.
стр. 54
ضلال الشيعة في الحج
وأما الإثنا عشرية من الشيعة الذين هم سكان إيران فعندهم أن كربلاء أفضل من مكة، بل وأفضل من السماوات السبع، حتى قال قائلهم: هي الطفوف فطف سبعاً بمغناها فما لمكة معنى مثل معناها أرض ولكنما السبع الطباق لها دانت وطأطأ أعلاها لأدناها فقوله: السبع الطباق لها دانت يعني: خضعت وذلت.
وقوله: وطأطأ أعلاها يعني: أعلى السماوات السبع.
وقوله: لأدناها يعني: لأقل مكان في كربلاء.
ومعنى قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧] كما قال الحسن البصري: يظل الدين قائماً ما حج إلى هذا البيت، ويظل الناس على ديانة ما حجوا البيت، ويظل حجيج البيت يتوافدون عليه حتى يهدم الكعبة ذو السويقتين، كما قال النبي ﷺ عنه أنه (من الحبشة، كأني أنظر إليه أسود أفيدع، بعيد ما بين ساقيه، ينقضها حجراً حجراً).
وقال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى لا يحج إلى هذا البيت).
وأما من قال من أمريكا وندب قومه من الكافرين إلى هدم الكعبة، فنقول له: اخسأ فلن تعدو قدرك.
نقول له: إذا كان القضاء إلى ابن آوى فتعديل الشهود إلى القرود أي: إن كان لا يحكم إلا ابن آوى فيأتي له بشهود من القرود.
стр. 55
الحث على التعجل بالحج
قال النبي ﷺ : (من أراد الحج فليتعجل).
وقال ﷺ : (تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له).
وقال ﷺ : (من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار ينظرون كل من كانت له جدة -أي: عنده مال- ولم يحج فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.
يعني: إن استحلوا ترك الحج.
فهذا فهم العلماء في قول سيدنا عمر.
وعن أبي أمامة فيما حسنه الشوكاني قال: من لم تمنعه حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً.
وهذا في من استحل ترك الحج وكانت عنده المقدرة.
وقال النبي ﷺ : (استمتعوا من هذا البيت؛ فإنه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة).
стр. 56
فضل الحج والعمرة
стр. 57
الحج والعمرة سبب لتكفير السيئات
قال رسول الله ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) يعني: هذا غفران لكل الذنوب الصغائر والكبائر، كما قال الحافظ ابن حجر.
وقال النبي ﷺ : (الحج يهدم ما قبله).
وقال ﷺ : (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه).
وقال ﷺ : (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
والحج المبرور هو كما قال النبي ﷺ : (بر الحج إطعام الطعام ولين الكلام).
وقال ﷺ : (أديموا الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد).
فإذا قال شخص: إذا واصلت بين الحج والعمرة فإنه يأتي على كل ما عندي من مال، قلنا له: يكتب الله لك الغنى، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، فإذا قال: كيف هذا وأموالي كلها تصرف في الحج والعمرة؟ قلنا له: هذا قول النبي المعصوم ﷺ .
стр. 58
الحج عبادة تصلح العقل وتهدي إلى التفكير الصحيح
وأعظم فائدة في الحج أنه يحجم العقل، ويضعه في الموضع الذي أراده الله له، فعندما تأتي بكل شعائر الحج من رمي الجمرات والطواف حول البيت وتقبيل الحجر فإنك تشعر بالروحانية، فالحج كله روحانية من أوله إلى آخره، وتعظيم للاتباع.
من أنت يا أرسطو! ومن أفلاط قبلك يا مبلد ومن ابن سيناء حين قرر ما بنيت له وشيد هل أنتمو إلا الفراش وقد رأى ناراً توهج فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد فلتخسأ الحكماء عن رب له الأفلاك تسجد فلا يأتي أحد يقول لك: إن مواسم الحج زحمة، فلو كان الحج طول السنة! يعني: ممكن أن يحج ناس في رمضان وناس في شوال وناس في شهر آخر، وهكذا على مدى اثني عشر شهراً، فقل له: إن هذا مما لا تهتدي عقول الناس إليه.
стр. 59
المفاضلة بين الحج والجهاد
والحج لون من ألوان الجهاد وهو أحد نوعي الجهاد، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله) وثم هنا للترتيب، يعني: الإيمان ثم الجهاد.
(قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور).
وقال ﷺ : (أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين المشرق والمغرب).
فالإيمان يأتي الجهاد بعده مباشرة ثم الحج، أي: أن فرض الكفاية أفضل من الحج الذي هو فرض عين على القادر، ففصل العلماء هذا الحديث وقالوا: كان هذا الحديث قبل فرض الحج؛ لأن فرض الحج تأخر.
هذا قول.
والقول الثاني: أن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج؛ لأنه نفع متعد للأمة، أما نفع الحج فقاصر على صاحبه، قالوا: فإذا تساوى الجهاد والحج -يعني: صار كل منهما فرض كفاية، وهذا إذا كان قد حج حجة الإسلام ثم عرض له أن يحج أو يجاهد، فيجاهد ولا يحج.
أي أنه إذا استوى الجهاد والحج يقدم الجهاد؛ لأنه نفع متعد، ولذا قالوا: حجة قبل غزوة أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات.
стр. 60
بيان أن جهاد النساء والضعفاء والكبار هو الحج
وقال سيدنا عمر ﵁: (قال النبي ﷺ للنساء: لكن أفضل الجهاد حج مبرور).
وقال النبي ﷺ : (جهادكن الحج).
وقال ﷺ : (الحج جهادكِ).
وقال ﷺ : (جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج).
وروى الإمام الحسين بن علي ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال له: يا رسول الله! إني ضعيف وإني جبان، فقال له النبي ﷺ : ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟ الحج).
وقال النبي ﷺ : (النفقة في الحج تعدل النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: إذا وضعتم السروج -يعني: إذا جئتم من الجهاد- فشدوا الرحال إلى الحج؛ فإنه أحد الجهادين.
وقال ابن مسعود: إنما هو كد ورحل، فالكد: الجهاد في سبيل الله، والرحل: الحج.
ولذلك كان أمير المؤمنين هارون الرشيد يغزو عاماً ويحج عاماً، وفيه يقول القائل: فمن يطلب لقاءك أو يرده ففي الحرمين أو أقصى الثغور
стр. 61
الحجيج وفد الله وضيفانه
وقال الله ﵎ في الحديث القدسي الذي صححه الشيخ الألباني: (إن عبداً صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي إنه لمحروم).
فالحج رحلة إلى الله ، ولذا يقول في الحديث: (ثلاثة في ضمان الله : رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله، ورجل خرج غازياً في سبيل الله، ورجل خرج حاجاً).
وأخبر النبي ﷺ عن الحجاج والعمار أنهم وفد الله، فقال ﷺ : (الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم).
وفي رواية: (الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم).
стр. 62
الحج إجابة لأذان إبراهيم ﵇
وقال الله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] قال ابن عباس: ما أسفت على شيء أسفي على أني لم أحج ماشياً، حج إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل ماشيين.
روى يحيى بن معين بسند حسنه الحافظ ابن حجر قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال له الله : أذن، قال: وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فقال: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه ما بين السماء والأرض.
وقال مجاهد: فمن حج اليوم إلى يوم القيامة فهو ممن أجاب إبراهيم وقال: لبيك اللهم لبيك.
وقال ابن جرير: سمعه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فهو مثل يوم الميثاق.
وعالم الغيب لا دخل للعقل فيه إلا التسليم، ولو أنك أتيت بميزان حساس وأردت أن تزن به جبلاً من الجبال لسفه الناس عقلك؛ لأن هذا الميزان الحساس صنع لتوزن به الجواهر الثمينة النادرة، لا أن تضع عليه جبلاً، فأنت أساساً وضعت هذا الجهاز في غير موضعه، فكذلك ما ورد أنه سمع إبراهيم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، يصدقها صاحب العقل الحساس الذي يؤمن بالغيب.
والنبي ﷺ لما كان يوم الحديبية نحر مائة من الإبل، وكان فيها جمل لـ أبي جهل، ولما صدت الإبل عن البيت وأرجعتها كفار قريش حنت الإبل إلى البيت كما تحن إلى أولادها.
فهاهي الإبل العجماوات تحن إلى البيت الذي بناه خليل الرحمن وفيه أثر من آثار الجنة.
يقول رسول الله ﷺ : (ما ترفع إبل الحاج رجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه سيئة ورفعه بها درجة).
стр. 63
التلبية في الحج
стр. 64
ألفاظ التلبية وكيفيتها
وبداية الحج في الميقات بعد لبس الإحرام فيلبي بقوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
أو: لبيك لبيك، لبيك إله الحق لبيك، لبيك وسعديك والرغباء إليك والعمل، لبيك إنما العيش عيش الآخرة، لبيك ذا المعالي، لبيك ذا الفواضل، لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً.
وقال الرسول ﷺ : (أمرني جبريل أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية عند الإهلال؛ فإنها من شعائر الحج).
وقال أبو حازم فيما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح: إن صحابة رسول الله ﷺ كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم بها بحاً.
ولبى ابن عمر فأسمع ما بين جبلين.
وقال النبي ﷺ : (كأني أنظر إلى نبي الله موسى واضعاً إصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله بالتلبية).
стр. 65
فضل التلبية
وقال النبي ﷺ : (أفضل الحج العج والثج).
والعج: رفع الصوت بالتلبية.
والثج: نحر الهدي.
وقال النبي ﷺ : (ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا وبشر، قيل: بماذا؟ قال: بالجنة، تبشره بها الملائكة).
وقال النبي ﷺ عن التلبية: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا)، أي: على آخر صوتك، والصوت القوي يشهد له الحجر والشجر والمدر، والأحجار تلبي، ودعك من العقل، وحجمه قليلاً، فالأحجار تلبي، والأشجار تلبي، والطين يلبي، وأنت تلبي من الميقات حتى رمي جمرة العقبة، وكان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية.
لبيك لبيك دب الركب وانطلقت جموعه والنشيد العذب يدفعه أصداؤه في هضاب الأرض صاخبة والبيد في رحبها نشوى ترجعه وفي الجوانح من وجد ومن ولَهٍ ما جاشت النفس حتى طاب مطلعه ما الصبح ما رقة الأنداء ضاحكة ما الزهر في الروض أزكاه وأضوعه أنقى وأجمل من ترداد تلبية يشدو بها محرم والكون يسمعه أما والذي حج المحبون بيته ولبوا له عند المهل وأحرموا وقد كشفوا تلك الرءوس تواضعاً لعزة من تعنو الوجوه وتسلم يهلون بالبيداء لبيك ربنا لك الملك والحمد الذي أنت تعلم تراهم على الأنبار شعثاً رءوسهم وغبراً وهم فيها أسر وأنعم
стр. 66
معنى التلبية
والتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، في معناها أقوال جميلة لأهل العلم: القول الأول: أنها من لبى ثم لبى، يعني: إجابة بعد إجابة، أي: أنا مجيب لك مرة بعد مرة.
وقل للمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا والقول الثاني: من لبى الرجل في المكان وألب إذا قام فيه ولم يبرح، يعني: أنا مقيم على طاعتك يا رب.
القول الثالث: من قولهم: امرأة لبة، أي: امرأة محبة لزوجها وأولادها، يعني: أنا محب لك.
القول الرابع: من قولهم: بابي تلب بابك، يعني: بابي تجاه بابك، يعني: قصدي واتجاهي إليك يا رب.
القول الخامس: من اللب، واللب هو: صافي الشيء، أي: إخلاصي لك يا رب.
وكل هذه من معاني التلبية، وأنت تلبي حتى تصل إلى البيت: أبطحاء مكة هذا الذي أراه عياناً وهذا أنا ومهما فعلت فلابد أن تنساب هناك الدموع: هذه دارهم وأنت محب ما بقاء الدموع في الآماق على كل أفق بالحجاز ملائك تزف تحايا الله والبركات لدى الباب جبريل الأمين براحه رسائل رحمانية النفحات وزمزم تجري بين عينيك أعيناً من الكوثر المعسول منفجرات لك الدين يا رب الحجيج جمعتهم لبيت كريم الساح والعرصات نسير بأرض أخرجت خير أمة وتحت ظلال الوحي والسورات وكأن السماوات كلها وحي هنا السماوات تبدو قرب طالبها هنا الرحاب فضاء حين تلتمس هنا النبوة تحيا في أماكنها لا الطيب يبلى ولا الأصداء تندرس هنا الصحابة من حول النبي هنا أبو هريرة يروي عنه أو أنس
стр. 67
فضل مكة والبيت الحرام
стр. 68
بيان كون مكة أحب أرض الله إلى الله وأنه حرمها يوم خلق السماوات والأرض
وهذه البلدة الطيبة أحب أرض الله إلى الله كما قال النبي ﷺ : (ما أطيبكِ من بلدة وأحبك إلي، وإني لأعلم أنكِ أحب بلاد الله إلي وأكرمه على الله).
ومكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وما أحلت لنبي قبل النبي ﷺ ، ولم تحل لنبينا إلا ساعة من نهار، ثم عادت حراماً بحرمة الله إلى يوم القيامة.
أوصى بها الرحمن فهي عظيمة من غيرها الرحمن قد أوصى بها لو لم تكن خير البلاد على الثرى ما كان بيت الله فوق ترابها ولما اصطفاها الله قبلة خلقه ولما سعى الساعون نحو ركابها ولما اصطفى خير البرية مرسلاً بالحق والتوحيد من أعطابها النسك والإيمان من أفيائها والعدل والإحسان من أوصابها فكأنها صوت الزمان وثغره وكأن زمزمها زلال رضابها سجيلها باق على أعدائها وعلى حقول الحق قطر سحابها هي قلب هذي الأرض مقلة وجهها والباقيات علقن في أهدابها فسل الصفا ومنى وكل سرية عن أشرف الماشين فوق ترابها حدت لها قبل الأنام سماؤها بحديد سجيل على سلابها من هاهنا مر الأمين ومن هنا أسرى وفاض العدل من خطابها ما زال يخترق الفضاء دلالها هرم الزمان ولم تزل بشبابها جمع الزمان جميعه فإذا به يجثو خشوع القلب في محرابها فاغسل فؤادك يا شهيد بمائها إن شح ماء فاغتسل بترابها
стр. 69
بناء البيت
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، أي: نزلت به الملائكة وبنته الملائكة.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦]، أي: عرفناه مكان البيت.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] والبيت بنته الملائكة أولاً، ثم بناه آدم ثانياً، فخليل الرحمن إبراهيم، فجرهم وقريش، وكل هؤلاء لم يبنوه بالطوب والإسمنت، وإنما كان بيتاً في وسط صحراء تهب عليه الرياح والأعاصير ويظل كما هو، ورسمه كما هو، يحتاج فقط إلى مجرد ترميم.
وهذا من الإعجاز في أن يظل هذا البيت كما هو، ولا يحتاج إلا إلى ترميم فقط.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] وهذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل.
стр. 70
فضل الحجر الأسود والركن والمقام
وفيه أسرار عجيبة، يقول النبي ﷺ : (الحجر الأسود من حجارة الجنة).
وقال ﷺ : (الحجر الأسود من الجنة).
وقال النبي ﷺ : (نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا بني آدم).
وقال ابن عباس في الحديث المرفوع: (نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم).
وقال النبي ﷺ : (لولا ما مسه من أدران الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا وشفي).
وقال النبي ﷺ : (الركن والمقام ياقوتتان من الجنة طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب).
وهذه أسرار من أسرار الجنة، يعني: أن من الجنة ما هو موجود هنا، وهو الحجر الأسود والركن والمقام، وكل هذه الأحاديث صحيحة صححها الشيخ الألباني.
وقال النبي ﷺ : (ليبعثن الله هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما وشفتان ولسان ينطق به يشهد على كل من استلمه بحق).
ففتش قلبك عند لمسك للحجر أهو كاذب أو صادق حتى يشهد عليك الحجر أو لك.
وقال النبي ﷺ : (إن مسح الحجر الأسود والركن يحطان الذنوب حطاً).
وهذا الحجر أتت به الملائكة لما ذهب سيدنا إسماعيل ﵇ ليأتي بحجر من الوادي فوجد أباه قد رفع الحجر فقال: من الذي أتى به إليك؟ قال: أتى به من لم يحوجني إليك، نزل به جبريل وسيدنا إبراهيم ﵇ في مكانه.
стр. 71
فضل الطواف وزمزم والسعي بين الصفا والمروة
والطواف بالبيت صلاة كما قال النبي ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة إلا أنه قد شرع فيه النطق، فأقلوا فيه الكلام).
ولا يشرع الطواف بغير الكعبة فلا يأتي أحد يقول لك: أنا أطوف حول أضرحة الأولياء، وهذا مثل تنظيم حركة المرور بل قل له: اتق الله ، فإنه لا يشرع الطواف بغير الكعبة.
(ما من رجل يطوف بالبيت أسبوعاً إلا كان كعتق رقبة).
ومن السنة الشرب من زمزم، وتسمى: هزة جبريل، وزمازم، وزمزم، وهي أفضل من ماء السماء كما قال ابن حجر، وزمزم فجرها جبريل لأم إسماعيل الصادقة.
من أركان الحج: السعي بين الصفا والمروة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨].
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية قولان: الأول: أن الأنصار من الأوس والخزرج كانوا يهلون لمناة عند المشلل، وهي قرية ما بين مكة والمدينة، ولا يأتون إلى الصفا والمروة.
والقول الثاني: أنهم كانوا قد وضعوا صنماً عند الصفا ويسمى إسافاً، وصنماً عند المروة ويسمى نائلة، وكانوا يحرمون بينهما فتحرجوا من الطواف بينهما كما يفعل أهل الجاهلية، فنزل قول الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨].
стр. 72
فضل أم إسماعيل
وانظر إلى الصدق وماذا يفعل، المرأة الصادقة أم إسماعيل: (هذا ما أورثتكموه أمكم أم إسماعيل)، يعني: أن السعي بين الصفا والمروة إرث جعله الله ركناً من أركان الحج، أي: خطوات امرأة صادقة صالحة جعلها الله ركناً من أركان الحج, وانظروا تعظيم الإسلام العظيم للمرأة، وهي -والله العظيم- امرأة مصرية، أتى بها إبراهيم ﵇ من مصر.
وقد ضربت أروع الأمثال في التضحية، يأتي بها إبراهيم ﵇ إلى موضع مكة الآن بولدها الرضيع، فتقول له: يا إبراهيم! إلى من تتركنا في مثل هذا المكان القفر؟ يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ فيقول: بلى.
فتقول: إذاً فلن يضيعنا.
ولم يكن شيء معها من طعام أو شراب غير جراب من التمر وقليل من الماء الذي سينفد بعد قليل، وهي يمكنها أن تتحمل، وأما الولد فلا، ومع هذا تقول: إذاً فلن يضيعنا الله! إذا ضاقت بك الظروف واشتد عليك النوائب فإن كنت عبداً لله وعلى دينه فلن يضيعك ولو في المهلكات، بل يحفظك مثلما حفظ يونس وهو في بطن الحوت، ومثلما حفظ موسى الرضيع وهو على ثبج البحر، ومثلما حفظ إبراهيم وسط النيران.
فاجعل هذه قاعدة عندك: إذاً فلن يضيعنا.
стр. 73
تفجير جبريل لزمزم
وجعلت أم إسماعيل لما تلمظ وليدها وبدأ يتلوى من شدة العطش تهرول ما بين الصفا والمروة، ثم سمعت صوتاً فقالت: صه، أغث إن كان عندك غوث، فتبدى لها جبريل وقال: من أنتِ.
وهذا اختبار لها فقالت: أنا أم إسماعيل وزوج إبراهيم.
فقال: إلى من وكلكما؟ -ولو كانت واحدة غيرها وعندها طعام وشراب يكفيانها سنة لقالت: لا أعرف- فقالت: إلى الله.
فقال لها: وكلكما إلى خير كاف، لا تخشي الضيعة، إن الله لا يضيع أهله.
ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا على الإقتار جوداً كأنا لا نراه ولا يرانا فضرب جبريل الأرض بجناحه تتفجر زمزم، وتنبع في صحراء الجدب ويعيش عليها إسماعيل ويرتوي من مائها، ولذلك يقول النبي ﷺ : (هذه أمكم يا بني ماء السماء)؛ لأن غذاء إسماعيل ﵇ كله كان على الماء.
وقد قال ﷺ : (زمزم طعام طعم وشفاء سقم).
وقال النبي ﷺ : (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم).
ولذلك لما شق صدر النبي ﷺ وأتت الملائكة بطست من ذهب الجنة غسلوه بماء زمزم، ولهذا ذهب شيخ الإسلام البلقيني إلى أن ماء زمزم أفضل من الكوثر.
стр. 74
الوقوف بعرفة
ثم بعد ذلك الوقوف بعرفة، وما أدراك ما عرفة، وقد أقسم الله بهذا اليوم فقال: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣] والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر.
وعرفة كلها موقف.
وفيها أكمل الله هذا الدين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وفيها أخذ الله الميثاق على البرية من ذرية آدم، كما قال النبي ﷺ : (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]).
فأخذ الله الميثاق الأول على ذرية آدم أنه ربهم وأن يوحدوه، قال ابن الجوزي: ووضع هذا الميثاق في الحجر الأسود.
هذا كلام الإمام ابن الجوزي في لطائف المعارف.
والله يباهي الملائكة وأهل السماء بأهل عرفة عشية عرفة ويقول: (عبادي أتوني شعثاً غبراً، أشهدكم أني قد غفرت لكم).
والرسول ﷺ يقول: (الحاج الشعث التفل)، أي: على قدر نصبك في الحج وتعبك فيه يكون عظم الأجر، لا أن تنزل في الفندق السياحي وتدفع ثلاثين ألفاً وتأكل لحماً وكباباً وغيرهما، صحيح أن هذا يسقط عنك فرض الحج، ولكن عظم أجر الحج في النصب والتعب.
كما يقول تعالى في الحديث القدسي: (عبادي أتوني شعثاً غبراً، أشهدكم أني قد غفرت لهم).
стр. 75
من خصائص أمة الإسلام
لقد خص الله هذه الأمة بخصائص لم تكن للأمم السابقة قبلها؛ تكرمة لهذه الأمة، ولنبيها محمد ﷺ الله عليه وسلم، وزيادة في فضل الأمة، وهذه الخصائص شاملة للدنيا والآخرة؛ ليكتمل لها الشرف الأمثل، والمكانة العليا عند الله وجميع خلقه.
следующие страницы →