← Сира

Сира · id 36367

التعريف بنبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم

ثائر سلامة

Полный текст (37 стр.). Показаны 1–37.

стр. 1

التعريف بنبي الرحمة ﵌ (١): فإذا تبين لك، يا رعاك الله، أن الله تعالى يختص بفضله من يشاء من عباده، ليكرمهم، ويشرفهم بفهم معاني آيات القرآن، ويجعل منهم أئمة، يهدون للهدى، يكشف عن قلوبهم ظلمات الجهل المُدْلَهمَّة، ويطهرها من أدناسِ الرَّيْنِ وأجناسِ الرَّيْبِ، ويملؤها إيماناً وحِكْمَة، ويخصهم بالقِسْمِ الأسْنى، والشَّرَفِ الأَبْهى، والقدح الأعلى، وأن الناس يتفاوتون في هذا الفضل، فيرفع الله منهم أقواما لأعلى الدرجات، ويجعل منهم أحبارا، حتى يكون واحدهم ترجمانا للقرآن (٢)، فيفتح الله عليه من حقائق العلوم، وخَوارق الفُهوم، ما لا رقت إليه من سواه هِمَّةٌ، ولا تحركت نحوه من غيره عَزْمَةٌ، ولا شك أنه ما بلغ هذه المنزلة إلا بفضل الله، لعلو همته، ورفعة مكانته عند الله تعالى حتى اختصه بهذا الفضل، فيكون ترجمانا لكلام الله،

стр. 2

ولكن، ما حال من اختصه الله بفضل أن يُنَزِّلَ عليه هذا الكلام، -كلام الله-، فيكون هُوَ هُوَ من يُبَيِّنُ للناس ما نُزِّلَ إليهم، ويبعثه الله شَهِيدًا عَليهم، أعظم الناس شرفا ومقدارا، على يديه قامت الحجة، وترك الناس على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتنكبها إلا ضال، لا شك أنه سيد ولد بني آدم جميعا، وأعلاهم منزلة، فلا بد من أن نقدم بمقدمة نعرف بها القارئ بنبي الرحمة صلوات ربي وسلامه عليه، وأن نصفه له كأنما يراه، وسنرجؤ وصف أخلاقه، وجميل فعاله، ورجاحة عقله، وصفاته القيادية، وهديه، وعدله، وعلاقاته، وسلمه وحربه، وصبره، وحكمته، لموضعه من التفسير، وسنقتصر الآن على أن نقول إنه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، رسول الله، ونبيه ، صاحبُ الجَمَالِ المُسَرْبَلِ بالجَلالِ، المَكْسُوِّ بجَمِيلِ الخِصَالِ وحَمِيدِ الخِلالِ، ظَاهِرُ الوَضَاءَةِ، أَبْلَجُ (١)، مَلِيحُ الوَجْهِ مُشْرِقُهُ، أَبْيَضُ اللَّوْنِ أَزْهَرُهُ (٢)،

стр. 3

مُسْتَدِيْرُ الوَجْهِ (١) وَسِيمٌ (٢) قَسِيمٌ (٣) حَسَنٌ وَضِيْءٌ (٤)، وَكَانَ ﷺ فَخْمًا (٥) مُفَخَّمًا (٦)، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ (٧) كَتَلألُؤِ القَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ، لا عَابِسٌ وَلا مُفَنَّدٌ (٨)، إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ ﷺ قِطْعَةُ قَمَرٍ، (قال:) أي جَابِرُ (لا بَلْ كَانَ) أَيْ وَجْهُهُ (مِثلَ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ) أَيْ في قُوَّةِ الضِّيَاءِ وَكَثْرَةِ النُّورِ،

стр. 4

وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ (١)

стр. 5

وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ (١) وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ (٢)، أَبْيَضُ مُشْرَبٌ (٣)، كَثِيفُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ كَثُّها (٤) حَسَنُها، لِحْيتُهُ غَيرُ مُسْبَلَةٍ (٥)،

стр. 6

حَسَنُ الثَّغْرِ (١)، (ضَلِيعُ الفَمِ (٢)

стр. 7

حَسَنُهُ) (١)، أَشْنَبُ (٢)، مُفَلَّجُ الأَسْنَانِ، (٣)

стр. 8

تَامُّ الأُذُنَيْنِ، أَسِيلُ الْجَبِينِ صَلْتُ (١) الْجَبِينِ، أَسِيلُ الْخَدَّيْنِ (٢)، سَهْلُهُمَا (٣)، مُفَاضُهُمَا (٤)، يُقْبِلُ جَمِيعَاً، وَيُدْبِرُ جَمِيعَاً،

стр. 9

أَكْحَلُ، عظيمُ الْعَيْنَيْنِ، في عينيه دُعجٌ (١)، أَشْكَلُ الْعَيْنَيْنِ (٢) طويلُ شَعْرِ الأَجْفَانِ، أَزَجُّ (٣) أقْرَنُ (٤)،

стр. 10

أَزَجُّ الحَواجِبِ، سَوَابِغ (١)، في غَيْرِ قَرْنٍ، بينَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الغَضَبُ (٢)

стр. 11

أهْدَبُ أَشْفَارِ العَيْنَيْنِ، في أَشْفَارِهِ (١) وَطَفٌ (٢)، وفي صَوْتِهِ صَحَلٌ (٣) وحُسْنٌ، وفي عُنُقِهِ سَطَعٌ (٤)، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيْدُ دُمْيَةٍ (٥)، في صَفَاءِ الفِضَّةِ.

стр. 12

أَقْنَى (١) العِرْنَيْنِ (٢) له نُورٌ يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم.

стр. 13

ضَخْمُ الرَّأْسِ (١) شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، وكانَ شعرُ رسولِ الله ﷺ إلى أنصافِ أُذنيهِ (٢). وفي رواية: بينَ أُذنيهِ وعاتقِه. «وعن أنس: كان يَضْرِبُ (٣)

стр. 14

شَعرُ رأس النبي (١) ﷺ مَنكِبَيه (٢)» وكان شعره «دُونَ الجُمَّةِ وفَوْقَ الوَفْرَةِ» (٣). إن انْفَرَقَتْ عَقِيْقَتُهُ (٤) فَرَقَ، وإلا فلا، وَكَانَ حَسَنَ الشَّعَرِ رَجِلَهُ (٥)،

стр. 15

وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ (١) الْقَطِطِ وَلَا بِالسَّبِطِ (٢) بل كَانَ جَعْدًا رَجِلًا،

стр. 16

أَجْرَدُ (١) طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ (٢)، موصولُ ما بين اللُّبَّةِ والسُّرَّةِ بشعر يجري كالخطِّ، عاري اليدين والبطن مما سوى ذلك، أَشْعَرُ الذِّرَاعَينِ والمنْكِبَيْنِ وأَعَالي الصَّدْرِ، أنْوَرُ المُتَجَرَّدِ (٣)، أجْمَلُ النَّاسِ وأبهاهُمْ من بَعيدٍ، وأجْلاهُمْ وأحْسَنُهُمْ من قَريبٍ، إن صَمَتَ فَعَلَيْهِ الوَقَارُ، وإنْ تَكَلَّمَ سَمَاهُ وَعَلَاهُ البَهَاءُ، وَفِيهِ حَيَاءٌ (٤)، حُلْوُ المنْطِقِ ِِِ، فَصْلٌ (٥)

стр. 17

لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ (١)، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتٍ نُظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، أُوتيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، أَفْصَحُ النَّاسِ لِسَانَاً، وأقْوَاهُمْ حُجَّةً وَبُرْهَانَاً، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، عَرِيضُ الصَّدْرِ لم تعبه ثجلة ولم تُزْرِ به صُقْلةٌ (٢) (وفي رواية) صَعْلَةٌ (٣)، كان بَادِناً مُتَمَاسِكاً، سَواءَ الْبَطْنِ (٤)

стр. 18

وَالصَّدْرِ (١)، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ (٢)

стр. 19

بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ (١) وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ. (ورأيت الخاتم) بفتح التاء ويكسر، أي خاتم النبوّة. (عند كتفه مثل بيضة الحمامة.) أي مدوّراً (يشبه) أي لونه (جسده) أي لون سائر أعضائه. والمعنى لم يخالف لونه لون بشرته،

стр. 20

سَمِينُ الكَفَّيْنِ (١) والقَدَمَيْنِ، (٢) شَثْنُ الْكَفَّيْنِ (٣) وَالْقَدَمَيْنِ (٤)، إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، شَبْحُ الذِّرَاعَيْنِ (٥)،

стр. 21

(طَويلُ الزّنْدَيْنِ)، رَحْبُ الرَّاحِةِ (١)، جَلِيلُ الْمُشَاشِ (٢) وَالْكَتَدِ (٣) سَبْطُ القصبِ (٤)، سَائِلُ (٥)

стр. 22

الأَطْرَافِ، خُمْصانُ الأَخْمَصَين (١)، مسيحُ القَدَمَيْنِ (٢) يَنْبُو عَنْهُمَا الماءُ، إذا زالَ زالَ قلعاً، وتخطَّى تَكَفِّياً، ويمشي هوناً، ذريعُ المِشْيَة إذا مَشَى كأنَّما يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وإذا التَفَتَ التَفَتَ معاً، (٣) خَافِضُ الطَّرْفِ، نظرُهُ إلى الأرض أطولُ من نظره إلى السماء، جُلُّ نظرهِ الملاحظةُ، يسوقُ أصحابَهُ، يَبْدُرُ من لَقِيَ بِالسَّلاَمِ.

стр. 23

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا مَسِسْت حَرِيرًا وَلَا دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ ، (١)

стр. 24

وفي حديث مُعَاذٍ ﵁: أَرْدَفَنِي النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ فِي سَفَرٍ فَمَا مَسِسْت شَيْئًا قَطُّ أَلْيَنَ مِنْ جِلْدِهِ ﷺ ، (ولا شممت) بكسر الميم ويفتح (مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة النبي.) (١)

стр. 25

رَبْعَةٌ لا تَشْنَؤُهُ من طُوْلٍ، ولا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ من قِصَرٍ، رَبْعَةٌ ليسَ بالطَّويلِ البَائِنِ ولا القَصِيْرِ، وفي وصف علي ﵁ له: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ، وفي رواية: كَانَ عَظِيمَ الْهَامَةِ. فالجمع بين الروايات أنه كان أقربُ إلى الطول (١). وفي وصف ابن أبي هالة له، -وكان وصَّافًا-: "وأطولَ مِن المربوع، وأقصرَ من المشذّب" (٢)

стр. 26

غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أنْضَرُ الثَّلاثَةِ مَنْظَرَا ًًًًًًًًًًٍٍََََِْْ، وأَحْسَنُهُمْ قَدْرَا ً، لَهُ رُفَقَاءُ يحُفُّونَ بِهِ، إن قال انْصَتُوا لِقَوْلِه ِِ، وإنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا لأمْرِهِ، مَحشُودٌ مَحفُودٌ (١)، وَصَفَهُ أبو هريرة ﵁ فقال: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ، ووصف علي ﵁ مشيته فقال: إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا انْحَطَّ مِنْ صَبَبٍ (٢).

стр. 27

وتوفَّاه الله على رأس ستين سنة وليسَ في رأسِه ولحيتِه عشرونَ شعرةً بيضاءَ (١)

стр. 28

قلتُ: صف لي منطقه. قال: كان رسول الله ﷺ مُتَوَاصِلَ الأَحْزَانِ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، لاَ يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، طَوِيلَ السَّكْتِ، يَفْتَتِحُ الْكَلاَمَ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، كَلاَمُهُ فَصْلٌ لاَ فُضُولَ وَلاَ تَقْصِيرَ، دَمِثٌ لَيْسَ بِالْجَافِي وَلاَ المَهِينِ، يُعَظمُ النعْمَةَ وَإِنْ دَقَّتْ، (لاَ يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئاً) لاَ يَذُمُّ ذَوَاقَاً (طعاما) وَلاَ يَمْدَحُهُ، وَلاَ تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَلاَ مَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تُعُوطِيَ الْحَقَّ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ، وَلَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ، (حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ)، وَلاَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلاَ يَنْتَصِرُ لَهَا، إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفهِ كُلهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَّبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَيَضْرِبُ بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ الْيُمْنى بَاطِنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْراى، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، وَإِذَا ضَحِكَ غَضَّ طَرْفَهُ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَب الْغَمَامِ،.

стр. 29

وَكَانَ دُخُولُهُ لِبَيْتِهِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذالِكَ، وَكَانَ إِذَا أَواى إِلاى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ نَفْسَهُ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: جِزْءٌ لِلَّهِ، وَحُزْءٌ لأِهْلِهِ، وَجُزْءٌ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأَ نَفْسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَيَرُدُّ ذالِكَ عَلاى الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ فَلاَ يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئَاً، فَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِأَدَبِهِ، وَقَسَمُهُ عَلاى قَدَرِ فَضْلِهِمْ فِي الدينِ، فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ، فَأَقْسَمَهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَالأُمَّةَ وَإِخْبَارُهُمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، وَيَقُولُ: لِيُبَلغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إِبْلاَغَهَا، فَمَنْ بَلَّغَ سُلْطَانَاً حَاجَةً لاَ يَسْتَطِيعُ إِبْلاَغَهَا يُثَبتُ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلاَّ ذالِكَ وَلاَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ رُوَّادَاً، وَلاَ يَفْتَرِقُونَ إِلاَّ مِنْ ذَوَاقٍ وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً،.

стр. 30

قال: فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: وَكَانَ يَخْزِنُ لِسَانَهُ إِلاَّ مِمَّا يُعِينُهُمْ وَيُؤَلفُهُمْ وَلاَ يُفَرقُهُمْ وَلاَ يُنَفرُهُمْ، فَيُكْرِمُ كَرِيمَ كُل قَوْمٍ وَيُوَليهِ عَلَيْهِمْ، وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِي عَنْ أَحَدٍ بُشْرَهُ وَلاَ خُلُقَهُ، يَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ، وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ، وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوهِنُهُ، مُعْتَدِلَ الأَمْرِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، لاَ يَغْفَلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفَلُوا أَوْ يَمَلُّوا، لِكُل حَالٍ عِنْدَ عِبَادٍ، وَلاَ يَقْصُرُ عَنِ الْحَق وَلاَ يِجُوزُهُ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ، خِيَارُهُمْ أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ نَصِيحَةً وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً،.

стр. 31

فسألته عن مجلسه فقال: وَكَانَ لاَ يَجْلِسُ وَلاَ يَقُومُ إِلاَّ عَنْ ذِكْرٍ، وَلاَ يُوطِنُ الأَمَاكِنَ وَيَنْهاى عَنْ إِيطَانِهَا، وَإِذَا انْتَهاى إِلاى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذالِكَ وَيُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ، لاَ يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدَاً أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْهُ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ فَاوَضَهُ فِي حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ المُنْصَرِفُ، وَمَنْ سَأَلَهُ فِي حَاجَةٍ لاَ يَرُدُّهُ إِلاَّ بِهَا، أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْ بَسْطِهِ وَخُلُقِهِ فَصَارَ لَهُمْ أَبَاً، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَق سَوَاءً، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ عِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَأَمَانَةٍ، لاَ تَرْتَفِعُ فِيهِ الأَصْوَاتُ، وَلاَ تُؤَبَّنُ فِيهِ الْحُرَمُ، وَلاَ تُسَاءُ فَلَتَاتُهُ مُعَادِلِينَ مُتَوَاضِعِينَ فِيهِ بِالتَّقاوى مُتَوَاضِعِينَ، يُوَقرُونَ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ، وَيُؤْثِرُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ،.

стр. 32

قال: قلت: كيف كانت سيرته في جلسائه؟ قال: وَكَانَتْ سِيرَتُهُ فِي جُلَسَائِهِ أَنَّهُ دَائِمُ الْبِشْرِ، سَهْلُ الْخُلُقِ، لَينُ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظَ وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ صَخَّابٍ وَلاَ فَاحِشٍ، وَلاَ عَيَّابٍ وَلاَ سَبَّابٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لاَ يَشْتَهِي وَلاَ تَجَيُّبَ فِيهِ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاَثٍ: المِرَاءِ، وَالإِكْثَارِ، وَمِمَّا لاَ يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاَثٍ: كَانَ لاَ يَذُمُّ أَحَدَاً وَلاَ يُعَيرُهُ، وَلاَ يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ فِيمَا يُرْجاى ثَوَابُهُ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلاى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ، وَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا، وَلاَ يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ، إِذَا تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوْنَسِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَصْبِرُ عَلاى الْغَرِيبِ عَلاى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْكَنِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَسْتَجْلِبُونَهُمْ، وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ الْحَاجَةِ فَأَرْشِدُوهُ، وَلاَ يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلاَّ مِنْ مُكَافِىءٍ، وَلاَ يَقْطَعُ عَلاى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَهُ فَيَقْطَعَهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ،.

стр. 33

قال: قلت: كيف كان سكوته؟ قال: وَكَانَ سُكُوتُهُ عَلاى أَرْبَعٍ: عَلاى الْحِلْمِ، وَالْحَذَرِ، وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفَكُّرِ، فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ تَسْوِيَةُ النَّظَرِ، وَاسْتِمَاعٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَّا تَذَكُّرُهُ أَوْ تَفَكُّرُهُ فِيمَا يَبْقاى وَيَفْناى، وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ وَالصَّبْرُ، فَكَانَ لاَ يُرْضِيهِ وَلاَ يَسْتَقِرُّهُ، وَجُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعٍ: أَخْذُهُ بِالْحُسْنَى لِيُعَدَّ آيَةً وَتَرْكُهُ الْقَبِيحَ لِيُنْتَهاى عَنْهُ، وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِيمَا أَصْلَحَ أُمَّتَهُ، وَالْقِيَامُ فِيمَا جَمَعَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةَ.

стр. 34

(أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا) (١). (وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً) (٢) (وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً) (٣) (وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً) (٤) (مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً) (٥) (هَابَهُ) (٦) (وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ) (٧) (يَقُولُ نَاعِتُهُ) (٨) (لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مَثَلُهُ) (٩).

стр. 35

روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا (١)

стр. 36

وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا (١). وروى البخاري أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ. روى الترمذي وابن ماجه والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جِلْدِهِ فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ آذَنْتَنَا فَفَرَشْنَا لَكَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا.

стр. 37

وروى الامام أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا فَقَالَ مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا. فهذا هو غيض من فيض في وصف نبي الرحمة ﷺ ، جمعته من كتب الحديث، وشروحها، والسير، ومعاجم اللغة، وكتب الشمائل، والتاريخ، وقد جهدت أن أجمع ما قيل في وجهه الشريف في موضع، وما قيل في عينيه الشريفتين في موضع، وهكذا، فتصرفت في مواضع تلك الأوصاف من الروايات لأقرب الصورة من الأذهان، وسألت الله تعالى أن يمتعنا برؤيته في المنام في هذه الدنيا، وأن يجمعنا به في الآخرة، فيسيقينا من يديه الشريفتين شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدا، اللهم صل وسلم وأنعم وبارك على سيد الخلق محمد بن عبد الله، صلاة وسلاما دائمين لا ينقطعان إلى يوم الدين، ترضى بهما عنا، جزاه الله عنا وعن الاسلام والمسلمين خير الجزاء ورفعه، وآتاه المقام المحمود الذي وعدتَهُ إياه، والحمد لله رب العالمين