← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36349

طريقك إلى تقوية إيمانك

أسماء بنت راشد الرويشد

Полный текст (74 стр.). Показаны 36–74 · переход к 41.

стр. 36

قال الآجري في مقدمة كتابه أخلاق العلماء، إن الله وتقدست أسماؤه اختص من خلقه من أحب فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب فتفضل عليهم فعلمهم الكتاب والحكمة، وفهمهم في الدين وعلمهم التأويل وفضلهم على سائر المؤمنين". وينبغي التنبيه إلى أن العلم ليس مقصودا لذاته بل هو وسيلة لأعظم الغايات وهو التعبد لله بالعمل قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ (٢ سورة الزمر). وكل ما ورد في فضل العلم إنما هو ثابت له من وجه ما هو مكلف به من العمل. وقد جاءت النصوص بالوعيد لمن لم يعمل بعلمه وأن المتعلم يُسأل عن علمه ماذا عمل به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣ سورة الصف).

стр. 37

قال الحسن البصري: العلم علمان: علم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان هو حجة الله على عباده. بل إن الأعمال إنما تتفاوت في زيادتها ونقصها وحسنها وفضلها بل وقبولها وردها بحسب ما يقوم به صاحبها من العلم بها. كما قال ابن القيم ﵀: "والأعمال إنما تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له فالعمل الموافق للعلم هو المقبول، والمخالف له هو المردود، فالعلم هو الميزان وهو المحك". والمؤمن لا بد له من علم بما جاء به الرسول ﷺ يكون يقينا له لا ريب عنده فيه ويكون سلاحا له ضد غارات الشبهات وتيارات الشهوات، لا سيما في هذه الأزمان التي كثرت فيها الفتن وتلاعبت بالناس الأهواء والآراء المجردة من الدليل، فلا نجاة للمؤمن بإيمانه ما لم يكن معه علم يدافع به عن إيمانه ويقويه.

стр. 38

وعلى هذه فزيادة الإيمان الحاصلة من جهة العلم تكون من وجوه متعددة: ١ - من جهة خروج صاحبه في طلبه. ٢ - جلوسه عليه في حلقة العلم والذكر ومذاكرة مسائله. ٣ - زيادة معرفته بالله وشرعه. ٤ - تطبيقه لما تعلمه. ٥ - من حيث تعليمه الجاهل ما تعلمه. ٦ - الصبر على تحصيله والدعوة إليه. فهذه جوانب متعددة يزداد بها الإيمان بسبب العلم وتحصيله. أما أبواب العلم الشرعي التي يحصل بها زيادة الإيمان فكثيرة جدا منها: ١ - قراءة القرآن الكريم وتدبره: لا شك أن أعظم أبواب العلم دراسة كتاب الله وتناوله بالفهم والتدبر، وبه يزداد الإيمان ويثبت ويقوى.

стр. 39

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢ سورة الأعراف). وقد أخبر سبحانه أنه إنما أنزله ليدبر العباد آياته فقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩ سورة ص). وقال تعالى مؤكدا أن القرآن يزيد المؤمنين إيمانا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢ سورة الأنفال). قال ابن القيم ﵀: فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن.

стр. 40

وقال محمد رشيد رضا "واعلم أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع التدبر، بنية الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه". وكما بينا في شأن العلم سابقا فإن زيادة الإيمان التي تكون بقراءة القرآن لا تكون إلا لمن اعتنى بفهمه وتطبيقه والعمل به، وإلا فكم من قارئ للقرآن والقرآن حجيجه وخصيمه يوم القيامة، وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله: "والقرآن حجة لك أو عليك". وقال قتادة: "لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان". وكثير من الناس من اشتغل بحفظ القرآن وحسن ترتيله مع إهمال جانب العمل به والتخلق بأخلاقه فيصف الحسن البصري هذا النوع من الناس فيقول:

стр. 41

"أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن كله فما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما يُرى له القرآن في خُلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول إني لأقرأ السورة في نفس، والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء مثل هذا لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء". وليس هذا اعتراض على الاعتناء بتجويد القرآن وحفظه وحسن أدائه وإنما هو اعتراض على التكلف في ذلك دون الاهتمام بإقامة الأوامر والأحكام التي نزل بها القرآن. فلابد للعبد عند قراءة القرآن أن يجمع قلبه وهمته على فهمه والعمل به وأن يستشعر أن هذا القرآن إنما هو خطاب من الله تعالى له، كما قال الحسن البصري: "إن من كانوا قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها بالنهار".

стр. 42

وهنا يعطينا ابن القيم قاعدة جليلة في كيفية الاستفادة والانتفاع من قراءة القرآن فيقول: "إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك واحضر حضور من يخاطبه من تكلم به سبحانه منه إليه فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله". وإذا ظفر العبد بالعلم والعمل معا زاد إيمانه وثبت ثبوت الجبال الراسيات- نسأل الله من فضله. ٢ - العلم بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى: فإن معرفة أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة والتي تدل على كمال الله المطلق من كافة الوجوه، من أعظم الأسباب التي تحصل بها قوة الإيمان وكمال اليقين. وتعلم أسماء الله وصفاته والاشتغال بمعرفتها من أعظم أبواب العلم التي تحصل بها زيادة الإيمان، فشرف العلم بحسب شرف معلومه وشدة الحاجة إليه. إذ لا سبيل إلى معرفة الرب سبحانه إلا بمعرفة أسمائه ونعوته التي تعرف بها سبحانه إلى عباده من الكتاب والسنة الصحيحة، أما ما سوى هذين المصدرين

стр. 43

فلا يجوز الأخذ منه، لأن أسماءه سبحانه وصفاته كلها توقيفية لا تثبت لله إلا بدليل من القرآن أو السنة الصحيحة. وبحسب معرفة العبد بربه تكون محبته له وخضوعه وطاعته، وبالتالي إيمانه ويقينه. فأسماء الرب ونعوته تثمر في القلب العبودية والخضوع، إذ لكل صفة عبودية خاصة يشهدها القلب ثم يظهر مقتضاها على الجوارح. وبيان ذلك أن العبد إذا علم بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة؛ فإن ذلك يثمر له عبودية التوكل عليه باطنا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً. وإذا علم بأن الله سميع بصير عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإن هذا يثمر له حفظ اللسان

стр. 44

والجوارح وخطرات القلب عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلقات هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه. وإذا علم بأن الله غني كريم بر رحيم واسع الإحسان، فإن هذا يوجب له قوة الرجاء، وهذا يثمر أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وإذا علم بكمال الله وجماله أوجب له هذا محبة خاصة وشوقا عظيما إلى لقاء الله، وهذا يثمر أنواعاً كثيرة من العبادة. فلا بد للعبد أن يعرف أن له ربا قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال، منزه عن المثال، بريء من النقائص والعيوب، له كل اسم حسن وكل وصف كمال، فعَّال لما يريد، فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء، آمر ناه، متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء، أرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين، فالقرآن أنزل لتعريف عباده به، وبصراطه الموصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه.

стр. 45

وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: من أعز أنواع المعرفة: معرفة الرب سبحانه بالجمال، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه، ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ويكفي في جماله أنه لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه، ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة من آثار صنعه فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال، ويكفي في جماله أن لنور وجهه أشرقت الظلمات كما قال النبي ﷺ في دعاء الطائف "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة". وقال عبد الله بن مسعود ﵁ "ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات والأرض من نور وجهه فهو سبحانه نور السموات والأرض، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره".

стр. 46

ثم قال ﵀ "وجماله سبحانه على أربع مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة، وأما جمال الذات، وما هو عليه محجوب بستر الرداء والإزار، كما قال رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري". قال ابن عباس: "حجب الذات بالصفات وحجب الصفات بالأفعال فما ظنك حجب بأوصاف الكمال وستر بنعوت العظمة والجلال. فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئا من حسن

стр. 47

جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات" انتهى كلامه بتصرف. فلا شك بعد ذلك في أن العبد كلما تعرف إلى ربه زاد حبه وإيثاره لمرضاته، وبالتالي زاد إيمانه ويقينه، كما أن معرفة الله تقوي في العبد جانب الخوف والمراقبة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "أي إنما يخشى الله حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر". فمن كانت معرفته بالله كذلك، كان من أقوى الناس إيمانا وأحسنهم إجلالاً ومراقبة لله ، وأكثرهم طاعة وتقربا إليه وبعداً عن معاصيه ومساخطه. قال بشر رحمه الله تعالى: "لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه ".

стр. 48

٣ - دراسة سنة النبي ﷺ والتأمل في سيرته: من أسباب زيادة الإيمان النظر في سيرة النبي ﷺ وهديه، والتأمل فيما ذُكر من أفعاله ونعوته الطيبة وشمائله الحميدة؛ إذ هو المبعوث بالدين القويم رحمة للعالمين وإماماً للمتقين وقدوة للمؤمنين .. ومن درس السيرة وتأمل في نعوت وصفات النبي ﷺ التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة وكتب السير، فقد استكثر لنفسه من الخير وانتفع به غاية الانتفاع؛ إذ أن هذا من أعظم ما يقوي محبته ﷺ في قلب المسلم. وزيادة المحبة له ﷺ تورث المتابعة والعمل الصالح اللذين يزيدان في إيمان العبد، فكان هذا من أعظم أبواب وسبل الهداية. وقد ذكر ابن القيم ﵀، أن للهداية أسباباً متعددة، وطرقاً متنوعة، وهذا من لطف الله بعباده، لتفاوت عقولهم ومداركهم وميولهم وطباعهم، وذكر من هذه الأسباب تأمل حال وأوصاف النبي ﷺ وأن هذا سبب لهداية بعض الناس، فقال ﵀ "ومنهم من يهتدي بمعرفته بحاله ﷺ وما فُطر عليه من

стр. 49

كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأن عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال، لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي من كان بهذه المثابة، كما قالت أم المؤمنين خديجة ﵂ له ﷺ : "أبشر لن يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق". قال الشيخ السعدي- ﵀: "فمعرفته ﷺ توجب للعبد المبادرة للإيمان ممن لم يؤمن، وزيادة الإيمان ممن آمن به". إلى أن قال: "ولهذا كان الرجل المنصف الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق، مجرد ما يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به ﷺ ولا يرتاب في رسالته، بل كثير منهم مجرد أن يرى وجهه الكريم يعرف أنه ليس بوجه كذاب". ويكفي أن الرب أقسم على كمال هذا الرسول وعظمة أخلاقه وأنه أكمل مخلوق بقوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا

стр. 50

يَسْطُرُونَ* مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ* وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ سورة القلم (١ - ٤). وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان ﷺ أجود الناس، وأجمل الناس، وأشجع الناس". وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "إن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، وإنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقاً" وغيرها مما يطول ذكره ويعظم في النفس أثره. ٤ - قراءة سيرة سلف هذه الأمة: فإن سلف هذه الأمة أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم بإحسان أهل الصدر الأول من الإسلام هم خير القرون، أهل المشاهد والمواقف العظام، وهم حملة هذا الدين ونقلته لمن جاء بعدهم من العالمين، أقوى الناس إيماناً وأرسخهم علماً، يخص منهم أصحاب النبي ﷺ الذين خصهم الله برؤيته وأكرمهم بسماع صوته فأخذوا

стр. 51

الدين منه غضاً طرياً، فاستحكمت به قلوبهم، واطمأنت به نفوسهم وثبتوا عليه ثبوت الجبال. ويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم". من تأمل حال أولئك الأخيار وقرأ سيرهم وعرف محاسنهم، وما كانوا عليه من خلق عظيم، وتعاهد للإيمان، وإقبال على الطاعة، وتنافس في فعل الخير، وشدة تعبدهم لله، وإعراضهم عن الدنيا الفانية، وإقبالهم على الآخرة الباقية، فإن المتأمل سيقف من خلال ذلك على قصور نفسه وضعف همته وعلى قلة زاده وسيكون ذلك شاحذاً لهمته مقوياً لعزيمته داعياً إلى صدق التأسي بهم. ولو لم يحصل من ذلك كله إلا حصول

стр. 52

محبتهم في القلب ورغبة التحلي بصفاتهم لكفى لأنه كما جاء في الحديث: "المرء يحشر مع من أحب". وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل" و"من تشبه بقوم فهو منهم". وموضع التأمل والبحث في سير وأخبار هؤلاء الأخيار يكون في: كتب التاريخ والسير، والزهد، والرقائق، والورع وغيرها. ثانياً: التأمل في آيات الله الكونية: فالتأمل في آيات الله الكونية ومخلوقاته العظيمة من سماء وأرض، وليل ونهار، وجبال وأشجار وبحار وأنهار، وغير ذلك مما لا يحصى، مما خلق الباري وأودع في هذا الكون الفسيح، فإن من تأملها وأمعن النظر وأجال الفكر فيها، يعود عليه ذلك بالنفع وتقوية الإيمان وتثبيته؛ لأن التفكر الذي حقيقته النظر

стр. 53

والاعتبار يكون به الإدراك الواعي لوحدانية الله وعظيم ملكه وكمال قدرته، يفجر فيقلب العبد ينابيع الإيمان وتعظيم الله وإجلاله، وينبهه إلى كثرة نعمه وآلائه. وكذلك فإن من وراء التفكر الواعي بأحوال الناس والنفس والدنيا وسرعة زوالها وانقضائها، وفي الصفات المهلكة والصفات المنجية، يكون الاعتزاز بالله وحده والذل لوجهه سبحانه والترفع عن الهوان لغيره، وإحياء الجوانب الفاضلة والحسنة في القلب وإزهاق النوازع الخبيثة والرديئة، ويقوي الرغبة فيما عند الله والدار الآخرة. وكان سفيان بن عينيه يقول: "إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة" .. ومما يُربى في النفس فضيلة التفكر، دعوة القرآن إلى النظر في آيات الله، ومفعولاته التي هي مخلوقاته وآثار صنعه، والتي هي أعظم دليل على وحدانيته وتفرده، فقال الله تعالى في سورة الحشر ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

стр. 54

وربط بين التفكر والعبرة وبين مواطنها المتعلقة بما خلق الله وأبدع في كونه من أشياء داعية إلى توحيده وخشيته فيقول في سورة النحل: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (٦٦) سورة النحل. ويقول في سورة النور: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾. وكما قال الشاعر: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد وكأن التفكر لصاحبه رائد يهديه إلى طريق ربه ويحول بينه وبين الانصراف عنه. وإذا كان التفكر بهذه المنزلة، وثمرته بتلك المكانة، فالمصيبة كبيرة حين يحرم الإنسان ذلك الجانب من العبادة، فالذي يمر على الآية العظيمة والخلق الباهر والعبرة الموقظة دون أن يدركها أو يتأثر بها أو يعتبر عندها، دال على تجمد تفكيره وإدراكه وتبلد شعوره وإحساسه، ويكون بمنزلة من

стр. 55

فقد العقل أو البصر أو كما وصفهم الرب ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ قال جلا وعلا: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١٤٦) سورة الأعراف. وقد ذكر الحسن أن معنى الصرف هنا هو أن الله ﷻ يمنع هؤلاء الأشقياء من التفكر في أمر الله . وقد يسأل سائل عن طريق التفكر وكيف الوسيلة إلى تحقيقه، وجواب ذلك أن التفكر هو عمل قلبي تأتي الجوارح تبعاً له، وعبادة تحتاج إلى نية وبذل وجهد وقصد، ثم إنه يأتي بحمل النفس على ذلك والمحاولة وتكرار ذلك، لأن التكرار يورث التعود، ويعاون على التفكر الصمت والسكون والخلوة بالنفس

стр. 56

حتى يسبح الفكر في آفاق التذكر والتدبر بلا شواغل ولا قواطع، كانتهاز فرصة الذهاب إلى رحلات البر أو البحر أو الصعود إلى سطح المنزل، والتفكر في بديع صنع السماء، وكذا يفتش في عجيب صنع نفسه وتغير مراحله وأحواله، وقد سئل أعرابي: بما عرفت ربك؟ فرد بجواب المتفكر: بنقض العزائم وصرف الهمم. وهذا هو علي بن أبي طالب ﵁ يوجه الانتباه إلى التفكر والاعتبار بأحوال الخلق وضعفهم ونهايتهم وحقارة الدنيا وسرعة انقضائها فيقول: "أولستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى، فميت يبكى، وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعائد يعود، وآخر بنفسه يجود، وطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي يمضي الباقي".

стр. 57

ولكن ليس كل صمت يؤدي إلى فضيلة التفكر؛ فقد يصمت الإنسان في غفلة وبلادة وشرود، لذلك قال الحسن: "من لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو". ثالثاً: الاجتهاد في الأعمال الصالحة: فمن أهم أسباب زيادة الإيمان وأظهرها القيام بالأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى والإكثار منها والمداومة عليها. فإن كل عمل يقوم به المسلم مما شرعه الله ويخلص نيته فيه يزيد في إيمانه؛ لأن الإيمان يزيد بزيادة الطاعات وكثرة العبادات. والأعمال الصالحة تنقسم من حيث متعلقها إلى ثلاثة أقسام: ١ - أعمال قلبية. ٢ - أعمال قولية. ٣ - أعمال فعلية. ١ - أما أعمال القلب فمنها: الإخلاص، والمحبة، والتوكل، والإنابة، والرجاء، والخوف، والرضا، والصبر، وغيرها من أعمال القلب. وهي في الحقيقة أصل الدين ورأس أمره؛ لأن الأعمال الظاهرة لا تقبل إن

стр. 58

خلت من الأعمال القلبية ولا عبرة بصلاح الظاهر مع فساد الباطن. مثلاً الأعمال كلها يشترط في قبولها الإخلاص لله والإخلاص عمل قلبي، لذا لزم على كل مسلم أن يبدأ بالاعتناء بإصلاح قلبه وتحقيق تلك الأعمال فيه. ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". فإذا كان القلب سليماً ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يسخط الله، صلحت تبعاً لذلك حركات جوارحه وانقادت لذلك الخير الذي في قلبه، بخلاف ما إذا كان القلب قد استولى عليه حب الهوى واتباع الشهوات وتقديم حظوظ النفس، فإن من كان كذلك فسدت حركات جوارحه تبعاً لما في قلبه.

стр. 59

والمقصود أن أعظم باعث للإيمان وأنفع مقوياته وأهم أسباب زيادته ونمائه هو إصلاح القلب بحب الله وحب رسوله وحب من يحبه الله ورسوله ﷺ وتطهيره مما يخالف ذلك ويناقضه. وجماع ذلك وتحقيقه بإشغال القلب بالفكر بما فيه صلاحه وفلاحه فيشغله بمعرفة ما يلزمه من توحيد الله وتعظيمه وحقوقه ، وتذكر الموت وما بعده من دخول الجنة أو النار، والتعرف على آفات القلوب وأعمالها المفسدة والتحرز منها، كالشرك بأنواعه والشك وتعظيم الخلق والحسد والرياء والعمل على طرح الإرادات التي تضره والعزم على الإرادات التي تنفعه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان". ومعنى هذا أن كل حركات القلب إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان صاحبه.

стр. 60

لذلك كان أكمل المؤمنين إيماناً هم أهل المحبة الذين انعقدت قلوبهم على محبة الله ومحبة ما يحبه وبغض ما يبغضه، وكذلك أهل التوكل الذين بلغوا أعلى قمة الإيمان لذلك العمل القلبي فأدخلهم بعد رحمة الله الجنة بغير حساب، كما في قول النبي ﷺ في صفتهم "وعلى ربهم يتوكلون". ٢ - أعمال اللسان: كذكر الله وحمده والثناء عليه وقراءة كتابه والصلاة والسلام على رسوله ﷺ والاستغفار والدعاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله .. وغير ذلك من الأعمال التي تكون باللسان .. فلا شك أن القيام بها والمداومة عليها والإكثار منها من أعظم أسباب زيادة الإيمان. قال الشيخ السعدي ﵀: ومن أسباب دواعي الإيمان الإكثار من ذكر الله كل وقت، فإن ذكر الله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها، وكلما ازداد العبد ذكراً لله قوي

стр. 61

إيمانه، كما أن الإيمان يدعو إلى كثرة الذكر، فمن أحب الله أكثر من ذكره، ومحبة الله هي الإيمان بل هي روحه. وقد ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة في الأمر بالذكر والحث على الإكثار في الأمر بالذكر والحث على الإكثار منه بما يبين أهميته قال تعالى ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾. وقال تعالى ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله".

стр. 62

وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله ﵎: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ... " وغيرها من النصوص الدالة على فضل الذكر وأهميته، وفضل الاشتغال به. فإن أعرض الإنسان عن ذلك ولم يشغل لسانه بذكر الله ، اشتغل لسانه بغير ذلك من اللغو والخوض الباطل والغيبة والفحش؛ لأن العبد لابد له أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه الأمور. قال ابن القيم: "فإن اللسان لا يسكت ألبتة، فإما لسان ذاكر وإما لسان لاغ، ولابد من أحدهما، فها هي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وكذلك القلب، إن لم تسكنه محبة الله ، سكنته محبة المخلوقين ولابد، وهذا اللسان، إن لم تشغله بالذكر، شغلك باللغو، وهي عليك ولابد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها في إحدى المنزلتين".

стр. 63

فالإيمان يزيد من حيث القول؛ فإن من ذكر الله عشر مرات ليس كمن ذكر الله مئة مرة، فالثاني أزيد بكثير. ثم إن من أعظم العبادات القولية التي تزيد في الإيمان الدعاء والدعوة إلى الله، ولأهمية هذين الأمرين ولعظم نفعهما في زيادة الإيمان لزم الحديث عنهما: - أما الدعاء فهو من أقوى الأسباب لتقوية الإيمان؛ لأنه في حقيقته هو العبادة كما قال ﷺ : "الدعاء هو العبادة". فالعبد عندما يتوجه إلى ربه بالدعاء فإن ذلك يدل على ما في القلب من الثقة بالله وحسن الظن به، وفيه أيضاَ تظهر عبودية الافتقار إلى الله والذل والخضوع له، وكلما حقق ذلك أكثر كان إلى الله أقرب. قال ﷺ "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء".

стр. 64

وكذلك بالدعاء يتوجه العبد إلى ربه بطلب التوفيق إلى أسباب زيادة الإيمان وتقوية اليقين لأن الله سبحانه هو مسبب الأسباب وميسر الأمور، وقد قال الرسول ﷺ : "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم". وتقدم معنا أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقول في دعائه "اللهم زدني إيماناً ويقيناً وفقهاً". - أما الدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه ففيها يكمّل العبد نفسه وإيمانه ويكمَل غيره. كما أقسم الله تعالى بالعصر أن جنس الإنسان لفي خسر إلا من أتصف بصفات أربع: الإيمان والعمل الصالح اللذين بهما تكمل النفس، والتواصي بالحق الذي هو العمل النافع، والصبر على ذلك كله، وبهما تكمل الهداية للنفس وللغير. والدعوة إلى الله من أكبر مقويات الإيمان؛ لأن صاحبها يسعى إلى نصرة هذه الدعوة ويقيم الأدلة والبراهين لتحقيقها،

стр. 65

فالجزاء من جنس العمل، فكما سعى إلى تكميل العباد ونصحهم وتوصيتهم فإن الله يجازيه بتأييده بنور منه وقوة إيمان. وكما تصدى لنصره الحق فإن الله يفتح عليه الفتوحات العملية والإيمانية بمقدار صدقه وإخلاصه. قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾. كما ينبغي للآمر الناهي الداعي إلى الله أن يلتزم الصدق والإخلاص، وأن يلتزم في دعوته بالحكمة والرفق، والصبر على المدعوين والعلم بما يدعوهم إليه، فإن تحققت فيه هذه الأوصاف أثمرت دعوته ونفعت بإذن الله، وكانت سبباً لقوة إيمانه، وقوة إيمان المدعوين.

стр. 66

٣ - وأما أعمال الجوارح: من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد وغير ذلك من الطاعات، فهي كذلك من أسباب زيادة الإيمان، فالاجتهاد في القيام بالطاعات التي افترضها الله على عباده، وبالقربات التي ندب عباده إليها، والإتيان بها على أحسن الوجوه وأكملها، من أعظم أسباب قوة الإيمان وزيادته. قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١ - ١١) سورة المؤمنون.

стр. 67

فهذه الصفات الثماني، كل واحدة منها تثمر الإيمان وتنميه، كما أنها من صفات الإيمان وداخلة في تفسيره. فحضور القلب في الصلاة، وكون المصلي يجاهد نفسه على استحضار ما يقوله ويفعله من القراءة والذكر والدعاء فيها، ومن القيام والقعود، والركوع والسجود، من أسباب زيادة الإيمان ونموه. وقد سمى الله الصلاة إيماناً بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ سورة البقرة (١٤٣). وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (٤٥) سورة العنكبوت. فهي أكبر ناه عن كل فحشاء ومنكر ينافي الإيمان، كما أنها تحتوي على ذكر الله الذي يغذي الإيمان وينميه لقوله: ﴿ولذكر الله أكبر﴾.

стр. 68

والزكاة كذلك تنمي الإيمان وتزيده، فرضها ونفلها، كما قال النبي ﷺ : "والصدقة برهان" أي: على إيمان صاحبها، فهي دليل الإيمان، تغذيه وتنميه. والإعراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه، وكل فعل لا خير فيه، بل يقولون الخير ويفعلونه، ويتركون الشر قولاً وفعلاً، ولا شك أنه من الإيمان ويزداد به الإيمان. ولهذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم إذا وجدوا غفلة أو تشعث في إيمانهم، يقول بعضهم لبعض "اجلس بنا نؤمن ساعة" فيذكرون الله، ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية، فيتجدد بذلك إيمانهم. وكذلك العفة عن الفواحش خصوصاً فاحشة الزنا ولا ريب أن هذا من أكبر علامات الإيمان ومنمياته، فالمؤمن لخوفه مقامه بين يدي ربه ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ إجابة لداعي الإيمان.

стр. 69

ورعاية الأمانات والعهود وحفظها من علامات الإيمان، وفي الحديث "لا إيمان لمن لا أمانة له"، وإذا أردت أن تعرف إيمان العبد ودينه، فانظر حاله هل يرعى الأمانات؟ وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله والتي بينه وبين العباد؟ فإن كان كذلك فهو صاحب دين وإيمان .. وإن لم يكن نقص من دينه وإيمانه بمقدار ما انتقص من ذلك. وختمها بالمحافظة على الصلوات على حدودها وحقوقها، وأوقاتها، لأن المحافظة على ذلك بمنزلة الماء الذي يجري على بستان الإيمان فيسقيه وينميه، ويؤتي أكله كل حين. وشجرة الإيمان محتاجة إلى تعاهد كل وقت بالسقي وهو المحافظة على أعمال اليوم والليلة من الطاعات والعبادات، وإلى إزالة ما يضرها من الصخور والنوابت الغريبة الضارة، وهو

стр. 70

العفة عن المحرمات قولاً وفعلاً فمتى تمت هذه الأمور حيا هذا البستان وزها، وأخرج الثمار المتنوعة. وبهذا البيان يتضح لنا شدة أثر الأعمال الصالحة في زيادة الإيمان، وأن القيام بها والإكثار منها سبب عظيم من أسباب زيادته. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ ولزيادة الإيمان أسباب منها: فعل الطاعة فإن الإيمان يزداد به بحسب حسن العمل، وجنسه، وكثرته، فكلما كان العمل أحسن كانت زيادة الإيمان به أعظم، وحسن العمل يكون بحسب الإخلاص والمتابعة، وأما جنس العمل فإن الواجب أفضل من المسنون وبعض الطاعات أوكد وأفضل من البعض الآخر، وكلما كانت الطاعة أفضل كانت زيادة الإيمان بها أعظم، وأما كثرة العمل فإن الإيمان يزداد بها لأن العمل من الإيمان فلا جرم أن يزيد بزيادته.

стр. 71

فالصلاة إيمان، والحج إيمان، والصدقة إيمان والجهاد إيمان بشرط الإخلاص والمتابعة، ومجالسة أهل الخير ومرافقتهم إيمان، بل هو سبب عظيم من أسباب زيادة الإيمان لما يكون في مجالستهم من التذكير بالله تعالى والترغيب في رحمته وعفوه، والترهيب من سخطه وعذابه، وما في مجالستهم من تحريك بواعث التنافس في الخير ودفع العزائم والهمم إلى فعل الطاعات وترك المعاصي. وقد قال ﷺ : "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". وكما بين الله تعالى أن القلوب تستفيد من مجالس الذكر ويحدث لها نشاطاً وهمه ويوجب لها الانتفاع والارتفاع، بخلاف مجالس اللهو والغفلة فإنها من أعظم أسباب نقص الإيمان.

стр. 72

ولهذا كان سلفنا الصالح أشد الناس عناية بمجالس الذكر والحرص عليها وأشدهم بعداً عن مجالس اللهو والغفلة. وسبب أخير نختم به هذه الأساليب، ينبغي العناية به وعدم إغفاله: وهو أن الأمور السابقة جميعها تتطلب مجاهدة للنفس وتوطينها على الإتيان بها وتحقيقها فالإيمان لا يأتي دفعة واحدة كما أنه لا يقف عن حد، بالإضافة إلى أن ذلك أيضاَ يستلزم محاسبة النفس على جميع ما من شأنه إنقاص الإيمان أو إضعافه والتوبة مما يقع منها وبالله التوفيق ..

стр. 73

الخاتمة: وفي الختام أشير إلى بعض النماذج والتطبيقات العملية لزيادة الإيمان وفقنا الله جميعاً إلى العمل بها والثبات عليها وفتح لنا باب الاستزادة من كل خير، ومنها: ١ - المحافظة على الصلاة في أول وقتها. ٢ - المحافظة على أذكار أدبار الصلوات ولزومها. ٣ - المحافظة على أذكار الصباح والمساء وحفظها وعدم التهاون بها. ٤ - المحافظة على الورد اليومي من القرآن. ٥ - النظر في شيء من معاني القرآن والتفسير ولا سيما السور المكية التي يغلب عليها ذكر أصول الإيمان. ٦ - الإكثار من تذكر الموت والاعتبار بالصحة والعافية ومهلة الحياة. ٧ - التصدق بشيء من المال وعدم الغفلة عن ذلك. ٨ - الحرص عل قيام الليل ولو قليلاً.

стр. 74

٩ - المشاركة في حلق الذكر والمحافظة على حضورها وعدم الانقطاع عنها. ١٠ - الحرص على الخلوة بالنفس ومحاسبتها والتعرف على تقصيرها وذلك كل يوم أو كل ليلة ثم مجاهدتها في الوصول بها إلى مستوى كمالها وسلامتها. ١١ - سماع المواعظ الإيمانية بشكل دوري لا ينقطع مع قراءة كتب السير والرقائق والزهد.