Полный текст (947 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
موعظة في تكريم الله للإنسان وغناه عنه وفقر الإنسان إليه
يا جوهرة بمزبلة لا تعرف قدرها، أنت المراد من هذا الكون، إن الله يريدك لجواره، كم من ملك في السماوات ما ذاقوا طعاماً وما شربوا شراباً منذ أن خلقهم الله ليس لهم مدحة، ورسول الله ﷺ يقول: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).
كم من ملك في السماوات ما ذاقوا غمضاً منذ أن خلقهم الله ، ليس لهم مدحة، وأما المؤمن فقد قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦].
يا من أسجد الله لأبيك الملائكة وأنت في صلبه، يا من أقام الله الأطهار من عباده الذين زكت أنفسهم يستغفرون لك قبل مجيئك إلى دار الدنيا، فهذا نوح ﵇ يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] بل يأمر الله نبيه أن يستغفر لك، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩].
بل يجعل الله حملة العرش يستغفرون لك.
تطوي المراحل عن حبيبك جاهداً وتظل تبكيه بدمع ساخن كذبتك نفسك لست من أحبابه تشكو البعاد وأنت عين الظالم كيف لا تحب من أنت به، وبقاؤك منه، وتسييرك بيده، ورجوعك إليه؟ وكل مستحسن في الوجود هو الذي حسنه، وهو الذي جمله وزينه وعطف النفوس إليه، فقد أعطاك أيتها النفس مالاً فأملي، وبلغك ما لم تطلبي، وستر عليك من القبيح ما لو فاح لضجت المشام.
كم عدو حط منك بالذم فرقاك، وكم أعطش من شراب الأنام خلقاً وسقاك، وكم أمات بعض من لم يبلغ مرادك وأبقاك.
من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن إجابته، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تعلم عثرة القلب عند الخوض في غير حديثه ثم لا ترتاح إلى ذكره، وأعجب من هذا علمك أنك لابد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت فيما يبعدك عنه راغب.
عالج النفس من شهواتها وأمراضها ثم بعد ذلك تحقق بأمهات المقامات القلبية من التوحيد والعبودية والإخلاص له ، والصدق معه، والزهد والمحبة له، والخوف والرجاء منه وحده، فإن في القلب شعثاً لا يلمه إلا إقبال على الله وخوف منه وإنابة إليه وتبتل إليه.
والخوف والرجاء والورع والصبر والرضا والتسليم والمراقبة والتوبة مقامات لابد للإنسان أن يحققها حتى تزكو نفسه، ثم بعد ذلك الاقتداء برسول الله ﷺ وهو خير من زكت نفسه.
стр. 492
بيان أن التزكية عمل الأنبياء
وتزكية النفوس هو عمل النبيين، يقول الشاعر: ومن لا يربيه الرسول ويسقه لباناً له قد در من ثدي قدسه فذاك لقيط ما له نسبة ولا يتعدى طور أبناء جنسه فكل روح لم يربها الرسل لا تفلح ولا تصلح للأحوال العلية.
стр. 493
فساد نظريات التزكية المستمدة من غير الوحي
ومنهج التزكية ليس متروكاً لعلماء الكلام ولا للفلاسفة ولا لأصحاب المواجيد، ولا لنظريات علماء النفس ولا للمجاهدات البوذية، وإن كثيراً ممن كتبوا في أمور التربية من علماء النفس أتوا بنظريات متضاربة ومناهج متصارعة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولو اطلعت عليها -يا أخي- لوليت منها فراراً ولملئت منها رعباً، ولكن دعاتها لا يزالون يلقون عليها من زخرف القول غروراً حتى أحلوا المريدين مستنقعاً وبوراً، واتخذوا من أجلها هذا القرآن مهجوراً.
وقد قال قائلهم: حدثني قلبي عن ربي.
وقال آخر: لكم علم الورق ونحن لنا علم الخرق.
وقال ثالث بإسقاط التكاليف.
وقال الجنيد: من قال هذا فهو أشد كفراً من اليهود والنصارى، أي: الذين قالوا: إنهم وصلوا إلى الله بإسقاط التكاليف، نعم وصلوا ولكن إلى سقر.
وما بال الشيخ سعيد حواء ﵀ وغفر له- يقول: لقد جربت كثيراً ورأيت كثيراً، ونادراً ما وجدت كمالاً في النفس أو إحساناً في السلوك أو قدرة على التعامل إلا وجدت معها تربية صوفية صافية، وذلك لأن مفاتيح النفس البشرية إنما هي في هذه التربية وأصولها وقواعدها؛ لأن الصوفية هم الذين ورثوا عن الرسول ﷺ تربية النفس، وتخصصوا في ذلك، وتفرغوا له، وفطنوا لما لا يفطن له غيرهم، وقامت لهم ثروة من التجارب السارة في كل عصر، فما لم يأخذ الإنسان عنهم تبقى نفسه بعيدة عن الحال النبوية؛ لأن الصوفية هم الذين ملكوا العلم الذي تتهذب به النفس البشرية.
هذا قول الشيخ سعيد حواء غفر الله له، ولا يقبل منه هذا الكلام في أي حال من الأحوال.
بل يقول الغزالي ﵀: إن الصوفية في رقصاتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق.
وقوله هذا مخالف لحال السلف وعلمهم! قال إسحاق بن راهويه: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات قال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون، والكلام في الوساوس والخطرات مثل رجل يمر على جب القاذورات، فإن أراد أن ينفشه لا ينتهي هذا الجب، ففي كل لحظة وفي كل مرحلة يتأذى بأنتان جديدة لا تخطر له على بال، ولكن إذا مر عليه مرور الكرام وعرض له منه عارض غسله فهذا أولى.
وهذه طريقة الكمل كما يقول شيخ الإسلام ابن القيم.
فإن كان الرجل في طب الأبدان لا يذهب إلا إلى الطبيب المتخصص -ولو داوى جسده بمجرد التجارب التي لا تسمن ولا تغني من جوع فإن الناس ينكرون عليه- فما بالك بمرض القلوب؟ والقلب كالملك، والجوارح كالجنود، فهذا الأمر موكول إلى الرسل لا إلى غيرهم.
стр. 494
وسائل التزكية
стр. 495
الصيام
والصوم تزكية للنفوس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، يعني: تزكو نفوسكم.
فمن منا يكثر من صيام النافلة ويربط على بطنه قليلاً؟ من منا لا يطول شبعه، ويعمل بقاعدة السلف: جواز الشبع أحياناً، والأصل عدم الشبع؟ أي: يجوز لك أن تشبع أحياناً.
وقد قيل لسيدنا يوسف -وكان على خزائن الأرض-: لم لا تشبع؟ قال: أخاف أن أشبع وأنسى الجياع.
وداود بن أبي هند أحد رواة الكتب الستة، صام أربعين سنة لا تشعر به زوجه، كان يأخذ الطعام من البيت بعد الفجر ويتصدق به في عرض الطريق، ثم بعد ذلك لا يصل إلى بيته إلا بعد صلاة المغرب، فتظن زوجته أنه قد أكل ما أخذه من طعام، ويظن أهل السوق أنه قد تناول إفطاره في البيت.
وإبراهيم بن هانئ النيسابوري أخص تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل مات وهو صائم، حتى قال الإمام أحمد لابنه إسحاق: ومن يقدر أو من يطيق ما يطيقه والدك؟ وعروة بن الزبير مات وهو صائم.
وأبو طلحة الذي قال فيه المصطفى ﷺ : (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة أو خير من ألف رجل) هذا الصحابي الجليل قال الإمام الذهبي: إنه سرد الصوم بعد وفاة النبي ﷺ نيفاً وعشرين سنة.
وقال الحاكم: أربعين سنة.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
стр. 496
الزكاة والصدقة
والزكاة طهارة، فالإنسان يزكي نفسه بالإنفاق ويتخلى عن أدوى الداء، وهو البخل.
قال الله ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].
ومن منا يدور بخلده أن امرأة يأتي لها ثمانون ألف دينار فتفرقها، ثم لا تجد في آخر النهار طعاماً تفطر عليه وكانت صائمة؟ من منا يفعل هذا؟ ومن منا يفعل مثل ما فعل أويس القرني، كان إذا أتى الليل يتصدق بكل ما عنده، ثم يقول: اللهم إني أعتذر إليك عن كل كبد جائعة من المسلمين، فإنه ليس في بيتي إلا ما في بطني من الطعام، وما يستر عورتي من الثياب.
فهؤلاء الناس وصل بهم الإحساس بالمسلمين إلى هذا، وقد ذكر ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
علي زين العابدين كان يبخل ويتهم بالبخل، فلما مات وجدوه يقوت أهل مائة بيت من بيوت المدينة، فمن منا يفعل هذا؟
стр. 497
الصلاة
الصلاة تزكية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
ومن مثلك يا ابن آدم! خلي بينك وبين المحراب فتدخل على سيدك أنى تشاء.
وقال رسول الله ﷺ : (من واظب على تكبيرة الإحرام أربعين يوماً كتبت له براءتان: براءة من النفاق، وبراءة من النار).
وسيدنا سعيد بن المسيب يقول: منذ أربعين سنة ما سمعت الأذان إلا بالمسجد، ومنذ أربعين سنة ما نظرت إلى قفا مسلم في صلاة.
وقال عدي بن حاتم الطائي الصحابي الجليل: ما أتى وقت صلاة إلا وأنا إليها بالأشواق.
إن الذنوب رجس، والصلاة تطهر الإنسان من ذنوبه، قال ثابت البناني مسنداً إلى سيدنا أنس بن مالك أنه قال: لا يسمى العابد عابداً ولو كان فيه كل خصلة من خصال الخير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان: الصوم والصلاة؛ لأنهما تأخذان من لحمه ودمه، ولو كان شيء أعز من الصلاة لما قال الله : ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:٣٩].
فالصلاة والمحافظة على السنن الرواتب وعلى قيام الليل من أسباب التزكية.
إنما قالوا التهجد فيه أسرار عجيبة في فؤاد المتعبد طعم أذواق غريبة وإذا طال التهجد هبت الريح الرطيبة وأذان من بلال ادخلوها آمنين فاز من قام الليالي بصلاة الخاشعين وأما كون الإنسان ينام إلى الصباح فقد قال النبي ﷺ لما سئل عن رجل نام حتى أصبح: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه).
وإذا قام إلى الصلاة أصبح نشيطاً طيب النفس كما جاء في الحديث؛ فالصلاة طهارة.
стр. 498
الطهارة والوضوء
ويزكي نفسه بالطهارة وبالوضوء، كما قال الله : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
والطهارة في كتاب الله تنتظم طهارة القلب والجوارح، كما قال الله : ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].
وقال الله : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١].
وطهارة الأبدان طهارة الظاهر، وقد قرنت بطهارة القلوب، كما قال الله : ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ [الأنفال:١١].
وقال الله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]، أي: نفسك فطهرها.
стр. 499
التوحيد
إن النفوس تزكو بتوحيد الله ، كما قال شيخ الإسلام الهروي لما سئل: هل كان هناك ولي لله على غير اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل؟ قال: ما كان هذا ولا يكون.
فكيف تزكو نفس الجهمي وهو لا يعرف له رباً عليماً ولا قادراً ولا سميعاً ولا بصيراً؟ وإنما بالتوحيد تزكو النفوس.
وأرواح المشركين نجسة ونفوسهم خبيثة، قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨].
وقال الله ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١].
وقال الله ﵎: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤]، ولم تكن الزكاة قد فرضت بعد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، أي: قد أفلح من تطهر من الشرك.
وقال الله ﵎: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] قال ابن عباس: أي: لا يشهدون أن لا إله إلا الله.
والإنسان إذا عرف ربه، وخشع له، وسلم له، ورضي به، وخافه ورجاه فإنه يفعل ما يحبه الله ، ويبتعد أشد البعد عما ينهى الله ﵎ عنه، وهل التزكية إلا هذا؟ فالإنسان يزكي نفسه باعتقاد أهل السنة والجماعة، ويزكي نفسه بعقيدة السلف الصالح والقرون الخيرية أفضل تزكية.
стр. 500
الالتزام بالشريعة
للتزكية النفس وسائل كثيرة، والشرائع كلها تزكية، فقد كللت العبادات وزينت المعاملات وتوجت العادات بحسن الخلق، ففي الصلاة قال رسول الله ﷺ : (إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة)، وقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
وفي الصيام قال رسول الله ﷺ : (الصيام جنة).
وفي الحج قال الله : ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
وقال في الزكاة: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣].
وفي البيوع قال النبي ﷺ : (إن خياركم أحاسنكم قضاءً).
وفي المعاملات الزوجية قال تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩].
стр. 501
حسن الخلق
стр. 502
من أقوال العلماء في حسن الخلق
قال يحيى بن معاذ: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
وقال الفضيل: لئن يصاحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيئ الخلق.
وأمهات محاسن الأخلاق كما قال العلامة ابن القيم: هي الصبر والعفة والشجاعة والعدل.
فالصبر يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ والأناة والرفق وعدم الطيش، والعفة تحمله على الحياء وفعل كل جميل، والشجاعة تحمله على عزة النفس والتحلي بمعالي الأخلاق والشيم وعلى الندى والجود.
وأضف إلى ذلك كما قال الهروي: العلم والعدل؛ فهذه أمهات مكارم الأخلاق.
والخلق -يا إخوتاه- يمكن اكتسابه، كما قال النبي ﷺ : (زكها أنت خير من زكاها).
وكما قال رسول الله ﷺ : (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم).
فالأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بمجاورة الصالحين وبالتكيف حتى يعتادها الإنسان.
стр. 503
فضل حسن الخلق
فكل المقامات وكل الجهود رجعت إلى حسن الخلق، وتزكية النفوس تنقيتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل.
وقال رسول الله ﷺ : (أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خلقاً).
وقال رسول الله ﷺ : (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامئ بالهواجر).
وقال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافاها ويكره سفسافها).
وقال رسول الله ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها).
وقال رسول الله ﷺ : (إن الناس لم يعطوا شيئاً خيراً من خلق حسن).
وقال رسول الله ﷺ : (إن لله آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها).
وقال رسول الله ﷺ : (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره).
وقال رسول الله ﷺ : (عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما تجمل الخلائق بمثلهما).
وقال رسول الله ﷺ : (من كان سهلاً هيناً ليناً حرمه الله على النار).
стр. 504
مكانة حسن الخلق من الدين
وتزكية النفوس -يا إخوتاه! هي التحلي بخلق رسول الله ﷺ وبمكارم الأخلاق.
ولقد قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
قال ابن عباس: وإنك لعلى دين عظيم، -أي: لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي من دين الإسلام.
فرضي الله عن ابن عباس الذي جعل الدين كله خلقاً، ومن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين.
قال الحسن في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] قال: آداب القرآن.
وقال ابن القيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] الخلق الذي آثرك الله به في القرآن.
وقالت السيدة عائشة عن خلق رسول الله ﷺ : (كان خلقه القرآن).
وهذه الآية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] آية عظيمة، نزلت على نبينا ﵊ فلم يته على العباد بها.
وسيدنا سعد بن أبي وقاص كان يقول: لقد جمع لي الرسول ﷺ بين أبويه، وكان يتفاخر على الصحابة بما قاله، فما ظنك بالذي قال له الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وينزل بها كتاب الله ؟ من قائلها؟ وفي أي الكتب سطرت هذه الشهادة؟ ومع ذلك لم يتأثر بها الرسول ﷺ ولم تزده إلا تواضعاً لربه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] يبرز أصالة الأخلاق في الإسلام، وأنها مطلب هام من مطالب الرسالة، كما قال أهل العلم.
وأجمع آية لمكارم الأخلاق قول الله ﵎: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
وقال رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).
стр. 505
مشاهد حسن الخلق في التعامل مع أذى الخلق
والإنسان تعرض له مشاهد فيما يصيبه من أذى الخلق، وهذا بيت القصيد -إن شاء الله- الذي يمكن أن نقف عليه قليلاً.
فعلى الإنسان أن يتحلى بالعدل مع ما يصيبه من أذى الخلق، وأن يعرف كيف يتعامل مع عباد الله ، وكما قال القائل: ستعلمي إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار وحسن الخلق أن يحسن الإنسان خلقه بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وله في ذلك مشاهد:
стр. 506
خامساً مشهد الإحسان
ثم فوق هذا مشهد الإحسان: أي: أن تقابل إساءة المسيء الذي أساء إليك بالإحسان، وأن تحسن إليه كلما أساء إليك، ويهون هذا عليك علمك بأنك قد ربحت عليه وأنه يعطيك من حسناته، والعلماء قالوا: اقتضاء الهبة الثواب، وهذا المسكين قد وهبك أغلى ما عنده، وهي حسناته، فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها حتى تثبت الهبة.
والحسن البصري كان إذا بلغه عن أحد أنه شتمه يهديه طبقاً من التمر ويقول: بلغنا أنك تهدي إلينا من حسناتك، وليس عندنا إلا هذا التمر.
ومما يهون عليك أيضاً مقابلة الإساءة بالإحسان علمك بأن الجزاء من جنس العمل، فإن كان هذا عملك وإحسانك إلى من أساء إليك مع ضعفك وحاجتك وفقرك وذلك، فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك ويقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك، فهذا لابد لك منه.
وانظر إلى الربيع بن خثيم تلميذ سيدنا عبد الله بن مسعود لما سرقت فرسه وكان قائماً بالليل، وكان قد ذهب غلامه ليحتش، فلما أتى الغلام قال: يا ربيع أين الفرس؟ قال: سرقت، قال: سرقت وأنت تنظر إليها! قال: ما كان شغل يشغلني عن الصلاة، ثم رفع الربيع يده وقال: اللهم إنه سرقني ولم أكن لأسرقه، اللهم إن كان غنياً فاهده، وإن كان فقيراً فأغنه.
هؤلاء هم السلفيون، وهذه هي الرقة التي تذوب في الأرض، فتملأ الأرض رياحين وجناناً، فهو يدعو لسارقه.
ونحن عندنا في مصر مثلاً إذا سرق الواحد مثلاً ربع جنيه يقولون له: اقتله، ثم يدخل العناية المركزية؛ من أجل أنه سرق منه ربع جنيه، فيريد منه عشرة آلاف جنيه، والربيع بن خثيم يدعو لسارقه!
стр. 507
سادساً مشهد السلامة
والمشهد الذي هو أعلى من هذا السلامة وبرد القلب: فلا تشوش على قلبك بالتفكير في أن تؤذي هذا الرجل أو تنتقم منه، فإن الرشيد لا يرضى بأن يشوش قلبه، ولا يرضى بمجرد التفكير في أذى هذا الرجل، ولا يشغل همه بهذا، وقد قال النبي ﷺ : (من جعل الهم هماً واحداً كفاه الله سائر همومه).
стр. 508
رابعاً مشهد الرضا
ثم بعد ذلك مشهد الرضا، وهو: أن ترضى بما قسم الله ﵎ لك، وتقول: أحبه إليه أحبه إلي.
عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني لما تحب أحب
стр. 509
ثانياً الصبر وكظم الغيظ
المشهد الثاني: الصبر: أن تصبر على أذى الخلق؛ لأنك تعلم عاقبة الصبر، وقد قال رسول الله ﷺ : (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، يزوجه منها ما يشاء).
فلو شتمك أحد مثلاً وأنت تقدر عليه ولكنك رأيت أنك لو كظمت غيظك فستتزوج من الحور العين ما تشاء؛ لأن هذا مهر لها، فلقد أسأت الخطبة إن لم تصبر.
بل قال النبي ﷺ : (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة).
فكيف لا يدفعك هذا إلى الصبر على أذى الناس؟ وقد شتم رجل سيدنا سلمان الفارسي فقال له: إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول، وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول.
وشتم رجل الربيع بن خثيم فقال له: يا هذا! قد سمع الله كلامك، وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول، وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول.
فعلى الإنسان أن يصبر على أذى الخلق.
стр. 510
ثالثاً العفو والصفح والحلم
المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم: قال الرسول ﷺ : (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً).
وسيدنا الأحنف بن قيس الذي كان يضرب به المثل في الحلم قال له رجل: علمني الحلم، قال: هو الذل يا ابن أخي! أتصبر عليه؟ يعني: عندما تجد رجلاً يشتمك وأنت ساكت وتستطيع أن ترد عليه وترد له الصاع بمليون صاع، ولكنك تعفو عنه لوجه الله ، فهذا في ظاهره الذل، ولكن في باطنه كمال العز.
ومن أخبار الأحنف بن قيس أن رجلاً شتمه فسكت عنه، فشتمه الرجل مرة ثانية فسكت عنه، فأعاد فسكت عنه، فبكى الرجل وقال: والهفاه! ما يمنعه أن يرد علي إلا هواني عنده! وشتمه رجل حتى أوصله إلى خيام أهله، أي: إلى منازل أهله، فلما وصل الأحنف بن قيس قال: يا هذا! إن كان بقي عندك شيء فهاته؛ لأنني قربت من منازل الحي، فلا يسمعك بعض سفهائنا فتلقى ما تكره.
وسيدنا قيس بن عاصم المنقري الذي تعلم منه الأحنف بن قيس الحلم قال فيه النبي ﷺ : (هذا سيد أهل الوبر).
قال الأحنف: ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم، فقد قتل ابنُ أخ له بعضَ بنيه، فأُتي بالقاتل مكتوفاً يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى -أي: خوفتم الفتى- ثم أقبل على الفتى فقال: بئس ما فعلت، أنقصت عددك، وأوهنت عضدك، وأسندت عدوك، وأسأت لقومك، وأثمت بربك، وقطعت رحمك، ورميت نفسك بسهمك، خلوا سبيله واحملوا إلى أم القتيل الدية؛ فإنها من غير قومنا.
ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه.
يا من تنهش في أحشائي يا من جزء من أجزائي يا من تبدو للجهال كأنك دائي إني أعلم أنك حتماً فيك شفائي قل لي هل يأتيك ندائي إنك مثلي إنك مسلم تشهد أن إلهك واحد إنك فيها من شركائي لكنك دوماً تطعنني من خلفي وفي كعب حذائي حين أراك تقوم بهذا يغرقني خجلي وحيائي ووشاة القوم إذا بانوا تسري الطعنة في أحشائي قل لي هل يأتيك ندائي ابغ العزة عند إلهك ليس العز دمي وبكائي وغداً من قواك يميتك إن أنت أهملت ندائي
стр. 511
أولاً مشهد القدر
المشهد الأول: مشهد القدر: فحينما يصيبك أذىً من بعض عباد الله فانظر إلى ذلك مثل نظرك إلى ما يصيبك من الحر والبرد الذي يؤذيك، ومثل نزول الأمطار، وقل: إن هذا قدره الله ﵎ علي، فتفنى عن حق نفسك وتوفي حق ربك.
فإذا ضربك إنسان مثلاً أو اعتدى عليك وشتم عرضك أو تكلم فيك، فانظر إلى أن هذه مصيبة مثل المصيبة التي حلت بك من مثل نزول الأمطار والرياح، وقل: إن هذا حدث بقضاء الله وقدره.
ولتكن لك أسوة في رسول الله ﷺ ، فلقد قالت السيدة عائشة: (ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله).
وقالت السيدة عائشة ﵂: (ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادماً ولا دابةً ولا شيئاً قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله).
وقال سيدنا أنس ﵁: (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنعه؟ وكان إذا عاتبني بعض أهله قال: دعوه فلو قضي شيء لكان).
فكان الرسول ﷺ يترك أنساً، وينهى أهله أن يعاتبوه ويقول: (دعوه فلو قضي شيء لكان).
стр. 512
سابعاً مشهد الأمن
ثم فوق هذا مشهد الأمن، فإنك إذا تركت مقابلة الانتقام بمثله عشت في أمان، كما يقولون: عش مظلوماً سنة ولا تعش ظالماً يوماً؛ لأنك تأمن وتعيش في أمن إذا كنت مظلوماً.
اللهم ارزقنا رحمةً ترحمنا بها، اللهم اجعل في قلوبنا رأفة ورحمة ووداً للمسلمين.
ونختم بما قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن لم أكن أهلاً لأن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني، رحمتك وسعت كل شيء وأنا شيء، فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 513
تفسير سورة البلد
لقد أقسم الله تعالى بالبلد الحرام؛ مكة المكرمة على أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا يكابد أتعابها منذ خلق وإلى أن يموت.
والله خلق للإنسان أدوات العلم والمعرفة، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، وبين له طريق الحق وطريق الباطل، وبين له أن من الأعمال التي تنجي صاحبها من النار إعتاق الرقاب، وإطعام الناس في شدة المجاعة والمخمصة.
стр. 514
تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
ثم أما بعد: فكلام الملوك ملوك الكلام، وخير الكلام كلام الله ﵎ القرآن الكريم؛ مزامير الأنس، من حضرة القدس بألحان التوحيد، من رياض التمجيد، هذا طعم الخبر فكيف طعم النظر! ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣].
والأنس بالله هو الأنس بالقرآن الكريم، ومعنا اليوم سورة مكية وهي سورة البلد.
يقول الله ﵎: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:١ - ٤].
والربط بين أواخر سورة الفجر وبين أوائل سورة البلد؛ أن الله ﵎ لما ذكر النفس المطمئنة في آخر سورة الفجر، وقال: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
لما ذكر الله ﵎ المكان الطيب في الآخرة وهو الجنة، وذكر النفس المطمئنة، عقب الله ﵎ بالربط بين المكان الطيب في الآخرة وأطيب مكان في الدنيا وهي مكة، فأقسم الله ﵎ بها، ثم أقسم بأنفَس وأطهر نفس في تاريخ البشرية وخير من وطأ على الحصا رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾.
يقول الله ﵎: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١]، فهل معنى هذا أن الله لا يقسم بهذا البلد ولا يقسم بيوم القيامة؟ لا، بدليل أن الله ﵎ أقسم بمكة في سورة التين فقال: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣]، فكيف يقسم في سورة ولا يقسم في سورة أخرى؟ ولذلك قال علماء التفسير: إن (لا) هنا زائدة تفيد التوكيد، وقد أتت شواهد في اللغة العربية وفي القرآن على أن (لا) النافية تأتي بهذا، يقول الله ﵎ عن إبليس في سورة الأعراف: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢]، وفي نفس السورة يقول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص:٧٥] إذاً: لا هنا زائدة.
أيضاً يقول الله ﵎: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] لئلا أصلها: لأن لا، فأدغمت النون في اللام فصارت لئلا، والمقصود: لكي يعلم أهل الكتاب، فلا هنا زائدة للتوكيد، كما يقول الشاعر: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة فكاد صميم القلب لا يتقطع يعني: فكاد صميم القلب يتقطع.
стр. 515
تفسير قوله تعالى: (ووالد وما ولد)
وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] (ووالد) فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: هو آدم أبو البشرية، كما أقسم الله بأم القرى مكة -أي: أصل القرى- يقسم بأصل البشرية آدم.
القول الثاني: إبراهيم ﵇.
القول الثالث: وهو قول سعيد بن جبير: هو الرجل الذي يولد له.
قوله: (وما ولد) أيضاً فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: الرجل العقيم الذي لا ينجب.
القول الثاني: أن (ما) هنا مصدرية، أي: ووالد وولادته، فيقسم الله ﵎ بعملية خلق الإنسان، بإخراج الولد من صلب الذكر ورحم الأنثى، وبعملية خروج الجنين كما تخرج البذرة في الأرض السوداء، ثم تنفلق ويخرج منها نبات طيب أخضر، ثم بعد ذلك تخرج الثمار والزهور، فعملية خلق الإنسان أشد تعقيداً.
والله ﵎ يوكل ملكاً بتصوير خلق الإنسان، فيجعل له العنينين والأذنين بأمر الله ﵎، ويحدد له الرزق والعمر والشقاء أو السعادة، وكل هذا يتم وهو لا يعلم شيئاً.
والله تعالى أنعم علينا بنعمة الإسلام إذ أخرجنا من بطون أمهاتنا مسلمين، فإن رجاء الجارودي ظل يبحث عن الإسلام في مدن فرنسا ستين سنة من عمره، ولو كانت العملية هكذا كان رجاء الجارودي من أوائل الناس الذين أسلموا، ولكن هذه نعمة من الله ﵎ علينا بها ما عقدنا عليها من خيل ولا ركاب، وإنما ساق إليك هذه النعمة وجعلك من أهل قبضة اليمين.
ولو سجدنا لله على إبر محمي من الآن إلى يوم لقياه ما كافأناه بهذه النعمة.
القول الثالث: أن (ما) هنا موصولة، والمعنى: ووالد والذي ولد، أو: ووالد ومن ولد، مثل قوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:٣] يعني: والذي خلق الذكر والأنثى، وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣] أي: من طاب لكم من النساء، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران:٣٦] يعني: والله أعلم بمن وضعت، ولكنها وإن كانت تستخدم لغير العاقل فإنها تستخدم هنا للعاقل، وحين تستخدم للعاقل تدل على صفة، أي: ووالد والعظيم الذي ولده، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥] أي: والسماء والخالق العظيم الذي بناها، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] ونفس والخالق العظيم الذي سواها.
والرسول ﷺ لم يبق له أولاد ذكور، فالله يقسم بآدم ويقسم بأفضل أبنائه رسول الله ﷺ ، أو يقسم بإبراهيم ويقسم بأفضل أبنائه رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨].
وهذا الكلام فيه تعريض لأهل مكة المشركين حين يقسم الله به وهم يريدون قتله، فيقسم به مرتين: بإقامته، ويقسم به في المرة الثانية: ((وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ)).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، الكبد: المشقة والتعب، ومنه يسمى الكبد كبداً لأنه يحوي دماً متخثراً ومتجمداً.
فالمسلم في مشقة، ولا راحة له إلا بعد أن يجتاز جسر جهنم ويدخل الجنة، فلا مستراح للعابد إلا تحت شجرة طوبى في الجنة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦].
فالإنسان يعيش في كبد من أول ما تقطع سرته، فلو أن رجلاً كبيراً جرح جرحاً بسيطاً فإنه يعاني معاناة شديدة، ولا يسكن الألم إلا بفلين أو بيلوفين أو مسكن كذا وكذا، فما ظنك بالطفل الصغير يفصل شيئاً من جسده وهو السرة؟! ثم بعد ذلك يلبس هذه الملابس واللفافات التي توضع على الطفل الصغير، ولو أن شخصاً لبس ثوباً ضيقاً فقد لا يتحمل، فما ظنك بالطفل الرضيع وهو يشد ويربط بتلك الملابس!! ثم يعالج بعد ذلك الرضاع الذي لو فاته لجاع، ثم يعالج بعد ذلك الفطام الذي هو أشد من الوسام، ثم يعالج بعد ذلك نبت أسنانه، ثم يعالج بعد ذلك الوقوف بخطى ثابتة، والمشي بخطى ثابتة، وهكذا، ثم بعد ذلك يعالج بناء الدور وتشييد القصور، ثم بعد ذلك يعالج مشاكل الزواج وأتعابه، ثم بعد ذلك يعالج أمر الزوجات والأولاد، بعد ذلك يعاني من المواصلات وهمّ المواصلات، ثم بعد ذلك يعاني من المرض والأوجاع، ثم بعد ذلك يعاني سكرات الموت، ثم بعد ذلك يعاني من رؤية ملك الموت، ورؤية الملكين وعذاب القبر، ثم بعد ذلك يعالج ويكابد الوقوف أمام الله ﵎ في ساحة العرض على الله ﵎، ثم بعد ذلك الجنة أو النار.
فهذا يكدح بعضلاته، وذاك يكدح بروحه، وهذا يكدح من أجل بناء القصور، وهذا يكدح من أجل الكساء، وكل يكدح، وكل يحمل همه على ظهره ويمضي، ولكن هناك فرق بين من يكدح في سبيل نزوة وشهوة ومن يكدح لعقيدة ودعوة، وهناك فرق بين الرجل الذي يعيش لشهواته والرجل الذي يعيش لدينه، إن من يعيش لنفسه يعيش صغيراً ويموت صغيراً، وأما الذي يعيش إرضاء لربه فما له وللمال وللدعة؟! وما له وللفراش الوثير؟! وقد قال النبي ﷺ : (انتهى عهد النوم يا خديجة)، قم للأمر الكبير الذي ينتظرك، قم لأمر الدعوة لله ﵎.
لإسلامي ولو حتى إلى الجدران شدوني لإسلامي ولو حتى إلى النيران دسوني لإسلامي لإسلامي ولو في السلك باعوني وثارات لإسلامي تعايشني تغذيني تبث النور في روحي وتنبض في شراييني وإسلامي له عرقي له نبضي وسكوني أنا ماذا أقول أنا بلا ربي بلا ديني أنا ماذا أقول أنا أجيبوني أجيبوني هناك من يعاني كدح الدنيا ثم ينتهي به الأمر إلى كدح الآخرة وإلى النار، وهناك من يعاني كدح الدنيا من أجل دينه وينتهي به إلى ظل الله ﵎، وإلى جوار الله ﵎ حيث الأمن، وحيث لا خوف ولا حزن.
والذي يكدح في الدنيا فيتعب، ويكدح في الآخرة بمعالجة السلاسل والأغلال والنيران وسرابيل القطران، هذا جمع هماً إلى هم، فمثله كمن يغوص في الأوحال والطين مع أكل الديدان والحشرات.
إذا أنت غمت عليك السماء وضلت حياتك عن صبحها فعش دودة في ظلام القبور تغوص وتسبح في قيحها ومن تعب في سبيل الدعوة فإنه يحس بأنس وراحة، وطمأنينة بال، ورضا عن نفسه قال أحدهم: والله! إنها لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها القلب طرباً.
ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.
يعني: لو أن حياة أهل الجنة مثل هذه الحياة فإن أهل الجنة في سعادة.
ويقول القائل: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف.
ويقول أحدهم: العيش الهني العيش مع الله ﵎؛ أن يرضى الله ﵎ عنك.
ومن اشتاق إلى الله اشتاقت إليه جميع الأشياء، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين.
стр. 516
تفسير قوله تعالى: (وأنت حل بهذا البلد)
اختلف علماء التفسير في معنى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢] على ثلاثة أقوال: القول الأول: حلال لك ما تفعله في هذا البلد لحظة دخولك إياها، فاقتل من شئت، واعف عمن شئت، وعندما دخل الرسول ﷺ مكة كان يقول: (من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بيته فهو آمن)، والرسول ﷺ أمر بقتل عشرة من مجرمي الحرب الذين ناصبوا الدعوة العداء وإن تعلقوا بأستار الكعبة، ومنهم: عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعكرمة بن أبي جهل وآخرون، ثم بعد ذلك عفا رسول الله عن سبعة، وقتل الصحابة الثلاثة، ومنهم رجل وجدوه قد تعلق بأستار الكعبة فقتلوه وهو متعلق بأستار الكعبة؛ تنفيذاً لأمر رسول الله ﷺ .
ولذلك الرسول ﷺ يقول: (إن الله لم يحل مكة لأحد من قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي، وما أحلت لي إلا ساعة من نهار، ثم عادت حراماً بحرمة الله إلى يوم القيامة).
وهذه خاصية أعطاها الله للمصطفى ﷺ ساعة دخول مكة فقط، وهذه من الخصائص المؤقتة لرسول الله.
وهذه السورة مكية، نزلت ورسول الله ﷺ مضطهد معذب بمكة، فحينها يقول الله ﵎ له: ستفتح هذه البلدة التي ناصبتك العداء، وبأمر الله افعل فيها ما شئت، ففي هذا تسلية لرسول الله ﷺ أنه في يوم من الأيام ستفتح له مكة، وتنزل عليه هذه السورة برداً وسلاماً على قلبه.
القول الثاني: ((وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ)) أي: وكل شيء فيك حلال لأهل مكة، فهم لا يصطادون في مكة ولا يقتلون الدواب، ولا يقلعون الشجر ولا الحشيش الرطب في مكة، ويحرمون الصيد فيها، ومع ذلك يجتمعون ويتفقون على قتلك؟! كيف يصح هذا في الأذهان؟! لا يقتلون القاتل إذا دخل في رحاب مكة ثم يتفقون على قتلك أنت؟! ((وَأَنْتَ حِلٌّ)) أي: وأنت مهدر الدم حلال أن يقتلوك، فأي مقياس هذا وأي منطق؟ إنهم يعفون عن المجرم القاتل وألا يقتلوا صيداً وألا يقطعوا شجراً، ثم يستحلون منك ما لا يستحلون من القاتل؟! فهل يعقل أن يقتلوك؟ أو أن يشردوك أو يخرجوك من بلدتك؟ ويح قوم جفوا نبياً بأرض ألفته ضبابها والظباء وسلوه وحن جذع إليه وقلوه ورده الغرباء ونحا المصطفى المدينة واشتا قت إليه من مكة الأنحاء والنبي ﷺ يقول: (إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم علي قبل البعثة)، فكان كلما مرّ على هذا الحجر قال له: السلام عليك يا رسول الله! فالحجارة تعرف الصالحين، وتسلم على الأنبياء والمرسلين، وتقسو القلوب فتطرد أنبياء الله ﵎! قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل:٥٦] وذنبهم ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨].
فإذا عرف الشباب طريق المساجد فهذا تطرف وإذا بعدوا عن المساجد وشربوا السجائر فهذا عين الصواب! القول الثالث: ((وَأَنْتَ حِلٌّ بهذا البلد)) أي: وأنت مقيم بهذا البلد، يقسم الله ﵎ بإقامة رسول الله ﷺ في مكة، وإقامة رسول الله ﷺ في مكة شرف لها، فهي حرام وأمان، وإقامة رسول الله ﷺ بين ظهرانيهم أمان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]، فهو مصدر الأمان لهم ومع هذا يهددون أمنك، ويودون قتلك! إذاً: يقسم الله ﵎ بإقامة رسول الله في مكة، فقد زادها شرفاً فوق شرفها.
فالمولى ﵎ يقسم بإقامة الرسول في مكة، ويعلم أنه مضطهد ومعذب ومشرد بين قومه، فكان النبي ﷺ يذهب إلى القبائل، فيمشي وراءه أبو لهب فيقول: لا تتبعوا هذا الصابئ، وكان يرشق بالحجارة إذا عرض نفسه على قومه، فكان يقول: (من يجيرني حتى أبلغ رسالات ربي أضمن له الجنة).
فكان أبو جهل وأبو لهب والسفهاء وراءه، يعرض نفسه على القبائل وهو سيد الناس وقد لاقى ما لاقى حتى إنهم كانوا يضعون عليه سلا الجزور وهو ساجد -بأبي هو وأمي- ﷺ ، فعز على سيدنا أبي بكر ما يفعل برسول الله ﷺ ، فجعل يدفعهم عنه، وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ قالوا: من هذا؟ قالوا: أبو بكر المجنون، فالذي يدافع عنه مجنون، فتركوا رسول الله ثم أقبلوا على أبي بكر، فجعل عقبة بن ربيعة يضربه بنعلين مخصوفتين، وأبو بكر سماه الله ﵎ في السماء صديقاً، قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]، وهو ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠]، فكان هذا المجرم يضربه بنعلين مخصوفتين حتى انحرف وجهه، ونزا على بطنه برجله، حتى أتت بنو تيم فأنقذته وهم لا يشكون في موته، وغشي عليه، وأول كلمة نطق بها بعد أن أفاق: ماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ وآخر شيء أنت في كل هجعة وأول شيء أنت عند قبولي فجعل قومه يلوكونه بألسنتهم، ثم قال: والله لا أذوق طعاماً حتى أنظر ماذا فعل رسول الله ﷺ .
تقول السيدة أسماء: فجعل أبو بكر لا يمس شيئاً من جدائل شعره إلا سقطت مع لحم الرأس، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، واعتمد على أخت عمر بن الخطاب حتى وصل إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأى رسول الله ﷺ حال الصديق رق له وبكى، فما ظنك بفعلهم برسول الله ﷺ ؟ وهذا شرف للدعاة أن المولى ﵎ يقسم بتعب رسول الله واضطهاده وكدحه في سبيل دينه في هذا البلد.
стр. 517
أسماء مكة
قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١]: أقسم الله ﵎ بالبلد الحرام مكة، ومن أسماء مكة: البلد الحرام، والبلد الأمين، وأم القرى، يعني: أصل القرى، فكل القرى لها تبع وهي الأصل، وتسمى بكة بالباء؛ لأنها تدك أعناق الجبابرة، وتسمى بثاق أيضاً: له دفع الحديد إلى بثاق.
وتسمى معاداً قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، وتسمى كوثى، والبلدة، والبنية.
لو لم تكن خير البلاد على الثرى ما كان بيت الله فوق ترابها هي قلب هذي الأرض مقلة وجهها والصالحات عرفن من أهدابها فاكحل جفونك يا شريد بمائها أو شح ماء فاكتحل بترابها يعني: لو أن الرجل يكتحل بالتراب فتراب مكة أولى.
ويقول الشاعر أحمد شوقي: على كل أفق بالحجاز ملائك تزف تحايا الله والبركات لدى الباب جبريل الأمين براحه رسائل رحمانية النفحات وزمزم تجري بين عينيك أعيناً من الكوثر المعسول منفجرات ويقول الشاعر أيضاً: هنا النبوة تحيا في أماكنها والطيب يبلى ونوء الدهر تندرس هنا الصحابة من حول النبي رنا أبو هريرة يوم الحل والأنس هنا السماوات تبدو قرب طالبها هنا رحاب فضاء حين يلتمس يقف رسول الله ﷺ في لحظة الهجرة على مكة فيقول: (والله إنك لأطيب بلاد الله وأحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت، أو ما سكنت غيرك)، ورسول الله ﷺ يقول: (إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس)، ويقول المصطفى ﷺ : (إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها).
وقد يقول قائل: إن الله ﵎ حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ومع هذا قد يحدث قتل في مكة، فما معنى هذا التحريم؟
و
الجواب
أن التحريم ينقسم إلى قسمين: تحريم شرعي، وتحريم كوني، فالتحريم الكوني كقول الله ﵎: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء:٩٥].
والتحريم الشرعي: أن ينهى الله ﵎ عن شيء، ثم يفعله بعض عباده، مثلما يقول الله ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، فهذا قضاء شرعي، وإلا لو كان قضاء كونياً لعبد الناس كلهم الله ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] أي: قضى الله بالوالدين إحساناً، ولكن مع ذلك تجد أناساً يعقون آباءهم.
فهناك تحريم كوني وتحريم شرعي، وقضاء كوني وقضاء شرعي، وإذن كوني وإذن شرعي، وإرسال كوني وإرسال شرعي، وإرادة كونية وإرادة شرعية.
واسم الإشارة في قوله تعالى: ((لا أُقْسِمُ بِهَذَا البلد)) يأتي للتعظيم وللتنويه بشرف مكة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢]، ولم يقل: لا أقسم بهذا البلد وأنت حل به، وإنما قال: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، فكرر ذكر (بهذا البلد) مرة ثانية ولم يأت بها مضمرة، ليدل ذلك على فضل مكة.
стр. 518
تفسير قوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد)
قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٥].
قد يطغى إنسان بقوته وينسى كم أهلك الله من قبله من القرون، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣].
قال أبو جعفر المنصور لأحد العلماء: لم خلق الله الذباب؟ قال: ليذل به أعناق الجبابرة فعندما تأتي إليه الذبابة لا يستطيع أن يحضر لها جيشاً مسلحاً من أجل طردها وإبعادها.
ولهذا لما قال النمرود بن كنعان: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: أقتل هذا وأعفو عن هذا، ابتلاه الله ﵎ ببعوضة دخلت في أحد منخريه إلى دماغه، فجعلت تطن، فكان صوت الطنين في دماغه كأنه صوت آلات مصانع حربية، فجعلوا يضربونه بالنعال على أم رأسه، فأذل الله هذا الرجل الذي قال: أنا أحيي وأميت.
فالله يبتلي الإنسان بقوته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩]، والله ﵎ يقول: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥]، والله ﵎ يقول: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ [الرعد:٦]، والله ﵎ يقول: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠]، فليتق الله امرؤ في نفسه.
стр. 519
تفسير قوله تعالى: (يقول أهلكت مالاً لبداً)
стр. 520
القراءات في قوله تعالى: (يقول أهلكت مالاً لبداً)
قال الله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد:٦] وفي قراءة: (يقول أهلكت مالاً لبَّداً) وهذه قراءة متواترة صحيحة.
ومعنى قوله تعالى: ((يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا)) يعني: مالاً كثيراً، فالشعر الملبد هو الشعر المتراكم بعضه على بعض.
إذاً: لبداً مفردها: لبد، لكن لبَّداً مفردها: لابد، كما تقول: قام قائم، ركع راكع، سجد ساجد، شهد شاهد.
ويقال: إن رجلاً أسلم ثم قال: والله منذ أن أسلمت أنفقت مالاً كثيراً في الكفارات، فربما تنتهي أموالي بسبب محمد! فالله تعالى ذم كلامه القبيح، فهذا المدح الكاذب نعرة من نعرات الجاهلية، وذلك مثل رجل يريد أن يفرح بولده، فينفق مائة ألف جنيه على راقصة ومغنية وطبل ومزمار، وكأنه يقول: أريد أن أشتري المعاصي بنقودي، فأصل التمادح الكاذب هذا موجود في الجاهلية.
стр. 521
تفسير قوله تعالى: (أيحسب أن لم يره أحد)
قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:٧].
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب إذا ما مضى القوم الذي أنت فيهمُ وخلِّفت في قوم فأنت غريب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما تقول في الشعر؟ قال: مثل ماذا؟ قالوا: مثل قول القائل: إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني فيقصيني فقام الإمام أحمد وأخذ نعله وسمع نحيبه من خلف الباب وهو يبكي ويقول: إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني فما قولي له لما يعاتبني فيقصيني ورجل راود امرأة على الزنا وقال لها: لا يرانا إلا الكواكب، فقالت له: فأين مكوكبها؟ أين الله! والراعي عندما قال له ابن عمر ﵁: أعطني شاة وقل لسيدك: سرقت الشاة مني، قال له: فأين الله؟ فهذه هي الرقابة لله تعالى.
ولو أن إنساناً خلا بمحارم الله فانتهكها فقد جعل الله أهون الناظرين إليه، فلذلك جاء في الأثر: استح من الله كما تستحي من الرجل الكبير من قومك.
فكما لا تستطيع أن تفعل العيب أمام رجل كبير في مدينتك حياء منه، فكذلك استح من الله، والذي يستحي من الله يقربه الله ﵎، والذي يرتكب المعصية أقل أمره أنه قليل الحياء؛ لأن فعله حين يرتكب المعصية دائر بين أمرين: فإن قال: إني أرتكب المعصية والله غير ناظر إلي وغير مطلع علي، وأرتكب هذا الفعل بمغيب عن علم الله فهذا كفر وخروج من الإسلام بالكلية، فهو كافر.
وإن قال: إني أفعل هذا وأعلم أن الله ناظر إلي، فهذا يدل على قلة الحياء.
فلا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى كبرياء من واجهته بها، فإذا حرك الريح باب دارك وأنت في منظر معيب، فإنك تخشى من نظر الناس، أفلا تخشى بعد ذلك نظر الله إليك وأنت مقيم على المعاصي؟! يقول المصطفى ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إن لم تستح فاصنع ما شئت).
стр. 522
تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين)
يقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠].
سبحان من أنطق بلحم، وأسمع بشحم، ولا يقدر على ذلك إلا الله ﵎.
فقوله تعالى: ((أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ)) فهذه النعمة لا تستطيع أن تكافئها بسجود دائم إلى يوم القيامة، ولا تدرك عظمتها إلا إذا سلبها الله ﵎ عنك.
قال الجنيد لابن أخته وهو طفل ابن سبع سنوات: ما أقل الشكر يا غلام؟ قال: ألَّا تعص الله بنعمه.
فالله ﵎ أعطاك نعمة العينين، فإذا أردت أن تعصيه ولا تغض البصر، فاعمل لك بصراً عند أحد النجارين واعص به ما شئت، ولكن لا تعص الله بنعمه، فإن هذا يدل على قلة الحياء، وهو أن تستخدم هذه النعمة في الشيء المقابل.
وقوله تعالى: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٩]، فالعرب قبل نزول القرآن الكريم كانت تسمي الكلمة بنت شفه، يعني: أنها تخرج من بين الشفتين، ولكن الأسلوب القرآني: ((وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ)) أي: إياك من اللسان، يقول المصطفى ﷺ : (عليك بطول الصمت، وحسن الخلق، فوالذي نفسي بيده ما تجملت الخلائق بمثلهما).
وابن دقيق العيد يقول: والله منذ أربعين سنة ما تكلمت كلمة إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله ﵎.
فالعينان واللسان والشفتان تشهد على الإنسان يوم القيامة، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١]، ويقول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
وقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] النجد: هو المكان المرتفع، ومنه سميت نجد نجداً؛ لأنها مرتفعة على تهامة، فسمى الله ﵎ طريق الحق بأنه نجد وعر، وسمى طريق الشر أيضاً بأنه وعر، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] أي: بينا له طريق الخير، وبينا له طريق الشر.
إذاً: فمعنى هديناه النجدين: وضحنا له طريق الحق وطريق الضلالة، وطريق الحق وعر باعتبار البداية، ولذلك يقول المصطفى ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره).
وطريق الشر وعر باعتبار النهاية؛ لأنه يؤدي بك إلى النار، والإنسان في البداية يريد السرقة من أجل حصول المال ويريد الزنا وغير ذلك، فطريق الشر حلو باعتبار البداية، ولكنه وعر باعتبار النهاية، فتفنى اللذات ويبقى أثرها؟ ولذلك قال رسول الله ﷺ : (وحفت النار بالشهوات).
стр. 523
تفسير قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة)
قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١].
يعني: فهلا اقتحم العقبة، والاقتحام أن ترمي نفسك في الشيء بدون تفكير وبدون روية، والعرب تقول: قحم الفرس فارسه إذا ألقاه من عليه على وجهه، وتقول: أصابت القوم القحمة، يعني: الشدة والجوع.
فمعناه: فهلا اقتحم العقبة، أي: فهلا سارع في فكاك نفسه.
قوله: ((فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)) هناك محذوف، والتقدير: فلا اقتحم العقبة ولا آمن، والعقبة قالوا: إنها الصراط المار على جهنم، وقالوا أيضاً: إنها نار دون الجسر، وقالوا: إنها دركات النار -منازل أهل النار-، وقالوا: العقبة مجاهدة النفس حتى تزكو بأمر الله ﵎.
والإمام البخاري قال: ((فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)) يعني: فلن يقتحم العقبة، وهكذا فسرها مجاهد.
стр. 524
تفسير قوله: (وما أدراك ما العقبة)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد:١٢].
يقول سفيان بن عيينة: كل ما قاله الله ﵎ لنبيه: (وما أدراك) فقد أعلمه به، وكل ما قاله الله لنبيه: (وما يدريك) فلم يعلمه به، قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]، فالله لم يعلمه بها، وأما العقبة فقد أعلمه بها مباشرة.
стр. 525
تفسير قوله تعالى: (فك رقبة)
قال تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد:١٣]، والفرق بين فك الرقبة وإعتاق الرقبة: أن فك الرقبة هو أن تشترك بمال مع غيرك لأجل أن تعتق عبداً، فتشتريه لأجل أن تعتقه ثم تعتقه لوجه الله ﵎.
أما عتق الرقبة: فهو أن تشتريه بمالك الخالص ولا يشاركك فيه أحد غيرك.
و ((فَكُّ رَقَبَةٍ)) أن تصنع كما صنع أبو بكر الصديق، فقد كان يشتري العبيد ويعتقهم لوجه الله ﵎.
وأعظم ما ينجيك من النار عتق الرقاب، والمستشرقين قالوا: إن الإسلام يدعو إلى الرق، وهم في ذلك كذبة فجرة؛ لأن الإسلام ضيق من الرق ووسع في سبيل الحرية، بدليل أنه جعل كفارة الظهار وكفارة اليمين عتق الرقاب.
وأيضاً: لو أن رجلاً عنده عبد، فقال له هزلاً: أعتقتك لوجه الله، فهذا الكلام ينزل بمنزلة الجد، فالمصطفى ﷺ قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتق).
وأيضاً: قال النبي ﷺ : (من لطم مملوكه -أو ضربه- بغير حق فكفارته -يعني: فكفارة هذا الذنب- عتق هذا المملوك).
والمصطفى ﷺ يقول: (من أعتق رقبة مسلمة كانت فداءه من النار؛ عظمه بعظمه حتى فرجه بفرجه).
стр. 526
تفسير قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة)
وقال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد:١٤].
قوله تعالى: ((في يومٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)) يعني: في يوم شديد الجوع، تقول: فلان ساغب، أي: جائع.
وهذا بيت القصيد وهو إطعام الناس لأجل الله تعالى في يوم الفقر، وفي يوم شديد الجوع، والرسول ﷺ يقول: (أفضل الصدقات أن تدخل سروراً على مسلم، أو تفك عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً).
стр. 527
تفسير قوله تعالى: (يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة)
قال الله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] أي: يتيماً من أهلك، ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] والمسكين هو الفقير.
((ذَا مَتْرَبَةٍ)) يعني: كأنه لصق بالتراب، فلا يوجد لديه شيء.
فقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] يدل على أن أول شيء هو صلة الأرحام، ثم صلة اليتامى الأقربين، ثم بعد ذلك صلة يتامى المسلمين.
ومراد الله من عباده لين قلوبهم ورقتها، فإذا رق القلب أتى منه كل خير، وإذا قسا القلب أتى منه كل شر، والرسول ﷺ يقول: (إن الله يدخل أقواماً الجنة أفئدتهم مثل أفئدة الطير).
قال الإمام النووي: في رقتها وفي لينها وفي توكلها على الله ﵎.
ومن الأسباب لرقة القلب ما قاله المصطفى ﷺ : (إذا أردت أن يلين قلبك وتدرك حاجتك -أي حاجة- فامسح رأس اليتيم، واطعمه من طعامك، واسقه من شرابك، يلن قلبك، وتدرك حاجتك).
وعندما يكون الإنسان صالحاً يتكفل الله بأولاده، قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]، وقد يمر على أولادك ما يمر على يتامى المسلمين فاتق الله ﵎، ولذلك يقول ﷺ : (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وكما قال رسول الله ﷺ : (من لا يرحم لا يرحم)، والمصطفى ﷺ يقول: (قد غفر الله لبغي -وفي رواية: لمومسة أي: زانية- من بني إسرائيل وجدت كلباً يكاد أن يأكل التراب من شدة العطش، فنزعت موقها -أي: خفها- ثم حملت به الماء حتى سقته، فغفر الله لها).
والله ﵎ غفر لامرأة زانية؛ لأنها لما وجدت رضيعيها يبكيان أسندتهما إلى صدرها، فقال الرسول ﷺ : (إن الله غفر لهذه برحمتها بولديها، وإن الله لا يقدس أمة لا ترحم ضعيفها).
والمصطفى ﷺ يقول: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، ومن الذي لا يريد أن يكون قريباً من المصطفى ﷺ ؟! وسيدنا أنس كان يبكي ويقول: (يا رسول الله! إن كنت معنا فرحنا بك، وإن غبت عنا اشتقنا إليك، فتذكرت مقامك في الجنة مع النبيين فآلمني هذا الأمر وشق علي فبكيت، فلما نزل قول الله ﵎: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] يقول سيدنا أنس: فوالله ما فرحنا بآية مثل فرحنا بهذه الآية).
وقال المصطفى ﷺ : (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)، فإذا أردت أن تجاهد في سبيل الله فأد حق اليتامى والمساكين والأرامل.
والمصطفى ﷺ يقول: (كافل اليتيم له أو لغيره معي كهاتين في الجنة).
فيتامى المسلمين كثيرون، ومن أكل طعاماً أو فاكهة وأطفال جاره يتضاغون من الجوع فليس على سنة المصطفى في ذلك، قال النبي ﷺ : (ليس منا من بات شبعان وجاره جائع).
وسيدنا عمر سجن الحطيئة لأنه كان يشتم الناس، فبعث إليه بيتين من الشعر فبكى سيدنا عمر بسبب هذين البيتين، وعفا عنه، وهما: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قاع مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر فسيدنا عمر بكى، وهذا من رقة قلبه، لأنه قال في الشعر: زغب الحواصل لا ماء ولا شجر أي: لا يوجد شخص يسأل عليهم.
ولو كل الناس ينفقون على اليتامى فإن الله تعالى يبارك في المال، قال النبي ﷺ : (ما قل مال من صدقة)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧].
стр. 528
الفرق بين اليتيم والمسكين
الفرق بين الفقير والمسكين: أن الفقير حاله أشد ضنكاً من المسكين، بدليل قول الله ﵎: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] فهم مساكين ومعهم سفينة، وسمي الفقير فقيراً من الفقرة، والفقرة هي الحفرة التي يحفرونها من أجل أن يضعوا فيها النخلة، وكأن الفقير قد نزل في هذه الحفرة.
وقول آخر: أنه مأخوذ من فقرة الظهر، ومنه العمود الفقري، فعندما تأخذ فقرة من ظهر الإنسان فإنه لا يستطيع أن يتحرك، وهكذا الفقير لا يستطيع الحركة وكأنه قد أصيب بشلل.
والفقير والمسكين لو أتيا في آية واحدة فالفقير له معنى والمسكين له معنى، ولو ذكر أحدهما دون الآخر فإنه يشمل معناه.
إذاً: قوله: ((أَوْ مِسْكِينًا)) يشمل الفقير.
والإسلام يستوصي بالفقراء وبالمساكين خيراً، قال المصطفى ﷺ : (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)، وتعوذ بالله من الفقر والإسراف.
стр. 529
تفسير قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا)
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧].
يعني: لا ينفع إطعام المساكين في الآخرة بدون إيمان وإسلام، والكافر وإن كان منفقاً في سبيل الخير فإن الله ﵎ يوفي إليه أجره في دار الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، كما قال المصطفى ﷺ لـ عدي بن حاتم: (أسلمت على ما أسلفت من خير) أي: أسلمت على ما كان منك من خير.
قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [البلد:١٧] يقول الرسول ﷺ : (والصبر ضياء)، فالمؤمنون يوصي بعضهم البعض بالصبر، لا يوصي بعضهم البعض بالعجلة، يقول الله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤]، والصبر يكون على طاعة الله، وعلى الأقدار المؤملة، وعن معاصي الله ﵎.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧] المرحمة: هي رحمة العباد، وتكاد أن تكون رسالة الإسلام في الرحمة، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وما وإلّا من أساليب الحصر والقصر، يعني: رسالتك الرحمة ودينك الرحمة، والمصطفى ﷺ يقول: (إن الله إذا أحب شخصاً ألهمه الرفق، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره).
ويقول المصطفى ﷺ : (المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إذا انقيد انقاد، وإذا أنيخ على صخرة استناخ).
ويقول المصطفى ﷺ : (ألا أدلكم على أقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقاً: الموطئون أكنافاً اللينون).
والرسول ﷺ يقول: (المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).
والمصطفى ﷺ يقول: (في كل ذات كبد حرى أجر) يعني: لو أنك سقيت كلباً أو حيواناً وهو عطشان، فإن الله ﵎ يثيبه على ذلك، والنبي ﷺ يقول: (من لا يرحم لا يرحم).
وسيدنا جبريل يقول للمصطفى ﷺ : (لو رأيتني يا محمد وأنا أدس في فيه -يعني: في في فرعون- من حمأ البحر -أي: من طين البحر-؛ حتى لا تدركه رحمة الله ﵎، لأن فرعون لم يرحم الأطفال فقد كان يذبحهم، فلم يرحمه جبريل، فجعل يدس الطين في فمه حتى يموت قبل أن تدركه رحمة الله ﵎.
ولما أخذ المؤمنون برأس الأمر وهو الصبر جعلهم الله رءوساً.
стр. 530
تفسير قوله تعالى: (أولئك أصحاب الميمنة)
قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد:١٨].
فهم الميامين على أنفسهم وعلى ذويهم وعلى غيرهم، أي: أنهم خيرة على أنفسهم، وعلى أهليهم، وعلى الناس الذين بجانبهم، وهم الذين نزعوا من شق آدم الأيمن، وهم الذين يكونون يوم القيامة عن يمين العرش، وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
следующие страницы →