← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

(رحم الله رجلاً له واعظٌ من نفسه يبكي على خطيئته ويقول: ويحي، بأي شيء لم أعص ربي، ويحي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها، عندي كتاب كتبه كتاب لم يغيبوا عني، واسوأتاه لم أستحيهم ولم أراقب ربي. ويحي نسيت ما لم ينسوا مني. ويحي غفلت ولم يغفلوا عني، ولم أستحيهم ولم أراقب. وأسوأتاه ويحي حفظوا ما ضيعت مني، ويحي طاوعت نفسي وهي لم تطاوعني، ويحي طاوعتها فيما يضرني ويضرها، ويحي إلا تطاوعني نفسي وهي لم تطاوعني، ويحي طاوعتها فيما يضرني ويضرها، ويحي ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني، أريد إصلاحها وتريد أن تفسدني، ويحها إني لأنصفها وما تنصفني، أدعوها لرشدها وتدعوني لتغويني، ويحها إنها لعدو لو أنزلته تلك المنزلة مني. ويحها تريد اليوم أن تردني وغداً تخاصمني. رب لا تسلطها علي ذلك مني، رب إن نفسي لم ترحمني فارحمني، رب إني أعذرها ولا تعذرني، إنه إن يك خيراً أخذلها وتخذلني، وإن يك شراً أحبها وتحبني، رب فعافني منها وأعفها مني، حتى لا أظلمها ولا تظلمني، وأصلحني لها وأصلحها لي، فلا أهلكها ولا تهلكني، ولا تكلني إليها ولا تكلها إلي. ويحي كيف أنساه ولا ينساني، ويحي إنه يقص أثري فإن فررت لقيني، وإن أقمت أدركني. ويحي هل عسى أن يكون قد أظلني فمساني؟ وصبحني أو طرقني فبغتني؟ ويحي أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي، ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني ولا تسهر لي. ويحي كيف أنام على مثلها ليلي، ويحي هل ينام على مثلها مثلي، ويحي لقد خشيت أن لا يكون هذا الصدق مني؟ بل ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي كيف لا تهون قوتي ولا تعطش هامتي، بل ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي كيف لا أنشط فيما يطفئها عني؟ بل ويلي إن ل يرحمني ربي.

стр. 1437

ويحي كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي، ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كي تنكأ قرحتي ما تكسب يدي، ويح نفسي بل ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة، ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى، فويلي ثم ويلي إن لم يتم عفو ربي، ويحي لقد كان لي فيما استوعبت من لساني وسمعي وقلبي وبصري اشتغال، فويل لي إن لم يرحمني ربي، ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي لم يزكني ولم ينظر إلي ولم يكلمني، فأعوذ بنور وجه ربي من خطيئتي، وأعوذ بك أن أُعطى كتابي بشمالي أو من وراء ظهري، فيسود به وجهي، وتزرق به مع العمى عيني. بل ويلي إن لم يرحمني ربي. ويحي بأي شيء استقبل ربي؟ بلساني أم بيدي أم بسمعي أم بقلبي أم ببصري. ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي، ويل لي إن لم يرحمني ربي، كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما لا يعنيني؟ ويحك يا نفس مالك لا تنسين مالا ينسى؟ وقد أتيت مالا يؤتى، وكل ذلك عند ربك يحصى، كتاب لا يبيد ولا يبلى، ويحك لا تخافين أن أجزي فيمن يجزي يوم تجزى كل نفس بما تسعى وقد آثرت ما يفني على ما يبقى. يا نفس ويحك إلا تستفيقين مما أنت فيه؟ إن سقمت تندمين، وإن صححت تأثمين، مالك إن افتقرت تحزنين، وإن استغنيت تفتنين. مالك إن نشطت تزهدين، فلم إن دعيت تكسلين؟ أراك ترغبين قبل أن تنصبي، ولم لا تنصبين فيما ترغبين. يا نفس ويحك لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين وتعملين فيها عمل الراغبين. ويحك لم تكرهين الموت؟ لم لا تذعنين وتحبين الحياة، لم لا تصنعين. يا نفس ويحك أترجين أن ترضى ولا ترضين، وتجانبين وتعصين، مالك إن سألت تكثرين، فلم إن أنفقت تقترين؟ أتريدين الحياة؟ ولم تحذرين بتغير الزيادة، ولم تشكرين، تعظمين في الرهبة حين تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين، تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل. لا تكوني كمن يقال هو في القول مدل، ويستصعب عليه الفعل، بعض بني آدم إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن افتقر حزن، وأن استغنى فتن، وإن نشط زهد، وإن رغب كسل، يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب، يقول قول الزاهد، ولا يعمل عمل الراغب، يكره الموت ما لا يدع، ويحب الحياة لما لا يصنع. إن سأل أكثر، وإن أنفق قتر، يرجو الحياة ولم يحذر، ويبغي الزيادة ولم يشكر، يبلغ الرغبة حين يسأل، ويقصر في الرغبة حين يعمل، يرجو الأجر بغير عمل.

стр. 1438

ويح لنا ما أغرنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا، ويح لنا لأي شيء خلقنا؟ للجنة أم للنار، ويح لنا أي خطر خطرنا، ويح لنا من أعمال قد أخطرتنا، ويح لنا مما يراد بنا، ويح لنا كأنما يعني غيرنا، ويح لنا إن ختم على أفواهنا، وتكلمت أيدينا، وشهدت أرجلنا. ويح لنا حين تفتش سرائرنا، ويح لنا حين تشهد أجسادنا، ويح لنا مما قصرنا، لا براءة لنا، ولا عذر عندنا، ويح لنا ما أطول أملنا، ويح لنا حيث نمضي إلى خالقنا. ويح لنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ربنا، فارحمنا يا ربنا. رب ما أحكمك، وأمجدك، وأجودك، وأرأفك، وأرحمك، وأعلاك، وأقربك، وأقدرك، وأقهرك، وأوسعك، وأقضاك، وأبينك، وأنورك، وألطفك، وأخبرك، وأعلمك، وأشكرك، وأرحلمك، وأحكمك، وأعطفك، وأكرمك. رب ما أرفع حجتك، وأكثر مدحتك، رب ما أبين كتابك، وأشد عقابك، رب ما أكرم مآبك، وأحسن ثوابك، رب ما أجزل عطاءك، وأجل ثناءك، رب ما أحسن بلاءك، وأسبغ نعماءك، رب ما أعلى مكانك، وأعظم سلطانك، رب ما أعظم عرشك، وأشد بطشك، رب ما أوسع كرسيك، وأهدى مهديك، رب ما أوسع رحمتك، وأعرض جنتك، رب ما أعز نصرك، واقرب فتحك، رب ما أعمر بلادك، وأكثر عبادك، رب ما أوسع رزقك، وأزيد شكرك، رب ما أسرع فرجك، وأحكم صنعك، رب ما ألطف خيرك، وأقوى أمرك، رب ما أنور عفوط، وأجل ذكرك، رب ما أعدل حكمك، وأصدق قولك، رب ما أوفى عهدك، وانجز وعدك، رب ما أحضر نفعك، وأتقن صنعك.

стр. 1439

ويحي؟ كيف أغل ولا يغل عني، أم كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورائي، أم كي لا يطول حزني ولا أدري ما يفعل بي؟ أم كيف تهنئني الحياة ولا أدري ما أجلي؟ أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل فيها يكفيني، أم كيف آمن ولا يدوم بها حالي؟ أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟ أم كي أجمع لها وفي غيرها قراري؟ أم كيف يشتد عليها حرصي ولا ينفعني ما تركت فيها بعدي، أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي، أم كي لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي، أم كيف يشتد إعجابي بما يزايلني وينقطع عني، أم كيف أغفل عن أمر حسابي وقد أظلني واقترب مني، أم كيف أجعل شغلي بما قد تكفل به لي، أم كيف اعاود ذنوبي وأنا معروض على عملي، أم كيف لا أعمل بطاعة ربي وفيها النجاة مما أحذر على نفسي، أم كيف لا يكثر بكائي ولا أدري ما يراد ربي؟ أم كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني، أم كيف أعرض نفسي لما لا يقوى له هوائي، أم كيف لا يشتد هولي مما يشتد منه جزعي، أم كيف تطيب نفسي مع ذكرها ما هو أمامي، أم كيف يطول أملي والموت أثري، أم كيف لا أراقب ربي وقد أحسن طلبي. ويحي فهل ضرت غفلتي أحدا سوائى، أم هل يعمل لي غيري إن ضيعت حظي، أم هل يكون عملي إلا لنفسي، فبم ادخر عن نفسي ما يكون نفعه لي؟ ويحي كأنه قد تصرم أجلي ثم أعاد ربي خلقي كما بدأني، ثم أوقفني وسألني وسأل عني وهو أعلم بي ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني عن أحبابي وأهلي، وشغلت بنفسي عن غيري، وبدلت السموات والأرض وكانتا تطيعان وكنت أعصي؛ وسيرت الجبال وليس لها مثل خطيئتي، وجمع الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابي؛ وانكدرت النجوم وليست تطلب بما عندي، وحشرت الوحوش ولم تعمل بمثل عملي، وشاب الوليد وهو أقل ذنباً مني. ويحي ما أشد حالي وأعظم خطري، فاغفر لي واجعل طاعتك همي، وقو عليها جسدي، وسخ نفسي عن الدنيا واشغلني فيما يعنيني، وبارك لي في قواها حتى ينقضي مني حالي، وامتن علي وارحمني حين تعيد بعد اللقاء خلقي، ومن سوء الحساب فعافني يوم تبعثني فتحاسبني، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي، وآمني يوم الفزع الأكبر يوم لا تهمني إلا نفسي، وارزقني نفع عملي يوم لا ينفعني عمل غيري.

стр. 1440

إلهي أنت الذي خلقتني، وفي الرحم صورتني، ومن أصلاب المشركين نقلتني، قرنا فقرنا حتى أخرجتني في الأمة المرحومة، إلهي فارحمني إلهي فكما مننت علي بالإسلام فامنن علي بطاعتك، وبترك معاصيك أبداً ما أبقيتني ولا تفضحني بسرائري، ولا تخذلني بكثرة فضائحي. سبحانك خالقي أنا الذي لم أزل لك عاصيا فمن أجل خطيئتي لا تقر عيني، وهلكت إن لم تعف عني، سبحانك خالقي بأي وجه ألقاك؟ وبأي قدم أقف بين يديك? وبأي لسان أناطقك؟ وبأي عين أنظر إليك؟ وأنت قد علمت سرائر أمري، وكيف أعتذر إليك إذا ختمت على لساني، ونطقت جوارحي بكل الذي قد كان مني. سبحانك خالقي فأنا تائب إليك متبصبص، فاقبل توبتي، واستجب دعائي وارحم شبابي، وأقلني عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني. سبحانك خالقي أنت غياث المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين، فإليك مستغاثي ومنقطعي، فارحم شبابي، واقبل توبتي، واستجب دعوتي، ولا تخذلني بالمعاصي إلى كانت مني. إلهي علمتني كتابك الذي أنزلته على رسولك محمد ﷺ . ثم وقعت على معاصيك وأنت تراني، فمن أشقى مني إذا عصيتك وأنت تراني، وفي كتابك المنزل قد نهيتني، إلهي أنا إذا ذكرت ذنوبي ومعاصيي لم تقر عيني للذي كان مني، فأنا تائب إليك فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودا بعد توحيدي، وإيماني بك. فاغفر لي ولوالدي ولجميع المسلمين برحمتك آمين رب العالمين. (٢) مقارنة حال بحال فينكشف التقصير العظيم. (٣) ومن التفكر في العيوب أن الإنسان ينظر في عمله ما دخل عليه فيه من العُجب والغرور فيرى نفس كاد أن يهلك ومهما عمل فهو مقصِّر. (٤) أن يخاف الله . (٥) ومما يعين على المحاسبة استشعار رقابة الله على العبد وإطلاعه على خفاياه وأنه لا تخفى عليه خافية قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: ١٦] و قال تعالى: (وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة: ٢٣٥] (٦) ومن فوائد المحاسبة التفكر في الأسئلة يوم القيامة وأن تعلم أنك مسئول يوم القيامة، ليس سؤال المذنبين فقط، قال تعالى: (لّيَسْأَلَ الصّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً) [الأحزاب: ٨]

стр. 1441

وإذا كان الصادقين سيسألهم الله عن صدقهم فما بالك بغيرهم؟! قال تعالى: (فَلَنَسْأَلَنّ الّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: ٦] وحتى الرسل يُسألون .. !!! (٧) ومن فوائد المحاسبة أن يعرف حق الله تعالى عليه، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدى ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر. (٥) الإكثار من الطاعات والقربات: من تقرب إلى الله بما افترض عليه فقد نجح، ومن زاد في تقربه إلى ربه بالنوافل فقد أحبه ربه. استكثر من الأعمال الصالحة مبتدئاً بالفرائض فكملها على أحسن وجه تستطيع، ثم النوافل فالإكثار منها مرقق للقلب، أكثر من ذكر الله تبرأ من النفاق، أكثر من الصيام يباعد الله وجهك عن النار، أكثر من قيام الليل فاستغفار الأسحار ودموع المناجاة سيماء يحتكرها المؤمنون، لابد من اغتنام مواسم الطاعات وأيام العبادات وليالي القربات التي وجهنا إليها كتاب ربنا وسنة نبينا محمد ﷺ . ومن ذلك الحرص على النوافل والأذكار، وأعمال الخير وبذل المعروف فإن كل معروفٍ صدقة بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهمالثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك. وقد حثنا النبي ﷺ على الاستزداة من الأعمال الصالحة كما في الأحاديث الآتية: (حديث أبي موسى الأشعري الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (على كلِ مسلمٍ صدقة فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدَّق قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فليعملْ بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة) (الملهوف) المستغيث سواء أكان مظلوماً أم عاجزا ً.

стр. 1442

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (كلُ ُسلامى من الناس عليه صدقة، كل يومٍ تطلع فيه الشمس، َيعِدلُ بين الاثنين صدقة، ويعين الرجلُ على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُ خطوةٍ يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميطُ الأذى عن الطريق صدقة) (سُلامى) أي المفاصل ومن أفضل الأعمال الصالحة التخلق بالخلق الحسن مع الناس، فإنه ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من الخلق الحسن بنص السنة الصحيحة كما في الأحاديث الآتية: (حديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين) قال لم يكن رسول الله فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً. (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق. (حديث أبي الدر داء في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق، فإن الله يُبْغِضُ الفاحشَ البذيء. (حديث عائشة في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة القائم الصائم. (حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار؟ فقال الفم والفرج. (حديث جابر في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. *معنى الثرثارون: كثيري الكلام *معنى المتشدقون: الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم (حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا، و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه. (حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن. (ولله درُ من قال: فاغنم العمر وبادر ... بالتقى قبل الممات

стр. 1443

وأنب وارجع وأقلع ... من عظيم السيئات واطلب والغفران ممن ... ترتجى منه الهبات ثم نادي في الدياجي ... يا مجيب الدعوات اعف عنا يا رحيماً ... وأقلنا العثرات باب استحضار حسن الخاتمة وسوء الخاتمة: [*] (عناصر الباب: (أثر استحضار حسن الخاتمة وسوء الخاتمة في رقة القلب: (معنى حسن الخاتمة: (أسباب حسن الخاتمة: (علامات حسن الخاتمة: (صور من حسن الخاتمة: (علامات سوء الخاتمة: (صور من سوء الخاتمة: (الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (أثر استحضار حسن الخاتمة وسوء الخاتمة في رقة القلب: إن نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن استغلاله فيما ينفعه في دار القرار ربحت تجارته، وإن أساء استغلاله في المعاصي والسيئات حتى لقي الله على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، وكم حسرة تحت التراب والعاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله، وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سبباًً في هلاكه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح البخاري موقوفاً) إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال له هكذا. [*] وقال بعض السلف: لا تنظر الى صغر المعصية ولكن انظر الى من عصيت. [*] (قال ابن حجر رحمه الله تعالى في قوله: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه: قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب المؤمن مُنَوَّر؛ فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه. والحكمة من التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة. وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان؛ فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيىء (١). (وقال ابن حجر في قوله: وإن الفاجر، يرى ذنوبه كذباب .. : أي ذنبه سهل عنده، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه (٢). (وقال في قوله: فقال به هكذا: أي نحَّاه بيده أو دفعه: هو من إطلاق القول على الفعل، قالوا: وهو أبلغ (٣).

стр. 1444

(وقال في قوله: بيده على أنفه: هو تفسير منه لقوله فقال به. [*] (قال المحب الطبري رحمه الله تعالى: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة. [*] (وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم؛ فوقوع الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول: هذا سهل. (وقال: ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه، وخفته عليه يدل على فجوره. (وقال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير، وأحقره، وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء. (وقال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده؛ لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالباً العين. (وقال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضاً لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره (١). [*] (قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال ابن بطال: يؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنب صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن الله_تعالى_قد يعذب على القليل؛ فإنه لا يُسأل عما يفعل (٢). (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: إنكم لتعملون أعمالاً، هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات. والحاصل أنه لا يجوز للمؤمن أن يستهين بذنب مهما صغُر؛ فإن امرأة دخلت النار في هرة. (حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض. وقد نبه الله في كتابه جميع المؤمنين إلى أهمية حسن الخاتمة، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:١٠٢]. وقال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩]

стр. 1445

فالأمر بالتقوى والعبادة مستمر حتى الموت: لتحصل الخاتمة الحسنة. وقد بين أن بعض الناس يجتهد في الطاعات ويبتعد عن المعاصي مدة طويلة من عمره، ولكن قبيل وفاته يقترف السيئات والمعاصي مما يكون سبباً في أن يختم له بخاتمة السوء وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: نظر النبي ﷺ إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم، فقال: (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا). فتبعه رجل، فلم يزل على ذلك حتى جرح، فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي ﷺ : (إن العبد ليعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها). (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةَ مثل ذلك، ثم يُرسل الله المَلَك فينفُخُ فيه الروح ويُؤْمَرُ بأربعِ كلمات: بكتب رزقه وأجله وعملهِ وشقي أو سعيد، فوالله إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). إذا كان العبد يرجو حسن الخاتمة ويخشى من سوئها واستحضر ذلك دفعه ذلك إلى ما يبعده عن سوء الخاتمة ويقربه إلى حسنها بإذن الله مما يجعل قلبه وجلاً خائفا من سوء الخاتمة راجياً حسنها، وإذا تفكر في هذا كله رق قلبه ورجع إلى ربه امتثل أمره وانتهى عن نهيه. (معنى حسن الخاتمة: حسن الخاتمة هو: أن يوفق العبد قبل موته للتقاصي عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة، ومما يدل على هذا المعنى الحديث الآتي:

стр. 1446

(حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن الله إذا أحب عبداً استعمله، قالوا كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت. (أسباب حسن الخاتمة: (١) أن يلزم الإنسان طاعة الله وتقواه، ورأس ذلك وأساسه تحقيق التوحيد، والحذر من ارتكاب المحرمات، والمبادرة إلى التوبة مما تلطخ به المرء منها، وأعظم ذلك الشرك كبيره وصغيره. ومنها: أن يلح المرء في دعاء الله تعالى أن يتوفاه على الإيمان والتقوى. (٢) أن يعمل الإنسان جهده وطاقته في إصلاح ظاهره وباطنه، وأن تكون نيته وقصده متوجهة لتحقيق ذلك، فقد جرت سنة الكريم سبحانه أن يوفق طالب الحق إليه، وان يثبته عليهن وأن يختم له به. (٣) الاستقامة: قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: ٣٠] (٤) حسن الظن بالله: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً. (٥) التقوى: قال تعالى: (وَمَن يَتّقِ اللّهَ يَجْعَل لّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) [الطلاق: ٤] (٦) الصدق: قال تعالى: (يََأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ) [التوبة: ١١٩] (٧) التوبة: قال تعالى: (وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: ٣١] (٨) المداومة على الطاعات: (٩) ذكر الموت وقصر الأمل: (١٠) الخوف من أسباب سوء الخاتمة كالإصرار على المعاصي وتسويف التوبة وحب الدنيا: (علامات حسن الخاتمة: (أخي الحبيب: إعلم أن حسن الخاتمة لا تكون إلا لمن استقام ظاهرة وصلح باطنه، أما سوء الخاتمة فإنها تكون لمن كان له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب عليه ذلك حتى ينزل به الموت قبل التوبة، أو يكون مستقيماً ثم يتغير عن حاله، ويخرج عن سننه، ويقبل على معصية ربه، فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمته، والعياذ بالله.

стр. 1447

ولحسن الخاتمة علامات، «منها ما يعرفه العبد المحتضر عند احتضاره»، «ومنها ما يظهر للناس». (أما العلامة التي يظهر بها للعبد حسن خاتمته فهي ما يبشر به عند موته من رضا الله تعالى واستحقاق كرامته تفضلا منه تعالى، كما قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت: ٣٠]، وهذه البشارة تكون للمؤمنين عند احتضارهم، وفي قبورهم، وعند بعثهم من قبورهم. ومما يدل على هذا أيضا الحديث الآتي: (حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه. وفي معنى هذا الحديث قال الإمام أبو عبيد القاسم ابن سلام: (ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته، لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها، وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة)، وقال: ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال تعالى: (إَنّ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدّنْيَا وَاطْمَأَنّواْ بِهَا وَالّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) [يونس: ٧] وقال الخطابي: (معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا، فلا يحب استمرار الإقامة فيها، بل يستعد للارتحال عنها، والكراهية بضد ذلك. وقال الإمام النووي ﵀: معنى الحديث أن المحبة والكراهية التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه، (أما عن علامات حسن الخاتمة فهي كثيرة، وقد تتبعها العلماء ﵏ باستقراء النصوص الواردة في ذلك، ونحن نورد هنا بعضا منها، فمن ذلك ما يلي: الأولى: نطقه بالشهادة عند الموت:

стр. 1448

(حديث معاوية الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة. الثانية: الموت برشح الجبين: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: المؤمن يموت بعرق الجبين. الثالثة: الموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة: (حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر. الرابعة: الإستشهاد في ساحة القتال، قال الله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١] (حديث المِقْدَامِ بنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «للشّهِيدِ عندَ الله سِتّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ في أَوّلِ دُفْعَةٍ ويرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنّةِ، ويُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ منها خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وما فيها، ويُزَوّجُ اثْنَتَيْنِ وسْبعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ (الْعِينِ)، وَيُشَفّعُ في سَبْعِينَ مِنْ أقَارِبِهِ». الخامسة: الموت غازياً في سبيل الله: (حديث جابر ابن عبد الله ﵄ ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة. ﴿تنبيه﴾: المطعون من مات بالطاعون والعياذ بالله تعالى، و ذات الجنب قروح تصيب الإنسان داخل جنبه، والمبطون من مات بمرض البطن، والمرأة تموت بجمع أي التي تموت عند الولادة. السادسة: الموت بالطاعون:

стр. 1449

(حديث جابر ابن عبد الله ﵄ ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة. (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الطاعون شهادة لكل مسلم. السابعة: الموت بداء البطن: (حديث جابر ابن عبد الله ﵄ ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة. الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم: (حديث جابر ابن عبد الله ﵄ ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة. العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها: والنسائي) أن النبي ﷺ قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة. (حديث راشد بن حبيش ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: القتل في سبيل الله شهادة و الطاعون شهادة و الغرق شهادة و البطن شهادة و الحرق شهادة و السل و النفساء يجرها ولدها بسررها إلى الجنة. الحادية عشرة، والثانية عشرة: من مات بداء البطن، وصاحب الحريق. (حديث جابر ابن عبد الله ﵄ ابن عتيك الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة. الثالثة عشرة: الموت بداء السِّل والعياذ بالله:

стр. 1450

(حديث راشد بن حبيش ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: القتل في سبيل الله شهادة و الطاعون شهادة و الغرق شهادة و البطن شهادة و الحرق شهادة و السل و النفساء يجرها ولدها بسررها إلى الجنة. الرابعة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «لا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار»، قال: وإن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد». (حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من قتل دون ماله فهو شهيد. (حديث سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ ﵁ الثابت في في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَينهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دمهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومن قتل دون أهله فهو شَهِيدٌ. الخامسة عشرة والسادسة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس: (حديث سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ ﵁ الثابت في في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَينهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دمهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومن قتل دون أهله فهو شَهِيدٌ. السابعة عشرة: الموت مرابطاً في سبيل الله: (حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أن رسول الله قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله، أو الغدوة، خير من الدنيا وما عليها). (حديث فضالة بن عبيد الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال: كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة و يُؤمَّن من فُتَّاِن القبر. الثامنة عشرة: الموت على عمل صالح (استعمال الله للعبد):

стр. 1451

(حديث حذيفة ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: من قال: لا إله إلا الله ابتغاءَ وجه الله خُتم له بها، دخل الجنة، ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها، دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها، دخل الجنة. (حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن الله بِعَبْدٍ إذا أحب عبداً اسْتَعْمَلَهُ، َقِيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يا رسولَ الله؟ قال: يُوَفّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ المَوْتِ». التاسعة عشرة: من قتله الإمام الجائر لأنه قام إليه فنصحه: (حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. (وأيضاً ثناء الناس بالخير على الميت من جمع من المسلمين الصادقين أقلهم اثنان، من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة، وعلامة من علامات حسن الخاتمة: والمقصود: أن من كان مشغولاً بالله، وبذكره، ومحبته في حال حياته، وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله ﵎ ومن كان مشغولاً بغيره في حال حياته وصحته، فيعسر عليه إشتغاله بالله وحضوره معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه. ولأجل هذا، كان جديراً بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله وطاعته حيثما كان لأجل تلك اللحظة التي إن فاتت، شقي شقاوة الأبد. اللهم أصلح نفوسنا بذكرك، ومحبتك، ومعرفتك، وزكها فأنت خير من زكاها. ﴿تنبيه﴾: (واعلم أخي الكريم أن ظهور شيء من هذه العلامات أو وقوعها للميت، لا يلزم منه الجزم بأن صاحبها من أهل الجنة، ولكن يستبشر له بذلك، كما أن عدم وقوع شيء منها للميت لا يلزم منه الحكم بأنه غير صالح أو نحو ذلك. فهذا كله من الغيب. (صور من حسن الخاتمة: [*] (دخل صفوان بن سليم على محمد بن المنكدر وهو في الموت فقال له: يا أبا عبد الله! كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه ويتجلى عن وجه محمد، حتى لكأن وجهه المصابيح، ثم قال له: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك، ثم مات. [*] (وقال محمد بن ثابت البناني: ذهبت ألقن أبي وهو في الموت فقلت: يا أبت! قل لا إله إلا الله. فقال: يا بني، خل عني، فإني في وردي السادس أو السابع!!

стр. 1452

[*] (ولما احتضر عبد الرحمن بن الأسود بكى، فقيل له: مم البكاء؟ فقال: أسفاً على الصلاة والصوم، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات. [*] (وسمع عامر بن عبد الله المؤذن وهو في مرض الموت فقال: خذوا بيدي إلى المسجد، فدخل مع الإمام في صلاة المغرب، فركع ركعة ثم مات رحمة الله. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مالك بن أنس قال: كان عمر بن حسين من أهل الفضل، والفقه، والمشورة في الأمور، والعبادة. وكانت القضاة تستشيره. قال مالك: ولقد أخبرني من حضره عند الموت، فسمعه يقول: «(لِمِثْلِ هََذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات: ٦١]، فقلت لمالك: أتراه قال هذا لشيء عاينه؟ قال: نعم» (علامات سوء الخاتمة: وسوء الخاتمة لها أسباب يجب على المؤمن أن يحترز منها، أعظمها الإقبال على الدنيا، ومنها العدول عن الإستقامة، أو ضعف الإيمان، أو فساد الإعتقاد، أو الإصرار على المعاصي، فإن من أصر على المعاصي وطال عمره في الجاهلية، حصل في قلبه إلفها، وجميع ما ألفه الإنسان وأحبه في مدة عمره يعود ذكره عند موته، فإن كان حبه وميله إلى الطاعات أكثر، يكون ما يحضره عند الموت ذكر الطاعات، وإن كان حبه وميله إلى المعاصي أكثر ويكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر المعاصي. فالقلب يشتد خوفه من فوات ما أحبه واعتاد عليه، وخاصة عند الشدائد والمصائب، فإذا تيقن القلب فوات ذلك المحبوب، ذكر ذلك المحبوب الذي يفوت بفوات حياته، [*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولهذا - والله أعلم - كثيراً ما يعرض للعبد عند موته لهجة بما يحبه وكثرة ذكره له، وربما خرجت روحه وهو يلهج به. وكثير ما سمع من بعض المحتضرين عند الموت إذا كان مشغولاً بلعب الشطرنج (شاه مات) وسمع من آخر بيت شعر لم يزل يغني به حتى مات، وكان مغنياً. وأخبرني رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت - وكان تاجر يبيع القماش - قال: فجعل يقول، هذه قطعة جيدة، هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص يساوي كذا وكذا حتى مات. [*] قال مجاهد: ما من ميت إلا تعرض عليه أهل مجالسته الذين كان يجالس، إن كان أهل لهو فأهل لهو، وإن كان أهل ذكر فأهل ذكر. واحتضر رجل ممن كان يلعب بالشطرنج، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: شاهك، ثم مات. فغفل على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب، فقال عوضاً لكلمة التوحيد: (شاهك). (صور من سوء الخاتمة:

стр. 1453

(وقيل لرجل عند الموت: قل لا إله إلا الله، وكان سمساراً، فأخذ يقول: ثلاثة ونصف .. أربعة ونصف .. غلبت عليه السمسرة. (وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدارالفلانية أصلحوا فيها كذا وكذا، والبستان الفلاني أعملوا فيه كذا، حتى مات. (وقيل لأحدهم وهو في سياق الموت: قل لا إله إلا الله، فجعل يغني، لأنه كان مفتوناً بالغناء، والعياذ بالله. (وقيل لشارب خمر عند الموت: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: اشرب واسقني نسأل الله العافية. ثم مات. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهكذا مَنْ كَبُرَ سنه، وعظم معه شره، وصار في كبره شراً منه في صغره، عادةً، تتعذر توبته، ولا يوفق لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم وأوساخهم، لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا. وهذا من خذلان الشيطان للإنسان عند الموت، فإنها معركته الأخيرة. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن خزيمة أبي محمد العابد قال: «مر مالك بن دينار على رجل، فرآه على بعض ما يكره، فقال: يا هذا اتق الله. قال: يا مالك دعنا ندق العيش دقا. فلما حضرت الرجل الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله. قال: إني أجد على رأسي ملكا يقول: والله لأدقنك دقا» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: حضرت رجلا في النزع، فجعلت أقول له: لا إله إلا الله. فكان يقول. فلما كان في آخر ذلك قلت له: قل لا إله إلا الله. قال: كم تقول؟ إني كافر بما تقول. وقبض على ذلك فسألت امرأته عن أمره فقالت: كان مدمن خمر فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب، فإنما هي أوقعته. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن داود بن بكر: أن رجلا مرض، فلما حضرته الوفاة قال: هذه الملائكة يضربون وجهه ودبره، يقول ذلك لأهله. فقلت لداود: ما هو؟ قال: كان رجلا يقول بالتكذيب بالقدر. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 1454

(حديث سعيد ابن المسيَّب عن أبيه الثابت في الصحيحين) قال لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية بن المغيرة فقال رسول الله ﷺ : يا عم قل لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن ملةِ عبد المطلب؟، فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعيدُ له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملةِ عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [سورة: التوبة - الآية: ١١٣] وقد ورد أن الشيطان يحضر ابن آدم عند احتضاره وخروج روحه، ويعرض عليه كل ملة غير الإسلام، ويتمثل له بصورة الناصح الأمين كالأب، والأم، والأخ، والصديق الحميم فيقولون له: مت يهودياً فهو الدين المقبول عند الله تعالى. أو يقولون له: مت نصرانياً فإنه دين المسيح المقبول عند الله تعالى. ويذكرون له عقائد كل ملة حتى يموت على غير ملة الإسلام. وهذا غرضه لعنه الله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل: حضرت أبي الوفاة لجلست عنده وبيدي الخرقة وهو في النزع لأشد لحييه، فكان يغرف حتى نظن أن قد قضي، ثم يفيق ويقول: لا بعد لا بعد بيده، ففعل ها مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبت إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ فقال لي: يا بني ما تدرس؟ فقلت: لا فقال: إبليس لعنه الله، قام بحذائي عاضاً علي أنامله يقول: يا أحمد فُتَّنِّي وأنا أقول: لا بعد. حتى أموت. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن خالد بن أبي الهيثم قال: حدثني رجل من أهل الشام يقال له البراء قال: «شهدت فتى يموت، فجعل يظهر بجسده مثل ضرب السياط، فيتوجع ويقول: دعوني أقل، هو ذا أقول. ادعوا لي أبي. فإذا دعي أبوه يقول: واسوأتاه. ثم يكف. يمكث هكذا يومين أو يليه. فلما انقضى أجله قال: هو ذا أقول، ادعوا لي أبي. فلما دعوه قال: يا أبتاه، اعلم أني كنت أخالفك إلى امرأتك ثم مات»

стр. 1455

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي إسحاق الفزاري أنه قال لعبد الله بن المبارك: «يا أبا عبد الرحمن، كان رجل من أصحابنا جمع من العلم أكثر مما جمعت وجمعت، فاحتضر، فشهدته، فقال له: قل لا إله إلا الله. فيقول: لا أستطيع أن أقولها. ثم تكلم، فيتكلم. قال ذلك مرتين. فلم يزل على ذلك حتى مات قال: فسألت عنه، فقيل: كان عاقا بوالديه. فظننت أن الذي حرم كلمة الإخلاص لعقوقه بوالديه» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن قال الربيع بن برة: «رأيت بالأهواز رجلا يقال له وهو في الموت: يا فلان، قل لا إله إلا الله. قال: ده دوازده، ده شازده، ده جهارده قال: ورأيت بالشام رجلا يقال له وهو في الموت: قل لا إله إلا الله. فقال: اشرب واسقه وقد قيل لرجل ها هنا بالمعرة: قل لا إله إلا الله، فقال: يا رب قائلة يوما وقد لغبت كيف الطريق إلى حمام منجاب» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن أبي رواد، أو غيره قال: «قيل لرجل عند موته: قل لا إله إلا الله. قال: هو كافر بما تقول» [*] قال القرطبي: وقد سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي يقول: (حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا. فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان. والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان. فكنت أقول لهما لا، لا. إليّ تقولان هذا؟. [*] وقال ابن الجوزي: ورأيت بعض من تعبد مدة ثم فتر، فبلغني أنه قال: (قد عبدته عبادة ما عبده بها أحداً). قال ابن الجوزي: ما أخوفني أن تكون كلمته هذه سبباً لرد الكل. [*] قال ابن كثير: والمقصود .. أن الذنوب والمعاصي والشهوات، تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له، فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة، قال الله تعالى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً [[لفرقان:٢٩] وسوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فإن هذا لم يسمع به، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقداً، وظاهره عملاً، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة. [*] (الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة:

стр. 1456

(١) التسويف بالتوبة: (٢) طول الأمل: (٣) حب المعصية وأُلفها واعتيادها: (٤) الانتحار: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (١) التسويف بالتوبة: والتوبة إلى الله من جميع الذنوب واجبة على كل مكلف كل لحظة كما يدل عليه قوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:٣١] وكان ـ وهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- يتوب إلى الله كل يوم مائة مرة كما في الحديث الآتي: (حديث الأغرِّ المُزني في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة. ومن أخبث حيل إبليس التي يحتال بها على الناس التسويف في التوبة، فيوسوس للعاصي بأن يتمهل في التوبة، فإن أمامه زمناً طويلاً، ولو تاب الآن ثم رجع لا يمكن أن تقبل توبته بعد ذلك، فيكون من أصحاب النار، أو يوسوس له بأنه إذا بلغ الخمسين أو الستين مثلاً عليه أن يتوب توبة نصوحاً، ويلزم المسجد ويكثر القربات، أما الآن فإنه في شبابه وزهرة عمره فليمتع نفسه ولا يشق عليها بالتزام الطاعات من الآن. هذه بعض مكائد إبليس في التسويف في التوبة. قال بعض السلف الصالح: أنذركم سوف، فإنها أكبر جنود إبليس، ومثل المؤمن الحازم الذي يتوب إلى الله من كل ذنب وفي كل وقت خوفاً من سوء الخاتمة ومحبة لله، والمفرط المسوف الذي يؤخر توبته، كمثل قوم في سفر دخلوا قرية، فاما الحازم فاشترى ما يصلح لتمام سفره وجلس متأهباً للرحيل، أما المفرط فإنه يقول كل يوم: سأهب غداً، حتى أعلن أمير القافلة الرحيل ولا زاد معه، وهذا مثل للناس في الدنيا، فإن المؤمن الحازم متى ما جاء الموت لم يندم، أما العاصي المفرط فإنه يقول رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:١٠٠،٩٩] (٢) طول الأمل: وهو سبب شقاء كثير من الناس حين يخدع الشيطان أحدهم فيصور له أن أمامه عمرا طويلا وسنين متعاقبة، يبني فيها آمالا شامخة، فيجمع همته لمواجهة هذه السنين ولبناء هذه الامال، وينسى الآخرة ولا يتذكر الموت، وإذا ذكره يوما برم منه، لأنه ينغص عليه لذاته، ويكدر عليه صفو عيشه، وقد حذرنا منه الرسول أشد تحذير فقال:

стр. 1457

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (لا يزالُ قلب الكبير شاباً في اثنين: في حُبِ الدنيا وطولِ الأمل) [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: لا يزال قلب الكبير شابا في اثنتين في حب الدنيا وطول الأمل: المراد بالأمل هنا محبة طول العمر فسره حديث أنس الذي بعده في آخر الباب وسماه شابا إشارة الى قوة استحكام حبه المال. (حديث أنس الثابت الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حبُّ المال وطول العمر. وقال أيضاً: وفي الأمل سر لطيف لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش ولا طابت نفسه ان يشرع في عمل من أعمال الدنيا وانما المذموم منه الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته وقوله في اثر علي فان اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل جعل اليوم نفس العمل والمحاسبة مبالغة وهو كقولهم نهاره صائم والتقدير في الموضعين ولا حساب فيه ولا عمل فيه وقوله ولا حساب بالفتح بغير تنوين ويجوز الرفع منونا وكذا قوله ولا عمل. فإذا أحب الإنسان الدنيا أكثر من الآخرة آثرها عليها، واشتغل بزينتها وزخرفها وملذاتها عن بناء مسكنه في الآخرة في جوار الله في جنته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. مسألة: كيف يظهر أثر قصر الأمل: الجواب: يظهر أثر قصر الأمل في المبادرة إلى الأعمال الصالحة واغتنام أوقات العمر، فإن الأنفاس معدودة والأيام مقدرة، وما فات لن يعود، وعلى الطريق عوائق كثيرة بينها. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. (حديث ابن عباس الثابت في صحيحي أبي داوود و ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة.

стр. 1458

وقد أرشد رسول الله المؤمنين إلى ما يبعد عنهم طول الأمل ويبصرهم بحقيقة الدنيا، فأمر بتذكر الموت وبزيارة القبور وبتغسيل الموتى وتشييع الجنائز وعيادة المرضى وزيارة الصالحين، فإن كل هذه الأمور توقظ القلب من غفلته، وتبصره بما سيقدم عليه فيستعد له، وسنتكلم عن ذلك بإيجاز: أ) أما ذكر الموت دائما فإنه يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، فيحمل على الاجتهاد في العمل الصالح وعدم الركون إلى الشهوات المحرمة في الدنيا الفانية. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه و لا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه. (حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي ﷺ فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس. ثم يفكر الإنسان في الموتى، ألم يكونوا أقوياء الأبدان يملكون الأموال ويأمرون وينهون، واليوم قد تسلط الدود على أجسادهم فنخرها، وعلى عظامهم فبددها؟ ثم يفكر هل له أن يسلم من الموت أم أنه سيصل إلى ما وصل إليه أولئك فيستعد لتلك الدار، ويتأهب بالأعمال الصالحة، فإنها العملة النافقة في الآخرة ... ب) أما زيارة المقابر فإنها عظة بليغة للقلوب، فإذا رأى الإنسان المساكن المظلمة المحفورة، ورأى هذه النهاية التي يحثو فيها أحياء الميت عليه التراب بعد إدخاله في لحد ضيق، وإغلاقه عليه بلبنات من طين، ثم يرجعون عنه ويقتسمون أمواله، ويتملكون مخصصاته، وتزوجت نساؤه، وينسى بعد أن كان صاحب الكلمة في البيت، يأمر فيطاع، وينهى فلا يعصى، فإذا زار المؤمن المقبرة وتفكر في ذلك أدرك فائدة أمر النبي بزيارة القبور. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت.

стр. 1459

(حديث بريدة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة. (حديث البراء ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال يا إخواني لمثل هذا فأعدوا. ج) أما تغسيل الموتى وتشييع الجنائز فإن في تقليب الجسد على خشبة المغسلة عظة بليغة، وربما كان شديد البطش والهيبة، وقد صار بالموت جسداً خامداً لا حراك به، يقلبه الغاسل كيف يشاء. [*] وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال: اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة وغفلة سريعة، يذهب الأول، والآخر لا عقل له. [*] وكان عثمان ﵁: إذا شيع الجنازة ووقف على القبر بكى، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفت على القبر؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: ﴿إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد. د) أما زيارة الصالحين فلأنها توقظ القلب وتبعث الهمة، فإن الزائر يرى الصالحين وقد اجتهدوا في العبادة وتنافسوا في الطاعات، لا غاية لهم إلا رضا الله، ولا هدف لهم إلا الفوز بجنته، معرضين عن التفاني على الدنيا والاشتغال بها، لأنها معوقة عن السير في ذلك الطريق الشريف. وقد أرشد الله نبيه أن يصبر نفسه مع هؤلاء: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [الكهف:٢٨] وقيل للحسن: يا أبا سعيد، كيف نصنع؟ أنجالس أقواما يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله إنك إن تخالط أقواماً يخوفونك حتى يدركك أمن خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك خوف. (٣) حب المعصية وأُلفها واعتيادها:

стр. 1460

فإذا ألف الإنسان معصية من المعاصي ولم يتب منها فإن الشيطان يستولي بها على تفكيره حتى في اللحظات الأخيرة من حياته، فإذا أراد أقرباؤه أن يلقنوه الشهادة ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله، طغت هذه المعصية على تفكيره فتكلم بما يفيد انشغاله بها وإليك بعض قصص هؤلاء: رجل كان يعمل دلالاً في السوق ولما حضرته الوفاة لقنه أولاده الشهادة، فكانوا يقولون له: قل لا إله إلا الله، فيقول: أربعة ونصف أربعة ونصف. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال: يارب قائلة يوماً وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يغني، وربما أدركه الموت في المعصية نفسها، فيلقى الله على تلك الحال التي تغضبه، فإن من مات على شيء بعثه الله عليه بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من مات على شيء بعثه الله عليه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (من مات على شيء بعثه اللّه عليه) أي يموت على ما عاش عليه ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه لأن نظر الحق إلى القلوب دون ظواهر الحركات فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ولا ينجو فيها إلا من أتى اللّه بقلب سليم كذا قرره حجة الإسلام. (٤) الانتحار: فإذا أصاب المسلم مصيبة فصبر واحتسب كانت له أجراً، وإن جزع وتضايق من الحياة ورأى أن أحسن طريق له يتخلص به من هذه الأمراض والمشاكل هو الانتحار فقد اختار المعصيه، وأسرع إلى غضب الله، وقتل نفسه بدون حق. (حديث جندب بن عبد الله ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة). (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردَّى فيه خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن تحسَّى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً).

стр. 1461

(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: نظر النبي ﷺ إلى رجل يقاتل المشركين، وكان من أعظم المسلمين غناء عنهم، فقال: (من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا). فتبعه رجل، فلم يزل على ذلك حتى جرح، فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي ﷺ : (إن العبد ليعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها). ﴿تنبيه﴾: (قاتل نفسه لا يخلد في النار إلا إذا استحل قتل نفسه: لقوله تعالى: (إن اللَّهَ لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء: الآية٤٨). (حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال وحوله عُصابة من أصحابه (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه).فبايعناه على ذلك. باب ساعة الاحتضار: [*] (عناصر الباب: (أحوال الناس عند الاحتضار: (لحظات المحتضرين: (من دُرَرِ أقوال المحتضرين لحظة الاحتضار: (تعزية النفس عند الاحتضار بالصبر والاحتساب: (البكاء عند الموت مخافة سوء المرد: (سكرات الموت: (الثبات عند الموت: (ما يسن عند الاحتضار: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (أحوال الناس عند الاحتضار: بَيَّنَ القرآن الكريم أن أحوال الناس عند احتضارهم إحدى أحوالٍ ثلاثة هي: إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين. وإما أن يكون من المكذبين الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر الله:

стр. 1462

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾. [الواقعة ٩٦:٨٨] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي: المحتضر، ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات، ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما تقدم في حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: "أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان". قال علي بن طلحة (٣)، عن ابن عباس: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يقول: راحة وريحان، يقول: مستراحة. وقوله: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من أصحاب اليمين، ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: تبشرهم الملائكة بذلك، تقول لأحدهم: سلام لك، أي: لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. وقال قتادة وابن زيد: سَلِمَ من عذاب الله، وسَلَّمت عليه ملائكة الله. كما قال عِكْرِمَة تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى، ﴿فَنزلٌ﴾ أي: فضيافة ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه. أهـ

стр. 1463

(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك، ولكنَّ المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه. (لحظات المحتضرين: ولا بأس أخي الكريم، أن أذكر لك بعض لطائف المحتضرين، ممن فتح الله عليهم لحظة الموت بالثبات واليقين وختم لهم بصالح الأعمال جزاء على ما قدموا في حياتهم من الطاعات والقربات. [*] فقد حكى القرطبي في كتابه التذكرة: عن شيخ شيخه أحمد بن محمد القرطبي أنه احتضر فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا. فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطان عن يميني وعن يساري. يقول أحدهما: مت يهودياً فإنه خير الأديان. والآخر يقول: مت نصرانياً فإنه خير الأديان. فكنت أقول لهم: لا. لا. أنى تقولان هذا!! فكان الجواب لهما لا لكم. فتذكر أخي الكريم عسر هذه اللحظات، وتذكر ما يحصل فيها من البلاء والفتن، فوالله إنها لأحرى بالتذكر والتأمل، والاستعداد والتشمير عن ساعد الجد بالانتهاء عما حرّم الله، وفعل ما افترضه وأوجبه، والإكثار من الخيرات وما ينفع في الدار الآخرة. فإن ذلك من أعظم ما يسهل على المرء سكرة الموت، ويجعله ثابتاً موقناً في دينه ساعة الاحتضار. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يحتضر ويقرأ: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر:٥٥،٥٤] (من دُرَرِ أقوال المحتضرين لحظة الاحتضار: هآنذا أنقل لك كلام المحتضرين لتعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك مدى حقارة الدنيا وزوالها وأنها ظلُ زائر وخيال حائر وأن إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، حالها انتقال وسكونها زوال، غَرَّارَةٌ خَدُوع مُعْطِيَةٌ مَنُوع نزوع، فاسمع مقالتهم فيها عند حضور الموت وهم الذين ملكوا الدنيا بأسرها، وتأمل في قولهم بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (قول النبي ﷺ عند حضور الموت:

стр. 1464

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قبض فيه، أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول: قال تعالى: (مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَآءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً) [: النساء: ٦٩] فعلمت أنه خير. (حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: كان آخر كلام النبي ﷺ : «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» (حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه الصلاة وما ملكت أيمانكم. (حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح البخاري) قالت: إن من نعم الله علي: أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته: دخل علي عبد الرحمن، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: (أن نعم). فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: الينه لك؟ فأشار برأسه: (أن نعم). فلينته، فأمره، وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: (لا إله الإ الله، إن للموت سكرات). ثم نصب يده، فجعل يقول: (اللهم في الرفيق الأعلى). حتى قبض ومالت يده. (حديث عائشة ﵁ الثابت في فقه السيرة وصححه الألباني) قالت: وكان إلى جواره قدح فيه ماء يغمس فيه يده ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت. (حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح البخلري) قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم). فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب.

стр. 1465

(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال: لما وجد رسول الله ﷺ من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة وا كرب أبتاه فقال رسول الله ﷺ لا كرب على أبيك بعد اليوم إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا الموافاة يوم القيامة. (قول الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت: (إن مقالة الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت تؤكد بما لا يدعُ مجالاً للشك على تمام التسليم لأمر الله والافتقار إلى رحمته الواسعة والخوف من عذابه: (مقالة الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، كلامهم يشرح الصدور ويبكى الصخور، كلامٌ يُفْري الأكباد ويذيب الأجساد، كلامٌ يُذَكِرُ العاقل وَيُقَوِّمُ المائل ويُنَبِّهُ الغافِل. (مقالة الخلفاء والملوك والأمراء عند حضور الموت تُبَيِّنُ لك بياناً شافياً مدى حقارةِ الدنيا وأنها ظلُ زائر وخيالُ حائر، وأن إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، حالها انتقال وسكونها زوال، غَرَّارَةٌ خَدُوع مُعْطِيَةٌ مَنُوع نزوع، فاسمع مقالتهم فيها عند حضور الموت وهم الذين ملكوا الدنيا بأسرها، وتأمل في قولهم بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (قول أبي بكر الصديق عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن البهي قال: «لما احتضر أبو بكر، جاءت عائشة فتمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق به الصدر فكشف عن وجهه فقال: ليس كذاك، ولكن قولي: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) [ق: ١٩])، انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما؛ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مالك بن مغول، سمع أبا السفر قال: دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا: يا خليفة رسول الله، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ قال: «قد نظر إلي، قالوا: ما قال؟ قال: إني فعال لما أريد»

стр. 1466

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي عمران الجوني، عن أسير قال: قال سلمان: دخلت على أبي بكر في مرضه فقلت: يا خليفة رسول الله، اعهد إلي عهدا؛ فإني لا أراك تعهد إلي بعد يومك هذا شيئا، قال: «أجل يا سلمان، إنها ستكون فتوح، فلا أعرفن ما كان من حظك منها ما جعلت في بطنك أو ألقيته على ظهرك، واعلم أنه من صلى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمة الله، فلا تقتلن أحدا من أهل ذمة الله؛ فيطلبك الله بذمته، فيكبك على وجهك في النار» (قول عمر ابن الخطاب عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المسور بن مخرمة قال: قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين، اعهد؛ فإنك ميت في ثلاثة أيام، فقال عمر: الله إنك تجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، قال: وعمر لا يحس أجلا ولا وجعا. فلما مضت ثلاث طعنه أبو لؤلؤة، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر قال: فأوعدني كعب ثلاثا يعدها ولا شك أن القول ما قال لي كعب وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عمر، قال: كان رأس عمر في حجري في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: «ضع خدي على الأرض، فقلت: وما كان عليك كان في حجري أو على الأرض؟ فقال: ضعه لا أم لك، فوضعته، فقال: ويلي، ويل لأمي إن لم يرحمني ربي» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن، أن عمر، لما حضرته الوفاة قال: «لو أن لي ما على الأرض لافتديت به من هول المطلع» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمرو بن دينار، قال: قال لي عمر بن الخطاب حين حضره الموت: «لو أن لي الدنيا وما فيها لافتديت بها من النار، وإن لم أرها» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبان بن عثمان قال: دخلت على عمر بن الخطاب حين طعن، ورأسه في التراب، فذهبت أرفعه، فقال: «دعني، ويلي، ويل أمي إن لم يغفر لي. ويلي، ويل أمي إن لم يغفر لي» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عباس قال: لما طعن عمر قلت له: أبشر بالجنة، فقال: «والله لو كان لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر»

стр. 1467

(قول عثمان ابن عفان عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الله بن سلام أنه قال لمن حضر تشحط عثمان في الموت حين ضربه أبو رومان الأضحى: ماذا كان قول عثمان وهو يتشحط (١)؟ قالوا: سمعناه يقول: «اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد» ثلاثا. قال: والذي نفسي بيده لو دعا الله علي تلك الحال أن لا يجتمعوا أبدا ما اجتمعوا إلى يوم القيامة. يتشحط: يتخبط ويتمرغ ويضطرب. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن هارون بن أبي يحيى السلمي، عن شيخ من ضبة، أن عثمان جعل يقول حين ضرب والدماء تسايل على لحيته: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعديك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما أبليتني. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي قتادة قال: دخلت على عثمان وهو محصور - أنا ورجل من قومي - نستأذنه في الحج، فأذن لنا. فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل، فوقف بين يدي عثمان وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: «يا ابن أخي وصلتك رحم، إن القوم ما يريدون غيري، ووالله لا أتوقى بالمؤمنين، ولكن أوقي المؤمنين بنفسي. فلما سمعت ذلك منه قلت له: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كون، فما تأمر؟ قال: انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد، فإن الله لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت» قال بشار: فحدث به حماد بن زيد، فرق، ودمعت عينه وقال: رحم الله أمير المؤمنين، حوصر نيفا وأربعين ليلة، لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة. (قول علي ابن أبي طالب عند حضور الموت:

стр. 1468

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الأصبغ الحنظلي، قال: «لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي ﵀ أتاه ابن النباح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل، فعاد الثانية وهو كذاك، ثم عاد الثالثة، فقام علي يمشي وهو يقول: شد حيازيمك للموت فإن الموت آتيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك فلما بلغ الباب الصغير شد عليه عبد الرحمن بن ملجم فضربه، فخرجت أم كلثوم بنت علي فجعلت تقول: ما لي ولصلاة الغداة؟ قتل زوجي أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبي صلاة الغداة» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن هارون بن أبي نجيح، عن شيخ من قريش، أن عليا قال لما ضربه ابن ملجم: «فُزْتُ وربِ الكعبة» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن علي، أن عليا، لما ضرب أوصى بنيه، ثم لم ينطق إلا بـ «لا إله إلا الله» حتى قبضه الله. (قول معاوية بن أبي سفيان عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سفيان بن عيينة قال: سمعت إسماعيل يحدث قال: سمعت هشاما، قال: أخرج معاوية ذراعيه كأنهما عسيبا (١) نخل ثم قال: «ما الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا. والله لوددت أني لم أغبر (٢) فيكم ثلاثا حتى ألحق بالله. قالوا: يا أمير المؤمنين، إلى رحمة الله وإلى رضوانه، قال: إلى ما شاء الله، قد علم الله أني لم آل (٣). وما أنا إن يغير غير؟» (١) العسيب: جريدَة من النَّخْلِ. وهي السَّعَفة ممَّا لا يَنْبُتُ عليه الخُوصُ (٢) أغبر: أمكث (٣) آلو: أُقَصِّر [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على معاوية في مرضه الذي مات فيه، وكأن ذراعيه سعفتان محترقتان، فقال: «إنكم تقلبون غدا فتى حولا قلبا، وأي فتى أهل بيت إن نجا غدا من النار؟» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن أبي بردة قال: قال معاوية، وهو يقلب في مرضه، وقد صار كأنه سعفة (١) محترقة: «أي شيخ تقلبون إن نجاه الله من النار غدا؟» (١) السعف: هو ورق النخل وجريده

стр. 1469

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الملك بن عمير قال: دخل عمرو بن سعيد على معاوية في مرضه فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد انخرط أنفك، وذبلت شفتاك، وتغير لونك، وما رأيت أحدا من أهل بيتك في مثل حالك إلا ما ترى فقال معاوية: فإن الموت لم يخلق جديدا ولا هضبا توقله الوبار ولكن كالشهاب يضي ويخبو وحادي الموت عنه ما يحار فهل من خالد إما هلكنا وهل بالموت يا للناس عار. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن سيرين يقول: أخذت معاوية قرة، واتخذ لحفا خفافا، فكانت تلقى عليه، فلا يلبث أن ينادي بها. فإذا أخذت عنه سأل أن ترد عليه، فقال: «قبحك الله دارا، مكثت فيك عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، ثم صرت إلى ما أرى» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الحسن بن جهور، عن شيخ من قريش قال: دخلت جماعة على معاوية فرأوا في جلده غضونا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، فهل الدنيا أجمع إلا ما قد جربنا ورأينا؟ أما والله لقد استقبلنا زهرتها بجدتنا، وباستلذاذ منا لعيشنا، فما لبثنا الدنيا أن نقضت ذلك منا حالا بعد حال، وعروة بعد عروة، فأصبحت الدنيا وقد وترتنا، وأحلقتنا، واستلامت إلينا؛ فأف للدنيا من دار، ثم أف للدنيا من دار» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ثمامة بن كلثوم: أن آخر، خطبة خطبها معاوية أن قال: «أيها الناس، إني من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم بعدي إلا من هو شر مني، كما كان قبلي خير مني. ويا يزيد إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل، وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي ﷺ وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني. ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي، فخلوا معاوية وأرحم الراحمين»

стр. 1470

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عباس قال: لما احتضر معاوية قال: «يا بني، إني كنت مع رسول الله ﷺ على الصفا، وإني دعوت بمشقص (١)، فأخذت من شعره، وهو في موضع كذا وكذا، فإذا أنا مت فخذوا ذلك الشعر فاحشوا به فمي ومنخري» فحدثني بعض أهل العلم، عن شيخ، من قريش: أن معاوية لما قال ذلك تمثلت ابنته: إذا مت مات الجود وانقطع الندى من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا من الدين والدنيا بخلف مجدد كلا يا أمير المؤمنين، يدفع الله عنك، فقال معاوية متمثلا: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أغمي عليه. ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله: اتقوا الله، فإن الله يقي من اتقاه، ولا تقى لمن لا يتقي الله. ثم قضى. (١) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن هشام بن محمد بن أبي السائب المخزومي قال: جعل معاوية يقول وهو يجود بنفسه: «إن تناقش يكن نقاشك يارب عذابا لا طوق لي بالعقاب أو تجاوز فأنت ربي رحيم عن مسيء ذنوبه كالتراب» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن الصلت بن حكيم، عن بعض رجاله، أن معاوية، لما احتضر جعل يقول: «لعمري لقد عمرت في الدهر برهة ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت جم المال والحلم والنهى وسلم قماقيم الملوك الجبابر فأضحى الذي قد كان مما يسرني كلمح مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أغن في الملك ساعة ولم أغن في لذات عيش نواضر وكنت كذي طمرين (١) عاش ببلغة من الدهر حتى زار ضنك المقابر» (١) الطمر: الثوب الخلق الرث القديم [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن محمد بن عقبة قال: لما نزل بمعاوية الموت قال: «ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، وأني لم أل من هذا الأمر شيئا» (قول عبد الملك بن مروان عند حضور الموت:

стр. 1471

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد العزيز بن عمران بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة، نظر إلى غسال بجانب دمشق يلوي ثوبا بيده ثم يضرب به المغسلة، فقال عبد الملك: والله ليتني كنت غسالا، أكلي كسب يدي يوما بيوم، وأني لم أل من أمر الناس شيئا قال عبد العزيز، عن أبيه: فأخبر بذلك أبو حازم، فقال: الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه، وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه قال: كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجاب: «يا أهل النعم، لا تغالوا منها شيئا مع العافية. وكان قد أصابه داء في فمه» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المفضل بن فضالة، عن أبيه، قال: استأذن قوم على عبد الملك بن مروان وهو شديد المرض، فقالوا: إنه لما به. فقالوا: إنما ندخل فنسلم قياما ثم نخرج. فدخلوا عليه وقد أسنده خصي إلى صدره، وقد اربد لونه، وجرى منخراه، وشخصت عيناه، فقال: «دخلتم علي في حال إقبال آخرتي وإدبار دنياي، وإني تذكرت أرجى عملي فوجدته غزوة غزوتها في سبيل الله وأنا خلو من هذه الأشياء؛ فإياكم وأبوابنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي مسهر: قيل لعبد الملك بن مروان في مرضه: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىَ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ وَتَرَكْتُمْ مّا خَوّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىَ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تّقَطّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلّ عَنكُم مّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [الأنعام: ٩٤] [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن شعيب بن صفوان قال: «لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة دعا بنيه فأوصاهم، ثم لم يزل بين مقالتين حتى فاضت نفسه: الحمد لله الذي لا يبالي صغيرا أخذ من ملكه أو كبيرا، والأخرى: فهل من خالد لما هلكنا وهل بالموت يا للناس عار؟»

стр. 1472

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن عامر الهذلي قال: دخل سليمان بن عبد الملك على الوليد بن عبد الملك وهو يجود بنفسه، فلما نظر إليه قال: «أجلسوني، فأجلس، فقال متمثلا: وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع فقال سليمان: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع» (قول سليمان بن عبد الملك عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المثنى بن معاذ بن معاذ قال: سمعت أبي يقول: لما احتضر سليمان بن عبد الملك جعل يقول: «إن بني صبية صغار أفلح من كان له كبار قال: فيقول عمر بن عبد العزيز: أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين. ويقول سليمان: إن بني صبية صيفيون أفلح من كان له شتويون قال: فيقول عمر: أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين» حدثنا عبد الله قال: وحدثني بعض أهل العلم: أن آخر ما تكلم به سليمان أن قال: أسألك منقلبا كريما. ثم قضى. (مقالة عمر بن عبد العزيز عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك - امرأة عمر بن عبد العزيز -: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: «اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار. فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده، فجلست في بيت آخر، بيني وبينه باب، وهو في قبة له، فسمعته يقول: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) [القصص: ٨٣] ثم هدأ. فجعلت لا أسمع له حركة ولا كلاما. فقلت لوصيف كان يخدمه: ويلك انظر أمير المؤمنين أنائم هو؟ فلما دخل عليه صاح فوثبت، فدخلت، فإذا هو ميت، قد استقبل القبلة، وأغمض نفسه، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عمرو بن قيس قال: قالوا لعمر بن عبد العزيز لما حضره الموت: اعهد يا أمير المؤمنين. قال: «أحذركم مثل مصرعي هذا، فإنه لا بد لكم منه. وإذا وضعتموني في قبري، فانزعوا عني لبنة، ثم انظروا ما لحقني من دنياكم هذه»

стр. 1473

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي زيد الدمشقي قال: لما ثقل عمر بن عبد العزيز، دعي له طبيب، فلما نظر إليه قال: أرى الرجل قد سقي السم، ولا آمن عليه الموت. فرفع عمر بصره إليه فقال: «ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق السم». قال الطبيب: هل حسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قد عرفت حين وقع في بطني. قال: فتعالج يا أمير المؤمنين، فإني أخاف أن تذهب نفسك. قال: «ربي خير مذهوب إليه. والله لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني ما رفعت يدي إلى أذني فتناولته. اللهم خر لعمر في لقائه. فلم يلبث إلا أياما حتى مات. ﵀» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عن يحيى بن أبي كثير قال: لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر، فإن الله قد أحيا بك سننا، وأظهر بك عدلا. فبكى ثم قال: «أليس أوقف فأسأل عن أمر هذا الخلق؟ فو الله لو رأيت أني عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه. فلم يلبث إلا يسيرا بعدها حتى مات. ﵀» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ليث بن أبي رقية، عن عمر بن عبد العزيز قال: لما كان في مرضه الذي مات فيه قال: أجلسوني. فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت. ثلاث مرات. ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه، فأحد النظر، فقال له: إنك لتنظر إلي نظرا شديدا يا أمير المؤمنين؟ قال: إني لأرى حضرة، ما هم إنس ولا جن. ثم قبض. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مسلمة بن عبد الملك قال: «لما احتضر عمر بن عبد العزيز كنا عنده في قبة، فأومأ إلينا أن اخرجوا. فخرجنا، فقعدنا حول القبة، وبقي عنده وصيف، فسمعناه يقرأ هذه الآية: (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) [القصص: ٨٣]. ما أنتم بإنس ولا جان. ثم خرج الوصيف، فأومأ إلينا أن ادخلوا، فدخلنا، فإذا هو قد قبض» (قول هشام ابن عبد الملك عند حضور الموت:

стр. 1474

[*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن شيخ من قريش قال: حبس هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم ـ وكان كاتبا للوليد بن يزيد ـ وضربه وألبسه المسوح (١). فلم يزل محبوسا حتى مات هشام. فلما ثقل هشام وصار في حد لا يرجى لمن كان في مثله الحياة، فرهقته غشية (٢) وظنوا أنه قد مات، فأرسل عياض بن مسلم إلى الخزان: احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحد إلى شيء. وأفاق هشام من غشيته، فطلبوا من الخزان شيئا، فمنعوهم، فقال هشام: أرانا كنا خزانا للوليد ومات هشام من ساعته. فخرج عياض من الحبس، فختم الأبواب والخزائن. وأمر بهشام فأنزل عن فراشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن. فكفنه غالب - مولى هشام - ولم يجدوا قمقما يسخن فيه الماء، حتى استعاروه فقال الناس: إن في هذا لعبرة لمن اعتبر (١) المسوح: جمع مِسْح، وهو كساء غليظ من الشعر. (٢) الغشي: فقدان الوعي، والإغماء [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن إسحاق أبي عمر الشيباني قال: لما احتضر هشام بن عبد الملك، أبصر أهله يبكون حوله، فقال: «جاد عليكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم متقلب هشام إن لم يغفر له» (قول هارون الرشيد عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مسرور الخادم قال: «أمرني هارون أمير المؤمنين لما احتضر، أن آتيه بأكفانه. فأتيته بها، فجعل ينتقيها على عينه، ثم أمرني فحفرت قبره، ثم أمر فحمل إليه، فجعل يتأمله ويقول: (مَآ أَغْنَىَ عَنّي مَالِيَهْ * هّلَكَ عَنّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة ٢٨: ٢٩] ويبكي، ثم تمثل ببيت شعر» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن حدثني أحمد بن محمد الأزدي قال: «جعل هارون أمير المؤمنين يقول وهو في الموت:» واسوءتاه من رسول الله ﷺ « (قول المعتصم عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن سمعت علي بن الجعد قال: «لما احتضر المعتصم جعل يقول:» ذهبت الحيل، ليست حيلة «. حتى أصمت. [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن شيخ من قريش: أنه جعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلق، حدثنا عبد الله قال: وحدثت أنه قال: لو علمت أن عمري هكذا قصير، ما فعلت ما فعلت.

стр. 1475

(قول المنتصر عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الله بن هارون بن معمر التغلبي قال: جعل المنتصر يقول وهو يكيد بنفسه، وقائل يقول: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، فقال: «ليس إلا هذا، لقد ذهبت الدنيا والآخرة» (قول عبد العزيز بن مروان عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن ابن أبي مليكة قال: رأيت عبد العزيز بن مروان حين حضره الموت وهو يقول: «ألا ليتني لم أك شيئا مذكورا، ألا ليتني كهذا الماء الجاري، أو كنابتة من الأرض، أو كراعي ثلة في طرف الحجاز من بني نصر بن معاوية، أو بني سعد بن بكر» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن داود بن المغيرة قال: لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال: «ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه. فلما وضع بين يديه ولاهم ظهره، فسمعوه وهو يقول: أف لك، أف لك. ما أقصر طويلك، وأقل كثيرك» (قول بشر بن مروان عند حضور الموت: [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن أبي وائل قال: لما حُضِرَ (١) بشر بن مروان قال: والله لوددت أني كنت عبدا حبشيا لأسوأ أهل البادية ملكة، أرعى عليهم غنمهم، وأني لم أكن فيما كنت فيه. فقال شقيق: الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم، إنهم ليرون فينا عبرا، وإنا لنرى فيهم غيرا. (١) حُضِر: حضره الموت [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن مالك بن دينار قال: «مات بشر بن مروان فدفن، ثم مات أسود فدفن إلى جنبه، فمررت بقبرهما بعد ثالثة فلم أعرف أحدهما من قبر صاحبه، فذكرت قول الشاعر: والعطيات خساس بينهم وسواء قبر مثر ومقل» [*] (روى ابن أبي الدنيا بإسناده في كتابه المحتضرين عن عبد الله بن بسطام قال: «احتضر بعض الملوك، فجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه» (تعزية النفس عند الاحتضار بالصبر والاحتساب:
следующие страницы →