Полный текст (6 619 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
(حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في الصحيحين) أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل فكأن معاذاً تناول منه فبلغ ا لنبي ﷺ فقال: (فتانٌ فتانٌ فتانٌ) أو قال (فاتناً فاتناً فاتناً) وأمر بسورتين من أوسط المفصل.
والمقصود التطويل غير الشرعي، أما أداء الصلاة كما أمر الله وإتقانها كما عمل رسول الله ﷺ فهذا من اتباع السنة.
ومن الأمور التي يحصل فيها تفريط أيضاً في قضايا المستحبات: عدم التورع عن المشتبهات والوقوع في الشبه، وهذا يؤدي إلى الوقوع في الحرام، وهذا يقول لك: هذا مطلي بالذهب، وهذا يقول: هذا كذا، وموقفنا الصحيح إن كان فعلاً عندنا استقامة جادة على الشريعة أن نترك هذه المشتبهات
(حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه و دينه و من وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا و إن لكل ملك حمى ألا و إن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب.
(حديث النعمان بن بشير ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اجعلوا بينكم و بين الحرام سترا من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه و دينه و من أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه و إن لكل ملك حمى و إن حمى الله في الأرض محارمه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(اجعلوا بينكم وبين الحرام ستراً) أي وقاية
стр. 3082
(من الحلال) وهو واحد الستور قال الزمخشري: من المجاز رجل مستور وهتك الله ستره اطلع على مساويه وفلان لا يستتر من الله بستر أي لا يتقي الله فإن (من فعل ذلك) أي جعل بينه وبين الحرام ستراً فقد (استبرأ) بالهمز وقد تخفف طلب البراءة (لعرضه) بصونه عما يشينه ويعيبه وفي المختار الاستبراء عبارة عن التبصر والتعرف احتياطاً (ودينه) عن الذم الشرعي والعرض بكسر العين موضع المدح والذم من الإنسان كما قاله بعض الأعيان قال الزمخشري: تقول اعترض فلان عرضي إذا وقع فيه وتنقصه ومن زعم كالشهاب ابن حجر الهيثمي أن المراد هنا الحسب وما يعده الإنسان من مفاخره ومفاخر آبائه فكأنه نقله من لغة غير ناظر إلى ما يلائم السياق في هذا المحل بخصوصه ومقصود الحديث أن الحلال إذا خيف أن يتولد من فعله خور شرعي في نفسه أو أهله أو سلفه تعين تجنبه ليسلم من الذم والعيب والعذاب ويدخل في زمرة المتقين (ومن أرتع فيه) أي أكل ما شاء وتبسط في المطاعم والملابس كيفما أحب يقال رتعت الماشية أكلت ما شاءت قال الزمخشري: من المجاز رتع القوم أكلوا ما شاءوا في رغد وسعة (كان كالمرتع) بضم الميم وكسر التاء (إلى جنب الحمى) أي جانبه من إطلاق المصدر على المفعول أي المحمي وهو الذي لا يقربه أحد احتراماً لمالكه. قال الراغب: وأصل الجنب الجارحة ثم يستعار في الناحية التي تليها كعادتهم في استعمال سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال.
стр. 3083
وقال الزمخشري: حميت المكان منعته أن يقرب فإذا امتنع وعز قلت أحميته أي صيرته حمى فلا يكون حمىإلا بعد الحماية ومن المجاز حميته أن يفعل كذا إذا منعته (يوشك) بضم المثناة تحت وكسر المعجمة مضارع أوشك بفتحها وهو من أفعال المقاربة وقد وضع لدنو الخبر مثل كاد وعسى في الاستعمال فيجوز أوشك زيد يجيء وأوشك أن يجيء زيد على الأوجه الثلاثة معناه هنا يسرع أو يقرب (أن يقع) بفتح القاف فيه وفي ماضيه (فيه) أي تأكل ماشيته منه فيعاقب والوقوع في شيء السقوط فيه وكل سقوط شديد يعبر عنه به فكما أن الراعي الخائف من عقوبة السلطان يبعد لاستلزام القرب الوقوع المترتب عليه العقاب فكذا حمى الله أي محارمه التي حظرها لا ينبغي قرب حماها ليسلم من ورطتها ومن ثم قال الله تعالى ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ فنهى عن المقاربة حذراً من المواقعة إذ القرب من الشيء يورث داعية وميلاً يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى الشرع، وقد حرمت أشياء كثيرة لا مفسدة فيها لكونها تجر إليها (وإن لكل ملك) من ملوك العرب (حمى) يحميه عن الناس فلا يقربه أحد خوفاً من سطوته كان الواحد من أشرفهم إذا أراد أن يترك لقومه مرعى استعوى كلباً فما بلغه صوته من كل جهة حظره على غيره (وإن حمى الله في الأرض) في رواية في أرضه (محارمه) معاصيه كما في رواية أبي داود من دخل حماه بارتكاب شيء منها استحق العقوبة ومن قارب يوشك أن يقع فيه فالمحتاط لنفسه ولدينه لا يقاربه ولا يفعل ما يقربه منه وهذا السياق من المصطفى ﷺ إقامة برهان عظيم على تجنب الشبهات. أهـ
إن كثرة النزول إلى الأسواق، وما فيها من المنكرات وغشيان أماكن الاختلاط لغير حاجة ما هو إلا نقص في الاستقامة فإن أبغض البلاد إلى الله أسواقها بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أحب البلاد إلى الله مساجدها و أبغض البلاد إلى الله أسواقها.
(١٥) من مظاهر نقص الاستقامة حصول الطفرات والانتكاسات:
стр. 3084
وأقول: إن مرض نقص الاستقامة قد أدى فيما أدى إليه حصول الطفرات التي ليست مؤسسة على تقوى من الله ورضوان، وحماس على غير أساس، فينقطع الطريق بالإنسان ولم يؤسس نفسه كما يريد الله ، ولذلك ترى الرجل حين يصعد فجأة من عالم الجاهلية إلى عالم الدين والعبادة، ثم يهبط فجأة وتهوي به ريح الانتكاس في وادٍ سحيق، وسبب ذلك: أن تحصيل الاستقامة يحتاج إلى تربية .. تحصيل الاستقامة يحتاج إلى وسط إسلامي .. تحصيل الاستقامة يحتاج إلى إخوة في الله يجالسهم .. تحصيل الاستقامة يحتاج إلى حلق ذكر يغشاها .. تحصيل الاستقامة يحتاج إلى تربية جماعية وفردية .. تحصيل الاستقامة يحتاج إلى تناصح بيننا، ولذلك فهؤلاء الذين تحدث عندهم نوع من الحماسة بعد الخطبة أو محاضرة أو شريط يستمع إليه يخفق في الوصول إلى الهدف وينكص و يرجع؛ لأنه لم يعرف كيفية تحصيل الاستقامة الكاملة ولا الطريق إلى ذلك، هو الذي يريد أن يكون فرداً لا صلة بينه وبين إخوانه، ولا يريد أن يكون مع الجماعة، ويد الله مع الجماعة.
(١٦) من مظاهر نقص الاستقامة عدم التفاعل مع قضايا المسلمين:
ومن آثار نقص الاستقامة ألا نتفاعل مع قضايا المسلمين، ولا نعرف أخبار إخواننا المسلمين، ولا نمد يد العون لإخواننا المسلمين! مسلمون يشردون وآخرون يقتلون وفئة يسجنون وغيرهم يعذبون، ونحن حتى الدعاء بخلنا به، فهل هذه الاستقامة صحيحة؟ وأين مفهوم الجسد الواحد الذي حثَّ عليه الإسلام؟ ونحن نتكئ على الأرائك نتبرد ونأكل من الملذات، فهذا واحد لا يأتي بالحلوى إلا من البحرين، وعنده مشاوير خاصة من أجل الحلوى، ولو أخذت وقتاً طويلاً أو قصيراً فالأمر عادي، ولو ضاعت صلاة الجماعة فذلك ليس مهم، يعني: أحياناً نضرب في تحصيل لذائذنا أكباد الإبل، ونمتطي ونرحل، ولأجل صلاة أو حلقة علم لا نبذل شيئاً من الوقت فهذا من نقص الاستقامة.
(١٧) من مظاهر نقص الاستقامة التعلق بالدنيا:
стр. 3085
إن التخلي عن الزهد والاهتمام بالمظهر والثياب والعطور والأرياش والتنعم والتحف في البيوت من الأشياء المشغلة؛ لأنها تؤدي إلى التعلق بالدنيا، والتعلق بالدنيا ينافي الاستقامة، فمفهوم الزهد أيضاً ناقص، والذي تكون استقامته كاملة يكون زهده كبيراً، فعندنا اهتمام بالمظاهر .. إسراف .. تضييع أموال .. كماليات، هذا يقول: أشتري قارباً بثلاثين ألفاً، من أجل إذا كانت هناك تمشية أتمشى .. هل هذا فكر مرة أخرى وراجع نفسه هل القرار هذا صحيح؟ أليس هناك مجالات أحسن وأفضل وأكثر أجراً لتضع فيها هذه الأموال؟ إذاً: هناك قضايا كثيرة تحصل ولكن محاسبة النفس ضعيفة، ولأجل ذلك فإنه تخترقنا كثيرٌ من سهام الشيطان.
(١٨) من مظاهر نقص الاستقامة بقاء رواسب الجاهلية عند الإنسان:
من نقص الاستقامة أن توجد عند الإنسان رواسب من الجاهلية لا يسعى لتخليص نفسه منها، ولذلك فانحرافه من أسهل ما يكون، فقد تكون له علاقات محرمة لا يقطعها، وصور موجودة لا يتلفها، وأفلامٌ سيئة لا يتخلص منها، وأرقام هواتف لا زال يحتفظ بها، كل ذلك من أثر مرض نقص الاستقامة، ولو أنه جلس في مجلس فظهرت على الشاشة مباراةٌ لكرة القدم؛ لانخرط في التشجيع وانهمك به، واتخذ جانباً معيناً وصارت القضية قضية مهمة عنده، هذا لنقص استقامته، وأقرب نوعية للانتكاس هي هذه النوعية.
(١٩) من مظاهر نقص الاستقامة عدم القيام بواجب الإصلاح والإنكار:
стр. 3086
من آثار نقص الاستقامة عدم الاهتمام بالبيت وإصلاح البيوت، ويكون هذا الإنسان الذي يزعم الاستقامة شبه معطل ليس عنده طاقات يبذلها لله .. لا إنكار منكرات، ولا قيام لله بواجب الذب عن شريعته، وربما لو أن المجلس حصل فيه اتهامٌ للإسلام أو طعنٌ في الدين ما قامت له قائمة ولا تحرك له رمشٌ ولا اختلج فيه عرق؛ لأن من الخذلان ـ والعياذ بالله ـ ما يمنعه عن الدفاع عن بيضة الدين وحفظ هذه الشريعة. أن تمر بالمنكر فلا تنكره، لماذا؟ أتخشى الناس؟! فالله أحق أن تخشاه: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران:١٧٥] أين إنكار المنكر ولو بالكلام؟ إن لم تستطع باليد فبالكلام، وماذا يضرك لو تكلمت؟ ثم إننا مطالبون بالنصيحة والكلام والصبر على الأذى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان:١٧]. إلقاء التبعات على العلماء والخطباء والقول إنهم مسئولون عن تصحيح الانحرافات .. أنا مسلم عادي ما عندي شيء مقصوص الأجنحة لا أستطيع أن أفعل شيئاً، من قال ذلك؟ أنت يمكن أن ترى منكرات لا يراها أولئك العلماء والخطباء، وأن تكون في بيئات لا يأتي إليها العلماء والخطباء، وأنت تجلس في أوساط ومجالس لا يغشاها أولئك القوم؛ فعليك المسئولية والتبعية، فلماذا التخاذل عن إنكار المنكر؟ لماذا الاستسلام للدعة والخشية من أن يرد عليك أو يقال فيك كلمة؟ أين النصيحة؟ (الدين النصيحة) النصيحة لله أن تذب عن دينه وشريعته .. أن تقوم له سبحانه .. النصيحة لرسوله ﷺ .. النصيحة لكتاب الله، أين النصيحة لكتاب الله وهم في المجلس يتكلمون على الإسلام وأنت ساكت؟ أين أنت من حديث النبي ﷺ الآتي:
من مظاهر نقص الاستقامة: ضياع الأوقات في الأسفار.
وكذلك نعاني أيضاً من ضياع الأوقات في الأسفار التي لا طائل من ورائها، وحياة الاصطياف التي يعملها كثيرٌ من الناس لا مصلحة شرعية فيها، بل فيها كثيرٌ من المضرة وإنفاق الأموال الكثيرة، ويحصل فيها من قسوة القلب ورؤية المنكر ما يجعل الإنسان مختل الإيمان .. ينزل إيمانه إلى الحضيض .. يرجع من الإجازة لم يزدد إيماناً وإنما نقص إيمانه ونقص دينه وفرط في أشياء كثيرة.
(٢٠) مظاهر أخرى مخالفة للاستقامة:
стр. 3087
ينبغي أن تكون استقامتنا على الدين استقامة صحيحة كاملة واعية، أن نمسك بهذا الدين فعلاً، لا نترك إلقاء السلام على الناس بحجة أنهم غير متمسكين، وأن عندهم نوعاً من الفسق؛ بل أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وابتسامتك في وجه أخيك صدقة، دع الغيبة التي تكون بخلاف النصيحة، ودع التظاهر بالانشغال وليس عندك شيء لتبدي نفسك شخصاً مهماً، واترك الضعف والوهن، ودافع عن عرض أخيك المسلم، أليس من السوء كل السوء أن كافراً يستهزئ بمسلم مثلاً وتضحك أنت مشاركةً لهذا الكافر؟ أليس من الخلل في الاستقامة أن يكون عندنا السرعة في الحكم على الآخرين وانطلاقه من الهوى والعاطفة؟ أليس بخلاف الاستقامة أن نحكم بالنيات بالفساد ولا يعلم النيات إلا الله، ولم يظهر لنا هذا الرجل شيء؟ وينبغي أن نحمل أمر أخينا المسلم على أحسنه، أليس مما ينافي الاستقامة إهدار الأموال العامة من المياه والكهرباء وغيرها ولو كنت أنت لا تدفع الفواتير؟ أليست هذه ملك لبيت مال المسلمين في الأصل وإن فرط فيها من فرط وضيع فيها من ضيع، فهل أنت تشارك المفرطين والمضيعين؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن نتشدد مع من تحتنا من الناس بشيء لا تأمر به الشريعة بحجة الحزم في العمل، وننفر الناس من أهل الدين مع أن المسألة لا تساوي كل هذا الأمر من الحملة والعقاب؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن يتأخر الإنسان من عمله ويخرج قبل الوقت ويتكلم مع بقية زملائه، والمراجعون يقفون في الطوابير، فيترك العمل ويعطل العالم؟
(أسباب الاستقامة:
للاستقامة أسباب جوهرية منها ما يلي:
(١) من أهم أسباب الاستقامة إرادة الله لهذا العبد الهداية:
وهي هداية التوفيق والتي هي بمعنى خلق الهداية في قلب العبد وشرح صدره للإسلام، وتوفيقه للطاعة والعمل الصالح، وهذه الهداية لا يملكها إلا الله تعالى وحده، لا يملكها نبيٌ مُرسل ولا مَلَكٌ مُقَرَب، قال تعالى: (إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلََكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: ٥٦]، و تأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 3088
(حديث سعيد ابن المسيَّب عن أبيه الثابت في الصحيحين) قال لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية بن المغيرة فقال رسول الله ﷺ : يا عم قل لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن ملةِ عبد المطلب؟، فلم يزل رسول الله يعرضها عليه ويعيدُ له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملةِ عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [سورة: التوبة - الآية: ١١٣]
مسألة: ما الحكمة من عدم هداية أبي طالب على يدِ رسول الله ﷺ ؟
الحكمةُ في عدم هدايةِ أبي طالب على يدِ رسولِ الله ﷺ حكمةٌ بالغةٌ قضاها الله تعالى يستوجب الحمد على اقتضاها وهي أن يوقن العباد أن هداية التوفيق التي بمعنى خلق الهداية في قلب العبد لا يملكها إلا الله تعالى، فهي إليه سبحانه مصروفة وعلى مشيئته موقوفة قال تعالى: (مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مّرْشِداً)
[الكهف /١٧]
و قال تعالى: (لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلََكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) [البقرة / ٢٧٢]
وقال تعالى: (إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلََكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص/٥٦]
ولو كان أحدٌ غير الله تعالى يملك هداية التوفيق لكان أولى بها النبي ﷺ الذي هو أفضل الأنبياء والمرسلين، وهذه نقطة عقدية في غاية الأهمية لمعالجة مسألة هامة وهي (أن لا نجعل للنبي ﷺ منزلةً فوق منزلته ولا منزلةً هي من خصائص الله تعالى) فمن اعتقد أن أحداً غير الله يملك هداية التوفيق فهو أضلُ من حمار أهله.
(٢) صحة الإيمان واليقين:
стр. 3089
لأن الانحراف والفتور والتراجع ينشأ عن ضعف اليقين، كلما كان الإيمان أقوى كلما تحققت الاستقامة، وتكاملت، وتمت، قال تعالى: ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ)) [الروم:٦٠].
فاليقين يحمل على الصبر، والصبر هو قاعدة الاستقامة، فكل من الصبر واليقين عماد للاستقامة.
فالاستقامة والسير على الطريق، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي تفتقر إلى اليقين والصبر.
فما يُؤْتَى الإنسان إلا من ضعف إيمانه، ومن ضعف يقينه، ومن ضعف صبره.
(٣) الإخلاص لله تعالى ومتابعة السنة:
وهما شرطا قبول العمل المتلازمين، قال تعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ
وقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة: الآية: ٥).
(حديثُ أبي هريرةَ صحيح مسلم): أن النبي ﷺ قال - قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه معي غيري تركته وشركه
(حديثُ جندب ابن عبد الله في الصحيحين): أن النبي ﷺ قال من سمَّعَ سمَّعَ الله به ومن يُرائي يُرائي الله به.
(حديثُ أبي أُمامة صحيح النسائي): أن النبي ﷺ قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وَجهُهُ.
(٤) محاسبة النفس:
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [سورة: الحشر - الأية: ١٨]
[*] (قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم. اهـ.
فالمحاسبة تحفظ المسلم من الميل عن طريق الاستقامة.
(٥) حفظ الجوارح عن المحرمات:
стр. 3090
وأهمها: اللسان فيحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وغيرها، ويحفظ بصره عن المحرمات، وليكن نصب عينيه قوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: ٣٦]
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
(حديث عقبة بن عامر في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك.
(حديث أبي سعيدٍ في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا.
(حديث أبي بكر ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ليس شيء من الجسد إلا و هو يشكو ذرب اللسان.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم.
(حديث سهل بن سعد في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال من يضمن لي ما بين لحييه و ما بين رجليه أضمن له الجنة.
(حديث أبي هريرة في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق , وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال الفم والفرج.
стр. 3091
(حديث معاذ في صحيحي الترمذي وابن ماجة) قال قلت يا رسول الله أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال لقد سألتني عن عظيم و إنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة المكتوبة و تؤتي الزكاة المفروضة و تصوم رمضان و تحج البيت ; ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة و الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار و صلاة الرجل في جوف الليل ; ألا أخبرك برأس الأمر وعموده و ذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام و عموده الصلاة و ذروة سنامه الجهاد ; ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ كف عليك هذا - و أشار إلى لسانه - قال: يا نبي الله! و إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! و هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.
(٦) معرفة خطوات الشيطان للحذر منها:
قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ وَمَن يَتّبِعْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ فَإِنّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلََكِنّ اللّهَ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة: النور - الأية: ٢١]
(٧) طلب العلم الشرعي:
والمقصود به علم الكتاب والسنة، لأنه الوسيلة لمعرفة الله تعالى وكتابه والعلم بما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة والتبصر فيهما، التدبر لهما، تدبر القرآن يُورِث معرفة بما أمر الله به وبما نهى عنه، وفي القرآن الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالعلم بهذه النصوص واستشعارها واستحضارها من أسباب الاستقامة، أن تَعْلَم أن الله أمرك، أن تعلم عاقبة الطاعة، وعاقبة المعصية وعاقبة تركها، فالعلم بذلك واستشعاره من أسباب الطاعة.
والانحراف إما أن يكون لعدم العلم أو لعدم اليقين، وعدم الإيمان التام، ولهذا قال ﷺ : ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) ... كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن.
стр. 3092
الزاني المسلم ما يَكْفُر بزناه، لكنه يفتقد الإيمان الوازع، فالزاني ما زنى والشارب ما شرب والسارق ما سرق إلا عندما زال عنه الإيمان الرادع، الذي يحمل على الكفِّ، فقد يتوفر هذا الإيمان فتحصل الاستقامة باجتناب ما حَرَّمَ الله، وهكذا في المأمورات، فالإيمان هو الوازع، وهو يقوم على العلم.
(٨) الدعاء:
فيسأل الإنسان ربه الثبات "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم اهدني الصراط المستقيم" فالدعاء الواجب والمستحب يتضمن سبب من أسباب الاستقامة.
ومن الأدعية:
(حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
(حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن النبي ﷺ قال: قل اللهم اهدني وسددني.
فسؤال الهداية، وسؤال الثبات، واستمداد العون من الله هي من أسباب الاستقامة
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث معاذ بن جبل ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال يا معاذ والله إني لأحبك والله إني لأحبك فقال أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
فبدون هداية الله وعونه وتوفيقه لا يصل الإنسان إلى شئ، ولا يقوى على شيء، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(٩) اختيار الصحبة الصالحة:
لأن الجليس الصالح يعين صاحبه على الطاعة وعلى طلب العلم، وينهيه على أخطائه، أما الجليس السيء فعلى العكس من ذلك تماماً، قال تعالى: (الأخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ إِلاّ الْمُتّقِينَ) [سورة: الزخرف - الأية: ٦٧]
فالصحبة الصالحة الذين يُذَكِّرون الإنسان إذا نسي، ويأمرونه بما يجب عليه، وينكرون عليه إذا انحرف، ويعينونه إذا كَسُلَ، قال تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)) [التوبة:٧١].
والجليس الصالح كله منافع كما في الحديث الآتي: (
стр. 3093
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك و نافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة.
ولا تنسى أن النبي ﷺ علمنا أن المرء على دين خليله كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل.
(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
(١٠) الارتباط بالقرآن تلاوة وحفظا وتدبرا وعملا:
قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء: ٩]، أي: إن هذا القرآن يهدي للحالة التي هي أقوم الحالات، وإلى الطريقة التي هي أعدل الطرق.
وأكد الله على هذا المعنى في موضع آخر من كتابه فقال: (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) [التكوير:٢٧، ٢٨]، فهذا القرآن بيان وهداية للناس من أراد منهم الهداية والرشاد والاستقامة، قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [الأنعام:٣٦].
وهذا حذيفة ﵁ ينادي فيقول: (يا معشر القراء، اسْتَقِيمُوا، فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا) رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (٦٧٣٩).
(ثمار الاستقامة ونتائجها:
стр. 3094
جعل الله لمن استقام على دينه فضائل عظيمة ومنازل كريمة، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت:٣٠ - ٣٢].
(١) تتنزل عليهم الملائكة:
مستفاداً من قوله تعالى (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ)، تتنزل بالبشرى من عند الله بالسرور والحبور في مواطن ثلاثة، قال وكيع: "البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث".
(٢) الطمأنينة والسكينة:
مستفاداً من قوله تعالى (أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا)، لا تخافوا مما أنتم مقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل وولد ومال، وقال عطاء: "لا تخافوا ردّ ثوابكم فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم".
(٣) البشرى بالجنة:
مستفاداً من قوله تعالى (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، ويا لها من منزلة عظيمة ونعمة جسيمة.
(٤) مغفرة الذنوب:
مستفاداً من قوله تعالى (نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)، قال ابن كثير: "غفور لذنوبكم، رحيم بكم، حيث غفر وستر ورحم ولطف".
(٥) سعة الرزق وهناء العيش:
مستفاداً من قوله تعالى (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) [الجن:١٦]، الغدق: هو الكثير، وهو سعة الرزق. وقال عمر بن الخطاب ﵁: (أينما كان الماء كان المال).
وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [الأعراف:٩٦].
(٦) السعادة في الدنيا والآخرة:
فأهل الإيمان هم في نعيم في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة.
[*] (كما قال ذلك ابن القيم ﵀ في قوله تعالى: ((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)) [الانفطار:١٣].
стр. 3095
نعيم في الدنيا؛ بما يجعله الله في قلوبهم من السرور وقرة العين، والفرح بالإسلام، وبالإيمان وبالقرآن، وفي البرزخ يفتح للمؤمن باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويصير عليه قبره روضة من رياض الجنة، وفي الآخرة في جنات النعيم، في نعيم مقيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
(٧) نعيم القلب:
أخي لو رأيت أهل الاستقامة بين ساجد لله وراكع, وذليل مخمول متواضع , منكس الطرف من الخوف خاشع , تتجافى جنوبهم عن المضاجع ..
[*] (قال بعض السلف " إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ".
وقد تمثلت في حياة شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ فقال " أنا جنتي وبستاني في صدري أنى رحت فهي معي , إن قتلي شهادة وسجني خلوة وإخراجي من بلدي سياحة ".
(٨) التسليم:
فأهل الاستقامة مسلِّمين أمرهم لله تعالى يؤدون واجباتهم في الأرض , ويتوكلون على الله في السماء, يستعلون على الدنايا ويتركون مصيرهم إلى الله , يسعون للرزق بكل ما أوتوا من قوة ويتركون النتيجة لله. وينفقون مما أعطاهم الله , ويتركون حساب الغد إلى الله , ويسيرون مع الأقدار , مؤمنين بأنه لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم , ويحتملون الشدة ويصبرون على الضراء , في سبيل الله , ويرجون من الله الخير.
(٩) الرضا بالمقدور:
المستقيمون رسخ الإيمان بالقدر في نفوسهم فيعلمون أن ما قَدَّره الله عليهم فإنما هو لحكمةٍ بالغةٍ قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها , فيرضون تمام الرضا بالمقدور.
كان عروة بن الزبير ﵀ في سفر فظهرت غرغرينة ثم ترقى به الوجع. وقدم على الوليد وهو في محمل , فقال يا أبا عبد الله اقطعها , قال دونك الطبيب. فقال اشرب المرقد – الخمر – فلم يفعل. فقطعها من نصف الساق , فما زاد أن يقول: حس حس , فقال الوليد ما رأيت شيخاً قط أصبر من هذا ... وأصيب عروة بابنه محمد في ذلك السفر , ركضته بغلة في اصطبل , لم يسمع منه في ذلك كلمة.
فلما كان بوادي القرى قال: " لقد لقينا من سرنا هذا نصبا " اللهم كان لي بنون سبعة , فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة , وكان لي أطراف أربعة , فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة , ولئن ابتليت لقد عافيت , ولئن أخذت لقد أبقيت.
(١٠) سلامة الصدر:
ومن ثمرات الاستقامة على دين الله سلامة الصدر , وعدم حمل الغل والبغضاء لعباد الله المؤمنين , فهو يحب لهم ما يحب لنفسه.
стр. 3096
وانظر إلى سلامة صدر الإمام أحمد بن حنبل ﵀ حيث قال عن المعتصم يوم فتح عمورية "هو في حل من ضربي" وقال:"كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً وقد جعلت أبا إسحاق في حل, ورأيت الله يقول: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم". وأمر النبي صلى اله عليه وسلم أبا بكر ﵁ بالعفو في قصة مسطح. ثم قال:" وما ينفعك أن يعذب الله أخاك في سبيلك؟! ".
(١١) البصيرة في الدعوة إلى الله:
قال تعالى: (قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: ١٠٨]
والبصيرة هي: قوة الإدراك والفطنة والعلم والخبرة. فمن استقام على دين الله رزق البصيرة في الدين والدعوة فصار يدعو إلى الله على بصيرة ويقين وبرهان وعلم
(١٢) القدرة على الحب الخالص:
نعم فالحب الخالص سمة بارزة وثمرة يانعة من ثمرات الاستقامة على دين الله "
وتأمل في الحديث الآتي:
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
ومن حبه للناس أنه يحب الخير لهم, ويدعوهم إلى الخير. إنه حين يأمر وينهى ويصنع ذلك لأنه يحب للناس الهدى ويحب الخير لهم, وهو كريم ذو مروءة تنفعل نفسه بآلام الناس فيسرع إلى نجدتهم.
(درجات الاستقامة:
الاستقامة على ثلاث درجات كما يلي:
(الدرجة الأولى (الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد):
الاستقامة على الاجتهاد في الاقتصاد. لا عادياً رسم العلم، ولا متجاوزاً حد الإخلاص، ولا مخالفاً نهج السنة [منازل السائرين ـ ص ٤٣]
هذه درجة تتضمن ستة أمور:
(١،٢) عملاً واجتهاداً فيه، وهو بذل المجهود.
(٣) اقتصاداً، وهو السلوك بين طرفي الإفراط، وهو الجور على النفوس، والتفريط بالإضاعة.
(٤) وقوفاً مع ما يرسمه العلم لا وقوفاً مع داعي الحال.
(٥) إفراد المعبود بالإرادة، وهو الإخلاص.
(٦) ووقوع الأعمال على الأمر، وهو متابعة السنة.
فبهذه الأمور الستة تتم لأهل هذه الدرجة استقامتهم. وبالخروج عن واحد منها يخرجون عن الاستقامة: إما خروجاً كلياً، وإما خروجاً جزئياً.
стр. 3097
والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيراً ـ وهما الاقتصاد في الأعمال، والاعتصام بالسنة ـ فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة، وإعراضاً عن كمال الانقياد للسنة: أخرجه عن الاعتصام بها. وإن رأى فيه حرصاً على السنة، وشدة طلب لها: لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها، فأمره بالاجتهاد، والجور على النفس، ومجاوزة حد الاقتصاد فيها، قائلاً له: إن هذا خير وطاعة. والزيادة والاجتهاد فيها أكمل، فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم، فلا يزال يحثه ويحرضه. حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرج عن حدها، كما أن الأول خارج هذا الحد. فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر.
(وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم. وقراءتهم مع قراءتهم. وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة. لكن هذا إلى بدعة التفريط والإضاعة. والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف، وكلاً من الإفراط والتفريط في السوءِ سواءا.
[*] (قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط، ولا يبالي بأيهما ظفر: زيادة أو نقصان.
وتأمل في الحديث الآتي ـ الذي يدعو إلى الاقتصاد في العمل ـ بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: لكل عمل شِرَّة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك.
قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل، فكل الخير في اجتهاد باقتصاد، وإخلاص مقرون بالاتباع.
وقوله ﷺ (شِرَّة) الشرة: بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء أي حرصا على
الشيء ونشاطاً ورغبة في الخير أو الشر.
وقوله (لكل شرة فترة) الفترة بفتح الفاء وسكون التاء أي وهنا وضعفاً من الفتور،
والمقصود أن من سلك طريق التوسط والاعتدال نجا وأفلح لأنه يمكنه الدوام على ما ابتدأ من العمل، ومن غلا واشتد أولاً ثم فرط و أعرض أو أفرط فجاوز الحد الشرعي فقد هلك.
وهذا الحديث أصلٌ في الوسطية والاقتصاد في العمل من غير إفراطٍ ولا تفريط، والسنة طافحةٌ بالحث على ذلك منها ما يلي: (
стр. 3098
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(إن هذا الدين متين) أي صلب شديد
(فأوغلوا) أي سيروا
(فيه برفق) من غير تكلف ولا تحملوا على أنفسكم ما لا تطيقونه فتعجزوا وتتركوا العمل والإيغال كما في النهاية السير الشديد والوغول الدخول في الشيء أهـ
والظاهر أن المراد في الحديث السير لا يفيد الشدة إذ لا يلائم السياق وقال الغزالي: أراد بهذا الحديث أن لا يكلف نفسه في أعماله الدينية ما يخالف العادة بل يكون بتلطف وتدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبدل فإن الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلا شيئاً فشيئاً حتى تنفصم تلك الصفات المذمومة الراسخة فيه ومن لم يراع التدريج وتوغل دفعة واحدة ترقى إلى حالة تشق عليه فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوباً عنده ممقوتاً وما كان مكروهاً عنده مشرباً هنيئاً لا ينفر عنه وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق وله نظير في العادات فإن الصبي يحمل على التعليم ابتداء قهراً فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم. أهـ
قال بعض الصحابة: اقتصاد في سبيل وسنة، خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء ﵈ وسنتهم.
(حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: (صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم، و كل غال مارق.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(صنفان من أمتي) أي نوعان
(إمام ظلوم) أي سلطان كثير الظلم للرعية
(وكل غال) في الدين
(مارق) منه.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: خيرُ الأعمال أدومها وإن قل.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ألم أُخبر أنك تقوم الليل وتصومُ النهار؟ قال إني أفعلُ ذلك، قال فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونَفَهَتْ نفسك وإن لنفسك حقاً ولأهلك حقاً فصم وأفطر وقم ونم.
стр. 3099
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا حبلٌ ممدود بين ساريتين فقال ما هذا؟ قالوا هذا حبلٌ لزينب فإذا فترت تعلقت، قال حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) كانت عندي امرأةٌ من بني أسد فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال من هذه؟ قلت فلانة لا تنام من الليل – تذكر من صلاتها - فقال مَهْ؟ عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل الله حتى تملوا.
﴿تنبيه﴾:مَهْ كلمة نهي وزجر بمعنى ما هذا؟
(حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يُدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: إن الدين يسر و لن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا و قاربوا و أبشروا و استعينوا بالغدوة و الروحة و شيء من الدلجة.
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقاُّلوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر أبداً، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.
(حديث أنس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن هذا الدين متينٌ فأوغلوا فيه برفق.
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً.
﴿تنبيه﴾:المتنطعون المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد.
(حديث ابن عباس ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(الحنيفية السمحة) أي الشريعة المائلة عن كل دين باطل
стр. 3100
قال ابن القيم: جمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة فهي حنيفة في التوحيد سمحة في العمل وضد الأمرين الشرك وتحريم الحلال وهما قربتان وهما اللذان عابهما اللّه في كتابه على المشركين في سورة الأنعام والأعراف.
(حديث حنظلة بن الربيع الأُسيدي الثابت في صحيح مسلم) قال لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ وما ذاك؟ قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات.
وكذلك الرياء في الأعمال يخرجه عن الاستقامة. والفتور والتواني يخرجه عنها أيضاً.
(الدرجة الثانية (استقامة الأحوال):
استقامة الأحوال، وهي شهود الحقيقة لا كسباً، ورفض الدعوى لا علماً، والبقاء مع نور اليقظة لا تحفظاً [منازل السائرين – ص ٤٣]
يعني أن استقامة الحال بهذه الثلاثة.
أما "شهود الحقيقة" فالحقيقة حقيقتان: حقيقة كونية، وحقيقة دينية، يجمعهما حقيقة ثالثة، وهي مصدرهما ومنشؤهما، وغايتهما، وأكثر أرباب السلوك من المتأخرين: إنما يريدون بالحقيقة الحقيقة الكونية، وشهودها هو شهود تفرد الرب بالفعل، وأن ما سواه محل جريان أحكامه وأفعاله، فهو كالحفير الذي محل لجريان الماء حسب.
وعندهم أن شهود هذه الحقيقة والفناء فيها غاية السالكين.
ومنهم: من يشهد حقيقة الأزلية والدوام، وفناء الحادثات وطَيَّهَا في ضمن بساط الأزلية والأبدية، وتلاشيها في ذلك، فيشهدها معدومة، ويشهد تفرد موجدها بالوجود الحق بالحق، وأن وجود ما سواه رسوم وظلال.
فالأول: شهد تفرده بالأفعال، وهذا شهد تفرده بالوجود.
стр. 3101
وصاحب الحقيقة الدينية في طور آخر، فإنه في مشهد الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والمولاة والمعاداة، والفرق بين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما يبغضه ويسخطه، فهو في مقام الفرق الثاني الذي لا يحصل للعبد درجة الإسلام ـ فضلا عن مقام الإحسان ـ إلا به.
فالمعرض عنه صفحاً لا نصيب له في الإسلام البتة، وهو كالذي كان الجنيد يوصي به أصحابه، فيقول: "عليكم بالفرق الثاني" وإنما سُمِّي ثانيا، لأن الفرق الأول: فرق بالطبع والنفس، وهذا فرق بالأمر.
والجمع أيضاً جمعان: جمع في فرق، وهو جمع أهل الاستقامة والتوحيد، وجمع بلا فرق، وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد.
فالناس ثلاثة: صاحب فرق بلا جمع، فهو مذموم ناقص مخذول.
وصاحب جمع بلا فرق، وهو جمع أهل الزندقة، والإلحاد، فصاحبه ملحد زنديق.
وصاحب فرق وجمع، يشهد الفرق في الجمع، والكثرة في الوحدة، فهو المستقيم الموحد الفارق. وهذا صاحب الحقيقة الثالثة، الجامعة للحقيقتين الدينية والكونية. فشهود هذه الحقيقة الجامعة: هو عين الاستقامة.
وأما شهود الحقيقة الكونية، أو الأزلية، والفناء فيها: فأمر مشترك بين المؤمنين والكفار، فإن الكافر مقر بقدر الله وقضائه، وأزليته وأبديته، فإذا استغرق في هذا الشهود وفني به عن سواه: فقد شهد الحقيقة.
وأما قوله "لا كسبا" أي يتحقق عند مشاهدة الحقيقة: أن شهودها لم يكن بالكسب، لأن الكسب من أعمال النفس، فالحقيقة لا تبدو مع بقاء النفس، إذ الحقيقة فردانية أحدية نورانية، فلا بد من زوال ظلمة النفس، ورؤية كسبها، وإلا لم يشهد الحقيقة.
وأما "رفض الدعوى لا علماً" ف "الدعوى" نسبة الحال وغيره إلى نفسك وإنِّيَّتُك، فالاستقامة لا تصح إلا بتركها، سواء كانت حقاً أو باطلاً. فإن الدعوى الصادقة تطفئ نور المعرفة، فكيف بالكاذبة؟
стр. 3102
وأما قوله "لا علماً" أي لا يكون الحامل له على ترك الدعوى مجرد علمه بفساد الدعوى، ومنافاتها للاستقامة. فإذا تركها يكون تركها لكون العلم قد نهى عنها. فيكون تاركاً لها ظاهراً لا حقيقة، أو تاركها لها لفظاً، قائماً بها حالاً، لأنه يرى أنه قد قام بحق العلم في تركها، فيتركها تواضعاً، بل يتركها حالاً وحقيقة كما يترك من أحب شيئاً تضره محبته حبه حالاً وحقيقة، وإذا تحقق أنه ليس له من الأمر شيء كما قال الله لخير خلقه على الإطلاق: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ) [آل عمران: ١٢٨] ترك الدعوى شهوداً وحقيقة وحالاً.
وأما "البقاء مع نور اليقظة" فهو الدوام في اليقظة، وأن لا يطفئ نورها بظلمة الغفلة بل يستديم يقظته، ويرى أنه في ذلك المُنشغلُ بالله المأخوذ عن نفسه، حفظاً من الله له، لا أن ذلك حصل بتحفظه واحترازه.
فهذه ثلاثة أمور: يقظة، واستدامة لها، وشهود أن ذلك بالحق سبحانه لا بك. فليس سبب بقائه في نور اليقظة بحفظه. بل بحفظ الله له.
وكأن الشيخ يشير إلى أن الاستقامة في هذه الدرجة لا تحصل بكسب، وإنما هو مجرد موهبة من الله. فإنه قال في الأولى "الاستقامة على الاجتهاد" وفي الثانية "استقامة الأحوال، لا كسباً ولا تحفظاً".
ومنازعته في ذلك متوجهة. وأن ذلك مما يمكن تحصيله كسباً يتعاطى الأسباب التي تهجم بصاحبها على هذا المقام.
نعم الذي ينفى في هذا المقام: شهود الكسب، وأن هذا حصل له بكسبه. فنفي الكسب شيء ونفي شهوده شيء آخر.
الدرجة الثالثة (استقامة بترك رؤية الاستقامة):
استقامة بترك رؤية الاستقامة، وبالغيبة عن تطلب الاستقامة بشهود إقامة وتقويمه الحق.
هذه الاستقامة معناها: الذهول بمشهوده عن شهوده، فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه، فإن رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشهود.
وأما "الغيبة عن تطلب الاستقامة" فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحق للعبد، وتقويمه إياه، فإنه إذا شهد أن الله هو المقيم له والمقوم، وأن استقامته وقيامه بالله، لا بنفسه ولا بطلبه: غاب بهذا الشهود عن استشعار طلبه لها.
стр. 3103
وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه "القيوم" وهو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد، وقام كل شيء به. فكل ما سواه محتاج إليه بالذات، وليست حاجته إليه معللة بحدوث. كما يقول المتكلمون. ولا بإمكان، كما يقول الفلاسفة المشاءون، بل حاجته إليه ذاتية، وما بالذات لا يعلل.
نعم الحدوث والإمكان دليلان على الحاجة، فالتعليل بهما من باب التعريف. لا من باب العلل المؤثرة. والله أعلم.
(متعلقات الاستقامة:
الاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها، وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله.
[*] (قال بعض أهل العلم: كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطالب بالاستقامة.
والاستقامة للحال بمنزلة الروح من البدن، فكما أن البدن إن خلا عن الروح فهو ميت فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد، وكما أن حياة الأحوال بها، فزيادة أعمال الزاهدين أيضاً ونورها وذكاؤها بها، فلا ذكاء للعمل ولا صحة بدونها.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "من هُدِيَ في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، هُدِيَ هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته دار ثوابه، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، ولينظر العبد الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم؛ فإنها الكلاليب التي بجنتي ذاك الصراط تخطه وتعوقه عن المرور عليه فإن كثرت هنا، وقويت فكذلك هي هناك:﴾ وما ربك بظلام للعبيد.
(أقسام الاستقامة:
إن الاستقامة تشمل الدين كله، ودونك أقسامها:
(القسم الأول) استقامة السرائر:
(القسم الثاني) الاستقامة في الأصول:
(القسم الثالث) الاستقامة في العبادات:
(القسم الرابع) الاستقامة في اجتناب المعاصي:
(القسم الخامس) الاستقامة في العادات:
(القسم السادس) الاستقامة في المعاملات:
(القسم السابع) الاستقامة في تزكية النفوس:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(القسم الأول) استقامة السرائر:
стр. 3104
يتعلق باستقامة الأعمال الباطنة كالنية والإخلاص والتزام التقوى ومحبة الله ورسوله ﵌ والتوبة إلى الله واليقين به والرضا بما قدر والصبر على البلاء وااشكر عند الرخاء والتوكل على الله والقناعة والزهد والخوف والرجاء.
(القسم الثاني) الاستقامة في الأصول:
يضم الاستقامة فيما يتخذ المؤمن من منهاج ودليل عمل يستند إلى المعرفة بالله تعالى. فعلى المؤمن أن يعتبر القرآن مصدره الأول ثم سنة رسوله ﵌، ثم بعد ذلك يأتي الاجتهاد ولزوم الجماعة وعدم إطاعة مخلوق في معصية الله تعالى وأن لا يكون إمعة ويجتنب البدع وسبل المشركين والمنافقين. وعلى المؤمن أن ييسر ولا يعسر وأن يتقن عمله ويستغل أوقاته ويتسامح مع من خالفه فيما اختلف فيه الفقهاء وأهل العلم ويستخير ربه في أمور دنياه وآخرته.
(القسم الثالث) الاستقامة في العبادات:
هو باب العبادات والتي تأتي في مقدمتها الصلاة والصيام والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلا، وليست العبادات تلك فحسب، فالطهارة عبادة وتلاوة القرآن عبادة وطلب العلم عبادة، وكذلك الذكر والدعاء والصلاة على رسول الله ﵌ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والتفكر في خلق الله والشكر على نعمائه .. كل هذه من العبادات.
(القسم الرابع) الاستقامة في اجتناب المعاصي:
ويتضمن اجتناب المعاصي التي نهى عنها الله ورسوله وأسس تحديد الإثم. فالكبائر التي حرم الله تعالى كعقوق الوالدين وقطع الأرحام وأكل مال اليتيم وقتل النفس التي حرم الله والخمر والميسر والزنا وقول الزور والسحر وقذف المحصنات والتخنث ولبس الذهب والحرير للرجال وتشبه النساء بالرجال وتركهن الحجاب والخيانة والكذب والظلم والغش واللعن والاحتكار.
(القسم الخامس) الاستقامة في العادات:
ويتضمن مكارم الأخلاق من صدق وحسن خلق وحياء وحفظ اللسان وتواضع وغض للبصر وسخاء ورحمة لعباد الله وترك الجدال وما لا يعني.
(القسم السادس) الاستقامة في المعاملات:
ويتضمن أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، وحب الصالحين وبذل النصح والعدل بالحكم والإحسان إلى الجار وذوي الأرحام والرفق في كل شيء وخاصة للمرء مع أهل بيته وطاعة المرأة لزوجها ورعايتها لولدها وأداء الأمانات والإيفاء بالوعود.
(القسم السابع) الاستقامة في تزكية النفوس:
стр. 3105
ويتضمن تزكية النفوس، فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. فاجتناب التكبر والرياء ومحاسبة النفس وترك الحسد وسوء الظن وذكر الموت.
(فصلٌ في منزلة التفكر:
[*] (عناصر الفصل:
(تعريف التفكر:
(أقسام التفكر:
(فضل التفكر:
(صورٌ مشرقة من تفكر الصحابة ﵃:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غير مُخِّل:
(تعريف التفكر:
- التفكر لغة: مأخوذ من مادة- ف ك ر -التي تدل كما يقول ابن فارس ﵀ من علماء اللغة: على تردد القلب في الشيء، يقال تفكر إذا ردد قلبه معتبراً، ولفظ التفكر مصدر، وفكر مصدرها التفكير، والفكر هو التأمل وإعمال الخاطر في الشيء، فالتفكر هو تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب ..
- أما التفكر شرعا:
[*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة:
قال تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) [يونس: ١٠١]
إخواني ليس المراد بالنظر إلى ما في السموات والأرض ملاحظته بالبصر وإنما هو التفكر في قدرة الصانع.
[*] (وأورد ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة عن أم الدرداء ﵂ أنها قالت تفكر لحظة خير من قيام ليلة وقيل لها ما كان أفضل عمل أبي الدرداء قالت التفكر، وقال ابن عباس ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة، وقال الحسن ما زال أهل العلم يعودون بالتفكر على التذكر وبالتذكر على التفكر ويناطقون القلوب حتى نطقت فإذا لها أسماع وأبصار فنطقت بالحكمة وضربت الأمثال، فأورثت العلم وقال الفكر مرآة تُريك حسناتك وسيئاتك وقال من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وجاء في تفسير قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الّذِينَ يَتَكَبّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ) [الأعراف: ١٤٦]
قال أمنع قلوبهم من التفكر في أمري وكان لقمان يجلس وحده ويقول طول الوحدة أفهم للتفكر وطول التفكر دليل على طريق الجنة، وقال وهب بن منبه ما طالت فكرة امرىءٍ قط إلا علم ولا علم إلا عمل، وبينما أبو شريح العابد يمشي جلس فتقنع بكسائه وجعل يبكي فقيل له ما يبكيك قال تفكرت في ذهاب عمري وقلة عملي واقتراب أجلي، وبينا داود الطائي في سطح داره في ليلة قمراء تفكر في ملكوت السموات والأرض فوقع إلى سطح جاره فلما أفاق قال ما علمت بذلك.
стр. 3106
[*] (ووضع الإمام ابن القيم ﵀ قاعدة جليلة في التفكر: أصل الخير والشر من قبل التفكر فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض وأنفع الفكر ما يلي:
(١) الفكر في مصالح المعاد.
(٢) وطرق اجتلابها.
(٣) وفي دفع مفاسد المعاد .. ،
(٤) وفي طرق اجتنابها .. ،فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار ويليها أربعة هي ما يلي:
(١) فكر في مصالح الدنيا ..
(٢) وطرق تحصيلها ..
(٣) وفكر في مفاسد الدنيا ..
(٤) وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء.
قال: ورأس القسم الأول الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما، وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها وفي الدنيا وخستها وفنائها يثمر له ذلك الرغبة في الآخر ة والزهد في الدنيا، وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت.
وقد ذكر الله التفكر في كتابه مقروناً بذكر الأمثال والنعم و المخلوقات وكذلك ما نراه في هذا الكون من قدرته وهذه بعض الآيات التي فيها الأمر بالتفكر أو مدح المتفكرين أو أنه خلق أشياء للمتفكرين ..
(قال تعالى: (أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ) [البقرة: ٢٦٦] فهذا الرجل قلبه متعلق بالبستان من حيث:
(١) أنه جنة وليس مزرعة صغيرة.
(٢) أن فيها أشجار متنوعة .. نخيل وأعناب.
(٣) أن فيها أشجار نفيسة وأعلاها قيمة وقدراً .. النخيل والأعناب.
(٤) أن الماء الذي في هذه الجنة لا يستخرج من الآبار بالمجهود الكبير بل إن هناك أنهار تجري في هذه الجنة.
(٥) أصابه الكبر .. والإنسان إذا أصابه الكبر يحتاج إلى شيء يعود إليه بالمال دون أن يتعب فيه كثيراً.
(٦) له ذرية ضعفاء صغار مرضى فهو يخشى أن يموت والأولاد أين مصدر رزقهم .. لا يوجد إلا هذه الجنة.
стр. 3107
فدرجة تعلقه بهذه الجنة كبير جداً، فكيف يكون شعوره وخيبة أمله والإحباط إذ أصابها إعصار فيه نار فاحترقت .. ؟ .. كبير جداً .. ، فكر لماذا ضرب المثل ولأي شيء ساق هذا المثل .. ؟
إنه مثل ضربه الله للذي يعمل أعمالاً كثيرة .. صدقات وغيرها ولكنه يرائي .. ، يوم القيامة يأتي في غمرة الأهوال وهو محتاج إلى كل حسنة فيرى أعماله التي عملها في الدنيا وأمامه النار من تلقاء وجهه والشمس دانية من رأسه وفي العرق والصراط مضروب على جهنم ولا ينجو إلا بعمل صالح فجعل الله أعماله كلها هباءً منثوراً في وقت هو أحوج ما يكون إلى الحسنات فكيف يكون إحباطه وذله وخيبة أمله في ذلك الوقت .. ، ما الذي ينشئ الانقياد والسعي للإخلاص في العمل؟ التفكر في مثل هذه الآيات ..
قال تعالى: (إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ * الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ * رَبّنَآ إِنّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [آل عمران ١٩٠: ١٩٢]
(قال تعالى: (إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالأنْعَامُ حَتّىَ إِذَآ أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازّيّنَتْ وَظَنّ أَهْلُهَآ أَنّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لّمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ) [يونس: ٢٤]
(قال تعالى: (اللّهُ الّذِي رَفَعَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمّ اسْتَوَىَ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخّرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ يَجْرِي لأجَلٍ مّسَمّى يُدَبّرُ الأمْرَ يُفَصّلُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ بِلِقَآءِ رَبّكُمْ تُوقِنُونَ) [الرعد: ٢]
стр. 3108
(قال تعالى: (هُوَ الّذِي أَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَآءً لّكُم مّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزّرْعَ وَالزّيْتُونَ وَالنّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ * وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَذّكّرُونَ * وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل ١٠: ١٤]
(قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نّوحِيَ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيّنَاتِ وَالزّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ) [النحل: ٤٤]
يتفكرون في القرآن والتبيان السنة، فيتفكرون في القرآن والسنة.
(قال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ مّا خَلَقَ اللّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَأَجَلٍ مّسَمّى وَإِنّ كَثِيراً مّنَ النّاسِ بِلِقَآءِ رَبّهِمْ لَكَافِرُونَ * قال تعالى: (أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَاْ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً وَأَثَارُواْ الأرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلََكِن كَانُوَاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [الروم: ٩]
فالحاصل أن التفكر في النفوس والتفكر في مصائر الأقوام البائدة مجال آخر للتفكر.
(قال تعالى: (لاَ يَسْتَوِيَ أَصْحَابُ النّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنّةِ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ * لَوْ أَنزَلْنَا هََذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ) [الحشر ٢٠: ٢١].
стр. 3109
فليتفكر الإنسان في هذا القرآن وقوته لو أنزل على جبل لَنْهَدّ فماذا ينبغي أن يكون أثره على نفسه؟
وكان النبي ﷺ مثلاً أعلى في التفكر وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
لما قام من الليل ينظر في السماء ويقرأ، فقراءة الآيات من سورة آل عمران في الليل سنة قبل صلاة الليل، وهذه من السنن المهجورة
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين) قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد، فنظر إلى السماء فقال: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾. ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح.
(وفائدة التفكر تكثير العلم واستجلاب المعرفة لأنه إذا اجتمع في القلب اجتمعت المعلومات الأساسية وازدوجت على ترتيب مخصوص أثمرت معرفة أخرى، فالمعرفة نتاج المعرفة، فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل نتاج آخر! .. فالعلماء من أين أنتجوا انتاجهم وأحاكم الفقه والأحكام المستنبطة والتفسير .. ؟ جزء كبير خرج من التأمل في آيات الله والتأمل في الأحداث والوقائع .. !
(الأمور المشكلة والمستعصيات كيف حُلّت .. ؟!
أبو حنيفة قالوا له هذا شخص وهذا أخوه عقدنا لهما على أختين لما صارت الدخلة بالخطأ دخل الأخ الأول على زوجة الثاني ودخل الأخ الثاني على زوجة الأول و وطئها تلك الليلة و لم يكتشفوا ذلك إلا في الصباح، الحل يحتاج لتفكر وتدبر، تعال يا فلان هل أعجبتك المرأة التي دخلت بها؟ رضيت بها؟ نعم، وأنت يافلان؟ نعم، يا فلان طلق فلانة التي عقدت عليها ويا فلان طلق فلانة ثم عقد لكل منهم على الأخرى!
(والجمع بين النصوص كيف حُلّت .. ؟!
كيف نجمع بين قوله تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ) [الزمر: ٧] وبين قوله ﷺ (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) (بما نيح عليه) .. ؟!!
فيفكر العلماء .. يقولون هذا خاص بالكافر مثلاً .. هذا إذا كان راضياً بالنياحة و هو يعلم بما يفعلون بالعادة و لم ينههم قبل موته .. وهكذا ..
стр. 3110
(من وسائل زيادة الإيمان التفكر في آيات الله في الكون .. في الآفاق .. في النفس .. قال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ مّا خَلَقَ اللّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَأَجَلٍ مّسَمّى وَإِنّ كَثِيراً مّنَ النّاسِ بِلِقَآءِ رَبّهِمْ لَكَافِرُونَ) [الروم: ٨] ..
فيما خلق الله .. ، فهذه الميادين في التفكر مهم جداً للإنسان المسلم والتفكر رأس المال وينتج بضاعة عظيمة جداً ..
(فالثمرة الخاصة للتفكر هي العلم .. وإذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب .. وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح .. ، فالعلم تابع للفكر فالفكر هو المبدأ ينتج علماً والعلم ينتج حال في القلب من الخشية والإحساس بالتقصير في حق الله والرغبة والجد .. ينتجها العلم فيؤدي إلى زيادة أعمال الجوارح لأن القلب يأمر الجوارح بالعمل .. ، فيصلح الإنسان ويعلو شأنه ويتحسن حاله من نتيجة التفكر ..
(ومحبة الله تحصل من التفكر في النعم .. لأن النفس مجبولة على محبة من أحسن إليها .. وكذلك فإن التفكر وسيلة لفهم الشريعة ووسيلة للفقه في الدين (ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .. وهكذا تحصل البصيرة بالتفكر ..
مسألة: ما هو التفكر في النفس .. ؟
الجواب: أن التفكر في النفس يشمل أن يتفكر في خلق الله كيف خلق نفس الإنسان وجسده، والتفكر في النفس أيضاً يشمل التفكر في عيوبها وهذا مهم جداًً ولا يمكن عمل تقويم وتصحيح وتعديل وتحسين إلا بعد التفكر، وإذا كان فكره صحيحاً عرف العيوب واكتشف الأخطاء وبالتالي يمتنع عن الوقوع فيما وقع فيه سابقاً من الأخطاء ويجتهد في تحصيل ما يستر به عيوب نفسه .. غضب شديد .. حاد الطبع .. عجول .. متهور .. عصبي .. جبان .. خواف .. ظلوم .. معتدي .. باغي .. متعدي .. يفري بلسانه في أعراض الخلق .. وهكذا .. ، كذلك يفكر في حال عائلته وأسرته وأولاده كيف يحسن من أحوالهم ما هي الثغرات فيه؟
لو أردنا أن نصلح أحوال المسلمين .. المصلحين الكبار والمجددين الذين مروا على العالم الإسلامي ماذا فعلوا؟ .. بالتأكيد أول ما فعلوا هو النظر في حال المسلمين .. ماذا ينقصهم؟ أين الخلل؟ ما هي الثغرات؟ .. ثم شمروا في تحصيل أسباب القوة والارتقاء بحال المسلمين و سد الثغرات .. جهل .. شرك .. معاصي ..
стр. 3111
(ومن التفكر .. التفكر في خلق الله تعالى .. فإن فيه من العجائب والغرائب الدالة على حكمة الله وقدرته وجلاله شيء يهون الناظرين والمتفكرين والموجودات منقسمة إلى أشياء معروفة و غير معروفة .. ، ومجال العلم التجريبي والدنيوي أن يكتشف الأشياء غير المعروفة وهي موجودة مما خلق الله : (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: ٨] ..
وقال تعالى: (سُبْحَانَ الّذِي خَلَق الأزْوَاجَ كُلّهَا مِمّا تُنبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمّا لاَ يَعْلَمُونَ) [يس: ٣٦]
و قال تعالى: (عَلَىَ أَن نّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الواقعة: ٦١] ..
(والتفكر في مخلوقات الله قد أمر الله به وأنه مدح عباده قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران١٩٠:١٩١]
وأمر في التفكر وحث عليه قال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكّرُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ) [الروم: ٩]
مسألة: لماذا يتفكرون في خلق السموات والأرض .. ؟
[*] قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀:
" ليستدلوا بها على المقصود منها ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين فإذا تفكروا عرفوا أن الله لم يخلقها عبثاً فيقولون ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك﴾ يعني نزهناك عن كل ما لا يليق بك"، بعض الناس تفكره فقط إلى حد إتقان الصنعة وأنها صنعة جميلة لكن المقصود الأعظم ليس فقط التعجب من دقة الصنع بل لشيء وراء ذلك ..
(وقد حثنا النبي ﷺ على التفكر في آلاء الله كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: تفكروا في آلاء الله و لا تفكروا في الله.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(تفكروا في آلاء اللّه) أي أنعمه التي أنعم بها عليكم قال القاضي: والتفكر فيها أفضل العبادات
стр. 3112
(ولا تفكروا في اللّه) فإن العقول تحير فيه فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ثم لا يطيقون دوام النظر بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلاله كبصر الخفاش بالإضافة إلى الشمس فلا يطيقه البتة نهاراً ويتردد ليلاً لينظر في بقية نور الشمس فحال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على نظرها ولا يطيق دوامه فإنه يفرق البصر ويورث الدهش فكذا النظر إلى ذات اللّه يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل فالصواب أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذاته وصفاته لأن أكثر العقول لا
(تنبيه) قال الراغب: نبه بهذا الخبر على أن غاية معرفة الإنسان ربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة ويعرف أثر الصنعة فيها وأنها محدثة وأن محدثها ليس إياها ولا مثلاً لها بل هو الذي يصح ارتفاع كلها بعد بقائه ولا يصح بقاؤها وارتفاعه ولما كان معرفة العالم كله يصعب على المكلف لقصور الأفهام عن بعضها واشتغال البعض بالضروريات جعل تعالى لكل إنسان من نفسه وبدنه عالماً صغيراً أوجد فيه مثال كل ما هو موجود في العالم الكبير ليجري ذلك من العالم مجرى مختصر عن كتاب بسيط يكون مع كل أحد نسخة يتأملها حضراً وسفراً وليلاً ونهاراً فإن نشط وتفرغ للتوسع في العلم نظر في الكتاب الكبير الذي هو العالم فيطلع منه على الملكوت ليقرر علمه وإلا فله مقنع بالمختصر ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ أهـ.
وقد أمرك الله في التدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال: قال تعالى: (وَفِيَ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) [الذاريات: ٢١]
وذكر أنك مخلوق من نطفة قذرة قال تعالى: (قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ * ثُمّ السّبِيلَ يَسّرَهُ) [عبس ١٧: ٢٠]
و قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) [الروم: ٢٠]
و قال تعالى: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ * ثُمّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّىَ * فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ) [القيامة ٣٧: ٣٩]،
و قال تعالى: (أَلَمْ نَخْلُقكّم مّن مّآءٍ مّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مّكِينٍ * إِلَىَ قَدَرٍ مّعْلُومٍ) [المرسلات ٢٠: ٢٢]
стр. 3113
و قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ) [يس: ٧٧] و قال تعالى: (إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) [الإنسان: ٢] ثم ذكر كيف جعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاماً كما قال سبحانه: و قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ * ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون ١٢: ١٤]
فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليُسمَع لفظه ويترك التفكر في معناه .. !
انظر إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تُرِكت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب؟ و كيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم؟ وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق و جمعه في الرحم ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذاه حتى نما وربا و كيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم كيف جعلها مضغة ثم كيف قسم أجزاء المضغة و هي متساوية متشابهة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ثم كيف ركب من اللحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة، فدوّر الرأس وشقّ السمع والبصر و الأنف والفم وسائر المنافذ ثم مد اليد والرجل وقسم رؤوسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء، كل واحد على شكل مخصوص، ومقدار مخصوص، لعمل مخصوص، ثم كيف قسم كل عضو من الأعضاء بأقسام أخر، فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها تعطلت العين عن الإبصار وهكذا ..
стр. 3114
فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ثم جعلها قواماً للبدن وعماداً له ثم قدرها بمقادير مختلفة و أشكال مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل مستدير و مجوف ومصمت وعريض ودقيق ولما كان الإنسان محتاج إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه لم يجعل عظمه عظماً واحداً بل عظاماً كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقه بالعظم الآخر كالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي الأخرى حفراً غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها و تنطبق عليها فصار العبد إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعطل عليه ذلك ..
فتلك النعمة العظيمة (على كل سلام من أحدكم صدقة) ثلاث مائة وستون مفصل تجزيء عنها ركعتي الضحى> .. فلننظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركبها وقد ركبها من خمسٍ وخمسين عظم مختلفة الأشكال والصور فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرأس كما ترى، وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها فإن هذا علم قليل يعرفه الأطباء والمشرحون إنما الغرض أن ينظر في مدبرها وخالقها كيف قدرها ودبرها وخالف بين أشكالها وأقدارها وخصصها بهذا العدد المخصوص لأنه لو زاد عليها واحداً لكان وبالاً على الإنسان يحتاج إلى قلعه ولو نقص منها واحداً لكان نقصاناً يحتاج إلى جبره، فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج في جبرها، وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا على جلالة خالقها ومصورها فشتّان بين النظرين .. ، وكذلك التفكر في أمر هذه الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين و عددها ومنابتها وانشعابها فانظر الآن إلى ظاهر الإنسان وباطنه، فترى به من العجائب والصنعة ما يقضى به العجب وكل ذلك صنعه الله في قطرة ماء قذرة، فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السموات وكواكبه؟ وما حكمته في أوضاعها و أشكالها ومقاديرها وأعدادها واجتماع بعضها وتفرق بعضها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها .. ؟
(فلا تظنن أن ذرة من ملكوت السموات تنفك عن حكمة بل هي أحكم خلقاً وأتقن صنعاً:
قال تعالى: (أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا) [النازعات: ٢٧]
стр. 3115
و قال تعالى: (لَخَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلََكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [غافر: ٥٧]،
فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولاً وما صارت إليه ثانياً وتأمل أنه لو اجتمعت الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعاً أو بصراً أو عقلاً أو قدرة أو علماً أو روحاً أو يخلقوا فيها عظماً أو عرقاً أو عصباً أو جلداً أو شعراً .. هل يقدرون على ذلك؟ بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته لربما عجزوا عن بعضه! < والذي يعملونه في الاستنساخ هو تلاعب بخلق الله قال تعالى: (وَلأَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتّخِذِ الشّيْطَانَ وَلِيّاً مّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مّبِيناً) [النساء: ١١٩]
стр. 3116
وحتى الذبابة فلا يستطيعون أن يخلقوها من عدم فصارت قمة تطورهم الطبي التلاعب في الخلق، وزرع بويضة ملقحة لإنسان في قرد أو كلب و زرع بويضة ملقحة لكلب في رحم امرأة .. هذه هي التجارب الطبية! فالعجب منك لو نظرت إلى صورة إنسان مصوّر على حائط، تأنّق النقاش في تصويرها حتى قرب ذلك من صورة الإنسان وقال الناظر إليها كأنه إنسان، تعجبت من صنعة النقاش وحذقه وخفة يده وتمام فطنته وعظم في قلبك محله مع أنك تعرف أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ والقلم واليد وأن كل ما فعله أنه جعل الصبغ على هذا الحائط على ترتيب مخصوص وأنت تستعجب من النقاش والرسام فكيف بالذي جعل من النطفة القذرة التي كانت معدومة فخلقها في الأصلاب والترائب وأخرج منها هذا الشكل الحسن وقدرها فأحسن تقديرها وصورها فأحسن تصويرها ورتب عروقها وأعصابها وجعل لها مجاري لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها وجعل البطن حاوياً لآلات الغذاء والرأس جامعاً للحواس وهكذا جعل في الأذنين وجعل في الأنف حاسة الشم ليستدل صاحبه باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته و يميز الطيب من الخبيث .. ، وهكذا إذا تأملت في الشفتين و حسن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسد منفذه و ليتم بها حروف الكلام وخلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت وخرج اللسان قدرة للحركات والتقطيعات لتتقطع الأصوات في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق لكثرتها، ثم خرج الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى اختلفت بسببه الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين فرقاً حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة .. إلى غير ذلك من الآلاء والنعم ..
(ثم تفكر في ما يحدث في خلق الجنين في الرحم في ظلمات ثلاث .. ولو كشف الغطاء والغشاء وامتد البصر لرأيت التخطيط والتصوير يظهر عليها شيئاً فشيئاً ولا ترى المصوّر و لا آلته فهل رأيت مصوراً أو فاعلاً لا ترى آلته ومع ذلك يتشكل خلقه ..
стр. 3117
ثم من تمام رحمته أنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكّس و انقلب وتهيأ للخروج وتحرك وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه، ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي، ثملما كان بدنه سخيفاً لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في اللبن اللطيف المستخرج بين الفرث والدم شيئاً سائغا خالصاً، وكيف خلق الثديين وجعل فيهما اللبن و أنبت منهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي .. قدر الحلمة على قدر فتحة الفم في الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقباً ضيقاً جداً حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجاً فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل ثم كيف هداه إلى الامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع، ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخّر خلق الأسنان إلى تمام الحولين، لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف، و يحتاج إلى طعام غليظ ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن فأنبت له الأسنان في وقت الحاجة .. فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة في تلك اللثاة اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليها للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزاً عن تدبير نفسه .. ، فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه، ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجاً .. حتى يتكامل فيصير مراهقاً ثم شاباً ثم شيخاً إما شاكراً أو كفوراً.
قال تعالى: (هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً * إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً) [الإنسان ١: ٣]
стр. 3118
(فتأمل وتفكر في عظمة الرب وهذا في شيء واحد من مخلوقاته وهو الإنسان وفي الإنسان أشياء كثيرة أخرى وكثير منها غير معلوم للآن فما بالك فيما جعل في الأرض في أكنافها وأنهارها وجبالها وهيأ السكن للساكن و جعل الأرض فراشاً وكيف جعلها كفاتاً وأنه أرساها بالجبال الرواسي وأودع فيها المياه وفجر العيون وأسال الأنهار و جعل خزانات جوفية ﴿و ما أنتم له بخازنين﴾، وهكذا ترى في البوادي والأزهار والثمار والمعادن والجواهر وانقسامها إلى خسيس و ثمين وهكذا جعل منها ما يصنعه الإنسان من حاجته وحتى الحلي والنفط والكبريت و القار وحتى الملح الذي يحتاجه لتطييب طعامه و ما في هذه الحيوانات من الأمور العظيمة والتناسب الدقيق الهندسي فترى العنكبوت يبني بيته على طرف نهر فيطلب أولاً موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونها حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه ثم يبتديء ويلقي اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلتصق به ثم يغدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ثم كذلك يتردد ثانياً وثالثاً ويجعل بعد ما بينهما متناسباً تناسباً هندسياً حتى إذا أحكم معاقد القمط ورتب الخيوط كالسدى اشتغل باللُحمة (الكسوة)، فيضع اللحمة على السدى ويضيف بعضه إلى بعض ويحكم العقد على مواضع التقاء اللحمة بالسدى و يراعي في جمع ذلك تناسب الهندسة ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البقّ والذباب و يقعد في زاوية مترصداً لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ووصل بين طرفي الزاوية بخيط ثم علق نفسه فيها بخيط آخر وبقي منكساً في الهوا ء ينتظر ذبابة تطير، فإذا طارت رمى بنفسه إليها فأخذه ولفّ خيطه على رجليه وأحكمه ثم أكله وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى .. ، أفترى أنه تعلم هذه الصنعة من نفسه؟ أو تكون من نفسه؟ أو علمه آدمي؟
فإذاً البصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب والعقول فضلاً عن سائر الحيوانات، وإذا رأيت حيواناً غريباً ولو دوداً تجدد التعجب .. وقال سبحان الله .. !
والإنسان أعجب من الحيوانات .. ومع ذلك إذا رأى حيواناً عجيباً تعجب وليس يتعجب من نفسه .. !
وهكذا ما خلقه الله في البحار وما يكون في قيعانها وفي السحاب وما يجتمع فيها من المطر وكيف ينزل وفي ملكوت السموات والأرض .. ،
стр. 3119
(والتفكر في أمور الآخرة من الأمور المهمة جداً، وحيث أننا ما رأينا الآخرة ولا عشنا فيها ولا عندنا الآن من ثمار الجنة شيء ولا سلاسل النار شيء، لكن عندنا من النصوص الشرعية ما يصف لنا بدقة بالغة كيف سيكون الحال يوم القيامة وهذه الأوصاف والتفاصيل من رحمة الله حتى نجد شيء نتفكر فيه، فلذلك كلما ازداد علمك بتفاصيل ما في اليوم الآخر كلما ازدادت حركة القلب في التفكر في هذه التفاصيل، ولذلك لما سأل ابن المبارك ذاك لما رآه يتفكر قال له أين بلغت؟ قال: الصراط .. ، التفكر كان يأخذ وقت طويل جداً عند العلماء والأولياء بل كانوا يقدمون التفكر على صلاة الليل ..
[*] قال يوسف بن أسباط:
قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة- الإناء الذي يتوضأ به- فناولته، فأخذها بيمينه ووضع يساره على يده فبقي مفكراً ونمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي .. فقلت هذا الفجر قد طلع .. فقال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الساعة ..
لماذا ذكر الله أشراط الساعة .. ؟
لتكون مجالاً للتفكر .. لا بد أن تشغلنا هذه القضايا دائماً و هذا من الخلل الموجود فينا أننا لا نتأمل .. المشكلة أن مجالات التفكر اليوم يا في الحرام والعشق والحب والغرام أو في الدنيا فقط .. طغت الحياة الدنيا على الناس .. فصار التفكير نادر في القضايا المهمة التي عليها مدار السعادة ..
[*] وجاء عن سفيان الثوري:
أنهم كانوا جلوساً في مجلس فانطفأ السراج فعمّت الظلمة الغرفة فبعد ذلك أشعلوه فوجدوا سفيان ﵀ دموعه انهمرت كثيراً فقالوا مالك؟ قال: تذكرت القبر ..
فنظراً لأن قلوبهم حية ممكن أي مشهد أوحدث يصير في الواقع يربطه مباشرة بالآخرة والقبر ..
[*] وأحد السلف كان على تنور فرن خباز فوقف ينظر في النار التي في التنور .. ثم جعلت دموعه تنهمر فبكى بكاء حاراً .. فقيل له مالك؟ قال: "ذكرت النار" ..
[*] قال ابن عباس:" ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب" ..
[*] قال عمر بن عبد العزيز:" الفكرة في نعم الله من أفضل العبادات" ..
[*] وبكى عمر يوماً فسئل عن ذلك فقال:" فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادّّكر" ..
فمن رحمة الله أنه جعل لذات الدنيا مهما عظُمت فيها تنغيص وتكدير حتى لا يستسلم العباد إليها ومع ذلك يستسلمون إليها!
стр. 3120
[*] وسأل عبد الله بن عتبة أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: "التفكر والاعتبار" ..
نور الإيمان التفكر .. أفضل العمل الورع والتفكر .. تفكر ساعة خير من قيام ليلة ..
[*] كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: " اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به والندم على الشر يدعو إلى تركه" ..
[*] وعن محمد بن كعب القرظي: " لئن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت والقارعة لا أزيد عليهما وأتردد فيهما وأتفكر أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي هذّاً أو أنثره نثراً" ..
[*] قال وهب: " ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم وما علم امرئ قط إلا عمل" ..
[*] قال فضيل: " الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك" ..
عودوا قلوبكم البكاء وقلوبكم التفكر ..
ولله درُّ من قال:
إني رأيت عواقب الدنيا ... فتركت ما أهوى لما أخشى
فكرت في الدنيا وعالمها ... فإذا جميع أمورها تفنى
وبلوت أكثر أهلها فإذا ... كلُ امرئٍ في شأنه يسعى
أسمى منازلها وأرفعها ... في العز أقربها من المهوى
تعفو مساويها محاسنها ... لا فرق بين النعي والبشرى
وقد مررت على القبور ... فما ميزت بين العبد والمولى
أتراك تدري كم رأيت ... من الأحياء ثم رأيتهم موتى؟
فالإنسان عليه أن يديم التفكر ويطيله لأنه يوصل إلى مرضاة الله وانشراح الصدر وسكينة القلب ويورث الخوف و الخشية من الله ويورث العلم والحكمة والبصيرة ويحيي القلوب و يصير هناك اعتبار واتعاظ من سير السابقين .. هذا التفكر .. العمل القلبي العظيم .. نسأل الله أن يجعلنا من الذين يتفكرون ومن الذين يعقلون ومن الذين يتدبرون ..
(أقسام التفكر:
[*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه التبصرة:
واعلم أن التفكر ينقسم إلى قسمين أحدهما يتعلق بالعبد والثاني بالمعبود ﷻ .
(فأما المتعلق بالعبد فينبغي أن يتفكر هل هو على معصية أم لا فإن رأى زلة تداركها بالتوبة والاستغفار ثم يتفكر في نقل الأعضاء من المعاصي إلى الطاعات فيجعل شغل العين العبرة وشغل اللسان الذكر وكذلك سائر الأعضاء ثم يتفكر في الطاعات ليقوم بواجبها ويجبر واهنها ثم يتفكر في مبادرة الأوقات بالنوافل طلباً للأرباح ويتفكر في قصر العمر فينتبه حذراً أن يقول غداً يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ثم يتفكر في خصال باطنة فيقمع الخصال المذمومة كالكبر والعجب والبخل والحسد ويتولى الخصال المحمودة كالصدق والإخلاص والصبر والخوف وفي الجملة يتفكر في زوال الدنيا فيرفضها وفي بقاء الآخرة فيعمرها.
следующие страницы →