Полный текст (6 619 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
(النوع الثالث: وقوف همته عند الخدمة. وذلك علامة ضعفها وقصورها. فإن العبد المحض لا تقف همته عند الخدمة. بل همته أعلى من ذلك؛ إذ هي طالبة لرضا مخدومه. فهو دائما مستصغر خدمته له. ليس واقفا عندها. والقناعة تحمد من صاحبها إلا في هذا الموضع. فإنها عين الحرمان. فالمحب لا يقنع بشيء دون محبوبه، فوقوف همة العبد مع خدمته وأجرتها: سقوط فيها وحرمان.
(فصلٌ في منزلة التوكل:
[*] (عناصر الفصل:
(تعريف التوكل:
(حقيقة التوكل:
(الفرق بين الحسب والتأييد:
(تحقيق مراتب التوكل:
(الأمور التي تضاد التوكل:
(فضائل التوكل:
(حكم التوكل:
(صورٌ من توكل النبي ﷺ :
(صورٌ مشرقة للمتوكلين على الله:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(تعريف التوكل:
(التوكلُ هو: صدقُ الاعتماد على الله تعالى في جلب النفعِ أو دفع الضُرِ، وذلك بالأخذِ بالأسبابِ المشروعة دون التعلقِ بها ثم الرضا بالمقضي.
﴿تنبيه﴾: (لا يتمُ التوكلُ إلا بشيئين أساسيين:
(١) التفويضُ قبل حدوثِ المقضي: فبعد أن يصدُق الإنسان في اعتماده على الله يُفَوِّضُ أمره إلى الله تعالى بمعنى أنه يُلقي أمره إلى الله يُصَرِّفْه كيف يشاء.
(٢) الرضا بعد حدوث المقضي: فمن لم يرضى بالمقضي فتوكله فاسد، ولذا يحسن بالإنسان أن يقول بعد تحقيقِ أسبابِ التوكل [اللهم إنا فوضنا أمرنا إليك راضِين بما قضيت فاقدر لنا الخيرَ حيث كان]
﴿تنبيه﴾: (من لم يأخذ بالأسبابِ المشروعةِ فتوكله فاسد، فمثلاً لو أن إنسان زعم أنه صدق في اعتماده على الله تعالى في حصولِ الولد ولكنه لم يتزوج فهل يُعَدُ هذا متوكلاً على الله؟ بالطبع لا، ليس هذا توكلاً إنما هذا سفهٌ وحماقة.
ولعل أوضح حديثٍ يبين ُ التوكلَ بشقَيْه قبل حدوث المقضي وبعده هو حديث الاستخارة.
(حديثُ جابر في صحيح البخاري) قال كان رسولُ الله يُعلمُنا الاستخارة في الأمورِ كلها كالسورةِ من القرآن، إذا همَّ أحدكم بالأمرِ فليركع ركعتين من غيرِ الفريضةِ ثم يقول: اللهم إني أستخِيرُك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدرُ ولا أقدرُ وتعلمُ ولا أعلمُ وأنت علاَّمُ الغيوب، اللهم إن كنت تعلمُ أن هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري _ أو قال عاجل أمري وآجله _ فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمرَ شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري فاصرفْه عني واصرفني عنه ثم ارضِني به، ويُسَمِّي حاجته.
стр. 3607
﴿تنبيه﴾: (من حقق التقوى والتوكل، اكتفي بذلك في مصالح دينه ودنياه.
قال الله : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾
[الطلاق: من الآية ٢، ٣]
وقال تعالى: (وَمَن يَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق / ٣]
(حديث عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكّلُونَ عَلَى الله حَقّ تَوَكّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً».
[*] قال أبو حاتم الرازى: هذا الحديث أصل في التوكل وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق.
[*] وقال سعيد ابن جبير: " التوكل جماع الإيمان"، وتحقيق التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب التي قدر الله المقدرات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطى الأسباب، مع أمره بالتوكل، فالسعى في الأسباب بالجوارح طاعة لله، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ (النساء: من الآية ٧١).
[*] قال سهل: " من طعن في الحركة يعنى في السعى والكسب فقد طعن في السنة، من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان"، فالتوكل حال النبى ﷺ والكسبُ سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سننه.
وقيل: " عدم الأخذ بالأسباب طعن في التشريع، والاعتقاد في الأسباب طعن في التوحيد ".
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اعقِلْهَا وَتَوَكَلْ.
(والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
(القسم الأول: الطاعات التي أمر الله بها عباده، وجعلها سبباً للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله، مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء سبحانه كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصّر في شيء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعاً وقدراً.
قال يوسف بن أسباط: " قال اعملْ عملَ رجل لا ينجيه إلا عَمَلُه، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كُتب له ".
стр. 3608
(القسم الثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحر، والتدفؤ من البرد، ونحو ذلك، فهذا أيضاً واجب على المرء تعاطى أسبابه ومن قصّر فيه حتى تضرر بتركه – مع القدرة على استعماله – فهو مفرط يستحق العقوبة.
(القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة في ذلك لمن شاء من عباده وهي أنواع: كالأدوية مثلاً وقد اختلف العلماء: هل الأفضل لمن أصابه المرض لتداوى أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟
فيه قولان مشهوران، وظاهر كلام الإمام أحمد أن التوكل لمن قوى عليه للحديث الآتي:
(حديثُ ابن عباس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: عُرِضت عليَّ الأمم فجعل يمرُ النبي معه الرجل والنبيُ معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد، ورأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فرجوتُ أن تكون أمتي فقِيل هذا موسى وقومه، ثم قِيل ليَ انظر هكذا وهكذا فرأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فقِيل هؤلاء أمتُك ومع هؤلاءِ سبعون ألفاً يدخلون الجنةَ بغيرِ حساب فتفرَّقَ الناسُ ولم يبينْ لهم، فتذاكرَ أصحابُ النبيِ ﷺ فقالوا نحن وُلدنا في الشرك ولكن هؤلاء أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال ﴿هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون﴾ فقام عُكَّاشةُ ابن مِحصن فقال: أمنهم أنا يا رسولَ الله؟ قال: أنت منهم، فقام آخر فقال أمنهم أنا؟ قال: سبقك بها عُكَّاشة.
ومن رجح التداوي قال: إنه حال النبي ﷺ الذي كان يداوم عليه – وهو لا يفعل إلا الأفضل – وحمل الحديث على الرقى المكروهة، التي يخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة وكلاهما مكروه.
[*] قال مجاهد، وعكرمة، والنَخعى، وغير واحد من السلف: لا يرخص في تلك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكلية.
[*] سئل إسحق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: " إن كان الرجل مثل عبد الله بن جبير فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن له ".
(حقيقة التوكل:
[*] قال الزبيدي في تاج العروس:
стр. 3609
الثقة بما عند الله واليأس مما في أيدي الناس، فالتوكل على الله اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، مع كامل اليقين أن تعلم أن الله هو الرازق الخالق المحيي المميت لا إله غيره ولا رب سواه.
والتوكل يتناول التوكل على الله ليعينه الله على فعل ما أمره والتوكل على الله ليعطيه ما لا يقدر عليه، وكلاهما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فالاستعانة تكون على الأعمال والتوكل أعمّ من ذلك فالتوكل مجلبة لمنفعة، ودفع لمضرة.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]
فكن شاكراً لله ولا تخشَ شيئاً إذا فوضت أمرك لله، كن رجّاعاً لله متكلاً عليه؛ حينها ينصرك الله.
حقيقة التوكل عبادة واستعانة قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]
(انظر للمقارنة للتوكل مع العبادة والاستعانة بالله، فالتوكل أعمّ في جلب المنافع وهو دفع المضار حتى لو كانت في أشياء دنيوية والاستعانة على العبادة.
(والتوكل أعم من الاستعانة و قد جمع الله بين الأصلين في غير موضع كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فالعبادة له والاستعانة به والتوكل عليه وحده لا شريك له، الله إذا توكل عليه العبد يكفيه و هو حسب من توكل عليه والحسب هو الكافي، يمنع الشر عنك، يكفيك ما أهمك، يكفيك عدوك ..
لما قال الله لنبيه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ٦٤]، بعض الناس يظنون أن المعنى حسبك الله والمؤمنون حسبك أيضاً، يعني يكفونك مع الله، هذا خطأ بل حسبك الله وحسب من اتبعك، يكفيك ويكفيهم .. حسبك وحسبهم .. كلكم .. أنت وهم .. ، ولا يجوز حمل الآية على المعنى الآخر ..
стр. 3610
ولذلك الآية الأخرى (﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]
نعم هنا ممكن ..
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حاتماً الأصم قال ـ وكان من جملة أصحاب شقيق البلخي ـ وسأله رجل فقال: علام بنيت أمر هذا في التوكل؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي وعلمت أني لا أخلو من عين الله حين كنت فأنا مستحي منه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حاتماً الأصم يقول: من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلب في رضا الله: أولها الثقة بالله ثم التوكل ثم الإخلاص ثم المعرفة، والأشياء كلها تتم بالمعرفة.
[*] وأخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أحمد بن عبد الله، قال: قيل لحاتم غلام شقيق: علام بنيت علمك؟ قال: على أربع، عليّ فرض لا يؤديه غيري فأنا به مشغول وعلمت أن رزقي لا يجاوزني إلى غيري فقد وثقت به وعلمت أني لا أخلو من عين الله طرفة عين فأنا منه مستحي، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فأبادره.
(الفرق بين الحسب والتأييد:
مسألة: هل المؤمن يكفي يكون حسباً؟ ...
الجواب: لا، لكن يكون ناصراً ومؤيداً.
أيدك بالمؤمنين .. أن يؤيدونك وينصرونك .. هذه لا إشكال فيها .. ولا تضاد التوحيد ..
ولكن إذا قلت يكفونك .. من ذا يقدر على الكفاية .. ؟ .. من الذي يستطيع أن يكون حسباً يكفي غيره كل شر من الشرور؟ .. ما يقدر على هذا إلا الله ..
مسألة: ما معنى (﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]؟
مثل أذى الحر والبرد والجوع والعطش أما أن يضره العدو بما يبلغ به مراده (يعني الشيء الذي يريده العدو فيه) لا .. يعني إذا توكلت على الله لن يضروك إلا أذى، والآية دليلٌ أوفى على أن هناك فرقٌ شاسع بين الأذى والضر.
يعني الشيء الذي لابد منه ولكن ليس على ما يشتهي ويريد العدو .. ، يعني أثر خفيف .. مثل ما يحدث لك من الحر والبرد والجوع والعطش .. ، لكن لا يستطيعون أن يبلغوا ما يريدونه ويتمنونه إذا توكلت على الله ..
(وإذا كان الله قد جعل لكل عمل جزاء من جنسه فقد جعل جزاء التوكل عليه الكفاية، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ولو كاده كل من في الأرض جميعاً .. !!
ولله درُّ من قال:
وإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت سبل الخلاص وخاب فيها الآمل
وأيست من وجه النجاة فما لها سبب ولا يدنو لها متناول
стр. 3611
يأتيك من ألطافه الفرج الذي لم تحتسبه وأنت عنه غافل
والثقة بالله والتوكل عليه وتفويض الأمور يليه يريح العبد نفسياً، لأنه الواحد مهما بذل أسباب ستبقى ثغرات يتحسب منها، ويبذل كذا وكذا لكن هذه لا يستطيع أن يفعل فيها شيء، ولو جاءوا ما استطعت .. ولو كادوا لي من هذه الجهة ما لي حيلة .. وضعنا احتياطات من هنا ومن هنا ولكن لو جاءوا من هنا لو فعلوا من هنا ماعندنا احتياطات ... !!، فيصبح العبد مهموماً حتى مع اتخاذ بعض الأسباب .. هناك أشياء لا يقدر عليها فالتوكل يريحه نفسياً .. الأشياء التي لا حيلة له فيها؛ الذي لا يتوكل قلق منها قلق جداً منها لأنه لم يعمل شيء في الموضوع، لكن من يتوكل على الله كفاه الله ما أهمه.
[*] قال الشيخ محمد المنجد حفظه الله في سلسلة أعمال القلوب:
قال لي أحدهم بعد الحج من أهل الشيشان: (جاء الروس اقتحموا علينا، وكنا في بيت فحاصرونا، وهرب من هرب، وبقيت أنا ذهبت إلى حفرة بجانب البيت يلقى فيها محصول البطاطس، ألقيت نفسي فيها ثم اقتحموا البيت و ابتدؤوا التفتيش و علا صياحهم واقتربوا من مكاني وأنا ماعندي سلاح ولا أستطيع أن أهرب .. حفرة .. ، قال لا عندي إلا التوكل على الله وتذكرت موقف من السيرة وآية من القرآن وجعلت أقرأها فسمعت القائد يقول للجندي اذهب وفتش الحفرة، وسمعت وقع خطواته وهو يقترب شيئاً فشيئاً من الحفرة وأنا في الحفرة وأنا مثل الفأر بالمصيدة، وأطل عليّ ونظر إليّ وذهب وقال لا يوجد أحد في الحفرة .. !، أنا استغربت .. عيني في عينه .. !!!!!!)، قلت له: وماذا كنت تقرأ؟، قال: إني تذكرت والذي خطر على بالي في ذلك الموقف القصة في سورة يس .. (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) .. ما عندي إلا التوكل على الله ..
فهناك أحوال كثيرة المخلوق لا يستطيع أن يفعل فيها شيئاً مادياً .. ماعنده إلا هذا التوكل ..
(تحقيق مراتب التوكل:
(التوكل على الله لابد من تحقيق مراتب فيه وهي كما يلي:
(١) معرفة الرب وصفاته، من قدرته وكفايته وقيوميته، أنت تتوكل على الله وتعتمد عليه يجب أن تكون مؤمنا بقوة الله وقدرته وأنه يكفيك، فالذين يعطلون أسماء الله وصفاته ويلحدون فيها سيخلون بهذه المرتبة ..
стр. 3612
(٢) إثبات الأسباب والمسببات وأنها لا تستقل بنفسها في التأثير، وإن جحد الأسباب وقال كل سبب معطل، هذا غبي مجنون .. ، هناك أسباب، تَنْكِحُ ليأتيك الولد وتبذر ليخرج الزرع .. ، ولذلك أتت القاعدة الذهبية ﴿اعقلها وتوكل﴾ بنص السنة المحمدية كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: اعقِلْهَا وَتَوَكَلْ.
وأحياناً لا يجد الواحد إلا الدعاء، ونعم السبب .. ، والله عَلَمَ عباده الأخذ بالأسباب فقال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) الملك: ١٥]
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾
[الجمعة:١٠]
(فالذي يقول لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي جاهل بشرع الله وجاهل بقدر الله .. ، قال ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
يضربون: أي يسافرون و يذهبون ويتاجرون، وكان أصحاب النبي ﷺ يتاجرون في البر والبحر .. ويعملون في نخيلهم وكان غسل الجمعة .. لماذا أمروا به .. ؟ .. لأنهم كانوا عمال أنفسهم .. يعملون في الحر والنخيل .. العرق يرشح على ملابس الصوف فيكون لها رائحة كريهة في المسجد، فقيل لهم (لو اغتسلتم) كما في البخاري،
[*] ولما سئل الإمام أحمد ﵀ عن هؤلاء الذين يزعمون أنهم متوكلة ويقولون نقعد وأرزاقنا على الله ، قال الإمام أحمد: هذا قول رديء أليس الله قد قال (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩،١٠].؟،
[*] وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن قوم لا يعملون ويقولون نحن المتوكلون فقال: هؤلاء مبتدعون) ..
(٣) ومن المقامات التي يجب تحقيقها رسوخ القدم في طريق التوحيد .. ، فالعبد إذا حقق التوحيد كان له من التوكل النصيب العظيم ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] توحيد وتوكل بعده ..
(٤) الاعتماد على الله في كل الأمور، بحيث يفوض إليه سائر أموره ..
стр. 3613
(٥) أن يحسن الظن بالله وتفويض الأمور إلى الله كلها ويكون بيد الله أوثق منه بما في يده، لا يضطرب قلبه ولا يبالي بإقبال الدنيا وإدبارها لأن اعتماده على الله .. ، فحاله كحال إنسان أعطاه ملك درهم فَسُرِقَ منه، فقال الملك عندي أضعافه فلا تهتم .. متى جئت أعطيتك أضعافه من خزائني، فمن يعلم أن الله ملك الملوك خزائنه ملأى فلا يقلق إذا فات شيء فإن الغني يعطيه الله بدلاً منه .. فَيُحْسِنُ الظن بالله امتثالاً للحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً.
فحسن الظن يدعو إلى التوكل على الله، أنت تتوكل على من تظن أنه سينفعك، وإن الإنسان إذا علم وتيقن أن الله هو الغني القادر الحسب الكافي فيتوكل عليه ..
(٦) استسلام القلب لله ، فإذا استسلم كاستسلام العبد الذليل لسيده وانقياده له حصل التوكل ..
(٧) التفويض، قال تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] أي أتوكل عليه وأستعينه مع مقاطعتي و مباعدتي لكم خدعتموني ..
[*] قال ابن مسعود: إن أشد آية في القرآن تفويضاً" ومن يتوكل على الله فهو حسبه"،
[*] قال ابن القيم ﵀ نقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله والرضا بعده"من وجهة نظر الدين والتوحيد"، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضى بالمقضي بعد الفعل فهذا إنسان قائم بالعبودية فعلاً) .. ولذلك انظر إلى دعاء الاستخارة: واقدر لي الخير حيث كان كله ثم ارضني به، فالتوكل إذاً على الله تفويض قبل وقوع المقدور ورضى بعد وقوع المقدور ..
(الأمور التي تضاد التوكل:
(١) التطير والتشاؤم .. قال ﷺ (لا طيرة) كما في الحديث الآتي:
(حديثُ أبي هريرةَ في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا عدوى ولا طِيَرَة ولا هامةُ ولا صفر وفرَّ من المجذومِ فرارك من الأسد.
стр. 3614
والتطير والتشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع، كمن يرى أعور فيتشائم به، ويرى طيراً ذهب شمالاً فيتشاءم به، يريد أن يذهب لسفر أو زواج فيلغي المشروع .. ، هذا ينافي التوكل على الله .. ، قال مثلاً كرسي الحجز في الطائرة ١٣ .. هذا ما أركب فيه .. هذا شؤم .. ، تجنب الرقم ١٣ ليس من الأسباب المشروعة إطلاقاً، ذهب يضرب صفقة مع رفيقه فرأى حماته، فقال هذا نذير شؤم .. ما دخلها .. ؟!!، فالتطير والتشاؤم منافي للتوحيد،
(ولما جاء أحد المنجمين لعلي ﵁ وهو خارج لقتال البغاة، قال هنا الآن نوء العقرب إذا خرجت يا علي ستخسر في المعركة وتنهزم فخرج علي ثقة بالله وتوكلاً عليه وكتب الله له في تلك الغزوة والخروج البركة والخير والفلاح والانتصار، ولذلك المرء يتعمد مخالفة العرافين والكهنة .. ، فإذا قال له كاهن خروجك هذا شر والنجم كذا فليقل بل مخالفة لك وإيماناً بالتوحيد وإيماناً بالسنة سأخرج و أخالفك يا أيها الدجال والمشعوذ .. وإتيان الكهان والتعلق بهم .. ، تعليق التمائم يخالف التوكل .. ، لأن الإنسان (من تعلق شيئاً وكل إليه) بنص السنة الصحيحة كما في الحديثين الآتيين:
(حديث ابن مسعود في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال إن الرُقى والتمائمَ والتِوَلَةَ شرك.
(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئاً وُكِلَ إِلَيْهِ».
стр. 3615
(لذلك فإن الإنسان لو علق أشياء ولو بالقرآن يتعلق قلبه بالجلد هذا والورق والحبر المكتوب مع أن المفترض أن يتعلق قلبه بالله وليس بأوراق وجلود يجعلها على معصمه أو يعلقها في رقبته، وبعضهم يقول هذه أسباب .. !!!! .. ،هذا خلافنا مع بعض الناس .. أمرنا باتخاذ أسباب شرعية .. أو أي أسباب .. ؟!!!! .. ، التوكل لابد أن يكون معه أسباب شرعية .. ، فالذي يلبس حلقة أو خيط أو يتبرك بالأشجار ويكتب التعاويذ ويعلقها هذه أسباب غير مشروعة فكيف تتخذها .. ؟!!. (من تعلق شيئاً وكل إليه) وحرم من التوكل على الله وصار توكله على هذا الشيء الموضوع، لذلك ترى الناس الذين توحيدهم ضعيف يكثر من هذه الأشياء .. يعلق في السيارة والبيت وعلى رقبته وأولاده ومنها أشياء شركية وكذا .. لأنه يريد أي أسباب .. ما عنده توحيد وتوكل قوي فهو خائف ويريد أي سبب فيفعل أي شيء ولو كان غير مشروع، لذلك ينقلب على عقبيه ويرتد على دبره ولا يحصل له ما يريد ويبقى في خوف وهم ..
(٢) ولابد في التوكل على الله من السعي في طلب الرزق، وهذا مهم جداً في عصر شاعت فيه البطالة، بعض الناس يتواكلون على بعض، والابن على أبيه والأخ على أخته الموظفة، وكثير منهم لا يريدون العمل، والله أرشدنا وفتح أبواب لطلب الرزق وأشياء مذكورة في الكتاب والسنة منها ما يلي:
(أ) العمل باليد فإنه ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من عمل يده بنص السنة الصحيحة كما يلي:
(حديث المقدام بن معد يكرب الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: (ما أكل أحدٌ طعامٌ قط، خيرٌ من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكلُ من عمل يده)
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حَبْله، فيحتطبَّ على ظهره، خيرٌ له من أن يأتيَ رجلاً فيسألَه، أعطاهُ أو مَنَعه)
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: (كان زكرياء نجاراً)
(ب) التجارة وهي عمل كثير من المهاجرين وكذلك الأنصار قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]
وعبد الرحمن بن عوف قال: (دلوني على السوق)
стр. 3616
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري أمرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال: بارك الله في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فأتى السوق فربح شيئا من أقط وشيئا من سمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال: (مَهْيَم يا عبد الرحمن) فقال: تزوجت أنصارية، قال: (فما سقت اليها)، قال وزن نواة من ذهب، قال: (أولم ولو بشاة).
وكان الصحابة يغدون إلى السوق ويشترون ويبيعون بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات - إلى قوله - الرحيم﴾. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.
(ج) الحرث والغرس والزرع، والزراعة فيها ميزة في التوكل على الله أكثر من غيرها فالمزارع إذا بذر عنده في قلبه توكل على الله أكثر من التاجر، كلهم يحتاجون التوكل لكن الزارع أكثر، فبعضهم قدم الزراعة من هذه الجهة لما فيها من مزيد تعلق القلب من الله في رجاء حصول النماء والنبات لهذا المحصول و بأن الثمرة تظهر ولا يصيبها آفة وهكذا ..
ثم إن الإنسان يبذل الأسباب في العلاج لأنه ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له شفاء بنص السنة الصحيحة كما يلي:
(حديث أسامة ابن شريك الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ما أنزل الله داءاً إلا أنزل له شفاء ا.
(حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن .
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: الدواء من القدر و قد ينفع بإذن الله تعالى.
стр. 3617
(لكن الأسباب في العلاج غير طلب أسباب الرزق، لأن التداوي ماهو إلا أخذ بالأسباب في هذا المجال ..
(فضائل التوكل:
(١) التوكل مقام جليل عظيم الأثر، بل ومن أعظم واجبات الإيمان وأفضل الأعمال والعبادات المقربة إلى الرحمن، وأعلى مقامات توحيد الله ، فإن الأمور كلها لا تحصل إلا بالتوكل على الله والاستعانة به، ومنزلة التوكل قبل منزلة الإنابة لأنه يتوكل في حصول مراده فهي وسيلة والإنابة غاية، وهو من أجل المراتب وأفضلها وأعمها قدراً ..
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة.
والتوكل متعلق بكل أمور العبد الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها. ومنزلته أجمع وأوسع المنازل ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين .. !!
التوكل يتعلق بكل شيء واجبات ومستحبات ومباحات ولقد كثرت حوائج الناس ولابد لهم من التوكل على الله في قضائها.
فمنزلة التوكل تشتد الحاجة إليها وعباد الله تعالى حقاً إذا نابهم أمر من الأمور فروا إلى الله منيبين إليه ومتوكلين عليه، وبذلك يسهل الله الصعاب وييسر الله العسير ويحقق العبد ما يريد وهو مطمئن البال هاديء النفس راضٍ بما قضاه الله وقدره.
[*] قال ابن القيم ﵀: ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل من مكانه وكان مأموراً بإزالته لأزاله.
فالمسلم لا يرى التوكل على الله في جميع أعماله واجباً فقط بل يراه فريضة دينية ليس متعلقاً فقط بالأمور الدينية بل بالأمور الدنيوية وليس بالأمور الدنيوية وطلب الرزق فقط بل بعبادة الله فهو عقيدة، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]
ولهذا كان التوكل على الله نصف الدين، بل هو الواجب لأنه أصل من أصول الإيمان.
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
فإن التوكل على الله واجب من أعظم الواجبات كما أن الإخلاص لله واجب وقد أمر الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء وغسل الجنابة، ونهى عن التوكل على غيره سبحانه.
[*] قال ابن القيم ﵀: والتوكل جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضا لا يتصور وجودٌ بدونها.
стр. 3618
[*] وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: ((الأصل الجامع الذي تتفرع عنه الأفعال والعبادات هو التوكل على الله وصدق الالتجاء إليه والاعتماد بالقلب عليه وهو خلاصة التفريد ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من المحبة والخوف والرجاء والرضا به رباً وإلهاً والرضا بقضائه بل ربما أوصل التوكل بالعبد إلى التلذذ بالبلاء وعدّه من النعماء ﴿كما في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب﴾ فسبحان من يتفضل على من يشاء بما شاء والله ذو الفضل العظيم)).
(فالتوكل هو أحد مباني توحيد الإلهية كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وأيضاً يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]
وهذا التوكل لا يقوم به على وجه الكمال إلا خواص المؤمنين كما في صفة السبعين ألفاً، فالذي يحقق التوكل ليس كل الناس بل هم طائفة قليلة من الناس ذكرهم النبي ﷺ : وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديثُ ابن عباس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: عُرِضت عليَّ الأمم فجعل يمرُ النبي معه الرجل والنبيُ معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد، ورأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فرجوتُ أن تكون أمتي فقِيل هذا موسى وقومه، ثم قِيل ليَ انظر هكذا وهكذا فرأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق فقِيل هؤلاء أمتُك ومع هؤلاءِ سبعون ألفاً يدخلون الجنةَ بغيرِ حساب فتفرَّقَ الناسُ ولم يبينْ لهم، فتذاكرَ أصحابُ النبيِ ﷺ فقالوا نحن وُلدنا في الشرك ولكن هؤلاء أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال ﴿هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون﴾ فقام عُكَّاشةُ ابن مِحصن فقال: أمنهم أنا يا رسولَ الله؟ قال: أنت منهم، فقام آخر فقال أمنهم أنا؟ قال: سبقك بها عُكَّاشة.
стр. 3619
وكان من الصحابة المتوكلين عمران بن حصين وهو من سادات المتوكلين، ﵁، الذي كان به بواسير وكان يصبر على ألمها فكانت الملائكة تسلم عليه فاكتوى فانقطع تسليم الملائكة عليه ثم ترك الكي وصبر على الألم فعاد سلام الملائكة عليه.
(٢) التوكل على الله صفة علية من صفات عباد الرحمن وشعار يتميزون به عمن سواهم وعلامة بارزة لأهل الإيمان كما قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه ولا يطلبون الحوائج إلا منه ولا يرغبون إلا إليه ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه المتصرف بالملك لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب كما قال ابن كثير ﵀،
[*] وقال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان.
وقال عن أوليائه إبراهيم والذين آمنوا معه: (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]. أي توكلنا عليك في جميع أمورنا وسلمناها إليك وفوضناها إليك.
ولقوة إيمانهم وتوكلهم أمر الله أن نتخذهم أسوة حسنة ﴿إبراهيم والذين آمنوا معه﴾ هكذا توكلوا على الله وسلموا لله الأمور تسليماً مطلقاً. صحبوا التوكل في جميع أمورهم مع بذل جهد في رضا الرحمن.
وأصحاب نبينا محمد ﷺ في غزوة أحد الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل،
(حديث عن ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾. قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾.
فالتوكل هو عدة المؤمنين يوم يتوعدهم الناس ويخوفونهم بكثرة الأعداء. فكان أول شيء وآخر شيء قاله إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 3620
(٣) ومن الآيات الدالة على فضل التوكل قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
فإذا كان المؤمنون دائماً متوكلون على الله ملتجئون إليه بقولهم حسبنا الله ونعم الوكيل فأولى بأنبيائه أن يكونا أكمل توحيداً أو توكلاً من غيرهم.
وقد أمر الله بالتوكل وحث على ذلك في مواضع كثيرة كما في قوله تعالى (إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] في سبعة مواضع في القرآن الكريم: كما يلي:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
فالتوكل سبب لنيل محبة الله وهي الصفة التي تميز بها المؤمنون عن غيره ولذلك أوجب الله التوكل.
(٤) وصار المتوكل على الله من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، ونعتهم الله بالمقام الجليل العظيم. وضمن الله لمن توكل عليه القيام بأمره وكفايته أي أن يكفيه همه وأن ينصره ويحفظه فالله ناصر دينه وكتابه والله كافٍ عبده بأمان، قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ سورة الطلاق* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢،٣].
стр. 3621
[*] يقول ابن كثير ﵀: ومن يتق الله فيما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب أي من جهة لا تخطر بباله. وفي هذه الآية فضل التوكل وأنه من أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار كما في الحديث الآتي:
(حديث عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكّلُونَ عَلَى الله حَقّ تَوَكّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطّيْرُ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً».
فأفئدة الطير مليئة بالتوكل على الله ولو أننا توكلنا على الله كما يتوكل الطير لرزقنا مثل ما يرزق الطير،
(وقد وصف النبي ﷺ المتوكل على الله بوصفين:
(١) السعي في طلب الرزق.
(٢) الاعتماد على مسبب الأسباب.
وهذا الحديث مهم في فهم قضية التوكل وفي الأخذ بالأسباب لأن الطير تغدو أي تذهب في الصباح وتبحث عن الرزق وتخرج من أعشاشها وهذا عمل وسعي وجهد وهو الطيران وترجع محملة بالطعام لنفسها ولأفراخها، إذاً فالسعي في طلب الرزق هو الاعتماد القوي على مسبب الأسباب المباحة، وقد قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤٩]
والعزيز هو الارتباط ما بين نهاية الآية والتوكل والعزيز الذي لا يذل من استجار به ولا يضيع من لاذ بجنابه حكيم يدبر من توكل عليه بحكمته تدبيراً حسناً. قال ابن كثير – ﵀: ومن يتوكل على الله أي يعتمد على جنابه فإن الله عزيز حكيم والتوكل مركب السائر الذي لا يتأتى السير إلا به ومتى نزل عنه انقطع فوراً وتوقف عن السير وهذا ما لاحظه ابن القيم ﵀ وهذا يبين منزلة التوكل وفضل التوكل.
(٥) ومما يدل على فضله وعلو منزلته أن الله أمر به في أكمل الأحوال والعبدات والمقامات كما يلي:
(المقام الأول مقام العبادة:
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] فأمر الله رسوله ﷺ والمؤمنين والخلق بالعبادة والتوكل.
стр. 3622
وقال تعالى: ((﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ * ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، توكل على الله في جميع أحوالك وأمورك فهذا التوجيه لرسول الله ﷺ ليتوكل على الله ويتقيه ويعبده ويتبع ما يوحى إليه من ربه فهو أمر له ولأمته من بعده إلى يوم القيامة.
(المقام الثاني مقام الدعوة:
فجاء الخطاب لرسول الله والأصل هو خطاب لأمته إلا إذا دل الدليل على تخصيص له قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]
فهو الذي تنتهي إليه القوة والملك والعظمة والجاه وهو حسب من لاذ به ويكفي من استجار به ويدفع عنه الشر ويحميه، ونوح ﵇ أيضاً في مجال الدعوة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]
فهذه الدعوة من نوح ﵇ والإنذار الطويل والتذكير المستمر الذي رافقه وقابله من قومه تكذيب وإعراض بعدما بلغ الضيق منه توكل على الله وفوض الأمر إليه وهو ماضٍ في الدعوة. إذاً الداعية إلى الله إذا جُوبه بالإعراض من المدعوين والصدود والرد وعدم الاستجابة فإنه يتوكل على الله والله يكفيه شر هؤلاء المعرضين. ويوسع صدره الذي ضيقوه بإعراضهم.
(المقام الثالث مقام الحكم والقضاء:
قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]
стр. 3623
فالرسول ﷺ أمره كله إلى الله، أناب إلى ربه وتوكل عليه وفوض أمره لله، كيف يتحاكم الناس لغير الله إذا اختلفوا بشيء من الأمر، وهذا النبي الذي أرسله يُترَك ولا يتحاكم إليه وهو أولى أن يتحاكم إليه ليقول قول الفصل فيما اختلفوا فيه وكيف يتوجهون في أمر من الأمور إلى جهات أخرى والنبي موجود يقضي، فما دام القاضي والحاكم على الحق المبين فلا يبالي بما يعوقه وبمن يرد حكمه وبمن يرفض التحاكم إلى الشريعة التي يقتضي بها فإذا الحاكم والقاضي عليه التوكل على الله.
(المقام الرابع مقام الجهاد وقتال الأعداء:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[آل عمران: ١٢١]
فمع أنه يعد العدة ويجهز الجيش ويعيّن الأماكن ويرتب الجيش أي يأخذ بالأسباب ومع ذلك أمر بالتوكل لأن النصر بيد الله قال تعالى: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
فكأنه يقول لهم إن كنتم في حال ضعف فالنصر بيد الله فتوكلوا عليه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]
ولو كنتم في حال الكثرة والقوة أيضاً فيجب عليكم أن تتوكلوا فإنكم إذا ما لم تتوكلوا على الله فلن تنفعكم الكثرة ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]
ولو كانوا في معركة وأرخى لهم العدو جناح الذل وريش الوداعة وظن المؤمنون أن المعركة قد انتهت فلابد أن يبقى الارتباط والتوكل على الله ولو قال العدو نريد السلم وخنعوا ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ سورة [الأنفال: ٦١]
(المقام الخامس مقام المشورة:
стр. 3624
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
(فأخذ المشورة من باب الأخذ بالأسباب فآراء الناس أسباب تعين على الاهتداء إلى الصواب وأخذ القرار الصحيح، ولكن لا ينفك المؤمن في هذه الحالة حتى لو عندهم كبار المستشارين عن التوكل على الله. ولذلك بعض هؤلاء يغترون ويظنون أن وجود آراء المستشارين يغني عن التوكل وأنه عنده الخبراء الكبار وعنده المستشارون العظماء ونقول يمكن أن يضل هؤلاء كلهم ويأمرون بقرارات خاطئة، وقد يشيرون لأمر صائب ويخطئون في تنفيذه، إذاُ لابد من التوكل على الله حتى مع أخذ الآراء.
فالتوكل لا ينقطع مع أن المعركة انتهت والحرب وضعت أوزارها وخنع الأعداء للسلم و ذلوا واستسلموا، وفي الحديبية كان الرسول ﷺ قادراً على مواصلة الجهاد والقتال بل كان مستعداً لاقتحام مكة وقال بايعوني على الموت، ولكن جنح للسلم لما جنحوا لها لعل أن تكون فرصة الدعوة مواتية، لذلك فقد دخل في الإسلام بعد الحديبية أضعاف أضعاف ما كان قبله وفي سنوات أقل، إذاً لو طلبوا السلم والحرب الآن توقفت فتوكل على الله وإن أرادوا خداعكم فإن الله حسبك ولابد من استمرار التوكل على الله حتى في حال الغلبة والانتصار على العدو، وفي قصة موسى قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٢، ٢٣]
(المقام السادس مقام طلب الرزق:
قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦]
стр. 3625
وقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢،٣]
(المقام السابع مقام العهود والمواثيق:
وقد أخبر الله عن يعقوب ﵇ في قصة يوسف وأخوته، قال تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦]
والموثق هو العهود والأيمان المغلظة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]
(المقام الثامن مقام الهجرة في سبيل الله:
وهو عظيم وأليم على النفس أن يترك الإنسان مأواه وداره وأمواله ويتغرب ويضحي بعشيرته وبذكريات حبيبته ولكن يهوّن عليه التوكل على الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل ٤١، ٤٢]
ومن الذي يهون الهجرة والفرقة هو التوكل على الله. مهاجرة الحبشة الذين اشتد عليهم الأذى هاجروا هجرتين مشهورتين والنبي ﷺ وصاحبه أيضاً هاجروا وفي طريق الهجرة حصل ابتلاء وخوف ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]
(المقام التاسع مقام إبرام عقود البيع والإجارة والزواج:
стр. 3626
موسى ﵇ لما اتفق مع الرجل الصالح على أن يزوجه ابنته على أن يأجره ثماني حجج أجير وراعي غنم وإذا أتم عشراً فهذا حسن وليس بواجب ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]
(حكم التوكل:
مسألة: ما حكم التوكل؟
حكم التوكل واجب مثل أصل محبة الله والصبر والإنابة، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]
ولهذا كان التوكل على الله نصف الدين، بل هو الواجب لأنه أصل من أصول الإيمان.
،بل إن التوكل شرط الإيمان. والمفهوم من الآية ((وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أنه إذا انتفى التوكل انتفى الإيمان.
وأمر الله بالتوكل وقرنه بالإيمان ليدل بذلك على أنهما جزءان إذ التوكل على الوكيل هو الإيمان فأمر بالتوكل قولاً وعملاً بعد الإخبار عن محبته للمتوكل عليه ((﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩]. واشترط للإيمان التوكل قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]
وهذه جاءت في قصة موسى ﵇ ((﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] إذ لابد من هذا لهذا.
[*] قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: معنى الآية أن موسى ﵇ أمر قومه بدخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم ولا يرتدوا على أدبارهم خوفاً من الجبارين بل يمضوا قدماً لا يخافونهم ولا يهابونهم متوكلين على الله في هزيمتهم مصدقين بصحة وعده لهم إن كانوا مؤمنين.
(صورٌ من توكل النبي ﷺ :
لقد كان النبي ﷺ سيد المتوكلين على ربه تعالى، ودونك صورٌ من توكل النبي ﷺ : (
стр. 3627
لما نزل مع أصحابه في واد فعلق سيفه في شجرة فتفرق الناس في الوادي يستظلون في الشجر فلم يرعهم إلا والنبي ﷺ يدعوهم فأتوه فإذا بشخص وسيف ساقط فقال الرسول إن رجلاً أتاني وأنا نائم فاتخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلفاً أي مسلولاً .. انتبه النبي والسيف فوق رأسه .. أين المهرب .. ؟! .. فقال من يمنعك مني .. ؟!! قلت: الله ..
(حديث جابر ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد، فلما أدركته القائلة، وهو في واد كثير العضاه، فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلق سيفه، فتفرق الناس في الشجر يستظلون، وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله ﷺ فجئنا، فإذا أعرابي قاعد بين يديه، فقال: (إن هذا أتاني وأنا نائم، فاخترط سيفي، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، مخترط صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فشامه ثم قعد، فهو هذا). قال: ولم يعاقبه رسول الله ﷺ .
(وقد تضمن هذا الحديث غرر الفوائد، ودرر الفرائد منها ما يلي:
فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله هذه كلمة فيها التوكل والتفويض والاستعانة وكل شيء .. قال: فشام السيف أي أغمده .. وفي رواية سقط السيف من يده .. ، هاهو ذا جالس.
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي ﷺ وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه!! فقال النبي ﷺ : (يا أبابكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
(هذا هو التوكل والتفويض يظهر فعلاً في أوقات الأزمات جلياً واضحاً .. أن هذا العبد قلبه مفتقر إلى الرب متوكل عليه مفوض أمره إليه خصوصاً إذا لم يكن هناك أسباب تتخذ إلا تفويض الأمر إلى الله ..
(وجاء الإنكار من ابن عباس ﵁ على بعض أهل اليمن الذين يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس مدوا أيديهم .. فأنزل الله (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) ..
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾.
(صورٌ مشرقة للمتوكلين على الله:
(وهاك قصة لطيفة لامرأة نامت على الدعاء والتوكل ووجدته مضاعفاً من عند الله .. !!
стр. 3628
(حديث رجل من الطفاوة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن امرأة كانت فيه (يعني بيتا في المدينة، فخرجت في سرية من المسلمين، وتركت ثنتي عشرة عنزا لها وصيصتها؛ كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزا من غنمها وصيصتها، فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه، وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصتي، وإني أنشدك عنزي وصيصتي، قال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر شدة مناشدتها لربها ﵎. قال رسول الله ﷺ : فأصبحت عنزها ومثلها، وصيصتها ومثلها، وهاتيك فائتها فاسألها إن شئت.
(صيصتها) هي الصنارة التي يغزل بها و ينسج كما في " النهاية ".
(فصلٌ في منزلة الثقة بالله تعالى:
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الثقة بالله تعالى
قال صاحب المنازل: الثقة: سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء قلب التسليم وصدر الباب بقوله تعالى لأم موسى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ [القصص: ٧] فإن فعلها هذا هو عين ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجريانه إلى حيث ينتهي أو يقف.
ومراده: أن «الثقة خلاصة التوكل ولبه» كما أن سواد العين: أشرف ما في العين وأشار بأنه نقطة دائرة التفويض إلى أن مدار التوكل عليه وهو في وسطه كحال النقطة من الدائرة فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط ونسبة جهات المحيط إليها نسبة واحدة وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها كذلك الثقة هي النقطة التي يدور عليها التفويض
وكذلك قوله: «سويداء قلب التسليم» فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه وهي المهجة التي تكون بها الحياة وهي في وسطه فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة سويداءه ولو كان عيناً. أهـ
[*] (أورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن الشافعي رضي الله تعالى عنه: خير الدنيا والآخرة في خمس خصال:
(١) غنى النفس،
(٢) وكف الأذى،
(٣) كسب الحلال،
(٤) ولباس التقوى،
(٥) والثقة بالله على كل حال.
(فصلٌ في منزلة التسليم:
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التسليم:
стр. 3629
وهي نوعان: «تسليم لحكمه الديني الأمري» «وتسليم لحكمه الكوني القدري» (فأما الأول: فهو تسليم المؤمنين العارفين قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥]
فهذه ثلاث مراتب: «التحكيم وسعة الصدر بانتفاء الحرج والتسليم»
(وأما التسليم للحكم الكوني: فمزلة أقدام ومضلة أفهام حير الأنام وأوقع الخصام وهي مسألة الرضا بالقضاء.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أن التسليم للقضاء يحمد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه ولم يقدر على ذلك كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها وأما الأحكام التي أمر بدفعها: فلا يجوز له التسليم إليها بل العبودية: مدافعتها بأحكام أخر أحب إلى الله منها.
لكانت سوادها ولو كان دائرة لكانت نقطتها.
(فصلٌ في منزلة الصبر:
[*] (عناصر الفصل:
(الإيمان نصف صبر ونصف شكر:
(أولاً الصبر:
(تعريف الصبر:
(أنواع الصبر باعتبار مُتَعَلَقِه:
(حاجة الناس إلى الصبر:
(الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل:
(حكم الصبر:
(فضائل الصبر:
(الأخبار الواردة في فضيلة الصبر:
(أنواع الناس في الصبر:
(مراتب الصبر:
(مجالات الصبر:
(الصبر خلق يمكن تحصيله واكتسابه بترويض النفس وتمرينها:
(آفات في طريق الصبر:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غير مُخِّل:
(الإيمان نصف صبر ونصف شكر:
إن من المعلوم شرعاً أن الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر قال تعالى: (إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لّكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ) [إبراهيم / ٥]
(حديث صهيب بن سنان ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.
(ولما كان الإيمان نصفين فنصف صبر ونصف شكر، كان حقيقاً على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين، وأن يجعل سيره إلى الله في هذين الطريقين القاصدين، ليجعله الله يوم القيامة مع خير الفريقين.
(أولاً الصبر:
(تعريف الصبر:
стр. 3630
(الصبر لغة: هو المنع والحبس قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: ٢٨]، يعني احبس نفسك معهم، والصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما، ويقال صبر يصبر صبراً، وصبَر نفسه.
[*] (قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه ذم الهوى:
الصبر في اللغة الحبس وكل من حبس شيئا فقد صبره ومنه المصبورة التي نهى عنها وهي الدجاجة ونحوها تتخذ غرضا وترمى حتى تقتل وسمى رمضان شهر الصبر لأنه شهر تحبس فيه النفس عما تنازع إليه من المطعم والمشرب والمنكح والصابر حابس لنفسه عما تنازع إليه من المشتهى أو شكوى ألم وسمى الصابر في المصيبة صابرا لأنه حبس نفسه عن الجزع.
[*] (وحكى أبو بكر بن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال إنما سُمِّيَ الصبر صبرا لأن تمرره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرر الصبر في الفم.
واعلم وفقك الله أن الصبر مما يأمر به العقل وإنما الهوى ينهى عنه فإذا فوضلت فوائد الصبر وما تجلب من الخير عاجلا وآجلا بانت حينئذ فضائل العقل وخساسة الهوى.
(وقال أيضاً: ولا يقدر على استعمال الصبر إلا من عرف عيب الهوى وتلمح عقبي الصبر فحينئذ يهون عليه ما صبر عليه وعنه، وبيان ذلك بمثل وهو أن امرأة مستحسنة مرت على رجلين فلما عرضت لهما اشتهيا النظر إليها فجاهد أحدهما نفسه وغض بصره فما كانت إلا لحظة ونسي ما كان، وأوغل الآخر في النظر فعلقت بقلبه فكان ذلك سبب فتنته وذهاب دينه فبان لك أن مداراة المعصية حتى تذهب أسهل من معاناة التوبة حتى تقبل وقد قال بعض السلف من تخايل الثواب خف عليه العلم. أهـ
(والصبر شرعا: فهو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحوهما.
وقيل: هو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.
[*] سئل عنه الجنيد فقال: " تجرع المرارة من غير تعبس ".
[*] وقال ذو النون المصري: " هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غُصص البلية، وإظهار الغنى مع الحلول الفقر بساحات المعيشة ".
وقيل: " الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ".
وقيل: " هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى ".
ورأى أحد الصالحين رجلاً يشتكى إلى أخيه فقال له: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
стр. 3631
وقيل في ذلك:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكى الرحيم إلى الذي لا يرحم
والشكوى نوعان: شكوى إلى الله وهذه لا تنافي الصبر، كقول يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ (يوسف: من الآية ٨٦) مع قوله:: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يوسف: من الآية ٨٣)
والنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال أو المقال، فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله.
وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر، ولا يناقض هذا قوله ﷺ : وما أعطا أحد عطاءاً خيراً وأوسع من الصبر "، فإن هذا بعد نزول البلاء فساحة الصبر أوسع الساحات، أما قبل نزوله فساحة العافية أوسع.
والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب، وحفظ من خطب الحجاج: " إقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء، فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخاطمها إلى طاعة الله، وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.
والنفس لها قوتان: قوة الإقدام وقوة الإحجام، .. فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكا عما يضره، ومن الناس من يصبر على قيام الليل ومشقة الصيام، ولا يصبر على نظرة محرمة، ومنهم من يصبر على النظر والإلتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد.
وقيل: الصبر شجاعة النفس، ومن ها هنا أخذ القائل قوله: " الشجاعة صبر ساعة "، والصبر والجزع ضدان، كما أخبر عن أهل النار: ﴿سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم: من الآية ٢١)
(أنواع الصبر باعتبار مُتَعَلَقِه:
الصبر باعتبار مُتَعَلَقِه ثلاثة أقسام:
(١) صبر على طاعة الله.
(٢) صبر عن معصية الله.
(٣) صبر على أقدار الله المؤلمة.
مسألة: كيف يحصل الصبر على الطاعة؟
الصبر على الطاعة ينشأُ من معرفة أسباب الصبر على المعاصي ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة، ومن أَقوى أسبابها: الإيمان والمحبة، فكلما قوى داعي الإيمان والمحبة في القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه.
مسألة: أي الصبرين أفضل صبر العبد عن المعصية، أم صبره على الطاعة؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين:
стр. 3632
مسألة تكلم فيها الناس، وهى أي الصبرين أفضل صبر العبد عن المعصية، أم صبره على الطاعة؟ فطائفة رجحت الأول وقالت: الصبر عن المعصية من وظائف الصدّيقين، كما قال بعض السلف: أعمال البر يفعلها البر والفاجر، ولا يقوى على ترك المعاصي إلا صدّيق. قالوا: ولأن داعي المعصية أشد من دواعي ترك الطاعة، فإن داعي المعصية أمر وجودي تشتهيه النفس وتلتذ به، والداعي إلى ترك الطاعة الكسل والبطالة والمهانة، ولا ريب أن داعي المعصية أقوى.
قالوا: ولأن العصيان قد اجتمع عليه داعي النفس والهوى والشيطان وأسباب الدنيا وقرناءُ الرجل وطلب التشبه والمحاكاة وميل الطبع، وكل واحد من هذه الدواعي يجذب العبد إلى المعصية ويطلب أثره، فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب؟ فأي صبر أَقوى من صبر عن إجابتها؟ ولولا أَن الله يصبره لما تأْتى منه الصبر.
وهذا القول كما ترى حجته في غاية الظهور، ورجحت طائفة الصبر على الطاعة بناءً منها على أن فعل المأْمور أَفضل من ترك المنهيات، واحتجت على ذلك بنحو من عشرين حجة. ولا ريب أن فعل المأمورات إنما يتم بالصبر عليها، فإذا كان فعلها أفضل كان الصبر عليها أفضل، وفصل النزاع في ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية: فالصبر على الطاعة [العظيمة] الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة الدنية، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة، وصبر العبد على الجهاد مثلاً أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر، وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة الضحى، وصوم يوم تطوعاً ونحوه، فهذا فصل النزاع فى المسألة. والله أعلم.
مسألة: كيف يحصل الصبر عن المعصية؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين:
الصبر عن المعصية ينشأُ من أسباب عديدة:
أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءَتها، وأن الله إنما حرَّمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمى الوالد الشفيق والده عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد بالعذاب.
السبب الثاني: الحياءُ من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأَى منه ومسمع ـ وكان حييّاً ـ استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
стр. 3633
السبب الثالث: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد، فما أذنب عبد ذنباً إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصر لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة حتى تسلب النعم كلها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ * [الرعد: ١١]، وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها.
وقال بعض السلف: أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل سنة. وقال آخر: أذنبت ذنباً فحرمت فهم القرآن. وفى مثل هذا قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وبالجملة فإن «المعاصي نار النعم تأْكلها كما تأْكل النار الحطب»، عياذاً بالله من زوال نعمته وتحويل عافيته.
السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه. وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله. وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ * [فاطر:٢٨]، وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علماً وبالاغترار بالله جهلاً.
السبب الخامس: محبة الله سبحانه وهى أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه. فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوى سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده، وفى هذا قال عمر: ((نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه)) يعنى أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته.
فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه.
стр. 3634
وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهى أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياءَ والطاعة، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى فيه نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه. وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم، فما عمر القلب شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ.
السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوى بينها وبين السفلة.
السبب السابع: قوة العلم بسوءِ عاقبة المعصية، وقبح أثرها والضرر الناشئ منها: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمه، وحزنه وأَلمه، وانحصاره، وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله. وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريه من زينته والحيرة في أَمره وتخلى وليه وناصره عنه، وتولى عدوه المبين له، وتوارى العلم الذي كان مستعداً له عنه، ونسيان ما كان حاصلاً له أَو ضعفه ولا بد، ومرضه الذي إذا استحكم به فهو الموت ولا بد، فإِن الذنوب تميت القلوب، ومنها ذله بعد عزة، ومنها أن يصير أسيراً في يد أعدائه بعد أن كان ملكاً متصرفاً يخافه أعداؤه، ومنها أن يضع تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أَمرها، ولا ينفذ في غيرهم، ومنها زوال أَمنه وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءة، ومنها زوال الأُنس والاستبدال به وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة، ومنها زوال الرضا واستبداله بالسخط، ومنها زوال الطمأْنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبدال الطرد والبعد منه، ومنها وقوعه في بئر الحسرات، فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطراً، أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه.
стр. 3635
فيالها ناراً قد عذب بها القلب في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنياً بما معه من رأْس مال الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأْس ماله أصبح فقيراً معدماً، فإما أن يسعى بتحصيل رأْس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير وإلا فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأْس ماله، ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف بدنه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة فتبدل بها مهانة وحقارة، ومنها حصول البغضة والنفرة منه في قلوب الناس، ومنها ضياع أعز الأشياءِ عليه وأنفسها وأعلاها، وهو الوقت الذي لا عوض منه، ولا يعود إليه أبداً، ومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإِنه إِذا رآه منقاداً مستجيباً لما يأْمره اشتد طمعه فيه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دن مولاه الحق، ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنباً آخر نكت فيه نكتة أُخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران، قال الله تعالى: ﴿كَلا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكسِبُونَ﴾ * [المطففين: ١٤]، ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد. ومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتاً مضيعاً حتى يرحل من الدنيا وينزل في الآخرة، فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أَطرافه وقضاءِ جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده، وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناءُ والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة.
ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه، فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه، ومنها أن الذنب يستدعى ذنبا آخر، ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثاً، ثم تجتمع الثلاثة فتستدعى رابعاً، وهلم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته.
стр. 3636
قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها، (ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة.
كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ * [الأحقاف: ٢٠]، فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة.
وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا، (ومنها علمه بأن أعماله هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته،
(ومنها علمه بأَن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه، ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوى به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث تستقر به، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والعملُ الصَالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ * [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَآءِ﴾ * [الأعراف: ٤٠]، فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أُغلقت عنها.
وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه، فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها فى عليين، ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهباً للصوص وقطاع الطريق.
فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خربة موحشة هي مأْوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئاً من متاعه؟
(ومنها أنه بالمعصية قد تعرّض لمحق بركته في كل شيء من أمر دنياه وآخرته فإن الطاعة تجلب للعبد بركات كل شيء والمعصية متحق منه كل بركة.
стр. 3637
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علماً فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته.
السبب الثامن: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمع على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها. فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر من التسويف وطول الأمل.
السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأُ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفاً فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام. ومن أعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولا بد.
السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشر قلبه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له، وتحريمه لما حرم عليه، وبغضه له، ومقته لفاعله وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار، وامتنع من أن لا يعمل بموجب هذا العلم.
ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، فإذا قوى سراج الإيمان في القلب، وأَضاءَت جهاته كلها به، وأشرق نوره في أرجائه، سرى ذلك النور إلى الأعضاء، وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان، وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا كارهة بل تفرح بدعوته حين يدعوها، كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل كرامته. فهو كل وقت يترقب داعيه، ويتأهب لموافاته. والله يختص برحمته من يَشاءُ، والله ذو الفضل العظيم. أهـ
مسألة: كيف يتم تحصيل الصبر على البلاء؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين:
الصبر على البلاء ينشأُ من أسباب عديدة:
أحدها: شهود جزائها وثوابها.
الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أُم الكتاب قبل أن يخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاءً.
стр. 3638
الرابع: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأُمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأْمور بأداء حق الله وعبوديته عليه فى تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.
الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ * [الشورى: ٣٠]، فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة. قال على بن أبى طالب: ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع بلاءٌ إلا بتوبة.
السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختاره وقسمها وأن العبودية تقتضى رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدى الحق.
السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواءٌ نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأْه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلاً.
الثامن: أن يعلم أن في عُقبى هذا الدواءِ من الشفاءِ والعافية والصحة وزوال الأَلم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأْثيره. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُم، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ * [البقرة: ٢١٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ * [النساء: ١٩] وفى مثل هذا القائل:
لعلّ عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
التاسع: أن يعلم أن «المصيبة ما جاءَت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه»، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وأَلبسه ملابس الفضل وجعل أولياءَه وحزبه خدماً له وعوناً له، وإن انقلب على وجه ونكص على عقبيه طرد وصفع قفاه وأُقصى وتضاعفت عليه المصيبة، وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة فى حقه صارت نعماً عديدة.
стр. 3639
وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيع القلب في تلك الساعة. والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأَنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان، لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل الْعظيم.
العاشر: أن يعلم أن الله يربى عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال. فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته. فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاءِ والعافية.
فالابتلاء كير العبد [محل] إيمانه: فإما أن يخرج تبراً أحمر، وإما أن يخرج زغلاً [غضاً]، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية، فلا يزال به البلاءُ حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهباً خالصاً فلو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاءِ ليست بدون نعمة الله عليه في العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه، اللَّهم أعنِّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيض له ما يستخرج خبثه ونحاسه وصيره تبراً خالصاً يصلح لمجاورته والنظر إليه فى داره؟ فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه.
والصبر أيضاً نوعان:
(١) بدني.
(٢) نفسي.
وكل منهما قسمان: اختياري واضطراري، فصارت القسمة أربعة كما يلي:
(١) بدني اختياري: تعاطي الأعمال الشاقة.
(٢) بدني اضطراري: الصبر على ألم الضرب، لأنه يضرب وماله حيلة إلا الصبر.
(٣) نفسي اختياري: صبر النفس عن فعل مالا يحسن شرعاً، مكروه مثلاً.
(٤) نفسي اضطراري: صبر النفس عن فقد المحبوب الذي حيل بينها وبينه بحيث لو لم تصبر هذا الصبر لوقعت في الجزع المحرم أو النياحة أو لطم الخدود أو شق الجيوب أو قص وحلق الشعور ونحو ذلك.
стр. 3640
والبهائم تشارك الإنسان في النوعين الاضطراريين ولكن الصبر الاختياري هو الذي يميز الإنسان عن البهيمة، ولهذا كان الاختيارى أكمل من الاضطرارى، فإن الاضطرارى يشترك فيه الناس و يتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختيارى ولذلك كان صبر يوسف ﵇ عن مطاوعة امرأة العزيز أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب.
[*] قال رجل من أهل الحكمة: ما غلبني رجل كما غلبني شاب من مرو، قال لي مرة ما الصبر، قلت: إن وجدنا أكلنا وإن فقدنا صبرنا، قال: هذا ما تفعله كلاب مرو عندنا!، قلت فما الصبر عندكم؟ قال: إن فقدنا صبرنا وإن وجدنا آثرنا وأعطينا لغيرنا.
(وعلى ذلك هناك صبر تشارك فيه البهائم الإنسان ولكن هناك صبر يتفوق به المسلم الإنسان على البهيمة والدابة، وقد تجد من الكفار من يصبر على المصائب ويتجلد ولا ينهار ولكن لا يرجو من وراء ذلك جزاء من عند ربه ولا أجراً يوم القيامة ..
وكذلك فإن الصبر متعلق بالتكليف لأن الله ابتلى العباد بواجبات لابد أن يفعلوها ومحرمات لابد أن يتركوها، وأقدار لابد أن يصبروا عليها، فلا يقعوا في الجزع والتسخط و شكوى الخالق إلى المخلوقين.
فالإنسان لا يستغنى عن الصبر في حال من الأحوال لأنه يتقلب بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجرى عليه اتفاقا، ونعمة يجب شكر المنعم بها عليه وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه، فالصبر لازم له إلى الممات.
وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين:
أحدهما: يوافق هواه ومراده.
والآخر: يخالفه، وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما، أما النوع الموافق لغرضه كالصحة، والجاه، والمال، فهو أحوج شيء إلى الصبر فيها من وجوه:
أحدهما: أن لا يركن إليها، ولا يغتر بها، ولا تحمله على البطر، والفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله.
والثاني: أن لا ينهمك في نيلها.
والثالث: أن يصبر على أداء حق الله فيها.
والرابع: أن يصبر عن صرفها من الحرام، قال بعض السلف: " البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصديقون ".
[*] وقال عبد الرحمن بن عوف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر!!، ولذلك يحذر الله عباده من فتنة المال، والأزواج والأولاد. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (المنافقون: من الآية ٩)
стр. 3641
أما النوع الثاني المخالف للهوى: فلا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي، أو لا يرتبط أوله باختياره كالمصائب، أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له في إزالته بعد الدخول فيه.
فها هنا ثلاثة أقسام:
(القسم الأول:
ما يرتبط باختياره، وهو جميع أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية، أما في الصلاة فلما فيها من الكسل وإيثار الراحة لا سيما إذ اتفق مع ذلك قسوة القلب، ورين الذنب والميل إلى الشهوات، ومخالطة أهل الغفلة.
وأما الزكاة فلما في طبع النفس من الشح والبخل، وكذلك الحج، والجهاد للأمرين جميعاً.
ويحتاج العبد إلى الصبر على الطاعة في ثلاثة أحوال: قبل الشروع في الطاعة، وذلك بتصحيح النية، والإخلاص في الطاعة، وحين الشروع في الطاعة، وذلك بالصبر على دواعي التقصير والتفريط، واستصحاب النية ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه سبحانه.
والثالثة بعد الفراغ من الطاعة، وذلك بالصبر على ما يبطلها، فليس الشأن في الإتيان بالطاعة، وإنما الشأن في حفظها مما يبطلها، فيصبر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر، وكذلك يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن العبد يعمل العمل سراً بينه وبين الله سبحانه، فيكتب في ديوان السر، فإن تحدث به نقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل.
(أما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر، وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات، ومفارقة الأعوان عليه في المجالسة والمحادثة.
(القسم الثاني:
مالا يدخل تحت الاختيار، وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب، وهي إما أن تكون مما لا صنع لآدمى فيه كالموت والمرض والثانى: ما أصابه من جهة آدمى كالسب والضرب.
فالنوع الأول: للعبد فيه أربعة مقامات: مقام العجز، وهو الجزع والشكوى , والثاني: مقام الصبر، والثالث: مقام الرضى، والرابع: مقام الشكر وهو بأن يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلى عليها.
وما أصابه من جهة الناس فله فيه هذه المقامات مضافاً إليها أربعة أخر: الأول: مقام العفو، والثاني: مقام سلامة الصدر من إرادة التشفي، الثالث: مقام القدر، والرابع: مقام الإحسان إلى المسىء.
(القسم الثالث:
стр. 3642
مما يكون وروده باختياره، فإذا تمكن منه لم يكن له اختيار، ولا حيلة في دفعه.
(حاجة الناس إلى الصبر:
إن من المعلوم شرعاً أن حاجة الناس إلى الصبر حاجةً مُلِحةً ماسةً فهم يحتاجونه حاجتهم لتنفس الهواء وشرب الماء، يحتاجونه في الصبر على الطاعة ويحتاجونه في الصبر عن المعصية ويحتاجونه في الصبر على أقدار الله وخاصةً تقلبات الزمان التي لا مناص منها، وهاك أروع القصص في تقلبات الزمان لتعلم مدى الحاجة الماسة للصبر عليها:
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن بن عباس قال ما من قوم قال لهم الناس طوبى إلا خبأ لهم الدهر يوما يسوءهم
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن بن مسعود قال لكل فرحة ترحا وما من بيت مُلِيء فرحا إلا مُلِيء ترحا.
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن سعيد بن أبي بردة قال ما ينتظر من الدنيا إلا كل محزن أو فتنة تنتظر.
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن محمد بن سيرين قال ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء.
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن خالد بن سعيد الأموي قال أتى إسحاق بن طلحة بن عبيد الله هندا بنت النعمان بن المنذر فقال أتيتك لتخبرينا عن ملكك وملك أهل بيتك؟ قالت: لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشده ملكا ثم ما غابت الشمس حتى رأيتنا من أذل الناس وإني أخبرك أنه حق على الله لا يملأ دارا حبرة إلا ملأها عبرة وقد كان كسرى غضب على النعمان غضبة نفرت منها في بلاد العرب ثم رضي عنه فرد إليه ملكه فقالت أخت النعمان حين رجع إليه ملكه يا أخي قد رد الله إلينا ملكنا ورجع إلينا حسن حالنا وإني لأرثي لك ولي مما الدهر مطلع به علينا.
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن الأصمعي أن هانئ بن أبي قبيصة رأى حرقة بنت النعمان تبكي فقال لها لعل أحدا آذاك قالت لا ولكني رأيت غضارة في أهلكم وقل ما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا.
стр. 3643
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن عمر بن بكير أن زيادا وقف على هند بنت النعمان فسألها أن تحدثه فقالت أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا.
[*] (أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان عن محبوب العابد قال مررت بدار من دور الكوفة غداة فسمعت جارية تنادي من داخل الدار «ألا يا دار لا يدخلك حزن» ولا يذهب بساكنك الزمان ثم مررت بالدار فإذا الباب وقد علته كآبة ووحشة فقلت ما شأنهم قالوا مات سيدهم مات رب الدار فوقفت على باب الدار فقرعته وقلت إني سمعت من ههنا صوت جارية تقول
ألا يا دار لا يدخلك حزن ولا يذهب بساكنك الزمان فقالت امرأة من الدار وبكت يا عبد الله إن الله تعالى يغير ولا يغير والموت غاية كل مخلوق فرجعت والله من عندهم باكيا.
[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور عن بكار بن منقذ قال خرجنا مع الحسن إلى السوق فإذا جارية تقول يا أبتاه مثل يومك لا أرى قال الحسن وأبوك مثل يومه ما رأى يا بنية دليني على منزلك فانطلقت بين يديه وانطلق الحسن ونحن معه حتى وقف على باب الدار فنادى يا أهل هذه الدار ما لي أرى هذا الباب مهجورا بعد أن كان معمورا قال فنادته امرأة من داخل الدار يا عبد الله هكذا أبواب الأرامل واليتامى فانصرف الحسن باكيا.
[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور عن عروة بن الزبير قال كلمت بنت ملك من ملوك الشام شبب بها عبد الرحمن بن أبي بكر قد كان رآها فيما يقدم الشام فلما فتح الله على المسلمين وقتل أبوها أصابوها فقال المسلمون لأبي بكر يا خليفة رسول الله أعط هذه الجارية عبد الرحمن قد سلمناها له قال أبو بكر كلكم على ذلك قالوا نعم فأعطاها له وكان لها بساط في بلادها لا تذهب إلى الكنيف ولا إلى حاجة إلا بسط لها ورمي بين يديها رمانتان من ذهب تتلهى بهما قال وكان عبد الرحمن إذا خرج من عندها ثم رجع إليها رأى في عينيها أثر البكاء فيقول ما يبكيك اختاري خصالا أيها شئت إما أن أعتقك وأنكحك قالت لا أبتغيه وإن أحببت أن أردك إلى قومك قالت لا أريد وإن أحببت رددتك على المسلمين قالت لا أريد قال فأخبرني ما يبكيك قالت أبكي للملك من يوم البؤس.
стр. 3644
[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور عن الأصمعي قال اشتد جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب أتى إليه المعزون من الآفاق فقال رجل منهم إن امرأ حدث نفسه بالبقاء في الدنيا ثم ظن أن المصائب لا تصيبه فيها لغير جيد الرأي.
[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور عن أبي كنانة قال أخبرني بريد ليزيد بن المهلب قال حملت حملين مسك من خراسان إلى سليمان بن عبد الملك فانتهيت إلى باب ابنه أيوب وهو ولي العهد فدخلت عليه فإذا دار مجصصة حيطانها وسقوفها وإذا فيها وصفاء ووصائف عليهم ثياب صفرة وحلي الذهب ثم أدخلت دارا أخرى فإذا حيطانها وسقوفها خضر وإذا وصفاء ووصائف عليهم ثياب خضر وحلي الزمرد قال فوضعت الحملين بين يدي أيوب وهو قاعد على سرير معه امرأته لم أعرف أحدهما من صاحبه فانتهب المسك من بين يديه فقلت له أيها الأمير اكتب لي براءة فزبرني فخرجت فأتيت سليمان فأخبرته بما كان فقال قد عرفنا قصتك فكتب لي براءة ثم عدت بعد أحد عشر يوما فإذا أيوب وجميع من كان معه في داره قد ماتوا أصابهم الطاعون.
[*] (وأورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه الاعتبار وأعقاب السرور عن النعمان بن بشير قال وفدني أبو بكر الصديق في عشرة من العرب إلى اليمن فبينا نحن ذات يوم نسير إذ مررنا إلى جانب قرية أعجبنا عمارتها فقال بعض أصحابنا لو ملنا إليها فدخلنا فإذا هي قرية أحسن ما رأيت كأنها زخائف الرقم وإذا قصر أبيض بفنائه شيب وشبان وإذا جوار نواهد أبكار قد أحجم الثدي على نحورهن قد أخذن المهزام وهن يدرن وسطهن جارية قد علتهن جمالا بيدها دف تضربه وتقول
معشر الحساد موتوا كمدا
كذا نكون ما بقينا أبدا
غيب عنا ما نعانا حسدا
стр. 3645
وكان جده الشقي الأنكدا وإذا غدير من ماء وإذا سرج ممدود كثير المواشي والإبل والبقر والخيل والأفلاء وإذا قصور مستديرة فقلت لأصحابنا لو وضعنا رحالنا فتأخذ العيون مما ترى حظا وتقضي النفوس منه وطرا فبينا نضع رحالنا إذ أقبل قوم من قبل القصر الأبيض على أعناقهم البسط فبسطوا لنا ثم مالوا علينا بأطايب الطعام وألوان الأشربة فاسترحنا وأرحنا ثم نهضنا للرحلة فأقبل القوم وقالوا إن سيد هذه القرية يقرئكم السلام ويقول اعذروني على تقصير إن كان مني فإني مشغول بعرس لنا وإن أحببتم فدعونا لهم وبركنا فعمدوا إلى ما بقي من ذلك الطعام فملئوا منه سفرنا فقضيت سفري ورجعت متنكبا لذلك الطريق فغبرت برهة من الدهر ثم وفدني معاوية في عشرة من العرب ليس معي أحد ممن كان في الوفد فبينا أحدثهم بحديث القرية وأهلها إذ قال رجل منهم أليس هذا الطريق الآخذ إليها فانتهينا إليها فإذا هي دكادك وتلول وأما القصور فخراب ما يبين منها إلا الرسوم وأما الغدير فليس فيه قطرة من الماء وأما السرج فقد عفا ودثر أمره فبينا نحن وقوف متعجبون إذ لاح لنا شخص من ناحية القصر الأبيض فقلت لبعض الغلمان انطلق حتى نستبرىء ذلك الشخص فقال لبثت أن عاد مرعوبا فقلت له ما وراءك فقال أتيت ذلك الشخص فإذا عجوز عمياء فراعتني فلما سمعت حسي قالت أسألك بالذي بلغك سالما إلا أخذت على عينك ورحت حتى دخلت في التل ثم قالت سل عما بدا لك فقلت أيتها العجوز الغابرة من أنت وممن أنت فأجابتني بصوت ما يبين أنا عميرة بنت دوبل سيد أهل هذه القرية في الزمن الأول
أنا ابنة من قد كان يقري وينزل
ويحنو على الضيفان والليل أليل
من معشر صاروا رميما أبوهم
следующие страницы →