← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وكذلك فإن الشيء قد يجتمع فيه أحياناً سبب للحل وسبب للحرمة، فيتركه الإنسان فالنبي ﷺ علّمنا عن أمور الأصل فيها الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين، ولو حصل تردد مثل اجتماع سبب حاظر ومبيح نبقى على الأصل فيها وهو التحريم، فقال ﷺ في من أطلق كلبه على صيدٍ فلما جاء ليمسك بالصيد وجد عنده كلباً آخر لا يدري الذي أمسك كلبه أو الكلب الآخر، فإذا كان الكلب المعلَّم يجوز صيده، ومعنى ذلك أن الصيد غير المعلَّم لا يجوز صيده، فماذا يفعل إذا وجد مع الفريسة كلباً آخر لا يدري كلبه الذي صاد أو الكلب الآخر كما في الحديث الآتي: (حديث عدي بن حاتم ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: سألت النبي عن المِعْرِاض، فقال: (إذا أصاب بِحَدِّه فَكُل، وإذا أصاب بِعَرَضِه فقُتِل عدي بن حاتم ﵁ فلا تأكل). فقلت: أرسل كلبي؟ قال: إذا أرسلت كلبك وسمَيْت فَكُل، قلت فإن أكل؟ قال: فلا تأكل فإنه لم يُمسك عليك إنما أمسك على نفسه، قلت أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال: (فلا تأكل، فإنك سمَّيت على كلبك ولم تسم على الآخر). ، وصل إلى الصيد الذي صاده وقع في الماء فلا يدري هل قتل بالسهم أو قتل بالغرق، الأصل يجوز الأكل مادام السهم أو البندقية خرقت وخزقت وسمّى الله على البندقية وأطلق ولكن وقوع الطائر في الماء يجعله في ريبة هل موت الطائر بفعل الرمية التي رماها أم الغرق فيتركه كما في الحديث الآتي: (حديث عدي ابن حاتم ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قُتل فكل إلا أن تجده قد وقع في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك. مسألة: لو جاء رجل لأرض أو سجادة وقال لنفسه هذا رجل لديه أبناء قد يكونون بالوا عليها، فأنا لن أصلي عليها، تورّع عن الصلاة عليها فما حكم هذا التورّع، هل هو شرعي أم لا؟ الجواب: هذا تورع غير شرعي لأنه خالف الأصل بدون أي قرينة، والأصل في الأشياء الطهارة، فيكون هذا ورعاً فاسداً. فسّر الإمام أحمد ﵀ الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام –يعني الحلال المحض والحرام المحض-وقال من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام.

стр. 3537

ومن ضمن الأمثلة أيضاً معاملة من ماله مختلط، رجل يرابي ويبيع ويشتري، عنده حلال وحرام، فقال العلماء إذا كان أكثر ماله الحرام قال الإمام أحمد: ينبغي أن يجتنبه إلا أن يكون يسيراً أو لا يُعرَف، والحرام غير معيّن وليس معروفاً، فيجوز الأكل والورع تركه. وقال الزهري: لا بأس أن يُؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه. وقال سفيان: تركه أعجبُ إليّ. وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيراً أخرج منه قدر الحرام وتصرّف في الباقي، وإن كان المال قليلاً اجتنبه كله، وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئاً فإنه تبعد معه السلامة من الحرام. ورخّص قومٌ من السلف في الأكل ممن يُعلَم في ماله حرام ولكن لا يُعلَم على التعيين ما هو الحرام، وفصل الخطاب في هذه المسألة: يجوز معاملة من ماله مختلط إذا ما علمنا الحرام أين بالضبط والورع ألا يأخذ منه. وكذلك فإن الاستبراء للدين مهم جداً في حياة الدين المسلم، والإنسان قد لا يشبع من الشبهة وقال الثوري ﵀ في الرجل يجد في بيته الأفلس والدراهم: أحب إليّ أن يتنزّه عنها إذا لم يدري من أين هي. ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس. ومن تمام التقوى أن يتقِ الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، [*] قال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام، [*] وقال الثوري: إنما سمّوا المتقين لأنهم اتقوا مالا يُتّقى. [*] وقال ابن عمر: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها. [*] وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال وحتى يدع الإثم وما تشابه منه. فإن الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطّلع عليه الناس بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث النواس ابن سمعان في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك و كرهت أن يطلع عليه الناس.

стр. 3538

والإثم ما حاك في صدرك و كرهت أن يطلع عليه الناس: إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجاً وضيقاً وقلقاً واضطراباً فلم ينشرح له الصدر ومع هذا فإنه عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه. لكن الإنسان قد يقلق من أشياء لجهله فلينتبه من هذا وليسأل أهل العلم، وهنا تظهر أهمية الاستفتاء وسؤال أهل الذكر الثقات. الصحابة تحرجوا من أن يأكلوا من اللحم الذي صاده أبو قتادة فالنبي ﷺ أكل، و فرّق العلماء بين ما صيد لأجله (لأجل المحرم) وما صاده الحلال لا لأجل المحرم فيجوز للمحرِم أن يأكل منه. لكن لو أن الشخص الحلال غير المحرم صاد لك أنت أيها المحرِم فلا تأكل. والمقصود أن سؤال أهل العلم الثقات مما يريح الإنسان فينبغي أن لا ينسى هذا وأن يكون على ذكر منه. دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت. الإثم حوازّ القلوب تحز في القلوب والنفوس. وكذلك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة وكان بعض العلماء يعرفون الحديث الضعيف بأمور بقلوبهم وهذا ليس إلا للعلماء النقاد الكبار و أما طلبة العلم العاديين فلا يمكن أن يعرف ذلك بقلبه إلا فيما ندر.

стр. 3539

وطلب الحلال فرض على كل مسلم، وقد ادعى بعض الجهّال أن الحلال في الأرض انتهى، وبعضهم قال باقي الحشيش والكلأ في البر والأراضي التي ليس لها أحد ونهر الفرات؛ وهذا تضييق على عباد الله ومن الجهل وقلة العلم فإن النبي ﷺ قال هذه القاعدة المهمة جداً ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات))، والحلال كله طيب ولكن بعضه أطيب من بعض، والحرام كله خبيث ولكن بعضه أخبث من بعض، والإنسان المسلم قد يكون عنده الحلال معلوماً من قبل ثم يقع في شك فلا يلتفت لهذه الوسوسة إذا لم يكن لها دليل ولا قرينة وكذلك قد يكون يعرف الحرام من قبل فيأتي في نفسه وسوسة أن هذا ليس حراماً بدون علم ولا خبر ثقة أفتاه به أهل العلم فلا يلتفت إليه، و قد يعرف الإنسان الحل ويشك في المحرم فيكون الأصل الحل كما تقدم وهناك مثال يضربه بعض الفقهاء ويدل على قلة عقل من وقع فيه قال: اثنان وقفا فجاء طائر فاختلفا هل هذا غراب أم لا؟ فقال أحدهم عليه الطلاق أنه غراب، وقال الآخر عليه الطلاق أنه ليس بغراب، فلما أرادا أن يأتيا للتحقق طار الطائر ولم يدركاه، فصارت مشكلة فزوجة مَن طالق .. !، فبعض الناس يفعل أشياء من قلة العقل، وفي هذه الحالة يقول العلماء: الأصل بقاء النكاح وحل المرأة للرجل، احتمال الطلاق وارد ومشكوك فيه. ولذلك فإن على الإنسان أن لا يورد نفسه في الموارد التي يتسبب بها في الحرج في نفسه وأن يقع في تعذيب النفس والشك، وقد يدخل الشك على بعض الناس في قضايا لا يشرع لهم أبداً السؤال فيها، فهل يجوز لإنسان دخل على بيت مسلم مستور مايعرف عنه أي ريبة، وُضِع له الطعام، أن يقول له: المال الذي اشتريت به هذا العشاء من أين أتيت به. هل هذا من الورع .. ؟!!، وفي ذلك إيذاء للمسلم لأن سؤالك هذا اتهام له .. ! واتهام المسلم ووضعه في موضع الشك بدون قرينة ولا دليل ولا بينة لا يجوز وسوء ظن، وإيذاء المسلم للمسلم حرام.

стр. 3540

أحياناً تأتي أشياء تستدعي التورع مثلاً إذا دخل حلال قليل في حرام كثير فعند ذلك تكون هذه القضية مما يدفع الإنسان إلى الورع فعلاً. كذلك إذا كانت القضية في الأبضاع واللحوم كما تقدم. مثلاً هناك امرأة ثقة و جئتَ لتخطب فتاة فقالت أنا أرضعتها أو أرضعت أختها، أنا متأكدة أني أرضعت إحدى الأختين، لا أدري أيتهما، فالورع أن تترك الزواج من كلتيهما. مثلاً اثنان ذبحا ذبيحتين، إحداها ذبحها هندوسي والأخرى ذبحها مسلم، جئت لتشتري وأنت تعلم ذلك ولكن لا تدري أيتهما التي ذبحها هذا وأيتهما التي ذبحها الآخر فلا تشتري. مسألة اللحوم والأبضاع شديدة في الشرع ولذلك يحتاط فيها في أشياء أكثر من غيرها، ولكن بشرط أن لا يصل إلى الوسوسة أيضاً، فلو أن هذه ذبيحة مسلم لا يجوز لك أن تشك فيها. إذاً هناك وسوسة في هذه القضايا لا يجوز الالتفات إليها، وورع الموسوسين مثاله؛ [*] قال ابن حجر في فتح الباري: "ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حلال أم حرام، وليست هناك علامة تدل على الثاني ". هناك مسائل من الورع الدقيق لا تليق بكل الأشخاص: قال ابن رجب ﵀: " وهاهنا أمر ينبغي التفطّن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت أعماله في التقوى والورع -فهذا لو دقق يقبل منه التدقيق-، أما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورّع عن شيء من دقائق الشبه فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه" كما قال ابن عمر لأهل العراق لما جاءوا يسألونه عن دم البعوض وفيهم ممن قتل الحسين بن علي ﵁، قالوا المحرم إذا قتل بعوضة يجوز أم عليه فدية، فقال: "يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وقد قال ﷺ هما ريحانتاي من الجنة؟!! ". وسُئِل الإمام أحمد عن رجل يشتري بقلاً ويشترط الخوصة، فقال الإمام أحمد: ما هذه المسائل؟ قالوا: إنه إبراهيم بن أبي نعيم. فقال: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم هذا يشبه ذاك (هو من كبار الزهاد العابدين).ولذلك لما جاء رجل إلى الإمام أحمد يقول إن أمه تأمره بطلاق زوجته، قال: إن كان برّ أمه في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل .. !

стр. 3541

فالخلاصة أن الورع منه دقائق لا تليق بأي أحد، بل ينكر على من تورع فيها إذا كان من أولئك الفسقة أو المتساهلين، وعلى أية حال فإن الورع هو من العبادات العظيمة وملاك الدين الورع، والفقية الورع الزاهد المقيم على سنة النبي ﷺ له أجره العظيم يوم الدين، والإنسان ينبغي أن يضع نفسه في الموضع الصحيح في مسألة الورع كما قال الأوزاعي: (كنا نمزح ونضحك فلما صرنا يُقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسُّم). (الورع علمٌ يتعلمه الإنسان ويكتسب: (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوَقَّه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (إنما العلم) أي تحصيله (بالتعلم) بضم اللام على الصواب كما قاله الزركشي ويروى بالتعليم أي ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ عن الأنبياء وورثتهم على سبيل التعليم وتعلمه طلبه واكتسابه من أهله وأخذه عنهم حيث كانوا فلا علم إلا بتعلم من الشارع أو من ناب عنه منابه وما تفيده العبادة والتقوى والمجاهدة والرياضة إنما هو فهم يوافق الأصول ويشرح الصدور ويوسع العقول ثم هو ينقسم لما يدخل تحت دائرة الأحكام ومنه ما لا يدخل تحت دائرة العبادات وإن كان مما يتناوله الإشارة ومنه ما لا تفهمه الضمائر وإن أشارت إليه الحقائق في وضوحه عند مشاهده وتحققه عند متلقيه فافهم قال ابن مسعود تعلموا فإن أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه وقال ابن سعد ما سبقنا ابن شهاب للعلم إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل وكنا تمنعنا الحداثة وقال الثوري من رق وجهه رق علمه وقال مجاهد لا يتعلم مستحي ولا متكبر وقيل لابن عباس بما نلت هذا العلم قال بلسان سؤول وقلب عقول (وإنما الحلم بالتحلم) أي ببعث النفس وتنشيطها إليه قال الراغب: الحلم إمساك النفس عن هيجان الغضب والتحكم إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب (ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه

стр. 3542

(ومن يتق الشر يوقه) زاد الطبراني والبيهقي في روايتيهما ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلى ولا أقول لكم الجنة من تكهن أو استقسم أو ردّه من سفر تطير (تنبيه) قال بعضهم: ويحصل العلم بالفيض الإلهي لكنه نادر غير مطرد فلذا تمم الكلام نحو الغالب قال الراغب: الفضائل ضربان نظري وعملي وكل ضرب منها يحصل على وجهين أحدهما بتعلم بشرى يحتاج إلى زمان وتدرب وممارسة ويتقوى الإنسان فيه درجة فدرجة وإن فيهم من يكفيه أدنى ممارسة بحسب اختلاف الطبائع في الذكاء والبلادة، والثاني يحصل [ص ٥٧٠] بفيض إلهي نحو أن يولد إنسان عالماً بغير تعلم كعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام وغيرهما من الأنبياء ﵈ الذين حصل لهم من المعارف بغير ممارسة ما لم يحصل لغيرهم وذكر بعض الحكماء أن ذلك قد يحصل لغير الأنبياء ﵈ في الفيئة بعد الفيئة وكلما كان يتدرب فقد يكون بالطبع كصبي يوجد صادق اللّهجة وسخياً وجريئاً وآخر بعكسه وقد يكون بالتعلم والعادة فمن صار فاضلاً طبعاً وعادة وتعلماً فهو كامل الفضيلة ومن كان رذلاً فهو كامل الرذيلة أهـ. (وهذا الورع يُتَعَلَّم، كما قال الضحّاك بن عثمان ﵀: (أدركت الناس وهم يتعلمون الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام)، والإنسان إذا تورّع لن يعدم الحلال ولا يظن أنه سيضيق على نفسه ضيقاً لا مخرج منه فإنه يلتمس الورع الشرعي مثلما تقدم. (علامة الورع: فصل الخطاب في علامة الورع: ﴿ترك الشبهات﴾ امتثالاً لقوله ﷺ : دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك كما في الحديث الآتي: (حديث علي الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة و الكذب ريبة. فتمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك أحياناً ما ترى بعض الحلال خشية أن تكون حراماً، النبي ﷺ كان يرى تمرة فيريد أن يأكلها فيتركها لأنه يخشى أن تكون سقطت من تمر الصدقة. وهذا أصل من أصول الورع، ولهذا كان النبي ﷺ يمر بتمرة فلا يأكلها خشية أن تكون من الصدقة. (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، قال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها).

стр. 3543

والورع يجب أن يكون ورعاً صحيحاً، فبعض الناس يفعلون الكبائر ثم يتورعون عن الأشياء اليسيرة .. !." عجبتُ لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول الله ﷺ ثم تسألون عن دم البعوض" .. !!!، فلذلك ينبغي أن يكون الورع على أساس، امرئ ترك المحرمات ثم هو آخذ في الإعراض عن المشتبهات، ولذلك لما سُئِل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يشتري البقل ويشترط الخوصة أنه يخشى أن تكون هذه التي تربط بها حزمة البقل غير داخلة في البيع فيشترط على البائع ذلك .. ،قال: ما هذه المسائل .. ؟!!!، قالوا: فلان يفعل ذلك .. إبراهيم بن أبي نعيم .. قال: هذا نعما .. هذا رجل يليق بحاله .. رجل متقي جداً. وهو الذي سُئِل ﵀ عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها فقال: ((إن كان برّ أمه في كل شيء حتى لم يبقَ إلا طلاق زوجته؛ يفعل، ولكن إن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم إلى أمه بعد ذلك فيضربها فلا يفعل .. !)). [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن محمد بن المبارك الصوري قال قلت لراهب ما علامة الورع قال الهرب من مواطن الشبهة. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن بن المبارك يقول لأن أرد درهما من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الشعبي قال جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما اشتريت من هذا دارا فوجدت فيها عشرة آلاف درهم فقال خذها فقال: لِمَ؟ إنما اشتريت الدار فقال البائع خذها أنت قال لِمَ وقد بعته الدار بما فيها فأدارا الأمر بينهما فأبيا فأتى زيادا فأخبره فقال ما كنت أرى أن أحدا هكذا بقي وقال لشريح أدخل بيت المال فألق في كل جراب قبضة حتى يكون للمسلمين ثم قال للشعبي كيف ترى الأمير قال أبو بكر بن عياش أعجبه ما صنع. (صورٌ مشرقة من ورع النبي ﷺ : (١) (حديث عقبة ابن الحارث النوفلي الثابت في صحيح البخاري) قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج إليهم فرأى أنهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرتُ شيئاً من تبرٍ فأمرت بقسمته.

стр. 3544

﴿تنبيه﴾: (إن هذا التصرف من رسول الله ﷺ يُعدُّ مثلاً أعلى ونبراساً يُحْتَذى به في الشعور بالمسؤولية , والتحري الدقيق في القضايا المالية , والمبادرة إلى تنفيذ التكاليف الشرعية وإن لم يكن وقت تنفيذها محددا خشية النسيان أو حضور الأجل. وهذا لون من ألوان التربية النبوية المؤثرة حيث إن خروج النبي ﷺ من المسجد بهذه الصورة أثار عجب الصحابة وتساؤلهم فتهيأت نفوسهم لاستقبال هذا التوجيه العملي نحو الاهتمام بحقوق المسلمين والإسراع في إيصالها إلى مستحقيها. (٢) (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق، قال: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها). ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (إني لأنقلبُ إلى أهلي، فأجدُ التمرة ساقطةً على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها) هذا مثال على شدة ورع النبي ﷺ وعِظَم خشيته من الله تعالى، وقد حرَّم الله تعالى الصدقة على بني هاشم, وبهذا الورع الشديد والخشية البالغة كان ﷺ قدوة عليا لأمته في ذلك. (صورٌ مشرقة من ورع أصحاب النبي ﷺ : (حديث أبي قتادة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنه كان مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمارا وحشيا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ وأبى بعض، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك، قال: (إنما هي طعمة أطعمكموها الله). إنما هي طعمة اطعمكموها الله: وذلك لأنكم لم تشيروا إلى الصيد وأنتم حرم ولا عاونتم عليه بشيء، لأن ذلك لا يجوز فلا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا أن صال عليه فقتله دفعا فيجوز ولا ضمان عليه، وكذلك فإن أبي قتادة لم يصطاد الصيد من أجل المحرم فإن ذلك لا يجوز بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث الصعب بن جثامة الليثي في الصحيحين) أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم.

стр. 3545

لذا كان ذلك طعمة اطعمكموها الله. (فانظررحمك الله كيف تورعوا عن الإشارة والمعاونة ‘اى حمارٍ وحشي وهم حرم لأن ذلك لا يجوز وكذلك وعن الأكل منه. (- صورٌ مشرقة من ورع أبي بكر الصديق ﵁: (حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح البخاري)، قالت: كان لأبي بكرٍ الصديق ﵁، غلام يخرجُ لهُ الخرج وكان أبو بكرٍ يأكلُ من خراجه، فجاء يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ؟ وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ في الجاهلية وما أحسنُ الكهانةَ إلا أني خدعتهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلت منهُ، فأدخل أبو بكرٍ يده فقاء كلَّ شيءٍ في بطنهِ. وكان أبو بكر يخارجه: يعني يدعه يشتغل ويضرب عليه خراجاً معيناً، يقول: أئتِ لي كل يوم بكذا وكذا، وما زاد فهو لك. وهذه المخارجة جائزة بالنسبة للعبيد، إذا كان الإنسان عنده عبيد وقال لهم: اذهبوا اشتغلوا وأتوني كل يوم بكذا وكذا من الدراهم وما زاد فهو لكم؛ فإن هذا جائز؛ لأن العبيد ملك للسيد، فما حصَّلوه فهو له سواء خارجهم على ذلك أم لم يخارجهم. لكن فائدة المخارجة أن العبد إذا حصَّل ما اتفق عليه مع سيده فإن له أن يبقى من غير عمل، أن يبقى في طلب العلم، أن يبقى مستريحاً في بيته أو أن يشتغل ويأخذ ما زاد. أما بالنسبة للعمال الذين يجلبهم الإنسان إلى البلاد ويقول: اذهبوا وعليكم كل شهر كذا وكذا من الدراهم، فإن هذا حرامٌ وظلم ومخالف لنظام الدولة، والعقد على هذا الوجه باطل، فليس لصاحب العمل شيء مما فرضه على هؤلاء العمال؛ لأن العامل ربما يكدح ويتعب ولا يحصل ما فرضه عليه كفيله، وربما لا يحصل شيئاً أبداً، فكان في هذا ظلم. أما العبيد فهم عبيد الإنسان، مالهم وما في أيديهم فهو له. هذا الغلام لأبي بكر، كان أبو بكر قد خارجه على شيء معين يأتي به إليه كل يوم، وفي يوم من الأيام قدّم هذا الغلام طعاماً لأبي بكر فأكله فقال: أتدري ما هذا؟ قال: وما هو؟ قال: هذا عوض عن أجرة كهانة تكهنت بها في الجاهلية وأنا لا أحسن الكهانة، لكنى خدعت الرجل فلقيني فأعطاني إياها. وعوض الكهانة حرام، سواء كان الكاهن يحسن صنعة الكهانة أو لا يحسن؛ لأن النبي ﵊ نهى عن ((حُلوان الكاهن)) كما في الحديث الآتي: (حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ الثابت في الصحيحين) قال:

стр. 3546

نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن) أي ما يأخذه على كهانته عن إخباره عن الكائنة المستقبلة بزعمه وهو بضم الحاء وسكون اللام من حلوت الرجل حبوته بشيء أعطيته إياه أو من الحلاوة شبه ما يعطى الكاهن بشيء حلو لأخذه إياه سهلاً بلا كلفة يقال حلوته أطعمته الحلو والنهي يشمل الآخذ والمعطي وفي الأحكام السلطانية ينهى المحتسب من يتكسب بالكهانة واللهو ويؤدَّب عليه الآخذ والمعطي. فلما قال لأبي بكر هذه المقالة، أدخل أبو بكر يده في فمه فقاء كلّ ما أكل، كل ما أكل قاءه وأخرجه من بطنه لماذا؟ لئلا يتغذى بطنه بحرام. وهذا مال حرام؛ لأنه عوض عن حرام، وقد قال النبي ﷺ : ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)). فالأجرة على فعل الحرام حرام، ومن ذلك تأجير بعض الناس دكاكينهم على الحلاقين الذين يحلقون اللحى، فإن هذه الأجرة حرام ولا تحل لصاحب الدكان؛ لأنه استؤجر منه لعمل محرم. ومن ذلك أيضاً تأجير البنوك في المحلات، فإن تأجير البنوك حرام؛ لأن البنك معاملته كلها أو غالبها حرام، وإذا وجد فيه معاملة حلال؛ فهي خلاف الأصل الذي من أجله أنشأ هذا البنك، الأصل في إنشاء البنوك أنها للربا، فإذا أجرَّ الإنسان بيته أو دكانه للبنك فتعامل فيه بالربا فإن الأجرة حرامٌ ولا تحل لصاحب البيت أو صاحب الدكان. وكذلك من أجَّر شخصاً يبيع المجلات الخليعة أو المفسدة في الأفكار الرديئة ومصادمة الشرع؛ فإنه لا يجوز تأجير المجلات لمن يبيع هذه المحلات؛ لأن الله تعالى قال (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:٢)، وتأجير المحلات لهؤلاء معونة لهم، وقال النبي ﷺ : ((إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه)). وفي هذا الحديث دليلٌ على شدة ورع أبي بكر ﵁، فهو جدير بهذا؛ لأنه الخليفة الأول على هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة إن أبا بكر ﵁ أفضل هذه الأمة؛ لأنه الخليفة الأول. (صورٌ مشرقة من ورع عمر ﵁:

стр. 3547

ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قدم على عمر ﵁ مسك وعنبر من البحرين فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تَزِنُ لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين , فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: أنا جيدة الوزن فهلمَّ أزِنْ لك , قال: لا , قالت: لِمَ؟ قال: - إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا وأدخل أصابعه في صدغيه – وتمسحي به عنقك, فأصيب فضلا على المسلمين (١). (فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر ﵁ واحتياطه البالغ لأمر دينه , فقد أبى على امرأته أن تتولى قسمة ذلك الطيب حتى لا تمسح عنقها منه فيكون قد أصاب شيئًا من مال المسلمين, وهذه الدِّقة المتناهية في ملاحظة الاحتمالات التي قد توقع في المحرمات أو الشبهات نورٌ يهبه الله تعالى لأوليائه السابقين إلى الخيرات , وفرقان يفرقون به بين الحلال والحرام والحق والباطل, بينما تفوت هذه الملاحظات على الذين لم يشغلوا تفكيرهم بحماية أنفسهم من المخالفات. (ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر ﵁ , فكانت له ناقة يحلبها , فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره, فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها, فحلبت لك ناقة من مال الله , فقال: ويحك تسقيني نارًا , واستحل ذلك اللبن من بعض الناس , فقيل هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها (٢). (فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر ﵁ , حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك , ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة ﵃ الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر , وهذا الخبر وأمثاله يدل على أن ذكر الآخرة بما فيها من حساب ونعيم أو شقاء قد أخذ بمجامع قلب عمر وملأ عليه تفكيره, حتى أصبح ذلك موجها لسلوكه في هذه الحياة. (وعن نافع عن عمر بن الخطاب ﵁ كان قد فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أبواه لأنه كان صغيراً، ليس هو كمن هاجر بنفسه. [رواه البخاري].

стр. 3548

[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال بينما عمر بن الخطاب يمشي ذات يوم في نفر من أصحابه إذا صبية في السوق يطرحها الريح لوجهها من ضعفها فقال عمر يا بؤس هذا من يعرف هذه قال له عبد الله أوما تعرفها هذه إحدى بناتك قال وأي بناتي قال بنت عبد الله بن عمر قال فما بلغ بها ما أرى من الضيعة قال إمساكك ما عندك قال إمساكي ما عندي عنها يمنعك أن تطلب لبناتك ما تطلب الأقوام أما والله ما لك عندي إلا سهمك مع المسلمين وسعك أو عجز عنك بيني وبينكم كتاب الله. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن عمر قال إنه لا أجده يحل لي أن آكل من مالكم هذا إلا كما كنت آكل من صلب مالي الخبز والزيت والخبز والسمن قال فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت ومما يليه منها سمن فيعتذر إلى القوم ويقول إني رجل عربي ولست أستمري الزيت. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن قتادة قال كان معيقيب على بيت مال عمر فكنس بيت المال يوما فوجد فيه درهما فدفعه إلى ابنٍ لعمر، قال معيقيب ثم انصرفت إلى بيتي فإذا رسول عمر قد جاءني يدعوني فجئت فإذا الدرهم في يده فقال لي ويحك يا معيقيب أوجدت علي في نفسك شيئا قال قلت ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال أردت أن تخاصمني أمة محمد ﷺ في هذا الدرهم. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن محمد بن سيرين قال كتب عمر إلى أبي موسى إذا جاءك كتابي هذا فأعط الناس أعطياتهم وأحمل إلي ما بقي مع زياد ففعل فلما كان عثمان كتب إلي أبي موسى بمثل ذلك ففعل فجاء زياد بما معه فوضعه بين يدي عثمان فجاء بن لعثمان فأخذ شيئا فمضى بها فبكى زياد فقال له عثمان ما يبكيك قال أتيت أمير المؤمنين عمرا بمثل ما أتيتك به فجاء بن له فأخذ درهما فأمر به فانتزع منه حتى بكى الغلام وإن ابنك جاء فأخذ هذه فلم أر أحدا قال له شيئا قال عثمان إن عمرا كان يمنع أهله وأقربائه ابتغاء وجه الله أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه الله ولن تلقى مثل عمر ولن تلقى مثل عمر ولن تلقى مثل عمر.

стр. 3549

[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري أنه خرج إلى عمر فنزل عليه وكانت لعمر ناقة يحلبها فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا فأنكره فقال ويحك من أين هذا اللبن فقال يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشرب لبنها فحلبت لك ناقة من مال الله فقال له عمر ويحك سقيتني نارا ادع لي علي بن أبي طالب فدعاه فقال إن هذا عمد إلى ناقة من مال الله فسقاني لبنها أفتحله لي قال نعم يا أمير المؤمنين هو لك حلال ولحمها وأوشك أن يجيء من لا يرى لنا في هذا المال حق. (صورةٌ مشرقة من ورع علي ابن أبي طالب ﵁: أخرج ابن عساكر عن الشَّعْبي قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁ يوماً بالكوفة فوقف على باب فاستسقى ماء، فخرجت إليه جارية بإبريق ومنديل فقال لها: يا جارية لمن هذه الدار؟ قالت: لفلان القسطال، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تشرب من بئر قسطال ولا تستظلن في ظل عشار». كذا في الكنز وقال: ولم أرَ في رجاله من تُكلم فيه. اهـ. (صورةٌ مشرقة من ورع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كان عبد الله بن عمر ﵁ سمع صوت زمارة راعٍ، فمشى في الطريق بسرعة وابن عمر كان يضع إصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول يا نافع أتسمع فيقول نعم، فيمضي على حاله واضعاً إصبعيه في أذنيه حتى قلت لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق. [رواه الإمام أحمد وقال أحمد شاكر إسناده صحيح]. فانظر رحمك الله تعالى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على الرغم من أن الإنسان غير مكلّف بما يسمع ولكن بما يستمع إليه فلا يجوز تقصّد السماع والتلذذ به. (صورةٌ مشرقة من ورع معاذ وابن عباس ﵄:

стр. 3550

أخرج أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن سعيد أن معاذ ابن جبل ﵁ كانت له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ من بيت الأخرى، ثم توفيتا في السقم الذي أَصابهما بالشام والناس في شغل، فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أَيتهما تقدّم في القبر. وعنده أَيضاً من طريق مالك عن يحيى قال: كان تحت معاذ بن جبل إمرأَتان، فإذا كان عند إِحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء. وأَخرج ابن سعد عن طاووس قال: أَشهد لسمعت ابن عباس ﵄ يقول: أشهد لسمعت عمر ﵁ يهل، فإنا لواقفون في الموقف فقال له رجل: أرأيت حين دَفَع؟ فقال ابن عباس: لا أدري، فعجب الناس من ورع ابن عباس. كذا في المنتخب. (صورةٌ مشرقة من ورع زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها: عليهم فزينب ﵂ عصمها الله بالورع في قصة الإفك فمع أنها كانت تنافسها وتساميها. (حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) قالت: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: ماذا علمت، أو رأيت). فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع. (صور مشرقة من ورع التابعين ﵏: (ورع عمر ابن عبد العزيز: [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن فرات بن مسلم قال كنت أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبي في كل جمعة فعرضتها عليه فأخذ منها قرطاسا قدر أربع أصابع فكتب فيه حاجة قال فقلت غفل أمير المؤمنين فأرسل من الغد أن جئني بكتبك قال فجئت بها فبعثني في حاجة فلما جئت قال لي: مالنا أن ننظر فيها قلت إنما نظرت فيها أمس قال فاذهب أبعث إليك فلما فتحت كتبي وجدت فيها قرطاسا قدر القرطاس الذي أخذ. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي سنان أن عمر بن عبد العزيز كان يسخن له الماء في مطبخه فقال لصاحب المطبخ أين يسخن هذا الماء قال في المطبخ قال انظر منذ كم تسخنه في المطبخ فأخبرني به قال منذ كذا وكذا قال انظر ما ثمن ذلك الحطب قال كذا وكذا فأخذه عمر فألقاه في بيت المال.

стр. 3551

[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن فاطمة بنت عبد الملك قالت اشتهى عمر بن عبد العزيز يوما عسلا فلم يكن عندنا فوجهنا رجلا على دابة من دواب البريد إلى بعلبك فأتى بعسل فقلنا يوما إنك ذكرت عسلا وعندنا عسل فهل لك فيه قال نعم فأتيناه به فشرب ثم قال من أين لكم هذا العسل قال قلت وجهنا رجلا على دابة من دواب البريد بدينارين إلى بعلبك فاشترى لنا عسلا قال فأرسل إلى الرجل فجاء فقال انطلق بهذا العسل إلى السوق فبعه فاردد إلينا رأس مالنا وانظر الفضل فاجعله في علف دواب البريد ولو كان ينفع المسلمين في لتقيأت. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن بن السماك قال كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاحا بين الناس فجاء ابن له وأخذ تفاحة من ذلك التفاح فوثب إليه ففك يده فأخذ تلك التفاحة فطرحها في التفاح فذهب إلى أمه مستغيثا فقالت له مالك أي بني فأخبرها فأرسلت بدرهمين فاشترت تفاحا فأكلت وأطعمته ورفعت لعمر فلما فرغ مما بين يديه دخل إليها فأخرجت له طبقا من تفاح فقال من أين هذا يا فاطمة فأخبرته فقال رحمك الله والله إن كنت لأشتهيه. (ورع إبراهيم ابن أدهم: [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن محمد بن يوسف قال كان إبراهيم بن أدهم يلقط الحب مع المساكين فبصر بسنبل فبادر إليه مع المساكين فسبقهم فقالوا له في ذلك فرمى بما معه وقال أنا لم أزاحم أهل الدنيا على دنياهم أزاحم المساكين على معاشهم فكان بعد لا يلقط إلا مع الدواب. (ورع أيوب بن راشد: [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن رباح بن الجراح قال رأيت أبا شعيب أيوب بن راشد فما رأيت أحدا كان أورع منه كان يكنس حيطان بيته فإذا وقع شيء من حيطان جيرانه جمعه فذهب به إليهم. (ورع الحسن البصري: [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال ما ضربت ببصري ولا نطقت بلسانين ولا بطشت بيدين ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة أو على معصية فإن كانت طاعة تقدمت وإن كانت معصية تأخرت. (ورع يوسف بن أسباط: [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن يوسف بن أسباط قال مر طاوس بنهر قد كري فأرادت بغلته أن تشرب فأبى أن يدعها يعني كراة السلطان. (ورع محمد بن سيرين:

стр. 3552

[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن هشام بن حسان قال ما رأيت أحدا أورع من محمد بن سيرين. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن هشام قال ترك بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم بأسا. (أقوال السلف في الورع: [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن معاوية بن قرة قال دخلت على الحسن وهو متكئ على سريره فقلت يا أبا سعيد أي الأعمال أحب إلى الله قال الصلاة في جوف الله والناس نيام قلت فأي الصوم أفضل قال في يوم صائف قلت فأي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنا قلت فما تقول في الورع قال ذاك رأس الأمر كله. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن خالد بن معدان قال قيل له أتعرف النية قال ما أعرف النية ولكني أعرف الورع فمن كان ورعا كان تقيا. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي إسماعيل المؤدب قال جاء رجل إلى العمري فقال عظني فأخذ حصاة من الأرض فقال زنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض، قال زدني قال كما تحب أن يكون الله لك غدا فكن له اليوم. [*] (و ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال ما في الأرض شيء أحبه للناس من قيام الليل قال فقال أبو إياس فأين الورع قال به به ذلك ملاك الأمر. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الضحاك قال أدركت الناس وهم يتعلمون الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن النضر بن محمد: قال نسك الرجل على قدر ورعه. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي وهب محمد بن مزاحم قال قيل لابن المبارك أي شيء أفضل قال الورع قالوا ما الورع قال حتى تنزع عن مثل هذا وأخذ شيئا من الأرض. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن خالد بن معدان قال من لم يكن له حلم يضبط به جهله وورع يحجزه عما حرم الله عليه وحسن صحابة عن يصحبه فلا حاجة لله فيه. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن إبراهيم بن الأشعث قال سألت فضيل بن عياض فقلت أي الأعمال أفضل قال ما لا بد منه قلت أداء الفرائض واجتناب المحارم قال نعم أحسنت يا بخاري وهو الورع.

стр. 3553

[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن الحسن قال أفضل العبادة التفكر والورع. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن يحيى بن أبي كثير قال يقول الناس فلان الناسك فلان الناسك إنما الناسك الوَرِع. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن أبي اليزيد الفيض قال سألت موسى بن أعين عن قول الله تعالى: (إِنّمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتّقِينَ) [المائدة: ٢٧] قال تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم الله متقين. [*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن ضمرة بن حبيب: قال لا يعجبكم كثرة صلاة امرئ ولا صيامه ولكن انظروا إلى ورعه فإن كان ورعا مع ما رزقه الله من العبادة فهو عبد الله حقا. [*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الورع عن طاوس عن قال: مثل الإسلام كمثل شجرة فأصلها الشهادة وساقها كذا وكذا وورقها كذا شيء سماه وثمرها الورع لا خير في شجرة لا ثمر لها ولا خير في إنسان لا ورع له. (فصلٌ في منزلة التبتل: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التبتل قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] والتبتل الانقطاع وهو تفعل من البتل وهو القطع وسميت مريم البتول لانقطاعها عن الأزواج وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا وقطعت منهن ومصدر بتل تبتلا كالتعلم والتفهم ولكن جاء على التفعيل مصدر تفعل لسرٍ لطيف فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة فأتى بالفعل الدال على أحدهما بالمصدر الدال على الآخر فكأنه قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا ففهم المعنيان من الفعل ومصدره وهذا كثير في القرآن وهو من أحسن الاختصار والإيجاز. (قال صاحب المنازل: التبتل: "الانقطاع إلى الله بالكلية" وقوله : ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أي التجريد المحض.

стр. 3554

(ومراده بالتجريد المحض: التبتل عن ملاحظة الأعواض بحيث لا يكون المتبتل كالأجير الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر بخلاف العبد فإنه يخدم بمقتضى عبوديته لا للأجرة فهو لا ينصرف عن باب سيده إلا إذا كان آبقا والآبق قد خرج من شرف العبودية ولم يحصل له إطلاق الحرية فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده وغاية شرف النفس: دخولها تحت رق العبودية طوعا واختيارا ومحبة لا كرها وقهرا كما قيل: شرف النفوس دخولها في رقهم، والعبد يحوي الفخر بالتمليك، والذي حسن استشهاده بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ في هذا الموضع: إرادة هذا المعنى وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابا فإنه يستحقها لذاته «فهو أهلٌ أن يعبد وَحْدَه وَيُدْعَى وَحْدَه وَيُقْصَدُ وَيُشْكَرُ وَيُحْمَدُ وَيُحَبُ وَيُرْجَى وَيُخَاف وَيُتَوَكَل عليه وَيُسْتَعانُ به وُيُسْتَجار به وَيُلْجَأ إليه وَيُصْمَدُ إليه فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده»، ومن قام بقلبه هذا معرفة وذوقا وحالا صح له مقام التبتل والتجريد المحض، وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق ومرادهم: هذا المعنى. (فقال علي ﵁ دعوة الحق: التوحيد. (وقال ابن عباس ﵄: شهادة أن لا إله إلا الله. (وقيل: الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله وحده ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها. أهـ. ( ... فصلٌ في منزلة الرغبة والرهبة: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرغبة قال الله : ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء: ٩٠] والفرق بين الرغبة و الرجاء أن الرجاء طمع والرغبة طلب فهي ثمرة الرجاء فإنه إذا رجا الشيء طلبه والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ومن خاف شيئا هرب منه. أهـ وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 3555

(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو يَقُولُ رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا لَكَ ذَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا لَكَ مِطْوَاعًا لَكَ مُخْبِتًا إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَاغْسِلْ حَوْبَتِي وَأَجِبْ دَعْوَتِي وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَسَدِّدْ لِسَانِي وَاهْدِ قَلْبِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي. [*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: (رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ): أَيْ عَلَى أَعْدَائِي فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ. (وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَكْرُ الْخِدَاعُ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ إِيقَاعُ بَلَائِهِ بِأَعْدَائِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَقِيلَ هُوَ اسْتِدْرَاجُ الْعَبْدِ بِالطَّاعَةِ فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمَكْرُ الْحِيلَةُ وَالْفِكْرُ فِي دَفْعِ عَدُوٍّ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْعَدُوُّ، فَالْمَعْنَى: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِ أَعْدَائِي عَنِّي وَلَا تَهْدِ عَدُوِّي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ) كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ. (وَاهْدِنِي) أَيْ دُلَّنِي عَلَى الْخَيْرَاتِ. (وَيَسِّرْ لِي الْهُدَى) أَيْ وَسَهِّلِ اتِّبَاعَ الْهِدَايَةِ أَوْ طُرُقَ الدَّلَالَةِ حَتَّى لَا أَسْتَثْقِلَ الطَّاعَةَ وَلَا أَشْتَغِلَ عَنِ الطَّاعَةِ. (وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ) أَيْ ظَلَمَنِي وَتَعَدَّى عَلَيَّ. (رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا) أَيْ كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلَى النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ، وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ الْإِخْلَاصِ (لَكَ ذَكَّارًا) أَيْ كَثِيرَ الذِّكْرِ. (لَكَ رَهَّابًا) أَيْ كَثِيرَ الْخَوْفِ (لَكَ مِطْوَاعًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ مِفْعَالٌ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ كَثِيرَ الطَّوْعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ

стр. 3556

(لَكَ مُخْبِتًا) أَيْ خَاضِعًا خَاشِعًا مُتَوَاضِعًا مِنَ الْإِخْبَاتِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَخْبَتَ خَشَعَ (إِلَيْكَ أَوَّاهًا) أَيْ مُتَضَرِّعًا فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ أَوَّهَ تَأْوِيهًا وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إِذَا قَالَ أَوْهُ أَيْ قَائِلًا كَثِيرًا لَفْظَ أَوْهُ وَهُوَ صَوْتُ الْحَزِينِ. أَيِ اجْعَلْنِي حَزِينًا وَمُتَفَجِّعًا عَلَى التَّفْرِيطِ أَوْ هُوَ قَوْلُ النَّادِمِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ الْمُقَصِّرِ فِي طَاعَتِهِ وَقِيلَ الْأَوَّاهُ الْبَكَّاءُ (مُنِيبًا) أَيْ رَاجِعًا قِيلَ التَّوْبَةُ رُجُوعٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالْإِنَابَةُ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ وَالْفِكْرَةِ، وَالْأَوْبَةُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا اكْتَفَى فِي قَوْلِهِ أَوَّاهًا مُنِيبًا بِصِلَةٍ وَاحِدَةٍ لِكَوْنِ الْإِنَابَةِ لَازِمَةً لِلتَّأَوُّهِ وَرَدِيفًا لَهُ فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ. (رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي) أَيْ بِجَعْلِهَا صَحِيحَةً بِشَرَائِطِهَا وَاسْتِجْمَاعِ آدَابِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ حَيِّزِ الْقَبُولِ. (وَاغْسِلْ حَوْبَتِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُضَمُّ أَيِ امْحُ ذَنْبِي. (وَأَجِبْ دَعْوَتِي) أَيْ دُعَائِي. (وَثَبِّتْ حُجَّتِي) أَيْ عَلَى أَعْدَائِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى وَثَبِّتْ قَوْلِي وَتَصْدِيقِي فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ. (وَسَدِّدْ لِسَانِي) أَيْ صَوِّبْهُ وَقَوِّمْهُ حَتَّى لَا يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَلَا يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِالْحَقِّ. (وَاهْدِ قَلْبِي) أَيْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. (وَاسْلُلْ) بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى أَيْ أَخْرِجْ مِنْ سَلَّ السَّيْفَ إِذَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْغِمْدِ (سَخِيمَةَ صَدْرِي) أَيْ غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ.

стр. 3557

﴿تنبيه﴾: (لا بدّ لنا من وقْفةٍ في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء: ٩٠]، من السَّهل أن ترجو رحمته دون أن تدفع الثَّمَن، ومن السَّهل أيضًا أن تقنط من رحمته لِجَهلٍ مسْتحْكِم ولكنّ البطولة أن تعبُدَهُ راجيًا وخائفًا، راغبًا وراهبًا، رغبةً ورهبةً الوضْع المتوازن يحتاج إلى بطولة، أما التطرّف فسهلٌ جدًّا أبٌ بإمكانه أن يكون سهلاً فَيُعْصَر، وبإمكانه أن يكون عنيفًا جدًّا، كلا الحالتين سهلةٌ على الأب، أما الأب الذي يرجو أولاده عطاءه، ويخافون غضبهُ في الوقت نفسه هذا أب مُرَبٍّ حكيم، وبالمقابل المؤمن الصادق يعبد الله رغبًا ورهبًا، إذا عرف من رحمته لا يطمع بها فَيُقصِّر، وإذا عرف من عقابه لا يدْفعُه العقاب إلى أن ييْأس، أكمل موقف قاله سيّدنا عمر: والله لو علمْتُ أنّ الله معذِّبٌ واحدًا لَخِفْتُ أن أكون أنا، ولو علمْتُ أنّ الله راحمًا واحدًا لرجَوْتُ أن أكون أنا. لكنّ العلماء فرَّقوا بين الرغبة والرجاء، قالوا: «الرّجاء طمع والرغبة طلب»، طمعٌ وطلبٌ، أو الرجاء ثمرةُ الطَّمع، تطْمعُ فترْغَبُ فإنَّه إذا رجا الشيء طلبهُ، والرغبة من الرَّجاء كالهرب من الخوف، فمن رجا شيئًا طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئًا هرب منه. أهـ (علامة صِدْق الرّجاء العمل: قال تعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا) [الكهف: ١١٠] ، الله «ربط الرجاء بالعمل» حيث قال تعالى (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً)، وقال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَىَ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مّشْكُوراً) [الإسراء: ١٩] أراد الآخرة وسعى لها سعيَها وهو مؤمن، يعني بِشَكلٍ أو بآخر إن لم يُتَرجم العلم إلى عمل فلا قيمة له، إن لم يُتَرجم الإيمان إلى سلوك فلا قيمة له، إن لم يُترْجم التوحيد إلى تقوى لا قيمة له: وعالم بعِلْمه لم يعملَن ... مُعَذَّبٌ من قبل عبّاد الوثن

стр. 3558

الراجي طالب، والخائف هارب، والرغبة هي الرجاء حقيقة الرجاء طمَع يحتاج إلى تحقيق، طمعٌ في مغيَّبٍ عنك مَشْكوك في تَحصيله وإن كان متحقِّقًا بِذاته، الجنّة مُتحقِّقة بذاتها، ولكن القلق أن يُسْمحَ لي أن أدخلها أو أن لا أدخلها، بالمناسبة الشيء بالشيء يُذْكر. (الرّغبة من لوازمها الرِّعايَة: إن كنتَ راغبًا في شيءٍ عليك أن ترْعاهُ، إن اكْتَمَلَتْ الرغبة اكْتَمَلَ معها خُلُق الرِّعاية، الرِّعاية الإيمانيّة العِلْم كيف يُراعى؟ يُحْفظ ويُعْمَلُ به، آفاتا العلم أن يُنْسى وأن لا يُعْمَلَ به الآن إذا كان هناك رغبة صادقة لا بدّ من أن يتْبَعَ هذه الرغبة الصادقة عملٌ يؤكِّدها، فَرِعايَةُ العلم بالحفْظ، ورِعايَة العلم بالعمل. فإذا اكتمَلَتْ رغبَتُهُ اكْتَمَلَ مع رغْبته خُلقُ الرِّعاية، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص، والإحسان هو الإتقان، والإخلاص أن يكون خالصًا لله تعالى، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص. ويحفظ العمل من مُفْسِداته، مثلاً أعطى ثمّ منَّ بعْد عطائِهِ، فالمنّ أذْهَبَ ثواب عطائه، وقال العلماء مراتب العلم والعمل ثلاثة: رواية هي مجرّد النقل وحمْلُ المرْوِيّ، ودِرايَةٌ هي فهمهُ وتعَقُّلُ معناه، ورعايةٌ هي العمل بِمُوجِبِه، ما علمهُ، وبِحَسب مُقتضاه. (فصلٌ في منزلة الرعاية: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرعاية وهي مراعاة العلم وحفظه بالعمل، ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات، ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفريق، «فالرعاية صيانة وحفظ» ومراتب العلم والعمل ثلاثة: (رواية: وهي مجرد النقل وحمل المروي. (و دراية: وهي فهمه وتعقل معناه. (ورعاية: وهي العمل بموجب ما عمله ومقتضاه،

стр. 3559

«فالنقلة همتهم الرواية والعلماء همتهم الدراية والعارفون همتهم الرعاية» وقد ذم الله من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته فقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ رهبانية منصوب بابتدعوها على الاشتغال إما بنفس الفعل المذكور على قول الكوفيين وإما بمقدر محذوف مفسر بهذا المذكور على قول البصريين أي وابتدعوا رهبانية وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه فالوقف التام عند قوله: ورحمة، ثم يبتدىء ورهبانية ابتدعوها أي لم نشرعها لهم بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم ولم نكتبها عليهم. (ثم قال رحمه الله تعالى: والقصد: أن الله ذم من لم يرع قُرْبَةً ابتدعها لله تعالى حق رعايتها فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله ورضيها لعباده وأذن بها وحث عليها. أهـ لأنّ الله ما كتبها عليهم، لم يستطيعوا رعايتها من هو الخبير؟ الله ﷻ ، إذا سمَحَ الله لك بالزواج، وحرمْت أنت نفسكَ من الزواج زهدًا وورعًا، أنت تحرَّكْتَ حركة بِخِلاف فِطْرتك التي فُطِرْت عليها، لن تستطيع رِعايَة هذا المسْلكَ الذي ابْتَدَعْتهُ، لأنَّهم ابْتَدَعوها ولم تَرِد في منهجهم إذًا لن يستطيعوا رعايتها حقّ الرعاية، ما كتبناها عليهم هم حينما كتَبُوها على أنفسهم اِدَّعَوا أنَّه ابْتِغاء رِضْوان الله، ولأنَّها لم تُكْتَب عليهم لمْ يستطيعوا رعايتها، فما رعَوْها حقّ رعايتها. وأجْمَل ما قيل في هذا المقام قول النبي ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (

стр. 3560

(حديث أنس الثابت في الصحيحين) جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقاُّلوها وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أما أنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر أبداً، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني. في هذا المعنى الدقيق، الله ﷻ ذمّ من لمْ يرْعَ قُرْبةً ابْتَدَعها لله تعالى، لم يرْعها حقّ رعايتها، فكيف بِمَن لم يرْعَ قُرْبةً شرعها الله؟ القُربة التي لم يُشَرِّعها الله عاتب الذين ابْتَدَعوها أنَّهم لم يرْعَوْها حق رعايتها، فكيف بالذي لا يرعى عبادة شرعها الله ، وهي متوافقةٌ مع طبْعِهِ، ومع طاقته وقدرته وإمكاناته. الآن من أركان الرِّعاية رعايَة الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسط مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها، ثلاث صفات؛ رِعايَة الأعمال أن تأخذ الوضع المعتدل منها، فالإفراط تطرّف، والتفريط تطرّف، وأن تُلقي بِنَفسِكَ إلى التهلكة تهوّر، وأن تجمد عن ملاقاة العدوّ جبْنٌ، والوضْع الوسَطِيّ أن تكون شجاعًا بِتَعَقُّل، أن تمْسِكَ المال بُخلاً، وأن تُلْقِيَهُ جزافًا إسرافًا، أما الوضْع الوسطي كما قال تعالى: (وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: ٦٧] أوّل شيء رعاية الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسَط، وقالوا الفضيلة وسَطٌ بين طرفين، مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها، الإنسان إذا رأى عملهُ كبيرًا حجَبَهُ عن الله ، «لو كان لك عملٌ كالجبال يجب أن ترى أنّ الله تفضَّل به عليك، ولولا أنّ الله تفضَّل به عليك لأخذْت ولم تُعْطِ» (فإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة والعاقبة مغيبة، والإرادة غير مغالبة فلا تعجبي بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك فإن ذلك وإن كان من **بك فإنه من خلق ربك وفضله الدار عليك وخيره فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخرة بمتاع غيرها وربما سُلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير

стр. 3561

فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم فأصبحت وزهرها يابس هشيم إذ هبت عليها الريح العقيم كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم فيصبح وهو بمعصية الله مظلم سقيم ذلك فعل العزيز الحليم الخلاق العليم. مسألة / ما مدى صحة القول الآتي: «ما عبدتُك شوقاً إلى جنَّتك، ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك»؟ الجواب: أن هذا قولٌ باطل لا يصح بل يجب عبادة الله تعالى بمقامات الإيمان الثلاثة المتلازمة، وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غير مُخِّل: (١) أن العبادة الشرعية عند أهل السنَّة تشمل المحبة والتعظيم، والمحبة تولِّد الرجاء، والتعظيم يولِّد الخوف. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀: العبادة مبنية على أمرين عظيمين، هما: المحبة، والتعظيم، الناتج عنهما: قال تعالى: (إِنّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ) [الأنبياء: ٩٠]، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة، والخوف. ولهذا كانت العبادة أوامر، ونواهي: أوامر مبنية على الرغبة، وطلب الوصول إلى الآمر، ونواهي مبنية على التعظيم، والرهبة من هذا العظيم. فإذا أحببتَ الله : رغبتَ فيما عنده، ورغبت في الوصول إليه، وطلبتَ الطريق الموصل إليه، وقمتَ بطاعته على الوجه الأكمل، وإذا عظمتَه: خفتَ منه، كلما هممتَ بمعصية استشعرت عظمة الخالق ، فنفرتَ، (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) يوسف/ ٢٤. فهذه مِن نعمة الله عليك، إذا هممتَ بمعصية وجدتَ الله أمامك، فهبتَ، وخفتَ، وتباعدتَ عن المعصية؛ لأنك تعبد الله، رغبة، ورهبة. " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " (٨/ ١٧، ١٨). (٢) أن عبادة الأنبياء والعلماء والأتقياء تشتمل على الخوف والرجاء، ولا تخلو من محبة، فمن يرد أن يعبد الله تعالى بإحدى ذلك: فهو مبتدع، وقد يصل الحال به للكفر. قال الله تعالى – في وصف حال المدعوين من الملائكة والأنبياء والصالحين -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) [الإسراء/ ٥٧]

стр. 3562

وقال الله ﵎ – في وصف حال الأنبياء -: (إِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء/ ٩٠] قال ابن جرير الطبري – ﵀: ويعنى بقوله: (رَغَباً): أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه، من رحمته، وفضله. (وَرَهَباً): يعني: رهبة منهم، من عذابه، وعقابه، بتركهم عبادته، وركوبهم معصيته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. " تفسير الطبري " (١٨/ ٥٢١). وقال الحافظ ابن كثير – ﵀: وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: في عمل القُرُبات، وفعل الطاعات. (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) قال الثوري: (رَغَبًا) فيما عندنا، (وَرَهَبًا) مما عندنا. (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: مصدِّقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: مؤمنين حقّاً، وقال أبو العالية: خائفين، وقال أبو سِنَان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب، لا يفارقه أبداً، وعن مجاهد أيضاً: (خَاشِعِينَ) أي: متواضعين، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: (خَاشِعِينَ) أي: متذللين لله ، وكل هذه الأقوال متقاربة. " تفسير ابن كثير " (٥/ ٣٧٠). ((قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال بعض السلف: " مَن عبد الله بالحب وحده: فهو زنديق، ومَن عبده بالخوف وحده: فهو حروري – أي: خارجي -، ومَن عبده بالرجاء وحده: فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء: فهو مؤمن موحد. " مجموع الفتاوى " (١٥/ ٢١). (٣) اعتقادهم أن الجنة هي الأشجار والأنهار والحور العين، وغفلوا عن أعظم ما في الجنة مما يسعى العبد لتحصيله وهو: رؤية الله تعالى، والتلذذ بذلك، والنار ليست هي الحميم والسموم والزقوم، بل هي غضب الله وعذابه والحجب عن رؤيته . ((قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومِن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول مَن قال: " ما عبدتُك شوقاً إلى جنَّتك، ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك ".

стр. 3563

فإن هذا القائل ظنَّ هو ومَن تابعه أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل، والشرب، واللباس، والنكاح، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات، ولهذا قال بعض مَن غلط مِن المشائخ لما سمع قوله: (مِنْكُم مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ) قال: فأين من يريد الله؟! وقال آخر في قوله تعالى: (إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنينَ أنْفُسَهُم وَأَمْوَالُهُم بِأَنَّ لَهُم الجَنَّةَ) قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنَّة فأين النظر إليه؟!. وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر، والتحقيق: أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها: النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة، كما أخبرت به النصوص، وكذلك أهل النار، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تُعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق. " مجموع الفتاوى " (١٠/ ٦٢، ٦٣). (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: والتحقيق أن يقال: الجنَّة ليست اسماً لمجرد الأشجار، والفواكه، والطعام، والشراب، والحور العين، والأنهار، والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنَّة، فإنَّ الجنَّة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومِن أعظم نعيم الجنَّة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه، وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبداً، فأيسر يسير من رضوانه: أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَر) التوبة/ ٧٢، وأتى به مُنَكَّراًَ في سياق الإثبات، أي: أي شيء كان من رضاه عن عبده: فهو أكبر من الجنة. وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية: (فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه)

стр. 3564

((حديث صُهَيْبٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: في قَوْلِهِ ﴿لِلّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنّةِ الْجَنّةَ، نَادَى مُنَادٍ إِنّ لَكُمْ عِنْدَ الله مَوْعِداً، قَالُوا أَلَمْ يُبَيّضْ وُجُوهَنَا وَيُنَجّينَا مِنَ النّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنّةَ؟ قَالُوا بَلَى، فَينكشفُ الْحِجَابُ، قالَ: فَوَالله مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئاً أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنَ النظَرِ إِلَيْهِ». ولا ريب أن الأمر هكذا، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة، فإن (المرء مع مَن أحب)، ولا تخصيص في هذا الحكم، بل هو ثابت، شاهداً، وغائباً، فأي نعيم، وأي لذة، وأي قرة عين، وأي فوز، يداني نعيم تلك المعية، ولذتها، وقرة العين بها، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه، ولا أكمل، ولا أجمل قرة عين ألبتة؟. وهذا - والله - هو العِلم الذي شمَّر إليه المحبون، واللواء الذي أمَّه العارفون، وهو روح مسمَّى الجنَّة وحياتها، وبه طابت الجنة، وعليه قامت. فكيف يقال: " لا يُعبد الله طلباً لجنَّته، ولا خوفاً من ناره "؟!. وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله، وإهانته، وغضبه، وسخطه، والبُعد عنه: أعظم من التهاب النار في أجسامهم، وأرواحهم، بل التهاب هذه النار في قلوبهم: هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم، ومنها سرت إليها. فمطلوب الأنبياء، والمرسلين، والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين: هو الجنَّة، ومهربهم: من النار، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل. " مدارج السالكين " (٢/ ٨٠، ٨١). (٤) مؤدى تلك المقولة الاستخفاف بخلق الجنة، والنار، والله تعالى خلقهما، وأعدَّ كل واحدة منهما لمن يستحقها، وبالجنة رغَّب العابدين لعبادته، وبالنار خوَّف خلقه من معصيته والكفر به. (٥) كان النبي ﷺ يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، وكان يعلِّم ذلك لأصحابه رضوان الله عليهم، وهكذا توارثه العلماء والعبَّاد، ولم يروا في ذلك نقضاً لمحبتهم لربهم تعالى، ولا نقصاً في منزلة عبادتهم.

стр. 3565

وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث عائشة الثابت في صحيح ابن ماجة) أن رسول الله ﷺ علمها هذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيك و أعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك و نبيك اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا. ((حديث أنَسٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كان أكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "٠ ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لرجلٍ ما تقول في الصلاة قال أتشهد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار أما والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولها ندندن. ((حديث البراء ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوئك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضتُ أمري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلمُ به. (قال تقي الدِّين السبكي – ﵀:

стр. 3566

والعاملون على أصناف: صنف عبدوه لذاته، وكونه مستحقّاً لذلك؛ فإنه مستحق لذلك، لو لم يخلق جنَّة ولا ناراً، فهذا معنى قول من قال: " ما عبدناك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنَّتك "، أي: بل عبدناك لاستحقاقك ذلك، ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النار، ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك، وهو جهل، فمَن لم يسأل الله الجنَّة والنجاة من النار: فهو مخالف للسنَّة؛ فإن مِن سنَّة النَّبي ﷺ ذلك، ولما قال ذلك القائل للنبي ﷺ : " إنه يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار "، وقال: " ما أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ ": قال النبي ﷺ : (حولها ندندن). فهذا سيد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة، فمن اعتقد خلاف ذلك: فهو جاهل، ختَّال. ومِن آداب أهل السنَّة أربعة أشياء لا بد لهم منها: الاقتداء برسول الله ﷺ ، والافتقار إلى الله تعالى، والاستغاثة بالله، والصبر على ذلك إلى الممات. كذا قال سهل بن عبد الله التستري، وهو كلامٌ حقٌّ. " فتاوى السبكي " (٢/ ٥٦٠). (وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: كل ما أعده الله لأوليائه: فهو مِن الجنَّة، والنظر إليه هو من الجنة، ولهذا كان أفضل الخلق يسأل الله الجنَّة، ويستعيذ به من النَّار، ولما سألَ بعضَ أصحابه عما يقول في صلاته، قال: " إني أسأل الله الجنَّة، وأعوذ بالله من النَّار، أما إني لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ "، فقال: (حولها ندندن). " مجموع الفتاوى " (١٠/ ٢٤١). (٦) من أراد أن يعبد الله تعالى بالمحبَّة وحدها دون الخوف والرجاء: فدينه في خطر، وهو مبتدع أشد الابتداع، وقد يصل به الحال أن يخرج من ملَّة الإسلام، وبعض كبار الزنادقة يقول: إننا نعبد الله محبة له، ولو كان مصيرنا الخلود في النار!!، ويعتقد بعضهم أنه بالمحبة فقط ينال رضا الله ورضوانه، وهو يشابه بذلك عقيدة اليهود والنصارى، حيث قال تعالى عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [المائدة/ ١٨]. (قال تقي الدين السبكي – ﵀:

стр. 3567

وأما هذا الشخص الذي جرد وصف المحبة، وعبد الله بها وحدها: فقد ربا بجهله على هذا، واعتقد أن له منزلة عند الله رفَعته عن حضيض العبودية، وضآلتها، وحقارة نفسه الخسيسة، وذلتها، إلى أوج المحبة، كأنه آمِنٌ على نفسه، وآخذٌ عهداً من ربِّه أنَّه من المقربين، فضلاً عن أصحاب اليمين، كلا بل هو في أسفل السافلين. فالواجب على العبد: سلوك الأدب مع الله، وتضاؤله بين يديه، واحتقاره نفسه، واستصغاره إياها، والخوف من عذاب الله، وعدم الأمن من مكر الله، ورجاء فضل الله، واستعانته به، واستعانته على نفسه، ويقول بعد اجتهاده في العبادة: " ما عبدناك حق عبادتك "، ويعترف بالتقصير، ويستغفر عقيب الصلوات، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير في العبادة، وفي الأسحار، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير، وقد قام طول الليل، فكيف من لم يقم؟!. " فتاوى السبكي " (٢/ ٥٦٠). (وقال القرطبي – ﵀: (وادعوه خوفاً وطمعاً) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب، وتخوف، وتأميل لله ، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر، يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما: هلك الإنسان، قال الله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) الحِجر/ ٤٩، ٥٠. " تفسير القرطبي " (٧/ ٢٢٧). (فصلٌ في منزلة المراقبة: [*] (عناصر الفصل: (تعريف المراقبة: (من روائع القصص في المراقبة: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (تعريف المراقبة: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وقال تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ [الأحزاب: ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] إلى غير ذلك من الآيات وفي حديث جبريل ﵇: أنه سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك،

стр. 3568

«المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه» فاستدامته لهذا العلم واليقين: هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيبٌ عليه ناظرٌ إليه سامعٌ لقوله وهو مطلعٌ على عمله كل وقت وكل لحظةٍ وكل نفسٍ وكلُ طرفةِ عينٍ، والغافل عن هذا بِمَعْزِلٍ عن حال أهل البدايات فكيف بحال المريدين فكيف بحال العارفين. (قال الجريري: من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة: لم يصل إلى الكشف والمشاهدة. (وقيل: من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه. (وقيل لبعضهم: متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة فقال: إذا علم أن عليه رقيبا. (وقال الجنيد: من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه لا غير. علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله وتصغير ما صغر الله. (وقيل: الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعد عن المعاصي والمراقبة تؤديك إلى طريق الحقائق. (وقيل: المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة. (وقال الجريري: أمرنا هذا مبني على فصلين: أن تلزم نفسك المراقبة لله وأن يكون العلم على ظاهرك قائما. (وقال إبراهيم الخواص: المراقبة خلوص السر والعلانية لله . (وقيل: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق: المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم. (وقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري: إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك «فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك» وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر: سبب لحفظها في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره: حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته و المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها: حصلت له المراقبة والله أعلم. (ولله درُ من قال: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب (من روائع القصص في المراقبة: (حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر، فدخلوا في غار في جبل، فانحطت عليهم صخرة، قال: فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه.

стр. 3569

فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب، فآتي أبواي فيشربان، ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة، فجئت فإذا هما نائمان، قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما، حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة نرى منها السماء، قال: ففرج عنهم. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا فرجة، قال: ففرج عنهم الثلثين. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته، وأبى ذلك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطيني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا، فكشف عنهم). (الشاهد: «اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها» وأنه ما فعل ذلك إلا تيقظه لمراقبة الله تعالى وأنه مُطَّلعٌ على ظاهره وباطنه. [*] (أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن وهب بن منبه قال: «قالت امرأة العزيز ليوسف: القيطون، فادخل معي. قال: إن القيطون لا يسترني من ربي» [*] (وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن محمد بن يحيى قال: سمعت شيخا يكنى أبا عبد الرحمن العتبي يحدث عن أعرابي قال: «خرجت في بعض ليالي الظلام، فإذا أنا بجارية كأنها علم، فأردتها عن نفسها، فقالت: ويلك أما كان لك زاجر من عقل، إذ لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت: إنه والله ما يرانا إلا الكواكب. قالت: فأين مكوكبها؟» [*] (وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن عن زر بن أبي أسماء: «أن رجلا دخل غيضة فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية، من كان يراني؟ فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي (١) الغيضة (٢) (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: ١٤] (١) اللابة: الصحراء تكثر بها الحجارة السوداء (٢) الغيضة: الأجمة وهي الشجر الملتف

стр. 3570

[*] (وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن إبراهيم بن الجنيد قال: حدثنا شيخ من عبد القيس قال سمعتهم يقولون: «إن رجلا أراد امرأة عن نفسها فقالت له: أنت قد سمعت الحديث وقرأت القرآن وأنت أعلم، فقال لها: فأغلقي أبواب القصر، فأغلقتها، فدنا منها، فقالت: بقي باب لم أغلقه قال: أي باب؟ قالت: الباب الذي بينك وبين الله ﵎. قال: فلم يعرض لها» [*] (وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن الأصمعي قال: «خلا رجل من الأعراب بامرأة، فهم بالدنيئة حتى تمكن منها، ثم تنحى سليما وجعل يقول: إن امرءا باع جنة عرضها كعرض السماء والأرض بقتر ما بين رجليكِ لقليل البصر بالمساحة» (فصلٌ في منزلة تعظيم حرمات الله : [*] (عناصر الفصل: (منزلة تعظيم حرمات الله من منازل السائرين: (كيف يتم تعظيم حرمات الله تعالى: [*] (من مظاهر تعظيم حرمات الله : (الذي أهلك المسلمون تهاونهم بصغائر الذنوب: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (منزلة تعظيم حرمات الله من منازل السائرين: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة تعظيم حرمات الله قال الله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] (قال جماعة من المفسرين: حرمات الله ههنا مغاضبه وما نهى عنه و تعظيمها ترك ملابستها. (قال الليث: حرمات الله: ما لا يحل انتهاكها. (وقال قوم: الحرمات: هي الأمر والنهي. (وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه. (وقال قوم: الحرمات ههنا المناسك ومشاعر الحج زمانا ومكانا. (والصواب: أن الحرمات تعم هذا كله وهي جمع حرمة وهي ما يجب احترامه وحفظه: من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن فتعظيمها: توفيتها حقها وحفظها من الإضاعة. ﴿تنبيه﴾: (إن المتأمل بعين البصيرة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] يجد معنىً دقيق في قوله «فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» لأن تعظيم حرمات الله و شرائعه يعود نفعه إلى الفرد نفسه، إذ يحتسبه الله له، فيجازيه خيرا منه، سواء في الدنيا بزيادة البركات، أو في الآخرة بالجنات.

стр. 3571

ثم قال الله تعالى: (وَأُحِلّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ) [الحج: ٣٠] إن الله احل لنا بهيمة الأنعام إلا النزر اليسير، كالموقوذة و المتردية و النطيحة و ما أكل السبع، و إن الالتزام بما احل الله و بما حرم، هو جوهر التقوى و أهم مصاديقه. ثم قال الله تعالى: قال تعالى: (فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزّورِ) [الحج: ٣٠] هذا الشطر من الآية يبين الأبعاد المعنوية للتقوى، فتنقل الإنسان من اجتناب اللحوم المحرمة، إلى اجتناب الرذائل الخلقية التي تضر بكرامة الإنسان، بل تضر المجتمع و تسيء إليه كله. (كيف يتم تعظيم حرمات الله تعالى: لا يكون تعظيم حرماته ﷻ إلا بعد العلم بوجوبها والإقرار بها والقيام بحقوقها ثم إقامة شرعه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أأدخل الجنة؟ قال نعم، قال والله لا أزيد على ذلك شيئا. ((حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. إذن فإن المؤمن الحق هو الذي يعظم حرمات الله ويستشعر هيبته ويخضع لجلاله، أما الغافلون والعصاة فيتهاونون بالذنوب ويجاهرون بالمعاصي، (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترمذي موقوفاً) قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار. (قال بلال بن سعد ﵀: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظم من عصيت).

стр. 3572

﴿تنبيه﴾: (إذا كان يتوجب على المسلمين عموماً أن يكونوا حاضرين في كل مشهد تعظم لله فيه حرمة، ويقام فيه لله قومة، ولدينه بنصرة؛ فإن على العلماء والدعاة وقادة الرأي الواجب مضاعفاً أن يقوموا باحتضان هذا التعظيم ورعايته وترشيده، وفتح آفاق جديدة نحو ترشيده، وفقاً لآليات تأخذ في اعتبارها كل جديد لديها أو كل ما يستجد في المقابل من حملات الطعن والانتهاك لهذه الحرمات من أعداء هذا الدين، الذين لا تطرف لهم عين إلا وهم في مسعى دؤوب للنيل من هذا الدين ومقدساته وحرماته، بما يفرض على هؤلاء النخبة دوراً أكثر فاعلية وتطوراً وإبداعاً. إن الواجب حتم على هؤلاء النخبة أن يلتئم جمعهم خلال الأيام القليلة الماضية لوضع النقاط على حروف الرغبة في تقديم روشتة علاجية تتضمن آليات توضع على الفور موضع التنفيذ للحؤول دون تفاقم المشكلة الناتجة عن تنامي العداء للإسلام، كما يجب تشكيل لجنة لمراقبة ورصد التعديات على مقدسات المسلمين حول العالم، سواء منها ما يحدث خارج ديار الإسلام، وذاك الذي اخترق حجبنا فنالنا من داخل بلداننا الإسلامية من الطابور الخامس، وإلى مناظرة الفكر العدائي للدين لدى الآخرين بمراكز بحثية لدراسات الاستشراق والغرب، وبمفاعيل الإعلام والفكر والمناظرات الحججية، ولجنة أخرى لملاحقة مجرمي العداء للإسلام ومقدساته قضائياً وفقاً للأنظمة الحقوقية، وحمل الحكومات والهيئات والجهات المعنية على تحمل مسؤولياتها في الدفاع عن مقدسات الإسلام، والضغط على المعتدين بسلاح المقاطعة الاقتصادية وغيرها، وتنسيق الجهود من أجل أن يغادر الحديث عن تعظيم حرمات الله حيز الكلام إلى منطقة الفعل التي حذر أكثر من متحدث من ألا تصل إليها. وقد قدَّم بعض أهل العلم توصيات ذهبية صادرة عن إخلاص وحسن طوية في مجال واجب الأمة في تعظيم حرمات الله تعالى، هذه التوصيات حُقَّ لها أن تُنْقَش على الصدور وأن تُكتبَ بماء الذهب، فارعها سمعك وفكرك وأن تجد لها في سمعك مسمعاً وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بها ويُوَفِقْك إلى تطبيقها، وهاك التوصيات: (

стр. 3573

أولاً: حق الأمة الإسلامية في الدفاع عن دينها وعقيدتها وشريعتها، بكل السبل المشروعة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، ويدعو إلى استثمار عاطفة الجماهير وتوجيهها نحو الوسائل الأرشد، ويحث المسئولين على التكاتف مع الشعوب الإسلامية في حماية هويتها، وحرماتها وقيمها من حالات التجاوز والتطاول على الثوابت داخل ديار المسلمين، والتي تعدّ إحدى أسباب زيادة جرأة بعض غير المسلمين على حرمات الأمة ورموزها. ثانيًا: التعدي على الحرمات نقطة فاصلة في علاقة الأمة بغيرها، يتم التأكيد على أن الاعتداء على الثوابت والشعائر، سواء كان ذلك من الداخل أم من الخارج، يعتبر اعتداءً على جميع الأمة، تجب الحيلولة دونه. كما أن القيام بهذه الواجبات ينبغي أن يكون فرصة للاجتماع والائتلاف على القواسم المشتركة بين الإسلاميين, على اختلاف بلدانهم وتوجهاتهم. ثالثًا: الاعتداء على الإنسان المسلم اعتداءٌ على جموع الأمة، فحرمة الإنسان في الإسلام هي من أعظم الحرمات، ولهذا فإن الاعتداء على أرواح وأعراض وأموال المسلمين, هو انتهاك لحرمات الشريعة وحدودها، ((والمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم))؛ لذا يطالبون لأجل ذلك بالكفّ عن الاستهانة بالدم المسلم من المعتدين ومن يساندونهم. رابعًا: التحرك العملي البنّاء لحماية حرمات الأمة مع التأكيد على رفض كل أنواع الاعتداء تجاه عقيدة المسلمين وشريعتهم، فإنه يوصى بتحويل ذلك الرفض النظري إلى تحرك عملي جاد ومستمر على المستويات الرسمية والشعبية؛ لإظهار أن الأمة الإسلامية لا تقبل المساس بمقدساتها وحرماتها. خامسًا: أهمية تضافر الجهود الإعلامية والفكرية والثقافية للتأكيد على مكانة الأنبياء فقد تفشت ظاهرة انتشار الاستهزاء بأنبياء الله ـ صلوات الله عليهم ـ في وسائل الإعلام الغربية تحديدًا، ومن خلال العديد من المواقع الإلكترونية الغربية، ومن خلال الكثير من الأعمال الفكرية والفنية والثقافية في الحياة الغربية المعاصرة. وصاحَب ذلك تزايد نفس الظاهرة في بعض المنتديات الفكرية العربية، ومن خلال عدد من وسائل الإعلام العربية أيضًا. لذا يوصى أن تتضافر الجهود من أجل الحفاظ على منزلة ومكانة الأنبياء، ولسن الأنظمة الدولية التي ترعى حرمتهم، وتصونها من العبث الفكري والإعلامي والثقافي، وأن تكون الأمة الإسلامية في طليعة المطالبين بذلك.

стр. 3574

سادسًا: إنشاء ودعم مراكز الدراسات المتخصصة في دراسات الاستشراق والغربن فإن الأمة الإسلامية تعاني من ندرة المراكز الفكرية المتخصصة في التعرف على الفكر الغربي، والقادرة على التصدي للمواقف الفكرية والإعلامية والثقافية الغربية، التي تنال من حرمات الأمة، أو تعتدي على شعائرها ورموزها. لذا, يوصى أن تعنى الأمة في المرحلة القادمة بإنشاء العديد من المراكز الفكرية والإعلامية المتخصصة في فهم الغرب، وفي توجيه دفعة التعامل مع الفكر الغربي، ومع المواقف الإعلامية الغربية التي تؤثر على الأمة الإسلامية سلبًا أو إيجابًا. كما يرى المؤتمر أهمية إيجاد فريق عمل فكري يوصف أفراده بالعلم الشرعي والاطلاع الفكري على الغرب وامتداداته في بلاد المسلمين؛ لإدارة هذه المواجهة الفكرية بكفاءة. سابعًا: إصدار دراسات متخصصة في استراتيجيات الأمة في تحجيم الإساءات الموجهة ضد دينها وحرماتها: إن قسمًا كبيرًا من أسباب قلة تأثير مواقفنا المعارضة لتلك التصرفات المعادية، يعود إلى نوع من القصور يشوب فهم دوافع المعتدين والمتجرئين على ديننا وثوابتنا، وهو ما يؤدي إلى بعض التضارب والتناقض في المواقف. لذا يوصى بالمزيد من التعمق في دراسة تلك الظاهرة ودوافعها وأبعادها، على أن تتحول فيما بعد إلى دراسات شاملة تكشف جوانب الموضوع، وتطرح استراتيجيات التعامل معه. ثامنًا: أهمية تفاعل الحكومات والمؤسسات الرسمية مع بقية الأمة، فيجب على الحكومات العربية والإسلامية، والهيئات والفعاليات السياسية والدبلوماسية، اتخاذ مواقف أصح وأصرح، للتعبير عن دين الأمة وهويتها، إذ لا يعقل أن تكون كثير من ردود الأفعال الرسمية تجاه التدخل في تفاصيل الشئون الداخلية، أهم وأكبر من اقتحام واستباحة حرمات الأمة كلها من أطراف خارجية أو داخلية. تاسعًا: ضرورة تأكيد مناهج الدراسة في العالم الإسلامي على تعظيم الحرمات، واحترام الأنبياء، والاقتداء بالصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ. ويتم ذلك بدعوة إلى وزارات التربية والتعليم في العالم الإسلامي، وإلى القائمين على مسيرة تطوير مناهج التعليم في الأمة الإسلامية للتأكيد على تعظيم الشعائر والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، والصحابة ـ رضي الله تعالى ـ عنهم من خلال البرامج التعليمية التي تربي الأجيال الناشئة من الأمة على تعظيم حرمات الإسلام.

стр. 3575

عاشرًا: دعوة وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية إلى تعظيم حرمات الإسلام والمسلمين، وعدم استفزاز عموم الأمة بالتطاول على الثوابت مع الإنكار التام على بعض وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية، انسياقها مع الحملات المغرضة في التهجم على حرمات الإسلام وشعائره ورموزه، ويوصى بالمواجهة الرسمية والشعبية الحاسمة لهذه الحملات، ومنع استمرارها بالطرق الشرعية الممكنة. كما يوصى القائمين على وسائل الإعلام العربي والإسلامي, أن يكونوا درعًا للأمة في صد الحملات الخارجية، وأن لا يتحول البعض منهم إلى سلاح ضد الأمة بدلاً من أن يكون سلاحًا لها. الحادي عشر: إنشاء لجنة إسلامية قانونية للدفاع عن الحرمات الإسلامية، ويتم ذلك بتكوين لجنة قانونية متخصصة تسعى إلى ضمان عدم التعدي على الحرمات الإسلامية، وتجريم الإساءة إلى ثوابت الدين، والملاحقة القضائية والقانونية للمتجاوزين من غير المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام، وتحميلهم المسئولية الشرعية، والتنسيق مع اللجان الأهلية والحكومية العاملة في المجال نفسه؛ من أجل توحيد الجهود وتعزيزها. وقد بادر بعض القانونيين في كلية الحقوق في الكويت بتقديم مشروع متكامل في هذا الصدد. الثاني عشر: التركيز على الجهود الدعوية الرامية إلى تعريف الغربيين بالإسلام مع التأكيد على أهمية الجهود الدعوية في الدفاع عن حرمات الأمة عن طريق تعريف الغربيين بالإسلام من خلال البرامج الإعلامية والفكرية الموجهة، والقنوات الفضائية المتخصصة في مخاطبة الغرب، والتركيز على مخاطبتهم بالأساليب الدعوية المناسبة للشخصية الغربية. الثالث عشر: أهمية دور الجاليات الإسلامية في الغربوالحرص التام على الاستفادة من الجاليات المسلمة في الغرب، كخط دفاع أول في مواجهة ظاهرة التطاول. [*] (من مظاهر تعظيم حرمات الله : (من تعظيم حرمات الله توحيده وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له وطاعته في السر والعلن والسراء والضراء واليقين بأنه لا إله إلا الله.
следующие страницы →