← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

ولأجل هذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (١). لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه. ولعل هذا هو السر في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسرة في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعة المظلوم تُحْدِثُ عنده كسرة في قلبه، وكذلك المسافر في غربته يجد كسرة في قلبه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سورة النفس السَّبُعية الحيوانية. (ومن أسرار التوبة: أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات: ذلك أن لله على القلوب أنواعاً من العبودية، من الخوف، والخشية، والإشفاق، والوجل وتوابعها من المحبة، والإنابة، وابتغاء الوسيلة. وهذه العبوديات لها أسباب تُهَيّجها وتبعث عليها، وكلما قيض الرب تعالى لعبده من الأسباب الباعثة على ذلك، المهيجة له فهو من أسباب رحمته، ورُبَّ ذنبٍ قد هاج لصاحبه من الخوف والإشفاق، والوجل، والإنابة، والمحبة ما لا يهيجه كثير من الطاعات، وكم من ذنب كان سبباً لاستقامة العبد، وفراره إلى الله، وبعده عن طريق الغي. [*] (قال ابن القيم ﵀: وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نُصْبَ عينيه إن قام، وإن قعد، وإن مشى ذكر ذنبه؛ فيحدث له انكساراً، وتوبة، واستغفاراً، وندماً؛ فيكون ذلك سبب نجاته. ويعمل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه إن قام، وإن قعد، وإن مشى، كلما ذكرها أورثته عجباً، وكبراً، ومِنَّةً، فتكون سبب هلاكه. فيكون الذنب موجباً لتَرَتُّب طاعات، وحسنات، ومعاملات قلبية من خوف الله، والحياء منه، والإطراق بين يديه مُنَكِّساً رأسه خجلاً، باكياً، نادماً، مستقيلاً ربَّه. وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة، وكبراً وازدراءً للناس، ورؤيتهم بعين الاحتقار. ولا ريب أن هذا المذنب خير عند الله، وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته، الصائل بها، المانِّ بها وبحاله على الله وعلى عباده، وإن قال بلسانه خلاف ذلك؛ فالله شهيد على ما في قلبه، ويكاد يعادي الخلق إذا لم يعظموه، ويخضعوا له، ويجد في قلبه بُغضةً لمن لم يفعل به ذلك. ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامناً؛ ولهذا تراه عاتباً على من لم يعظمه، ويعرف له حقه، متطلباً لعيبه في قالب حمية لله، وغضب له.

стр. 2732

وإذا قام بمن يعظمه، ويحترمه، ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا فتح له باب المعاذير والرجاء، وأغمض عنه عينيه وسمعه، وكف لسانه وقلبه، وقال: باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود، وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تُكفَّر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه. فإذا أراد الله بهذا العبد خيراً ألقاه في ذنب يكسره به، ويُعَرِّفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج به داء العجب، والكبر، والمنة عليه، وعلى عباده؛ فيكون هذا الذنب أنفع له من طاعات كثيرة، ويكون بمنزلة شرب الدواء؛ ليستخرج به الداء العضال (١)، وهذا سر بديع من أسرار التوبة. (ومن أسرار التوبة: أن اسم " الرزّاق " يقتضى مرزوقاً، و " السميع البصير" يقتضى مسموعاً ومبصرا، كذلك أسماء " الغفور، العفو، التواب" يقتضى من يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه، ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات. وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله ﷺ في الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَلَجَاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. (ومن أسرارها: أن الله تعالى يفرح بتوبة العبد كما في الحديث الآتي: (حديث أنس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا سقط عليه بعيره قد أضله بأرض فلاة. (حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته أرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح ".

стр. 2733

فما الظن بمحبوب لك تحبه حباً شديداً وأسره عدوك وحال بينك وبينه وأن تتعلم أن العدو سيسومه سوء العذاب ويعرضه لأنواع الهلاك وأنت أولى به منه وهو غرسك وتربيتك ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد فلم يفاجئك إلا وهو على بابك يتملقك ويترضاك ويمرغ خديه على تراب أعتابك فكيف يكون فرحك به وقد اختصصته لنفسك ورضيته لقربك وآثرته على ما سواه، هذا ولست الذي أوجدته وخلقته وأسبغت عليه نعمك والله هو الذي أوجد عبده وخلقه وأسبغ عليه نعمته وهو يحب أن يتمها عليه. (أمور تعين على التوبة: أخي الحبيب .. لقد جعل الله في التوبة ملاذاً مكيناً وملجأً حصيناً، يلجه المذنب معترفاً بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، غير مصر على خطيئته، يحمي بحمى الاستغفار، ويرجو رحمة العزيز الغفار، إلا أنه توجد بعض العوائق في طريق سير العبد على التوبة وهاك الأمور التي تعين على التوبة جملةً وتفصيلا: (أولاً الأمور التي تعين على التوبة جملةً: (١) الإخلاص لله أنفع الأدوية: (٢) امتلاء القلب بمحبة الله : (٣) المجاهدة: (٤) قصر الأمل وتذكر الآخرة: (٥) الدعاء: (٦) العلم: (٧) الاشتغال بما ينفع وتجنب الوحدة والفراغ: (٨) البعد عن المثيرات، وما يذكر بالمعصية: (٩) غض البصر: (١٠) مصاحبة الأخيار: (١١) مجانبة الأشرار: (١٢) النظر في العواقب: (١٣) هجر العوائد: (١٤) هجر العلائق: (١٥) إصلاح الخواطر والأفكار: (١٦) استحضار أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة: (١٧) استحضار أضرار الذنوب والمعاصي: (١٨) الحياء: (١٩) النفس وزكاؤها وأنفتها وحميتها: (٢٠) عرض الحال على من يعين: (ثانياً الأمور التي تعين على التوبة تفصيلا: (١) الإخلاص لله أنفع الأدوية: فإذا أخلص الإنسان لله، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها، ويسره لها، وأمده بألطاف لا تخطر بالبال، ولا تدور في الخيال، وصرف عنه الآفات التي تعترض طريقه، وتصده عن توبته، [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن عنده شيء قَطُّ أحلى من ذلك، ولا ألذّ، ولا أمتع، ولا أطيب. والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحبَّ إليه، أو خوفاً من مكروه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر.

стр. 2734

قال تعالى في حق يوسف ﵇: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:٢٤] فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله. ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له، بحيث تغلبه نفسه على اتباع هواها؛ فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي في قلبه انقهر بلا علاج (١). وقال عن يوسف ﵇: فأخبر سبحانه أنه صرف عن يوسف السوء من العشق، والفحشاء من الفعل بإخلاصه؛ فإن القلب إذا أُخْلِص وأَخْلَص عمله لله_لم يتمكن منه عشق الصور؛ فإنه إنما يتمكن من القلب الفارغ (٢). (وقال أيضاً: وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:٢٤] فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته ما يمنعه من محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له. وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله، خائفاً منه، راغباً، راهباً (٣). (وقال أيضاً: وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه،؛ فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك. بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلباً، وإرادة، وحباً مطلقاً، فيهوي كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مرَّ به عطفه، وأمالَهُ؛ فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً. وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق. وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع بغير هدى من الله.

стр. 2735

ومن لم يكن خالصاً لله، عبداً له، قد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه (١). [*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشاً، وأنعمهم بالاً، وأشرحهم صدراً، وأسرهم قلباً، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة (٢). (٢) امتلاء القلب بمحبة الله : فالمحبة أعظم محركات القلوب فهي الباعث الأول للأفعال والتروك، وما أُتي من اسْتُذِل واستعبد لغير الله بمثل ما أُتي من باب المحبة، فالقلب إذا خلا من محبة الله تعالى تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر النوائب والمحبوبات، فشتته، وفرقته وذهبت به كل مذهب، فإذا امتلأ القلب من محبة الله بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة كَمُلَ أنسه، وطاب نعيمه، وسلم من التعلق بسائر الشهوات، وهان عليه فعل سائر القربات؛ فمن المتقرر أن في القلب فقراً ذاتياً، وجوعة وشعثاً وتفرقاً، ولا يغني هذا القلب، ولا يلم شعثه، ولا يسد خلته إلا عبادة الله ومحبته. فأجدر بمن يريد الإقبال على الله، والإنابة إليه أن يملأ قلبه من محبة الله؛ ففي ذلك سروره، ونعيمه، وأنسه، وفلاحه. [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة، وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة. والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء (٣). (وقال أيضاً: ففي قلوب بني آدم محبة لما يتألهونه ويعبدونه، وذلك هو قوام قلوبهم، وصلاح نفوسهم. كما أن فيهم محبةً لما يطعمونه وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم ويدوم شملهم. وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ فإن الغذاء إذا فُقد يفسد الجسم، وبفقد التأله تفسد النفس (٤). [*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلا بها. وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورَها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمه، واللسان إذا فقد نطقه؟!

стр. 2736

بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحقِّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح. وهذا الأمر لا يصدق به إلا من فيه حياة، وما لجرح بميت إيلام (١). (وقال أيضاً عن محبة الله : وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها، وفَرْقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده (٢). (وقال أيضاً: فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه. وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه؛ فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة. وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق؛ ولهذا يتخلف عنها أثرها ومُوجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه، وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم؛ فما عَمَرَ القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلاله وتعظيمه، وتلك من أفضل المواهب أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٣). (٢) المجاهدة: فالمجاهدة عظيمة النفع، كثيرة الجدوى؛ معينة على الإقصار عن الشر، دافعة إلى المبادرة إلى الخير؛ ذلك أن النفوس طلعة إلى الشرور، مُؤْثِرَةً للكسل والبطالة؛ فإذا راضها الإنسان، وجاهدها في ذات الله فليبشر بالخير، والإعانة والهداية. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:٦٩] [*] قال ابن المبارك ﵀: ومن البلايا للبلاء علامةٌ ... ألا يرى لك من هواك نزوع العبدُ عبدُ النفس في شهواتها ... والحر يشبع تارة ويجوع (٤) والمقصود بالمجاهدة مجاهدة النفس حتى الممات والسير بها إلى رضوان الله تعالى. وقال الآخر: النفس إن أعطيتها مناها ... فاغرة نحو هواها فاها وقال الآخر: إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ... ولم ينهها تاقت إلى كل مطلب وقال أبو العباس الناشىء:

стр. 2737

إذا المرء يحمي نفسه حِلَّ شهوةٍ ... لصحة أيام تبيد وتنفد فما باله لا يحتمي من حرامها ... لصحة ما يبقى له ويخلَّدُ (١) وقيل إن علي بن أبي طالب ﵁ كان ينشد هذين البيتين: اقدع النفس بالكفاف وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها إنما أنت طول عُمْرك ما عُمَّرت في الساعة التي أنت فيها (٢) وقال الآخر: ومن يطعم النفس ما تشتهي ... كمن يطعم النارَ جَزْل الحطب (٣) =ويقولون: إن سليمان بن عبد الملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا البيت: إذا أنت لم تعصِ الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال (٤) ولا تعني المجاهدة أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرات، وإنما يجاهدها في ذات الله حتى الممات. فإذا وطن نفسه على المجاهدة أقبلت عليه الخيرات، وانهالت عليه البركات. [*] (قال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: ولو لم يكن من بركات مجاهدة النفس في حقوق الله، والانتهاء عن محارم الله إلا أنه يعطف عليك، فيسخّرها لك، ويطوّعها لأمرك، حتى تنقاد لك، ويسقط عنك مؤونة النزاع لها، حتى تصير طوع يدك وأمرك، تعاف المستطاب عندها إذا كان عند الله خبيثاً، وتُؤْثر العمل لله وإن كان عندها بالأمس كريهاً، وتستخفه وإن كان عليها ثقيلاً، حتى تصير رقَّاً لك بعد أن كانت تَسْتَرقُّك. وكذا كل من حقق العبودية لسيده استعبد له من كان يملكه، وألان له ما كان يعجزه (٥). (إلى أن قال رحمه الله تعالى: ما أبرك طاعة الله على المطيع؛ قوم سخر لهم الرياح، والمياه، والحيوانات، وقوم أعاق عليهم الحوائج، وكسرها في صدورهم (٦). ولو لم يأت الإنسان من مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى إلا أن يتحرر من رق الهوى، وسلطان الشهوة. رب مستور سبته شهوة ... فتعرى ستره فانهتكا صاحب الشهوة عبد فإذا ... غلب الشهوة أضحى ملكا (٧) [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة؛ ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلاً؛ لأنه قُهِر، بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب عزيزاً؛ لأنه قَهَر (٨).

стр. 2738

(وقال أيضاً: بالله عليك يا مرفوع القدر بالتقوى! لا تبع عزها بذل المعاصي، وصابر عطش الهوى في هجير المشتهى وإن أمَضَّ وأرمض (١) (٢). (وقال أيضاً: بالله عليك تذوَّق حلاوة الكفِّ عن المنهي؛ فإنها شجرة تثمر عز الدنيا وشرف الآخرة. ومتى اشتد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الرِّيُّ الكامل، وقل: قَدْ عِيل صبر (٣) الطبع في سِنِيِّه العجاف؛ فعَجِّلْ لي العام الذي فيه أُغاث، وأعصر (٤). (وقال أيضاً: إخواني! احذروا لجة هذا البحر، ولا تغتروا بسكونه، وعليكم بالساحل، ولازموا حصن التقوى؛ فالعقوبة مرة، واعلموا أن في ملازمة التقوى مراراتٍ من فقد الأغراض والمُشتهيات، غير أنها في ضرب المثل كالحمية تعقب صحة، والتخليط ربما جلب موت الفجأة (٥). (٤) قصر الأمل وتذكر الآخرة: فإذا تذكر المرء قِصَرَ الدنيا، وسرعة زوالها، وأدرك أنها مزرعة للآخرة، وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، وما في النار من النكال والعذاب الأليم وعلم أن من زرع الشوك لا يجني عنباً، وعلم أن الجنة لا تنال بالكلام وإنما تنال بالجد والاهتمام والتطلع لرحمة الملك العلام أقصر عن الاسترسال في الشهوات، وانبعث إلى التوبة النصوح وتدارك ما فات بالأعمال الصالحات. قَصِّر الآمالَ في الدنيا تَفُزْ ... فدليل العقل تقصير الأمل (٦) وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. [*] (قال ابن رجب رحمه الله تعالى تعليقاً على هذا الحديث: وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطناً ومسكناً، فيطمئن فيها.

стр. 2739

ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيىء جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم (١). [*] قال ابن عقيل ﵀: ما تصفو الأعمال والأحوال إلا بتقصير الآمال، فإن كل من عدّ ساعته التي هو فيها كمرض الموت، حسنت أعماله، فصار عمره كله صافيا. [*] (وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: من تَفَكَّر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر (٢). (وقال أيضاً: أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة، وتأميله الإصلاح فيما بعد. وليس لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار حَدٌّ؛ فكلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الأمل (٣). [*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته؛ فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا، وما فيها ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى الله، وعكفت همته على الله، وعلى محبته، وإيثار مرضاته، واستحدثت همة أخرى، وعلوماً أخر، ووُلِد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه، فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة. وكما كان بطن أمه حجاباً لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة؛ فخروج قلبه عن نفسه بارزاً إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزاً إلى هذه الدار (٤). (إلى أن قال: والمقصود أن صدق التأهب هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة، والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين إلى الله، ومنازل السائرين إليه، من اليقظة، والتوبة، والإنابة، والمحبة، والرجاء، أو الخشية، والتفويض، والتسليم، وسائر أعمال القلوب والجوارح؛ فمفتاح ذلك كله صدقُ التأهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه (٥).

стр. 2740

(وقال متحدثاً عن الأسباب التي تعين الإنسان على الصبر على المعصية: =السبب الثامن: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مُزْمعٌ على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها؛ فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته؛ فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضر من التسويف وطول الأمل (١). (٥) الدعاء: ما ضاق بالمرء أمر فاستعد له ... عبادة الله إلا جاءه الفرج ولا أناخ بباب الله ذو ألم ... إلا تزحزح عنه الهم والفرج [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: أيها المذنب قف بالباب إذا نام الناس، وابسط لسان الاعتذار، ونكس الرأس، وامدد بعد السؤال ولا بأس، وقل ليس عندي سوى الفقر والإفلاس (٢). وكان من دعاء عباد الله المؤمنين: (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: ١٦] إلى غير ذلك من الأدعية الكثيرة الواردة على هذا النحو. فحري بمن أراد التوبة أن يسأل ربه أن يرزقه إياها، وأن يلح عليه بذلك، وأن يتحين الأوقات، والأحوال، والأوضاع، التي هي مظان الإجابة، كالدعاء في السجود، وفي آخر الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي حال إقبال القلب، واشتداد الإخلاص، والاضطرار إلى غير ذلك. وعليه أيضاً أن يتجنب موانع الإجابة، وألا يستعجل الإجابة، فيدع الدعاء. ومن كانت هذه حاله كان حريَّاً بأن يجاب دعاؤه (٣). فهو من أعظم الأسباب، وأنفع الأدوية، ومن أعظم ما يسأل ويدعى به سؤال الله التوبة النصوح، ولذا كان من دعاء نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:١٢٨] (حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم. ومن أعظم ما يُسأل، ويدعى به سؤال الله التوبة؛ وذلك بأن يدعو الإنسان ربه أن يمن عليه بالتوبة النصوح، مهما كانت حاله.

стр. 2741

ولهذا كان من دعاء نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل_عليهما السلام_: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] البقرة: ١٢٨. وكان من دعاء نبينا محمد": =رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب (٦) العلم: فالعلم نور يُسْتَضَاءُ به، ويُنظر من خلاله إلى الأمور على حقيقتها. والعلم يَشْغَل صاحبه بكل خير، ويُشْغله عن كل شر؛ فإذا فُقِد العلم فقدت البصيرة، وحل الجهل، وانطمست المعالم أمام الإنسان، واختل ميزان الفضيلة والرذيلة عنده؛ فلم يعد يفرق بين ما يضره وما ينفعه، فيصبح بذلك عبداً للشهوة، أسيراً للهوى؛ فما أتي الإنسان من باب كما يؤتى من باب الجهل؛ فحري بالعاقل الناصح لنفسه ألا يبخس حظه من العلم، وأن ينال ولو قدراً يسيراً منه. ومن العلم في هذا السياق العلم بعاقبة المعاصي، وقبحها، ورذالتها، ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل كما يحمي الوالدُ الشفيقُ ولدَه عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يُُعَلَّقْ عليها وعيدٌ بالعذاب (١). ومن العلم أيضاً أن يعلم بفضل التوبة والرجوع إلى الله . ثم إن في العلم سلوة، وراحة، ولذة، وأنساً لا يوجد في غيره، فهو أعلى اللذات العقلية، واللذاتُ العقلية أكمل، وأروع، وأنفع من اللذات الجسدية. ولهذا يجد أهل العلم من اللذة في العلم ما لا يحاط به، أو يقدر على وصفه، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مبيناً عظم اغتباطه بالعلم، ولذته وفرحه به: سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي ... من وصل غانية وطيب عناق صرير أقلامي على صفحاتها ... أحلى من الدوكاء والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدُفِّها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي وتمايلي طرباً لحل عويصةٍ ... في الدرس أشهى من مدامة ساقي وأبيت سهران الدجى وتبيته ... نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي (٢) (٧) الاشتغال بما ينفع وتجنب الوحدة والفراغ:

стр. 2742

ذلك أن الفراغ يأتي على رأس الأسباب المباشرة للانحراف؛ فالقطاع الكبير من الشباب يعاني من فراغ قاتل يؤدي إلى الانحراف والشذوذ، وإدمان المخدرات، ويقود إلى رفقة السوء، وعصابات الإجرام، ويتسبب في تدهور الأخلاق، وضيعة الآداب. فإذا اشتغل الإنسان بما ينفعه في دينه ودنياه قلَّت بطالته، ولم يجد فرصة للفساد والإفساد. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن أعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه؛ فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولابد (١). (٨) البعد عن المثيرات، وما يذكر بالمعصية: فيبتعد عن كل ما يثير فيه دواعي المعصية، ونوازع الشر، ويبتعد عن كل ما يثير شهوته، ويحرك غريزته من مشاهدة للأفلام الخليعة، وسماع للأغاني الماجنة، وقراءة للكتب السيئة، والمجلات الداعرة. كما عليه أن يقطع صلته بكل ما يذكره بالمعصية من أماكن الخنا، ومنتديات الرذيلة التي تذكره بالمعصية، وتدعوه إليها؛ فالشيء إذا قطعت أسبابه التي تمده زال واضمحل؛ فالقرب من المثيرات بلاء وشقاء، والبعد عنها جفاء وعزاء؛ فكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب؛ فليصبر على مضض الفراق صبر المصاب في بداية المصيبة، ثم إن مر الأيام يهون الأمر، خصوصاً إذا كان ذلك مما يثير العشق والغرام، قال زهير بن الحباب الكلبي: إذا ما شئت أن تسلو حبيباً ... فأكثر دونه عدد الليالي فما سلى حبيبك غيرُ نأي ... ولا أبلى جديدك كابتذال (٢) وقال امرؤ القيس: وإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل رواح أو غدوٍّ مأوِّبِ (٣) ومن البعد عن المثيرات أن يبتعد الإنسان عن الفتن؛ لأن البعد عنها نجاة وسلامة، والقرب منها مدعاة للوقوع فيها. [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه، وربَّ نظرةٍ لم تناظِر (٤). وأحق الأشياء بالضبط والقهر اللسان والعين؛ فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب.

стр. 2743

فَتَبَصَّرْ ولا تَشَمْ كلَّ برقٍ ... رب برق فيه صواعق حَيْنِ (١) واغضضِ الطرفَ تَسْتَرح من غرام ... تكتسي فيه ثواب ذلٍّ وشين فبلاء الفتى موافقة النفـ ... ـس وبدءُ الهوى طموح العين (٢) (وقال أيضاً: ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٣). وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث عمران بن حصين ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من سمع بالدجال فلينأ عنه، فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات. [*] قال العلامة شمس الحق أبادي في عون المعبود شرح سنن أبي داوود: (من سمع بالدجال) أي بخروجه وظهوره (فلينأ) بفتح الياء وسكون النون وفتح الهمزة أمر غائب من نأى ينأى حذف الألف للجزم أي فليبعد (عنه) أي من الدجال (وهو) أي الرجل (يحسب) بكسر السين وفتحها أي يظن (أنه): أي الرجل بنفسه (فيتبعه) بالتخفيف ويشدد أي فيطيع الدجال (مما يبعث به) بضم أوله ويفتح أي من أجل ما يثيره ويباشره (من الشبهات) أي المشكلات كالسحر وإحياء الموتى وغير ذلك فيصير تابعه كافرا وهو لا يدري. أهـ وهذا الحديث أصلٌ في اجتناب الفتن والبعد عنها، والله أعلم. (ومن المثيرات التي يجدر بالإنسان تجنبها فضول الطعام، والمنام، ومخالطة الأنام؛ فإن قوة المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات؛ فإنها تطلب مَصْرفاً، فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام (٤). ومن البعد عن المثيرات البعد عن الكتب التي تحرك نوازع الشر، وتحبب الفساد لقرائها، كما في بعض كتب الأدب التي تحتوي على الكلام البذيء، والأدب المكشوف الذي يستقر في أدمغة الشباب استقرار البارود.

стр. 2744

وهل الأدب المكشوف إلا سوءة من سوءات الفكر؟ حتى إن الخمر التي لا ينازع في مفسدتها إلا من غرق بسكرة الجهل والغواية وجَدتْ من يصفها بأبدع الأوصاف؛ فكثير من الشعراء قد طغى به الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديحها صفات الخيال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال، فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال، والشعراء يتبعهم الغاوون. وبالجملة فإن مثلَ النفوس بما جبلت عليه من ميل للشهوات، وما أودع فيها من غرائز تميل مع الهوى حيثما مال كمثل البارود، والوقود، وسائر المواد القابلة للاشتعال؛ فإن هذه المواد وما جرى مجراها متى كانت بعيدة عما يُشْعل فتيلها، ويذكي أوارها بقيت ساكنة لا يخشى خطرها، والعكس بالعكس. وكذلك النفوس؛ فإنها تظل ساكنة وادعة هادئة، فإذا اقتربت مما يثيرها، ويحرك نوازعها إلى الشرور من مسموع، أو مشموم أو منظور ثارت كوامنها، وهاجت شرورها، وتحرك داؤها، وطغت أهواؤها. قال ابن حزم رحمه الله تعالى: لا تلم مَنْ عَرَّض النفس لما ... ليس يرضي غيره عند المحن لا تقرِّبْ عرفجاً من لهب ... ومتى قربته قامت دُخن (١) وقال: لا تُتْبِع النفسَ الهوى ... ودع التعرض للمحن إبليسُ حيٌّ لم يمت ... والعين بابٌ للفتن (٢) (٩) غض البصر: فالعين مرآة القلب، وإطلاق البصر يورث المعاطب، وغض البصر يورث الراحة؛ فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته، وهذا معلومٌ على وجه اليقين لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) [النور: ٣٠] [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفوس. وزكاةُ النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش، والظلم، والشرك، والكذب، وغير ذلك (٣). [*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ووقعت مسألةٌ: ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق حبُّها بقلبه، واشتد عليه الأمر، فقالت له نفسه: هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها؛ فهل يجوز تعمُّد النظر ثانياً لهذا المعنى؟ فكان الجواب: الحمد لله، لا يجوز هذا لعشرة أوجه:

стр. 2745

أحدها: أن الله سبحانه أمر بِغَضِ البصر ولم يجعل شفاء القلب فيما حرمه على العبد. الثاني: أن النبي"سئل عن نظر الفجأة، وقد علم أنه يؤثر في القلب، فأمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر. الثالث: أنه صرح بأن الأولى له، وليست له الثانية، ومُحالٌ أن يكون داؤه مما له، ودواؤه فيما ليس له. الرابع: أن الظاهر قوة الأمر بالنظرة الثانية لا تناقضه، والتجربة شاهدة به، والظاهر أن الأمر كما رآه أول مرة، فلا تحسن المخاطرة بالإعادة. الخامس: أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه، فزاد عذابه. السادس: أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه، فيزين له ما ليس بحسن؛ لتتم البلية. السابع: أنه لا يعان على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع، وتداوى بما حرمه عليه، بل هو جدير أن تتخلف عنه المعونة. الثامن: أن النظرة الأولى سهمٌ مسموم من سهام إبليس، ومعلوم أن الثانية أشد سمَّاً؛ فكيف يتداوى من السم بالسم؟ التاسع: أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق في ترك محبوب كما زعم وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه؛ فإن لم يكن مَرْضِيَّاً تركه؛ فإذاً يكون تركه لأنه لا يلائم (١) غرضه، لا لله تعالى فأين معاملة الله_سبحانه_بترك المحبوب لأجله؟ العاشر: يتبين بضرب مَثَلٍ مطابق للحال، وهو أنك إذا ركبت فرساً جديداً فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ، ولا يمكنها أن تستدير فيه للخروج، فإذا همَّت بالدخول فيه فاكبحها؛ لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصِحْ بها ورُدَّها إلى وراء عاجلاً قبل أن يتمكن دخولها، فإذا رَدَدْتها إلى ورائها سهل الأمر، وإذا توانيت حتى ولجت، وسقتها داخلاً ثم قمت تجذبها بذَنبها عسر عليك أو تعذر خروجها؛ فهل يقول عاقل إن طريق تخليصها سوقُها إلى داخل؟ فكذلك النظرة إذا أثَّرت في القلب، فإن عجل الحازم، وحَسَم المادة من أولها سهل علاجه، وإن كرر النظر، ونقَّب عن محاسن الصور، ونقلها إلى قلب فارغ، فنقشها فيه_تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزال شجرة الحب تنمي حتى يفسد القلب ويُعْرض عن الفكر فيما أمر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويُلقي القلب في التلف.

стр. 2746

والسبب في هذا أن الناظر التذت عينُه بأول نظرة، فطلبت المعاودة، كأكل الطعام الذي إذا تناول منه لقمة، ولو أنه غض أولاً لاستراح قلبه وسلم. وتأمل قول النبي": =النظرة سهم مسموم من سهام إبليس (١). فإن السهم شأنه أن يسري في القلب، فيعمل فيه عمل السم الذي يُسقاه المسموم، فإن بادر واستفرغه، وإلا قتله ولابد (٢). (وقال أيضاً: ولما كان النظر أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه، وأباحته في موضع الحاجة، وهذا شأن كل ما حُرِّم تحريم الوسائل؛ فإنه يباح للمصلحة الراجحة (٣). (حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ونظر الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر؛ فما لم يعتمدْه (٤) القلب لا يعاقب عليه، فإذا نظر الثانية تعمداً أثِمَ؛ فأمره النبي"عند نظر الفجأة أن يصرف بصره، ولا يستديم النظر؛ فإن استدامته كتكريره. وأرشد من ابتلي بنظر الفجأة أن يداويه بإتيان امرأته، وقال: إن معها مثل الذي معها (٥). فإن في ذلك التسلي عن المطلوب بجنسه. (حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه. (حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها.

стр. 2747

[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (أَقْبَلَتْ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ) شَبَّهَهَا بِالشَّيْطَانِ فِي صِفَةِ الْوَسْوَسَةِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الشَّرِّ (فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ) أَيْ: فَلْيُوَاقِعْهَا (فَإِنَّ مَعَهَا) أَيْ: مَعَ امْرَأَتِهِ (مِثْلَ الَّذِي مَعَهَا) أَيْ: فَرْجًا مِثْلَ فَرْجِهَا وَيَسُدُّ مَسَدَّهَا، والثاني: أن النظر يثير قوة الشهوة فأمره بتنقيصها بإتيان أهله؛ ففتنة النظر أصل كل فتنة كما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد_رضي الله عنهما_أن النبي"قال: =ما تركت بعدي فتنة هي أضرَّ على الرجال من النساء (١). [*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً فوائد غض البصر: وفي غض البصر عدة فوائد: أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة؛ فإن من أطلق نظره دامت حسرتُه؛ فأضر شيء على القلب إرسال البصر؛ فإنه يريه ما يشتد طلبه، ولا صبر له عنه، ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه، وعذابه. قال الأصمعي: رأيت جارية في الطواف كأنها مهاة؛ فَجَعَلْتُ أنظر إليها، وأملأ عيني من محاسنها، فقالت: يا هذا ما شأنك؟ قلت: وما عليك من النظر؟ فأنشأت تقول: وكنتَ متى أرسلتَ طرفَك رائداً ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر والنظرة تفعل في القلب ما يفعله السهم في الرمِيَّة، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل: كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرةٍ فتكتْ في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلِّبها ... في أعين الغِيْدِ موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحباً بسرور عاد بالضرر والناظر يرمي من نظره بسهام غَرَضُها قلبه وهو لا يشعر. قال الفرزدق: تَزَوَّدَ منها نظرةً لم تدع له ... فؤاداً ولم يشعر بما قد تزودا فلم أرَ مقتولاً ولم أرَ قاتلاً ... بغير سلاح مثلها حين أقصدا وقال آخر: ومن كان يؤتى من عدوٍّ وحاسدٍ ... فإني من عيني أُتيْتُ ومن قلبي هما اعتوراني نظرة ثم فكرة ... فما أبقيا لي من رقاد ولا لُبِّ وقال المتنبي: وأنا الذي اجتلب المنيةَ طرفُه ... فمن المطالبُ والقتيل القاتل الفائدة الثانية: أنه يورث القلبَ نوراً، وإشراقاً يظهر في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح.

стр. 2748

كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه؛ ولهذا والله أعلم ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [النور: ٣٥] عقيب قوله: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور: ٣٠] وجاء الحديث مطابقاً لهذا المعنى حتى كأنه مشتق منه، وهو قوله: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس؛ فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه نوراً (١) الحديث. الفائدة الثالثة: أنه يورث صحة الفراسة؛ فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلب صحت الفراسة؛ لأنه يصير بمنزلة المرآة المجلوَّة تظهر فيها المعلومات كما هي، والنظر بمنزلة التنفس فيها؛ فإذا أطلق العبد نظره تنفَّست نفسه الصعداء في مرآة قلبه، فطمست نورها كما قيل: مرآةُ قلبك لا تريك صلاحه ... والنفس فيها دائما تتنفس [*] (وقال شجاع الكرماني رحمه الله تعالى: من عَمَرَ ظاهرَه باتباع السُّنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضَّ بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وأكل من الحلال_لم تخطىء فراسته. وكان شجاع لا تخطىء له فراسة. والله يجازي العبد على عمله بما هو من جنسه؛ فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله إطلاق بصيرته؛ فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته. الفائدة الرابعة: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب؛ فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، وانكشفت له بسرعة، ونفذ من بعضها إلى بعض. ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه، وأظلم، وانسد عليه باب العلم وطرقه. الفائدة الخامسة: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، وفي الأثر: إن الذي يخالف هواه يَفْرَقُ الشيطان من ظله. ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب، وضعفه، ومهانة النفس وحقارتها_ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه. وقال بعض الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله. الفائدة السادسة: أنه يورث القلب سروراً، وفرحة، وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر؛ وذلك لِقَهْرِهِ عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه، وأيضاً فإنه لما كفَّ لذته، وحبس شهوته لله، وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله_سبحانه_مسرة ولذة أكمل منها كما قال بعضهم: والله لَلذَّةُ العفة أعظم من لذة الذنب.

стр. 2749

ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وها هنا يمتاز العقل من الهوى. الفائدة السابعة: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة؛ فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه؛ فهو، كما قيل: طليق برأي العين وهو أسير ومتى أسرت الشهوةُ والهوى القلبَ تمكن منه عدوُّه، فسامه سوء العذاب، وصار: كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب الفائدة الثامنة: أنه يسد عنه باباً من أبواب جهنم؛ فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريمُ الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول؛ فمتى هتك الحجاب ضريَ (١)، ولم تقف نفسه منه عند غاية؛ فإن النفس لا تقنع بغاية تقف عندها؛ وذلك أن لذَّتها في الشيء الجديد؛ فصاحب الطارف لا يقنعه التليد، وإن كان أحسن منظراً، وأطيب مخبراً؛ فغض البصر يسد هذا الباب الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه. الفائدة التاسعة: أنه يقوي العقل، ويزيده، ويثبته؛ فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه، وعدم ملاحظته للعواقب؛ فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب، ومُرْسِل النظر لو علم ما تجني عواقبُ نظره عليه لما أطلق بصره، قال الشاعر: وأعقلُ الناسِ من لم يرتكب سبباً ... حتى يفكر ما تجني عواقبه الفائدة العاشرة: أنه يخلص القلب من سُكْرِ الشهوة، ورقدة الغفلة؛ فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة، ويوقع في سكرة العشق كما قال تعالى عن عشاق الصور: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر: ٧٢] فالنظرة كأس من خمر، والعشق هو سكر ذلك الشراب، وسكر العشق أعظم من سكر الخمر؛ فإن سَكْرانَ الخمر يُفيق، وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات، كما قيل: سكْران: سُكْرُ هوىً وسُكر مدامةٍ ... ومتى إفاقةُ مَنْ به سكران وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعافُ أضعاف ما ذكرنا، وإنما نبهنا عليه تنبيهاً (٢). فحري بالعاقل اللبيب الذي يريد السلامة لنفسه، ويخشى المعاطب عليها_أن يغض بصره، وأن يجاهد نفسه على ذلك غاية المجاهدة؛ فعصرنا هذا عصر الفتن من مجلات، وقنوات فضائية ونحو ذلك مما يصعب الخلاص منه إلا بتوفيق من الله، وصدق توكل عليه، وقوة إرادة وعزيمة.

стр. 2750

(١٠) مصاحبة الأخيار: فمصاحبة الأخيار تحيي القلب، وتشرح الصدر، وتنير الفكر، وتعين على الطاعة؛ فجليس الخير ينصح لك، ويُبَصّرك بعيوبك، ويعينك على تلافيها. كما أنه يَدُلُّك على أهل الخير، ويكفك عن أهل المعاصي؛ فقد تتركها حياء منه، ثم تنبعث بعد ذلك إلى تركها بالكلية. وجليس الخير يذكرك بالله، ويحفظك في حضرتك ومغيبك، ويرفع من قدرك، ويحافظ على سمعتك. ومجالس الخير تغشاها الرحمة، وتحفها الملائكة، وتتنزل عليها السكينة. إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي (١١) مجانبة الأشرار: لأن رفقة السوء تحسن القبيح، وتقبح الحسن، وتجر إلى الرذيلة، وتزري بالفضيلة. ثم إن المرء يتأثر بعادات جليسه؛ فالصاحب ساحب، والطبع استراق. ولو لم يأت من مجالسة هؤلاء إلا أن الإنسان يقارن أفعاله بأفعالهم، فيتقالّ سيئاته بجانب سيئاتهم؛ فيقوده ذلك إلى الجرأة والإقدام على فعل الموبقات والآثام. فرفيق السوء يفسد على المرء دينه، ويخفى على صاحبه عيوبه، ويصله بالأشرار، ويقطعه عن الأخيار، ويقوده إلى الفضيحة والخزي والعار. كما أنه يهون عليه شأن المعاصي، ويجرؤه على ارتكابها. ثم إن صحبة الأشرار عرضة للزوال في أي لحظة، وعند أدنى خلاف، ولو دامت في هذه الدنيا فسرعان ما تزول في الآخرة. ثم إن مجانبة الأشرار من أعظم ما يعين على التوبة. ولهذا جاء في حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً أنه لما أتى إلى الرجل العالم وسأله: هل له من توبة؟ قال له: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء الحديث (١). [*] قال النووي في شرح الحديث: قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائبِ المواضعَ التي أصاب بها الذنوب، والأخدانَ المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح، والعلماء، والمتعبدين الورعين، ومن يقتدى بهم، ويُنتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك (٢). فإذا تبين ذلك فما أحرى بذي اللب أن ينأى عن الأشرار، ويفر منهم فراره من الأسد. ولا ينفع الجرباء قربُ صحيحة ... إليها ولكن الصحيحة تجرب

стр. 2751

ومما ينبغي التنبه له في مسألةخطر الجليس السوء أن كثيراً من الناس لا يَتَصَور من الجليس السوء إلا من يوقع صاحبه في التدخين، أو الخمر، أو المخدرات، أو نحوها من المعاصي المشهورة المعروفة. ولا ريب أن هذا جليس سوء تجب مفارقته والبعد عنه. ولكن هناك جلساء سوء لا يقلون خطراً عن أولئك، بل ربما زادوا عليهم، إنهم المنحرفون في أفكارهم وعقائدهم؛ فهؤلاء يفسدون على المرء عقيدته وفكره. والانحراف الناشىء عن زيغ العقيدة أشد من الانحراف الناشىء عن طغيان الشهوة وأصعب علاجاً؛ فزائغ العقيدة قد يستهين بشعائر الإسلام، ومحاسن الآداب، فيزعم أنها ليست من الحسن في شيء، ويخرج عن حدود المكارم بدعوى أنها رسمت على غير حكمة. ثم إن زائغ العقيدة لا يتورع عن المناكر، ولا يؤتمن على المصالح، ولا يأبه أن يلبس الباطل بلبوس الحق؛ فهو ليس عضواً أشلَّ فحسب، بل هو عضو مسموم لا يلبث أن يسري فساده في نفوس جلسائه وسماره؛ لذا كان لزاماً على من يريد السلامة في نفسه ودينه أن يجانب هؤلاء المفسدين. تعست مقارنةُ اللئيم فإنها ... شَرَقُ النفوس ومحنة الكرماء قد أصبحوا للدهر سبة ناقم ... في كل مصدر محنة وبلاء وأشد ما يلقى الفتى من دهره ... فقد الكرام وصحبة اللؤماء (١) (١٢) النظر في العواقب: فذلك يوقف الإنسان على حقائق الأشياء، ويريه الأمور كما هي، وبذلك يقصر عما يهوى؛ خشية من سوء العاقبة. وما أتي أكثر الناس إلا من قبل غفلته وجهله بالعواقب، ولو أوتي حظاً من النظر لما آثر اللذة العاجلة الفانية على اللذات الآجلة الباقية. [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظةً، وانقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر لما قرب منه، ولو أعطي الدنيا، غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وذلك (٢). (وقال أيضاً: تذكرت في سبب دخول جهنم فإذا هو المعاصي، فنظرت في المعاصي فإذا هي حاصلة في طلب اللذات، فنظرت في اللذات فإذا هي خِدعاً ليست بشيء، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيرها نغصاً، فتخرج عن كونها لذاتٍ؛ فكيف يتبع العاقل نفسه، ويرضى بجهنم لأجل هذه الأكدار؟ (٣). (وقال أيضاً: قد جاء في الأثر: اللهم أرنا الأشياء كما هي.

стр. 2752

وهذا كلامٌ حسنٌ غايةً، وأكثر الناس لا يرون الأشياء بعينها؛ فإنهم يرون الفاني كأنه باقٍ، ولا يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه وإن علموا ذلك إلا أن عين الحس مشغولة بالنظر الحاضر؛ ألا ترى زوال اللذة وبقاء إثمها؟ (١). (وقال أيضاً: إنما فَضُل العقلُ بتأمل العواقب؛ فأما القليل العقل فإنه يرى الحال الحاضرة، ولا ينظر إلى عاقبتها؛ فإن اللص يرى أخذ المال، وينسى قطع اليد، والبطَّال يرى لذة الراحة، وينسى ما تجني من فوات العلم، وكسب المال؛ فإذا كبر فسئل عن علم لم يدرِ، وإذا احتاج سأل فذلَّ؛ فقد أربى ما حصل له من التأسف على لذة البطالة، ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا. وكذلك شارب الخمر يلتذ تلك الساعة، وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا والآخرة. وكذلك الزنا؛ فإن الإنسان يرى قضاء الشهوة، وينسى ما يجني من فضيحة الدنيا والحد، وربما كان للمرأة زوج، فألحقت الحمل من هذا به، وتسلسل الأمر. فقس على هذه النبذة، وانتبه للعواقب، ولا تؤثر لذة تفوِّت خيراً كثيراً، وصابر المشقة تُحصِّل ربحاً وآفراً (٢). قال الحسين بن مطير: ونفسك أكر م عن أمور كثيرة ... فما لك نفسٌ بعدها تستعيرها ولا تقرب الأمر الحرام فإنما ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها (٣) وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يتمثل بهذين البيتين: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار (٤) وقال اليزيدي: دخلت على هارون الرشيد، فوجدته مُكبَّاً على ورقة ينظر فيها مكتوبة بالذهب، فلما رآني تبسم، فقلت: فائدة أصلح الله أمير المؤمنين، قال: نعم، وجدتُ هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية، فاستحسنتهما، فأضفت إليهما ثالثاً فقال ثم أنشدني: إذا سُدَّ بابٌ عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها فإن قُرابَ البطن يكفيك ملأه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها فلا تك مبذالاً لدينك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها (٥) هذا وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى فيما بعد. (١٣) هجر العوائد:

стр. 2753

فالعوائد هي السكون إلى الدعة والراحة، وما ألِفَهُ الناسُ واعتادوه من الرسوم، والأوضاع، التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع، بل هي عندهم أعظم من الشرع؛ فإنهم ينكرون على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع. والوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد؛ لأنها من أعظم الحجب والموانع بين العبد، وبين النفوذ إلى الله ورسوله" (١). (١٤) هجر العلائق: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما العلائق فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من ملاذِّ الدنيا، وشهواتها، ورياساتها، وصحبة الناس، والتعلق بهم. ولا سبيل إلى قطع هذه الثلاثة ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى، وإلا فقطعها بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع؛ فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه، وآثر عندها منه. وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه بغيره وكذا بالعكس. والتعلق بالمطلوب هو شدة الرغبة فيه، وذلك على قدر معرفته به، وشرفه، وفضله على ما سواه (٢). (١٥) إصلاح الخواطر والأفكار: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: مبدأ كل علم نظري، وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصورات، والتصوراتُ تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوعَ الفعل، وكثرةُ تكراره تعطي العادةَ؛ فصلاحُ هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادُها بفسادها؛ فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها، صاعدةً إليه، دائرةً على مرضاته ومحابِّه؛ فإنه_سبحانه_به كل صلاح، ومن عنده كل هدى، ومن توفيقه كل رشد، ومن تولِّيه لعبده كل حفظ، ومن تولِّيه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء (٣). (وقال أيضاً: واعلم أن الخطراتِ والوساوسَ تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكرُ، فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها التذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة؛ فَرَدُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها. ومعلوم أنه لم يُعْطَ الإنسانُ إماتةَ الخواطر، ولا القوةَ على قطعها؛ فإنها تهجم عليه هجوم النَّفَس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها، ورضاه به، ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها، وكراهته له، وأنَفَته منه (٤).

стр. 2754

إلى أن قال: وقد خلق الله سبحانه النفسَ شبيهةً بالرحى الدائرة التي لا تسكن، ولا بد لها من شيء تطحنه؛ فإن وُضع فيها حبٌّ طَحَنَتْهُ، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته؛ فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى مُعَطَّلةً قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها؛ فمن الناس من تطحن رحاه حَبَّاً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتبناً ونحو ذلك؛ فإذا جاء وقت العجن والخبز تبيَّن له حقيقة طحينه (١). (وقال أيضاً: فإذا دَفَعْتَ الخاطرَ الواردَ عليك اندفع عنك ما بعده، وإن قَبلْتَهُ صار فكراً جوَّالاً، فاسْتَخْدم الإرادة، فتساعَدَتْ هي والفكر على استخدام الجوارح، فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني والشهوة وتَوجُّهِهِ إلى جهة المراد. ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد. فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فَكَّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه (٢). إلى أن قال: وإياك أن تُمَكّن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك؛ فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعَنْتَه على نفسك بتمكينه من قلبك، وخواطرك فَمَلَكَها عليك (٣). (١٦) استحضار أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة:

стр. 2755

فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعتُه حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضاً توفيرُه أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذْهِب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذّ وأطيبُ من قضاء الشهوة، وإما أن تُطَرّقَ لوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدواً وتحزن وليَّاً، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق (١) (١٧) استحضار أضرار الذنوب والمعاصي: فإن للذنوب والمعاصي أضراراً عظيمةً، وعقوباتٍ متنوعةً، سواء في الدنيا أو في الآخرة، على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات. فمن أضرارها حرمان العلم والرزق، والوحشةُ التي يجدها العاصي في قلبه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الناس. ومنها تعسير الأمور، وسواد الوجه، ووهن البدن، وحرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق بركته. ومنها ظلمة القلب، وضيقه، وحزنه، وألمه، وانحصاره، وشدة قلقه، واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعَرِّيه من زينته. ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، وتقوي في القلب إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ إرادة التوبة من القلب بالكلية، فيستمرىء صاحبها المعصية، وينسلخ من استقباحها. ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وأن شؤمها لا يقتصر على العاصي، بل يعود على غيره من الناس والدواب. ومنها أن المعصية تورث الذل، وتفسد العقل، وتدخل العبد تحت اللعنة، وتحرمه من دعوة الرسول"ودعوة الملائكة، ودعوة المؤمنين. كما أنها تطفىء نار الغيرة من القلب، وتذهب الحياء، وتضعف في القلب تعظيم الرب، وتستدعي نسيان الله لعبده، وتَخْليته بينه وبين نفسه وشيطانه. ومن أضرار المعاصي أنها تنزل الرعب في قلب العاصي، وتزيل أمنه، وتبدله به مخافة؛ فأخوف الناس أشدهم إساءة.

стр. 2756

كذلك تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين، وتضعف سير قلبه إلى الله والدار الآخرة، وتصغر نفسه، وتُعمي قلبه، وتسقط منزلته، وتسلبه أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذل والصغار، وتجعله من السفلة بعد أن كان مُهيَّأً لأن يكون من العلية، وتجرىء عليه شياطين الجن والإنس، فيصير في أسرهم بعد أن كانوا يخافونه ويرهبونه. ومنها وقوع العاصي في بئر الحسرات؛ فلا يزال في حسرة دائمة؛ فكلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطراً، أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعافُ أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعُه وعرف عجزَه اشتدت حسرتُه وحزنُه؛ فيا لها ناراً قد عُذِّب بها القلبُ في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. ومنها ضياع أعز الأشياء وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض عنه، ولا يعود إليه أبداً. وبالجملة فالآثار القبيحة للمعاصي أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علماً؛ فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصية الله (١). (١٨) الحياء: فهذا الخلق إذا غَزر في النفس، ونمت عروقه فيها ازداد رونقها صفاءً، ونفض على ظاهر صاحبها مآثر خَيْراتٍ حِسان، وإذا انتُزع من شخص فقد فقَدَ المروءة، وثكل الديانةَ التي هي الجناح المبلغ لكل كمال؛ ذلك أن الحياء خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح، وهو عبارة عن انقباض النفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عما تنزع إليه الشهوة من القبائح. فإذا تمزق ستر هذه الفضيلة بغلبة الشهوة على النفس اختلت هيئة الإنسان بالضرورة، وبقي صاحبها سائماً في مراتع البغي والفسوق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان. وبالجملة فالحياء شعبةٌ من الإيمان، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء خلق الإسلام. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ مرَّ على رجلٍ وهو يعظُ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ دَعْه فإن الحياء من الإيمان.

стр. 2757

(حديث عمران ابن حصين في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الحياءُ لا يأتي إلا بخير. (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال الإيمان بضع و سبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و الحياء شعبة من الإيمان. (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء. (حديث أبي سعيد في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه. (حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. (حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الحياء و الإيمان قرنا جميعا فإذا رُفِعَ أحدهما رفع الآخر. [*] (قال ابن حبان رحمه الله تعالى: فالواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل، وبذر الخير، وتركه أصل الجهل، وبذر الشر (١). (أعظم الحياء: أعظم الحياء أن يستحي العبد من ربه_جل وعلا_وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإن العبد متى علم بنظره إليه، ومقامه عليه، وأنه بمرأى ومسمع منه، وكان حيياً استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه. (حديث ابن مسعود في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: استحيوا من الله تعالى حق الحياء، قلنا يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس و ما وعى والبطن و ما حوى وتذكر الموت و البِلى و من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء. (ومن الحياء الحياءُ من الناس بترك المجاهرة بالقبيح أمامهم. ومن الحياء أيضاً حياء الإنسان من نفسه بأن لا يرضى لها بمراتب الدون، وهذا حياء أهل النفوس الأبية. ولئن كان الحياء جبلياً فإنه يزيد ويتأتى بالأخذ بالأسباب، ومن ذلك مطالعة أخلاق الكمل، واستحضار مراقبة الله؛ فمن ذلك يتولد الحياء؛ إذ كيف يتقلب في نعمه ويستعين بها على معصيته؟ فإذا شعر العاقل بذلك استحيى من الله. ومن ذلك تذكر الآثار الطيبة للحياء، والآثار القبيحة للقحة والصفاقة. ومن ذلك مجاهدة النفس، وتدريبها على اكتساب الحياء.

стр. 2758

فإذا اتصف المرء بالحياء قرب من الكمال، ونأى بنفسه عن النقائص (١). (١٩) النفس وزكاؤها وأنفتها وحميتها: فذلك يوجب أن تنأى عن الأسباب التي تحطها، وتضع قدرها، وتحفض منزلتها، وتحقرها، وتسوي بينها وبين السفلة (٢). وإنما تعلو قيمة المرء، وتسمو مكانته بقدر نصيبه من بُعد الهمة، وشرف النفس. وإذا علمت نفسٌ طاب عنصرها، وشرُف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية، وحياة وراء حياتها الطبيعية لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه. بل لا تستفيق جهدها، ولا يطمئن بها قرارها إلا إذا بلغت مجداً يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء ولا ريب أن أعلى المطالب، وأشرف المكاسب ا كان لله، وفي سبيل الله. فأين هذا الذي يطلق العنان لشهواته، ويرسف في أغلال رغائبه ولذاته من الإمام الشافعي إذ يقول: لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته (٣). فشريف النفس يأبى أن يملك رقَّه شيء، خصوصاً ما كان في أمر العشق والتعلق؛ فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من هذه البلية؛ فإن ذا الهمة يأنف الذل، وما زال الهوى يذل أهل العز (٤). قال الأعشى: أرى سفهاً للمرء تعليق قلبه ... بغانية خود متى تدنُ تبعد (٥) وقال أبو فراس الحمداني مفتخراً بشرف نفسه، وعلو همته، عائباً على من سفلت همته، واسترقه هواه: لقد ضلَّ من تحوي هواه خَريدة ... وقد ذل من تقضي عليه كعابُ ولكنني والحمد لله حازم ... أعز إذا ذلت لهن رقابُ ولا تملك الحسناء قلبي كلَّه ... ولو شمَّلَتها رقةٌ وشبابُ (٦) وهذا أبو علي الشبل يقول: وآنف أن تعتاق قلبي خريدةٌ ... بلحظ وأن يروى صداي رضاب وللقلب مني زاجر من مروءة ... يجنِّبه طُرْق الهوى فيجاب (٧) وهذا منصور الهروي يقول: خُلِقْتُ أبيَّ النفس لا أتبع الهوى ... ولا أستقي إلا من المشرب الأصفى ولا أحمل الأثقال في طلب العلا ... ولا أبتغي معروف من سامني خسفاًَََ ولا أتحرى العزَّ فيما يُذلُّني ... ولا أخطب الأعمال كي لا أرى صرفا

стр. 2759

ولست على طبع الذباب متى يُذَدْ ... عن الشيء يسقط فيه وهو يرى الحتفا (١) فلا يكون إذاً من وراء الشهوة إلا إذلال النفس، وموت الشرف، والضعة والتسفل؛ أوليس من الذل أن تكون حياة الإنسان معلقة بغيره، وسعادته بيد سواه، فهو مضطر إليه، وهو لعبة في يديه، إن أقبل سعد، وإن أعرض شقي، وإن مال إلى غيره اسودت الدنيا في عينيه؟ هذا الله الصغار بعينه، وهذا هو الذل الذي لا ينفع معه المال الكثير، ولا الجاه العريض. أليست هذه هي حقيقة الحب والعشق الذي ألهه الشعراء؟ أليست هذه هي حال من غاية طموحه أن تواصله امرأة بكلمة أو إشارة، أو ما هو أعلى من ذلك؟ بلى، ولكن هل سيسعد بهذا؟ وهل يكفيه ذلك الوصال؟ لا، بل كل ما واصل واحدة زاده الوصال نهماً، كشارب الماء المالح لا يزداد إلا عطشاً. ولو أنه عرف من النساء آلافاً ثم رأى أخرى معرضة عنه لرغب فيها وحدها، وأحس من الألم لفقدها مثل الذي يحسه من لم يعرف امرأة قط. ثم هب أن الإنسان وجد منهن كل ما يريد، ووسعه السلطان والمال؛ فهل يسعه الجسد، وهل تقوى الصحة على حمل مطالب الشهوة، ودون ذلك تنهار أقوى الأجساد، وكم من رجال كانوا أعاجيب في القوة، فما هي إلا أن استجابوا لشهواتهم، وانقادوا إلى غرائزهم حتى أصبحوا حطاماً. وإن من عجائب حكمة الله أن جعل مع الفضيلة ثوابها؛ من الصحة والنشاط، وجعل مع الرذيلة عقابها؛ من الانحطاط والمرض. ولَرُبَّ رجلٍ ما جاوز الثلاثين يبدو مما جار على نفسه كابن ستين، وابن ستين يبدو من العفاف كشاب دون الثلاثين (٢). [*] (قال ابن المقفع رحمه الله تعالى: اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأقتلها للعقل، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار الغرامَ بالنساء. ومن البلاء على المغرم بهن أنه لا ينفك يأجم (٣) ما عنده، وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن. وإنما النساء أشباه، وما يتزين في العيون والقلوب من فضل مجهولات على معروفات باطل وخدعة، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن. وإنما المرتغب عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس كالمرتغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس.

стр. 2760

بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة أشد تفاضلاً وتفاوتاً مما في رحالهم من النساء (١). (وقال أيضاً: ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلُبِّه ورأيه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصور لها في قلبه الحسن والجمال حتى تعلق بها نفسُه من غير رؤية، ولا خبر مُخبر، ثم لعله يهجم منها على أدمِّ الدمامة، فلا يَعظُه ذلك، ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفاً بما لم يَذُقْ حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة لظن أن لها شأناً غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق، والشقاء، والسفه (٢). وبالجملة فشرف النفس وزكاؤها يقود إلى التسامي، والعفة؛ ذلك أن المرء بين عاطفة تخدعه، وشهوة تتغلب عليه؛ فمتى لم يجد من عقله سائساً، ومن دينه وازعاً يقاومان الضعف، ويصارعان الميول والأهواء وقع في الخطايا وانغمس في الشرور والرذائل. وإن قوي على عصيان الهوى، والشيطان، والنفس، والشهوة، وثبت في مواقف هذا الصراع الهائل كان في عداد المجاهدين، وترتب على انتصاره وفوزه جميع المكارم والفضائل التي تنتهي به إلى خيري الدنيا والآخرة؛ فمن شرف النفس أن يأنف الإنسان لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه؛ فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعفَ عزيمةٍ وهمةٍ، وميلاً إلى هواه طمع فيه، وصرعه، وألجمه بلجام الهوى، وساقه حيث أراد. ومتى أحس منه بقوة عزم، وشرف نفس، وعلو همة لم يطمع فيه إلا اختلاساً وسرقة؛ فأغزر الناس مروءة أشدهم مخالفة لهواه (٣). (٢٠) عرض الحال على من يعين: فمن الأدوية الناجحة النافعة أن يعرض المبتلى حاله على أهل العلم، والدعوة، والإصلاح، والتربية؛ فإنه سيجد بإذن الله تعالى منهم إعانة على البر، ودلالة على الخير، وإجابة عن الأسئلة، وسعياً في حل المشكلات. (أخي الحبيب: هذه بعض الأمور التي تعين على التوبة فعض عليها بنواجذك، جعلني الله وإياك من التوابين. مسألة: ماذا لو أحسست بالفتور والضعف؟ الجواب: أن للفتور والضعف أدويةٌ نافعة منها ما يلي: أولاً: أخي عليك بسرعة طلب الغوث من الله تعالى فتدعوه سبحانه متضرعاً متذللاً أن لا يرفع عنك توفيقه وأن لا يكلك إلى نفسك طرفة عين.

стр. 2761

ثانياً: تفكر في أهوال يوم القيامة والقبور وتفكر في نعيم الجنة فسرعان ما يفتح الله عليك وتعود إلى ربك. ثالثاً: واظب أخي على محاسبة النفس. رابعاً: المحافظة على الأذكار مع حضور القلب وتدبره لمعانيها. خامساً: مجالسة الصالحين والعلماء العاملين فهو من أعظم أسباب رفع الهمة وإزالة الفتور. (أخطاء في باب التوبة: هناك أخطاء في باب التوبة يقع فيها كثير من الناس، وذلك ناتج عن الجهل بمفهوم التوبة، أو التفريط وقلة المبالاة، فمن تلك الأخطاء مايلي: (١) تسويف التوبة: فمن الناس من يدرك خطأه، ويعلم حرمة ما يقع فيه، ولكنه يؤجل التوبة، ويسوف فيها؛ فمنهم من يؤخرها إلى ما بعد الزواج، أو التخرج، ومنهم من يؤجلها ريثما تتقدم به السن، إلى غير ذلك من دواعي التأجيل. وهذا خطأ عظيم؛ لأن التوبة واجبة على الفور؛ فأوامر الله ورسوله"على الفور ما لم يقم دليل على جواز تأخيرها. بل إن تأخير التوبة ذنب يجب أن يستغفر منه. [*] (قال الغزالي ﵀: أما وجوبها على الفور فلا يُسْتراب فيه؛ إذ معرفة كون المعاصي مهلكاتٍ من نفس الإيمان، وهو واجب على الفور (١). [*] (وقال ابن القيم ﵀: المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها؛ فمتى أخّرها عصى بالتأخر، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة. وقلَّ أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة (٢). أخرج ابن أبي الدنيا في قصر الأمل عن عكرمة في قوله تعالى: (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) [سبأ: ٥٣] قال: إذا قيل لهم: توبوا، قالوا: سوف (٣). فعلى العبد أن يعجل بالتوبة؛ لوجوب ذلك؛ ولئلا تصير المعاصي راناً على قلبه، وطبعاً لا يقبل المحو، أو أن تعاجله المنية مصراً على ذنبه. ثم إنَّ تركَ المبادرة للتوبة مدعاة لصعوبتها، وسبب لفعل ذنوب أخرى. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

стр. 2762

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن العبد إذا أخطاء خطيئة نُكِتَت في قلبه نكته سوداء فإن هو نزع و استغفر و تاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه و هو الران الذي ذكر الله تعالى فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه (كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤]. وإذا زاد زادت حتى يغلف قلبه؛ فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤] (١). [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: يا بطَّال إلى كم تُؤخر التوبة وما أنت في التأخير معذور؟ إلى متى يقال عنك: مفتون مغرور؟ يا مسكين! قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور، أترى مقبول أنت أم مطرود؟ أترى مواصل أنت أم مهجور؟ أترى تركبُ النُّجبَ غداً أم أنت على وجهك مجرور؟ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب القصور (٢). (وقال أيضاً: ما هذه الغفلة وأنتم مستبصرون؟ ما هذه الرقدة وأنتم مستيقظون؟ كيف نسيتم الزاد وأنتم راحلون؟ كم آبَ مَنْ قبلكم ألا تتفكرون؟ أما رأيتم كيف نازَلهم نازل المنون؟ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (٣). (٢) الغفلة عن التوبة مما لا يعلمه العبد من ذنوبه: فكثير من الناس لا تخطر بباله هذه التوبة؛ فتراه يتوب من الذنوب التي يعلم أنه قد وقع فيها، ولا يظن بعد ذلك أن عليه ذنوباً غيرها. وهذا من الأخطاء التي تقع في باب التوبة، والتي قلَّ من يتفطن لها؛ فهناك ذنوب خفية، وهناك ذنوب يجهل العبد أنها ذنوب. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه، ومما لا يعلم؛ فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه.

стр. 2763

ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكناً من العلم؛ فإنه عاصٍ بترك العلم والعمل؛ فالمعصية في حقه أشد (١). ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديثُ ابن عباس في صحيحِ الجامع) أن النبي ﷺ قال: الشركُ في أمتي أخفى من دبيبِ النملِ على الصفا. (حديث معقل بن يسار ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) قال: انطلقت مع أبي بكر الصديق ﵁ إلى النبي ﷺ . فقال: "يا أبا بكر! للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل". فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟ فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟ ". قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم". (فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب، ومما لا يعلمه العبد. ولذا كان يدعو في صلاته: اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ إنك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت كما في الحديث الآتي: (حديث عليٍّ الثابت في صحيح مسلم) قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. وكذلك قوله ﷺ : اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسره. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: "" اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره. فهذا التعميم، وهذا الشمول؛ لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه، وما لم يعلمه (٢). (٣) ترك التوبة مخافة الرجوع للذنوب: فمن الناس من يرغب في التوبة، ولكنه لا يبادر إليها؛ مخافة أن يعاود الذنب مرة أخرى. وهذا خطأ؛ فعلى العبد أن يتوب إلى الله، فلربما أدركه الأجل وهو لم ينقض توبته. كما عليه أن يحسن ظنه بربه جل وعلا ويعلم أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه، وأنه تعالى عند ظن عبده به.

стр. 2764

(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً. ثم إن على التائب إذا عاد إلى الذنب أن يجدد التوبة مرة أخرى وهكذا ... (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال فيما يحكي عن ربه : أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال ﵎ عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك. [*] (قال النووي رحمه الله تعالى في معنى الحديث: قوله للذي تكرر ذنبه: اعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك، معناه: ما دمت تذنب، ثم تتوب غفرت لك (١). (٤) ترك التوبة خوفاً من لمز الناس: فمن الناس من تحدثه نفسه بالتوبة، ولزوم الاستقامة، ولكنه يخشى لمز بعض الناس، وعيبهم إياه، ووصمهم له بالتشدد والوسوسة، ونحو ذلك مما يُرمى به بعض من يستقيم على أمر الله، حيث يرميه بعض الجهلة بذلك؛ فَيُقْصُر عن التوبة؛ خوفاً من اللمز والعيب. وهذا خطأ فادح؛ إذ كيف يُقَدِّم خوف الناس على خوف رب الناس؟ وكيف يؤثر الخلق على الحق؟ فالله أحق أن يخشاه. ثم إن ما يرمى به إذا هو تاب إنما هو ابتلاء وامتحان، ليمتحن أصادق هو أم كاذب؛ فإذا صبر في بداية الأمر هان عليه ما يقال له، وإن حسنت توبته، واستمر على الاستقامة أجلَّه من يُعَيّره، وربما اقتدى به. أضف إلى ذلك أن الإنسان سيذهب إلى قبره وحيداً، وسيحشر إلى ربه وحيداً؛ فماذا سينفعه فلان وفلان ممن يثبطونه؟. (٦) ترك التوبة مخافة سقوط المنزلة وذهاب الجاه والشهرة: فقد يكون لشخص ما منزلة، وحظوة، وجاه، فلا تطاوعه نفسه على إفساد ذلك بالتوب، كما قال أبو نواس لأبي العتاهية، وقد لامه على تَهَتُّكه في المعاصي: أتراني يا عتاهي ... تاركاً تلك الملاهي أتراني مفسداً بالنـ ... سك عند القوم جاهي (٢)

стр. 2765

وقد يكون للإنسان شهرة أدبية، أو مكانة اجتماعية، فكلما هَمَّ بالرجوع عن بعض آرائه المخالفة للشريعة أقصر عن ذلك؛ مخافة ذهاب الجاه والشهرة، وحرصاً على أن يبقى احترامه في نفوس أصحابه غير منقوص. ولا ريب أن ذلك نقص في شجاعة الإنسان ومروءته، بل إن ذلك نقص في عقله، وعلمه، وأمانته. وإلا فالكريم الشجاع الشهم هو ذلك الذي يرجع عن خطئه، ولا يتمادى في غيه وباطله. وذلك مما يرفعه عند الله وعند خلقه؛ فلماذا يستوحش من الرجوع إلى الحق؟ فمقتضى الدين، والأمانة، والمروءة أن يصدع بما استبان له من الحق، وألا يمنعه من الجهر بذلك أن ينسب إلى سوء النظر فيما رآه سالفا ً؛ فما هو إلا بشر، وما كان لبشر أن يبرأ نفسه من الخطأ، ويدَّعيَ أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صواباً. ثم إن الشهرة والجاه عرض زائل، وينتهي بنهاية الإنسان؛ فماذا ينفعه إذا هو قَدِمَ على ربه إلا ما قَدَّمَ من صالح عمله. ولقد أحسن من قال: تُساءلني هل في صِحابك شاعرٌ ... إذا متَّ قال الشعر وهو حزين فقلت لها: لا هَمَّ لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أُخراي كيف تكون وماالشعر بالمغني فتيلاً عن امرئ ... يلاقي جزاءًَ والجزاءُ مهين وإن أحْظَ بالرُّحْمى فمالي من هوى ... سواها وأهواء النفوس شجون فخلِّ فعولن فاعلاتن تقال في ... أناس لهم فوق التراب شؤون وإن شئتِ تأبيني فدعوة ساجدٍ ... لها بين أحناء الضلوع أنين (١) ومن هنا يتضح غُرَرِ الفوائد ودُرَرِ الفرائد من تحذير المسلم من حرصه على الشرف والمنزلة والجاه فإن ذلك يفسد دينه فساداً بليغاً أفسد من إرسال ذئبان جائعان على غنم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (ما) بمعنى ليس (ذئبان جائعان) صفة له وفي رواية عاديان والعادي الظالم المتجاوز للحد (أرسلا في غنم) الجملة في محل رفع صفة (بأفسد) خبر ما والباء زائدة أي أشد فساداً والضمير في (لها) للغنم واعتبر فيه الجنسية فلذا أنث وقوله

стр. 2766

(من حرص المرء على المال والشرف) عطف على المال والمراد به الجاه والمنصب (لدينه) اللام فيه للبيان، نحوها في قوله ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فكأنه قيل هنا بأفسد لأي شيء؟ قيل لدينه، ذكره الطيبي، (فمقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً [ص ٤٤٦] للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً، قال الحكيم: وضع اللّه الحرص في هذه الأمة ثم زمه في المؤمنين بزمام التوحيد واليقين وقطع علائق الحرص بنور السبحات فمن كان حظه من نور اليقين ونور السبحات أوفر كان وثاق حرصه أوثق والحرص يحتاجه الآدمي لكن بقدر معلوم وإذا لم يكن لحرصه وثاق وهبت رياحه استفزت النفس فتعدى القدر المحتاج إليه فأفسد وعرف بعضهم الحرص بأنه مدد القوة الموضوعة في الآدمي ومثيرها وعمادها. (٦) التمادي في الذنوب اعتماداً على سعة رحمة الله: فمن الناس من يسرف في المعاصي، فإذا زجر، وَلِيْمَ على ذلك قال: إن الله غفور رحيم، كما قال أحدهم: وكَثِّر ما استطعت من الخطايا ... إذا كان القدوم على كريم (١) ولا ريب أن هذا الصنيع سفه، وجهل، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المسيئين، المفرطين المعاندين، المصرين. ثم إن الله مع عفوه، وسعة رحمته شديد العقاب، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين. قال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) [الحجر: ٤٩] تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدماً ... منها إلى الدنيا بذنب واحد (٢)

стр. 2767

[*] (قال أبو حامد الغزالي ﵀ في شأن من يذنب، وينتظر العفو عنه؛ اتكالاً على فضل الله تعالى قال: وهو كمن ينفق جميع أمواله، ويترك نفسه وعياله فقراء، منتظراً من فضل الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة؛ فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان، وهو مثل من يتوقع النهب من الظَّلمة في بلده وترك ذخائر أمواله في صحن داره، وقدر على دفنها فلم يفعل، وقال: انتظر من فضل الله تعالى أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب؛ حتى لا يتفرغ إلى داري، أو إذا انتهى إلى داري مات على باب الدار؛ فإن الموت ممكن والغفلة ممكنة! وقد حكي في الأسمار أن مثل ذلك وقع؛ فأنا أنتظر من فضل الله مثله. فمنتظر هذا أمر ممكن، ولكنه في غاية الحماقة والجهل؛ إذ قد لا يمكن ولا يكون (١). ثم أين تعظيم الله في قلب هذا المتمادي؟ وأين الحياء منه ؟ [*] (قال مالك بن دينار: رأيت عتبة الغلام وهو في يوم شديد الحر، وهو يرشح عرقاً، فقلت له: ما الذي أوقفك في هذا الموضع؟ فقال: يا سيدي! هذا موضع عصيت الله فيه، وأنشد يقول: أتفرح بالذنوب وبالمعاصي ... وتنسى يوم يؤخذ بالنواصي وتأتي الذنب عمداً لا تبالي ... ورب العالمين عليك حاصي (٢) [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في شأن المتمادين في الذنوب اتكالاً على رحمة الله: وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص الرجاء واتكل عليها، وتعلق بكلتا يديه، وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته، ونصوص الرجاء. وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب+ (٣). ثم ساق أمثلة عديدة لما جاء عن أولئك. (ثم قال بعد ذلك: وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما على انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتَّى إحسان الظن. فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستندُ حُسن الظن سعة مغفرة الله، ورحمته، وعفوه، وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو_قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك أجلُّ، وأكرم، وأجود، وأرحم.

стр. 2768

وإنما يضع ذلك في محله اللائق به؛ فإنه سبحانه موصوف بالحكمة، والعزة، والانتقام، وشدة البطش، وعقوبة من يستحق؛ فلو كان مُعَوَّل حسن الظن على صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه؛ فما ينفع المجرمَ أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للَعْنَته، ووقع في محارمه، وانتهك حرماته؟! بل حسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حَسَّن الظن بعدها؛ فهذا هو حسن الظن، والأول غرور والله المستعان (١). (٧) الاغترار بإمهال الله للمسيئين: فمن الناس من يسرف على نفسه بالمعاصي؛ فإذا نصح عنها، وحُذِّر من عاقبتها قال: ما بالنا نرى أقواماً قد امتلأت فجاجُ الأرض بمفاسدهم، ومباذلهم، وظلمهم، وقتلهم الأنفس بغير الحق، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأكلهم الربا وقد نهوا عنه، ومع ذلك نراهم وقد درت عليهم الأرزاق، وأنسئت لهم الآجال، وهم يعيشون في رغد ونعيم بعيد المنال؟. ولا ريب أن هذا القول لا يصدر إلا من جاهل بالله، وبسننه . ويقال لهذا وأمثاله: رويدك، رويدك؛ فالله يعطي الدنيا لمن أحب، ولمن لا يحب؛ وهؤلاء المذكورون مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون؛ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ فما الذي هم فيه من النعيم إلا استدراج، وإمهال، وإملاء من الله حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر (٢). وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢] (حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيمٌ على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج.

стр. 2769

[*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: فكل ظالم معاقبٌ في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنبٍ ذنباً، وهو معنى قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء: ١٢٣] وربما رأى العاصي سلامة بدنه؛ فظن أن لا عقوبة، وغفلتُه عما عوقب به عقوبة. وقد قال بعض الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة، وربما كان العقاب العاجل معنويَّاً، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب! كم أعصيك، ولا تعاقبني! فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري؟! أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟ (١). [*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي؛ فإن نارها تحت الرماد، وربما تأخرت العقوبة، وربما جاءت مستعجلة (٢). (وقال: قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلم، والعاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة؛ فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل. وأسرع المعاصي عقوبة ما خلا عن لذة تنسي النُّهى، فتكون كالمعاندة والمبارزة، فإن كانت توجب اعتراضاً على الخالق، أو منازعة له في عظمته، فتلك التي لا تُتلافى، خصوصاً إذا وقعت من عارف بالله؛ فإنه يندر إهماله (٣). وقال: =فالحذر الحذر من عواقب الخطايا، والبدار البدار إلى محوها بالإنابة؛ فإن لها تأثيراتٍ قبيحةً إن أسْرَعَتْ، وإلا اجتمعتْ وجاءتْ (٤). يا من غدا في الغي والتيه ... وغره طول تماديه أملى لك الله فبارزته ... ولم تخف غِبَّ معاصيه (٥) (٨) اليأس من رحمة الله: فمن الناس من إذا أسرف على نفسه بالمعاصي، أو تاب مرة أو أكثر فعاد إلى الذنب مرة أخرى أيس من رحمة الله، وظن أنه ممن كتب عليهم الشقاوة؛ فاستمر في الذنوب، وترك التوبة إلى غير رجعة. وهذا ذنب عظيم، وقد يكون أعظم من مجرد الذنب الأول الذي ارتكبه؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون؛ فليجدد التوبة، وليجاهد نفسه في ذات الله حتى يأتيه اليقين. هذا وقد مر قبل قليل أن الله حذر من القنوط من رحمته، ومر كلام بعض السلف حول هذا المعنى. قال تعالى: (إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رّوْحِ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: ٨٧] [*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره: فإنه لا يقطع الرجاء، ويقطع الإياس من الله إلا القوم الكافرون.

стр. 2770

(حديث ابن عباس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: الكبائر: الشرك بالله و الإياس من روح الله و القنوط من رحمة الله. (٩) اليأس من توبة العصاة: فمن الناس من يكون فيه خير ونصح وحب للإصلاح، فتراه يحرص على دعوة العصاة أياً كانت معاصيهم، فإذا رأى من أحدهم إعراضاً عن النصح، وصدوداً عن الخير، وتمادياً في الغواية_أيس من هدايته، وأقصر عن نصحه، وربما جزم بأن الله لن يغفر له، ولن يهديه سواء السبيل. وهذا الصنيع لا يصدر من ذي علم وبصيرة وحكمة؛ فمن ذا الذي أخبر هذا بأن الله لن يغفر لذلك العاصي؟ وما الذي سوغ له أن يحجر رحمة الله . وقد حذر النبي من ذلك بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث جندب بن عبد الله ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علىَّ أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك) (ومعنى يتألى عليَّ: أي يقسم ويحلف. ثم كم من الناس من يتمادون في الغواية والإجرام، حتى يُظنَّ أنهم يموتون على ذلك، ثم يتداركهم الرحمن الرحيم بنفحة من نفحاته، فإذا هم من الأبرار الأخيار. (١٠) الشماتة بالمُبْتَلَينَ: فمن الناس هداه الله من إذا رأى مبتلى بمعصية من المعاصي، أو رأى أبناء فلان من الناس قد أسرفوا على أنفسهم أخذ يشمت بهم، وينتقصهم، ويذمهم. وما هذا المسلك برشيد؛ إذ هو من الغيبة المحرمة، ومن تزكية النفس بذم الآخرين. ويخشى على من كانت هذه حاله أن يبتلى بمثل ما ابتلي به من سخر منهم. فاللائق بالمسلم أن يكون أرجى الناس للناس، وأخوف الناس على نفسه. وإذا رأى مبتلى أو سمع به أن يسأل ربه العافية، وأن يحمده حيث عافاه. [*] (قال ابن مسعود ﵁:لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوَّل كلباً (١). [*] (وقال أبو حازم سلمة بن دينار: أفضل خصلة ترجى للمؤمن أن يكون أشد الناس خوفاً على نفسه، وأرجاه لكل مسلم (٢). (١١) الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي وترك الطاعات: فهناك من يحتج بالقدر على معائبه وذنوبه، فيحتج بالقدر على ترك الطاعات، وفعل المحرمات. فإذا قيل له على سبيل المثال: لمَ لا تصلي؟ قال: ما أراد الله لي ذلك، وإذا قيل له: متى ستتوب؟ قال: إذا أراد الله ذلك.
следующие страницы →