← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

(وذكر بعضهم أن حجراً من المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منها فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه، وهو قائم يصلي، فما زال عن مقامه، ولا عرف ذلك في صوته، ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون ما كان يركع، فكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شيء إليها. (روي أن ابن الزبير كان يوماً يصلي فسقطت حية من السقف تطوقت على بطن ابنه هاشم، فصرخ النسوة وانزعج أهل المنزل، واجتمعوا على قتل الحية، فقتلوها وسَلِم الولد، فعلوا هذا كله وابن الزبير في الصلاة لم يلتفت، ولا درى بما جرى لابنه حتى سلَّم. (وركع ابن الزبير يوماً فقرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه. (وقال يحيى بن وثاب: (كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره، تصعد وتنزل، ولا تراه إلا جذم حائط. (روي عن حاتم الأصم أنه سئل عن صلاته، فقال: إذا حانت الصلاة، أسبغت الوضوء، وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوام ‘لي صلاتي، وأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأظنها آخر صلاتي، ثم أقوم يسن يدي الرجاء والخوف ,أكبر تكبيراُ بتحقيق ,وأقرأ بترتيل، وأركع وكوعاً بتواضع وأسجد سجوداً بتخشع .. وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت أم لا؟. [*] قال علي بن الفضيل: (رأيت الثوري ساجداً فطفت سبعة أسابيع - أي ٤٩ شوطاً - قبل أن يرفع رأسه) [*] قال ابن وهب: (رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب صلّى ثم سجد سجدة فلم يرفع حتى نودي بالعشاء. [*] قال أبو بكر بن عياش: (رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجداً، فلو رأيته قلت: ميت. يعني من طول السجود. [*] كان طلق بن حبيب لا يركع في صلاته إذا افتتح سورة (البقرة) حتى يبلغ (العنكبوت). وكان يقول: أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي. (ومنهم: من إذا دخل في الصلاة خشع قلبه، وسكنت جوارحه، حتى يظن من رآه أنه جماد، بل إن الطير قد يظن ذلك المصلي حائطاً، فيقع على ظهره لشدة سكونه، وهذا السكون دليل على الراحة التي يجدها المصلي في صلاته، إذ لو لم يجد فيها راحة لم يسكن هذا السكون، فإن المرء إذا كان على وضع لا راحة له فيه تكثر حركته، والتفاته، وعبثه. قال ثابت البناني: (كنتُ أَمُرُّ بعبد الله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام، كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك. قال الأعمش: (كان إبراهيم إذا سجد كأنه حائط، ينزل على ظهره العصافير.

стр. 3257

وكان مسلم بن يسار إذا صلّى كأنه وتد لا يميل لا هكذا ولا هكذا. وقيل: إذا صلى كأنه ثوب ملقى. [*] قال ميمون بن مهران: ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتا في صلاة قط ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدتها وإنه لفي المسجد يصلي فما التفت. وعنه أيضا [أن مسلم بن يسار كان إذا دخل إلى المنزل سكتوا فإذا قام إلى الصلاة تكلموا وضحكوا. (ومنهم: من إذا دخل في الصلاة انشغل بها عما حوله، حتى لا يشعر بما يحدث عنده وقريباً منه وإن كان عظيماً، ومتى عظمت محبة الشخص لأمر، فإنه ينشغل به حتى عن نفسه، ألم تر كيف قطع النسوة أيديهن لما رأين يوسف فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:٣١] دهشن برؤيته عن أنفسهم فلم يشعرن بتقطيع أيديهن. من المصلين من يجد في صلاته لذة تشغله عما حوله، فمنهم من لا يشعر بوقوع شيء أصلاً، ومنهم من يشعر بذلك لكنه لا يلتفت إليه، ولا يعبأ به، فكأنه لم يشعر، لقوة حضوره في صلاته، وانصرافه لها، وعدم اهتمامه بما سواها وانشغاله عنه. قال ميمون بن مهران: ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتاً في صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدمها، وإنه في المسجد يصلي فما التفت. ولما هنئ بسلامته عجب وقال: ما شعرت. (ومنهم: من يصيبه في صلاته وجع شديد وألم، فلا يلتفت له، ويستمر في صلاته، قد أنسته لذة الصلاة شدة الوجع، حتى كأنه لا يحس به. (ففي إحدى الغزوات قام رجل من الأنصار يصلى ليلاً، فرماه أحد المشركين بسهم فنزعه واستمر في صلاته، فرماه بسهم ثان فنزعه واستمر في صلاته، فرماه بسهم ثالث فنزعه وركع وسجد وأتم صلاته. ثم أنبه صاحبه، فلما رأى ما به من الدم قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟! قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. فانظر كيف صبر على تلك السهام، وتحمَّل ألم الجراح، ولم تطب نفسه أن يقطع قراءته لتلك السورة حتى أتمّها. فكم من لذة يجدها هذا الرجل في صلاته. وكم من راحة وسرور، نسي معه تعب السفر، ومشقة الطريق، وهون عليه ضرب السهام. [*] الربيع ابن خيثم:

стр. 3258

عن بكر بن ماعز قال أعطي الربيع فرساً أو اشترى فرساً بثلاثين ألفاً فغزا عليها قال ثم أرسل غلامه يحتش وقام يصلي وربط فرسه فجاء الغلام فقال يا ربيع أين فرسك قال سرقت يا يسار قال وأنت تنظر إليها قال: (نعم يا يسار أني كنت أناجي ربي فلم يشغلني عن مناجات ربي شيء اللهم انه سرقني ولم أكن لأسرقه اللهم إن كان غنياً فاهده وإن كان فقيراً فاغنه)، ثلاث مرات [*] عن بن فروخ قال: (كان الربيع بن خيثم إذا كان الليل ووجد غفلة الناس خرج إلى المقابر فيجول في المقابر يقول: (يا أهل القبور كنتم وكنا، فإذا أصبح كأنه نشر من أهل القبور. (ومن خشوعهم أنهم كانوا يتأثرون جداً بالجنائز: قال ثابت البناني: كنا نتبع الجنازة فما نرى إلا متقنعا باكيا أو متقنعا متفكرا. (علو الهمة في الخشوع: [*] قال الجنيد: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب. [*] قال ابن كثير: والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرّغ قلبه لها .. واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة له. [*] قال سعيد بن جبير في قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) يعني: متواضعون. لا يعرف من عن يمينه ولا من عن شماله ولا يلتفت من الخشوع لله تعالى. • صار لرب العرش حين صلاته ... نجيّا فيا طوباه لو كان يخشع [*] قال بعض السلف: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك، فما الظن بمن يهدى إليه جارية شلاء أو عوراء ... فكيف بصلاة العبد والتي يتقرب بها إلى الله. [*] كان ذو النون يقول في وصف العبّاد: لو رأيت أحدهم وقد قام إلى صلاته، فلما وقف في محرابه، واستفتح كلام سيده، خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، فانخلع قلبه وذهل عقله. [*] (تمام الخشوع: أن يخضع القلب لله ويذل له، فيتم بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله ، (وذلك لأن القلب أمير البدن. فإذا خشع القلب .. خشع السمع والبصر والوجه وكل الأعضاء .. حتى الكلام. ولهذا كان النبي ﷺ يقول في ركوعه: (خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي). (حديث علي بن أبي طالب ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ كان إذا ركع كان كلامه في ركوعه أن يقول اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت وأنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي لله رب العالمين.

стр. 3259

(حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ كان إذا ركع قال اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت أنت ربي خشع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين. [*] قال الحسن ﵀: إياك أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره .. وتسأل الله الجنة وتعوذ به من النار .. وقلبك ساه لا تدري ما تقول بلسانك. [*] كان خلف بن أيوب لا يطرد الذباب عن وجهه في الصلاة فقيل له: كيف تصبر؟. قال: بلغني أن الفسّاق يتصبرون تحت السياط ليقال: فلان صبور. وأنا بين يدي ربي، أفلا أصبر على ذباب يقع علي؟.!! [*] (احذر خشوع النفاق: [*] قال أبو الدرداء : استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع. ﴿تنبيه﴾: (الخشوع عزيزٌ في هذه الأمة وقد أخبر النبي أن أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع. (حديث أبي الدرداء ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعا. (فصلٌ في منزلة البكاء من خشية الله: إن منزلة البكاء من خشية الله من أعظم المنازل، فللخشوع فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهي نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين وهاك صفوة مسائل البكاء من خشية الله. [*] (عناصر الفصل: (فضل البكاء من خشية الله: (السبب في جفاف العين عن البكاء: (السبل الميسرة للبكاء من خشية الله تعالى: (إخفاء البكاء: (سيد البكائين والناس أجمعين حبيبنا محمد ﷺ : (بكاء أصحاب النبي ﵃: (نماذج من بكاء السلف: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (فضل البكاء من خشية الله: (١) لقد أثنى الله في كتابة الكريم في أكثر من موضع على البكائين من خشيته قال تعالى: (وَيَخِرّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) [الإسراء / ١٠٩] قال تعالى: (إِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمََنِ خَرّواْ سُجّداً وَبُكِيّاً) [مريم / ٥٨] والسنة طافحةٌ بما يدل على فضل البكاء من خشية الله تعالى منها ما يلي:

стр. 3260

((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل و شاب نشأ في عبادة الله و رجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال: إني أخاف الله و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه و رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. [*] قال القرطبي: فيض العين بحسب الذاكر وما ينكشف له فبكاؤه خشيه من الله تعالى حال أوصاف الجلال وشوقاً إليه سبحانه حال أوصاف الجمال. فيوم يشتد الكرب على الخلق، وتدنو الشمس من الرءوس، ويغرق الناس في عرقهم، يكون الباكون من خشية الله ضمن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. (٢) الباكون من خشية الله لا يدخلون النار، بل ولا تمسهم: ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا يلج النار رجل بكي من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم. قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: قوله [لا يلج] من الولوج أي لا يدخل [رجل بكى من خشيه الله] فإن الغالب من الخشية امتثال الطاعة واجتناب المعصية [حتى يعود اللبن في الضرع] هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى: (حَتّىَ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) [الأعراف / ٤٠] أهـ فكما أن رجوع اللبن في الضرع بعد حلبه أمر يستحيل وقوعه فكذلك دخول الباكين من خشية الله النار أمر يستحيل وقوعه. ((حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله. قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: [عينان لا تمسهما النار] أي لا تمس صاحبهما فعبر بالجزء عن الجملة وعبر بالمس إشارة إلى امتناع ما فوقه بالأولى [عين بكت من خشيه الله] وهى مرتبه المجاهدين مع النفس التائبين عن المعصية سواء كان عالماً أو غير عالم [وعين باتت تحرس في سبيل الله] وهى مرتبة المجاهدين في العبادة وهى شاملة لأن تكون في الحج أو طلب العلم أو الجهاد أو العبادة والأظهر أن المراد به الحارس للمجاهدين لحفظهم عن الكفار. (٣) الباكون من خشية الله يفوزون بحب الله تعالى لهم:

стр. 3261

((حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين قطرة من دموع في خشية الله وقطرة دم تهراق في سبيل الله وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله. فاللهم ارزقنا حبك ولا تحرمنا فنكون من الخاسرين. (٤) الباكون من خشية الله يفوزون بشجرة طوبى في الجنة: ((حديث ثوبان ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: طوبى لمن ملك لسانه و وسعه بيته و بكى على خطيئته. وقد وصف النبي ﷺ شجرة طوبى كما في الحديث الآتي: ((حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها. (٥) الباكون من خشية الله يفوزون بامتثالهم أمر النبي ﷺ بالبكاء: ((حديث عقبة بن عامر في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك. فمن امتثل هذا الأمر فاز بشرف طاعة النبي ﷺ . (٦) الباكون من خشية الله يحظون بالاقتداء بالأنبياء الذين أنعم الله عليهم: قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [(٥٨) سورة مريم]. تُتلَى عليهم آيات الله، فتَلقى الآيات قلوبَ أفضل البشر .. تخر القلوب ساجدة .. ثم تهوى الأبدان .. تلامس الهامات الثرى .. و .. تسيل دموع الشوق والمحبة والإجلال .. ودموع الخوف والخشية .. فاللهم ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [(٦، ٧) سورة الفاتحة]. (٧) الباكون من خشية الله يزيدهم الله إيماناً: فمعتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والبكاء من خشية الله من أشرف الطاعات وأحبها إلى الله ولها أثرها البين في زيادة الإيمان. (٨) الباكون من خشية الله يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ويجعل لهم المخرج من كل ضيق:

стр. 3262

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [(٢ - ٣) سورة الطلاق]. (٩) الباكون من خشية الله يجعل الله لهم من أمرهم يسراً: قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [(٤) سورة الطلاق]. ١١. الباكون من خشية الله يتذكرون بكاءهم في الدنيا وخوفهم من ربهم تعالى بعد دخولهم الجنة: فما أعظمها من لذة وما أجمله من موقف ذلك الذي حكاه الله عنهم، قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ، قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ، إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [(٢٥ - ٢٨) سورة الطور]. (السبب في جفاف العين عن البكاء: إن جفاف العين عن البكاء داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمره خطير وشره مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب كالسرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل. إنه داء المعصية .. فالمعصية حائل بين العين وبين البكاء، وحري بنا أن أن نحيط علما بخطر بالمعاصي لنجتنبها ونكون على حذرٍ منها، وإليك أهم عناصرها: (ذم المعاصي: (قبح آثار المعاصي: (توبيخ العاصي: (الأدوية التي تزهدك في المعاصي: (كيفية الوقاية من الذنوب: (كيف أتخلص من المعاصي: (التحذير من المجاهرة بالمعصية: (مفاسد المجاهرة بالمعاصي: (صورٌ من المجاهرة بالمعاصي والعياذ بالله: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (ذم المعاصي: (أخي الحبيب:

стр. 3263

(كم أكبَّت المعاصي رؤوساً على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم، وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين، وكم أزالت من نعمة، وأحلَّت من نقمة، وكم أنزلت من معْقل عزِّهِ عزيزاً فإذا هو في الأذلين، ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل سافلين، وكم كشفت من عورة، وأحدثت من روعة، وأعقبت من ألم، وأحلت من ندم، وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد، وأذهبت قدراً كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد، وكم جلبت من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء؛ فقلَّ أن يفارقها زوال نعمة، أو فجاءة نقمة، أو تحويل عافية، أو طُروق بلية، أو حدوث رزية؛ فلو سألت النِّعَم ما الذي أزالك؟ والنِّقم ما الذي أدالك؟ والهمومَ والأحزان ما الذي جلبك؟ والعافية ما الذي أبعدك وجنَّبك؟ والستر ما الذي كشفك؟ والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك؟ والحياة ما الذي كدَّرك؟ وشمس الإيمان ما الذي كوَّرك؟ وعزة النفس ما الذي أذلَّك؟ وبالهوان بعد الأكرام بدَّلك _ لأجابتك بلسان الحال اعتباراً إن لم تجب بالمقال حواراً. (أخي الحبيب: اعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أن المعاصي تضر بالقلب والبدن ضرراً بليغاً فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، نعوذ بالله الكبير المتعال من سوء الحال وقُبح الفِعال ونعوذ به من السفه والضلال، فالمعاصي للقلب والبدن داء ٌ عضال ومرض قتَّال أمرها خطير وشرها مستطير أشر من البرص وأضر من الجرب ضررها كضرر السرطان يأكل الخلايا، ومثل السوس الذي ينخر عظامهم من الداخل، ومن تفكَّر ملياً وتأمل جلياً لم يجد في الدنيا و الآخرة شر ولا داء إلا سببه الذنوب والمعاصي.

стр. 3264

فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالإيمان كفراً، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبرجل التسبيح والتهليل رجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهون، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه، ومقته أكبر المقت فأرداه، فصار قواداً لكل فاسق ومجرم. رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة؟ فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك، وارتكاب نهيك. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟ وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه. [*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بحر الدموع أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا يغرّنّكم قول الله : ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، فإن السيئة وإن كانت واحدة، فإنها تتبعها عشر خصال مذمومة: أولها: إذا أذنب العبد ذنبًا، فقد أسخط الله وهو قادر عليه. والثانية: أنه فرّح إبليس لعنه الله. والرابعة: أنه تقرّب من النار. والخامسة: أنه قد آذى الحفظة. والثامنة: أنه قد أحزن النبي ﷺ في قبره. والتاسعة: أنه أشهد على نفسه السماوات والأرض وجميع المخلوقات بالعصيان.

стр. 3265

والعاشرة: أنه خان جميع الآدميين، وعصى رب العالمين. [*] (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: واعلم وفقك الله أن المعاصي قبيحة العواقب سيئة المنتهى وهي وإن سر عاجلها ضر آجلها ولربما تعجل ضرها فمن أراد طيب عيشه فليلزم التقوى. [*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن الأصمعي عن أبيه قال كان شيخ يدور على المجالس ويقول من سره أن تدوم له العافية فليتق الله تعالى. فمتى رأيت وفقك الله تكديراً في حال فتذكر ذنباً قد وقع. [*] (قال الفضيل بن عياض: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي [*] (وقال أبو سليمان الداراني: من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفيء في ليله. أهـ (فيا من يريد دوام العيش على البقاء، دم على الإخلاص والنقاء وإياك والمعاصي فالعاصي في شقاء، والمعاصي تذل الإنسان وتخرس اللسان وتغير الحال المستقيم وتحل الاعوجاج مكان التقويم ٠ (قبح آثار المعاصي: إن للمعاصي آثارٌ سيئة وعواقب وخيمة وقد تصل العقوبة إلى عمى البصيرة والعياذ بالله فيصير الإنسان هائماً في الضلال، يتقاعس عن التكليف ولا ينفع فيه وعظٌ ولا تسويف، يعيش حياته جيفةً بالليل حمارٌ بالنهار، يعيش عيش البهائم بالليل نائم وبالنهار هائم، لا يعرفُ من الإسلام إلا اسمه ولا من المصحفِ إلا رسمه. [*] (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: اعلم أن العقوبة تختلف فتارة تتعجل وتارة تتأخر وتارة يظهر أثرها وتارة يخفى، وأطرف العقوبات مالا يحس بها المعاقب وأشدها العقوبة بسلب الإيمان والمعرفة ودون ذلك موت القلوب ومحو لذة المناجاة منه وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن وإهمال الاستغفار ونحو ذلك مما ضرره في الدين. وربما دبت العقوبة في الباطن دبيب الظلمة إلى أن يمتلىء أفق القلب فتعمى البصيرة. وأهون العقوبة ما كان واقعا بالبدن في الدنيا وربما كانت عقوبة النظر في البصر فمن عرف لنفسه من الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يرد ما يرد. ومن آثار المعاصي ما يلي: (١) حرمان العلم فالعلم نور يقذفه الله فى القلب و المعصية تطفى ذلك النور

стр. 3266

(٢) وحشة يجدها العاصي فى قلبة بينه و بين الله لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا لا يحس بها الا من كان فى قلبة حياة. (٣) وحشة تحصل بينه و بين الناس لاسيما اهل الخير منهم و كلما قويت تلك الوحشة ابتعد عنهم و عن مجالسهم و حرم بركة الانتفاع بهم. (٤) تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه. (٥) ظلمة يجدها فى قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل. (٦) المعاصي توهن القلب و البدن فالفاجر و إن كان قوى البدن فإنة أضعف شئ عند الحاجة. (٧) المعاصي تؤدى الى حرمان الطاعة فإنها تصد عن طاعة تكون بدل المعصية. (٨) المعاصي تقصر العمر و تمحق بركته فالبر كما يزيد العمر فالفجور يقصر العمر. (٩) المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مقاطعتها و الخروج منها. (١٠) المعاصي تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية و تضعف إرادة التوبة. (١١) المعاصي باستمرار فعلها تصير عادة فلا يستقبح من يفعلها حتى يفتخر أحدهم بالمعصية و يحدث بها من لم يعلم أنة عملها. (١٢) المعصية سبب لهوان العبدعلى ربه و سقوطه من عينه (١٣) العاصي يجعل غيره من الناس و الدواب يعود عليهم شؤم ذنبه فيحترق هو و غيره بشؤم الذنوب و الظلم. (١٤) المعصية تورث الذل فإن العز فى طاعة الله لا محال (١٥) المعاصي تدخل العبد تحت لعنة الرسول صلى الله عليه و سلم كما لعن آكل الربا و لعن شارب الخمر و لعن الواشمةو المستوشمة وغيرهم. (١٦) المعاصي تؤدي الى الحرمان من دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم و دعاء الملائكة. (١٧) تحدث المعاصي فى الأرض أنواعا من فساد المياه و و الهواء و الزروع و الثمار و المساكن و ما يحل بها من الخسف و الزلازل و يمحق بركتها. (١٨) تطفئ المعاصي من القلب نار الغيرة. (١٩) المعاصي تذهب الحياء الذى هو مادة حياة القلب. (٢٠) المعاصي تضعف فى القلب تعظيم الرب جل جلالة. (٢١) المعاصي تستدعى نسيان الله لعبده و تركه و تخليته بينه و بين نفسه و شيطانه. (٢٢) العاصي يلقى فى قلبه الرعب و الخوف دائما. (٢٣) ينصرف العاصي عن صحته واستقامته فتجده مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته و صلاحه. (٢٤) العاصي دائما أسير مسجون مقيد فى يد شيطانه. [*] (أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب أن سفيان الثوري كثيرا يتمثل بهذين البيتين:

стр. 3267

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الوزر والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار [*] (أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن مالك بن دينار قال: «بينما أنا أطوف، بالبيت فإذا بجويرية متعبدة متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول:» يا رب، كم من شهوة ذهبت لذتها، وبقيت تبعتها، يا رب، أما كان لك أدب إلا بالنار، وتبكي، فما زالت مقامها حتى طلع الفجر، فلما رأيت ذلك وضعت يدي على رأسي صارخا أقول: ثكلت مالكا أمه، وعدمته جويرية من الليلة قد تطلبه» (توبيخ العاصي: (أيها العاصي ما أغدرك! (تسأل الله فيعطيك، فتستعين بما أعطاك على معصيته، أو أمنت أن يهتك سترك أو يغضب عليك غضبةً لا يرضى بعدها أبدا، كيف أمنت هذه الحالة ويمكن وقوعها لا محالة، أراك ضعيف اليقين يا مؤثر الدنيا على الدين. (إلى متى تستمر على عصيانه، وقد غذاك برزقه وإحسانه، أما خلقك بيده؟ أما نفخ فيك من روحه؟ أما علمت فعله بمن أطاعه، وأخذي لمن عصاه؟ أما تستحي تذكره في الشدائد وفي الرخاء تنساه؟ عين بصيرتك أعماها الهوى. هذا حال من لم تؤثر فيه الموعظة، فإلى كم هذا التواني؟ إن تبت من ذنبك، آتيتك أماني. اترك دارًا صفوها كدر، وآمالها أماني (يا من يسير بعمره وقد تعدّى الحدود، إبك على معصيتك فلعلك مطرود. يا من عمره ينتهب وليس الماضي يعود، قد أسمعتك المواعظ من أرشادها نصحًا، وأخبرك الشيب أنك بالموت تقصد وتنحّا، وناداك لسان الاعتبار: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ [الانشقاق ٦]. [*] (قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: دخلت على جار لي وهو في الغمرات يعاني عظيم السكرات، يُغمى عليه مرة، ويفيق أخرى، وفي قلبه لهيب الزفرات، وكان منهمكًا في دنياه، متخلفًا عن طاعة مولاه، فقلت له: يا أخي، تب إلى الله، وارجع عن غيّك، عسى المولى أن يشفيك من ألمك، ويعافيك من مرضك وسقمك، ويتجاوز بكرمه عن ذنبك. فقال: هيهات هيهات! قد دنا ما هو آت، وأنا ميّت لا محالة، فيا أسفي على عمر أفنيته في البطالة. أردت أن أتوب مما جنيت، فسمعت هاتفًا يهتف من زاوية البيت: عاهدناك مرارًا فوجدناك غدارًا. نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونستغفره من الذنوب المتقادمة.

стр. 3268

(يا أسير دنياه، يا عابداً لهواه، يا مَوْطِن الخطايا، ويا مِسْتَودِعَ الرزايا، اذكر ما قدّمت يداك، وكن خائفًا من سيدك ومولاك أن يطّلع على باطن زللك وجفاك، فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رُمت التخلص من غيّك وعناك، صاح بك لسان الحال وناداك: إليك عنا فما تحظى بنجوانا ... يا غادرًا قد لها عنا وقد خانا أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا ... وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا بأي وجه نراك اليوم تقصدنا ... وطال ما كنت في الأيام تنسانا يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع ... إلا لمجتهد بالجدّ قد دانا (كم عاهدته مرارًا فوجدك غدارًا، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين. (أيا كثير الشقاق، يا قليل الوفاق، يا مرير المذاق، يا قبيح الأخلاق، يا عظيم التواني قد سار الرفاق، يا شديد التمادي قد صعب اللحاق، إخلاصك معدم وما للنفاق نفاق، معاصيك في إدراك والعمر في إمحاق، وساعي الأجل مجد كأنه في سباق، لا الوعظ يزجرك ولا الموت ينذرك ما تطاق. (يا من نسي العهد القديم وخان، من الذي سواك في صورة الإنسان، من الذي غذاك في أعجب مكان، من الذي بقدرته استقام الجثمان، الذي بحكمته أبصرت العينان، من الذي بصنعته سمعت الأذنان، من الذي وهب العقل فاستبان للرشد وبان، من الذي بارزته بالخطايا وهو يستر العصيان، مَنِ الذي تركت شكره فلم يؤاخذ بالكفران، إلى كم تخالفه وما يصبر على الخلاف الأبوان، وتعامله بالغدر الذي لا يرضاه الإخوان، وتنفق في خِلافه ما عَزَّ وهان، ولو علم الناس منك ما يعلم: ما جالسوك في مكان، فارجع إليَّه ما دمت في زمن الإمكان، وتب إليه فإنه الرحيم الرحمن، عساه أن يعفو عما سلف وكان من الذنوب والعصيان. (يا مخدوعاً قد غُبِن، يا مفتوناً قد فُتِن، مَنْ لكَ إذا سُوِّيَ عليك اللَبِن. (يا حليف النوم والوسادة، يا أسير الشهوات وقد نسي مَعَادَه، يا قليل الزاد مع قُربِ مماته، أما آن لك أن تفِيق من تلك الرُقَادة، لقد ربح القوم وأنت نائم، وَخِبْتَ ورجعوا بالغنائم، بالليل نائم وبالنهار هائم وتعيش عيش البهائم، ثم تدعي أنك فاهم وأنت لا شك واهم. (يا مَنْ شاب وما تاب، أموقنٌ أنت أم مُرْتاب، مَنْ آمن بالسؤالِ فليُعدَّ له جواب، وللجواب صواب. (يا مَنْ كلما طال عمره زاد ذنبه، يا مَنْ كلما ابيض شَعْرُه اسوَّدَ بالآثام قلبه.

стр. 3269

(يا مَنْ ضيَّعَ عمرَه في غير طاعة، يا مَنْ بضاعته التسويف والتفريط فَبِئْسَت البضاعة، إلى متى هذا التسويف، ولا ينفعُ فيك وعظٌ ولا تعنيف، إذا وُعِظت لم تنتفع وإذا رُدِعْتَ لم ترتدع، وإذا لم تجد جواباً قلت لم أقتنع، هذا كتاب الله لو أُنزل على جبلٍ رأيته يتصدع، ومع ذلك فلا قلبٌ لك يخشع ولا عينُ تدمع، أين الخشوع والخضوع أين البكاء وجَرَيانُ الدموع أين التوبةُ والرجوع. (أما بان لك العيب، أما أنذرك الشيب، وما في نُصحه ريب، أما اعتبرت بمن رحل أما وعظتك العبر أما كان لك سمعٌ ولا بصر ٠ (إلى متى هذا التواني، يا مغروراً بالأماني. (إلى متى هذا الإعراض والعمر في انقراض. (إلى متى هذا التقصير، وإلى البلى المصير، أو ما علمت أن العمر قصير ولم يبق منه إلا اليسير، فتزود للسفر الطويل، ولا تتكلم بغير تفكير ولا تعمل بغير تدبير، ولا يشغلنك أحدٌ عن جد المَسِيْر، ولا تُضَيِّعُ الأوقات النفيسة في الأفعال الخسيسة، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة والنفس طماعة فَرَوِّضْهَا القناعة. (أو ما علمت أن معالي الأُمور لا تنال بالفتور، وإنما تنال بالجد والاجتهاد والتشمرِ ليومِ المعاد، وخلعِ الراحة واستفراغ الوسع في الطاعة، أو ما علمت أن من جد وجد ومن زرع حصد، وليس من سهر كمن رقد والأمور تحتاج إلى وثبة أسد، فإذا عزمت فبادر وإذا هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من كان في الصف الآخر. (أيها العبد انظر بعين فكرك وعقلك، هل تجد سبيلا لخلاص مثلك، مع إقامته على فعلك، أين اعتبارك بانطلاق أسلافك، أين فكرك في فراق ألافك، متى تنتقل على قبيح خلافك. (يا كثير السيئات غدا ترى عملك، يا هاتك الحرمات إلى متى تديم زللك، أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك. (يا مبارزا بالذنوب خذ حذرك وتوق عقابه بالتقى فقد أنذرك، وخل الهوى فإنه كما ترى إلى الردى صَيَرَك. (يا من يرجو الثواب بغير عمل، ويرجئ التوبة بطول الأمل، أتقول في الدنيا قول الزاهدين، وتعمل فيها عمل الراغبين، لا بقليل منها تقنع ولا بكثير منها تشبع، لا تثق من الرزق بما ضُمِنَ لك، ولا تعمل من العمل ما فرض عليك، تستكثر من معصية غيرك ما تحقره من نفسك، أما تعلم أن الدنيا كالحية لين لمسها والسم الناقع في جوفها، يهوى إليها الصبي الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل، كيف تقر بالدنيا عين من عرفها وما أبعد أن يفطم عنها من ألفها.

стр. 3270

(واعجباً لك من راحل تركت الزاد في غير رحلك، أين فطنتك ويقظتك وتدبير عقلك. (أما بارزت بالقبيح فأين الحَزَن، أما علمت أن الحق يعلم السر والعلن، ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن وستنتبه من رقادك ويزول هذا الوسن. (اجتهد في تقوية يقينك قبل خسر موازينك، وقم بتضرعك وخيفتك قبل نشر دواوينك، وتَقَرَب إليه في ضعفك ولينك. (قل للمذنبين تأملوا العواقب، الآثام تبقى وتفنى الأطايب، والذنوب تحصى وما يغفل الكاتب، والسهم مفوق والرامي صائب، واللذات وإن نيلت فبعدها المصائب، فليتدبر العاقل وليحضر الغائب. (يا مشغولاً بذنوبك، يا مغموراً بعيوبك، يا غافلا عن مطلوبك، كيف نسيت قبيح مكتوبك، لا بد عن سؤالك عن مطعومك ومشروبك، ألا تتفكر في فراقك لمحبوبك ألا تتذكر النعش قبل ركوبك. (يا من يبارز مولاه بما يكره، ويخالفه في أمره آمناً مكره، وينعم عليه وهو ينسى شكره، والرحيل قد دنا وماله فيه فكرة، يا من قبائحه ترفع عشياً وبكرة، يا قليل الزاد ما أطول السفرة، والنقلة قد دنت والمصير الحفرة، (متى تعمل في قلبك المواعظ متى تراقب العواقب وتلاحظ، أما تحذر من أوعد وهدد، أما تخاف من أنذر وشدد، متى تضطرم نار الخوف في قلبك وتتوقد، إلى متى بين القصور والتواني تتردد، متى تحذر يوماً فيه الجلود تشهد، متى تترك ما يفنى رغبة فيما لا ينفد، متى تهب بك ريح الخوف كأنك غصن يتأود، البدار البدار إلى الفضائل، والحذار الحذار من الرذائل فإنما هي أيام قلائل. (يا سكران الهوى وإلى الآن ما صحا، يا مفنياً زمانه الشريف لهوا ومرحا، يا معرضا عن لوم من لام وعتب من لحا، متى يعود هذا الفاسد مصلحا، متى يرجع هذا الهالك مفلحا، لقد أتعبت النصحاء الفصحاء، أما وُعِظْتَ بما يكفي أما رأيت من العبرة ما يشفي، فانظر لنفسك قبل أن يعمى الناظر، وتفكر في أمرك بالقلب الحاضر ولا تساكن الفتور فإنك إلى مسكن القبور صائر، فالحي للممات والجمع للشتات والأمر ظاهر.

стр. 3271

(يا من يُدعى إلى نجاته فلا يجيب، يا من قد رضي أن يخسر ويخيب، إن أمرك طريف وحالك عجيب، اذكر في زمان راحتك ساعة الوجيب، ويحك إن الحق حاضر ما يغيب، تحصى عليك أعمال الطلوع وأفعال المغيب، ضاعت الرياضة في غير نجيب، سيماك تدل وما يخفى المريب، لا بد لغربان الفراق من نعيب، أنساكن الغفلة ولغيرنا نعيب، يا من سِلَعَهُ كلها معيب اذكر يوم الفزع والتأنيب لا بد والله من فراق العيش الرطيب، والتحاف البلى مكان الطيب، واعجباً للذات بعد هذا كيف تطيب، ويحك أحضر قلبك لوعظ الخطيب، تذكر من قد أصيب، كيف نزل بهم يوم عصيب، وانتبه لأحظ الحظ والنصيب، واحترز فعليك شهيد ورقيب، ستخرج والله من هذا الوادي الرحيب، ولا ينفعك البكاء والنحيب، لا بد من يوم يتحير فيه الشبان والشيب، ويذهل فيه الطفل للهول ويشيب، يا من عمله كله رديء فليته قد شيب، كيف بك إذا أحضرت في حال كئيب، وعليك ذنوب أكثر من رمل كثيب، والمهيمن الطالب والعظيم الحسيب، فحينئذ يبعد عنك الأهل والنسيب، النوح أولى بك يا مغرور من التشبيب، أتؤمن أم عندك تكذيب، أم تراك تصبر على التعذيب، كأنك بدمع العين ومائها قد أذيب، اقبل نصحي وأقبل على التهذيب يا مطالباً بأعماله، يا مسئولاً عن أفعاله، يا مكتوباً عليه جميع أقواله، يا مناقشاً على كل أحواله، نسيانك لهذا أمر عجيب، أتسكن إلى العافية وتساكن العيشة الصافية وتظن أيمان الغرور واقية لا بد من سهم مصيب. (يا متحيرا في طريقه قد بان البيان، يا بليد الاعتبار وقد أنذره الأقران، يا من تقرع قلبه المواعظ وهو قاس ما لان، لو حضرت بالذهن كفاك زجر القرآن. (يا من راح في المعاصي وَغَدَا، ويقول سأتوب اليوم أو غدا، كيف تجمع قلباً قد صار في الهوى مبددا، كيف تلينه وقد أمسى بالجهل جلمدا، كيف تحثه وقد راح بالشهوات مقيداً، لقد ضاع قلبك فاطلب له ناشدا، تفكر بأي وجه تتلقى الردى تذكر ليلة تبيت في القبر منفرداً. (يا من في حلل جهله يرفل ويميس، يا مؤثراً الرذائل على أنفس نفيس، يا طويل الأمل ماذا صنع الجليس، يا كثير الخطايا أشْمَتَّ إبليس، من لك إذا فاجأك مُذِلُ الرئيس، واحتوشتك أعوان ملك الموت وحمى الوطيس، ونقلت إلى لحد مالك فيه إلا العمل أنيس.

стр. 3272

(يا من عمره كلما زاد نقص، يا من يأمن الموت وكم قد قنص، يا مائلاً إلى الدنيا هل سلمت من نغص، يا مُفَرِّطَاً في الوقت هلا بادرت الفرص، يا من إذا ارتقى في سلم الهدى فلاح له الهوى نكص، من لك يوم الحشر إذا نُشرت القصص، ذنوبك كثيرة جمة، ونفسك بغير الصلاح مهتمة، وأنت في المعاصي إمام وأمة، يا من إذا طلب في المتقين لم يوجد ثمة، متى تنقشع هذه الظلمة والغمة، يا من قد أعماه الهوى ثم أصمه، يا من لا يفرق بين المديح والمذمة، يا من باع فَرَحَه ثم اشترى غَمَه، يا عقلاً خرباً يحتاج إلى مرمة. (يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه، يا مؤثر الهوى على التقى لقد ضاع حزمه، يا معتقدا صحته فيما هو سقمه، يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا طويل الأمل وقد رق عظمه، أما وعظك الزمان وزجرك ملمه، أين الشباب قل لي قد بان رَسْمُه، أين زمان المرح لم يبق إلا اسمه، أين اللذة ذهب المطعوم وطعمه، كيف يقاوي المقاوي والموت خصمه، كيف خلاص من قد أغرق فيه سهمه، يا لديغ الأمل قد بالغ فيه سمه، يا قليل العبر وقد رحل أبوه وأمه، يا من سيجمعه اللحد عن قليل ويضمه، كيف يوعظ من لا يعظه عقله ولا فهمه، كيف يوقظ من نام قلبه لا عينه ولا جسمه. (يا من قد سارت بالمعاصي أخباره، يا من قد قبح إعلانه وإسراره، فقيراً يا من الهدى أهلكه إعساره، أتؤثر الخسران قل لي أو تختاره، يا كثير الذنوب وقد دنا إحضاره، يا مأسورا في حبس الزلل لا ينفعه إحصاره، نقدك بهرج إذا حك معياره، كم رد على مثلك درهمه وديناره، يا محترقاً بنار الهوى متى تخبو ناره. (أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ؟ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق. يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك. لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيًا موجودًا، كأنك لا تعود نسيًا مفقودًا. فاز، والله، المُخِفُّون من الأوزار، وَسَلَمَ المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار. (أخي الحبيب:

стр. 3273

أعرض عن غيّك وهواك وأقبل مولاك الذي خلقك فسوَّاك ويعلم سِرَك ونجواك، وواصل بقية العمر بوظائف الطاعات، واصبر على ترك عاجل الشهوات، فالفرار أيها المكلف كل الفرار من مواصلة الجرائم والأوزار، فالصبر على الطاعة في الدنيا أيسر من الصبر على النار. (ولله درُ من قال: أمولاي إني عبد ضعيف ... أتيتك أرغب بما لديك أتيتك أشكو مصاب الذنوب ... وهل يشتكى الضر إلا إليك فمنّ بعفوك يا سيّدي ... فليس اعتمادي إلا عليك [*] (قال بعض الأخيار لولده لما حضرته الوفاة: يا بنيّ، اسمع وصيتي، واعمل ما أوصيك به. قال نعم يا أبت. قال يا بنيّ: اجعل في عنقي حبلًا، وجرّني إلى محرابي، ومرّغ خدي على التراب، وقل: هذا جزاء من عصى مولاه، وآثر شهوته وهواه، ونام عن خدمة مولاه. قال: فلما فعل ذلك به، رفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ومولاي، قد آن الرحيل إليك، وأزف القدوم عليك، ولا عذر لي بين يديك، غير أنك الغفور وأنا العاصي، وأنت الرحيم وأنا الجاني، وأنت السيد وأنا العبد، ارحم خضوعي وذِلتي بين يديك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك. قال: فخرجت روحه في الحال، فإذا بصوت ينادي من زاوية البيت سمعه كل من حضر وهو يقول: تذلل العبد لمولاه، واعتذر إليه مما جناه، فقرّبه وأدناه وجعل الجنة مأواه. (أخي الحبيب: (أما آن لك أن تنتبه من غفلتك. (أما آن لك أن تُصْلِحَ الفاسدَ وتُرَقِّعَ الخَرْقَ وَتَسُدُ الثّغْر. (أما آن لك أن تؤاخذ نفسك بتقصيرها وتحاسبها على تفريطها. (أما آن لك أن تخلع عنك الكسل وترتدي ثوب الجد والنشاط. (أما آن لك أن تخلع عنك الراحة وتستفرغ الوِسْعَ في الطاعة. (أما آن لك أن تخشى الرحمن وتمتثل القرآن، وتنسلخ من العصيان واستحواذ الشيطان، وتُفيق من نومك قبل فوات الأوان. (أما آن لك أن تُقبل على النصائح، وتتقرَّب إلى الله تعالى بالمنائح. (أما آن لك أن تُقْلِعَ عن هواك وترجع إلى ربك الذي خلقك فسواك ويعلم سرك ونجواك. (أما آن لك أن تحفظ لحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وأن تتذكر الموت والبلى فنستحي من الله حق الحيا، أما اعتبرت بمن نُقِل إلى دار البِلى، أما اعتبرت بوضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.

стр. 3274

(أما آن لك أن تفعل المأمور وتترك المحظور وتصبر على المقدور وتتذكر البعث والنشور، أما لو تفكرت في قبركِ المحفور، وما فيه من الدواهي والأمور، تحت الجنادلِ والصخور، لعلمت موقناً أنك ما كنت إلا في غرور، فتندم ندماً لا يخطرُ على الصدور، ولا يُكْتَبُ بالسطور، لكنه ندمٌ لا يدفعُ ولا يمنع، ولا ينفعُ في أي أمرٍ من الأمور. (أما آن لك أن تَصُون قلبك مِن الْخَرَابِ، وَتَحْفَظ دينك مِنَ التَّلاشِي وَالذِّهَابِ، وَتَرْجُو رِضَا رَبكْ وَعَفْوَهُ يَوْمَ وَالْحِسَابِ، أما كان لك عبرةٌ فيمن ماتوا ودُفِنوا تحت التراب، كيف فُجِعَ بِهِم الأَحْبَاب، وأكثروا عليهم البكاء والانتحاب، وسَكَنُوا التُراب، وظَعَنُوا فليسَ لهم إِياب. (أما آن لك أن تنتبه من غفلتك فإليك يوجه الخطاب، وتُفِيق من نومك قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب، ومشتِِّت الأحباب، أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب وشر المآب، فيا له من زائر لا يعوقه عائق، ولا يضرب دونه حجاب، ويا لَهُ من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلج من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هُوَ أعظم منه من السؤال والجواب، وراءه هول البعث والحشر وأحواله الصعاب من طول المقام والازدحام فِي الأجسام والميزان والصراط والحساب والْجَنَّة أَوْ النار. (فيا خَجَلة من سئل فَعُدِمَ الجواب، ويا حَسْرَة من نوقش عن الدقيق والجليل يوم الحساب، ويا ندامة من لم يحصل إِلا على الْغَضَب من الكريم الوهاب. (ويا ويلةَ من كانت وجوههم مسودة لسوء الحساب، والزبانية تقمعهم فيذوقون أليم العقاب، فياله من يومٍ شديد َيَشْتَدُّ فِيهِ الْحِسَابُ، وَيُشْفَقُ فِيهِ العذاب، يومٌ تخضعُ فيه الرِّقَابُ ويَذَلُ فيه كُلُّ فَاجِرٍ كَذَّابِ ويَرَجَعُ الأَشْقِيَاءُ بِالْخُسْرَانِ وَالتَّبَابِ، (فيا ساكنا عن الصواب، كيف بك إذا وقفت للحساب بين يدي سريع الحساب، هل أعددت للسؤال جواب، ألم تخفْ سوء الحساب يوم المآب. (كيفية الوقاية من الذنوب: للوقاية من الذنوب أعمالاً عظيمة من أجلها ما يلي: (

стр. 3275

(١) إقامة الصلاة لقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥]، فإذا أقام الإنسان صلاته بأن أتى بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وما أمكنه من مستحباتها ومن أهم وسائل إقامتها الخشوع فيها وهو حضور القلب وعدم تحديث النفس والوساوس والهواجس، فإنها من أسباب منعه عن كبائر الذنوب وصغائرها. (٢) قراءة ما يتحصن به من الشياطين كقراءة آية الكرسي قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ) [سورة: البقرة - الأية: ٢٥٥]، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح،

стр. 3276

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة). قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود). فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : (إنه سيعود). فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (يا أباهريرة ما فعل أسيرك). قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود). فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة). قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي). قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة). قال: لا، قال: (ذاك شيطان). (٣) إذا هم بالذنب فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: قال تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: ٢٠٠] وما أحسن أن تقول بصدق (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم اعصمني من الزلل ووفقني لصالح العمل). (٤) الصدقة على مساكين البيت الحرام: مسألة: هل تجوز الصدقة على المساكين الموجودين في بيت الله الحرام؟

стр. 3277

الصدقة في المسجد الحرام وفي غيره من الأماكن لا بأس بها. ومن المعلوم أن أهل العلم يقولون إن الحسنة تضاعف بالمكان الفاضل. ولكن الأمر الذي يهم المرء هو هل هؤلاء الفقراء الذين يتظاهرون بالفقر هم فقراء حقيقة؟ هذا هو الذي يشكل على المرء ولكن إذا غلب على ظن الإنسان أن هذا فقير فأعطاه فإنها مقبولة ولو تبين بعد ذلك أنه غني. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في الصحيحين) أن رسول الله ﷺ قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته. فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفَّ عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زِناها، وأما الغني: فلعله يعتبرُ، فينفق مما أعطاه الله. (وعليه فالصدقة على هؤلاء لا بأس بها ولو في المسجد الحرام، إلا إذا علم أن في ذلك مفسدة وأن إعطاءهم يوجب كثرتهم ومضايقتهم للناس في المسجد الحرام فحينئذٍ يتوجه بأن يقال لا يُعطون لما في هذا من السبب الموصل إلى هذا المحظور. (الأدوية التي تزهدك في المعاصي: مسألة: ما هي أنفع الأدوية التي تزهدك في المعاصي إذا عرض لك مرض المعصية وتذكرت لذتها؟ أنفع الأدوية من إذا عرض لك مرض المعصية وتذكرت لذتها هي ما يلي: (١) إذا تذكرت لذة المعصية فأدر في تلذذك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله ﷺ هاذم اللذات وتذكر شدة النزع وتفكر في الموتى الذين حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة ولا على زيادة حسنة فلا تعث يا مطلق. [*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن مخلد بن الحسين قال عدت مريضا فقلت له كيف تجدك قال هو الموت قلت وكيف علمت أنه الموت؟ قال أجدني أجتذب اجتذابا وكأن الخناجر مختلفة في جوفي وكأن جوفي تنور محمى يتلهب. قلت فاعهد. قال أرى الأمر أعجل من ذلك.

стр. 3278

فدعا بدواة وصحيفة فوالله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات. وقال إبراهيم بن يزيد العبدي أتاني رياح القيسي فقال يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدا فانطلقت معه فأتى إلى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور فقال يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيا لو منى قلت أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من طاعة الله ويصلح. قال فها نحن ثم نهض فجد واجتهد فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات. (٢) وصور لنفسك حين اعتراض الهوى عرضك على ربك وتخجيله إياك بمضيض العتاب على فعل ما نهاك عنه. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (ليس منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النارَ تلقاءَ وجهِهِ، فاتقوا النارَ ولو بشقِ تمرة.) (حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، يقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه و رأى في نفسه أنه قد هلك قال: سترتها عليك في الدنيا و أنا أغفرها لك اليوم; و أما المنافق والكافر فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. (٣) وتخايل شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة: (٤) ومثل في نفسك عند بعض زللك كيف يؤمر بك إلى النار التي لا طاقة لمخلوق بها وتصور نفاد اللذة وبقاء العار والعذاب فقد قال الشاعر. تفنى اللذاذة ممن نال شهوته ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار (ثم اسأل نفسك هل لك طاقة على النار وأنت تعلم أن نار الدنيا جزء من سبعين جزء من نار جهنم، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 3279

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: (ناركم جزء): زاد مسلم في روايته جزء واحد قوله من سبعين جزءا في رواية لأحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد لكل جزء منها حرها قوله أن كانت لكافية أن هي المخففة من الثقيلة أي أن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة قوله فضلت عليهن كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار قال الطيبي ما محصله إنما أعاد ﷺ حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الأجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله مثل حرها زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد ونحوه للحاكم وابن ماجة عن أنس وزادا فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها وفي الجامع لابن عيينة عن بن عباس ﵄ هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد أهـ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. [*] قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى: جَهَنَّمُ اسْمٌ لِنَارِ الْآخِرَةِ قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ: هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَرَبِيَّةٌ لَمْ تُصْرَفْ بِالتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا. قَالَ رُؤْبَةُ يُقَالُ بِئْرٌ جِهْنَامٌ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ. وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ، يُقَالُ جَهَنَّمُ الْوَجْهُ أَيْ غَلِيظُهُ فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ لِغِلَظِ أَمْرِهَا، انْتَهَى. [*] وقال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

стр. 3280

(لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ. وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ: الزِّمَامُ مَا يُجْعَلُ فِي الجزء السابع أَنْفِ الْبَعِيرِ دَقِيقًا، وَقِيلَ: مَا يُشَدُّ بِهِ رُءُوسُهَا مِنْ حَبْلٍ وَسَيْرٍ، انْتَهَى (يَجُرُّونَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يَسْحَبُونَهَا. قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ: لَعَلَّ جَهَنَّمَ يُؤْتَى بِهَا فِي الْمَوْقِفِ لِيَرَاهَا النَّاسُ تَرْهِيبًا لَهُمْ. [*] (قال وهب بن منبه: إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار نقيضها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضاً ٠ (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ تدرون ما هذا؟ قال قلنا الله ورسوله أعلم، قال هذا حجر ُرِمىَ به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوى في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وَجْبَتَها. [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (سمع وجبة) هي بفتح الواو وإسكان الجيم وهي السقطة. (حديث النعمان بن بشير ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لرجل، توضع في أخمص قدميه جمرة، يغلي منها دماغه، ما يرى أن أحداً أشدَّ منه عذاباً وإنه لأهونهم عذابا. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: يغلي منه دماغه: ووقع في حديث بن عباس عند مسلم إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب له نعلان يغلي منهما دماغه ولأحمد من حديث أبي هريرة مثله لكن لم يسم أبا طالب وللبزار من حديث جابر قيل للنبي ﷺ هل نفعت أبا طالب قال اخرجته من النار الى ضحضاح منها. (حديث أبي سعيد في الصحيحين) أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه، فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه أم دماغه - يعني أبا طالب -. (حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ الثابت في الصحيحين) أنه قال * يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال نعم هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: ضحضاح: أصله ما رق من الماء علي وجه الأرض واستعير هنا للنار.

стр. 3281

(حديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: "مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ كَعْبَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ رُكْبَتَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ". [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ حُجْزَتِهِ: ومنهم من تأخذه يعني النار إلى حجزته" هي بضم الحاء وإسكان الجيم وهي معقد الإزار والسراويل. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النّارُ إِلَىَ تَرْقُوَتِهِ: وهي بفتح التاء وضم القاف وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفي رواية حقويه بفتح الحاء وكسرها وهما معقد الإزار، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبيه. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: (والذي نفس كعب بيده لو كنت بالمشرق والنار بالمغرب ثم كُشف عنها لخرج دماغك من منخريك من شدة حرها! فيا قوم هل لكم بهذا قرار؟ أم لكم على هذا صبر؟ يا قوم إن طاعة الله أهون عليكم والله من هذا العذاب فأطيعوه) أ. هـ. طعام أهلها الزقوم وشرابهم الحميم. [*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن قسامة بن زهير قال خطبنا أبو موسى فقال يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت. [*] (وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن وهب بن منبه أنه قال إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار وتغيظها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم ترجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضا. [*] (وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن مجاهد عن عبيد بن عمر قال إن أهون أهل النار عذابا رجل له نعلان من نار وشرا كان من نار أضراسه جمر ومسامعه جمر أشفار عينيه من لهيب النار تخرج أحشاؤه من قدميه وسائرهم كالحب القليل في الماء الكثير فهي بهم تفور. [*] (وأورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى أن بشر الحافي قال: ما ظنكم بأقوام وقفوا بين يدي الله تعالى مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا ولم يشربوا حتى تقطعت أكبادهم من العطش وأجوافهم من الجوع وأعناقهم من التطاول ورجوا الفرج فأمر بهم إلى النار. (٥) النظرر في العواقب:

стр. 3282

من أنفع الأدوية التي تزهدك في المعاصي البصر في العواقب. [*] (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه صيد الخاطر: من عاين بعين بصيرته تناهي الأمور في بداياتها، نال خيرها، و نجا من شرها. و من لم ير العواقب غلب عليه الحسن، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة، و بالنصب ما رجا منه الراحة. بيان هذا في المستقبل، يتبين بذكر الماضي، و هو أنك لا تخلو، أن تكون عصيت الله في عمرك، أو أطعته. فأين لذة معصيتك؟ و أين تعب طاعتك؟ هيهات رحل كل بما فيه! فليت الذنوب إذ تخلت خلت! وأزيدك في هذا بياناً مثل ساعة الموت، و انظر إلى مرارة الحسرات على التفريط، و لا أقول كيف تغلب حلاوة اللذات، لأن حلاوة اللذات استحالت حنظلا، فبقيت مرارة الأسى بلا مقاوم، أتراك ما علمت أن الأمر بعواقبه؟ فراقب العواقب تسلم، و لا تمل مع هوى الحسن فتندم. (عباد الله النظر النظر إلى العواقب، فإن اللبيب لها يراقب، أين تعب من صام الهواجر، وأين لذة العاصي الفاجر، رَحِلَتْ اللذة من الأفواه إلى الصحائف، وذهب نَصَبُ الصالحين بجزَعِ الخائف، فكأن لم يتعب من صَابَرَ اللذات وكأن لم يلتذ من نال الشهوات. (لله در أقوام تلمحوا العواقب، فعملوا عمل مراقب، وجاوزوا الفرائض إلى طلب المناقب، علت هممهم عن الدنايا، وارتفعت وكفت الأكف عن الأذايا. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال يا بن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط. [*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: (فيصبغ في النار صبغة): الصبغة بفتح الصاد أي يغمس غمسة. والبؤس: بالهمز هو الشدة والله أعلم. (أين الذين كانوا في اللذات يتقلبون، ويتجبرون على الخلق ولا يُغْلَبُون، مزجت لهم كؤوس المنايا فباتوا يتجرعون، (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ)

стр. 3283

(حُمِلَ كلٌ منهم في كفن، إلى بيت البلى والعفن، وما صحبهم غيره من الوطن، من كل ما كانوا يجمعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ). (ضمهم والله التراب وَسُدَّ عليهم الباب وتقطعت بهم الأسباب، والأحباب يرجعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ) (شُغِلُوا عن الأهل والأولاد، وافتقروا إلى يسير من الزاد، وباتوا من الندم على أخس مهاد، وإنما هذا من حصاد ما كانوا يزرعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ) (لو رأيتهم في حلل الندامة، إذا برزوا يوم القيامة، وعليهم للعقاب علامة يساقون بالذل لا بالكرامة، إلى النار فهم يوزعون (مَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يُمَتّعُونَ) (٦) الهمة العالية: فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من أي بلية، فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقه شيء وما زال الهوى يذل أهل العز، وتأمل في القصة الآتية: [*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى أن أن الرشيد عشق جارية وامتنعت عليه فقال. أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي (ومن الأنفة من حب من طبعه الغدر وهذا أجلُّ طباع النساء: [*] (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: ومن الأنفة من حب من طبعه الغدر وهذا أجلُّ طباع النساء، وقد قال الحكماء لا تثق بامرأة وقال الشاعر. إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهد وقال أبو محمد التميمي: أفق يا فؤادي من غرامك واستمع ... مقالة محزون عليك شفيق علقت فتاة قلبها متعلق ... بغيرك فاستوثقت غير وثيق وأصبحت موثوقا وراحت طليقة ... فكم بين موثوق وبين طليق (وقال أيضاً: ومما يداوى به الباطن أن يعلم الإنسان أن زوجته المحبوبة إن مات عنها مالت إلى غيره ونسيته أسرع شيء وإن كانت تحبه لأنه لا وفاء للنساء. أهـ [*] (وقال على بن أبي طالب ﵁: دّعْ ذِكْرِهِنَّ فما لهن وفاءُ: ريحُ الصبا وعهودهن وفاء.

стр. 3284

(٧) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يصور الإنسان انقضاء غرضه أو يمثل غيره في مقامه ثم يتلمح عواقب الحال، أفترى يوسف ﵇ لو زل من كان يكون أو لم يبق مدحه لِصَبْرِهِ أبد الدهر، أفترى ما سمعت بما عز، ولا شك أنه في القيمة معروف وإن كانت التوبة قد غمرت ذنبه، ولكن تلمح أنت عواقب من صبر ومن لم يصبر وأعمل فكرك في الحالتين لعل هذه العبرة تخرق حجاب الهوى فتدخل على القلب بغير إذن فتكشف هذه الغمة، فالعاقل من وزن ما يحتوي عليه العشق من لذة ونغصة فنغصه كثيرة وأذاه شديد وهو على الحقيقة يهين النفس التي لا قيمة لها وغالب لذاته محرم ثم هي مشوبة بالغموم والهموم وخوف الفراق وفضيحة الدنيا وحسرات الآخرة فيعلم الموازن بين الأمرين أن اللذة مغمورة في جنب الأذى قال الببغاء. (ولله درُ من قال: وأفضل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يميز ما تجنى عواقبه (وقال المتنبي: مما أضر بأهل العشق أنهم ... هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم ... في إثر كل قبيح وجهه حسن تحملوا حملتكم كل ناجية ... فكل بين علي اليوم مؤتمن ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن (٨) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يعلم الإنسان علم اليقين أنه لا يكون التمكين إلا بعد أن يُمْتَحَن فيصبر. [*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن الشافعي قال: لا يكون التمكين إلا بعد المحبة فإذا امتحن الإنسان فصبر مكن ألا ترى أن الله تعالى امتحن إبراهيم ثم مكنه وامتحن أيوب ثم مكن له فقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىَ لِلْعَابِدِينَ) [الأنبياء: ٨٤] وامتحن سليمان ثم آتاه ملكا وكذلك يوسف ﵇. [*] (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى: فمن نظر في هذا فليعلم أن مدة هذا البلاء خطوات في ميدان معاملة ويا قرب النهاية فليصابر هجير الصبر فما أسرع انقضاء اليوم وليحذر من الخسران في موسم البلاء فربما ذهب أصل البضاعة وليتخايل عند صبره خيلاء فخره فليزه بها فما يوازن صبره عمل عابد ولا زهد زاهد وربما نظر إليه في تلك الحالة نظرة رضا كانت غنى الأبد وهذا كله في الصدمة الأولى فإنه ربما وقع ملل أو سلو.

стр. 3285

(٩) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أن يتفكر الإنسان فيما يفوته تشاغله بالمعاصي من الفضائل فإن أرباب اليقظة عشقهم للفضائل من العلوم والفقة والصيانة والكرم وغير ذلك من الخلال الممدوحة أوفى من ميلهم إلى شهوات الحس لأن شهوات الحس حظ النفس وتلك الخلال حظ العقل والنفس الناطقة الفاضلة إلى ما يؤثره العقل أميل وإن جرها الطبع إلى الشهوات الحسيات. (١٠) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي أنفة النفس الأبية أن تكون مقهورة للمعاصي فإن كل موافق للهوى يقع عليه قترة وذل لأن سلطان الهوى حاكم جائر، وعين الهوى عوراء. (١١) ومن الأدوية التي تزهدك في المعاصي ... إعمال الفكر في قبح هذه الحال والإصغاء إلى سماع العظة من واعظ القلب فإنه من لم يكن له من قلبه واعظ لم تنفعه المواعظ ومن الناس من يسمع موعظة فيرعوى ومنهم من يرى غيره فينتهي ومنهم من يرى طاقة شيب فينزع. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أن النبي ﷺ قال: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعند رأس الصراط يقول استقيموا على الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام وأن الأبواب المفتحة محارم الله وأن الستور المرخاة حدود الله والداعي على رأس الصراط هو القرآن والداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن. فهلا استجبت ـ أخي المسلم ـ لواعظ الله في قلبك؟ وهلا حفظت حدود الله ومحارمه؟ وهلا انتصرت على عدو الله وعدوك، قال تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر:٦] [*] قال خالد بن معدان ﵁ قال: ما من من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً، فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب، وإذا أراد به غير ذلك، تركه على ما فيه ثم قرأ: أم على قلوب أقفالها [محمد:٢٤]

стр. 3286

[*] (أورد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى عن أبي سلمة الغنوي قلت لأبي العتاهية ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد. قال إذن والله أخبرك إني لما قلت. الله بيني وبين مولاتي ... أهدت لي الصدود والملالات منحتها مهجتي وخالصتي ... فكان هجرانها مكافاتي هيمني حبها وصيرني ... أحدوثة في جميع جاراتي رأيت في المنام تلك الليلة كأن آتيا أتاني فقال ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل. (كيفية الوقاية من الذنوب: للوقاية من الذنوب أعمالاً عظيمة من أجلها ما يلي: (١) إقامة الصلاة لقوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصّلاَةَ إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: ٤٥]، فإذا أقام الإنسان صلاته بأن أتى بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وما أمكنه من مستحباتها ومن أهم وسائل إقامتها الخشوع فيها وهو حضور القلب وعدم تحديث النفس والوساوس والهواجس، فإنها من أسباب منعه عن كبائر الذنوب وصغائرها. (٢) قراءة ما يتحصن به من الشياطين كقراءة آية الكرسي قال تعالى: (اللّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ) [سورة: البقرة - الأية: ٢٥٥]، فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح،

стр. 3287

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة). قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود). فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : (إنه سيعود). فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (يا أباهريرة ما فعل أسيرك). قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود). فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة). قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي). قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة). قال: لا، قال: (ذاك شيطان). (٣) إذا هم بالذنب فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: قال تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف: ٢٠٠] وما أحسن أن تقول بصدق (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم اعصمني من الزلل ووفقني لصالح العمل). (٤) الصدقة على مساكين البيت الحرام: مسألة: هل تجوز الصدقة على المساكين الموجودين في بيت الله الحرام؟

стр. 3288

الصدقة في المسجد الحرام وفي غيره من الأماكن لا بأس بها. ومن المعلوم أن أهل العلم يقولون إن الحسنة تضاعف بالمكان الفاضل. ولكن الأمر الذي يهم المرء هو هل هؤلاء الفقراء الذين يتظاهرون بالفقر هم فقراء حقيقة؟ هذا هو الذي يشكل على المرء ولكن إذا غلب على ظن الإنسان أن هذا فقير فأعطاه فإنها مقبولة ولو تبين بعد ذلك أنه غني. وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في الصحيحين) أن رسول الله ﷺ قال: قال رجل لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته. فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفَّ عن سرقته، وأما الزانية: فلعلها أن تستعف عن زِناها، وأما الغني: فلعله يعتبرُ، فينفق مما أعطاه الله. (وعليه فالصدقة على هؤلاء لا بأس بها ولو في المسجد الحرام، إلا إذا علم أن في ذلك مفسدة وأن إعطاءهم يوجب كثرتهم ومضايقتهم للناس في المسجد الحرام فحينئذٍ يتوجه بأن يقال لا يُعطون لما في هذا من السبب الموصل إلى هذا المحظور. (كيف أتخلص من المعاصي: إن الله حين حرَّم على العبد المعاصي لم يتركه سُدى، بل أمدَّه بما يعينه على تركها، ومن الوسائل المعينة على ذلك: (١) تقوية الإيمان بالله والخوف منه. (٢) مراقبة الله واستحضار أنه مع العبد، وأنه يراه، وأن كل ما يعمل مُسجَّل عليه. (٣) أن يقارن بين اللذة العاجلة للمعصية والتي سرعان ما تنتهي، وبين عقوبة العاصي يوم القيامة، وجزاء من امتنع من المعصية. (٤) أن يبتعد عن الوسائل التي تعينه على المعصية: كالنظر الحرام، وأصدقاء السوء، وارتياد أماكن المعاصي. (٥) أن يحرص على مجالسة الصالحين وصحبتهم. (التحذير من المجاهرة بالمعصية:

стр. 3289

إنَّ من دواعي الأسف أنه كثر في هذه الأزمان أناس لم يكتفوا بفعل المعاصي والمنكرات حتى عمدوا إلى المجاهرة بها والإفتخار بارتكابها والتحدث بذلك بغير ضرورة، والله تعالى أن يبيت الرجل يعصي .. والله يستره .. فيحدث بالذنب .. فيهتك ستر الله عليه .. يجيء في اليوم التالي ليحدث بما عصى وما عمل!! .. فالله ستره .. وهو يهتك ستر الله عليه. [*] وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (كل أمتي معافى) اسم مفعول من العافية وهو إما بمعنى عفى اللّه عنه وإما سلمه اللّه وسلم منه (إلا المجاهرين) أي المعلنين بالمعاصي المشتهرين بإظهارها الذين كشفوا ستر اللّه عنهم وروي المجاهرون بالرفع ووجهه بأن معافى في معنى النفي فيكون استثناء من كلام لغو موجب والتقدير لا ذنب لهم إلا المجاهرون ثم فسر المجاهر بأنه (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه) فيؤاخذ به في الدنيا بإقامة الحد وهذا لأن من صفات اللّه ونعمه إظهار الجميل وستر القبيح فالإظهار كفران لهذه النعمة وتهاون بستر الله قال النووي: فيكره لمن ابتلي بمعصية أن يخبر غيره بها بل يقلع ويندم ويعزم أن لا يعود فإن أخبر بها شيخه أو نحوه مما يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً منها أو ما يسلم به من الوقوع في مثلها أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها أو يدعو له أو نحو ذلك فهو حسن وإنما يكره لانتفاء المصلحة وقال الغزالي: الكشف المذموم إذا وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء لا على السؤال والاستفتاء بدليل خبر من واقع امراته في رمضان فجاء فأخبر المصطفى ﷺ فلم ينكر عليه. [*] (قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:

стр. 3290

هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن، يتحدث بالزنى افتخاراً والعياذ بالله، يقول: إنه سافر إلى البلد الفلاني، وإلى البلد الفلاني، وفجر وفعل وزنى بعدة نساء، وما أشبه ذلك، يفتخر بهذا. هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الذي يفتخر بالزنى مقتضى حاله أنه استحل الزنى والعياذ بالله، ومن استحل الزنى فهو كافر." شرح رياض الصالحين" (١/ ١١٦) ولا شك أن المعاصي درجات والإثم يتفاوت فيها بحسب حال العاصي أثناء المعصية وحاله بعدها، فليس المتخفي بمعصيته المستتر بها كالمجاهر، وليس النادم بعدها كالمفتخر بها. [*] (قال ابن القيم ﵀: وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها، فالمتخذ خدناً من النساء والمتخذة خدناً من الرجال أقل شرّاً من المسافح والمسافحة مع كل أحدٍ، والمستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبِر المحدِّث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه كما قال النبي ﷺ : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ... ". " إغاثة اللهفان " (٢/ ١٤٧). الخدن والخدنة: العشيق والعشيقة. والأصل: أن يُعقب المسلمُ ذنبه بتوبة واستغفار وندم وعزم على عدم العوْد لها، لا أن يُعقبها بافتخار ومجاهرة وحديث بها. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن العبد إذا أخطاء خطيئة نُكِتَت في قلبه نكته سوداء فإن هو نزع و استغفر و تاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه و هو الران الذي ذكر الله تعالى فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه (كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [المطففين: ١٤]. (مفاسد المجاهرة بالمعاصي: (١) أنها استخفاف بأوامر الله ونواهيه. (٢) أنها تؤدي إلى إلفِ المعصية واعتياد القبائح واستمرائها وكأنها أمور عادية لا شيء فيها. (٣) أنها بمثابة دعوة للغير إلى ارتكاب المعاصي وإشاعة الفساد ونشر للمنكرات. (٤) أنها ربما أدت إلى استحلال المعصية فيكفر بذلك والعياذ بالله. (٥) أنها دليل على سوء الخلق والوقاحة وقلة أدب صاحبها. (٦) أنها دليل على قسوة القلب واستحكام الغفلة من قلب المجاهر. (صورٌ من المجاهرة بالمعاصي والعياذ بالله:

стр. 3291

إن صور المجاهرة بالمعاصي ـ في هذا العصر ـ كثيرة جداً، لا يمكن استقصاؤها في هذه العجالة، غير أننا نشير إلى أمثلة من ذلك، وهاك بعض صور المجاهرة بالمعاصي: (هذا رجل يتحدث أمام الملأ عن سفرته وما تخللها من فسق وفجور، فيتفاخر بذلك في المجالس ويحسب أن ذلك من الفتوة وكمال الرجولة، وهو - والله - من الذلة والمهانة وضعة النفس وخبث الباطن وضعف الإيمان جداً وقسوة القلب. (وهذا شاب يتحدث عن مغازلاته ومغامراته. . (وهذه فتاة تتحدث عن علاقاتها الآثمة عبر الهاتف. . (وهذا صاحب عمل يعطي زملائه دروسا مجانية في ظلم العمال وأكل أموالهم. . (وهذا عامل يكشف ستر الله عليه فيتحدث عن سرقته لصاحب العمل ويعلم أصدقائه بعض الحيل في ذلك. (ومنها الدعوة إلى وحدة الأديان وتصحيح عقائد الكفر. (ومنها الاحتفال بأعياد الكفار وإعلان ذلك في الصحف والمجلات والقنوات مثل الاحتفال بالكريسمس وعيد الحب وعيد الأم وغيرها. (ومنها خروج المرأة أمام الملأ متعطرة ومتزينة. (ومنها خروج المرأة وهي تلبس العباءة القصيرة أو المزركشة أو الشفافة، أو تلبس البنطال أو الكعب العالي وتجاهر بذلك أمام الملأ. (ومنها خلوة المرأة بالسائق الأجنبي أمام الملأ، وكذلك خلوتها بالبائعين في الأسواق والمحلات التجارية. (ومنها ممارسة عادة التدخين أمام الملأ. (ومنها إسبال الثياب للرجال. (ومنها حلق اللحى، والمجاهرة تشمل الحالق والمحلوق. (ومنها قص الشعر على مثال أهل الكفر. (ومنها تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء. (ومنها سفر المرأة وحدها بدون محرم. (ومنها ترك الرجال لصلاة الجماعة بدون عذر. (ومنها لبس الرجال للذهب والحرير. (ومنها السباب واللعن عمدا أمام الملأ. (ومنها تعاطي بعض الشباب - هداهم الله - أنواع المعاكسات في الأسواق والشوارع والحدائق وأماكن الترفيه وغيرها. (ومنها لبس الشباب للشورت الذي يظهر الفخذين والسير به في الشوارع، وكذلك لبس السلاسل والفانيلات التي عليها صور خليعة. (ومنها إتلاف السيارات بالتفحيط والتطعيس. (ومنها الإفطار في رمضان عمدا أمام الملأ بدون عذر. (ومنها مزاولة أنشطة تجارية محرمة كالبنوك الربوية ومحلات أشرطة الغناء ومحلات الشيشة والجراك وغيرها. (ومنها قيام بعض الشباب بالضرب على آلات الطرب والموسيقى في البر أو في المنتزهات وغيرها. (ومنها إزعاج الناس بأصوات المغنين والمغنيات عبر الراديو أو التلفاز.

стр. 3292

(ومنها استخدام بعض الكتاب الصحف والمجلات منبرا للطعن في الإسلام والمسلمين. (ومنها الغيبة والنميمة؛ لأنها لا تكون عادة إلا أمام الملأ. (ومنها السخرية والاستهزاء بأهل الدين والعفاف من الرجال و النساء، ووسمهم بالتخلف والرجعية. هذه إرشادات سريعة وعلى مثلها فقس، والحر تكفيه الإشارة، وليس المطلوب هو ترك المجاهرة بالمعاصي فقط، ولكن المطلوب هو ترك المعاصي كلها ولو سراً، لأنها قبيحة العواقب، سيئة المنتهى. (السبل الميسرة للبكاء من خشية الله تعالى: ما أشد قسوة قلوبنا .. ما أضعفنا في طريق السالكين إلا من رحم الله .. لقد كان السلف ﵃ يبكون من خشية الله، وتفيض أعينهم من الدمع، شوقاً له وحباً دون أن يحصوا الأسباب الميسرة للبكاء من خشية الله، أو يرقموها، ويحفظوها .. كانت أنهار الدموع المخلصة لا تتوقف من مآقيهم .. استشعروا حلاوة الإيمان، وذاقوها، واستمتعوا بالبكاء من خشية الله دون أن يحصوا سبله، ولكنهم طهرت قلوبهم فتفضل المنان عليهم وفتح عليهم من أبواب بركته وفضله، نسال الله أن يفتح علينا .. استمع إلى أحد السلف وهو يقول: (مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب ما فيها) يقصد حلاوة الإيمان .. واستمع إلى آخر وهو يقول: (لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف) .. ولكن حال المرضى أمثالنا ـ إلا من رحم الله ـ أن يبحثوا عن الأسباب المعينة والجالبة للبكاء من خشية الله .. يبحثوا عن الدواء بعد أن ملأ الداء القلب واستشرى في البدن .. ولا يكفي علم هذه السبل دون العمل بها، فعلمها دون العمل بها قد يستوي فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر .. فلا تقرأ هذه السبل إن كنت تنوي غير العمل بها، فقد كان سفيان الثوري يقول: (قالت لي والدتي: يا بني، لا تتعلم العلم إلا إذا نويت العمل به، وإلا فهو وبال عليك يوم القيامة). وهاك الأسباب الميسرة للبكاء من خشية الله تعالى جملةً وتفصيلا: (١) الإخلاص: (٢) الدعاء: (٣) السعي لتحصيل حلاوة الإيمان: (٤) تعلُّم العلم الشرعي، وخصوصاً علم العقيدة: (٥) ذكر الموت، وما بعده من أهوال: (٦) زيارة القبور: (٧) قراءة القرآن بتدبر، والإكثار من الذكر: (٨) سماع القراءة الخاشعة للقرآن الكريم: (٩) الإكثار من قراءة كتب الرقائق، وسماع المواعظ عن طريق الدروس أو الشرائط المسجلة: (١٠) محاسبة النفس: (١١) الخشوع في الصلاة:

стр. 3293

(١٢) الخوف من عدم قبول الأعمال: (١٣) عدم الإكثار من الضحك: (١٤) الزهد في الدنيا: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (١) الإخلاص: مسألة: ما الفرق بين الإخلاص و الصدق؟ [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: وقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص و الصدق والقصد واحد. فقيل: «هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة» وقيل: «تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين» وقيل: «التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك» «و الصدق التنقي من مطالعة النفس» «فالمخلص لا رياء له» «والصادق لا إعجاب له» «ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا الصدق إلا بالإخلاص» ولا يتمان إلا بالصبر وقيل: «من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص» فنقصان كل مخلص في إخلاصه: بقدر رؤية إخلاصه فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلصا مخلصا. وهاك صفوة مسائل الإخلاص في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف الإخلاص: مسألة: ما هو الإخلاص لغةً وشرعا؟ الإخلاص لغةً: خلص خلوصاً خلاصاً، أي صفى وزال عنه شوبه، وخلص الشيء صار خالصاً وخلصت إلى الشيء وصلت إليه، وخلاص السمن ما خلص منه. فكلمة الإخلاص تدل على الصفاء والنقاء والتنزه من الأخلاط والأوشاب. والشيء الخالص هو الصافي الذي ليس فيه شائبة مادية أو معنوية. وأخلص الدين لله قصد وجهه وترك الرياء. وقال الفيروز أبادي: أخلص لله ترك الرياء، وكلمة الإخلاص كلمة التوحيد، والمخلصون هم الموحدون والمختارون. والإخلاص شرعا: هو أن تبتغي بعملك وجه الله تعالى، فإن قصدت بعملك غيره تعالى لم يقبله فهو سبحان أغني الشركاء عن الشرك، فهو تجريد قصد التقرب إلى الله عن جميع الشوائب. (والإخلاص هو أهم أعمال القلوب وأعلاها وأساسها، هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل ﵈ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (البينة: من الآية ٥). و قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] (والإخلاص هو لب العبادة وروحها [*] قال ابن حزم: النية سر العبودية وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه، فهو جسد خراب.

стр. 3294

(والإخلاص شرط لقبول العمل الصالح الموافق لسنة رسول الله ﷺ ، وقد أمرنا الله به فقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (البينة: من الآية ٥). وإليك الأدلة من السنة الصحيحة على ذلك: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: " أنا أغني الشركاء عن الشرك، ومن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشِركَه ". (حديث جندب بن عبد الله في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من سمَّع سمَّع الله به ومن يرائي يرائي ... الله به. ) حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء و لا لتخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار. (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار. (حديث أبي أمامة في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وجهه. (حديث أبي سعيد في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ ". قالوا: بلي. قال: " الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يري من نظر رجل.

стр. 3295

﴿تنبيه﴾: (قوله: [أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال] وإنما كان كذلك، لأن التخلص منه صعب جداً، ولذلك قال بعض السلف: " ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص "، وقال النبي ﷺ : " أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " (الفرق بين الرياء والسمعة وإرادة العبد بعمله الدنيا: مسألة: ما الفرق بين الرياء والسمعة وإرادة العبد بعمله الدنيا؟ ((الرياء والسمعة) مقصودهما أن يحمد العبد في العبادة، أما إرادة العبد بعمله الدنيا فإنه يريد أمراً مادياً محضاً كمن أذن ليأخذ راتب المؤذن، أو حج ليأخذ المال. ٢ - أن يريد المرتبة، كمن تعلم في كلية وأخذ شهادة الدكتوراة لأجل الشهادة والمنزلة فقط وليس للتقرب إلى الله تعالى. قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلََئِكَ الّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إِلاّ النّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [سورة: هود - الآيتان:١٥،١٦] قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا). أي: البقاء في الدنيا. قوله: (وزينتها). أي المال، والبنين، والنساء، والحرث، والأنعام، والخيل المسومة، كما قال الله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا﴾ [آل عمران: ١٤]. قوله: (نوف إليهم). فعل مضارع معتل الآخر مجزوم بحذف حرف العلة الياء، لأنه جواب الشرط. والمعني: أنهم يعطون ما يريدون في الدنيا، ومن ذلك الكفار لا يسعون إلا للدنيا وزينتها، فعجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمعتم بها﴾ [الأحقاف: ٢٠]. ولهذا لما بكي عمر حين رأي النبي ﷺ قد أثر في جنبه الفراش، فقال: " ما يبكيك؟ ". قال يا رسول الله! كسري وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من نعيم وأنت على هذا الحال. فقال رسول الله ﷺ : " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم " (١) وفي الحقيقة هي ضرر عليهم، لأنهم إذا انتقلوا من دار النعيم إلى الجحيم، صار عليهم أشد وأعظم في فقد ما متعوا به في الدنيا.
следующие страницы →