← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

لقد نلت كل ذلك، وما زال كل ذلك في متناول يدي، ولكن هل يعني هذا حقاً أنني سعيد؟ لا أعتقد ذلك، نعم لقد كانت حياتي خصبة مليئة كما قلت ولربما لم يعرف مثلها إلا القليل من الناس، لقد عرفت السراء والضراء، ولعل الضراء رجحت على السراء، وعانيت لحظات في غاية الشدة، ومرت بي فترات في أقصى درجات الضيق، ومرت بي أوقات كنت أشعر فيها بأنني في منتهي العزلة، وعرفت الحداد والأحزان، والنادر من الفرح، والقليل من السعادة، لقد عرفت كل ما يمكن أن يعرفه كائن بشري: الجوع، والعطش، والإذلال، والهزيمة، والنادر من اليسار والبحبوحة، والقليل من السلام والراحة والابتهاج. (إلى أن قال: إن حياتي الخاصة والعائلية غير منظمة؛ فأعباء الدولة تحول بيني وبين أن أكون لهذه الكائنات الإنسانية العزيزة الغالية بالقدر الذي أرغب وأتوق إليه، وطالما اضطررت أن أخيب آمالهم في الوقت الذي ينتظرونني فيه؛ لتناول طعام الغداء معي، فأحتبس نفسي مع زائر أجنبي، أو سياسي أردني، ثم في حوالي الساعة الرابعة أو الخامسة بعد الظهر أطلب إحضار بعض الشطائر لآكلها وأنا منهمك في عملي. أما في المساء فإنني أغادر مائدة العمل في الساعة الثامنة أو التاسعة، ويكون أولادي عندها قد استسلموا إلى الرقاد، وتبقى في انتظاري زوجتي وأولادي ليمنحوني الحرارة التي افتقدتها، والتي أشعر بأنني في مسيس الحاجة إليها (١). ثم إن المنصب قد يكون سبباً في هلاك صاحبه، أو تشرده، وشماتة الأعداء به؛ فها هو شاه إيران الذي كان يتبختر كالطاووس كبراً وتيهاً، والذي كان يتقلب في الترف والنعيم، والذي أقام حفلاً ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد من ذلك مسخ الإسلام، وبسط سلطانه على الخليج، ومن ثم العالم العربي؛ ليلتقي مع اليهود، كيف كانت نهايته؟ لقد أزيح عن سلطانه، وجُرد من كافة امتيازاته، وبعد ذلك تشرد، وطرد، ولم يجد بلداً يؤيه، وظل على هذه الحال حتى مات شريداً طريداً بعيداً عن وطنه بعد أن أضناه الهم، وفتك به السرطان. أما أولاده، وأهله، وحاشيته فقد أصبحوا شذر مذر، متفرقين في عدة قارات!!. وهذا رئيس الفلبين السابق فيرديناند ماركوس الذي بلغ الغاية في الترف، والنعيم، والتجبر؛ ماذا كانت نهايته؟.

стр. 2837

لقد أذاقه الله ألواناً من العذاب، والتعاسة، والشقاء؛ حيث انقلبت حاله رأساً على عقب؛ حيث سلب منه منصبه، وتنكر له أسياده، وأصحابه، فصار شريداً طريداً لا يملك الرجوع إلي بلده الذي كان يتربع على عرشه، حتى إذا جاءته الوفاة لم يستطع الحصول على أشبار قليلة في بلده؛ ليوارى فيها بعد موته (١). وقبل أولئك ماذا كان من أمر زعيم النازية أدولف هتلر؟ ذلك المستبد العاتي المتجبر، الذي كان يهذي ويحلم بإنشاء امبراطورية تضم جميع أنحاء العالم، والذي تسبب في مقتل خمسٍ وثلاثين مليوناً في سبيل الوصول إلى غايته المنشودة، والذي كان يزهو بنفسه ويتلاعب بعواطف الجماهير، ويحركها كيف يشاء، والذي كاد أن يسيطر على العالم في أوائل العقد الخامس من القرن العشرين الميلادي؛ فماذا كانت حياته؟ وكيف كانت نهايته؟ أما حياته فقد كانت مزيجاً من الشقاء، والمرض، والحرمان العاطفي، والألم العقلي. وتفاصيل حياته غريبة ومثيرة، وليس هذا مجال بسطها (٢). أما نهايته فكانت في ٣٠ نيسان أبريل عام ١٩٤٥م، عندما أطلق الرصاص على نفسه؛ خوفاً من سقوطه على أيدى الحلفاء، وتوفي وعمره ٥٦ سنة، وقبل أن يقدم على الانتحار وفي أيامه الأخيرة مرت به لحظات حرجة مريرة. يقول (ألبرت سبير) وزير التسليح في حكومة هتلر النازية عن تلك الأيام: في الأسابيع الأخيرة من حياته بدا هتلر منهاراً، وقد سحقته قسوة الأحداث التي قهرته تدريجياً خلال السنوات السابقة، كذلك أصبح أكثر تقبلاً وتحملاً للمعارضة (٣). ويقول: كان هتلر في هذه اللحظات يعطي الانطباع بأنه رجل تحطمت كافة أهدافه وآماله، رجل أصبح يدور في مداره الراسخ بسبب الطاقة المخزونة في داخله فقط. بل إنه كان في الواقع قد تخلى عن كل سلطاته، واستسلم لما قد يأتي به القدر. وكان في ذلك الوقت يذوي ويذبل مثل رجل عجوز، كانت شفتاه ترتجفان، وكان يسير منحنياً، ويجر ساقيه جراً، حتى صوته أصبح متهدجاً، وفقد براعته، واستبداديته القديمة، وقد اختفت قوة صوته، ليحل محلها صوت متلعثم بلا أيَّة نبرة مميزة، وكانت لا تزال تنتابه نوبات من العناد، لكنها نوبات عناد مؤقتة وعابرة.

стр. 2838

وقد أصبح مظهره العام شاحباً، ووجهه متورماً، وملابسه التي كانت تبدو أنيقة في الماضي أصبحت عرضة للإهمال في فترة حياته الأخيرة، وقد لُطِّخت ببقايا الطعام الذي كان يتناوله بيد مرتعشة (١). وبعد هذا كله أقدم على الانتحارـ كما مر قبل قليل ـ فذهب غير مأسوف عليه، بل كلما ذكر ذكر معه الإجرام، والتسلط، والجبروت. خامساً: حال أهل الرياضة مع السعادة: الرياضة ـ وخصوصاً كرة القدم ـ معشوقة الجماهير، ومحط أنظارهم. ونجوم الرياضة لهم القدْحُ المعلى من الشهرة وبُعْد الصيت في هذا العصر. وكثير من الناس يظن أن نجوم الرياضة أسعد الناس؛ لما ينعمون به من الشهرة، وحب الجماهير، وربما طغيان الغنى. والحقيقة المُبْصَرَةُ تقول غير هذا؛ فلو كشفت عن سالفة هؤلاء، وتبينت حقيقة أمرهم لعلمت أنهم في واد والسعادة الحقة في واد؛ ولأدركت أن ما هم فيه من إظهار للسرور والبهجة أنها سعادة عابرة مؤقتة تخفي وراءها الآلام، والمتاعب والأتراح؛ ذلك أن اللاعب ينتقل من معسكر إلى معسكر، ومن استعداد لمباراة إلى استعداد لأخرى، ومن سفر إلى بلد إلى سفر آخر. وهذه إصابة تقض مضجعه وتؤرق جفنه، وتلك صحافة تقذع في نقده، وتبالغ في سبه، أو التعريض به، وهذه اضطرابات تصيبه قبل كل مباراة، وتلك كآبة تخيم عليه عند كل هزيمة، وذلك جمهور لا يرحمه إذا لم يقم بدوره كما ينبغي، وهؤلاء حسدة يكيدون له ويتربصون به الدوائر، وذاك خوف وقلق من فقدان مكانته. ثم ما حال ذلك النجم اللامع إذا انخفض مستواه، وما حاله إذا اعتزل أو اضطر إلى ذلك؟ إنه يلاقي كل كنود وجحود حتى من أقرب الأقربين إليه. ثم كم يحرم من الأنس بأهله؟ وكم يحرم أهله منه؟ إذاً فليست السعادة عند هؤلاء، وإن تظاهروا بها، وظن بعض الناس أنهم أحقُّ الناس وأهلُها، وإن كانوا_أيضاً_متفاوتين في الشقاء وقلة السعادة. ولنأخذ مثالاً واحداً على مدى ما يعانيه نجوم الرياضة؛ ألا وهو اللاعب الأرجنتيني دييجو مارادونا الذي يعد أشهر لاعب في تاريخ كرة القدم العالمية تقريباً؛ فما حال ذلك الإنسان مع السعادة؟

стр. 2839

إنه مع شهرته وغناه قطعة من التعاسة والضياع، فمنذ أن تسلطت عليه الأضواء وهو ينتقل من شقاء إلى شقاء؛ فلقد كان يلعب في ناديه بوكاجونيورز الأرجنتيني، ثم انتقل إلى نادي برشلونة الأسباني، وهناك أصيب إصابة بالغة نغَّصت عليه حياته، واستمر علاجه مدة طويلة، ثم انتقل بعد ذلك إلى نادي نابولي الإيطالي، وبعد ذلك توالت عليه المشكلات والإصابات، وصار خلاف بينه وبين عشيقته، ثم لجأ إلى المخدرات، وترك الرياضة، ثم رجع إليها مرة أخرى، وفي إحدى مباريات كأس العالم اكتشف أنه قد تعاطى المنشطات فحرم من اللعب، وها هو إلى يومنا هذا من هوة إلى هوة. والأمثلة من هذا القبيل كثيرة، والمجال لا يتسع لأكثر من ذلك. سادساً: حال المجتمعات البعيدة عن الله مع السعادة: هناك من يرى أن السعادة لا تتحقق إلا بإتباع النفوس هواها، وإرسالها مع كافة رغائبها وشهواتها؛ بحيث لا يبقى عليها حسيب ولا رقيب، ولا يقف في طريقها دين، أو عرف، أو نحو ذلك؛ فهذا سر السعادة، وتلك جنة الفردوس عند أولئك. ولهذا ترى نفراً غير قليل من هؤلاء يدعو إلى الإباحية، وإلى فتح أبواب الحرية؛ لتتخلص المجتمعات من كبتها وعقدها، ولتنعم بالسعادة كما يزعمون! فهل هذا الكلام صحيح؟ وهل تلك المجتمعات الكافرة تنعم بالسعادة حقاً؟ والجواب ما تراه وتسمعه؛ فها هي أمم الكفر قد فتحت أبواب الحرية على مصاريعها؛ فلم يَعُدْ يَرْدَعُها دين، أو يَزُمُّها ورعٌ، أو يحميها حياء؛ فمن كفر وإلحاد إلى مجون، وخلاعة وإباحية مطلقة، ومن خمور ومخدرات إلى زناً، ولواط، وشذوذ بكافة أنواعه مما يخطر بالبال، ومما لا يخطر؛ فكيف تعيش تلك الأمم؟ وهل وصلت للسعادة المنشودة؟ والجواب: لا؛ فما زادهم ذلك إلا شقاء وحسرة؛ فسنة الله في الأمم هي سنته في الأفراد؛ فمتى أعرضت عن دينه القويم أصابها ما أصابها بقدر بعدها وإعراضها. ولهذا تعيش تلك الأمم حياة شقية تعيسة صعبة معقدة؛ حيث يشيع فيها القلق، والاضطراب، والتفكك، والقتل، والسرقة، والشذوذ، والاغتصاب، والمخدرات، وأمراض الجنس، وتفقد فيها الطمأنينة، والراحة، والمحبة، والبر، والصلة، والتعاطف، والتكافل إلى غير ذلك من المعاني الجميلة. قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: ١٢٤]

стр. 2840

كيف تسعد تلك الأمم وفي داخل كل إنسان منها أسئلة محيرة؟ من خلق الحياة؟ وما بدايتها؟ وما نهايتها؟ وما سر تلك الروح التي لو خرجت لأصبح الإنسان جماداً؟ إن هذه الأسئلة قد تهدأ في بعض الأحيان؛ بسبب مشاغل الحياة، ولكنها لا تلبث أن تعود مرة أخرى. وكيف لا تحرم تلك الأمم السعادة وهي تعيش بلا دين يزكي نفوسها، ويضبط عواطفها، ويردعها عن التمادي في باطلها، ويسد جوعتها بالتوجه إلى فاطرها؟ إن الكنيسة بتعاليمها المحرفة لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الماضية بدقة ووضوح، ولا تملك منهجاً يزكي النفوس، ويقنع العقول، وتسير عليه أمور الناس بانتظام. ولقد زاد هذا الأمر ضراوة بعد أن تراجعت الكنيسة أمام ضربات الإلحاد. فما أغنت الحرية المزعومة والإباحية المطلقة عن تلك المجتمعات فتيلاً أو قطميراً، ولا جلبت لها السعادة الحقة، ولا الحياة الكريمة. ولهذا يبحث الناس هناك عما يريحهم من هذا العناء والشقاء؛ فمنهم من يلجأ إلى المخدرات والمهدئات التي تضاعف البلاء، وتزيد في الشقاء (١). ومنهم من يروي غليله بالشذوذ الجنسي، حتى يفقد إنسانيته وصحته؛ ويكون عرضة للإصابة بأمراض الشذوذ المتنوعة كالزهري (٢)،

стр. 2841

والسيلان (١)، والهربس (٢)،

стр. 2842

والإيدز (١)،

стр. 2843

وما يسمى بـ =فيروس الحب (١)، وما يصاحب هذه الأمراض من ضيق وتكدر. ومنهم من يروي غلته بالسطو، والسرقة؛ حتى إن الناس هناك لا يكادون يأمنون على أموالهم، وممتلكاتهم؛ بل لقد أصبحت السرقة تعتمد على الدراسة والتكنولوجيا الحديثة؛ المجهزة بأحدث الوسائل والأساليب، القائمة على أحدث المبتكرات والتخطيط لكل عملية سطو (٢). ومنهم من يسلك طريق القتل ليتشفى من المجتمع، ويطفىء نار حقده، فتراه يتحين الفرص، وينتهز الغرة؛ ليهجم على ضحية يفقدها الحياة، ثم يبحث عن ضحية أخرى، بل لقد أصبح القتل عند بعضهم متعة، ونوعاً من اللذة، وكثيراً ما يكون القتل لأتفه الأسباب، حتى إن الواحد قد يقتل أقرب الأقربين (٣)

стр. 2844

إليه. ومنهم من يبلغ به الشقاء والهم غايته؛ فلا يجد ما يسعده، أو يريحه من همومه وغمومه، ولا يرى ما ينفس به كربته، أو يعينه على تحمل أعباء حياته؛ فيلجأ حينئذ إلى الانتحار؛ رغبة في التخلص من الحياة بالكلية. ولقد أصبح الانتحار سمة بارزة في تلك المجتمعات، وصارت نسبته تتزايد وتهدد الحضارة الغربية بأكملها. ولقد أقلق كثرة الانتحار علماء الاجتماع في تلك البلاد؛ حيث أصبح عدد المنتحرين يفوق عدد القتلى في الحروب، وفي حوادث السيارات. أما طرق الانتحار فتأخذ أساليب متنوعة؛ فهذا ينتحر بالغرق، وذاك بالحرق، وهذا بابتلاع السموم، وذاك بالشنق، وهذا بإطلاق الرصاص على نفسه، وذاك بالتردي من شاهق، وهكذا (١). أما أسباب الانتحار فمعظمها تافهة حقيرة، لا تستدعي سوى التغافل، وغض الطرف عنها؛ فهذا ينتحر بسبب الإخفاق في امتحان الدراسة أو الوظيفة، وذاك بسبب وفاة المطرب الذي يحبه، أو هزيمة الفريق الذي يميل إليه، وهذا ينتحر بسبب وفاة عشيقته، وهذه تنتحر بسبب تخلي عشيقها عنها، بل ومنهم من انتحر بعدما توفي كلبه كما فعل (جاك أشورت) وكان عمره ٤٦ سنة (٢). بل إن هناك من ينتحر بلا سبب ظاهر، ويبقى السبب الأول للانتحار وهو الكفر بالله، وما يستتبعه من الضنك، والشدة، وقلة التفكير في المصير.

стр. 2845

والغريب في الأمر أن نسبة كبيرة من المنتحرين ليسوا من الفقراء؛ حتى يقال: إنهم انتحروا بسبب قلة ذات اليد، وإنما هم من الطبقات المغرقة في النعيم والبعيدة الصيت والشهرة، والرفيعة الجاه والمنصب، بل وينتشر في طبقات المثقفين (١). ومما يلفت النظر أن أشد البلاد انحلالاً أكثرها انتحاراً (٢).

стр. 2846

ومن الأشياء التي استحدثوها لمحاربة التخفيف من الانتحارات المتزايدة_إنشاء مركز يتلقى مكالمات المقدمين على الانتحار، أو من لديهم مشكلة عاطفية، أو الذين يعانون من ضيق الصدر. وهذه الخدمات تقدم ليلاً ونهاراً وبالمجان (١). والعجيب في الأمر أن يكون للانتحار مؤيدون وأنصار، حيث تكونت في بريطانيا جمعية للمنتحرين، وأصدرت كُتَيِّباً وأخذت توزعه على أعضائها الذين يحبذون ويؤيدون حق المرضى بالانتحار عندما يتألمون، وعندما يقرر الطبيب أن حالتهم ميؤوس منها. وقد نَص الكتيب على الوسائل السريعة والفعالة وغير المؤلمة التي يمكن أن تساعد الساعين إلى الانتحار على تنفيذ رغبتهم! (٢). فلماذا ينتحر هؤلاء؟ ولماذا يستبد بهم الألم، ويذهب بهم كل مذهب؟ والجواب: أنهم فقدوا السبب الأعظم للسعادة، ألا وهو الإيمان بالله_عز وجل_فلم تغن عنهم حريتهم شيئاً، ولم يجدوا ما يطفىء لفح الحياة وهجيرها وصخبها؛ فلا يكادون يحتملون أدنى مصيبة تنزل بهم (٣).

стр. 2847

فهل اطلع على تلك الحال من يريدون أن تكون بلاد الإسلام كتلك البلاد تهتكاً، وتوقحاً، ودعارة، وفساداً؟ وهل يريدون أن يكون مصير بلاد الإسلام كذلك المصير؟ إن كانوا لم يطلعوا فتلك مصيبة، وإن كانوا مطلعين فالمصيبة أعظم. (تنبيه حول معنى السعادة: وبعد أن تبين من خلال ما مضى حال أكثر الناس مع السعادة فهل يعني ذلك أن يتخلى الناس عن دنياهم، وجميع ملذاتهم، ووجاهاتهم، ورياساتهم؟ وهل يفهم من ذلك أن يعيش الواحد منهم مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق؟ والجواب: لا؛ ليس الأمر كذلك؛ فلا بد للناس من دنياهم؛ فالإسلام أَذِنَ في اكتساب الأموال، وحث على العمل، ونعى البطالة، ولم يَحْرم الناس أن يستمتعوا بحياتهم، وأن يروحوا الخاطر بنعيمها؛ شريطة الاقتصاد. قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢] وقال في الآية التي قبلها: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: ٣١] فلا ينافي السعادة أن يستمتع الإنسان بما أباح الله له، وليس من شرط السعادة أن يتخلى الإنسان عن جميع شهواته. وليس من شرطها كذلك أن يتخلى الإنسان عن دينه، ويطلق العنان لنزواته وشهواته. بل إن شرط السعادة الأعظم أن يكون الإنسان متمسكاً بدينه، عاضاً عليه بالنواجذ؛ فذلك سر السعادة، وينبوعها الأعظم. وحينئذ تكون الشهرة، والمال، والجاه، والرياسة أسباباً للسعادة، ومكملات لها؛ لأنها اعتمدت على ركن ثابت لا يتغير، ولا يحول؛ فلا يُلَامُ الإنسان بعد ذلك أن يكون ذا شهرة، أو مال، أو وجاهة أو رياسة. وإذا اطلعت على أثر يقتضي البعد عن الوجاهة فإنه مصروف إلى الحرص في طلبها، والتصنع لإحراز سمعة في المجامع الحافلة، والبلاد القاصية. أما إذا اندفعت همة الرجل إلى المكارم؛ بجاذب ابتغاء الفضيلة، وطفق ذكره يتسع على حسب مساعيه الحميدة فذلك خير من العزلة، والاختباء في زوايا الخمول. بل لا يُلَامُ الإنسان إذا سعى للرياسة إذا كان يرى من نفسه الكفاءة والقدرة، ولا يريد أن يتخذ من رياسته حبالة لا يتعدى نفعها إلى الأمة، وإنما يريد نشر الخير، وبسط العدل، ورفع الظلم؛ فذلك موعود بالتسديد والإعانة في الدنيا، وبالإظلال في ظل عرش الرحمن في الآخرة يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 2848

ثم إن الآيات الواردةَ في سياق التزهيد والحط من متاع الحياة الدنيا لا يقصد منها ترغيب الإنسان ليعيش مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق. وإنما يقصد منها حِكَمٌ أخرى، كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، ومنْ قَصُرت أيديهم عن تناولها، لئلا تضيق صدورهم على آثارها أسفاً. ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشَّرَه والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتَطَوَّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة؛ فاستصغار متاع الدنيا، وتحقير لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبرُ بهممهم عن جعلها قبلة يولون وجوههم شطرها أينما كانوا. ومتى عكف الإنسان على ملاذِّ الحياة، ولم يصْحُ قلبُه عن اللهو بزخارفها ماتت عواطفه، ونسي أو تناسى من أين تؤتى المكارم والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتها السافلة. وبالجملة فإن تقوى الله والإقبال عليه بالكلية هو أصل السعادة، وسرها، وكل سعادة بدون ذلك فهي مبتورة أو وهمية، وإن اجتمعت حولها أسباب السعادة الأخرى؛ فالسعادة ينبوع يتفجر من القلب لا غيث يهطل من السماء، والنفس الكريمة الراضية التقية الطاهرة من أدران الرذائل وأقذارها سعيدة حيثما حلت، وأنى وجدت: في القصر وفي الكوخ، في المدينة وفي القرية، في الأنس وفي الوحشة، في المجتمع وفي العزلة، بين القصور والدور وبين الآكام والصخور؛ فمن أراد السعادة الحقة فلا يسأل عنها المال والحسبَ، والفضة والذهب، والقصور والبساتين، والأرواح والرياحين. بل يسأل عنها نفسه التي بين جنبيه؛ فهي ينبوع سعادته وهنائه إن شاء، ومصدر شقائه وبلائه إن أراد (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: ٩_١٠] وما هذه الابتسامات التي تُرى متلألأة من أفواه الفقراء والمساكين، والمحزونين والمتألمين؛ لأنهم سعداء في عيشهم، بل لأنهم سعداء في أنفسهم. وما هذه الزفرات التي تُسمع متصاعدة من صدور الأغنياء والأثرياء وأصحاب العظمة والجاه؛ لأنهم أشقياء في عيشهم، بل لأنهم أشقياء في أنفسهم. وما كدَّر صفاء هذه النفوس، وأزعج سكونها وقرارها، وسلبها راحتها وهناءها مثلُ البعد عن الله .

стр. 2849

ولا أنار صفحتها، ولا جلَّى ظلمتها، ولا كشف غَمَّاءها كالإقبال على الله ﵎ (١). فمن أراد السعادة العظمى فليقبل على ربه بكلِّيَّته، حبَّاً، وذكراً، وإنابة، وخوفاً، ورجاء، ونحو ذلك من سائر العبوديات. [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية (٢). (وقال أيضاً: فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه. ومن عبد غير الله وإن أحبه، وحصل به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم (٣). (وقال أيضاً: فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو؛ فلا تطمئن بالدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه. ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، وفي بعض الأحوال، وتارة يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير مُنعم ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به، ووجوده عنده. أما إلهه الحق فلا بد له منه في كل حال، وكل وقت، وأينما كان فهو معه (٤). [*] (وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: تطلبت غرضاً يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً، وهو طرد الهم. فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم وإراداتهم لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم؛ فمن مخطىء وجْهَ سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره (٥).

стр. 2850

(إلى أن قال: وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم، ولا يريد طرده عن نفسه، فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب، وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس الذي اتفق عليه جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم، والصالح والطالح على السعي له، فلم أجدها (١) التوجه إلى الله بالعمل للآخرة. وإلا فإنما طلب المال طلابُه؛ ليطردوا به همَّ الفقر عن أنفسهم، وإنما طلب الصوت (٢) من طلبه؛ ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها؛ ليطرد بها عن نفسه هم فوتها، وإنما طلب العلم من طلبه؛ ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك؛ ليطرد بها عن نفسه همَّ التوحد، ومغيب أحوال العالم منه، وإنما أكل من أكل، وشرب من شرب، ونكح من نكح، ولبس من لبس، ولعب من لعب، واكتن (٣) من اكتن، وركب من ركب، ومشى من مشى، وتودع من تودع؛ ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال، وسائر الهموم. وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد لها من عوارض تعرض في خلالها، وتعَذُّر ما يتعذر منها، وذهاب ما يوجد منها، والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة، وأيضاً نتائج سوء تنتج بالحصول على ما حصل عليه من كل ذلك من خوف منافس، أو طعن حاسد، أو اختلاس راغب، أو اقتناء عدوِّ مع الذم والإثم وغير ذلك. ووجدت العمل للآخرة سالماً من كل عيب، خالياً من كل كدر موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة، ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم، بل يُسَر؛ إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون له على ما يطلب، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد، ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم؛ إذ ليس مؤاخذاً بذلك، فهو غير مؤثر فيما يطلب، ورأيته إن قُصد بالأذى سُرَّ، وإن نكبته نكبة سُرَّ، وإن تعب فيما سلك فيه سُرَّ؛ فهو في سرور أبداً، وغيره بخلاف ذلك أبداً؛ فاعلم أنه مطلوب واحد، وهو طرد الهم، وليس إليه إلا طريق واحد، وهو العمل لله تعالى فما عدا هذا فضلال وسخف (٤). (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه:

стр. 2851

لا ريب أن للشهوات سلطاناً على النفوس، واستيلاءً وتمكناً في القلوب؛ فتركها عزيز، والخلاص منها شاق عسير، ولكن من اتقى الله كفاه، ومن استعان به أعانه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وكلما ازدادت الرغبة في المحرم، وتاقت النفس إلى فعله، وكثرت الدواعي إلى الوقوع فيه عظم الأجر في تركه، وتضاعفت المثوبة في مجاهدة النفس على الخلاص منه. وإنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله. وأما من تركها مخلصاً لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا أول وهلة؛ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؛ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة، فمن ذاق طعم الاستقامة فلن يبغى بها بدلاً، ولا عنها حولاً. ألا ترى إلى الصبي الذي اعتاد ثدي أمه كيف سكوتُه بذلك الثدي، وكيف حنينه إليه إذا فقده، وكيف فرحه به إذا هو وجده؟ فكذلك النفس الشهوانية؛ فإذا فطم الصبي انفطم حتى لا يلتفت إلى الثدي بعد ذلك؛ لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة؛ فلا يحن إلى لبن أمه. وكذلك النفس إذا وجدت لذة العبادة، وذاقت طعم الإيمان، وبرد اليقين، واستشعرت رَوْح قرب الله، وجميل نظره_لم تَحنَّ إلى تلك الشهوات (١). من ذاق طعم نعيم القوم يدريه ... ومن دراه غدا بالروح يشريه وكل هذا محسوس مجرب، وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهر من لذات أهل الفجور وذاقها، ولم يذق لذات أهل البر، ولم يخبرها (٢). ثم إن من ترك لله شيئاً عوَّضه الله خيراً منه، والعوضُ من الله أنواع مختلفة، وأجل ما يُعَوَّض به الإنسان أن يأنس بالله، وأن يرزق محبته وطمأنينة القلب بذكره، ورضاه عن ربه ﵎ مع ما يلقاه من جزاء في هذه الدنيا، وما ينتظره من الجزاء الأوفى في العقبى (٣). وفيما يلي ذكر لنماذج تؤكد هذا المعنى. أولاً: نماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيراًً منها:

стр. 2852

(١) من ترك مسألة الناس ورجاءهم، وإراقة ماء الوجه أمامهم، وعلق رجاءه بالله دون من سواه عَوَّضَه خيراً مما ترك، فرزقه حرية القلب، وعزة النفس، والاستغناء عن الخلق ومن يستعفف يعفه الله وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أَبِي سَعِيدٍ الثابت في الصحيحين) أَنّ نَاساً مِنَ الأنْصَارِ سَأَلُوارسول الله ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمّ سَألُوه فَأَعْطاهُمْ، حتى نَفِد ما عنده فقال: َ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يستعفف يُعِفّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، وَمَنْ يَتَصَبّرْ يُصَبّرْهُ الله، وَمَا أُعْطِيَ أحَدٌ عطاءاً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصّبْرِ) (٢) ومن ترك الاعتراض على قدر الله، فسلَّم لربه في جميع أمره رزقه الله الرضا واليقين، وأراه من حسن العاقبة ما لا يخطر له ببال. (٣) ومن ترك الذهاب للعرافين والسحرة رزقه الله الصبر، وصدق التوكل، وتَحَقُّقَ التوحيد. (٤) ومن ترك التكالب على الدنيا جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة. (٥) ومن ترك الخوف من غير الله، وأفرد الله وحده بالخوف، وسلَّم له نفسه سَلِمَ من الأوهام، وأمَّنه الله من كل شيء، فصارت مخاوفه أمناً وبرداً وسلاماً، ولم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع؛ لأنه سلم نفسه لربه، وأودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه، حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عاد، ولا بغيُ باغ عات. (٦) ومن ترك الكذب، ولزم الصدق فيما يأتي، وما يذر_هُدي إلى البر، وكان عند الله صديقاً، ورزق لسان صدق بين الناس، فسوَّدوه، وأكرموه، وأصاخوا السمع لقوله. (٧) ومن ترك المراء وإن كان مُحقَّاً ضُمن له بيت في ربض الجنة، وسلم من شر اللجاج والخصومة، وحافظ على صفاء قلبه، وأمن من كشف عيوبه. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي أمامة في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و بيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه.

стр. 2853

(٨) ومن ترك الغش في البيع والشراء زادت ثقة الناس به، وكثر إقبالهم عليه، ونال رضا ربه. (٩) ومن ترك الربا، وكسب الخبيث بارك الله له في رزقه، وفتح له أبواب الخيرات. (١٠) ومن ترك النظر إلى المحرم عوَّضه الله فراسة صادقة، ونوراً وجلاءً، ولذة يجد حلاوتها في قلبه، وسلم ـ في الوقت نفسه ـ من تبعات إطلاق البصر. (١١) ومن ترك البخل، وآثر التكرم والسخاء أحبه الناس، واقترب من الله ومن الجنة، سلم من الهم، والغم، وضيق الصدر، وترقى في مراتب الكمال، ومدارج الفضيلة قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩] (١٢) ومن ترك الكبر، ولزم التواضع كمل سؤدده، وعلا قدره، وتناهى فضله وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) (ولله درُ من قال: وأحسن أخلاق الفتى وأتمها ... تواضعه للناس وهو رفيع (١) (١٣) ومن ترك المنام ودفأه ولذته، وقام للصلاة_عوضه الله فرحاً، ونوراً، ونشاطاً، وأنساً. (١٤) ومن ترك التدخين، وكافة المسكرات، والمخدرات أعانه الله، وأمده بألطاف من عنده، وعوضه صحة وسعادة حقيقية لا تلك السعادة العابرة الوهمية. (١٥) ومن ترك العشق، وقطع أسبابه التي تمده، وتجرع غصص الهجر ونار البعاد في بداية أمره، وأقبل على الله بكُلّيته رُزِق السلوَّ، وعزة النفس، وسلم من اللوعة، والذلة، والأسر، ومُلىء قلبه حرية ومحبة لله تلك المحبة التي تلم شعث القلب، وتسد خلته، وتشبع جوعته، وتغنيه من فقره؛ فالقلب لا يسر ولا يفلح، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه. (١٦) ومن ترك الانتقام والتشفي مع قدرته على ذلك عوضه الله انشراحاً في الصدر، وفرحاً في القلب؛ ففي العفو من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزها، وترفعها ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

стр. 2854

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) (١٧) ومن ترك صحبة السوء التي يظن أن بها منتهى أنسه، وغايةَ سروره عوضه الله أصحاباً أبراراً، يجد عندهم المتعة والفائدة، وينال من جراء مصاحبتهم خيري الدنيا والآخرة. (١٨) ومن ترك كثرة الطعام سلم من البطنة، وسائر الأمراض، وضياع الأوقات؛ لأن من أكل كثيراً شرب كثيراً، فنام كثيراً، فخسر كثيراً. (١٩) ومن ترك المماطلة بالدَّين يسر الله أمره، وسدد عنه، وكان في عونه. (٢٠) ومن ترك الغضب حفظ على نفسه عزتها وكرامتها، ونأى بها عن ذل الاعتذار ومغبة الندم، ودخل في زمرة المتقين قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: ١٣٤] ٢١ (حديث معاذ ابن أنس في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء. (٢١) ومن ترك الوقيعة في أعراض الناس، والتعرض لعيوبهم ومغامزهم عُوِّض بالسلامة من شرهم، ورزق التبصر في عيوب نفسه. المرء إن كان مؤمناً ورعاً ... أشغله عن عيوب الورى ورعه كما السقيم العليل أشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه (١) (٢٢) ومن ترك مجاراة السفهاء، وأعرض عن الجاهلين حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه، قال تعالى: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩] (٢٣) ومن ترك الحسد سلم من أضراره المتنوعة؛ فالحسد داء عضال، وسم قتَّال ومسلك شائن، وخلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والخلطاء، والمعارف، والإخوان. (٢٤) ومن ترك سوء الظن بالناس سلم من تشوش القلب، واشتغال الفكر، ومعاداة الناس؛ فإساءة الظن تجلب الكدر، وتعكر الصفو، وتفسد المودة. (٢٥) ومن اطَّرح الدعة والكسل، وأقبل على الجد والعمل_علت همته، وبورك له في وقته، فنال الخير الكثير في الزمن اليسير. فمن هجر اللذات نال المنى ومن ... أكبَّ على اللذات عضَّ على اليد (٢)

стр. 2855

(٢٦) ومن ترك قطيعة أرحامه، فواصلهم، وتودد إليهم، وقابل إساءتهم بالإحسان إليهم_بسط له الله في رزقه، ونَسَأ له في أثره، ولا يزال معه ظهير من الله ما دام على تلك الصلة. (٢٧) ومن ترك العقوق، فكان بَرَّاً بوالديه أدخله الجنة، ورزقه الله الأولاد البررة في الدنيا. (٢٨) ومن ترك تطلُّب الشهرة، وحبَّ الظهور رفع الله ذكره، ونشر فضله، وأتته الشهرة تجرر أذيالها. (٢٩) ومن ترك العبوس والتقطيب، واتصف بالبشر والطلاقة لانت عريكته، ورقَّت حواشيه، وكثر محبوه، وقلَّ شانؤوه. (٣٠) وبالجملة فمن ترك لله شيئاً عوضه الله خيراً منه؛ فالجزاء من جنس العمل (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه) [الزلزلة: ٧] (ثانياً: نماذج لأناس تركوا أشياء لله فعوضهم الله خيراً منها: المثال الأول: نبي الله يوسف ﵇: لقد قص علينا القرآن العظيم ما وقع ليوسف ﵇ مع امرأة العزيز؛ وما لو اجتمع كله أو بعضه لغيره لربما أجاب الداعي. بل إن من الناس من يذهب بنفسه إلى مواطن الفتن، ويسعى لحتفه بظلفه، ثم يبوء بعد ذلك بالخسران المبين في الدنيا والآخرة إن لم يتداركه الله برحمته. لقد أخبرنا الله عن عشق امرأة العزيز ليوسف ﵇ وما راودته، وكادته به. وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف، بصبره وعفته، وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبَّره الله؛ فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ههنا في غاية القوة، وذلك من وجوه: (١) أحدها ما ركبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيراً من الناس قد يصبر عن الطعام والشراب، ولا يصبر عن النساء. وهذا لا يذم إذا صادف حِلاً، بل يحمد. الثاني أن يوسف ﵇ كان شاباً، وشهوة الشاب، وحدَّته أقوى. الثالث أنه كان عزباً، ليس له زوجة ولا سُرِّية تعوضه، وتكسر ثورة الشهوة.

стр. 2856

الرابع أنه كان في الظاهر مملوكاً لها في الدار؛ فقد اشتري بثمن بخس دراهم معدودة، والمملوك لا يتصرف في أمر نفسه، وليس وازعه كوازع الحر، والمملوك كذلك يدخل، ويخرج، ويحضر معها، ولا يُنكر عليه؛ فكان الأنس سابقاً على الطلب، وهو من أقوى الدواعي. الخامس أنه كان غريباً، وفي بلاد غربة، والغريب يتأتَّى له في بلد غربته من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه، وبين أهله ومعارفه. السادس أن المرأة كانت ذات منصب وجمال؛ بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها. السابع أنها غير ممتنعة ولا أبيَّة؛ فإن كثيراً من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها؛ لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها. الثامن أنها طلبت، وأرادت، وراودت، وبذلت الجهد، فكَفَتْه مؤنة الطلب، وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه. وكثير من الناس يداخله الزهو إذا أشارت إليه المرأة باليد أو بطرف العين. التاسع أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها؛ بحيث يخشى إن لم يطاوعْها أن تؤذيه؛ فاجتمع له داعي الرغبة والرهبة. العاشر أنه في مأمن من الفضيحة؛ فلا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها؛ فإنها هي الطالبة الراغبة، وقد غلّقت الأبواب، وغيبت الرقباء. الحادي عشر أنها قد أخذت كامل زينتها، وتهيأت غاية ما يمكن، وقالت: (هيت لك) وفي قراءة هئت لك. الثاني عشر أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، وهن النسوة التي أرته إياهن؛ حيث شكت حالها إليهن، لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن فقال: (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ) [يوسف:٣٣] الثالث عشر أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه؛ إذ هو تهديدُ مَنْ يغلب على الظن وقوع ما هدد به؛ فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار. الرابع عشر أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلاً منهما عن صاحبه. بل غاية ما قابلها به أن قال ليوسف: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) [يوسف: ٢٩] وللمرأة: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ) [يوسف: ٢٩] وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهذا لم يظهر منه غيرةٌ.

стр. 2857

ومع هذه الدواعي كلها صبر يوسف اختياراً وإيثاراً لما عند الله، فآثر مرضاة الله، وخوفه، وحمله حبُّه لله أن اختار السجن على الزنا (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: ٣٣] وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربَّه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين. وهذا من كمال معرفته بربه، وبنفسه. فماذا كانت العاقبة؟ لقد نال العز والسلطان، ونال الذكر الحسن، والثناء الجميل. هذا في الدنيا، وإن له في الآخرة للجنة. المثال الثاني: امرأة فرعون: لما رفضت أبهة الملك، وآثرت الإيمان بالله_عز وجل_على ما يدعو إليه فرعون_بنى لها الله بيتاً في الجنة، ونجاها من فرعون وعمله، ونجاها من القوم الظالمين. (المثال الثاني: امرأة فرعون: لما رفضت أبهة الملك، وآثرت الإيمان بالله على ما يدعو إليه فرعون بنى لها الله بيتاً في الجنة، ونجاها من فرعون وعمله، ونجاها من القوم الظالمين. المثال الثالث: مؤمن آل ياسين: لما ترك ما عليه قومه من الضلال المبين، وقال لهم: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ) [يس: ٢٥_٢٧] ﴿تنبيه﴾: (وحتى يتضح أن التوبة طريق السعادة وضوحاً جلياً فإنني أعرض لك الصورة العامة لأحوال العصاة وما فيها من التعاسة والشقاء ثم أعرض لك نماذج لبعض أحوال العصاة. (أولاً: الصورة عامة لأحوال العصاة: النظر في حال العصاة يُقْصِر عن التمادي في الذنوب، ويقود العاقل إلى المبادرة إلى التوبة النصوح؛ فللعصاة نصيب غير منقوص من الذلة، والهوان، والصغار، والضنك، والشدة، والشقاء، والعذاب؛ فالمعصية تورث ذلك ولا بد؛ فإن العز كل العز، والسعادة كل السعادة إنما تكون بطاعة الله . قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) [فاطر: ١٠] أي فليطلبها من الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته (١).

стр. 2858

[*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في حال من يتطلع، ويمد طرفه إلى أرباب الدنيا: فإياك إن تنظر إلى صورة نعيمهم؛ فإنك تستطيبه؛ لبعده عنك، ولو قد بلغته كرهته، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف؛ فعليك بالقناعة مهما أمكن ففيها سلامة الدنيا والدين. وقد قيل لبعض الزهاد وعنده خبز يابس: كيف تشتهي هذا؟ فقال: أتركه حتى أشتهيه (١). [*] (قال الحسن رحمه الله تعالى في العصاة: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يُذلَّ من عصاه (٢). فأهل المعصية يجدون في أنفسهم الذلة، والشقاء، والخوف، حتى وإن رآهم الناس بخلاف ذلك، ولو تظاهروا بالسعادة والسرور، ولو كانوا من الشهرة وبعد الصيت بمكان عال، ولو كانت الدنيا طوع أيمانهم وشمائلهم؛ فالذل والضنك لا يفارقهم، بل يزيد كلما زادوا بعداً عن ربهم. [*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولهذا تجد القوم الظالمين أعظم الناس فجوراً، وفساداً، وطلباً لما يروِّحون به أنفسهم من مسموع، ومنظور، ومشموم، ومأكول، ومشروب، ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك، هذا فيما ينالونه من اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناس خوفاً، ولا عيشة لخائف. وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم، لا يزال في أسف على ما فاته، وعلى ما أصابه. أما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة، والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه، وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه. وهو مع عجزه أيضاً له من أنواع الإرادات الصالحة، والعلوم النافعة التي يتنعم بها ما لا يمكن وصفه (٣). [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثاً عن أضرار المعاصي: ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذابُ في الآخرة. قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: ١٢٤] وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات؛ فإن عمومها من حيث المعنى؛ فإنه_سبحانه_رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره.

стр. 2859

فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم؛ ففي قلبه من الوحشة، والذل والحسرات التي تقطِّع القلوب، والأماني الباطلة، والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكراتُ الشهوات والعشق، وحب الدنيا والرياسة، وإن لم يَنْضمَّ إلى ذلك سكر الخمر؛ فسُكْرُ هذه الأمور أعظم من سكر الخمر؛ فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحبِّ الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات. فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله"في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده (١). ولقد عبر عن ذلك المعنى فريق كبير من الذين انحرف بهم المسار عن دين الله، ولو ذهبنا نستعرض أقوالهم لطال بنا المقام، وفيما يلي ذكر لبعض أولئك من المُحْدَثين، ممن طارت شهرتهم، وبَعُدَ صيتهم، أو طغى غناهم وتَرَفُهم، سواء من الفلاسفة والمفكرين، أو من الفنانين والمطربين، أو غيرهم. فأقوال هؤلاء وأحوالهم تنبيك عما في دخائل نفوسهم مع أن الناظر في أحوالهم بادىء الرأي يظن أنهم والسعادة رضيعا لبان. (ثانياً: نماذج لبعض أحوال العصاة: (١) الفيلسوف الألماني المشهور (فريدريك نيتشه): بعد أن ألغى من فكره عقيدة الإيمان بالله، وحكمة الابتلاء في هذه الحياة، وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى هي دار الخلود، والجزاء والحساب، ها هو يعرب عن دخيلة نفسه، وما يعانيه من شقاء وعذاب، فيقول: إنني أعلم جيداً لماذا كان الإنسان هو الوحيد الذي يضحك؛ لأنه الذي يعاني أشد العناء؛ فاضطره ذلك أن يخترع الضحك (٢). (٢) الفيلسوف الإنجليزي (هربارت سبنسر): ذلك الرجل الذي تدرس نظرياته التربوية في معظم بلاد العالم. لما دنا من الموت نظر وراءه يستعرض حياته، فإذا هي في نظره أيام تنقضي كلها في كسب الشهرة الأدبية دون أن يتمتع بشيء من الحياة نفسها؛ فضحك من نفسه، وسخر، وتمنى لو أنه قضى أيامه الدابرة في حياة بسيطة سعيدة. ولما حضرته الوفاة كان على يقين بأنه لم يعمل في حياته إلا عبثاً (٣). (٣) الفيلسوف (أرثر شوبنهور):

стр. 2860

فيلسوف التشاؤم الألماني الملحد، عندما عزل عن تصوره مسألة الإيمان بالله، واليوم الآخر، ورفض حكمة الابتلاء نظر إلى الحياة نظرة ملؤها التشاؤم، ورأى أن طيبات الحياة كلها عبث، وأن مقاصد الناس تسير إلى الإخفاق، ومن أقواله في ذلك: =إننا لو تأملنا الحياة المصطخبة لرأينا الناس جميعاً يشتغلون بما تتطلبه من حاجة وشقاء، ويستنفذون كل قواهم؛ لكي يرضوا حاجات الدنيا التي لا تنتهي، ولكي يمحوا أحزانها الكثيرة (١). (٤) جان بول سارتر: الفيلسوف الفرنسي الملحد الوجودي، عندما كفر بالله، واليوم الآخر أصبح ينظر إلى الحياة من منظوره الوجودي المادي، فلا يرى الوجود كله إلا من دوائر القلق، والمتاعب، والغثيان، والآلام. وكتب في ذلك جملة قصص ومسرحيات ضَمَّنها آراءه الفلسفية الوجودية التي تتقيأ المكاره، والتي أبرز فيها الحياة تافهة حقيرة مخيفة مملوءة بالشقاء، مشحونة بالآلام، مع أنه دعا إلى التحلل والإباحة والانطلاق من جميع القيود. وحين حضره الموت سأله من كان عنده: ترى إلى أين قادك مذهبك؟ فأجاب في أسىً عميق ملؤه الندم: إلى هزيمة كاملة (٢). (٥) بريجيت باردو: الممثلة الفرنسية المشهورة، قال لها صحفي: لقد كنتِ في يوم من الأيام رمزاً للتحرر والفساد. فأجابته قائلة: هذا صحيح كنت كذلك، كنت غارقة في الفساد الذي أصبحت في يوم ما رمزاً له. لكن المفارقة أن الناس أحبوني عارية، ورجموني عندما تبت (٣)، عندما أشاهد الآن أحد أفلامي السابقة فإنني أبصق على نفسي، وأقفل الجهاز فوراً، كم كنت سافلة، ثم تواصل قائلة: قمة السعادة للإنسان الزواج، وإذا رأيتُ امرأة مع رجل، ومعهما أولاد أتساءل في سري: لماذا أنا محرومة من مثل هذه النعمة؟ (٤). (٧) مارلين مونرو: ممثلة الإغراء الأمريكية التي تعد أشهر ممثلة في تاريخ هوليود، والتي يقولون عنها: إنها أسطورة هوليود التي لا يخبو نورها، ولا ينطفىء وهجها، ولا ينقطع الحديث عنها (٥).

стр. 2861

هذه المرأة تركت الدنيا منذ سبعة وثلاثين عاماً، حيث توفيت في الخامس من أغسطس عام ١٩٦٢م في ظروف غامضة؛ فماذا كانت حياة تلك المشهورة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في حياتها وبعد وفاتها، والتي تركت الدنيا في أوج شهرتها، وعزِّ بريقها، وشرخ شبابها، والتي لا يزال الحديث مستمر اً عنها؟ هل هي سعيدة في حياتها؟ وهل أغنت عنها شهرتها؟ لعل حديثها عن نفسها يكون أبلغ وأوقع، تقول عن نفسها: إنها نشأت في جو يخيم عليه الحزن، وتحاصره الكآبة، فلم تعرف لها أباً، ولم تجد لها أمَّاً حنوناً، ولم يُرَبِّتْ أحد على كتفها ليقول لها كما يقال للصغار: أنت طفلة جميلة. وتعترف بأن الرجل الذي كتب اسمه في شهادة ميلادها على أنه أبوها هو أحد عشاق أمِّها الذي ربما اختارته بطريقة عشوائية كأب للمولودة الجديدة (١). وتقول مارلين: إن الملجأ كان مأواها في سن مبكرة بعد إصابة أمها باضطرابات عقلية شديدة، وبعد الملجأ تلقتها أسر كثيرة لرعايتها، حتى استقرت في النهاية عند سيدة عجوز تدعى (آنالودور) ظلت معها حتى الدراسة الثانوية، واكتشفت العجوز أن الفتاة كبرت، وأصبحت رائعة الجمال بطريقة جعلت الشباب في مدينة لوس أنجلوس يلاحقونها أينما ذهبت، فدبرت زواجها من شاب يدعى (جيم دوجرتي) ولكنها لم تحبه، ولم تشعر بالسعادة معه، وهنا بدأت العمل في السينما، وشعر الزوج بالغيرة، وانتهى الأمر بالطلاق، وبدأت مارلين تصعد أول درجات الشهرة كممثلة (٢). ثم بعد ذلك وصلت إلى قمة الشهرة، فاشتعلت الغيرة والحقد كما تقول مارلين في نفوس كثيرين، ولم تشعر كما تقول بدفء المشاعر، وصدق النوايا. وتقول: إنها تتمنى أن تخرج مع أناس لا يتوقعون منها شيئاً، وإنما يخرجون معها كنوع من الحب. وتعترف مارلين أنها لم تحب أياً من أزواجها الثلاثة (جيم دوجرتي، وجوتي هايد، وجود يبمابيوم) وأن الرجل الوحيد الذي أحبته هو الكاتب المسرحي الأمريكي آثر ميلر، ولكن الزواج كما تقول أفسد هذا الحب، فقررا الانفصال، والطلاق، والاحتفاظ بالصداقة. وتؤكد مارلين أن أسوأ شيء في حياتها هو محاولة الكثيرين استغلالها، حتى أقرب الأقربين (٣). الجدير بالذكر أن حياة تلك المرأة كانت سلسلة من الفضائح التي كانت مسؤولة عن بعضها، ولا يد لها في بعضها الآخر.

стр. 2862

وأشهر ما كان من ذلك علاقتها بالرئيس الأمريكي جون كنيدي، ثم تخليه عنها لما تولى الرئاسة، ثم علاقتها بأخيه روبرت كنيدي. ولقد سببت لها تلك العلاقات متاعب كثيرة، بل لقد قيل: إن لآل كنيدي يداً في موتها (١). وأخيراً كيف كانت نهاية تلك المرأة؟ لقد وجدوها جثة هامدة في منزلها، واكتشف المحقق الذي تناول قضيتها أنها ماتت منتحرة، ووجد رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في مانهاتن في نيويورك، وهذه الرسالة ألقت بعض الضوء على انتحار مارلين مونرو؛ إذ وجد على غلافها كلمة تطلب عدم فتح الرسالة قبل وفاتها. ولما فتح المحقق الرسالة، وجدها مكتوبة بخط مارلين مونرو بالذات، وهي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق إلى التمثيل. قالت مارلين في رسالتها إلى الفتاة، وإلى كل من ترغب العمل في السينما: احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء؛ إني أتعس امرأة على هذه الأرض؛ لم أستطع أن أكون أماً، إني أفَضِّل البيت، والحياة العائلية الشريفةَ على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة، بل الإنسانية. وتقول في النهاية: لقد ظلمني الناس، وإن العمل في السينما يجعل المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة. إني أنصح الفتيات بعدم العمل في السينما وفي التمثيل؛ إن نهايتهن إذا كن عاقلات كنهايتي (٢). هذه هي حال تلك المرأة، وهذه نصائحها المجانية تقدمها في نهاية مطافها؛ فما أكثر العبر، وما أقل المعتبر؛ فهل من مدكر؟ (٧) كريستينا أوناسيس: تلك الفتاة اليونانية، ابنة التاجر الكبير الشهير أوناسيس الذي يملك الأموال الطائلة، والجزر، والأساطيل. هذه الفتاة مات أبوها، وقبل ذلك ماتت أمها، وبينهما مات أخوها؛ فبقيت هي الوريثة الوحيدة مع زوجة أبيها لتلك الثروات الهائلة. لقد ورثت عن أبيها ما يزيد على خمسة آلاف مليون ريال، وتملك أسطولاً بحرياً ضخماً، وجزراً كاملة، وشركات طيران. أليست المقاييس لدى كثير من الناس تقول: إنها أسعد امرأة في العالم؟! بلى، ولكن الحقيقة تقول غير ذلك، والدليل على ذلك تفاصيل حياتها وما مر بها من بؤس، وتعاسة، وشقاء.

стр. 2863

ومما مرت به من ذلك إخفاقها في الزواج أربع مرات، حيث تزوجت أربعة رجال من أربع دول، فلقد تزوجت برجل أمريكي ثم انفصلت عنه بعد شهور، ثم تزوجت برجل يوناني، ثم انفصلت عنه بعد عدة شهور، ثم انتظرت طويلاً تبحث عن السعادة، ثم تزوجت برجل شيوعي، وعندما سألها الناس والصحفيون: أنت تمثلين الرأسمالية؛ فكيف تتزوجين بشيوعي؟ قالت: أبحث عن السعادة. وبعد الزواج ذهبت معه إلى روسيا، وبما أن النظام هناك لا يسمح بامتلاك أكثر من غرفتين، ولا يسمح بخادمة فقد جلست تخدم نفسها في غرفتيها، فجاءها الصحفيون وهم يتابعونها في كل مكان فسألوها: كيف يكون هذا؟ قالت: أبحث عن السعادة! وعاش معها زوجها سنة ثم انفصلت عنه. وبعد ذلك أقيمت حفلة في فرنسا، وسألها الصحفيون: هل أنت أغنى امرأة في العالم؟ قالت: نعم أنا أغنى امرأة، ولكني أشقى امرأة! وآخر فصل من فصول قصتها أنها تزوجت برجل فرنسي، وبعد فترة يسيرة أنجبت منه بنتاً ثم انفصلت عنه، وعاشت بقية حياتها في تعاسة وهمّ. وأخيراً وجدوها جثة هامدة في شاليه في الأرجنتين، وذلك في ١٩/ ١١/١٩٨٨م، وكان عمرها آنذاك ٣٧ سنة، ولا يُعْلم أماتت مِيتَةً طبيعية، أم أنها قتلت، أم انتحرت، حتى إن الطبيب الأرجنتيني أمر بتشريح جثتها ثم دفنت في جزيرة أبيها. فهل أغنى عن هذه مالها؟ وهل وجدت السعادة؟ (١). فماذا لو كانت مؤمنة بالله، واليوم الآخر، عاملة بما يرضي الله_عز وجل_مسلطة مالها على هلكته بالحق، أتراها تشقى بمالها؟ الجواب: لا، بل سيكون ذلك من أعظم أسباب سعادتها. (٨) الفنانة الإيطالية العالمية داليدا: التي وصلت مبيعات أغانيها إلى ٨٥ مليون اسطوانة، والتي غنت ٤٠٠ أغنية بالفرنسية، و ٢٠٠ أغنية بالإيطالية، و ٢٠ أغنية بلغات مختلفة منها الألمانية، والأسبانية، واليابانية، والعربية. داليدا التي حققت في إحدى عشرة سنة إعجازاً فنياً جعلها تحصل على: أ_جائزة الأوسكار العالمي للأسطوانة عام ١٩٧٤م. ب_الأسطوانة البلاتينية لشركة بني لوكس عام ١٩٧٥م. جـ_جائزة أكاديمية الأسطوانة بفرنسا عام ١٩٧٥م. د_جائزة برافو عام ١٩٨٥م. هـ_جائزة الأوسكار التي حصلت عليها ٥ مرات من إذاعة مونت كارلو. و_عدة جوائز من إذاعة لوكسمبرج بدأتها في عام ١٩٧٠م.

стр. 2864

ز_في عام ١٩٦٨م منحت ميدالية باريس، وميدالية رئاسة الجمهورية الفرنسية التي قدمها لها الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديجول، والتي لم يحصل عليها أي فنان من قبل. داليدا التي تركت للدنيا أغاني كثيرة، خلفت ثروة تقدر بأكثر من ٣٠ مليون فرنك فرنسي. فماذا كانت حياتها في الحقيقة؟ وهل وجدت السعادة والراحة والاستقرار؟ الجواب: لا؛ فلقد عاشت حياة تعيسة، فلم تؤسس أسرة، ولم تنجب طفلاً، أو طفلة، مع أن الإنجاب كان حلم حياتها. ولقد كانت مدمنة للمخدرات، التي تلجأ إليها للخلاص من الاكتئاب، والوحدة، والعذاب النفسي كما قال ذلك أحد أقاربها. ولهذا حاولت الانتحار عام ١٩٦٧م، محاولة اللحاق بحبيبها (لويفي تانكر) الذي قتل نفسه بمسدسه، فلم تطق العيش بدونه، فجرعت مواد سامة؛ رغبة في الانتحار، ولكن محاولتها باءت بالإخفاق. وذات ليلة دخلت خادمتها إلى غرفتها، وخيل إليها أنها نائمة في فراشها، فاقتربت منها؛ لكي توقظها، نادت فلم يأتها الرد، فنادتها أخرى، فلم يأتها الرد، أخيراً هزت كتفها، وابتعدت عنها، وصرخت: سيدتي ماتت. بعد ذلك نظرت الخادمة إلى يدي داليدا، فوجدت في إحداهما ورقة، فانتزعتها من بين أصابعها، فقرأت ما فيها وإذا بها قد كتبت: الحياة لا تحتمل، سامحوني؛ الحياة أصبحت بالنسبة لي مستحيلة. نظرت الخادمة إلى يدها الأخرى، فوجدتها تقبض على كأس فارغ، اتضح فيما بعد أن السيدة المنتحرة كانت ترتوي من هذه الكأس؛ لعلمها أن الخمر تساعد على سرعة سريان المفعول للحبوب المخدرة التي تعاطتها بكثرة؛ كي تنهي حياتها في لحظة. حدث هذا في اليوم الثالث من شهر مايو من عام ١٩٨٧م، وعمرها أربع وخمسون سنة (١). تُرى لو أن هذه المرأة تعرف رَبَّاً تلجأ إليه، وصلاة تفزع إليها، وديناً يضبط تصرفاتها وعواطفها، ترى هل تكون هذه نهايتها؟. (٩) الليدي ديانا سبنسر: تلك المرأة الإنجليزية التي نالت من الشهرة ما لم تنله امرأة في القرن العشرين، حيث تزوجت بولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز عام ١٩٨٠م_١٤٠٠هـ، وأقيم حفل الزواج الكبير في قصر بكنجهام، وشاهد العالم ذلك الحفل عبر شاشات التلفاز. ومنذ ذلك الحين والإعلام العالمي بكافة وسائله لا يفتأ يذكر اسمها، ويتابع أخبارها، وينشر صورها.

стр. 2865

وظل الناس يتابعون كل دقيقة وجليلة من أمرها، حتى أصبح كثير من نساء العالم يقلدنها في شتى أحوالها، حتى في مشيتها، وتسريحة شعرها، وطريقة ابتسامتها، ونوع ملبوسها، ونحو ذلك من شؤونها. وعلى مدى سنوات طويلة كان لدى الشعب البريطاني، وسائر شعوب العالم اعتقاد بأن ديانا وتشارلز هما أسعد زوجين على وجه الأرض، كيف لا وقد امتلكا جميع مباهج الحياة_في نظر الأكثرين_؟ فالشهرة، والمجد، والثراء، والنفوذ، والمستقبل الذي ينتظر الذرية كل هذه الأمور نصب أعين الزوجين. ولكن هذا الاعتقاد لم يكن صائباً، وكل القصص والحكايات الوردية التي صنعها خيال الناس لم يكن لها أي نصيب من الواقع؛ فلقد استيقظ العالم ذات صباح من شهر مايو ١٩٩٢م على فضيحة مدوية عصفت بتلك الخيالات، وطوحت بها مكاناً قصياً؛ فقد ظهر كتاب جديد في بريطانيا تحت عنوان (ديانا القصة الحقيقية). وهذا الكتاب يروي قصة إخفاق ذلك الزواج التاريخي، ويكشف تعاسة ديانا وشقاءها، ومحاولتها الانتحار في عام ١٩٨٩م بعد أن يئست من حياتها. ويذكر الكتاب أحد المواقف التي زلزلت كيان الأميرة، وجعلتها تحيا أسوأ أيامها؛ فعندما رآها تشارلز تبكي لوفاة والدها، وعدم وجوده بجانبها عنَّفها، ووبخها، وقال لها بمنتهى القسوة: اخرجي من أحزانك بسرعة؛ فلا وقت لدينا لهذه الأحاسيس. ولم يكن هذا الموقف هو الأخير؛ فقد توالت عبارات الأمير تشارلز، وإهاناته البالغة لديانا، حتى قررت التخلص من حياتها، خاصة بعد الأنباء التي أشارت إلى وجود علاقة غرامية بين الأمير وبين سيدة أخرى تدعى كاميلا فلورز، ومن ثم ابتلعت ديانا كل ما لديها من حبوب مهدئة؛ رغبة في التخلص من حياتها، إلا أن قدرها لم يحن بعد، فنجت من الموت. ولم يكن صدور ذلك الكتاب نهاية المطاف؛ فقد بدأت الصحف تكشف جوانب أخرى، وأسراراً جديدة تعكس إخفاق الزوجين في تجاوز خلافاتهما، واستعادة ما كان بينهما من صفاء في بداية حياتهما الزوجية. وكشفت صحيفة صنداي إكسبرس النقاب عن أن الأميرة ديانا تعاني من كوابيس مرعبة، وأحلام مخيفة تداهمها ليلاً في نومها؛ لتحيل حياتها إلى عذاب لا يتوقف، وشقاء لا ينقطع. وأضافت الصحيفة أن ديانا تتلقى العلاج؛ للتخلص من هذه الكوابيس والأحلام المزعجة التي يرى الطبيب المعالج أنها تعكس مدى ما تعانيه الأميرة في حياتها من مصاعب، وما تعجز عن تحقيقه من رغبات مكبوتة.

стр. 2866

وقالت: إن الأميرة التعسة بلغت درجة من الشقاء والضيق الشديد اضطرت معها إلى اللجوء إلى طبيب نفسي كي يعالجها. وأكدت الصحيفة أن الأميرة أسرعت عقب تدهور صحتها؛ بسبب الكوابيس والأحلام المزعجة إلى الطبيب النفساني الشهير آلان ماكجلاشان. وتقول الصحيفة: إن ديانا ترى في نومها وحوشاً غريبة تثير الرعب والهلع، وترى مشاهد بحرية مخيفة تزلزل كيانها، وترتعد لها فرائصها. وأكدت بأن الأمير تشارلز نفسه بدأ يشعر بالقلق إزاء ما يجري لزوجته التي أصبحت تقطع نومها؛ لتنهض مذعورة لما تراه. وبعد ذلك زادت المشكلات بينها وبين زوجها، وحاولت والدة تشارلز الملكة إليزابيث تهدئة الأمر، وحث الزوجين على تجاوز خلافاتهما، والتوقف عند هذا الحد. ورغم ذلك فقد اتفق الطرفان على أن حياتهما على هذا النمط أصبحت مستحيلة، ولكن الطلاق ثقيل، خصوصاً على نفس تشارلز؛ لأنه سيؤدي إلى فقدانه وفقدان أبنائه من بعده حق الجلوس على العرش؛ حيث لا يجوز دستورياً أن يكون الملك مطلقاً. ولأن الأمير عَيْنُه على العرش، وليس لديه أية فكرة للتنازل عنه_فقد قرر ألا يطلق. أما الأميرة التعيسة فلم يعد لديها سوى ولديها هاري وويليام يملآن الفراغ والوحدة التي تقاسيها، ولا تريد أن تُطَلَّق؛ حتى لا يفقدا حق الجلوس على عرش بريطانيا في المستقبل ومن أجل هذا قررا الانفصال دون طلاق؛ ليبدأ كل منهما حياته بالطريقة التي يحبها (١). وبعد هذا اعترف الزوجان بالخيانة الزوجية، وأصبحت ديانا تترامى من أحضان عشيق إلى عشيق، إلى أن آل بها الأمر إلى آخر واحد منهم وهو عماد الفايد. وآخر فصل من فصول حياة تلك المرأة هو تلك النهاية المؤلمة التي أودت بحياتها عندما كانت في فرنسا بصحبة عشيقها عماد الفايد، حيث ركبا في السيارة التي خرجت بهما من الفندق الذي كانا يقيمان فيه، فلما خرجا إذا بعدسات المصورين تضيق عليهما الطريق، فأسرع السائق هروباً من المصورين، فوقع الحادث الذي أودى بحياة ديانا وعماد الفايد. فماذا أغنى الثراء؟ وماذا أغنت الشهرة؟ وماذا أغنى الجاه؟ (١٠) مادونا: تلك الفنانة الأمريكية الشهيرة، التي نالت من المال والشهرة والانطلاق ما جعلها أشهر فنانة في هذا العصر تقريباً.

стр. 2867

فشهرتها قد طبقت الخافقين؛ لأن وسائل الإعلام تحفل بها وأمثالها. وثرواتها تقدر بـ ١٣٠ مليون دولار، ولديها تعاقدات كثيرة للعمل خلال السنوات الخمس القادمة ربما درت عليها أكثر من ٩٠ مليون دولار؛ فهل هي سعيدة بذلك؟ وهل وجدت الراحة والاستقرار؟ إن مادونا نفسها تعترف بصراحة أن كل ذلك لم يحقق لها السعادة أبداً، بل على العكس من ذلك؛ فهي الآن تعيش حالة اكتئاب عميق، وذلك بعد أن اكتشفت أنه لم يبق بينها وبين سن الأربعين سوى ثلاث سنوات، ذلك السن المتعارف عليه لدى الأطباء بأنه آخر فرصة للإنجاب بالنسبة للمرأة دون مشكلات. ولقد صرحت مؤخراً لمجلة نمساوية بأنها نادمة ندماً شديداً على السنوات التي أضاعتها وراء الغناء هنا وهناك دون أن تفكر أن تتزوج من جديد بعد زواجها الأول الذي لم يستمر، ودون أن تفكر في إنجاب طفل أو أكثر يملأون عليها حياتها بعد أن تنصرف عنها الأضواء. وتقول: إنها تخشى أن تقضي بقية حياتها لا تعيش إلا مع الحيوانات الأليفة، أو مع أناس تستأجرهم؛ ليكونوا حولها دون أن يكونوا من دمها ولحمها، وليس من بينهم زوج يحبها وتحبه بإخلاص. وتضيف مادونا بأنها تملك المال الوفير ولكنه لن يسعدها بقدر ما سيسعدها أن تجد زوجاً مناسباً. فهذه اعترافات واحدة من شهيرات نساء هذا العصر، وليتها عرفت أن البديل لشقاء الحياة المادية يوجد في الإسلام الذي كفل السعادة لمعتنقيه بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى (١). (١١) مايكل جاكسون: ملك البوب، المغني الأمريكي الراقص، الذي يعد أشهر مغنٍّ في العالم، والذي يملك الملايين، ويحوز النصيب الأوفى من الحضور الجماهيري. ذلك الرجل الذي تملأ شهرته الآفاق، وتنتشر أغانيه المسموعة والمرئية في أنحاء العالم. ذلك الرجل الذي يقلده_ومع بالغ الأسف_فئام من شباب المسلمين، يقلدونه في حركاته، ورقصاته، وقصات شعره، ونوع ملابسه. فما حال ذلك الإنسان؟ الذي يبدو للعيان أول وهلة أن ذلك الإنسان يعيش في أعلى درجات السعادة؛ لأن أسبابها_في نظر كثيرين_متوافرة فيه، مجتمعة له. ولكن الحقيقة تقول غير ذلك، حيث جاء في جريدة الرياض عدد، ١١٣٢١ وتاريخ ٩_٣_١٤٢٠هـ تقرير يحمل العنوان التالي: يصرخ كطفل، وفكر في الانتحار مايكل جاكسون يعاني من حالة اكتئاب شديدة وتحت هذا العنوان جاء مايلي:

стр. 2868

يعاني مايكل جاكسون من حالة اكتئاب شديدة، لدرجة أن والدته تقول لأصدقائه: إنه بدأ ينهار، وقد أقنعته في النهاية بأن يبدأ سراً علاجاً نفسانياً بالمنزل. وكشف مصدر مقرب أن مايكل منزعج بشدة من مجموعة أشياء تركته في حالة انهيار؛ فهو لا يستطيع أن يتخلص من صورة أنه يسيء معاملة الأطفال، كما أن حياته العملية تبدو مجمدة، وهو في حالة شجار مع إخوته بعدما حنث بوعده في الانضمام مجدداً من أجل جولة لفرقة جاكسون فايف. وهو يعاني من المشاكل الشخصية الأخرى التي يحاول معالجتها، ووالدته كاثرين في حالة انزعاج شديد عليه؛ فهي تطلبه هاتفياً يومياً؛ للتأكد من أنه على ما يرام، وأنه لا يحاول القيام بشيء أحمق؛ حيث إنها تخشى من لجوئه للانتحار. وكان المغني البالغ من العمر أربعين عاماً اعترف في مقابلة أنه قد فكر في الانتحار. وكانت والدته قد اندفعت إلى منزله عدة مرات مؤخراً، وجلست بجواره طوال الليل؛ خوفاً من أن يقتل نفسه. وتضيف الصحيفة قائلة: والآن أقنعته والدته بمراجعة طبيب نفساني؛ لأنها تعتقد أن ذلك ينقذ حياته. وذكرت والدته لأحد أصدقائه أن مايكل يصرخ كالطفل، وهو في حاجة إلى مساعدة مهنية متخصصة، وقد وعدني أخيراً بأنه سيراجع طبيباً نفسانياً، ولكنه يريد أن يتم ذلك بصورة سرية جداً؛ حتى لا يعتقد الناس أنه مصاب بالجنون. ترى هل سيخرجه الطبيب النفساني من حالته الكئيبة؟ لا أظن ذلك؛ لأن الطبيب نفسه يريد من يخرجه من حالته إلا إذا كان مسلماً مؤمناً بالله . (المقصود من ذكر هذه النماذج: المقصود من ذكر هذه النماذج إنما هو أخذ العبرة والعظة ليس إلا. وإلا فهم سيفضون إلى ما قدموا، وسيقفون أمام حكم عدل. ثم إن نزول البلايا والمصائب لا يختص به أحد دون أحد؛ فقد تنزل بالبر والفاجر، والمسلم والكافر. ولكنْ فرقٌ بين نزولها على البر المؤمن، وبين نزولها على الفاجر أو الكافر؛ فالمؤمن البر يستقبلها برضا وسرور؛ فترتفع بها درجاته في الدنيا والآخرة. وكلما زيد في بلاء المؤمن فصبر واحتسب ورضي أعانه الله، ولطف به، وأنزل عليه من السكينة والرضا، واليقين، والقوة ما لا يخطر ببال. أما الفاجر والكافر، فيستقبلها بهلع، وجزع، فتزداد مصائبه، وتكون من عاجل العقوبة له. فأين أحوال أولئك العصاة مِنْ أحوال مَن اعتصموا بالله، وهُدوا إلى صراطه المستقيم؟

стр. 2869

[*] (فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول: أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر (١). [*] (وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول لما أودع غياهب السجن: ما يصنع بي أعدائي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة (٢). (وقال أيضاً: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (٣). (وقال أيضاً: الإنسان في الدنيا يجد في قلبه بذكر الله، وذكر محامده، وآلائه وعبادته من اللذة ما لا يجده بشيء آخر (٤). وكما قال أحد العباد عن حاله: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب (٥). وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طرباً بأنسه بالله، وحبه له+ (٦). وقال آخر: =مساكين أهل الغفلة؛ خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها (٧). وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (٨). [*] (وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: نحن والله الملوك الأغنياء، نحن الذين قد تعجلنا الراحة في الدنيا، لا نبالي على أي حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا الله (٩). [*] (وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله (١٠). [*] (وقال ابن القيم متحدثاً عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى: وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إلي فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى والمأسور من أسره هواه.

стр. 2870

ولما دخل القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد: ٣١] ويواصل ابن القيم حديثه عن ابن تيمية فيقول: =وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرِّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً، وقوة، ويقيناً، وطمأنينة؛ فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها_ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها (١). (أروع القصص للتائبين: إن قصص التائبين لها تأثير بالغ في ترقيق القلوب لأنها تهز القلوب وتجعل الإنسان منحوب ويقلع عن الإثم والحوب ويهرع إلى علام الغيوب، هي قصصٌ تُفري الأكباد وتذيب الأجساد وتحملُ على الجد والاجتهاد والتشمر لإعداد الزاد ليوم المعاد، قصصٌ تُبكِي الصخور وتشرح الصدور وتُجَافِيك من دار الغرور وتُحَفِزُكَ إلى فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور والبعد عن دواهي الأمور، عسى ربُك أن يرزقك عملاً متقبلاً مبرور، ترى في هذه القصص مدى صدق التوبة وجريان الدموع في التوبة والرجوع، فتأملها بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد، ونحن بتوفيق الله تعالى نذكر نوعين من قصص التائبين هما كما يلي: أولاً: قصصٌ للتائبين من القرون السابقة: ثانياً: قصصٌ للتائبين المعاصرين لأنها أوقع في النفس: ودونك القصص بين يديك أولاً: قصصٌ للتائبين من القرون السابقة: وقد انتقينا بتوفيق الله تعالى أروع القصص وأبلغها من كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: (توبة فتى من الأزدكان عن التأنث والتخنث:

стр. 2871

[*] أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن رجاء بن ميسور المجاشعي قال «كنا في مجلس صالح المري وهو يتكلم فقال لفتى بين يديه اقرأ يا فتى فقرأ الفتى» (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨] (فقطع صالح عليه القراءة وقال: كيف يكون لظالم حميم أو شفيع والمطالب له رب العالمين إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السلاسل والأنكال إلى الجحيم حفاة عراة مسودة وجوههم مزرقة عيونهم ذائبة أجسادهم ينادون يا ويلنا يا ثبورنا ماذا نزل بنا ماذا حل بنا، أين يذهب بنا ماذا يراد منا والملائكة تسوقهم بمقامع النيران فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها منكبين ومرة يقادون إليها مقرنين من بين باك دما بعد انقطاع الدموع ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت، إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرا لا يقوم له بصرك ولا يثبت له قلبك ولا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك، ثم نحب وصاح يا سوء منظراه يا سوء منقلباه وبكى وبكى الناس فقام فتى من الأزدكان به تأنيث فقال أكل هذا في القيامة يا أبا بشر؟ قال: نعم والله يا ابن أخي وما هو أكثر لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم فما يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المدنف، فصاح الفتى إنا لله واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة واأسفا على تفريطي في طاعتك يا سيداه واأسفا على تضييعي عمري في دار الدنيا ثم بكى واستقبل القبلة، فقال: اللهم إني أستقبلك في يومي هذا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك، اللهم فاقبلني على ما كان في واعف عما تقدم من فعلي وأقلني عثرتي وارحمني ومن حضرني وتفضل علينا بجودك وكرمك يا أرحم الراحمين، لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي وإليك أنبت بجميع جوارحي صادقا لذلك قلبي، فالويل لي إن لم تقبلني، ثم غلب فسقط مغشيا عليه فحمل من بين القوم صريعا فمكث صالح وإخوته يعودونه أياما ثم مات والحمد لله، فحضره خلق كثير يبكون عليه ويدعون له فكان صالح كثيرا ما يذكره في مجلسه فيقول: بأبي قتيل القرآن وبأبي قتيل المواعظ والأحزان قال فرآه رجل في منامه قال ما صنعت قال عمتني بركة مجلس صالح فدخلت في سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء.» (توبة رجل عما جنت يداه:

стр. 2872

[*] أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن إبراهيم بن الحارث قال «كان رجل كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال أبكاني تذكري ما جنيت على نفسي حين لم أستحي ممن شاهدني وهو يملك عقوبتي فأخرني إلى يوم العقوبة الدائمة وأجلني إلى يوم الحسرة الباقية والله لو خيرت أيما أحب إليك تحاسب ثم يؤمر بك إلى الجنة أو يقال لك كن ترابا لاخترت أن أكون ترابا.» (توبة مُلْهِي أهل المدينة عن اللهو على يد والدته:

стр. 2873

[*] أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن صالح بن عمر قال: حدثني أبي قال «كان بالمدينة امرأة متعبدة ولها ولد يلهو وهو مُلْهِي أهل المدينة وكانت تعظه وتقول يا بني اذكر مصارع الغافلين قبلك وعواقب البطالين قبلك اذكر نزول الموت فيقول: إذا ألحت عليه كفي عن التعذال واللوم واستيقظي من سنة النوم إني وإن تابعت في لذتي قلبي وعاصيتك في لومي أرجو من أفضاله توبة تنقل من قوم إلى قوم فلم يزل كذلك حتى قدم أبو عامر البناني واعظ أهل الحجاز ووافق قدومه رمضان فسأله إخوانه أن يجلس لهم في مسجد رسول الله ﷺ فأجابهم وجلس ليلة الجمعة بعد انقضاء التراويح واجتمع الناس وجاء الفتى فجلس مع القوم فلم يزل أبو عامر يعظ وينذر ويبشر إلى أن ماتت القلوب فرقا واشتاقت النفوس إلى الجنة فوقعت الموعظة في قلب الغلام فتغير لونه ثم نهض إلى أمه فبكى عندها طويلا ثم قال زممت للتوبة أجمالي ورحت قد طاوعت عذالي وأبت والتوبة قد فتحت من كل عضو لي أقفالي لما حدا الحادي بقلبي إلى طاعة ربي فك أغلالي أجبته لبيك من موقظ نبه بالتذكار أغفالي يا أم هل يقبلني سيدي على الذي قد كان من حالي، واسوءتا إن ردني خائبا ربي ولم يرض بإقبالي ثم شمر في العبادة وجد وكان لا يفطر إلا بعد التراويح ولا ينام إلا بعد طلوع الشمس فقربت إليه أمه ليلة إفطاره فامتنع وقال: أجد ألم الحُمى فأظن أن الأجل قد أزف ثم فزع إلى محرابه ولسانه لا يفتر من الذكر فبقي أربعة أيام على تلك الحال ثم استقبل القبلة يوما وقال: إلهي عصيتك قوياً وأطعتك ضعيفاً وأسخطتك جَلَدَاً وخدمتك نَحِيْفَا فليت شعري هل قبلتني ثم سقط مغشيا عليه فانشج وجهه فقامت إليه أمه فقالت: يا ثمرة فؤادي وقرة عيني رد جوابي، فأفاق فقال يا أماه هذا اليوم الذي كنت تحذريني وهذا الوقت الذي كنت تخوفيني، فيا أسفي على الأيام الخوالي يا أماه إني خائف على نفسي أن يطول في النار حبسي، بالله عليك يا أماه قومي فضعي رجلك على خدي حتى أذوق طعم الذل لعله يرحمني، ففعلت وهو يقول هذا جزاء من أساء ثم مات ﵀، قالت أمه: فرأيته في المنام ليلة الجمعة وكأنه القمر فقلت يا ولدي ما فعل الله بك؟

стр. 2874

فقال: خيرا رفع درجتي، قلت فما كنت تقول قبل موتك؟ قال هتف بي هاتف أجب الرحمن فأجبت، قلت فما فعل أبو عامر؟ فقال: هيهات أين نحن من أبي عامر حل أبو عامر في قبةٍ وطدها ذو العرش للناس بين جوار كالدمى خرد يسقينه بالكاس والطاس يقلن بالترخيم خذها فقد هنيتها يا واعظ الناس.» (توبة دينار العيار عن المعاصي على يد والدته: [*] أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين أن رجلا «كان يُعْرَفُ بدينار العيار كانت له والدة تعظه ولا يتعظ فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام فأخذ منها عظما نخرا فانفت في يده ففكر في نفسه وقال لنفسه: ويحك كأني بك غدا قد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا وأنا اليوم أقدم على المعاصي، فندم وعزم على التوبة ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني ثم مضى نحو أمه متغير اللون منكسر القلب فقال يا أماه: ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟ فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه، فقال أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير وتفعلين بي كما يفعل بالآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني، ففعلت ما طلب فكان إذا جنه الليل أخذ في البكاء والعويل ويقول لنفسه ويحك يا دينار ألك قوة على النار كيف تعرضت لغضب الجبار وكذلك إلى الصباح، فقالت له أمه في بعض الليالي: ارفق بنفسك فقال دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا، يا أمي إن لي موقفا طويلا بين يدي رب جليل ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل أو إلى شر مقيل إني أخاف عناء لا راحة بعده وتوبيخا لا عفو معه، قالت فاسترح قليلا فقال الراحة أطلب أتضمنين لي الخلاص قالت فمن يضمنه لي قال فدعيني وما أنا عليه كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فمرت به في بعض الليالي في قراءته (فَوَرَبّكَ لَنَسْأَلَنّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الحجر ٩٢: ٩٣] ففكر فيها وبكى وجعل يضطرب كالحَيْة حتى خر مغشيا عليه فجاءت أمه إليه ونادته فلم يجبها فقالت: قرة عيني أين الملتقى؟ فقال بصوت ضعيف: إن لم تجديني في عرصة القيامة فاسألي مالكا عني ثم شهق شهقة مات فيها فجهزته وغسلته وخرجت تنادي أيها الناس هلموا إلى الصلاة على قتيل النار فجاء الناس فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم.» (توبة رجل عن حب مغنية شغلته عن الله:

стр. 2875

[*] أورد ابن قدامة المقدسي في كتابه التوابين عن علي بن الحسين قال «كان لنا جار من المتعبدين قد برز في الاجتهاد فصلى حتى تورمت قدماه وبكى حتى مرضت عيناه فاجتمع إليه أهله وجيرانه فسألوه أن يتزوج فاشترى جارية وكانت تغني وهو لا يعلم فبينا هو ذات يوم في محرابه يصلي رفعت الجارية صوتها بالغناء فطار لبه فرام ما كان عليه من العبادة فلم يطق فأقبلت الجارية عليه فقالت يا مولاي لقد أبليت شبابك ورفضت لذات الدنيا أيام حياتك فلو تمتعت بي فمال إلى قولها واشتغل باللذات عما كان فيه من التعبد، فبلغ ذلك أخا له كان يوافقه على العبادة فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من الناصح الشفيق والطبيب الرفيق إلى من سلب حلاوة الذكر والتلذذ بالقرآن والخشوع والأحزان بلغني أنك اشتريت جارية بعت بها من الآخرة حظك فإن كنت بعت الجزيل بالقليل والقرآن بالقيان فإني محذرك هادم اللذات ومنغص الشهوات وموتم الأولاد فكأنه قد جاء على غرة فأبكم منك اللسان وهدم منك الأركان وقرب منك الأكفان واحتوشك الأهل والجيران وأحذرك من الصيحة إذا جثت الأمم لهول ملك جبار فاحذر يا أخي ما يحل بك من ملك غضبان ثم طوى الكتاب وأنفذه إليه، فوافاه الكتاب وهو في مجلس سروره فغص بريقه وأذهله ذلك فنهض مبادرا من مجلس سروره وكسر آنيته وهجر جاريته وآلى أن لا يطعم الطعام ولا يتوسد المنام، قال الذي وعظه: فلما مات رأيته في المنام بعد ثلاث فقلت ما فعل الله بك؟ قال: قدمنا على رب كريم أباحنا الجنة وقال: الله عوضني ذو العرش جارية حوراء تسقيني طورا وتهنيني تقول لي اشرب بما قد كنت تأملني وقر عينا مع الولدان والعيين يا من تخلى عن الدنيا وأزعجه عن الخطايا وعيد في الطواسين.» (توبة شاب وامرأته على يد سري السقطي:
следующие страницы →