مات والدي وأنا صغير فأشرفتْ أمي على رعايتي ... عَمِلَتْ خادمة في البيوت حتى تستطيع أن تصرف علي، فقد كنت وحيدها ... أدخلتني المدرسة وتعلمتُ حتى أنهيت الدراسة الجامعية ... كنت بارّاً بها ... وجاءت بعثتي إلى الخارج فودّعتني أمي والدموع تملأ عينيها وهي تقول لي: انتبه يا ولدي على نفسك ولا تقطعني من أخبارك ... أرسل لي رسائل حتى أطمئن على صحتك.
أكملتُ تعليمي بعد مضي زمن طويل ورجعت شخصاً آخر قد أثّرتْ فيه الحضارة الغربية ... رأيتُ في الدين تخلفاً ورجعية ... وأصبحتُ لا أؤمن إلا بالحياة المادية والعياذ بالله.
وتحصلتُ على وظيفة عالية وبدأت أبحث عن الزوجة حتى حصلت عليها وكانت والدتي قد اختارت لي فتاة متدينة محافظة ولكني أبيتُ إلا تلك الفتاة الغنية الجميلة لأني كنتُ أحلم بالحياة (الأرستقراطية) (كما يقولون) ... وخلال ستة أشهر من زواجي كانتْ زوجي تكيد لأمي حتى كرهتُ والدتي ... وفي يوم من الأيام دخلت البيت وإذا بزوجي تبكي فسألتها عن السبب فقالت لي: شوف يا أنا يا أمك في هذا البيت ... لا أستطيع أن أصبر عليها أكثر من ذلك.
جنّ جنوني وطردتُّ أمي من البيت في لحظة غضب فَخَرجَتْ وهي تبكي وتقول: أسعدك الله يا ولدي.
وبعد ذلك بساعات خَرجتُ أبحث عنها ولكن بلا فائدة ... رجعتُ إلى البيت واستطاعت زوجتي بمكرها وجهلي أن تنسيني تلك الأم الغالية الفاضلة.
انقطعت أخبار أمي عني فترة من الزمن أُصِبْتُ خلالها بمرض خبيث دخلت على إثره المستشفى ... وعَلِمتْ أمي بالخبر فجاءت تزورني، وكانت زوجتي عندي وقبل أن تدخل علي طردتْها زوجتي وقالت لها: ابنك ليس هنا ... ماذا تريدين منا ... اذهبي عنا ... رجعت أمي من حيث أتت!.
وخرجتُ من المستشفى بعد وقت طويل انتكستْ فيه حالتي النفسية وفقدت الوظيفة والبيت وتراكمت علي الديون وكل ذلك بسبب زوجتي فقد كانت ترهقني بطلباتها الكثيرة ... وفي آخر المطاف ردت زوجتي الجميل وقالت: مادمتَ قد فقدت وظيفتك ومالك ولم يعد لك مكان في المجتمع فإني أعلنها لك صريحة: أنا لا أريد ... طلقني.
كان هذا الخبر بمثابة صاعقة وقعتْ على رأسي ... وطلقتها بالفعل ... فاستيقظتُ من السُّباتِ الذي كنت فيه.
خرجتُ أهيم على وجهي أبحث عن أمي وفي النهاية وجدتها ولكن أين وجدتها؟!! كانت تقبع في أحد الأربطة تأكل من صدقات المحسنين.
دخلت عليه ... وجدتها وقد أثر عليها البكاء فبدت شاحبة ... وما إن رأيتها حتى ألقيتُ بنفسي عند رجليها وبكيتُ بكاءً مرّاً فما كان منها إلا أن شاركتني البكاء.
стр. 2942
بقينا على هذه الحالة حولي ساعة كاملة ... بعدها أخذتُّها إلى البيت وآليت على نفسي أن أكون طائعاً لها وقبل ذلك أكون متبعاً لأوامر الله ومجتنباً لنواهيه.
وها أنا الآن أعيش أحلى أيامي وأجملها مع حبيبة العمر: أمي حفظها الله وأسأل الله أن يُديم علينا الستّر والعافية.
(توبة فتاة نصرانية (١):
(سناء) فتاة مصرية نصرانية، كتب الله لها الهداية واعتناق الدين الحق بعد رحلة طويل من الشكّ والمعاناة، تروي قصة هدايتها فتقول:
(نشأت كأي فتاة نصرانية مصرية على التعصب للدين النصراني، وحرص والديَّ على اصطحابي معهما إلى الكنيسة صباح كل يوم أحد لأقبّل يد القس، وأتلو خلفه التراتيل الكنسية، وأستمع إليه وهو يخاطب الجمع ملقناً إياهم عقيدة التثليث، ومؤكداً عليهم بأغلظ الإيمان أن غير المسيحيين مهما فعلوا من خير فهم مغضوب عليهم من الربّ، لأنهم ـ حسب زعمه ـ كفرة ملاحدة.
كنت أستمع إلى أقوال القس دون أن أستوعبها، شأني شأن غيري من الأطفال، وحينما أخرج من الكنيسة أهرع إلى صديقتي المسلمة لألعب معها، فالطفولة لا تعرف الحقد الذي يزرعه القسيس في قلوب الناس.
كبرت قليلاً، ودخلت المدرسة، وبدأت بتكوين صداقات مع زميلاتي في مدرستي الكائنة بمحافظة السويس ... وفي المدرسة بدأت عيناي تتفتحان على الخصال الطيبة التي تتحلّى بها زميلاتي المسلمات، فهن يعاملني معاملة الأخت، ولا ينظرن إلى اختلاف ديني عن دينهن، وقد فهمت فيما بعد أن القرآن الكريم حث على معاملة الكفار ـ غير المحاربين ـ معاملة طيب طمعاً في إسلامهم وإنقاذهم من الكفر، قال تعالى: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨] إحدى زميلاتي المسلمات ربطتني بها على وجه الخصوص صداقة متينة، فكنت لا أفارقها إلا في حصص التربية الدينية، إذ كنت ـ كما جرى النظام ـ أدرس مع طالبات المدرسة النصرانيات مبادئ الدين النصراني على يد معلمة نصرانية.
стр. 2943
كنت أريد أن أسأل معلمتي كيف يمكن أن يكون المسلمون ـ حسب افتراضات المسيحيين ـ غير مؤمنين وهو على مثل هذا الخُلق الكريم وطيب المعشر؟! لكني أم أجرؤ على السؤال خشية إغضاب المعلمة حتى تجرأت يوماً وسألت، فجاء سؤالي مفاجأةً للمعلمة التي حاولت كظم غيظها، وافتعلت ابتسامة صفراء رسمتها على شفيتها وخاطبتني قائلة: (إنك مازلت صغيرة ولم تفهمي الدنيا بعد، فلا تجعلي هذه المظاهر البسيطة تخدعك عن حقيقة المسلمين كما نعرفها نحن الكبار ... ).
صَمَتُّ على مضض على الرغم من رفضي لإجابتها غير الموضوعية، وغير المنطقية.
وتنتقل أسرة أعز صديقاتي إلى القاهرة، ويومها بكينا لألم الفراق، وتبادلنا الهدايا والتذكارات، ولم تجد صديقتي المسلمة هدية تعبر بها عن عمق وقوة صداقتها لي سوى مصحف شريف في علبة قطيفة أنيقة صغيرة، قدمتها لي قائلة: (لقد فكرتُ في هدية غالية لأعطيك إياها ذكرى صداقة وعمر عشنا سوياّ فلم أجد هذا المصحف الشريف الذي يحتوي على كلام الله).
تقبّلت هدية صديقتي المسلمة شاكرة فرحة، وحرصت على إخفائها عن أعين أسرتي التي ما كانت لتقبل أن تحمل ابنتهم المصحف الشريف.
وبعد أن رَحَلَتْ صديقتي المسلمة، كنت كلما تناهى إليّ صوت المؤذن، منادياً للصلاة، وداعياً المسلمين إلى المساجد، أعمد إلى إخراج هدية صديقتي وأقبلها وأنا أنظر حولي متوجسة أن يُفاجأني أحد أفراد الأسرة، فيحدث لي ما لا تُحمد عُقباه.
ومرت الأيام، وتزوجت من (شماس) كنيسة العذراء مريم، ومع متعلقاتي الشخصية، حملت هدية صديقتي المسلمة (المصحف الشريف)، وأخفيته بعيداً عن عيني زوجي، الذي عشت معه كأي امرأة شرقية وفيّة ومخلصة وأنجبت منه ثلاثة أطفال.
وتوظفت في ديوان عام المحافظة، وهناك التقيتُ بزميلات مسلمات متحجبات، ذكرني بصديقتي الأثيرة، وكنت كلما علا صوت الأذان من المسجد المجاور، يتملكني إحساس خفي يخفق له قلبي، دون أن أدري لذلك سبباً محدداً، إذ كنت لا أزال غير مسلمة، ومتزوجة من شخص ينتمي إلى الكنيسة بوظيفة يقتات منها، ومن مالها يطعم أسرته.
وبمرور الوقت، وبمجاورة زميلات وجارات مسلمات على دين وخلق بدأت أفكر في حقيقة الإسلام والمسيحية، وأوازن بين ما أسمعه في الكنيسة عن الإسلام والمسلمين، وبين ما أراه وألمسه بنفسي، وهو ما يتناقض مع أقوال القس والمتعصبين النصارى.
стр. 2944
بدأت أحاول التعرف على حقيقة الإسلام، وأنتهز فرصة غياب زوجي لأستمع إلي أحاديث المشايخ عبر الإذاعة والتلفاز، لعلي أجد الجواب الشافي لما يعتمل في صدري من تساؤلات حيري، وجذبتني تلاوة الشيخ محمد رفعت، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد للقرآن الكريم، وأحسستُ وأنا أستمع إلى تسجيلاتهم عبر المذياع أن ما يرتلانه لا يمكن أن يكون كلام بشر، بل هو وحي إلهي.
وعمدتُ يوماً أثناء وجود زوجي في الكنيسة إلى دولابي، وبيد مرتعشة أخرجتُ كنزي الغالية (المصحف الشريف)، فتحته وأنا مرتبكة، فوقعت عيناي على قوله تعالى: (إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران: ٥٩] ارتعشت يدي أكثر، وتصبب وجهي عرقاً، وسرتْ في جسمي قشعريرة، وتعجبت لأني سبق أن استمعت إلى القرآن كثيراً في الشارع والتلفاز والإذاعة، وعند صديقاتي المسلمات، لكني لم أشعر بمثل هذه القشعريرة التي شعرت بها وأنا أقرأ من المصحف الشريف مباشرةً بنفسي.
هممتً أن أواصل القراءة إلا أن صوت أزيز مفتاح زوجي وهو يفتح باب الشقة حال دون ذلك، فأسرعت وأخفيت والمصحف الشريف في مكانه الأمين، وهرعت لأستقبل زوجي.
وفي اليوم التالي لهذه الحادثة ذهبتُ إلى عملي، وفي رأسي ألف سؤال حائر، إذ كانت الآية الكريمة التي قرأتها وضعتْ الحد الفاصل لما كان يؤرقني حول طبيعة عيسى ﵇، أهو ابن الله كما يزعم القسيس ـ تعالى الله عما يقولون ـ أم أنه نبي كريم كما يقول القرآن؟! فجاءت الآية لتقطع الشك باليقين، معلنة أن عيسى، ﵇، من صلب آدم، فهو إذا ليس ابن الله، فالله : (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدٌ).
تساءلت في نفسي عن الحلّ وقد عرفت الحقيقة الخالدة، حقيقة أن (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، أيمكن أن أشهر إسلامي؟! وما موقف أهلي مني، بل ما موقف زوجي ومصير أبنائي؟!
طافت بي كل هذه التساؤلات وغيرها وأنا جالسة على مكتبي أحاول أن أؤدي عملي لكني لم أستطع، فالتفكير كاد يقتلني، واتخاذ الخطوة الأولى أرى أنها ستعرضني لأخطار جمة أقلّها قتلي بواسطة الأهل أو الزوج والكنيسة.
ولأسابيع ظللتُ مع نفسي بين دهشة زميلاتي اللاتي لم يصارحني بشيء، إذ تعودنني عاملة نشيطة، لكني من ذلك اليوم لم أعد أستطيع أن أنجز عملاً إلا بشق الأنفس.
стр. 2945
وجاء اليوم الموعود، اليوم الذي تخلصتُ فيه من كل شك وخرف وانتقلت فيه من ظلام الكفر إلى نور الإيمان فبينما كنتُ جالسة ساهمة الفكر، شاردة الذهن، أفكر فيما عقدتُّ العزم عليه، تناهى إلى سمعي صوت الأذان من المسجد القريب داعياً المسلمين إلى لقاء ربهم وأداء صلاة الظهر، تغلغل صوت الأذان داخل نفسي، فشعرت بالراحة النفسية التي أبحث عنها، وأحسست بضخامة ذنبي لبقائي على الكفر على الرغم من عظمة نداء الإيمان الذي كان يسري في كل جوانحي، فوقفتُ بلا مقدما لأهتف بصوت عالٍ بين ذهول زميلاتي: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله)، فأقبل عليّ زميلاتي وقد تحيرنَ من ذهولهن، مهنئات باكيات بكاء الفرح، وانخرطتُ أنا أيضا معهن في البكاء، سائلة الله أن يغفر لي ما مضى من حياتي، وأن يرضى عليّ في حياتي الجديدة.
كان طبيعياً أن ينتشر خبر إسلامي في ديوان المحافظة، وأن يصل إلى أسماع زملائي وزميلاتي النصارى، اللواتي تكلفن ـ بين مشاعر سخطهن ـ بسرعة إيصاله إلى أسرتي وزوجي، وبدأن يرددنَ عني مدّعين أن وراء القرار أسباب لا تخفى.
لم آبه لأقوالهن الحاقدة، فالأمر الأكثر أهمية عندي من تلك التخرصات: أن أشهر إسلامي بصورة رسمية، كي يصبح إسلامي علناً، وبالفعل توجهتُ إلى مديرية الأمن حيث أنهيتُ الإجراءات اللازمة لإشهار إسلامي.
وعدتُ إلى بيتي لأكتشف أن زوجي ما إن علم بالخبر حتى جاء بأقاربه وأحرق جميع ملابسي، واستولى على ما كان لديّ من مجوهرات ومال وأثاث، فلم يؤلمني ذلك، وإنما تألمت لخطف أطفالي من قَبَل زوجي ليتخذ منهم وسيلة للضغط عليّ للعودة إلى ظلام الكفر ... آلمني مصير أولادي، وخفتُ عليهم أن يتربوا بين جدران الكنائس على عقيدة التثليث، ويكون مصيرهم كأبيهم في سقر.
رفعتُ ما اعتمل في نفسي بالدعاء إلى الله أن يعيد إلىّ أبنائي لتربيتهم تربية إسلامية، فاستجاب الله دعائي، إذ تطوع عدد من المسلمين بإرشادي للحصول على حكم قضائي بحضانة الأطفال باعتبارهم مسلمين، فذهبت إلى المحكمة ومعي شهادة إشهار إسلامي، فوقفت المحكمة مع الحق، فخيرتْ زوجي بين الدخول في الإسلام أو التفريق بينه وبيني، فقد أصبحتُ بدخولي في الإسلام لا أحلُّ لغير مسلم، فأبى واستكبر أن يدخل في دين الحق، فحكمتِ المحكمة بالتفريق بيني وبينه، وقضتْ بحقي في حضانة أطفالي باعتبارهم مسلمين، لكونهم لم يبلغوا الحُلم، ومن ثم يلتحقون بالمسلم من الوالدين.
стр. 2946
حسبت أن مشكلاتي قد انتهت عند هذا الحد، لكني فوجئت بمطاردة زوجي وأهلي أيضاً، بالإشاعات والأقاويل بهدف تحطيم معنوياتي ونفسيتي، وقاطعتني الأسر النصرانية التي كنت أعرفها، وزادت على ذلك بأن سعت هذه الأسر إلى بث الإشاعات حولي بهدف تلويث سمعتي، وتخويف الأسر المسلمة من مساعدتي لقطع صلتهن بي.
وبالرغم من كل المضايقات ظللتُ قوية متماسكة، مستمسكة بإيماني، رافضة كل المحاولات الرامية إلى ردَّتي عن دين الحق، ورفعتُ يديّ بالدعاء إلى مالك الأرض والسماء، أن يمنحني القوة لأصمد في وجه كل ما يشاع حولي، وأن يفرّج كربي.
فاستجاب الله دعائي وهو القريب المجيب، وجاءني الفرج من خلال أرملة مسلمة، فقيرة المال، غنية النفس، لها أربع بنات يتامى وابن وحيد بعد وفاة زوجها، تأثرتْ هذه الأرملة المسلمة للظروف النفسية التي أحياها، وتملكها الإعجاب والإكبار لصمودي، فعرضتْ عليّ أن تزوجني بابنها الوحيد (محمد) لأعيش وأطفالي معها ومع بناتها الأربع، وبعد تفكير لم يدم طويلاً وافقتُ، وتزوجتُ محمداً ابن الأرملة المسلمة الطيبة.
وأنا الآن أعيش اليوم مع زوجي المسلم (محمد) وأولادي، وأهل الزوج في سعادة ورضا وراحة بال، على الرغم مما نعانيه من شظف العيش، وما نلاقيه من حقد زوجي السابق، ومعاملة أسرتي المسيحية.
ولا أزال بالرغم مما فَعَلَته عائلتي معي أدعو الله أن يهديهم إلى دين الحق ويشملهم برحته مثلما هداني وشملني برحمته، وما ذلك عليه بعزيز.
(توبة رجل في بانكوك (١):
(بانكوك) بلد الضياع والفساد ... بلد العربدة والفجور بلد المخدرات والهلاك أنه رمز لذلك كله.
مئات الشباب ... بل والشيوخ يذهبون إلى بانكوك يبحثون عن المتعة الحرام فيعودون وقد خسروا الراحة والحياة السعيدة ... خسروا دينهم ودنياهم ... وبعضهم يعود وقد خسر الدنيا والآخرة يعود جنازة قد فارق الحياة ويا لها من خاتمة بئيسة!!
وفيما يلي قصة لرجل قد بدأ الشّيبُ يَشتعلُ في رأسه ذهب إلى هناك تاركاً زوجته وأولاده ولكنه استيقظ في النهاية يروي قصته فيقول:
стр. 2947
لم أخجل من الشيب الذي زحف إلى رأسي ... لم أرحم مستقبل ابنتي الكبرى التي تنتظر من يطرق الباب طالباً يدها للزواج ... لم أعبأ بالضحكات الطفولية لابنتي الصغرى التي كانت تضفي السعادة والبهجة على البيت ... لم أتلفت إلى ولدي ذي الخمسة عشر ربيعاً والذي أرى فيه أيام صباي وطموحات شبابي وأحلام مستقبلي ... وفوق كل هذا وذاك لم أهتم بنظرات زوجتي ... شريكة الحلو والمرّ وهي تكاد تسألني إلى أين ذلك الرحيل المفاجئ.
شيئا واحداً كان في خاطري وأنا أجمع حقيبة الضياع لأرحل ... قفز هذا الشيء فجأة ليصبح هو الحلم والأمل ... ليصبح هو الخاطر الوحيد ... وميزان الاختيارات الأقوى.
ما أقسى أن يختار المرء تحت تأثير الرغبة ... وما أفظع أن يسلك طريقاً لا هدف له فيه سوء تلبية نداء الشيطان في نفسه وهكذا أنا ... كأنه لم تكفني ما تمنحه زوجتي إياي ... تلك المرأة الطيبة التي باعت زهرة عمرها لتشتري فقري ... وضحت كثيراً لتشبع غروري الكاذب ... كانت تمر عليها أيام وهي تقتصر على وجبة واحدة في اليوم لأن مرتبي المتواضع من وظيفتي البسيطة لم يكن يصمد أمام متطلبات الحياة.
صبرت المسكينة ... وقاست كثيراً حتى وقفت على قدمي ... كنت أصعد على أشلاء تضحياتها ... نسيتُ أنها امرأة جميلة صغيرة ... يتمناها عشرات الميسورين واختارتني لتبني مني رجلاً ذا دنيا واسعة في عالم الأعمال يسانده النجاح في كل خطوة من خطواته.
وفي الوقت الذي قررّت فيه أن ترتاح تجني ثمرات كفاحها معي فوجئتْ بي أطير كأن عقلي تضخم من أموالي ... وكأني أعيش طيش المراهقة التي لم أعشها في مرحلتها الحقيقية.
بدأت يومي الأول في بانكوك ... وجه زوجتي يصفع خيالي كلما هممتُ بالسقوط هل هي صيحات داخلية من ضمير يرفض أن ينام ... أم هو عجز (الكهولة) الذي شل حركتي.
(إنك لا تستطيع شيئاً ... أعرض نفسك على الطبيب) عبارة صفعتني بها أول عثرة فنهضت وقد أعمى الشيطان البصيرة ولم يعد همي سوى رد الصفعة ... توالت السقطات وتوالى الضياع ... كنت أخرج كل يوم لأشتري الهلاك وأبيع الدين والصحة ومستقبل الأولاد وسلامة الأسرة ... ظننت أنني الرابح والحقيقة أنني الخاسر الضائع الذي فقد روحه وضميره وعاش بسلوك البهائم يغشى مواطن الزلل.
أخذت أتجرع ساعات الهلاك في بانكوك كأنني أتجرّع السم الزعاف ... أشرب كأس الموت ... كلما زلّت القدم بعثرات الفساد ... لم تعد في زمني عظة ولم يسمع عقلي حكمة.
стр. 2948
عشت غيبوبة السوء يزينها لي مناخ يحمل كل أمراض الخطيئة ... مرت سبعة أيام أصبحت خلالها من مشاهير رواد مواطن السوء ... يُشار إلي بالبنان ... فأنا رجل الأعمال (الوسيم) الذي يدفع أكثر لينال الأجمل!
أحياناً كان همي الوحيد منافسة الشباب القادمين إلى بانكوك في الوجاهة ... في العربدة ... في القوة ... أعرفهم جيداً ... لا يملكون جزءاً يسيراً مما أملكه لكنهم كانوا يلبسون (أشيك) مما ألسبه لذا كنت اقتنص فوراً الفريسة التي تقع عليها أعينهم ... وعندها أشعر أنني انتصرت في معركة حربية وفي النهاية سقطت سقطة حولتني إلى بهيمة ... فقدت فيها إنسانيتي ولم أعد أستحق أبوتي ... فكانت الصفعة التي أعادت إلى الوعي ... قولوا عني ما تشاءون ... اصفعوني ... ابصقوا في وجهي ... ليتكم كنتم معي في تلك الساعة لتفعلوا كل هذا ... أي رعب عشته في تلك اللحظات وأي موت تجرعته.
أقسم لكم أنني وضعت الحذاء في فمي لأن هذا أقل عقاب أستحقه ... رأيت فجأة وجه زوجتي يقفز إلى خيالي ... كانت تبتسم ابتسامة حزينة ... وتهز رأسها أسفاً على ضياعي ... رأيت وجه ابنتي الكبرى التي بلغت سن الزواج تلومني وهي تقول: ما الذي جعلك تفعل كل هذا فينا وفي نفسك؟! ورأيت لأول مرة صحوة ضميري ولكنها صحوة متأخرة ... جمعت حقيبة الضياع التي رحلت بها من بلدي ... قذفتها بعيداً ... وعدت مذبوحاً من الوريد إلى الوريد.
ها أنذا أبداً أولى محاولتي للنظر في وجه زوجتي ... أدعو الله أن يتوب علي ... وأن يلهم قلبها نسيان ما فعلته في حقها وحق أولادنا. ولكن حتى الآن لم أسامح نفسي ... ليتكُم تأتون إلىّ وتصفعوني بأحذيتكم أنني أستحق أكثر من ذلك.
(توبة شاب رأى الموت بعينيه (١)
شاب من ضحايا رفقاء السوء، كانت له صولات وجولات في عالم الضياع والمخدرات، حدثت في حياته حادثة أيقظته من غفلته، وأعادته إلى خالقه، التقيتُ به في أحد مساجد الرياض، فحدثني عن قصته، فقال:
نشأتُ في بيت متدين جدّاً، في حي من أحياء مدينة الرياض، والدي ﵀ كان شديد التدين، فلم يكن يسمح بدخول شيء من آلات اللهو والفساد إلى البيت.
стр. 2949
ومضتِ الأيام، وتجاوزت مرحلة الطفولة البريئة، ولما بلغت الرابعة عشرة من عمري ـ وكنت في السنة الثانية من المرحلة المتوسطة ـ حدث في حياتي حادث كان سبباً في تعاستي وشقائي فترة من الزمن، فقد تعرفت على (شلة) من رفقاء السوء، فكانوا ينتظرون الفرصة المناسبة لإيقاعي في شباكهم (١).
وجاءت الفرصة المناسبة، فترة الامتحانات، فجاءوني بحبوب بيضاء منبهة، فكنت أسهر عدداً من الليالي المتواليات في المذاكرة دون أن يغلبني نعاسٌ، أو أشعر بحاجة إلى نوم، وانتهتِ الامتحانات، ونجحتُ بتفوق!!
وبعد الامتحانات داومت على تعاطي هذه الحبوب البيضاء، فأرهقني السهر، وتعبتُ تعباً شديداً، فجاءني أولئك (الشياطين)، وقدموا لي في هذه المرة حبوباً حمراء (مخدرات)، وقالوا لي: إنها تطرد عني السهر وتجلبُ لي النوم والراحة، ولم أكن ـ لصغر سني ـ أدرك حقيقة هذه اللعبة، وهذا التآمر وهذا المكر الخبيث من هؤلاء الشياطين، شياطين الإنس.
أخذت أتعاطى هذه الحبوب الحمراء يومياً وبالعشرات، وبقيتُ على هذه الحال ثلاث سنوات تقريباً أو أكثر، وفشلت في دراستي، ولم أتمكن من إتمام المرحلة المتوسطة من الدراسة والحصول على الشهادة، فصرتُ أنتقل من مدرسة إلى مدرسة عليّ أحصل عليها، ولكن دون جدوى، وبعد هذا الفشل الذريع الذي كان سببه هذه الحبوب المشؤومة، فكرتُ في الانتقال إلى مدينة أخرى، حيث يقيم عمي وأولاده في محاولة أخيرة لإتمام الدراسة.
وفي ليلة من ليالي الشتاء البرادة ـ وكان والدي قد اشترى سيارة جديدة ـ أخذت هذه السيارة دون علم والدي، واتجهتُ إلى تلك المدينة، وكنتُ أحمل في جيبي كمية كبيرة من الحبوب الحمراء.
وفي الطريق توقفت عند بعض الأصحاب، وفي تلك الليلة أسرفتُ في تناول هذه الحبوب حتى أصبحتُ في وضع يرثى له.
стр. 2950
وقبيل الفجر، ركبتُ السيارة وانطلقت في طريقي، وما هي إلا دقائق حتى غبتُ عن الدنيا ولم أفق إلا وأنا في المستشفى في حالة سيئة، قد كسرت ساقي اليمنى، وأصبحت بجروح كثيرة، بعد أن مكثت في غرفة الإنعاش ثمانٍ وأربعين ساعةً، فقد كان حادثاً شنيعاً حيث دخلتُ بسيارتي تحت سيارة نقل كبيرة، ومن رحمة الله بي أن كتب لي الحياة، ومنحنى فرصة جديدة، لعلي أتوب وأقلع عمّا أنا فيه، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
نقلت من المستشفى إلى بيت والدي بالرياض، وفي البيت كنت أتعاطى هذه الحبوب النكدة.
قد تسألني وتقول: كيف تحصل على هذه الحبوب، وأنت على فراش المرض؟
فأقول: لقد كان أولئك الشياطين يأتون إليّ في البيت فيعرضون علي بضاعتهم، فأشتري منهم، بالرغم من حالتي السيئة.
بقيتُ على هذه الحال أياماً، حتى أحسست بتحسن بسيط، وكانت فكرة السفر تراودني حتى تلك اللحظة أملاً في إكمال دراستي المتوسطة.
وفي عصر أحد الأيام، وبعد أن تناولت كمية كبيرة من هذه الحبوب، خرجت أتوكأ على عكازي وأخذت أبحث عن سيارة تنقلني إلى المدينة، حاولت أن أوقف عدداً من السيارات إلا أن أحداً لم يقف لي، فذهبت إلى موقف سيارات الأجرة واستأجرت سيارة أوصلتني إلى هناك.
وهناك، بادرت بالتسجيل في إحدى المدارس المتوسطة بعد جهود بذلها عمي وغيره في قبولي، وحصلتُ على شهادة الكفاءة، وكنت أثناء الدراسة مستمراً على تعاطي المسكرات، إلا أنني تركتُ المخدرات ووقعتُ في الشراب (الخمر)، وفي الوقت نفسه كنت أقوم بترويج تلك الحبوب الحمراء، وبيعها بسعر مضاعف، ولم أكن أدرك فداحة هذا الأمر وخطورته، فقد كان همي جمع المال ـ أسأل الله أن يتوب عليّ ـ.
ثم وقعتُ بعد ذلك في الحشيش وأدمته، وكنت أتعاطاه عن طريق التدخين، فكنت أذهب إلى المدرسة وأنا في حالة هستيرية فأرى الناس من حولي كأنهم ذباب أو حشرات صغيرة، لكني لم أكن أتعرض لأحد، لأن الذي يتعاطى هذا البلاء يكون جباناً يخاف من كل شيء.
بقيت على هذه الحال سنتين تقريباً، وكنت آنذاك أسكن بمفردي في بيت يقع في مكان ناءٍ في طرف البلد.
وفي يوم من الأيام جاءني اثنان من شياطين الإنس الذين أعرفهم ـ وكان أحدهم متزوجاً ـ فأوقفت سيارتي وركبت معهم، وكان ذلك بعد صلاة العصر، فأخذنا ندور وندور في شوارع البلد.
وبعد جولة دامت عدة ساعات، أوقفوني عند سيارتي، فركبتها واتجهت إلى البيت فلم أستطع الوصول إليه، فقد كنت في حالة سكر شديد.
стр. 2951
ظللت مدة ساعتين أو أكثر أبحث عن البيت فلم أجده!!!
وفي نهاية المطاف وبعد جهد جهيد وجدته ... فلما رأيته فرحتُ فرحاً شديداً، فلما هممتُ بالنزول من السيارة أحسستُ بألم شديد جداً في قلبي، وبصعوبة بالغة نزلت ودخلت البيت، وفي اللحظات تذكرت الموت.
نعم، والله أيها الاخوة لقد تذكرتُ الموت كأنه أمامي يريد أن يهجم عليّ، ورأيت أشياء عجيبة أعجز عن وصفها الآن فقمتُ مسرعاً ومن غير شعور، ودخلت دورة المياه وتوضأت، وبعد خروجي من الدورة عدتُّ وتوضأت ثانية .. ثم أسرعت إلى إحدى الغرف وكبرت ودخلت في الصلاة، وأتذكر أني قرأت في الركعة الأولى بالفاتحة، و (قل هو الله أحد) ولا أتذكر ما قرأته في الركعة الثانية.
المهم أنني أديت تلك الصلاة بسرعة شديد قبل أن أموت!!
وألقيت بنفسي على الأرض، على جنبي الأيسر، واستسلمت للموت، فتذكرت تلك اللحظات أنني سمعت أن الميت من الأفضل أن يوضع على جنبه الأيمن فتحولت إلى الجنب الأيمن، وأنا أحس بأن شيئاً ما يهز كياني هزاً عنيفاً.
ومرت في خاطري صور متلاحقة من سجل حياتي الحافل بالضياع والمجون، وأيقنت أن روحي قد أوشكت على الخروج.
ومرّت لحظات كنت أنتظر فيها الموت، وفجأة حرّكتُ قدمي فتحركتْ، ففرحتُ بذلك فرحاً شديداً، ورأيت بصيصاً من الأمل يشعّ من بين تلك الظلمات الحالكة، فقمت مسرعاً وخرجت من البيت وركبت سيارتي، وتوجهت إلى بيت عمي.
دفعت الباب ودخلت، فوجدتهم مجتمعين يتناولون طعام العشاء، فألقيت بنفسي بينهم.
قام عمي فزعاٍ وسألني: ما بك؟!!
فقلت له: إن قلبي يؤلمني.
فقام أحد أبناء عمي، وأخذني إلى المستشفى، وفي الطريق أخبرته بحالي وأنني قد أسرفت في تعاطي ذلك البلاء، وطلبتُ منه أن يذهب بي إلى طبيب يعرفه، فذهب بي إلى مستوصف أهلي، فلما كشف عليّ الطبيب وجد حالتي في غاية السوء حيث بلغت نسبة الكحول في جسمي ٩٤%، فامتنع عن علاجي، وقال لابدّ من حضور رجال الشرطة، وبعد محاولات مستمرة وإلحاح شديد وإغراءات وافق على علاجي، فقاموا بتخطيط للقلب ثم بدءوا بعلاجي.
كان والدي في ذلك الوقت موجوداً في تلك المدينة، فلما علم أني في المستشفى جاء ليزورني، وقد رأيته وقف فوق رأسي فلما شم رائحتي ضاق صدره فخرج ولم يتكلم.
أمضيت ليلة تحت العلاج، وقبل خروجي نصحني الطبيب بالابتعاد عن المخدرات، وأخبرني بأن حالتي سيئة جداً.
стр. 2952
وخرجت من المستشفى، وأحسست بأني قد منحت حياة أخرى جديدة، وأراد الله بي خيراً، فكنت فيما بعد كلما شممت رائحة الحشيش أصابني مثل ما أصابني في تلك الليلة وتذكرت الموت، فأطفئ السيجارة، وكنتُ كلما نمت بالليل أشعر بأن أحداً يوقظني ويقول لي: قم، فأستيقظ وأنا أنتفض من الخوف، فأتذكر الموت والجنة والنار والقبر، كما كنت أتذكر صاحبين لي من رفقاء السوء لقيا حتفهما قبل وقت قصير، فأخاف أن يكون مصيري كمصيرهما، فكنت أقوم آخر الليل فأصلي ركعتين ـ ولم أكن أعرف صلاة الوتر في ذلك الحين ـ ثم بدأت أحافظ على الصلوات المفروضة، وكنتُ كلما شممت رائحة الحشيش أو الدخان أتذكر الموت فأتركهما.
وبقيت على هذه الحال أربعة أشهر أو أكثر حتى قيض الله لي أحد الشباب الصالحين فالتقطني من بين أولئك الأشرار، وأخذني معه إلى مكة المكرمة لأداء العمرة، وبعدها ولله الحمد تبت إلى الله وعدت إليه.
ونصيحتي للشباب المسلم أن يحذروا كل الحذر من شياطين الإنس، ورفقاء السوء، الذين كانوا سبباً في شقاقي وتعاستي سنوات طويلة، ولولا رأفة الله ورحمته حيث أنقذني من بين أيديهم لكنت من الخاسرين.
وأسال الله أن يتوب عليّ، وعلى جميع المذنبين والعاصيين إنه توّاب رحيم.
(توبة امرأة مغربية بعد إصابتها بالسرطان وشفائها منه في بيت الله (١)
(ليلى الحلوة) امرأة مغربية، أصيبت بالمرض الخبيث (السرطان)، فعجز الأطباء عن علاجها، ففقدت الأمل إلا بالله الذي لم تكن تعرفه من قبل، فتوجهت إليه في بيته الحرام، وهناك كان الشفاء، والآن ـ عزيزي القارئ ـ أتركك مع الأخت ليلى لتروي تفاصيل قصتها بنفسها، فتقول:
منذ تسع سنوات أصبتُ بمرض خطير جداً، وهو مرض السرطان، والجميع يعرف أن هذا الاسم مخيف جداً وهناك في المغرب لا نسميه السرطان، وإنما نسميه (الغول) أو (المرض الخبيث).
أصبتُ بالتاج الأيسر، وكان إيماني بالله ضعيفاً جداً، كنتُ غافلة عن الله تعالى، وكنت أظن أن جمال الإنسان يدوم طوال حياته، وأن شبابه وصحته كذلك، وما كنت أظن أبداً أني سأصاب بمرض خطير كالسرطان، فلما أصبتُ بهذا المرض زلزلني زلزالاً شديداً، وفكرت في الهروب، ولكن إلى أين؟! ومرضي معي أينما كنت، فكرت في الانتحار، ولكني كنتُ أحب زوجي وأولادي، وما فكرت أن الله سيعاقبني إذا انتحرت، لأني كنت غافلة عن الله كما أسلفت.
стр. 2953
وأراد الله أن يهديني بهذا المرض، وأن يهديني بي كثيراً من الناس فبدأت الأمور تتطور.
لما أصبتُ بهذا المرض رحلت إلى بلجيكا، وزرت عدداً من الأطباء هناك، فقالوا لزوجي لابدّ من إزالة الثدي .. وبعد ذلك استعمال أدوية حادّة تُسقط الشعر وتزيل الرموش والحاجبين، وتعطي لحية على الوجه، كما تسقط الأظافر والأسنان، فرفضتُ رفضاً كلياً، وقلت: إني أفضل أن أموت بثديي وشعري وكل ما خلق الله بي ولا أشوّه، وطلبتُ من الأطباء أن يكتبوا لي علاجاً خفيفاً ففعلوا. فرجعتُ إلى المغرب، واستعملتُ الدواء فلم يؤثر علىّ ففرحتُ بذلك، وقلت في نفسي: لعل الأطباء قد أخطئوا، وأني لم أصب بمرض السرطان.
ولكن بعد ستة أشهر تقريباً، بدأت أشعر بنقص في الوزن، لوني تغير كثيراً وكنت أحس بالآلام، كانت معي دائماً، فنصحني طبيبي في المغرب أن أتوجه إلى بلجيكا، فتوجهت إلى هناك.
وهناك، كانت المصيبة، فقد قال الأطباء لزوجي: إن المرض قد عمّ، وأصيبت الرئتان، وأنهم الآن ليس لديهم دواء لهذه الحالة .. ثم قالوا لزوجي من الأحسن أن تأخذ زوجتك إلى بلدها حتى تموت هناك.
فُجِعَ زوجي بما سمع، وبدلاً من الذهاب إلى المغرب ذهبنا إلى فرنسا حيث ظننا أننا سنجد العلاج هناك، ولكنا ولم نجد شيئاً، وأخيراً حرصنا على أن نستعين بأحد هناك لأدخل المستشفى وأقطع ثديي وأستعمل العلاج الحاد.
لكن زوجي يذكر شيئاً كنا قد نسيناه، وغفلنا عنه طوال حياتنا، لقد ألهم الله زوجي أن نقوم بزيارة إلى بيت الله الحرام، لنقف بين يديه سبحانه ونسأله أن يكشف ما بنا من ضرّ، وذلك ما فعلنا.
خرجنا من باريس ونحن نهلل ونكبر، وفرحتُ كثيراً لأنني لأول مرة سأدخل بيت الله الحرام، وأرى الكعبة المشرفة، واشتريتُ مصحفاً من مدينة باريس، وتوجهنا إلى مكة المكرمة.
وصلنا إلى بيت الله الحرام، فلما دخلنا ورأيتُ الكعبة بكيتُ كثيراً لأنني ندمت على ما فاتني من فرائض وصلاة وخشوع وتضرع إلى الله، وقلت: يا رب .. لقد استعصى علاجي على الأطباء، وأنت منك الداء ومنك الدواء، وقد أُغْلِقَتْ في وجهي جميع الأبواب، وليس لي إلا بابك فلا تُغْلِقْه في وجهي وطفتُ حول بيت الله، وكنت أسأل الله كثيراً بأن لا يخيبني، وأن يخذلني، وإن يحيّر الأطباء في أمري.
стр. 2954
وكما ذكرت آنفاً، فقد كنت غافلة عن الله، جاهلة بدين الله، فكنت أطوف على العلماء والمشايخ الذين كانوا هناك، وأسألهم أن يدلوني على كتب وأدعية سهلة وبسيطة حتى أستفيد منها، فنصحوني كثيراً بتلاوة كتاب الله والتضلع من ماء زمزم ـ والتضلع هو أن يشرب الإنسان حتى يشعر أن الماء قد وصلى أضلاعه ـ كما نصحوني بالإكثار من ذكر الله، والصلاة على رسوله ﷺ .
شعرت براحة نفسية واطمئنان في حرم الله، فطلبتُ من زوجي أن يسمح لي بالبقاء في الحرم، وعدم الرجوع إلى الفندق، فأذن لي.
وفي الحرم كان بجواري بعض الأخوات المصريات والتركيات كنَّ يرينني أبكي كثيراً، فسألنني عن سبب بكائي فقلت: لأنني وصلتُ إلى بيت الله، وما كنت أظن أني سأحبه هذا الحب، وثانياً لأنني مصابة بالسرطان.
فلازمنني ولم يكن يفارقنني، فأخبرتهن أنني معتكفة في بيت الله، فأخبرن أزواجهن ومكثن معي، فكنا لا ننام أبداً، ولا نأكل من الطعام إلا القليل، لكنا كنا نشرب كثيراً من ماء زمزم، والنبي ﷺ ، يقول: (ماء زمزم لما شرب له)، إن شربتَه لتشفى شفاك الله، وإن شربته لظمأك قطعه الله، وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله، فقطع الله جوعنا، وكنا نطوف دون انقطاع، حيث نصلي ركعتين ثم نعاود الطواف، ونشرب من ماء زمزم ونكثر من تلاوة القرآن، وهكذا كنا في الليل والنهار لا ننام إلا قليلاً، عندما وصلتُ إلى بيت الله كنت هزيلة جداً، وكان في نصفي الأعلى كثير من الكويرات والأورام، التي تؤكد أن السرطان قد عمّ جسمي الأعلى، فكنّ ينصحنني أغسل نصفي الأعلى بماء زمزم، ولكني كنت أخاف أن ألمس تلك الأورام والكويرات، فأتذكر ذلك المرض فيشغلني ذلك عن ذكر الله وعبادته، فغسلته دون أن ألمس جسدي.
وفي اليوم الخامس ألحّ عليّ رفيقاتي أن أمسح جسدي بشيء من ماء زمزم فرفضتُ في بداية الأمر، لكني أحسستُ بقوة تدفعني إلى أن آخذ شيئاً من ماء زمزم وأمسح بيدي على جسدي، فخفت في المرة الأولى، ثم أحسست بهذه القوة مرة ثانية، فترددت ولكن في المرة الثالثة ودون أن أشعر أخذت يدي ومسحت بها على جسدي وثديي الذي كان مملوءاً كله دماً وصديداً وكويرات، وحدث ما لم يكن في الحسبان، كل الكويرات ذهبت ولم أجد شيئاً في جسدي، لا ألماً ولا دماً ولا صديداً.
стр. 2955
فاندهشتُ في أول الأمر، فأدخلت يدي في قميصي لأبحث عما في جسدي فلم أجد شيئاً من تلك الأورام، فارتعشتُ، ولكن تذكرتُ أن الله على كل شيء قدير، فطلبت من إحدى رفيقاتي أن تلمس جسدي، وأن تبحث عن هذه الكويرات، فصحن كلهن دون شعور: الله أكبر الله أكبر.
فانطلقتُ لأخبر زوجي، ودخلتُ الفندق، فلما وقفتُ أمامه مزقتُ قميصي وأنا أقول، انظر رحمة الله، وأخبرته بما حدث فلم يصدق ذلك، وأخذ يبكي ويصيح بصوت عالٍ ويقول: هل علمتِ أن الأطباء أقسموا على موتك بعد ثلاثة أسابيع فقط؟ فقلت له: إن الآجال بيد الله ولا يعلم الغيب إلا الله.
مكثنا في بيت الله أسبوعاً كاملاً، فكنت أحمد الله وأشكره على نعمه التي لا تُحصى، ثم زرنا المسجد النبوي بالمدينة المنورة ورجعنا إلى فرنسا.
وهناك حار الأطباء في أمري واندهشوا وكادوا يُجنّون، وصاروا يسألونني هل أنت فلانة؟! فأقول لهم: نعم ـ بافتخار ـ وزوجي فلان، وقد رجعت إلى ربي، وما عدت أخاف من شيء إلا من الله سبحانه، فالقضاء قضاء الله، والأمر أمره.
فقالوا لي: إن حالتك غريبة جداً وإن الأورام قد زالت، فلابد من إعادة الفحص.
أعادوا فحصي مرة ثانية فلم يجدوا شيئاً وكنت من قبل لا أستطيع التنفس من تلك الأورام، ولكن عندما وصلت إلى بيت الحرام وطلبت الشفاء من الله ذهب ذلك عني.
بعد ذلك كنتُ أبحث عن سيرة النبي ﷺ ، وعن سيرة أصحابه ﵃ وأبكي كثيراً، كنت أبكي ندماً على ما فاتني من حُب الله ورسوله، وعلى تلك الأيام التي قضيتها بعيدة عن الله ، وأسأل الله أن يقبلني وأن يتوب عليّ وعلى زوجي وعلى جميع المسلمين.
(توبة فتاة من عالم الأزياء إلى كتب العلم والعقيدة (١)
إن إفساد المرأة المسلمة وإخراجها من دينها من أهم ما يسعى إليه أعداء الإسلام باسم (تحرير المرأة)، ذلك أن المرأة هي المدرسة التي تتربى فيها الأجيال وتتخرج، وبفسادها تفسد الأجيال.
يقول (يوبه) المأسوني سنة ١٨٧٩م:
стр. 2956
(تأكدوا تماماً أننا لسنا منتصرين على الدين إلا يوم تشاركنا المرأة فتمشي في صفوفنا)، ولكي تمشي المرأة في صفوفهم أخذوا يحيكون المؤامرات، والمخططات ليلاً ونهاراً، ومنها إشغال المرأة بالتوافه من الأمور كالاهتمام الزائد باللباس والزينة والتجمل، وإغراق الأسواق بمجلات الأزياء المتخصصة التي تحمل في طياتها آخر ما تفتّق عن العبقرية اليهودية (١) من الأزياء العارية الفاتنة، و (الموديلات) الرخيصة الماجنة التي تتنافى مع ما أمر الله به المرأة من الحشمة والعفاف والستر، وقد قال: رسول الله ﷺ : (من تشبه بقوم فهو منهم).
والآن سنقف قليلاً مع إحدى الأخوات، لتحدثنا عن رحلتها مع عالم الأزياء والجمال الزائف إلى عالم آخر، عالم الكتب وطلب العلم، فتقول:
عشتُ بداية حياتي في ضلال وضياع وغفلة، بين سهر على معاصي الله، وتأخير للصلاة عن وقتها، ونوم وخروج إلى الحدائق والأسواق، ومع ذلك كله فقد كنت أصلي أصوم، وأحاول أن ألتزم بأوامر الشرع التي تعلمتها منذ نعومة أظفاري، حتى أني ـ في المرحلة المتوسطة ـ كنت أعدّ ملتزمة بالنسبة لغيري من الفتيات الأخريات، ولكن حب المرأة للزينة والجمال والشهرة وميلها الغريزي إليه كان من أكبر مداخل الشيطان عليّ.
فقد كنتُ مفتونة جدّاً بالأناقة وحبّ ابتكار (الموديلات) التي قد يستصغرها البعض ويقول: إنها ليست بمعصية، ولكني أقول: إنها قد تكون من أكبر المعاصي، فقد كانت هي وقتي كله، كنت أفكر فيها عند الطعام والشراب والنوم والسفر، وأثناء الحصص المدرسية، حتى الاختبارات، مع حرصي الشديد على المذاكرة والتفوق حيث كنت من الأوائل على المرحلة بكاملها.
وأعظم من ذلك، أن مثل هذه الأمور التافهة كانت تشغل تفكيري حتى في الصلاة والوقوف بين يدي الله، فإذا انتهيتُ من الصلاة بدأت في وصف الموديل الذي فكرت به في الصلاة لأختي، وهي كذلك.
وأذكر مرة أني حضرت زواجاً لإحدى قريباتي، وحزتْ على إعجاب الكثيرات من بنات جيلي من إطراء ومديح بطريقة اللبس مما زاد من غروري، وجعلني أتحسر وأتألم لِمَ لم ألبس أفضل لأحوز على مديح أكثر، وأخذت أتحسر لمدة سنة تقريباً.
стр. 2957
قد تستغربون ذلك، ولكن هذا كله بسبب الصديقات المنحلات اللاتي كنت أختارهنّ، فكنت بالنسبة لهن ملتزمة.
وفي نهاية المرحلة الثانوية يسر الله لي طريق الهداية، فقد كنت أذهب أثناء الاختبارات إلى مصلى المدرسة لأذاكر مع صديقاتي، فأجد هناك بعض حلقات العلم فأجلس إليها وأستمع أنا وزميلاتي، فأثر ذلك فيّ، مما جعلني بعد التخرج ودخول الجامعة ألتحق بقسم الدراسات الإسلامية.
وفي الجامعة، تعرفتُ على أخوات صالحات، وبفضل الله ثم بفضل أخواتي الصالحات ومجالس الذكر والإلحاح في الدعاء أعانني الله على أن استبدل حب الدنيا بطلب العلم، حتى أني أنسى حاجتي للطعام والشراب مع طلب العلم، ولا أزكي نفسي ولكن الله يقول: (وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ) [الضحى: ١١] كما أصبحت بعد الالتزام أشعر بسعادة تغمر قلبي فأقول: بأنه يستحيل أن يكون هناك إنسان أقل مني التزاماً أن يكون أسعد مني، ولو كانت الدنيا كلها بين عينيه، ولو كان من أغنى الناس.
وهكذا تمت رحلتي من السهر على الفيديو والأفلام الماجنة إلى كتب العقيدة والحديث وأبحاث الفقه.
ومن النوم إلى الظهيرة إلى هدي النبي ﷺ ، في النوم فالإنسان محاسب على وقته، وعليه استغلال كل دقيقة، فإذا كنت في وضع لا يسمح لي بطلب العلم فلساني لا يفتر ـ والله الحمد ـ من ذكر الله والاستغفار.
وفي الختام أسأل الله لي ولجميع المسلمين والمسلمات الهداية والثبات .. فأكثر ما ساعدني على الثبات ـ بعد توفيق الله ـ هو إلقائي للدروس في المصلى، بالإضافة إلى قراءتي عن الجنة بأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، من اللباس والجمال والزينة، والأسواق، والزيارات بين الناس، وهذه من أحب الأشياء إلى قلبي.
فكنت كلما أردت أن أشتري شيئاً من الملابس التي تزيد على حاجتي أقول: ألبسها في الآخرة أفضل.
فتذكري للجنة ونعيمها من أكثر الأسباب المرغبة لي في ترك ملذات الدنيا طمعاً في الحصول عليها كاملةً في الآخرة بإذن الله.
ومن أكثر الأسباب المرغبة لي في ترك المعاصي تذكري للصراط، وأهوال يوم القيامة، وأن الأعمال تعرض على الله أمام جميع الخلائق، وهناك تكون الفضيحة.
(توبة شاب كان يتعرض للنساء (١):
إنها قصة مؤثرة، يرويها أحد الغيورين على دين الله يقول:
стр. 2958
خرجت ذات يوم بسيارتي لقضاء بعض الأعمال، وفي إحدى الطرق الفرعية الهادئة قابلني شاب يركب سيارة صغيرة، لم يرني، لأنه كان مشغولاً بملاحقة بعض الفتيات في تلك الطريق الخالية من المارّة.
كنتُ مسرعاً فتجاوزته، فلما سرت غير بعيد قلت في نفسي: أأعود فأنصح ذلك الشاب! أم أمضي في طريقي وأدعه يفعل ما يشاء؟
وبعد صراع داخلي دام عدة ثوانٍ فقط اخترتُ الأمر الأول.
عدتُ ثانية، فإذا به قد أوقف سيارته وهو ينظر إليهن ينتظر منهن نظرة أو التفاته، فدخلن في أحد البيوت.
أوقفت سيارتي بجوار سيارته، نزلت من سيارتي واتجهت إليه، سلمت عليه أولاً، ثم نصحته فكان مما قلته له: تخيل أن هؤلاء الفتيات أخواتك أو بناتك أو قريباتك فهل ترضى لأحد من الناس أن يلاحقهن أو يؤذيهن؟
كنت أتحدث إليه وأنا أشعر بشيء من الخوف، فقد كان شابّاً ضخماً ممتلئ الجسم، كان يستمع إليّ وهو مطرق الرأس، لا ينبس ببنت شفة.
وفجأة التَفَتَ إليّ، فإذا دمعة قد سالتْ على خده، فاستبشرتُ خيراً، وكان ذلك دافعاً لي لمواصلة النصيحة، لقد زال الخوف مني تماماً، وشددتُّ عليه في الحديث حتى رأيت أني قد أبلغت في النصيحة.
ثم ودّعته لكنه استوقفني، وطلب مني أن أكتب له رقم هاتفي وعنواني، وأخبرني أنه يعيش فراغاً نفسياً قائلاً، فكتبتُ له ما أراد.
وبعد أيام جاءني في البيت، لقد تغير وجهه وتبدلتْ ملامحه، فقد أطلق لحيته وشعَّ نور الإيمان من وجهه.
جلستُ معه، فجعل يحدثني عن تلك الأيام التي قضاها في (التسكع) في الشوارع والطرقات وإيذاء المسلمين والمسلمات، فأخذت أسليه، وأخبرته بأن الله سبحانه واسع المغفرة، وتلوت عليه قوله تعالى: (قُلْ يَعِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رّحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ) [الزمر: ٥٣]. فانفرجتْ أسارير وجهه، واستبشر خيراً، ثم ودعني وطلب مني أن أردّ الزيارة، فهو في حاجة إلى من يعينه على السير في الطريق المستقيم، فوعدته بالزيارة، مضت الأيام وشُغلت ببعض مشاغل الحياة الكثيرة، وجعلت أسوّف في زيارته. وبعد عدة أيام، وجدت فرصة وذهبت إليه.
طرقت الباب، فإذا بشيخ كبير يفتح الباب وقد ظهرت عليا آثار الحزن والأسى، إنه والده.
سألته عن صاحبي، أطرق برأسه إلى الأرض، وصَمَتَ برهةً، ثم قال بصوت خافت: يرحمه الله ويغفر له، ثم استطرد قائلا: حقاً إن الأعمال بالخواتيم.
стр. 2959
ثم أخذ يحدثني عن حاله وكيف أنه كان مفرطاً في جنب الله بعيدًا عن طاعة الله، فمنّ الله عليه بالهداية قبل موته بأيام، لقد تداركه الله برحمته قبل فوات الأوان.
فلما فرغ من حديثه عزيته ومضيت، وقد عاهدتُ الله أن أبذل النصيحة لكل مسلم.
(توبة مدمن (١):
يقول هذا التائب:
(كان المنعطف الأول في حياتي في سن مبكرة جداً حيث كان عمري آنذاك ست سنوات لا غير، وقبل أن أعي الحياة وأدركها كما ينبغي صحوت على (مأساة عائلية).
لقد طلّق والدي أمي، وانفصلتْ عنه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ازداد الأمر تعقيداً حينما قررتْ أمي أن تتزوج .. واختار أبي زوجة أخرى، فأصبحت تائهاً، ضائعاً بين الاثنين .. وكما يقولون: (أمران أحلاهما مر) .. فعند أبي كنت أقابل بمقالب زوجة أبي، أما عند أمي فكان زوج أمي يكشر عن أنيابه دائماً في وجهي، ومن الطريف أنني كنت دائماً حاضراً عند كليهما، وكنت أيضاً غائباً عن كليهما .. فكنتُ الحاضر الغائب، والموجود المفقود.
ومع هذه الظروف العائلية غير الطبيعية، ومع التفكك والاضمحلال الأسري، سقطتُ في هوة الإدمان مع رفقاء السوء، ووجدتُ معهم الملاذ الذي افتقدته، والعطف والاهتمام اللذين حرمت منهما، طبعاً لم يكن عطفاً واهتماماً خالصاً لوجه الله، وإنما من أجل الوصول إلى أغراضهم الخبيثة.
أصبحتُ أقضي معظم وقتي مع أولئك الأشرار ما بين شرب وتعاطٍ وإدمان، وحينما يسألني أبي أين كنت؟ أقول له عند أمي، وحينما تستفسر أمي عن غيابي، أقول لها كنت عند أبي، وهكذا يظن كلاهما أنني موجود، وكنت مفقوداً ويعتقد كلاهما أني حاضر، وكنت في تلك الأثناء الغائب الوحيد .. الغائب عن الحياة .. الساقط في التيه والضياع.
كان هذا هو المنعطف الذي ألقى بي في هاوية الإدمان، ولكن كيف خرجت إلى شط الأمان؟
تلك قصة أخرى سأرويها لكم:
ففي ليلة من الليالي، وبعد سهرة تطايرت فيها الرؤوس، وتلاعبت بها المخدرات، خرجنا من (الوكر) لكي نتنفس الهواء العليل ليزيدنا طرباً على طرب!! ونشوة إلى نشوة!! وبينما كنا في سعادة موهومة غامرة، وغيابات كاذبة، إذ بالسيارة تنقلب عدة مرات.
كنا أربعة من الشياطين داخل السيارة، توفي الثلاثة ولم يبق إلا أنا نجوت بأعجوبة .. بفضل الله تعالى.
ومكثتُ في المستشفى عشرة أيام كاملة ما بين الحياة والموت، غيبوبة كاملة تماماً، كتلك التي كنتُ أحياها من قبل.
стр. 2960
وأفقتُ من الغيبوبة الصغرى عقب الحادث، على حقيقة الغيبوبة الكبرى التي كنتُ أحياها، واكتشفتْ نفسي من جديد، وشعرت بالإيمان بعد أن مات الإحساس لديّ، وعدتُ إلى الله ضارعاً مستغفراً حامداً شاكراً لأنه تولاني وأنقذني من موتتين: موت السيارة، وموت الإدمان، وخرجت من المستشفى إلى المسجد مباشرةً، وقطعتُ كل صلتي بالماضي، وأحمد الله أنني دخلتُ المسجد بدلاً من السجن، والقرآن الكريم هو أوفى صديق لي الآن يلازمني وألازمه.
هذه قصتي باختصار، وأنصح إخواني الشباب وغيرهم بالحذر من رفقاء السوء، الذين يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب، كما أنصحهم بالبعد عن المخدرات فإنها رأس كل خطيئة، والله الموفق.
(توبة طبيب نصراني وإسلامه على يد داعية مسلم (١):
جي ميشيل (٣٦ سنة) مسئول هيئة تنصيرية جاءت من ألمانيا الغربية للعمل في الصومال، ولأن البعثة جاءت للعمل فكان لابدّ من تسميتها بعثة (المشروع الوطني لمحاربة أمراض العمى) كان ميشيل من النابغين في الإشراف على فريق التمريض، لذلك لم يفاجأ بخبر تعيينه مسئولاً للبعثة إضافةً إلى إدارة المشروع، تحركت البعثة في منتصف عام ١٩٧٨م وأمامها خريطة للتنصير في القرن الإفريقي تحت لافتة: (محاربة أمراض العمى). حديث (ميشيل) يأتي عذباً صافياً لأنه نابع من القلب، ولأن حديثي يختلف بالتأكيد عن حديث (ميشيل) من حيث الصدق والإحساس سأتركه لكم:
يقول جي ميشيل:
سعادتي بالصومال والصوماليين كانت كبيرة، ربما لحسن استقبالهم لنا، وربما لإحساسنا بمدى الفقر الذي يعانونه في الوقت الذي يعتزون فيه بأنفسهم، كما لو كانوا من أثرى الأثرياء، ربما لوجوههم الطيبة التي تستطيع رغم سمرتها أن تترجم كل حركة أو إشارة صادرة منها بسهولة.
أشياء كثيرة كانت وراء فرحتي بمكان المهمة.
стр. 2961
يبدو أنني في زحمة انشغالي بالعمل وفرحتي واحترامي للشعب الصومالي نسيتُ مهمتي الأصلية، التي جئت وجاء الفريق من أجلها! فبسرعة عجيبة كان لي أصدقاء مسلمون يسألون عني وأسأل عنهم، تفانيت في محاربة أمراض العمى، وأشرفت على علاج عشرات الحالات، وكانت كلمات المديح والإطراء تخرج من كل الأفواه أثناء مروري على أي تجمع أو في أي شارع، كنت أفهم كلماتهم رغم أنها صادرة بلغة غير لغتي لكنها لغة الإحساس، في زحمة ذلك كله وبعد خمسة أشهر من النجاح الباهر في محاربة العمى جاءتني برقية من قصر رئاسة المنظمة الألمانية التي تتولى تنفيذ المشروع من ألمانيا!
قلت لنفسي: لعلها بشرى سارة فقد أمروني بالعودة فوراً، ربما ليشكروني على التفاني في العمل، وربما ليقدموا لي ولأفراد الفريق هدايا أو أوسمة. لم أستطيع أن أفسر طلبهم العجيب بضرورة توجهي إلى إنجلترا لأخذ دورة جديدة تساعدني في إنجاح مهمتي، إن مهمتي ناجحة تماماً والعمل هناك يمضي بصورة رائعة فما جدوى هذه الدورة مع رجل مثلي كان الأول على كل الدورات السابقة؟ لم أستطع التفسير وبالتالي لم أستطع الرد بأكثر من نعم. سافرت إلى إنجلترا وأمضيت هناك شهراً كاملاً، وعدتُ إلى ألمانيا الغربية وأنا أتوق إلى أوامر بعودتي إلى الصومال، وبعد أسبوع جاء الأمر: توجه إلى تنزانيا! ومرة أخرى لا أجد تفسيراً لتوجهي إلى تنزانيا رغم نجاحي في الصومال، ولأنني لم أناقشهم في سبب ذلك. اطمأنوا تماماً لي وأرسلوا لي برقية بعد أربعة أسابيع يطلبون فيها عودتي إلى الصومال، وبكيتُ فرحاً!
عدتُ إلى الصومال بعد خمسة أشهر من الانقطاع عن الوجوه الطيبة والقلوب الدافئة، التحقتُ بالمشروع على الفور، ومارستُ عملي وإشرافي، كانتْ فرحةُ الصوماليين بعودتي تكاد تقترب من فرحة مريض بمرض في عينه وتم علاجه، ولولا اتهامي بالمبالغة لقلتُ أن فرحتهم بي كانت كفرحة الأعمى بعودة البصر إلى عينيه، هذا ما أحسستُ به خاصةً من صديقي (محمد باهور).
стр. 2962
دعاني (محمد باهور) لزيارة منزله، وهناك كان الترحيب بي من أسرته ومن جيرانه رائعاً، وفوجئتُ أثناء جلوسي معهم برجل يتحدث الإنجليزية بشكل جيد، فرحتُ كثيراً بذلك وفرحت أكثر عندما علمتُ أنه والد (محمد) ها هي الفرصة تتحقق وها هو الجزء الثاني والأهم في مهمتي إلى الصومال سيتحقق! إن اللغة تقف عائقاً كبيراً في عملية التنصير لكن وجود مثل هذا الرجل سيساعدني كثيراً في شرح أبعاد التبشير بالنصرانية خاصةً وأن هذا الرجل يحترمه الجميع ويقدّرونه بصورة تكاد تقترب من الخوف!
وبدأتُ مع هذا الرجل الذي توقعتُ أن يكون مفتاحَ التبشير والتنصير في المنطقة كلها، قلت لنفسي فلأبدأ معه بالحديث عن الأديان عموماً وأنتقل للحديث عن الإنجيل وعن المسيح الذي أدركتُ واكتشفتُ أكثر من مرة أن المسلمين جميعاً يحبونه ويعترفون به! ولا أدري ماذا حدث وكيف اكتشف هذا الرجل أن حديثي معه سيكون عن الأديان! قبل أن أبدأ حديثي وجدته ممسكاً بنسخة من (القرآن) في يديه وسألني: أتعرفُ هذا الكتاب؟ ابتسمتُ ولم أجب خشية إثارته أو التلميح له بمهمتي! مرة أخرى أحسستُ أن الرجل يدرك ما يدور بعقلي منحني فرصةَ الخروج من المأزق وبدأ هو يتحدث عن الإنجيل وعن المسيح، وطلب مني أن أوجه له أي سؤال أريد الإجابة عنه سواء في الإنجيل أو في القرآن! قلت: كيف؟ قال: في القرآن كل شيء!
انتهتْ زيارتي وعدتُ إلى عملي ثم إلى مقر إقامتي وأنا أفكر في كيفية اختراق عقل وفكر هذا الرجل، إنني لو نجحتُ في ذلك سأكون بلا شك قد قطعتُ شوطاً كبيراً وسيسهل بعد ذلك اصطياد الواحد تلو الآخر عدتُ إلى بعض النشرات والكتيبات، وسخرتُ من نفسي وأنا أشعر وكأني تلميذ مقبل على امتحان خطير! طمأنت نفسي وقلت: إنها مهمة بسيطة ويبدو أنني أضخّمها أكثر من اللازم، إن السيطرة على تفكير رجل مثل والد محمد مسألة سهلة، هي بالتأكيد سهلة وخرجتُ إلى عملي، أنهيته وبدأتُ في البحث عن (محمد باهور) طامعاً في وعد بزيارة جديدة حتى ألتقي بالرجل (المفتاح).
стр. 2963
كان الموعد وكان اللقاء وكانت البداية المباغتة: فور جلوسي سألني الرجل عن طبيعة مهنتي فقلتُ: الطب! قال لي: إن (القرآن الكريم) يشرح بالتفصيل عملية (الخلق) و (النشأة) وكل ما يحدثُ في الإنسان من تغيرات! قلتُ: كيف؟ وكأن الرجل كان ينتظر الإشارة الخضراء، اندفع يتحدثُ بلغة إنجليزية جيدة، وليس هذا مهماً، لكن المهم أنه كان يتحدث بإحساس شديد لكل كلمة تخرج من فمه. أقول لكم بصراحة أنني دهشتُ لدرجة الانبهار بكتاب (عمره) أكثر من ١٤٠٠ عام يتحدث عن كيفية نمو الجنين في رحم المرأة! لقد درستُ لسنوات طويلة وتدربتُ تدريباً شاقّاً وأعرف مراحل نمو الجنين، لكن ما ذكره هذا الرجل شدني كثيراً وقد آلمني ذلك كثيرا!!
كالعادة طمأنت نفسي وهدأتُ من روعها حتى أستطيع النوم، أوكلتُ بعض مهامي في العمل للفريق، وبدأت أفكر كيف أنجح في الجزء الثاني من المهمة (التنصير) مثلما نجحتُ في الجزء الأول منها (محاربة أمراض العمى)، صحيح أنني أحب الصومال والصوماليين، لكنني أحب عملي وأحب النصرانية فلماذا لا أجذبهم إليها.
من جديد اضطررتُ لأن أطلب محمد (محمد باهور) أن أزوره، لكنني قبل أن أطلب منه ذلك فوجئتُ به يطلب مني أن أزور والده يومياً إن أمكنني ذلك لأنه يريدني ويحب دائماً الجلوس معي! فرحتُ في البداية لكنني قلتُ لنفسي: كيف أفرح وأنا حتى الآن لم أتمكن من السيطرة عليه، إنه هو البادئ دائماً فلماذا لا أبدأ أنا بالهجوم أو بالغزو؟
لن أحكي لكم تفاصيل ما حدث في الزيارة الثالثة والرابعة والخامسة لقد وجدتني محاصراً تماماً، أذهب إلى الرجل وأنا مستعد تماماً للمواجهة لكن حديثه وصدقه وقدرته الفائقة على الشرح والتوضيح جعلتني أبدو أمامه تلميذاً يسمع دروساً في الدين لأول مرة.
لم أكن أدري أنني مراقب منذ أول زيارة إلى منزل والد (محمد باهور) ويبدو أن المراقبة كانت دقيقة للغاية حتى أنها وصلتْ إلى أن يواجهني أفراد الفريق الطبي ويطلبون مني عدم الذهاب إلى هذا المنزل أو الاتصال بهذه العائلة.
اكتملتْ المراقبة وتوِّجتْ بقرار صادر من ألمانيا الغربية ينص على ضرورة مغادرتي للمعسكر! وقبيل تنفيذ الأمر بيوم واحد اكتشفتُ وجود قرار آخر ينقل (محمد باهور) من عمله إلى مكان آخر!
стр. 2964
لم تكن هناك قوة تستطيع أن تمنعني من أن أحب (محمد باهور) وأحب والده وأسرته وأحب الصوماليين جميعاً، مكثتُ في مقديشو أياماً معدودة، وكنت أتسلل ليلاً وأركب شاحنة أخرى حتى أصل إلى منزل عائلة (محمد) لكن ذلك لم يدم طويلاً، فقد قام رئيس فريق العمل الألماني بدفع أموال كبيرة لبعض مسئولي الأمن بالمنطقة، وذلك لمنعي من الوصول إلى هذه المنطقة، وعندما نجحتُ في إقناع مسؤولين آخرين على قدر من التقوى والجدية في العمل كان الخبر المؤلم، لقد تم اعتقال (محمد) لعلاقته بي!
بكيتُ كثيراً من أجل (محمد) وتألمتُ كثيراً من عدم تمكني من مواصلة المشوار مع والده للنهاية، كنت أريد أن أصل إلى نهاية، أو بمعنى أوضح إلى بداية، فإما نهاية للشكوك التي بدأتْ تتسرب إلى عقلي من حديث هذا الرجل، وإما بداية لرحلة جديدة! أثناء ذلك جاءتني برقية أخرى من ألمانيا تطلب مني مغادرة الصومال خلال أيام والانتقال إلى كينيا لتقضية (إجازة ممتعة)!
تعللت بضرورة أخذ بعض أوراقي من مكان المعسكر وأبلغت مسؤول الأمن بذلك، وفور دخولي توجهتُ إلى منزل (محمد باهور).
وجدتُ في المنزل فرحة غير عادية، قال لي الوالد لقد جئتَ مع إطلالة شهر الخير والبركة، سألتُه عن هذا الشهر فقال إنه رمضان! تناولت وجبة (السحور) معهم وقبيل الفجر شاهدتُّ المنطقة كلها تخرج للصلاة! مكثتُ معهم يوماً كاملاً واضطررتُ احتراماً لمشاعرهم أن أصوم لأول مرة في حياتي يوماً كاملاً عن الطعام والشراب!
وفي (نيروبي) وجدتُ في المطار من يستقبلني ويخبرني بأنني سأقيم في منزل كبير بدلاً من الفندق، وكانت الحفاوة بي واضحة، لكنني بعد عدة أسابيع أخبرتُ بخبر آخر أشد ألماً. جاءت البرقية تقول: (لن تستطيع العودة مرة أخرى إلى الصومال لأسباب أمنية)! لماذا؟ كيف؟ ولمصلحة من هذا القرار؟ لم أجد من يجيبني عن تساؤلاتي. هدأتُ قليلاً وأنا أذكر موقف (محمد) ووالده وأسرته معي وأتذكرُ كل الوجوه الصومالية التي التقيتُ بها. ووصلتني رسالة ساخنة من والدي يطالبني فيها بالعودة إلى ألمانيا بأسرع ما يمكن، كانت سطور الرسالة تقول أو توحي بأن والدي تلقى ما يفيد خطورة موقفي إذا سافرتُ إلى الصومال!
اكتشفتُ كذلك أن الرئاسة في ألمانيا الغربية لديها تقرير مفصل عني وعن تحركاتي الكاملة، واتخذت قراري!
стр. 2965
قارنتُ بين ما يحدث في ألمانيا وما يحدث في الصومال من لهفة الناس عليّ وقلقهم البالغ وسؤالهم المستمر عني وأغلقتُ بابي على نفسي ورحتُ أراجع الدروس التي سمعتها من والد محمد.
جهزتُ ورقة بيضاء ناصعة وأحضرت القلم وكتبتُ هذه البرقية إلى رئاستي في ألمانيا الغربية: اطمئنوا تماماً كل شيء على ما يرام. سأعتنق الإسلام.
وضعتُ رسالتي في صندوق البريد لأنهي رحلة من القلق والتوتر، كنتُ أشعر وأنا أتوجه إلى صندوق البريد وكأنني عريس في يوم زفاف، وتوجهتُ إلى أصدقائي في (نيروبي) قلتُ لهم: قررتُ العودة إلى الصومال مهما كلفني ذلك! سأعود حتى ولو أدى ذلك إلى قتلي! كان من الطبيعي ألا أجد شيئاً أنفذ به قراري بالعودة، بعت حاجاتي وملابسي كلها باستثناء ما أرتديه، وثلاثة أحذية كنتُ أحضرتها معي، وتمكنتُ من تحصيل سعر التذكرة إلى الإيمان! نعم فقد وصلتُ إلى مقديشو ومنها إلى منزل الوالد (باهور) وفور أن عانقني قلتُ هامساً: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)!.
لم يكن لدي وقتاً للفرح، عكفتُ على الدراسة والحفظ الجيد للقرآن الكريم والأحاديث الشريفة وكان إعجاب الصوماليين بي شديداً ولأن المسؤولين في المنطقة جزء من نسيج هذا الشعب فقد نجحوا في استصدرا قرار يسمح لي بالتحرك والانتقال والتعايش مع الصوماليين في أي وقت وفي أي مكان كشقيق وأخ مسلم اسمه الجديد (عبد الجبار). الآن فقط فكرتُّ في المشروع الذي كنا نقوم بتنفيذه لقد توقف المشروع بحمد الله دون أن ينجح في الجزء الثاني أو الأول منه وهو الخاص بالتنصير، لكنه حقّق نجاحات باهرة في الجزء الخاص بالعلاج، لذلك لم أفاجأ بموافقة الدكتور عبد الله نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة على أن أواصل العمل في المشروع في وجهه الجديد وجه الخير والعمل الخالص لوجه الله، وها أنا أعود!).
(توبة الزعيم الشيوعي تروتسكي:
وهو من أبرز الشخصيات في الحزب الشيوعي، ومن كبار منظري الشيوعية، ويعد الرجل الثاني بعد لينين، وقد تولى الشؤون الخارجية بعد الثورة، وأسندت إليه شؤون الحرب، وكان يهودياً، واسمه الحقيقي بروستالين، ولد سنة ١٨٧٩م، واغتيل سنة ١٩٤٠م.
ومع أن هذا الرجل له شهرته الواسعة، ومع كثرة ما كتب عنه إلا أنه ومع بالغ الأسف قل أن يذكر خبر اعتناقه للإسلام.
стр. 2966
جاء في مجلة الهداية الإسلامية الجزء السابع من المجلد الأول ما نصه: تروتسكي يعتنق الإسلام في بيئة تجهل الإسلام.
وتحت هذا العنوان كتبت: نقلت الصحف خبر اعتناق تروتسكي الزعيم البولشفي للإسلام وهو منفي في تركيا، وجاء في حديث إسلامه أنه على إثر شفائه من مرضه في الأستانة دعا مفتي الأستانة فأجاب دعوته، وشهد اجتماعهما مندوب جريدة وقت التركية، فقال تروتسكي: كنت يهودياً غير أن مبادئي لم ترق لبعض الحاخامين فحرموني من ديانتي، ولكني لم أُعِرْ حرماني هذا اهتماماً كثيراً؛ لأن مبادىء الدين الإسرائيلي لم تكن لتروقني فلم أحْتَجَّ، ولم أعارض.
وأما الآن وأنا أتقدم في السن فإني أشعر كغيري من الناس بأني في حاجة إلى إيمان ودين سماوي، ففكرت في وقت ما أن أصبح مسيحياً غير أني عدلت عن ذلك؛ لكراهيتي اعتناق دين القياصرة المستبدين وراسبوتين الراهب الشرّير؛ فلم يبقَ أمامي غير الدين الإسلامي الذي دققت في البحث في شرائعه فوجدت فيه مزايا حسنة، منها أنه يحض على المناقشة والمباحثة في أصوله، ولذا سأعتنق الإسلام، وسيتناول فضيلة المفتي العشاء معي، ثم يبدأ بتلقيني الشرائع الإسلامية (١).
وبعد إيراد هذا الخبر علق صاحب مجلة الهداية الإسلامية الشيخ محمد الخضر حسين على هذا الخبر قائلاً: يحدثنا تروتسكي أنه اعتنق الإسلام بعد أن دقق البحث في حقائق شريعته الغراء.
ومن نظر إلى أن تروتسكي نشأ في منبت غير إسلامي، وأُشْرِب مذهباً ذا مبادىء لا تلائم طبيعة الدين الحنيف، ثم وقع في بيئة أخذ مترفوها يفسقون عن الإسلام وثق بأن مثل تروتسكي إنما يسلم على سلطان من الحجة مبين.
ولا عجب أن يهتدي تروتسكي للإسلام، ويزيغ عنه نفر ترددوا على معاهد شريعته بضع سنين؛ فإن هؤلاء النفر لم ينظروا في حقائقه نظر الباحث النبيه، وما كانت تعاليمه إلا كالصور تقع على ظاهر قلوبهم دون أن تخالط سرائرها؛ فما هم من أولئك الذين يتجافون عنه بجهالة مطلقة ببعيد.
ولنا الأمل في أن تُصلح طرق التأليف والتعليم، فيسهل على كل ناشىء يدرس حقائق الشريعة أن يصل إلى لبابها، وينفذ إلى بالغ حكمتها.
стр. 2967
ولو عُني القائمون على شؤون الدين بترجمة محفوفة بالاستدلال وبيان الحكمة لأصبح عدد المعتنقين للإسلام من أمثال تروتسكي غير قليل (١).
(توبة السفاح (٢):
هكذا كان يُلقب لكثرة جرائمه، التي لم تقف عند حد، فقد كان مضرب المثل في الجريمة والإرهاب، الكل يرهبه ويخافه، كان الناس يقولون: لو استقام العصاة والمجرمون كلهم ما استقام فلان -ـ يعنونه ـ فسبحان من بيده قلوب العباد .. من كان يُصدّق أن مثل هذا القلب القاسي سَيَلِيْنُ في يوم من الأيام؟! لكنها إرادة الله ، ومشيئته قال تعالى: (اعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الحديد: ١٧]، وقد روى لي قصته كاملة يوم أن هداه الله، فإذا فيها أمور عظام تقشعر منها الأبدان، وتمتعض لهولها القلوب، اقتصرت منها على ما يحسن ذكره في مثل هذا المقام،
قال عفا الله عنا وعنه:
توفي والدي قبل أن أتم التاسعة من عمري، وكنت أكبر أولاده فانتقلتْ أمي إلى بيت أبيها (جدي لأمي)، أما أنا فاستقر بي المقام عند أعمامي، في بيت جدّي لأبي، كنتُ بينهم كاللقيط، الذي لا يعرف نسبه، أو كاليتيم على مائدة اللئام، بل لقد كنتُ كذلك، وكأنهم لم يسمعوا قول الله : (فأمّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ) أو ما ورد في الأثر: (خير بيت في المسلمين فيه يتيم يُحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه).
وليتَ الأمر اقتصر على ذلك؛ بل كانت التهم دائماً توجه إليّ .. بالسرقة .. والفساد ... وغير ذلك، في الوقت الذي كنت فيه أشد الحاجة إلى العطف والحنان واليد الرحيمة المشفقة، كنت أرى الآباء وهم يقبلون أبناءهم ويلاعبونهم، ويشترون لهم الحلوى واللُّعب والثياب الجديدة، أما أنا ... فتدمع عيني، ويتقطع قلبي ألماً وحسرة.
أصبحتُ أكره كل من حولي .. انتظر اللحظة السانحة لأنتقم من الجميع.
стр. 2968
وحين بلغتُ سن الخامسة عشرة بدأتُ التمردَ .. تلفتُّ يميناً وشمالاً فلم أجد إلا رفقاء السوء، فانخرطتُ معهم في غيهم، وتعلمتُ منهم التدخيَن والسهرَ إلى أوقات متأخرة، وعلم عمي أنني أصبحتُ مدخناً فضربني دون مفاهمة وطردني من البيت وكأنه ينتظر هذه اللحظة، فلجأتُ إلى بيت جدي لأمي حيث تقيم والدتي، ولم تكن والدتي مع اخوتها في بيت جدي أحسن حالاً مني، فقد كانوا يعاملونها هي الأخرى كالخادمة في البيت فهي التي تطبخ وتنظف وتغسل و ... ولا أنسى مرة أنني دخلتُ عليها وأنا في أوج انحرافي وهي تبكي ألماً وتقول: يا بني، اعقل وعد إلى رشدك، وابحث لك عن وظيفة تنقذني بها من هذا العذاب، فلم أكن ألقي لها بالاً.
وَعَمِلْتُ مع أخوالي في الزراعة والحرث تحت الضرب والتهديد، فضاقتْ بي الدنيا، فاقترضتُ من والدتي بعض المال، فاشتريتُ به سيارة، وتوظفتُّ في إحدى الشركات، فتعرفتُ على رفقاء جدد عرّفوني على المخدرات وأنواع أخرى من الشرور، فلما علمتْ والدتي أصابها الهمُ والحزن والمرض، وفزعَتْ إلى عمي وخالي لنصحي وإنقاذي قبل فوات الأوان، لكنهم انهالوا عليّ ضرباً وما هكذا تكون النصيحة؛ فلم أزدد إلا بعداً وتمرداً وتمادياً في الانحراف، وعرفتُ طريق الهروب من البيت، فكنتُ أقضي وقتي كله مع رفقاء السوء، ولم أعد أفرق بين الحلال والحرام، أما العقوق وقسوة القلب فقد بلغت فيها حداً لا يوصف .. وأذكر مرة أنني دخلتُ على والدتي وهي تبكي وقد أعياها المرض وشحب وجهها ـ فشتمتها، وقذفتها بكلام جارح جداً وخرجتُ، وكأن شيئاً لم يكن، أسأل الله أن يعفو عني بمنه وكرمه .. فلكِ الله يا أمي الحبيبة، ما ذنبك؟ وقد ربيتيني وأنفقتِ عليّ، وربما كانت هدايتي بسبب دعوة صالحة في جوف الليل خرجتْ من قلبك الطاهر .. (قتل الإنسان ما أكفره)
واشتهرتُ بالغناء والعزف على العود ـ وكان صوتي جميلاً ـ .. ثم بالتفحيط وما يصاحبه من أمور لا تخفى على الكثيرين حتى أُطلِقَ علىَّ لقب السفاح لكثرة الجرائم التي كنت أقوم بها، فكان لا يركب معي إلا الكبار الذين لا يخافون على أنفسهم، أما البقية فكانون يلوذون بالفرار.
стр. 2969
ودخلتُ السجن مرات عديدة، فلما أراد الله هدايتي هيأ لذلك الأسباب؛ فقد كان لي صديق عزيز، كنتُ أحبه كثيراً، فقد كان جميل الوجه، بهي الطلعة، فلم تكن هذه المحبة في الله، بل كانت مع الله، فسألت عنه يوماً فقيل لي إنه أدخل المستشفى في العناية المركزة، وهو في حالة خطرة جداً من جرّاء حادث مروع، فانطلقتُ مسرعاً لزيارته، فلما رأيته لم أكد أعرفه؛ فقد ذهب جماله وبهاؤه، وصار منظره مخيفاً مفزعاً، فكنت كلما رأيته أبكي من هول ما أرى .. !
فلم تمض أيام معدودة حتى قيل أنه مات، فبكيتُ يومين كاملين خوفاً من الموت فكان هذا الحدث فاتحة خير لي، وكنتُ عندما أتوضأ أحس براحة نفسية عظيمة، وأتذكر الموت وسكراته وشدائده فأعزم على التوبة إلى الله قبل حلول الأجل.
وألقى الله في نفسي بعض المعاصي كلها، وحبب إليّ الإيمان والعمل الصالح، فجمّعتُ ما عندي من أشرطة الغناء والباطل وذهبتُ إلى مكتب الدعوة فاستبدلتها بأشرطة إسلامية نافعة.
أما والدتي الحبيبة فقد عدتُّ إليها، وأخذتها معي معززةً مكرمةً، وطلبت منها العفو والسماح، فبكتْ فرحاً وسروراً، وحَمِدَتِ الله على هدايتي، فما كانت تظن أن ذلك سيحدث في يوم من الأيام.
ولكن هل تركني رفقاء السوء؟؟
كلا، بل كانوا يزورونني، ويدعونني إلى الرجوع ما كنتُ عليه في الماضي، ويقولون لي: لا توسوس، ارجع إلى الفن، أين العزف؟ أين الشهرة؟ أين ... وأخذوا يذكرونني بالعود والغناء والتفحيط والأمور التي أستحي من ذكرها، بل إن بعضهم ـ والعياذ بالله ـ لم يستح أن يعرض نفسه عليّ مقابل الرجوع!! فأي ضلال أعظم من هذا الضلال؟.
ومضتْ شهور فغرني أحد السفهاء ودعاني إلى جلسة عود؛ فعزفت؛ لأني كنت حديث عهد بالتزام، وبدأتُ أضعف شيئاً فشيئاً، حتى عدتُ إلى سماع الغناء، وذات ليلة رأيت فيما يرى النائم أن ملك الموت قد هجم عليّ، فأخذتُ أذكر الله، وأحاول النطق بالشهادة، فحلفتُ بالله إن أصبحتُ حياً أن أتوب إلى الله توبة نصوحاً ولا أنصح أحداً بمفردي، لأن الأول قد غرني، فلما أصبح الصباح قمتُ بتحطيم جميع أشرطة الغناء، وقصّرتُ ثوبي، وعزمتُ على الاستقامة الحقة، وقد مضى على ذلك الآن أربع سنوات ولله الحمد والمنّة.
стр. 2970
أما حالي بعد التوبة فإني أشعر الآن بسعادة لا يعلمها إلا الله، وقد أشرق وجهي بنور الطاعة وذهب سواده وظلمته، وأحبني من كان يبغضني أيام الغفلة، أما والدتي الحبيبة فقد شفيَتْ من جميع الأمراض ولله الحمد.
ومما زادني فرحاً وسروراً ما أجابني به أحد العلماء حينما سألته عن ذنوبي السابقة فقال: إن الله قد وعد بتبديل سيئات التائبين حسنات، فلله الحمد والمنة الذي لم يجعل منيتي قبل توبتي ..
(توبة شاب ماجن (١):
الشباب هم عماد الأمة وذخيرتها الحية، وأملها المرتقب، ومستقبلها المنشود، لذا؛ فإن الأعداء لا يألون جهداً في تحطيم نفوس الشباب وهدم أخلاقهم بشتى السبل والوسائل ..
يقول المستشرق شاتلي: (وإذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتكسروا شوكته، وتقضوا على هذه العقيدة التي قضتْ على كل العقائد السابقة واللاحقة لها، والتي كانتْ السبب الأول والرئيس لعزة المسلمين وشموخهم، وسيادتهم وغزوهم للعالم .. إذا أردتم غزو هذا الإسلام، فعليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية؛ بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم وكتابهم: القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء لكفانا ذلك، لأن الشجرة يجب أن يتسبب في قطعها أحد أغصانها .. ) (٢).
وما كان للأعداء أن يحققوا شيئاً لو تمسك المسلمون بدينهم وصبروا عليه، لأن الله يقول: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتّقُواْ لاَ يَضُرّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: ١٢٠] يقول هذا التائب:
كنتُ في ضلال وضياع وفجور، تربيتُ كسائر الناس على طاعة الوالدين، لكني لم أكن أعرف الصلاة وكذلك سائر العبادات إلا رياءً ... تعلمتُ التدخين في سن مبكرة، فكنتُ أدخن كثيراً .. لم أكن أعرف عن قضايا المسلمين شيئاً؛ اللهم إلا القضية الفلسطينية .. وعند دراستي في الجامعة تعرفتُ على شاب أبيض ذي لحية سوداء صغيرة، لا تفارق الابتسامة محياه .. لا أدري لماذا كنتُ أكرهُ هذا الشابَ وأحقد عليه .. ربما لأنه كان دائماً ينصحني، ويحثّني على ترك التدخين، وكل ما يُغضب الله ..
стр. 2971
وفي يوم من الأيام، حضر إلى الجامعة وبيده بعض المنشورات عن المجاهدين، وما أن اطلعتُ عليها حتى سَرَتْ في نفسي رعشةٌ وقشعريرةٌ لم أدرِ لها سبباً، لكنها سرعان ما زالت بعد دقائق معدودة ..
وذات يوم، كان الوقت عصراً وكنتُ أستمع إلى أغنية في المذياع، وصوت المؤذن يجلجل في الآفاق منادياً لصلاة العصر، ولكن:
فلا الأذان أذان في منارته ... إذا تعالى، ولا الآذان آذانُ
كنتُ أنا والجدار متشابهين في القسوة والجمود وعدم الإجابة ... وبعد انتهاء الأغنية، جاءت الأخبار، فأستمع إليها وإلى أخبار المسلمين في البوسنة والهرسك وما يتعرضون له من القتل والتشريد؛ فلم ألقِ لذلك بالاً.
وفي الصباح، ذهبتُ إلى الجامعة كالعادة، فقابلني أحد رفقاء السوء، وعرض عليّ (فلماً) خليعاً فأخذتُه مسروراً، وسهرتُ تلك الليلة لمشاهدته، وهكذا في كل صباح كنا نتبادل هذه الأفلام المدمرة بيننا في الجامعة وللأسف الشديد .. !! فكيف يمكن للمسلمين أن يتقدموا على أعدائهم وهذا حال شبابهم.
وجاء اليوم الموعود، فإذا بذلك الشاب الذي كنتُ لا أطيقه يأتيني ويقول لي: هل تريد فلماً؟ فقلتُ له متعجباً: أعندك؟! .. قال: نعم. قلتُ: هات.
وأخذتُ الفلم، وفي الوقت الذي كنتُ أقضيه في السهر لمشاهدة تلك الأفلام؛ سهرتُ على هذا الفيلم الجديد الذي لا أدري ما محتواه .. كنتُ أظنه كتلك الأفلام التي أعرفها .. ولكن كانت المفاجأة.
تسجيلات قرطبة الإسلامية تقدم:
الصليب يتحدى
كان هذا هو عنوان الشريط ..
ثم توالت بعد ذلك الصور المفزعة .. دماء ... أشلاء .. أجساد ممزقة .. أعضاء متناثرة ... نساء ثكالى .. أطفال حيارى ... دمار وخراب ....
أحلَّ الكفر بالإسلام ضيماً ... يطول به على الدين النحيب
فحق ضائع وحمىً مباح ... وسيف قاطع ودمث صبيبُ
وكم من مسلم أمسى سليباً ... ومسلمة لها حرمُ سليب
وكم من مسجد جعلوه ديراً ... على محرابه نُسب الصليب
أمور لو تأملهن طفل ... لطفل في مفارقه المشيبُ
أتسبى المسلماتُ بكل ثغر ... وعيش المسلمين إذاً يطيبُ
أما لله والإسلام حقُ ... يدافع عنه شبان وشيبُ
فقل لذوي البصائر حيث كانوا ... أجيبوا الله ويحكم .. أجيبوا
стр. 2972
لم أتمالك نفسي من البكاء .. أحسستُ برعشة تسري في أوصالي .. كنتُ أتخيل نفسي واحداً من هؤلاء، وقد ذُبحت من الوريد إلى الوريد، ورُسم على صدري الصليب .. يا إلهي .. ألهذه الدرجة بلغ الحقد الصليبي على هؤلاء الغُزّل، لا لشيء .. إلا لأنهم مسلمون .. ؟؟!! (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد).
لم أنم تلك الليلة من شدة الخوف .. استلقيتُ على فراشي وأنا لا أدري ماذا أصنع .. نظرتُ من حولي، فإذا بضوء القمر الخافت قد تسرب من خلال النافذة، وألقى بأشعته الفضية على طاولة مكتبي الذي أذاكر عليه .. وإذا بي ألمح مصحفي القديم الذي تقطعتْ بعض أوراقه من الإهمال .. فأسرعتُ إلى أخذه وبدأتُ أقرأ فيه حتى وصلتُ إلى آية الكرسي من سورة البقرة .. (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم .. ) فتوقفتُ عن القراءة ثم انهمرتْ عيناي بالدموع، فلم أتوقف عن البكاء إلا على صوت المؤذن وهو يجلجل في الآفاق .. ( .. الله أكبر .. الله أكبر .. ) .. فقمتُ مسرعاً، وذهبتُ إلى المسجد خائفاً ترتعد فرائصي .. فدخلتُ دورة المياه، فوجدتُ شيخاً كبيراً يتوضأ، فطلبتُ منه أن يعلمني الوضوء والصلاة، وكانت تلك الحادثة هي نقطة التحول في حياتي ..
(توبة مُعاكِسة (١):
إنّ المعاكسات التي تحدث بين الجنسين لهي من أعظم البلايا وأخطرها على الفرد والمجتمع، وما أكثر ضحايا هذه المعاكسات من الجنسين، وبخاصّة النساء، ولنستمع إلى هذه التائبة لتروي لنا تجربتها المرّة مع هذه المعاكسات .. تقول:
تزوجت في سنّ مبكرة، وكنت مخلصة لزوجي غاية الإخلاص، حتّى كنت معه كالطفلة المدلّلة، أفعل كلّ ما يأمرني به، على الرغم من أنّي نشأت في أسرة ثريّة كنت فيها أُخدَم ولا أَخدِم، كان أبي قد طلّق أمّي فتزوّجتْ بغيره، وتزوّج هو بغيرها، فكان من نتائج ذلك أن فقدت حنان الأمّ، كما فقدت التوجيه السليم.
стр. 2973
كان زوجي يذهب لزيارة أهله في كل أسبوعين فيمكث يومين، فأنتهزها فرصة للذهاب إلى بيت عمّي القريب من بيتنا، فكنت أجد من زوجة عمّي حناناً غريباً، وعطفاً زائداً حيث كانت تعطيني كل ما أطلب، لكنّها لم تكن مستقيمة، فقد كانت تذهب بي إلى الأسواق، وإلى هنا وهناك، وتفعل أشياء مخلّة بالأدب لا ترضي الله تعالى، فسرت على نهجها، والصاحب ساحب كما يقولون، ومن تلك اللحظات تغيّرت الفتاة الوديعة الغافلة إلى فتاة مستهترة متمّردة على كل من حولها، كانت زوجة عمّي ـ هداها الله ـ دائماً تغريني بأنّ خروج المرأة من بيتها حريّة، ورفع صوتها للحصول على مطالبها أفضل وسيلة، فصرت أستهزئ بكل من يذكّرني بالله أو يدعوني إليه .. ألهو كما أشاء، وألعب كما أحبّ على الرغم من أنّي زوجة، ولي أولاد، لكنّي لم أكن أبالي، ولم يقف الأمر عند هذا، بل رحت أجمع حولي صديقات سيئات الأخلاق، كن دائماً يدعونني إلى الحفلات والأفراح، والخروج إلى الأسواق بلا سبب يُذكر، وبما أنّي كنت أكثرهن ذكاء وجمالاً وتمرّداً، وأقلهن حياءً، كنت أنا الزعيمة.
وأدهى من ذلك أنّني كنت أعتقد في السحر، وأستعين بالمشعوذين مع خطورة ذلك على العقيدة.
وفي يوم من الأيام جاءتني امرأة من نساء الجيران، ولم أكن أهتمّ بمن يسكن حولي، ولا أحبّ الاختلاط بهم، ولكنّ هذه المرأة تعلّقت بي، وأصّرت على زيارتي، وبما أنّها كانت صالحة وملتزمة فقد كرهت الجلوس معها، وكنت دائماً أحاول الهروب منها، لكنّها كانت لا تيأس، وتقول لي: لقد صلّيت صلاة الاستخارة (١). هل أنزل عندك مرّة أخرى أم لا، فيقدّر الله لي النزول ورؤيتك.
ومرّت الأيام ـ حوالي الشهرين ـ مرّة تكلّمني، ومرّات لا تستطيع أن تقابلني، وكانت تذهب كلّ يوم بعد العصر لتعلّم النساء القرآن في المسجد المجاور لنا، وكلّما رآها زوجي دعا الله أن أكون مثلها، وكانت هي تدعوني إلى الذهاب معها إلى المسجد، ولكنّي كنت أعتذر بأعذار واهية، حتى لا أذهب، وكانت دائماً تقول لي: إنّي والله أقوم من الليل أصلي، فأدعو الله لكِ بالهداية، وعند ما أتقلّب في فراشي أذكرك فأدعو الله لكِ، وذلك لما تفرّسَتْه فيّ من الذكاء، وقوّة الحجّة، وفصاحة اللسان، والقدرة على جذب الناس حولي.
стр. 2974
وجاء يوم ذَهَبَتْ فيه خادمتي إلى بلدها، وكنت بانتظار مجيء أخرى، فجاءتني جارتي وأنا منشغلة ببعض أعمال البيت، فاقترحت عليّ الاستغناء عن الخادمة، وكان موعد قدومها عصر ذلك اليوم، فقدر الله أن يتأخّر قدومها أسبوعاً كاملاً، فكانت جارتي تأتيني فتجدني في البيت، فتساعدني في بعض الأعمال، وتُسرّ بي سروراً كبيراً، وكنت أنا في الوقت نفسه قد أحببتها، ورأيتها امرأة مرحة، لا كما كنت أتصوّر، فإنّ زوجي من الملتزمين، ولكنّه كان دائماً عابس الوجه، مقطّب الجبين، فكنت أظن أنّ ذلك هو دأب الملتزمين جميعاً، حتّى رأيت هذه المرأة وعاشرتها، فتغيّرت الصورة التي كانت في ذهني عن الملتزمين.
وبعد ذلك بأيام توفيت قريبة لي، فذهبت للعزاء، فإذا امرأة كانت تتكلّم عن الموت، وما يجري للإنسان عند موته بدءاً من سكرات الموت وخروج الروح، ومروراً بالقبر وما فيه من الأهوال والسؤال، وانتهاءً بدخول الجنّة أو النار .. عندها توقفت مع نفسي قائلة .. إلى متى الغفلة، والموت يطلبنا في كل وقت وفي كل مكان، وفكّرت .. وفكرت، فكانت هذه هي البداية، وفي صباح اليوم التالي وجدت نفسي وحيدة ولأول مرة أحس بالخوف .. فقد تذكرت وحدة القبر وظلمته ووحشته، فكنت ألجأ إلى جارتي المخلصة لتسليني، فكانت تجيء إليّ بالكتب الوعظية النافعة، فكنت عند ما أقرأها أحسّ وكأنّني أنا المخاطبة بما فيها، خاصّة فيما يتعلّق بمحاسبة النفس، وظللت أقرأ وأقرأ حتّى شرح الله صدري للهدى والحقّ، وذقت طعم الإيمان، عندها أحسست بالسعادة الحقيقيّة التي كنت أفتقدها من قبل، وتغيّرت نظرتي للحياة، فلم أعد تلك الإنسانة اللاهية العابثة المستهترة، وابتعدت عن رفيقات السوء، وكرهت الأسواق، بل كرهت الخروج من المنزل إلّا لحاجة أو ضرورة ماسّة، والتحقت بدار الذكر لتحفيظ القرآن الكريم، وهذا كلّه بفضل الله ثمّ بفضل الصحبة الصالحة، والدعوات المخلصة بظهر الغيب من جارتي وزوجي، ولله الحمد والمنّة.
(توبة فتاة من شرك المعاكسات (١):
تقول هذه الفتاة:
стр. 2975
أنا فتاة في الخامسة عشرة من عمري: كنت أعيش حياتي بشكل طبيعي، سواء الأسرية أو الاجتماعية أو المدرسيّة، وقد تجاوزت المرحلة الابتدائية – ولله الحمد – بخير وسلام، ولم أتأثّر بشيء كان يحصل آنذاك، وأظنّ أن السبب في ذلك هو صغر سنّي، وعدم فهمي للحياة على حقيقتها، فما بدأت حياة الضلال والتخبط والجهل إلا في المرحلة المتوسطة، كنت أضل يوماً بعد يوم بشكل غير واضح، ودون أن أشعر بذلك، كانت البداية بعض المعاصي الصغيرة التي لا يعاقب عليها الشرع بشدة، إلى أن وقعت في ذنب كبير أحسست بأن نفسي قد احترقت بسببه، وكانت الخطوة الأولى مكالمة هاتفية من مجهول، كنت في تلك الليلة وحدي في غرفتي أذاكر دروسي، أختي كانت نائمة، وأخي كان في مدينة أخرى، ووالدي غير موجود، أما والدتي فلم يكن همّها إلا حضور المناسبات والحفلات والتجمّعات النسائية، مما شغلها عن أمور بيتها، المهم أنني كنت وحدي أذاكر دروسي في جو من الهدوء والسكينة والطمأنينة، وكنت حقاً أذاكر رغبة في طلب العلم، والله يعلم ما في نفسي ..
وفجأة ... رنّ جرس الهاتف .. ولم يكن أمامي إلا أن أردّ عليه، فليس في البيت غيري وأختي النائمة، فإذا بصوت ذئب من ذئاب البشر ينبعث من سماعة الهاتف، يخاطبني بأرق عبارة، لم أعتد ذلك قط، لذا شعرت بشيء من الخوف والرهبة تسري في أوصالي، حتى لو كان غرض ذلك المتكلم شريفاً.
قال لي: أهذا بيت فلان؟ قلت: لا .. النمرة خطأ .. وهو يعلم أن النمرة خطأ، حتى صارحني بذلك، ثم طلب مني أن أكلمه .. فقلت له: وماذا تريد؟ قال أريد التعرف عليك!.
في البداية رفضت هذا الأمر بشده، فأنا لم أعتد هذا النوع من المكالمات، ولم أجرّبها من قبل، مع أن بعض زميلاتي في المدرسة كن قد جرّبنها كثيراً! حتى إنّي كنت أتحاشى الجلوس معهن، وما كنت أظن أنني في يوم من الأيام سأصبح واحدة منهن ..
стр. 2976
إحداهن كانت تدرس معي في نفس الفصل .. أخبرتها بالأمر طالبة المشورة ـ و بئس المستشار ـ فلم تتردد في تشجيعي في السير في ذلك الطريق بكل عزم وإصرار، لا سيّما وأن هذا الأمر بالنسبة لها شيء هيّن، أما أنا فهو عندي شيء غريب لا أعرفه، ولم أجرّبه قط في حياتي .. الشيء الغريب الذي أستغربه من نفسي هو: كيف أنّني استمعت إلى نصائحها الشيطانية، مع أني أخاف هذا النوع من المكالمات الهاتفية خوفاً شديداً .. حقاً إنه شيء غريب .. لا أدري أين ذهب عقلي آنذاك .. لقد نسيت مراقبة الله لي، بل لقد نسيت نفسي، حتى غاب عني الشعور بالخوف من الله، وزالت عني الرهبة من تلك المكالمات فأصبحت وكأنها شيء لا حرج فيه، أو كما صورته لي صديقتي أنه مجرد لهو، وتسلية، وتنفيس عن النفس!!، ونسيت المصادر الأساسية الواجب تحكيمها، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كل ذلك غاب عني في تلك اللحظات، وبما أنني قد عرفت أن هذا الشيء منتشر بين الشباب والفتيات، قلت في نفسي: ولِمَ لا أجرّب ذلك، فربما أجد فيه السعادة التي أبحث عنها .. .
وبالفعل .. بدأت علاقتي الهاتفية مع ذلك الشابّ (الذئب)، فكنت في كل صباح أنقل لزميلتي في المدرسة كل ما يجري بيني وبينه من أحاديث وأحداث، فكانت تشجعني، وترشدني إلى بعض الأقوال والتصرفات، وأنا أنقل له على لساني ما كانت تقول لي، حتى إني بعد توبتي وتذكري لتلك الأيام شعرت وكأني كالبلهاء أسمع كلامها، أو كالخاتم في يدها تديره كيف شاءت ..
стр. 2977
وفي يوم من الأيام، وأثناء ما كنت أحكي لصديقتي ما دار بيني وبين ذلك الشاب من حوار ليلة أمس، سمعتني إحدى صديقاتي الصالحات، فامتعض وجهها، وحاولت نصحي، وإبعادي عن تلك الصديقة، كنت في بعض الأحيان أشعر بشيء يشدني ويدفعني إلى سماع نصائحها وتصديقها، لكن تأثير صديقة السوء كان أقوى، فما كان من تلك الأخت الفاضلة ـ بعد أن عجزت عن تقويمي ـ إلا أن أخبرت أختي التي تكبرني في السن، وتفوقني خبرة في الحياة، ومن رحمة الله بي أن أختي هذه كانت من النوع الذي يحافظ على الأسرار ويكتمها، فرأت أن تنصحني قبل أن تخبر أبي وأمي، فكانت تقص عليّ بعض القصص التي تبين أضرار هذه المكالمات ومخاطرها، إلا أن لم أكن أصدق ذلك، فقد كانت تلك الصديقة (صديقة السوء)) تقف هي والشيطان حاجزاً منيعاً يحول دون وصول صوت أختي إلى أذني أو بالأصح إلى قلبي، إلا أن أختي لم تيأس من صلاحي، فكانت تبذل قصارى جهدها لإنقاذي من الحفرة التي وقعت فيها، والتي حفرها لي شياطين الإنس، والعناد إلى أن جاءت لحظة الهداية، كانت قاسية جداً، بل كانت فاضحة .. ففي يوم من الأيام .. وبينما كنت مشغولة بمكالمة ذلك الشيطان الإنسي إذ بأخي الأكبر الذي عاد من سفره يستمع إلى المكالمة بكل إنصات .. يا للفضيحة .. في تلك اللحظة شعرت بأنني قد انتهيت فعلاً .. ذبت خوفاً وخجلاً .. لا أكون كاذبة إذا قلت إن ذلك الشعور ليس خوفاً من أخي وردة فعله، أو إخباره لأهلي، إنما كان ذلك خوفاً من الله وحياء منه، وندماً على تلك الأيام التي ضيّعتها في غير طاعة الله ، وشغلتها بالمعاصي والذنوب ..
المهمّ أنّني بعد تلك الحادثة عزمت على التوبة النصوح، وترك كل ما يخدش ويجرح إسلامي، وإيماني، والعمل على ما يرضى الله دائماً، والشعور بمراقبته في كل أمر وحين.
وإنّي أعتقد أن من أسباب ضلالي وانحرافي ما يلي:
أولاً: سنّ المراهقة، فلا شك أن هذا السن يساعد على الانحراف، لا سيما في غياب التوجيه السليم، والقدوة الحسنة ..
ثانياً: رفقاء السوء، وكما في المثل (الصاحب ساحب)، يسحبك إلى ما هو عليه من خير أو شر، ويجعلك مثله.
ثالثاً: انشغال الأهل عن أولادهم، وإهمال مراقبتهم ومصاحبتهم، وهذا ما حدث لي تماماً، لولا ما حصل من أخي وأختي جزاهما الله خيراً ..
стр. 2978
وأخيراً فإني أحمد الله على هدايته لي بعد الضلال الكبير الذي عشته، وانحرافي عن الصراط المستقيم، ولو أن النهاية كانت قاسية ومؤلمة كما يظهر لبعض الناس، لكنها أفضل من قسوة وعقوبة الآخرة ..
هذه نماذج لبعض أحوال التائبين، وما وجدوه من الأنس والنعيم والطمأنينة لما أقبلوا على الله، وآثروا محابه .
ولا عجب في ذلك؛ لأنه لا نعيم ولا أنس إلا بالله، وبمحبته، والإقبال عليه.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما محبة الرب سبحانه فشأنها غير الشأن؛ فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها؛ فهو إلهها، ومعبودها، ووليها، ومولاها، وربها، ومدبرها، ورازقها، ومميتها، ومحييها؛ فمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفس، وقوت القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن؛ فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسرَّ، ولا أنعم من محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه.
والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة (١).
(إلى أن قال: ووجدان هذه الأمور وذوقُها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب، والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر_كانت الحلاوة، واللذة، والسرور، والنعيم أقوى.
فمن كان بالله سبحانه وأسمائه، وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق والوجد.
ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حباً لغيره، ولا أنساً به.
وكلما ازداد له حباً ازداد له عبودية، وذلاً، وخضوعاً ورقَّاً له وحرية عن رق غيره (٢).
(إلى أن قال: وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة لله تعالى وطمأنينة بذكره، وتنعم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنس بقربه، وإن لم يَحُسَّ به؛ لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافه إلى ما هو مشغول به؛ فوجود الشي غير الإحساس والشعور به (٣).
стр. 2979
(إلى أن قال: إذا عرف هذا فالعبد في حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته ولذته تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية قد استترت عنه، وتوارت، أو نقصت، أو ذهبت؛ فإنها لو كانت موجودة لما قدم عليها لذة أو شهوة (١).
(توبةُ الأمة:
إن الأمة تمر بأحوال غريبة، وأهوال عصيبة، فالخطوب تحيط بها، والأمم من كل مكان تتداعى عليها.
وإن مما يلفت النظر في هذا الشأن غفلة الأمة عن التوبة؛ فإذا تحدث متحدثٌ عن التوبة تبادر إلى الذهن توبة الأفراد فحسب، أما توبة الأمة بعامة فقلَّ أن تخطر ببال أو تدور في الخيال، وهذا ضربٌ من الخبال، بل هو من السفه والضلال لأنه يجمع بين سوء الحال وقبح الفِعال.
وهذا من الأخطاء في باب التوبة؛ ذلك أن سنته في الأفراد، وفي مغفرته للتائبين وعفوه عن المذنبين هي سنته سبحانه في الأمم والشعوب.
فالأمة التي تعود إلى طريق الرشاد، وتَصْدُق في التوبة والإنابة إلى رب العباد يفتح الله لها، ويرفع من شأنها، ويعيدها إلى عزتها ومجدها، وينقذها من وهدتها التي انحدرت إليها، وينجيها من الخطوب التي تحيط بها؛ نتيجة الذنوب التي ارتكبتها، والمنكرات التي أشاعتها من شرك، وبدع، وحكم بغير ما أنزل الله، وموالاة لأعداء الله، وخذلان لأوليائه، وتقصير في تبليغ دعوة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتركٍ للصلوات ونحو ذلك مما هو مؤذن بالعقوبة، وحلول اللعنة كالربا والفسوق، والمجون، ونقص المكاييل وغير ذلك.
فإذا تابت إلى ربها متعها الله بالحياة السعيدة، وجعل لها الصولة والدولة، ورزقها الأمن والأمان، ومكن لها في الأرض.
قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) [النور: ٥٥]
وإذا أردت مثالاً على توبة الأمة من القرآن الكريم فانظر إلى قوله تعالى: (فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [يونس: ٩٨]
وهؤلاء القوم الذين ذكروا في هذه الآية هم قوم يونس
стр. 2980
عليه السلام وقريتهم هي نينوى التي تقع شرقي مدينة الموصل في شمالي العراق.
ومعنى الآية كما يقول المفسرون: أن قوم يونس ﵇ لما أظلهم العذاب، وظنوا أنه قد دنا منهم، وأنهم قد فقدوا يونس _ قذف الله في قلوبهم التوبة، وفرقوا بين كل أنثى وولدها، وعَجُّوا إلى الله أربعين ليلة أي رفعوا أصواتهم بالتلبية والدعاء فلما علم الله منهم صدق التوبة كشف عنهم العذاب، وقال: (وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [يونس: ٩٨]
أي لم نعاجلهم بالعقوبة، فاستمتعوا بالحياة الدنيا إلى حين مماتهم وقت انتهاء أعمارهم.
فما أحوج أمتنا اليوم أن تعج إلى الله منيبة تائبة، ليرضى عنها، ويرفع عنها ما هي فيه من الذلة، والمهانة، والخيبة، والتبعية لأعدائها.
(هذا ومما يجب على الأمة في توبتها زيادة على ما مضى ما يلي:
(١) التوبة من الإسراف:
فالإسراف نذير شؤم، ومؤذن هلاك؛ فهو يفضي إلى الفاقة، وينزل بأهله إلى طبقة المقلين أو المعدمين، والإسراف في الترف ينبت في النفوس أخلاقاً مرذولة من نحو الجبن، والجور، وقلة الأمانة، والإمساك عن البذل في وجوه الخير.
أما أن الإسراف في الترف يدعو إلى الجبن فلأنَّ شِدَّةَ تعلق النفوس بالزينة واللذائذ يقوِّي حرصها على الحياة، ويحملها هذا الحرصُ على تجنب مواقع الحروب، وإن كانت مواقف شرف وذود عن الدين، والنفس، والمال، والعرض.
وأما أن الإسراف في الترف يسهل على النفوس ارتكاب الجور فلأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال ليشبع شهواته، فلا يبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة، فيمد يده إلى الاستيلاء على ما في يد غيره من طريق الرشوة، أو من طريق الغصب إن كان ذا سلطان وقوة.
وأما أنه يَذْهَبُ بالأمانة فلأن الغريق في الترف إنما همُّه الوصولُ إلى زينة أو لذة، أو مطعم ونحوه كثيراً ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي ائتُمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية.
وأما أنه يمسك الأيدي عن فعل الخير فلأن من اعتاد الترف حتى أخذ بمجامع قلبه كان أعظم قصدِه من جمع المال إنفاقَه فيما يَلَذُّه من مأكول، أو يتزين به من نحو ملبوس أو مفروش، لذلك كان الغالبُ على المترفين المسرفين قبضَ أيديهم حيث بسط غيرهم يده؛ إسعاداً لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة والمكارم.