(حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد ملأ يده من الخير.
فهذه بعض الفضائل الواردة في السنة النبوية لهؤلاء الكلمات الأربع، وقد ورد لكلِّ كلمة منهن فضائلُ مخصوصةٌ سيأتي تفاصيلها إن شاء الله، ومن يتأمل هذه الفضائل المتقدّمة يجد أنَّها عظيمةٌ جدًا، ودالّةٌ على عِظم قدرِ هؤلاء الكلمات، ورِفعة شأنهنّ وكثرة فوائدهنّ وعوائدهنّ على العبد المؤمن، ولعلّ السر في هذا الفضل العظيم - والله أعلم - ما ذُكر عن بعض أهل العلم أنَّ أسماء الله ﵎ كلَّها مندرجةٌ في هذه الكلمات الأربع، فسبحان الله يندرج تحته أسماءُ التنزيه كالقدّوس والسلام، والحمد لله مشتملة على إثبات أنواع الكمال لله - تبارك في أسمائه وصفاته -، والله أكبر فيها تكبير الله وتعظيمه، وأنَّه لا يُحصي أحدٌ الثناءَ عليه، ومن كان كذلك فـ (لا إله إلا هو) أي: لا معبود حق سواه.
فللّه ما أعظمَ هؤلاء الكلمات، وما أجلَّ شأنهنَّ، وما أكبرَ الخير المترتّب عليهنّ، فنسأل الله أن يوفقنا للمحافظة والمداومة عليهنّ، وأن يجعلنا من أهلهنّ الَّذين ألسنتهم رطبةٌ بذلك، إنَّه وليّ ذلك والقادر عليه.
(الكنز الرابع: التسبيح:
(معنى التسبيح:
[*] قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم:
معنى التسبيح التنزيه عما لا يليق به من الشريك والولد والصاحبة والنقائص مطلقا. أهـ
стр. 4132
والله ﵎ يسبح وينزه عن كل ما لا يليق به إذ هو الرب الإله، الذي لا إله إلا هو، الحي القيوم، بديع السموات والأرض، الذي أحسن كل شيء خلقه، الرحمن الرحيم، الملك العلام القهار الذي قهر كل شيء وذل له كل شيء، الحي الذي لا يموت، والذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعتريه ما يعتري المخلوق من نقص وآفة، الذي لا يبلغ العباد ضره فيضروه، ولا يبلغون نفعه فينفعوه، والغني عن كل ما سواه، وما سواه مفتقر إليه وهو لا يفتقر إلى شيء من مخلوقاته، والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى، والمثل الأعلى، والذي لا يحيط أحد من خلقه علماً به، وهو يحيط علماً بكل مخلوقاته الذي لا ند له ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا كفء له ... هو المنزه عن أضداد هذه الصفات، ومتصف بكل صفات الكمال والجلال والعظمة والكبرياء.
(وتسبيح العباد لله هو: اعتقاد تنزيهه عن المثيل، والنظير، والكفء والشريك، والظهير، وكل ما يعتري المخلوق من الضعف والموت والفقر والآفة، وكل ما لا يليق أن ينسب إلى الرب مما نفاه عن نفسه جل وعلا.
(وتسبيح الله شعبة من شعب الإيمان، وهي الشعبة التي ترجع إليها كل شعب الإيمان لأن أصل الإيمان تسبيح الله وتنزيهه، والكفر مرده إلى نسبة ما لا يليق بالله إليه.
وقد ورد في آيات كثيرة من القرآن الكريم كقوله تعالى: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم) [الجمعة /١]
وقوله تعالى (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) [الحشر /١]
وقوله تعالى (سبح اسم ربك الأعلى) [الأعلى/١]
وقوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) [الإسراء /١]
وقوله تعالى (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً) [الإسراء /٤٤]
(والتسبيح يكون بكلمة: (سبح)؛ أو (يسبح)؛ أو (سبحان)
وكلمة: سبحان؛ اسم لمصدر التسبيح، لأن كل فعل رباعي على وزن فعل - بتشديد العين - يأتي مصدره على وزن تفعيل؛ مثل كلم تكليما، وعلم تعليما، وهذب تهذيبا، وهكذا، فمصدر سبح هو: تسبيح، لا سبحان، وتكون كلمة (سبحان) اسم لهذا المصدر كما تكون منصوبة بالفتحة الظاهرة على النون على أنها مفعول مطلق من فعل محذوف تقديره سبح أو اسبح سبحان الله.
стр. 4133
كما أن كلمة (سبحان) لا تستعمل إلا مضافة إلى اسم؛ سواء كان الاسم لفظ الجلالة كقولك: سبحان الله؛ أو إلى ما يدل على الخالق ويختص به كقولك: سبحان رب السماوات والأرض؛ أو سبحان ربي؛ أو سبحان ربنا. أو مضافة إلى ضمير يرجع إلى الخالق المتعال كقولك: سبحانك اللهم؛ أو . ولكن كلمة - سبحان - صارت من الكلمات المختصة في استعمالها مع أسماء الله تعالى ولا يصح ولا يجوز استعمالها في غير الله تعالى.
(والكون كله مسبح لله جل وعلا بلسان الحال أو بلسان المقال:
اعلم رحمني الله وإياك أن الكون كله يسبح لله جل وعلا إما بلسان حاله أو لسان مقاله.
فأما لسان الحال فإن قيام هذا الكون على هذا النحو من الإبداع والاتقان والإحسان، والتناسق والوحدة، وجريانه على نسق لا يلحقه تفكك أو فطور، أو ضعف أو فوضى، أو خلل كل ذلك دليل قائم شاهد بلسان حاله أن خالق هذا الكون البديع إله قادر حكيم عليم قائم عليه مقتدر لا يعجزه شيء، وهذا دليل يحتمه ضرورة العقل، ويدفع إليه النظر، ولا يماري فيه إلا كافر جهول.
وقد جاء به الدليل السمعي الذي بلغته الرسل. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [فاطر/٤١]
وقال تعالى: (تَبَارَكَ الّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مّا تَرَىَ فِي خَلْقِ الرّحْمََنِ مِن تَفَاوُتِ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىَ مِن فُطُورٍ * ثُمّ ارجِعِ البَصَرَ كَرّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) [سورة: الملك ١: ٤]
وقال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [سورة الأعراف/٥٤]
стр. 4134
وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لّعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ * قال تعالى: (وَجَعَلْنَا السّمَآءَ سَقْفاً مّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الّذِي خَلَقَ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [سورة: الأنبياء ٣٠: ٣٣]
(والموجودات كلها تسبح حتى الجمادات:
وهذا المعنى هو المقصود والمراد من تسبيح سائر الموجودات التي أوجدها الله تعالى سواء كانت ممن يعقل كالملائكة والإنسان أو كانت من الحيوانات، أو كانت من النباتات أو كانت من الجمادات.
فكل موجود محتاج في وجوده إلى موجد، وكل ممكن مفتقر إلى واجب الوجود، وكل حادث لم يحدث ولن يحدث إلا بفيض الوجود عليه من الخالق المتعال.
فتسبيح الموجودات حتى الجمادات هو افتقارها إلى خالقها؛ وهو معني تنزيه الخالق عن صفات ا لحاجة والأمكان والحدوث؛ وهو المقصود من قوله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) [الإسراء/٤٤]
وقال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) [النور /٤١]
قد علم الله صلاته وتسبيحه، أو قد علم الطير كيف يصلي ويسبح لخالقه.
(والدليل على ذلك من السنة الصحيحة تسبيح الحصى في كف الرسول صلى الله عليه وآله (حديث أبي ذر الثابت في كتاب السنة وصححه الألباني) قال إني انطلقت ألتمس رسول الله ﷺ في بعض حوائط المدينة فإذا رسول الله ﷺ قاعد فأقبل إليه أبو ذر حتى سلم على النبي ﷺ قال أبو ذر وحصيات موضوعة بين يديه فأخذهن في يده فَسَبَّحَن في يده ثم وضعهن في الأرض فسكتن ثم أخذهن فوضعهن في يد أبي بكر فَسَبَّحَن في يده ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن ثم أخذهن فوضعهن في يد عمر فَسَبَّحَن في يده ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن ثم أخذهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن.
كما أن كثيراً من المتكلمين ذكروا معجزة نطق الجمادات واستدلوا عليه بما
стр. 4135
(حديث جابر بن سمرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن.
(الملائكة: أعظم خلق الله تسبيحاً لله:
والملائكة هم أعظم خلق الله تسبيحاً له وتنزيهاً له، ولا غَرْوَ في ذلك فهم أعلم مخلوقات الله بالله، وأقرب مخلوقات الله إلى الله. قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ*﴾ [الأعراف/٢٠٦] والذين عند الله هم الملائكة.
وأعلاهم حملة العرش قال تعالى عنهم: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر/٧]
وقال تعالى: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الزمر/٧٥]
(أعظم الخلق عبادة أعظمهم تسبيحاً لله:
وكلما ارتقى العبد في مجال العبادة، ارتقى في مجال تسبيحه لله جل وعلا. قال تعالى لرسوله ﷺ : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) [الأعلى/١]
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الطور: ٤٨،٤٩]
وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ السّاجِدِينَ * [الحجر ٩٧: ٩٩]
وقال تعالى لرسوله معلماً إياه بدنو أجله: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا) [سورة: النصر]
وذلك لتكون ختام حياته كبدء رسالته تسبيحاً بحمد الله جل وعلا.
﴿تنبيه﴾: (التسبيح والحمد طرفان لشيء واحد:
(فالحمد إثبات صفات الكمال،
(والتسبيح نفي صفات النقص، ولا يكون الإيمان إلا باجتماع الأمرين فمن أثبت لله صفات الكمال ولم ينف عنه صفات النقص فما آمن بالله ولا عرفه ولا وحده.
стр. 4136
ومن نفي عن الله صفات النقص، ولم يثبت له صفات الكمال، فما عرف الله ولا آمن به حقاً، ولا وحده ... لذلك أمرنا أن نسبح الله حال كوننا حامدين له. قال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [سورة الحجر/٩٨]
وقال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر/٣]
والمعنى نزه الله ﵎ حال كونك حامداً له.
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" والأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات صفات الكمال له، فإن التسبيح يقتضي التنزيه، والتعظيم، والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه، وتحميده، وتكبيره، وتوحيده " انتهى.
" ... مجموع الفتاوى" (١٦/ ١٢٥)
[*] (فضل التسبيح:
(١) التسبيح نجاة من الهلكات:
يكفي في فضل التسبيح قوله تعالى: (وَإِنّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إذ أبق إلى الفلك المشحون * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ* فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات من ١٤٤:١٣٩]
فإن يونس النبي ﵇ أبق - أي فر وانهزم - من قومه إلى السفينة خشية نزول العذاب عليهم وهو بين ظهرانيهم وصعد في السفينة المملوءة والمشحونة بالناس فأشرفت السفينة على الغرق فقالوا - لنطرح واحداً منا في البحر كي تنجوا السفينة وقرروا استعمال السهام للقرعة، فساهم يونس ﵇ معهم فخرجت السهام عليه ثلاث مرات، فألقوه في البحر وقيل - هو ألقى نفسه في البحر، فالتقمه وابتلعه الحوت في حالة كان ملوماً على الفرار من قومه، فبقى في بطن الحوت بإعجاز من الله تعالى وقدرته ثلاث أيام وقيل أكثر - إلى أربعين يوماً ثم أخرجه الله تعالى من بطن الحوت وأرسله إلى أهل نينوى في الموصل.
فكان إخراجه حياً من بطن الحوت وعدم لبثه فيها إلى يوم القيامة بسبب تسبيحه لله تعالى وتقديسه وتنزيهه له من صفات الحدوث والإمكان والحاجة.
(٢) التسبيح مغفرةٌ للذنوب وإن كانت مثل زبد البحر:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من قال سبحان الله و بحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر.
стр. 4137
(سبحان الله و بحمده): يجب أن تعلم أن التسبيح والتحميد طرفان لشيء واحد:
(فالحمد إثبات صفات الكمال،
(والتسبيح نفي صفات النقص، ولا يكون الإيمان إلا باجتماع الأمرين فمن أثبت لله صفات الكمال ولم ينف عنه صفات النقص فما آمن بالله ولا عرفه ولا وحده.
ومن نفي عن الله صفات النقص، ولم يثبت له صفات الكمال، فما عرف الله ولا آمن به حقاً، ولا وحده ... لذلك أمرنا أن نسبح الله حال كوننا حامدين له. قال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [سورة الحجر/٩٨]
وقال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر/٣]
والمعنى نزه الله ﵎ حال كونك حامداً له.
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
" والأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات صفات الكمال له، فإن التسبيح يقتضي التنزيه، والتعظيم، والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه، وتحميده، وتكبيره، وتوحيده " انتهى.
" ... مجموع الفتاوى" (١٦/ ١٢٥)
(وإن كانت مثل زبد البحر): كناية عن المبالغة في الكثرة، وفيه دليلٌ واضح البيان على فضل التسبيح وأنه مما يحطُ الله به الخطايا وإن كثرت.
[*] قال الحافظ في الفتح:
وان كانت مثل زبد البحر الكناية عن المبالغة في الكثرة، قال عياض قوله حطت خطاياه وان كانت مثل زبد البحر.
(٣) التسبيح يُثْقِلُ الميزان:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم.
[*] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح:
стр. 4138
حديث كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فقوله كلمتان فيه ترغيب وتخفيف وقوله حبيبتان فيه حث على ذكرهما لمحبة الرحمن إياهما وقوله خفيفتان فيه حث بالنسبة إلى ما يتعلق بالعمل وقوله ثقيلتان فيه إظهار ثوابهما وجاء الترتيب بهذا الحديث على أسلوب عظيم وهو أن حب الرب سابق وذكر العبد وخفة الذكر على لسانه تال وبعد ذلك ثواب هاتين الكلمتين إلى يوم القيامة وهاتان الكلمتان معناهما جاء في ختام دعاء أهل الجنة لقوله تعالى دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين انتهى كلام الشيخ ملخصا ولقد أبدى فيه لطائف وعجائب جزاه الله خير بمنه وكرمه.
(٤) التسبيح من أفضل الأعمال:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من قال حين يصبح و حين يمسي: سبحان الله العظيم و بحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك و زاد عليه.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
(حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أيعجز أحكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة، فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب كل يوم؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة.
(حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة.
(حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو مُوبِقها.
[*] قال النووي رحمه الله تعالى: "قوله ﷺ : وسبحان الله تملآن ما بين السموات والأرض" وسبب عظم فضلهما ما اشتملتا عليه من التنزيه لله تعالى بقوله: سبحان الله والتفويض والافتقار إلى الله تعالى بقوله: الحمد لله والله أعلم.
(٥) التسبيح من الباقيات الصالحات:
стр. 4139
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم من النار قولوا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات و معقبات و مجنبات و هن الباقيات الصالحات.
(٦) التسبيح من أحب الكلام إلى الله تعالى:
(حديث أَبي ذَرٍّ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلى اللهِ؟» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْني بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلى اللهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إِلى اللهِ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ».
[*] قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:
أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده) وفى رواية أفضل هذا محمول على كلام الآدمي وإلا فالقرآن أفضل وكذا قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأما المأثور فى وقت أو حال ونحو ذلك فالاشتغال به أفضل. والله أعلم.
[*] وقال المناوي في فيض القدير:
أحب الكلام إلى الله) تعالى أي كلام البشر لأن الرابعة لم توجد في القرآن ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه ويحتمل أن تتناول كلام الله أيضا لأنها وإن لم تكن فيه باللفظ فهي فيه بالمعنى (أربع) في رواية أربعة (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) لأنها جامعة لجميع معاني أنواع الذكر من توحيد وتنزيه وصنوف أقسام الحمد والثناء ومشيرة إلى جميع الأسماء الحسنى لأنها إما ذاتية كالله أو جمالية كالمحسن أو جلالية كالكبير فأشير للأول بالتسبيح لأنه تنزيه للذات وللثاني بالتحميد لأنه يستدعي النعم وللثالث بالتكبير وذكر التهليل لما قيل إنه تمام المئة في الأسماء وإنه اسم الله الأعظم وهو داخل في أسماء الجلال.
(٧) التسبيح مما اصطفاه الله تعالى لملائكته من الكلام:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فمن قال: سبحان الله كتبت له عشرون حسنة و حطت عنه عشرون سيئة و من قال: الله أكبر مثل ذلك و من قال: لا إله إلا الله مثل ذلك و من قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة و حط عنه ثلاثون خطيئة.
стр. 4140
(حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: سئل رسول الله ﷺ أي الكلام أفضل؟ قال: "" ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده ""
(٨) تغتنم بكل تسبيحة صدقة:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة و كل تحميدة صدقة و كل تهليلة صدقة و كل تكبيرة صدقة و أمر بالمعروف صدقة و نهي عن المنكر صدقة و يجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى.
(٩) التسبيح من غراس الجنة:
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
قيعان: جمع قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر.
غراس جمع غرس وهو: ما يستر الأرض من البذر ونحوه.
(بين الحديث أن ذكر الله سبب لدخول الجنة وكلما أكثر العبد من ذكر الله كثرت غراسه في الجنة.
(١٠) من لزم التسبيح فقد ملأ يده من الخير:
(حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد ملأ يده من الخير.
(حكم استخدام المسبحة:
مسألة: ما حكم استخدام المسبحة؟
الجواب:
ذهب بعض العلماء في مسألة السبحة إلى جواز استعمالها مع قولهم بأنّ التسبيح باليد أفضل وعدّها بعضهم من البدع.
стр. 4141
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٢٢/ ١٨٧): وربما تظاهر أحدهم بوضع السجادة على منكبه وإظهار المسابح في يده وجعله من شعار الدين والصلاة. وقد علم بالنقل المتواتر أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكن هذا شعارهم وكانوا يسبحون ويعقدون على أصابعهم كما جاء في الحديث " اعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات، مستنطقات " وربما عقد أحدهم التسبيح بحصى أو نوى. والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه ومنهم من رخّص فيه لكن لم يقل أحد: أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها. ا. هـ. ثمّ تكلّم ﵀ عن مدخل الرياء في التسبيح بالمسبحة وأنّه رياء بأمر ليس بمشروع وهو أسوأ من الرياء بالأمر المشروع.
وفي سؤال لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (اللقاء المفتوح ٣/ ٣٠) عن التسبيح بالمسبحة هل هي بدعة فأجاب: التسبيح بالمسبحة تركه أولى وليس ببدعة لأن له أصلا وهو تسبيح بعض الصحابة بالحصى، ولكن الرسول ﷺ أرشد إلى أن التسبيح بالأصابع أفضل وقال " اعقدن - يخاطب النساء - بالأنامل فإنهن مستنطقات " فالتسبيح بالمسبحة ليس حراما ولا بدعة لكن تركه أولى لأن الذي يسبح بالمسبحة ترك الأولى وربما يشوب تسبيحه شيء من الرياء لأننا نشاهد بعض الناس يتقلد مسبحة فيها ألف خرزة كأنما يقول للناس: انظروني إني أسبح ألف تسبيحة، ثالثا: أن الذي يسبح بالمسبحة في الغالب يكون غافل القلب ولهذا تجده يسبح بالمسبحة وعيونه في السماء وعلى اليمين وعلى الشمال مما يدل على غفلة قلبه فالأولى أن يسبح الإنسان بأصابعه والأولى أن يسبح باليد اليمنى دون اليسرى لأن النبي ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه ولو سبح بيديه جميعا فلا بأس لكن الأفضل أن يسبح بيده اليمنى فقط. ا. هـ.
[*] وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة (١/ ١١٠) عند تخريجه لحديث " نعم المذكّر السبحة": ثم إن الحديث من حيث معناه باطل عندي لأمور:
стр. 4142
الأول: أن السبحة بدعة لم تكن على عهد النبي ﷺ إنما حدثت بعده ﷺ فكيف يعقل أن يحض ﷺ أصحابه على أمر لا يعرفونه؟ والدليل على ما ذكرت ما روى ابن وضاح في " البدع والنهي عنها" عن الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصا فضربه برجله ثم قال: لقد سَبقتم، ركبتم بدعة ظلما، ولقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علما، وسنده صحيح إلى الصلت، وهو ثقة من اتباع التابعين.
الثاني: أنه مخالف لهديه ﷺ قال عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه. وقال أيضا (١/ ١١٧): ولو لم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت مع اتفاقهم على أنها أفضل لكفى فإني قلما أرى شيخا يعقد التسبيح بالأنامل!
ثم إن الناس قد تفننوا في الابتداع بهذه البدعة، فترى بعض المنتمين لإحدى الطرق يطوق عنقه بالسبحة! وبعضهم يعدُّ بها وهو يحدثك أو يستمع لحديثك! وآخِر ما وقعت عيني عليه من ذلك منذ أيام أنني رأيت رجلا على دراجة عادية يسير بها في بعض الطرق المزدحمة بالناس وفي إحدى يديه سبحة! يتظاهرون للناس بأنهم لا يغفلون عن ذكر الله طرفة عين وكثيرا ما تكون هذه البدعة سببا لإضاعة ما هو واجب فقد اتفق لي مرارا - وكذا لغيري - أنني سلمت على أحدهم فرد عليّ السلام بالتلويح دون أن يتلفظ بالسلام ومفاسد هذه البدعة لا تحصى فما أحسن ما قال الشاعر:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
(الكنز الخامس: الحمد:
(معنى الحمد:
الحمد: وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا وإجلالاً، فإذا وصفت ربك بالكمال فهذا هو الحمد، لكن لا بد أن يكون مصحوبًا بالمحبة والتعظيم والإجلال؛ لأنه إن لم يكن مصحوبًا بذلك سمي مدحًا لا حمدًا، ومن ثمَّ نجد بعض الشعراء يمدحون بعض الأمراء مدحًا عظيمًا بالغًا، لكن لو فتشت عن قلبه لوجدت أنه خالٍ من محبة هذا الأمير، ولكنه يمدحه إما لرجاء منفعة أو لدفع مضرة.
أما حمدنا لله فإنه حمد محبة وتعظيم وإجلال، إذ أن محبة الله - تعالى - فوق كل محبة،
إذاً الحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم والإجلال، هذا هو الحمد، إذا كررت هذا الوصف سمي ثناءًا، وعليه فالثناء تكرار وصف المحمود بالكمال، ويدل على هذا الفرق الحديث الآتي:
стр. 4143
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة ﵁ إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد! < الحمد لله رب العالمين >! قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال! < الرحمن الرحيم >! قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال! < مالك يوم الدين >! قال مجدني عبدي وقال مرة فوض إلي عبدي فإذا قال! < إياك نعبد وإياك نستعين >! قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال! < اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين >! قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
* [معنى خداج أي فاسدة]
وبالجملة، فالحمد مطلوب من العبد في كل الأوقات، وذلك لكثرة نعم الله عليه التي لا تعد ولا تحصى، والتي من أهمها نعمة الإيمان.
ولكيفية حمد الله والثناء عليه بما يستحقه جل وعلا عليك أن تختار الصيغ والألفاظ الواردة في القرآن الكريم والسنة، لأنه لا أحد أعلم بالثناء على الله من الله، ولا أحد أعلم بعد الله بذلك من رسوله ﷺ .
[*] (فضائل الحمد:
(١) من فضائل الحمد امتثال أمر الله تعالى حيث أمرنا بحمده في عدة مواضع من كتابه العزيز منها ما يلي:
قال اللّه تعالى: (قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ على عبادِهِ الَّذينَ اصْطَفى ([النمل: ٥٩]
وقال اللّه تعالى: (وقَُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ) [النمل: ٩٣]
وقال تعالى: (وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدا) [الإِسراء: ١١١]
وقال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: ٧]
وقال تعالى: (فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لي وَلا تَكْفُرونِ) [البقرة: ١٥٢] والآيات المصرّحة بالأمر بالحمد والشكر وبفضلهما كثيرة معروفة.
(٢) ومن فضائل الحمد التأسي بالنبي ﷺ ... لأنه كان سيد الحامدين لله تعالى في جميع أحواله قائماً وقاعداً وعلى جنب من حين يستيقظ من نومه إلى أن ينام:
وهاك غيضٌ من فيض مما ورد في ذلك:
(حمد الله حين يستيقظ من نومه:
стр. 4144
(حديث حذيفة في الصحيحين) قال كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: باسمك اللهم أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.
(حمد الله عند لبس الثوب:
الذكر عند لبس الثوب أن تقول: الحمد لله الذي كساني هذا و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة.
(حديث معاذ بن أنس الجُهَني في صحيح السنن الأربعة) أن النبي ﷺ قال: من أكل طعاما ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر.
(حمد الله لبس الثوب الجديد:
الذكر عند لبس الثوب الجديد أن تقول: تقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره و خير ما صنع له و أعوذ بك من شره و شر ما صنع له
(حديث أبي سعيد في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه قميصا أو عمامة أو رداء ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك من خيره و خير ما صنع له و أعوذ بك من شره و شر ما صنع له.
(حمد الله في استفتاح الصلاة:
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح السنن الأربعة) قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك و تبارك اسمك و تعالى جدك و لا إله غيرك.
(حمد الله في الركوع:
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي.
(حمد الله إذا رفع رأسه من الركوع:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا و لك الحمد فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
(حديث رفاعةَ بن رافعٍ الزُرقي في صحيح البخاري) قال كنا نصلي وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده قال رجلٌ وراءه ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال أنا، قال: رأيت بضعةً وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول.
стр. 4145
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيح مسلم) قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
(حمد الله إذا رفع رأسه في السجود:
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي.
(حديث أبي سعيدٍ في صحيح مسلم) قال كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملئ السموات والأرض وما بينهما وملئ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحقُ ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
(حمد الله في ختام الصلاة:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: جاء الفقراء إلى النبي ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضلٌ من أموالاٍ يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون فقال رسول الله ﷺ : لا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدركم أحدٌ بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضنا نسبح ثلاثاً وثلاثين ونحمد ثلاثاً وثلاثين ونكبِّر ثلاثاً وثلاثين فرجعت إليه فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثين.
أهل الدثور: أي أهل الأموال والدثور: بضم الدال وجمع دثر بفتحها وهو المال الكثير.
والبُضْع: هو بضم الباء ويطلق على الجماع ويطلق على الفرج نفسه، هو الجماع وقيل الفرج نفسه.
[*] قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قوله ﷺ :" وفي بضع أحدكم صدقة" وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعها جميعاً من النظر إلى الحرام أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة.
стр. 4146
(وقد ظنّ الفقراء أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي ﷺ أنَّ جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، وذكر في مقدّمة ذلك هؤلاء الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين و حمد الله ثلاثا و ثلاثين و كبر الله ثلاثا و ثلاثين فتلك تسع و تسعون و قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير غفرت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر.
(حمد الله إذا قام من الليل يتهجد:
(حديث ابن عباس في الصحيحين) قال كان النبي ﷺ إذا تهجد من الليل قال: اللهم لك الحمد أنت قيمُ السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق، والنبيون والساعة حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت أنت المقدِّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
(حمد الله بعد الفراغ من الطعام:
(حديث أبي أمامة في صحيح البخاري) قال كان النبي ﷺ إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي كفانا وأرْوَانا غير مَكْفيٍّ ولا مكفور.
(معنى كفانا: من الكفاية الشاملة لجميع النعم وهذا عام، وذكر الري بعده من باب ذكر الخاص بعد العام.
(معنى غير مكفيٍّ: أي ما أكلناه ليس كافياً عما بعده
(معنى ولا مكفور: أي لا نكفر بنعم الله تعالى الذي أسبغها علينا سبحانه.
(حديث معاذ بن أنس الجُهَنِي في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من أكل طعاما ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام و رزقَنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا و رزقنيه من غير حول مني و لا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر.
(حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا.
وسوغه: أي سهل كلاً من نزول اللقمة ونزول الشراب في الحلق.
стр. 4147
(حمد الله عند ركوب الدابة:
(حديث علي بن ربيعة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال شهدت علي بن أبي طالب أتي بدابةٍ ليركبها، فلما وضع رجله على الركاب قال بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم قال: الحمد لله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك.، فقلت من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعتُ ثم ضحك.
(حمد الله لمن رأى مبتلى:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به و فضلني على كثير ممن خلق تفضيلا لم يصبه ذلك البلاء.
(حمد الله بين يدي الدعاء.
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح الترمذي) قال كنت أصلي و النبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ثم دعوت لنفسي فقال النبي ﷺ : سل تُعطه سل تُعطه.
(حمد الله عند حصول نعمة أو اندفاع مكروه:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك.
(حمد الله في السراء والضراء:
(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) قالت كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحب قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال.
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
جاء في الكتاب والسنة: حمد الله على كل حال وذلك يتضمن الرضا بقضائه،
(حديث عمران بن حصين ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن أفضل عباد الله يوم القيامة: الحَمَّادُون.
الحَمَّادُون: أي: الذين يكثرون حمد الله جل وعلا.
(حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) قالت كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحب قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال.
стр. 4148
(حديث أبي موسى الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك و استرجع فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة و سموه بيت الحمد.
والحمد على الضراء يوجبه مشهدان:
أحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه فإنه أحسن كل شيء خلقه واتقن كل شيء وهو العليم الحكيم الخبير الرحيم.
والثاني: علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه كما في الحديث الآتي:
(حديث صهيب بن سنان ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له.
فأخبر ﷺ أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذى يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥]
وذكرهما فى أربعة مواضع من كتابه، فأما من لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون القضاء خيرا له ولهذا أجيب من أورد هذا على ما يقضى على المؤمن من المعاصي بجوابين:
أحدهما: أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما فعله العبد كما في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي من سراء، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]
أي من ضراء وكقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. [الأعراف: ١٦٨]
أي بالسراء والضراء، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَة﴾. [الأنبياء: ٣٥]
فالحسنات والسيئات يراد بها المسار والمضار ويراد بها الطاعات والمعاصي.
стр. 4149
والجواب الثاني: إن هذا في حق المؤمن الصبار الشكور والذنوب تنقض الإيمان فإذا تاب العبد أحبه الله وقد ترتفع درجته بالتوبة، قال بعض السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير أن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار وان العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة وذلك انه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستفغر الله ويتوب إليه منها، وقد ثبت فى الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "الأعمال بالخواتيم". والمؤمن إذا فعل سيئة فان عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب: أن يتوب فيتوب الله عليه فان التائب من الذنب كمن لاذ نب له، أو يستغفر فيغفر له أو يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له حيا وميتا أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به أو يشفِّع فيه نبيه محمد أو يبتليه الله تعالى في الدينا بمصائب تكفر عنه أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه أو يرحمه أرحم الراحمين فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروى عنه رسول الله ﷺ : "يا عبادي إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أو فيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه".اهـ. (١)(٣) الحمد قرين التسبيح: فهما طرفان لشيء واحد:
(فالحمد إثبات صفات الكمال،
(والتسبيح نفي صفات النقص، ولا يكون الإيمان إلا باجتماع الأمرين فمن أثبت لله صفات الكمال ولم ينف عنه صفات النقص فما آمن بالله ولا عرفه ولا وحده.
ومن نفي عن الله صفات النقص، ولم يثبت له صفات الكمال، فما عرف الله ولا آمن به حقاً، ولا وحده ... لذلك أمرنا أن نسبح الله حال كوننا حامدين له. قال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [سورة الحجر/٩٨]
وقال تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر/٣]
والمعنى نزه الله ﵎ حال كونك حامداً له.
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
стр. 4150
" الأمر بتسبيحه يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات صفات الكمال له، فإن التسبيح يقتضي التنزيه، والتعظيم، والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه، وتحميده، وتكبيره، وتوحيده " انتهى.
" ... مجموع الفتاوى" (١٦/ ١٢٥)
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
(٤) الحمد من الباقيات الصالحات:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: خذوا جنتكم من النار قولوا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات و معقبات و مجنبات و هن الباقيات الصالحات.
(٥) الحمد مما اصطفاه الله تعالى لملائكته من الكلام:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر فمن قال: سبحان الله كتبت له عشرون حسنة و حطت عنه عشرون سيئة و من قال: الله أكبر مثل ذلك و من قال: لا إله إلا الله مثل ذلك و من قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة و حط عنه ثلاثون خطيئة.
(حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: سئل رسول الله ﷺ أي الكلام أفضل؟ قال: "" ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده ""
(٦) تغتنم بكل تحميدة صدقة:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة و كل تحميدة صدقة و كل تهليلة صدقة و كل تكبيرة صدقة و أمر بالمعروف صدقة و نهي عن المنكر صدقة و يجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى.
(٧) الحمد من غراس الجنة:
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
قوله: " قيعان ": جمع قاع، وهو المكان الواسع.
الحمد لله تملأ الميزان:
стр. 4151
(حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو مُوبِقها.
(حديث ثوبان ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: بخٍ بخٍ لخمسٍ ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله , وسبحان الله , والحمد لله , والله أكبر , والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه.
(٨) الفوز ببيت الحمد لمن حمد واسترجع:
(حديث أبي موسى الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك و استرجع فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة و سموه بيت الحمد.
(قال الله تعالي لملائكته: قبضتم) أي أقبضتم وهو استفهام تقديري لينبههم على عظم فضل ثواب الصابر وإلا فهو غني عن الأسئلة لإحاطة علمه بكل شيء (فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده) هو كناية عن الولد لكونه بمنزلة خلاصة الخلاصة إذ القلب خلاصة البدن وخلاصته اللطيفة المودعة فيه من كمال الإدراكات والعلوم التي خلق لها وشرف بشرفها , فلشدة شغف هذه اللطيفة بالولد صار كأنه ثمرتها المقصودة منها , وهو ترق بين به وجه عظمة هذا المصاب وعظم الصبر عليه من ذلك , بل ترقي عن مقام الصبر لمقام الحمد
(فيقولون: نعم , فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع) أي قال (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ)
(فيقول الله تعالي: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد) ففيه كمال فضل الصبر على فقد الصفي.
(٩) من لزم الحمد فقد ملأ يده من الخير:
(حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئني منه قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني فلما قام قال هكذا بيده فقال رسول الله ﷺ أما هذا فقد ملأ يده من الخير.
стр. 4152
(١٠) إن أفضل عباد الله يوم القيامة: الحَمَّادُون.
(حديث عمران بن حصين ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن أفضل عباد الله يوم القيامة: الحَمَّادُون.
الحَمَّادُون: أي: الذين يكثرون حمد الله جل وعلا.
(الكنز السادس: التكبير
(فضل التكبير ومكانته من الدِّين:
إنَّ التكبير شأنُه عظيم وثوابُه عند الله جزيل وقد تكاثرت النصوص في الحث عليه والترغيب فيه وذكر ثوابه.
قال تعالى ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء/١١١]
وقال تعالى في شأن الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة /١٨٥]
وقال تعالى في شأن الحج وما يكون فيه من نُسك يَتقرَّب فيه العبدُ إلى الله: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ [الحج /٣٧]
وقال تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر ٣:١]
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو بصدد بيان تفضيل التكبير وعظم شأنه:
«ولهذا كان شعائرُ الصلاة والأذان والأعياد والأماكن العالية هو التكبير، وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ ، ولم يجئ في شيء من الأثر بدل قول الله أكبر، الله أعظم؛ ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير، فلو قال: الله أعظم لم تنعقد به الصلاة لقول النبي ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم». وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف وداود وغيرهم، ولو أتى بغير ذلك من الأذكار مثل: سبحان الله، والحمد لله لَم تنعقد به الصلاة.
ولأنَّ التكبيرَ مختصٌّ بالذكر في حال الارتفاع كما أن التسبيح مختص بحال الانخفاض كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال: «كنا مع رسول الله ﷺ إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك» ........ ». اهـ.
стр. 4153
ثم إنَّ التكبيرَ مصاحِبٌ للمسلم في عبادات عديدة وطاعات متنوعة فالمسلم يكبر الله عند ما يكمل عدَّة الصيام، ويكبر في الحج كما سبق الإشارة إلى دليل ذلك من القرآن الكريم، وأما الصلاة فإنَّ للتكبير فيها شأناً عظيماً ومكانة عالية، ففي النداء إليها يشرع التكبير وعند الإقامة لها، وتحريمها هو التكبير، بل إنَّ تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ثم هو يصاحب المسلم في كلِّ خفض ورفع من صلاة.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من الثنيتين بعد الجلوس.
(وبهذا فالتكبير يتكرر مع المسلم في صلاته مرات كثيرة، فالصلاة الرباعية فيها اثنتان وعشرون تكبيرة، والثنائية فيها إحدى عشرة تكبيرة، وكلُّ ركعة فيها خمسُ تكبيرات، وعلى هذا فالمسلم يكبر الله في اليوم والليلة في الصلوات الخمس المكتوبة فقط أربعاً وتسعين تكبيرة، فكيف إذا كان محافظاً مع ذلك على الرواتب والنوافل، وكيف إذا كان محافظاً على الأذكار التي تكون أدبار الصلوات وفيها التكبير ثلاثٌ وثلاثون مرة، فالمسلم إذا كان محافظاً على الصلوات الخمس مع السنن الرواتب وعددُها ثنتا عشرة ركعة مع الشفع والوتر ثلاث ركعات ومحافظاً على التكبير المسنون أدبار الصلوات ثلاثا وثلاثين مرة فإنَّ عدد تكبيره لله في يومه وليلته يكون ثلاثمائة واثنتين وأربعين تكبيرة، ولا ريب أنَّ هذا فيه دلالة على فضيلة التكبير حيث جعل الله للصلاة منه هذا النصيب الوافر، فإذا ضُمَّ إلى ذلك التكبيرُ في الأذان للصلاة والإقامة لها ممّن يؤذِن أو يُحافظ على إجابة المؤذِن، زاد بذلك عدد تكبيره في يومه وليلته، فإنَّ عدد ما يكون فيهما من تكبيرات في اليوم والليلة خمسون تكبيرة، فإنَّ عدد التكبير بذلك يزيد.
ثم إنَّ المسلم إذا كان محافظاً على التكبير المطلق غير المقيد بوقت فإن عدد تكبيره لله في أيامه ولياليه لا يحصيه إلا الله - سبحانه -.
стр. 4154
والتكبير ركنٌ من أركان الصلاة، فتحريمها لا يكون إلاّ به، وهذا يُشعِر ولا ريب بمكانة التكبير من الصلاة، وأنّ الصلاة إنما هي تفاصيل للتكبير الذي هو تحريمها، يقول ابن القيّم ﵀: « ... لا أحسن من كون التكبير تحريماً لها، فتحريمها تكبير الربّ تعالى الجامع لإثبات كلِّ كمال له، وتنزيهه عن كلِّ نقص وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمّن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها، فالصلاة من أوّلها إلى آخرها تفصيل لمضمون ((الله أكبر))، وأيّ تحريم أحس-ن من هذا التحريم المتضمّن للإخلاص والتوحيد!. اهـ.
(وبهذا يتبيّن مكانةُ التكبير وجلالةُ قدره وعِظمُ شأنه من الدين، فليس التكبيرُ كلمةً لا معنى لها، أو لفظةً لا مضمون لها، بل هي كلمةٌ، عظيمٌ شأنها، رفيعٌ قدرها تتضمّن المعاني الجليلةَ والمدلولاتِ العميقةَ والمقاصد السامية الرفيعة.
[*] قال ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ «يقول وعظِّم ربَّك يا محمد بما أمرك أن تعظِّمه به من قول وفعل، وأطِعه فيما أمرك ونهاك.
[*] وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير الآية نفسها: أي: عظِّمه تعظيماً شديداً، ويظهر تعظيم الله في شدّة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه والمسارعة إلى كلِّ ما يرضيه.
وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الدِّينَ كلَّه يُعدُّ تفصيلاً لكلمة الله أكبر، فالمسلم يقوم بالطاعات جميعها والعبادات كلّها تكبيراً لله وتعظيماً لشأنه وقياماً بحقِّه سبحانه، وهذا ممّا يبيّن عظمةَ هذه الكلمة وجلالةَ قدرها، ولهذا يروى عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: «قول العبد: الله أكبر، خيرٌ من الدنيا وما فيها»، فالله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
(صفة التكبير:
للعلماء في صفته على أقوال:
الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد "
الثاني: " الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد "
الثالث: " الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، الله أكبر .. الله أكبر .. ولله الحمد ".
والأمر واسع في هذا لعدم وجود نص عن النبي ﷺ يحدد صيغة معينة.
(أقسام التكبير:
التكبير ينقسم إلى قسمين:
стр. 4155
(١) مطلق: وهو الذي لا يتقيد بشيء، فيُسن دائماً، في الصباح والمساء، قبل الصلاة وبعد الصلاة، وفي كل وقت.
(٢) التكبير المقيد فإنه يبدأ من فجر يوم عرفة إلى غروب شمس آخر أيام التشريق - بالإضافة إلى التكبير المطلق – فإذا سَلَّم من الفريضة واستغفر ثلاثاً وقال: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " بدأ بالتكبير.
هذا لغير الحاج، أما الحاج فيبدأ التكبير المقيد في حقه من ظهر يوم النحر.
(الكنز السابع: التهليل:
[*] (فضائل لا إله إلاَّ الله:
(إنَّ كلمة التوحيد: لا إله إلاّ الله، هي أفضل هؤلاء الكلمات الأربع، وأجلّهنّ وأعظمهنّ؛ هي مفتاح العبودية الأعظم فلا إله إلا الله قامت بها السماوات والأرض ولا إله إلا الله فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا إله إلا الله أول دعوة الرسل لأقوامهم، ولأجلها خُلقت الخليقةُ، وأُرسلت الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، وبها افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار، فهي العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وهي أعظم أركان الدِّين وأهم شعب الإيمان، وهي سبيل الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأصل الدين وأساسه ورأس أمره، وفضائل هذه الكلمة وموقعها من الدين فوق ما يصفُه الواصفون ويعرفه العارفون، بل فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) [آل عمران / ١٨]
(ولهذا فإنَّ لهذه الكلمة الجليلة فضائلَ عظيمةً، وفواضلَ كريمةً، ومزاياً جمّةً، لا يُمكن لأحد استقصاؤها، ومما ورد في فضل هذه الكلمة في القرآن الكريم أنَّ الله ﵎ جعلها زُبدةَ دعوة الرسل، وخلاصةَ رسالاتهم، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء/٢٥]،
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/٣٦]
стр. 4156
وقال تعالى في أول سورة النحل: (يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ) [النحل/٢]، وهذه الآية هي أول ما عدّد الله على عباده من النعم في هذه السورة، فدلّ ذلك على أنَّ التوفيق لذلك هو أعظم نعم الله تعالى التي أسبغها على عباده كما قال تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان/٢٠].
قال مجاهد: "لا إله إلا الله"
[*] وقال سفيان بن عيينة: "ما أنعم الله على عبد من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلا الله"
(ومن فضائلها: أنَّ الله وصفها في القرآن بأنَّها الكلمة الطيّبة، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حَينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [إبراهيم/٢٤]
وهي القول الثابت في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم/٢٧]
وهي العهد في قوله تعالى: (لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا) [مريم/٨٧]،
روي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: "العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرّأ إلى الله من الحول والقوة، وهي رأس كلِّ تقوى"
(ومن فضائلها: أنَّها العروة الوثقى التي من تمسّك بها نجا، ومن لم يتمسّك بها هلك، قال تعالى: ﴿فَمَن يَّكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة/٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ [لقمان/٢٢]
(ومن فضائلها: أنَّها الكلمة الباقية التي جعلها إبراهيم الخليل ﵇ في عقِبِه لعلهم يرجعون، قال الله - تعالى -: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف ٢٨:٢٦]
стр. 4157
(وهي كلمة التقوى التي ألزمها الله أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا أحقَّ بها وأهلَها، قال الله - تعالى -: ﴿إِذْ َجَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاِهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح/٢٦]
[*] روى أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون قال:
ما تكلّمَ الناس بشيء أفضل من لا إله إلا الله، فقال سعد بن عياض: "أتدري ما هي يا أبا عبد الله؟ هي والله كلمة التقوى ألزمها الله أصحاب محمد ﷺ ، وكانوا أحقّ بها وأهلَها ﵃"
(ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها منتهى الصواب وغايته، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ صَفاًّ لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ/٣٨]
[*] روى علي بن طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ أنَّه قال: "إلا من أذنَ له الربّ بشهادة أن لا إله إلا لله، وهي منتهى الصواب"
[*] وقال عكرمة: "الصواب: لا إله إلا الله"
(ومن فضائلها: أنَّها هي دعوة الحق المرادة بقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [الرعد/١٤]
ومن فضائلها: أنَّها هي الرابطة الحقيقية التي اجتمع عليها أهل دين الإسلام، فعليها يُوالون ويعادون، وبها يُحبّون ويُبغضون، وبسببها أصبح المجتمع المسلم كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يَشُدُّ بعضها بعضاً.
[*] قال الشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان: "
стр. 4158
والحاصل أنَّ الرابطة الحقيقية التي تَجمع المفترقَ وتؤلف المختلف هي رابطة لا إله إلا الله، ألا ترى أنَّ هذه الرابطة التي تجمع المجتمع الإسلامي كلَّه كأنَّه جسدٌ واحدٌ، وتجعله كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كَلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر ٩:٧]،
فقد أشار الله تعالى إلى أنَّ الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم إنَّما هي الإيمان بالله تعالى،
إلى أن قال ﵀: وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أنَّ الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض وتربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة لا إله إلا الله، فلا يجوز ألبتة النداءُ برابطة غيرها" اهـ.
(ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها أفضل الحسنات، قال الله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل/٨٩]
[*] وقد ورد عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم: أنَّ المراد بالحسنة: "لا إله إلا الله"
[*] وعن عكرمة ﵀ في قول الله : ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال: "قول: لا إله إلا الله. قال: له منها خير؛ لأنَّه لا شيء خير من لا إله إلا الله"
وقد ثبت في المسند وغيره عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله عَلِّمني عملاً يُقرّبني من الجنة ويُباعدني من النار. فقال: "إذا عملتَ سيّئةً فاعمل حسنةً فإنَّها عشر أمثالها". قلت: يا رسول الله، أفَمِنَ الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: "نعم هي أحسن الحسنات" [حسنه الألباني في كلمة الإخلاص]
стр. 4159
فهذه بعض فضائل هذه الكلمة العظيمة، من خلال ما ورد في القرآن الكريم، وفيما يلي ذكر لبعض فضائلها من خلال ما ورد من ذلك في سنة النبي الكريم ﷺ .
(فمن فضائلها: أنها أول يطالب به العبد ليدخل في الدين الذي لا يقبل الله تعالى سواه:
(حديث ابن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
(ومن فضائلها: أنَّها أفضلُ الأعمال وأكثرُها تضعيفاً، وتَعدِلُ عِتقَ الرِّقاب، وتكون لقائلها حِرزًا من الشيطان،
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب و كتبت له مائة حسنة و محيت عنه مائة سيئة و كانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي و لم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير بعد ما يصلي الغداة عشر مرات كتب الله له عشر حسنات ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكان له بعدل عتق رقبتين من ولد إسماعيل، وإن قالها حين يمسي كان له مثل ذلك وكن له حجاباً من الشيطان حتى يصبح ... .
(ومن فضائلها: أنَّها أفضل ما قاله النبيّون:
(حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبيّ ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
(ومن فضائلها: أنَّها ترجحُ بصحائف الذنوبِ يوم القيامة:
стр. 4160
(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: يُصَاحُ برجل من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق فَيُنْشَرُ له تسعةٌ وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول لا يا رب فيقول: أظلمتك كتبتي الحافظون؟ ثم يقول ألك عن ذلك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا، فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قال فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فيقول إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة.
ولا ريب أنَّ هذا قد قام بقلبه من الإيمان ما جعل بطاقته التي فيها لا إله إلا الله تطيش بتلك السِجلاّت، إذ الناس متفاضلون في الأعمال بحسب ما يقوم بقلوبهم من الإيمان، وإلا فكم من قائل لا إله إلا الله لا يحصل له مثل هذا لضعف إيمانه بها في قلبه،
(حديثُ أنس الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يخرجُ من النار من قال لاإله إلا الله وفي قلبه وزنُ شُعَيْرَةٍ من خير، ويخرجُ من النارِ من قال لاإله إلا الله وفي قلبه وزنُ بُرَةٍ من خير ويخرجُ من النارِ من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرةٍ من خير.
(فدلّ ذلك على أنَّ أهل لا إله إلا الله متفاوتون فيها بحسب ما قام في قلوبهم من إيمان.
(ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها لو وُزِنت بالسموات والأرض رجحت بهنّ:
(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في سلسلة الأحاديث الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: "أنَّ نوحاً قال لابنه عند موته: آمُرُك بلا إله إلا الله، فإنَّ السموات السبع والأرضين السبع لو وُضعت في كفة، ووُضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهنّ لا إله إلا الله، ولو أنَّ السموات السبع في حلقة مبهمة لقصمتهنّ لا إله إلا الله"
(ومن فضائلها: أنَّها ليس لها دون الله حجاب، بل تخرق الحُجب حتى تصل إلى الله :
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: "ما قال عبدٌ لا إله إلا الله مخلصاً إلا فُتحت له أبواب السماء حتى تُفضي إلى العرش ما اجتَنَب الكبائر"
(ومن فضائلها: أنَّها نجاةٌ لقائلها من النار:
стр. 4161
(حديث عِتبان ابن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إنَّ الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"
(ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّ النبي ﷺ جعلها أفضل شُعب الإيمان:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".
(ومن فضائلها: أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّها أفضلُ الذِّكر:
(حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: " أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ " ٠
(ومن فضائلها: أنَّ من قالها خالصاً من قلبه يكون أسعد الناس بشفاعة الرسول الكريم ﷺ يوم القيامة:
(حديثُ أبي هريرة صحيح البخاري): قال. قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسأ لني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منك لما رأيتُ من حرصكَ على الحديث، أسعدُ الناسِ بشفاعتي يوم القيامةِ من قال لا إ له إ لا الله خالصاً من قِبِلِ نفسه.
(ومن فضائلها: أن بها يعصم دم العبد وماله:
(حديث أبي مالك ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله.
(ومن فضائل لا إله إلا الله أنها تحرم على النار من قالها صادقاً مخلصاً:
(حديث عتبان بن مالك ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله.
(ومن فضائلها أن بها يدخل العبد الجنة:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أشهد أن لا إله إلا الله و أني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة.
(ومن فضائلها أنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة:
(حديث معاوية الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة.
стр. 4162
(ومن فضائل لا إله إلا الله أنها إذا رسخت في قلب العبد بددت ضباب الذنوب وغيومها: (حديث عبد الله بن عمرو في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: يُصاحُ برجلٍ من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق فينشر له تسعة و تسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك و تعالى: هل تنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب فيقول: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب ثم يقول: ألك عذر ألك حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة و إنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة و البطاقة في كفة فطاشت السجلات و ثقلت البطاقة.
(معنى لا إله إلا الله:
معنى هذه الكلمة الطيبة فإن كثيراً من الناس لا يعرف معناها وقد لا يدرك حقيقة مضمونها ولا شك أن هذا سبب كبير في تخلف هذه الفضائل عن قائلها أيها المؤمنون إن معنى قولكم: لا إله إلا الله أنكم تقرون بأنه ﴿لا معبود بحق إلا الله تعالى﴾ فلا يستحق أحد أن يصرف له شيء من العبادات القلبية كالمحبة والخوف والرجاء والتوكل غير الله تعالى ولا يستحق أحد أن يصرف له شيء من العبادات العملية من صلاة ونذر وذبح ودعاء غيره سبحانه بل الواجب أن يفرد جل وعلا بجميع العبادات الظاهرة والباطنة.
فإن أخل العبد بشيء من ذلك فصرف العبادة لغير الله تعالى فإن لا إله إلا الله لا تنفعه بشيء بل هو مشرك كافر متوعد بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ [المائدة: ٧٢] فاحذروا الشرك يا عباد الله فإن خطره عظيم اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ونستغفرك مما لا نعلم.
﴿تنبيه﴾: (حريٌ بنا في هذا المقام أن نتعرف على شروط كلمة التوحيد وفضل أهل التوحيد لأن التوحيد هو أول ما يجب أن يتعلمه العبد من دينه لأن التوحيد مقدم على العمل والأصل الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشرك عمل.
(شروطُ كلمةِ التوحيد:
(لكلمةِ التوحيدِ شروطٌ سبعة لا ينتفعُ قائلها إلا بعد أن يستكملها وهي:
١) العلمُ المنافي للجهل
٢) اليقينُ المنافي للشك
٣) القبولُ المنافي للرد
٤) الانقياد، ويتمُ ذلك بأداء حقوقها وهي الأعمالُ الواجبة إخلاصاً للهِ وطلباً لمرضاته.
стр. 4163
٥) الصدقُ المنافي للنفاق
٦) الإخلاصُ المنافي للشرك.
٧) المحبةُ لهذه الكلمة ولما دلَّت عليه والسرورُ بذلك بخلاف ما عليه المنافقون.
[*] قال الشيخُ حافظُ الحكمي في سُلمِ الوصول:
وبشروطٍ سبعةٍ قد قُيِدتْ ... وفي نصوصِ الوحي حقاً وردت
فإنه لم ينتفعْ قَائِلُها ... بالنطقِ إلا حيثُ يستكمِلُها
العلمُ واليقينُ والقبولُ ... والانقيادُ فادرِ ما أقولُ
والصدقُ والإخلاصُ والمحبةْ ... وفقك الله لما أحبَّه
مسألة: ما الفرق بين القبولِ والانقياد؟
(القبولُ يكونُ بالأقوال، والانقياد يكونُ بالأفعال.
(أول ما يجب على العبد أن يتعلمه من دينه هو التوحيد:
لأن التوحيد مُقَدَّمٌ على العمل والأصل الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفعُ مع الشركِ عمل.
قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد / ١٩)
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك
فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
الشاهد: قوله ... ﷺ فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات، فجعل إخبارهم بالصلاةِ معلقٌ على قبولِ التوحيد فإن لم يقبلوه فلا تخبرهم، وذلك لأن التوحيد مُقَدَّمٌ على العمل والأصلُ الذي يترتب عليه غيره إذ لا ينفع مع الشركِ عمل.
(حديثُ جندب ابن عبد الله صحيح ابن ماجة) قال كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيانٌ حزَاوِرَة، فتعلمنا الإيمانَ قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآنَ فازددنا به إيمانا.
معنى حزاوره: جمع حَزْوَر وهو الغلام إذا اشتد وقوى.
[*] قال الشيخ حافظ ابن أحمد الحكمي في سلم الوصول:
أولُ واجبٍِ على العبيدِ ... معرفةُ الرحمنِ بالتوحيدِ
إذ هو من كل الأوامرِ أعظمُ ... وهو نوعان أيا من يفهمُ
стр. 4164
(لا يكون توحيد إلا بنفيْ وإثبات:
المقصود بذلك أن التوحيد يتضمن نفي الشرك وإثبات التوحيد لله تعالى.، فإن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تتضمن هذين الشقين
(لا إله) نفي الألوهيةِ الحقةِ عن غيرِ الله
(إلا الله) إثباتُ الألوهيةِ الحقةِ لله تعالى
(فضل التوحيد:
للتوحيدِ فضلٌ عظيمٌ وأجرٌ جسيم وهاك بعضَ فضائله:
(١) أصحابُ التوحيدِ يفوزون بخيري الدنيا والآخرة
قال تعالى: (الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلََئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ) (الأنعام /٨٢)
لهم الأمن: في الدنيا، وهم مهتدون: في الدنيا
وهذا –ولاشك – هو خيري الدنيا والآخرة، فليس في الدنيا أنفعُ من أن تكون على هدى، ولذا كان أنفعُ دعاء هو (اهدنا الصراط المستقيم) ولذا نقوله في كل ركعةٍ من الصلوات.
وليس في الآخرةِ أنفعُ من أن تكون آمناً في يومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.
(حديثُ ابن مسعودٍ في الصحيحين) قال لما نزلت: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. شق ذلك على المسلمين وقالوا أينا لم يظلم نفسه، قال رسول الله ﷺ ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تُشركْ بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم.
(٢) أن الله تعالى لا يقبلُ العملَ إلا من الموحدين.
قال تعالى: (قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا) (الكهف /١١٠)
(حديثُ أبي هريرةَ صحيح مسلم): أن النبي ﷺ قال - قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملاً أشركَ فيه معي غيري تركته وشركه.
(حديثُ جندب ابن عبد الله في الصحيحين): أن النبي ﷺ قال من سمَّعَ سمَّعَ الله به ومن يُرائي يُرائي الله به.
(حديثُ أبي أُمامة صحيح النسائي): أن النبي ﷺ قال إن الله تعالى لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ به وَجهُهُ
(٣) أصحابُ التوحيدِ يفوزون بشفاعة النبي ﷺ .
стр. 4165
(حديثُ أبي هريرة في الصحيحين): أن النبي ﷺ قال لكلِ نبيٍ دعوةٌ مستجابةٌ فتعجَّلَ كل نبيٍ دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةٌ لأُمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات من أمتي لا يشركْ بالله شيئاً.
(حديثُ أبي هريرة صحيح البخاري): قال. قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسأ لني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منك لما رأيتُ من حرصكَ على الحديث، أسعدُ الناسِ بشفاعتي يوم القيامةِ من قال لا إ له إ لا الله خالصاً من قِبِلِ نفسه.
(٤) أصحابُ التوحيد لا يخلدون في النار:
وأصحاب التوحيدِ في ذلك قسمان:
(القسمُ الأول: من مات على التوحيدِ وعمل بشروطِ لا إله إلا الله وكان على تقوى واستقامة فهذا يدخلُ الجنةَ دون أن تمسَّه النار فقد حرَّمه الله على النار، وعليه يحملُ الحديثُ الآتي:
(حديثُ أنس في الصحيحين): أن رسول الله ﷺ ومعاذَ رَدِيفه على الرحل، قال يا معاذ: قال لبيك يا رسول الله وسعديك، قال:، يا معاذ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثاً) قال: ما من أحدٍ يشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرَّمه الله على النار، قال يا رسول الله أفلا أخبرُ به الناسَ فيستبشرون؟ قال: إذاً يتكلوا. وأخبر بها معاذ ٌ عند موته تأثما ً.
(تأثماً): أي خشية ُالوقوع ِِ في الإثم ِ الحاصل من كتمان ِ العلم.
(القسمُ الثاني:
من مات على التوحيدِ ولكن له ذنوبٌ أوْ بقته فلا نقولُ إنه في النار، ولكنه تحت مشيئةِ الإله النافذة إن شاء عفا عنه وإن شاء آخذه، ولكنه يدخلُ الجنة َ يوما ً من الأيام ِ أصابه قبل ذلك اليوم ِ ما أصابه.
(حديثُ أبي ذرٍ في الصحيحين): قال أتيتُ النبي ﷺ وعليه ثوبٌ أبيض وهو نائم ثم أتيتهُ وقد استيقظ فقال: ما من عبدٍ قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا أدخله الله الجنة. قلتُ وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق. قلتُ وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق. قلتُ وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق على رغمِ أنفِ أبي ذر.
стр. 4166
(حديثُ أنس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يخرجُ من النارِ من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وزنُ شُعيرةِ من خير، ويخرجُ من النارِ من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وزن بُرةٍ من خير، ويخرجُ من النارِ من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وزنِ ذَرةٍ من خير.
(حديثُ أبي سعيدٍ صحيح الترمذي): أن النبي ﷺ قال: يخرجُ من النارِ من كان في قلبهِ مثقالُ ذرةٍ من إيمان.
(٥) تكفيرُ الذنوب:
(حديثُ عُبَادةَ ابن الصامت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من شهدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له وأن محمداً عبدُ الله ورسولُه
وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه والجنةُ حقٌ والنارُ حقٌ أدخله الله الجنةَ على ما كان من العمل.
(حديثُ أنس صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: يَقُولُ: «قالَ الله ﵎: يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السّمَاءِ ثُمّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
(معنى تحقيق التوحيد: تخليصُه وتصفيته من الشرك.
﴿تنبيه﴾: (لا يتحقق التوحيد إلا بشيئين متلازمين هما
(١) إثباتُ التوحيد لله
(٢) نفيُ الشرك والبراءة من أهله
مسألة: ما المقصود بإثبات التوحيد لله؟
المقصودُ بإثبات ِالتوحيدِ لله إفرادُ الله بما يختصُ به من توحيدِ الربوبيةِ والألوهيةِ والأسماءِ والصفات.
مسألة ما معنى توحيد الربوبيه؟
توحيد الربوبيةِ هو إفرادُ الله بالخلق ِ والملك ِ والتدبير.
والدليلُ قوله تعالى (ألا له الخلقُ والأمر) ﴿الأعراف / ٥٤﴾
والأمرُ هنا معناه التدبير.
وقوله تعالى (لله ملك السموات والأرض) ﴿المائدة / ١٧﴾
الشاهد: تقديم ما حقَّه التأخير يفيدُ الحصر
﴿تنبيه﴾: (التدبير الذي يختصُ به الله تعالى نوعان هما:
(تدبيرٌ كوني: فالله تعالى يدبرُ أمور الكون وما فيه، هو المحيي المميت الخافض الرافع المعطي المانع المعز المذل يُولج الليل في النهار ويلج النهار في الليل
стр. 4167
قال تعالى: (قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)،تُولِجُ اللّيْلَ فِي الْنّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ﴿آل عمران / ٢٦، ٢٧﴾
(تدبيرٌ شرعي: يحلل ويحرِّم.
مسألة: ما معنى توحيد الأ لوهية؟
توحيدُ الأ لوهية هو ﴿إفرادُ الله بالعبادة﴾، أي لا معبود بحقٍ إلا الله.
والدليلُ قوله تعالى قال تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران /١٨)
وقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلََهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (محمد / ١٩)
مسألة ما معنى توحيد الأسماءِ والصفات؟
توحيدُ الأسماء ِ والصفات هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من الأسماء ِ الحسنى والصفاتِ العُلى.
﴿تنبيه﴾: (في هذا النوع من التوحيد ضابطين أساسيين:
(١) لا نصفُ الله تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ
قال الإمامُ أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسَه أو وَصفَه به رسوله لا يتجاوزُ القرآن والحديث.
(٢) أن يكون وصفنا لله تعالى بغيرِ تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكيفٍ ولا تمثيل.
مسألة: ما معنى التحريف؟
التحريفُ نوعان:
(النوع الأول: تحريفٌ لفظي كتغيير حرفٍ بحرف، أو زيادة حرف كمن يقول (استوى على العرش) استولى، وقوله حطه أي حنطه. نعوذ بالله من الضلال والخبال.
النوعُ الثاني: تحريفٌ معنوي وهو التأويلُ بغير دليل، لأي صرف النص عن ظاهره بغير دليلٍ شرعي وهو ما يُسمى بالتأويلِ الفاسد، كحا لِ بعض الفرق الضالة الذين يفسرون قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فيفسرون يداه بالسماوات والأرض، نعوذ بالله من الضلالِ والخبال.
مسألة: ما معنى التعطيل؟
التعطيلُ هو إنكارُ صفاتِ الله تعالى إما كلها أو بعضها، وكون الإنكارُ عن طريقتين: إما التحريف أو التكذيب
стр. 4168
﴿تنبيه﴾: (التعطيلُ أعم من التحريف، يكون تعطيلٌ وتحريف، وإن كان التعطيلُ بالإنكار يكون تعطيلٌ فقط.
مسألة: ما معنى التكييف؟
(التكييف ذكرُ كيفيةٍ للصفة، وهذا منهيٌ عنه، ولما سُئلَ الإمامُ مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى؟ قال:
الاستواء غيرُ مجهول (أي من حيثُ المعنى)
والكيفُ غير معقول (أي لا تدركه العقول)
والإيمانُ به واجب (لأنه سبحانه أثبته لنفسه)
والسؤالُ عنه بدعة (لأن الصحابة َلم يسألوا عنه وهم أحرصُ الناسِ على الخير وأعلم الناسِ بما يجيزه الشرع.
مسألة: ما معنى التمثيل؟
التمثيلُ هو مماثلة صفات الله تعالى بصفاتِ المخلوقين، وهذا من الضلالِ والخبال لأن الله تعالى يقول (ليس كمثلهِ شئٌ وهو السميعُ البصير) [الشورى / ١١]
﴿تنبيه﴾ التكييف أعم من التمثيل، لأن التكييفَ إن كان له مماثل كان تكييفاً وتمثيلاٌ، وإن لم يكن له مماثل كان تكييفاٌ فقط.
[*] قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى:
وكلِ ما لهُ من الصفاتِ ... أثبتها في محكمِ الآياتِ
أوْصَحَّ فيما قاله الرسولُ ... فحقَّهُ التسليمُ والقبولُ
نُمِرُّها صريحةً كما أتتْ ... مع اعتقادنا لما له اقتدتْ
من غيرِ تحرِيفٍ ولا تعطيلِ ... وغيرِ تمثيلٍ ولا تكييفِ
مسألة: ما الدليل على أنه لا يتحققُ التوحيدُ إلا بنفي الشركِ والبراءةِ من أهله؟
(الدليلُ على نفي الشرك قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ فَمِنْهُم مّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُمْ مّنْ حَقّتْ عَلَيْهِ الضّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ) (النحل / ٣٦)
وقوله تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) (النساء / ٣٦)
والدليلُ على البراءةِ من أهلِ الشرك قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنّنِي بَرَآءٌ مّمّا تَعْبُدُونَ) (الزخرف / ٢٦)
стр. 4169
وقوله تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة / ٢٢)
(كلمةُ التوحيدِ تتضمنُ أنواعَ التوحيدِ الثلاثة على التفصيلِ الأتي:
كلمةُ التوحيدِ اشتملت على توحيدِ الألوهيةِ مطابقة، واشتملت على توحيدِ الربوبيةِ وتوحيدِ الأسماءِ والصفات تضمناً.
﴿تنبيه﴾: (دلالةُ المطابقة: دلالةُ اللفظ على ما وُضِع له في لغةِ العرب.
ودلالةُ التضمن: معناها دلالةُ اللفظِ على جزءِ معناه كدلالةِ الإنسان على بعضِ أجزائه.
(الكنز الثامن: الاستغفار:
(معنى الاستغفار:
الاستغفار هو طلب المغفرة من العزيز الغفار وطلب الإقالة من العثرات من غافر الذنب وقابل التوب، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها،
أي أن الله يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.
قال ابن الأثير:
في أسماء الله تعالى الغَفّار والغَفور، وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما الساتر لذنوب عباده وعُيوبهم المُتجاوِز عن خطاياهم وذنوبهم. وأصل الغَفْر التغطية. يقال: غفر الله لك غفراً وغفراناً ومغفرة. والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمُذنبين.
قال ذو النون المصري: الاستغفار جامع لِمَعانٍ:
أولهما: الندم على ما مضى
الثاني: العزم على الترك
والثالث: أداء ما ضيعت من فرض الله
الرابع: رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها
الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام
السادس: إذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية.
ماهو الفرق بين الاستغفار والتوبة؟
الاستغفار: هو طلب المغفرة من العزيز الغفار وطلب الإقالة من العثرات من غافر الذنب وقابل التوب، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها،
أي أن الله يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.
стр. 4170
والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى والإنابة إليه.
والاستغفار من أعظم الأذكار التي ينبغي للعبد أن يكثر منها،
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
(والاستغفار يكون توبة إذا جمع معاني التوبة وشروطها، وهي الإقلاع عن الذنب إن كان متلبسا به وعقد العزم على أن لا يعود إليه فيما بقي من عمره، والندم على ما فات، وبذلك تتداخل التوبة والاستغفار فيكون الاستغفار توبة والتوبة طلب مغفرة.
مسألة: هل التسبيح أفضل أم الاستغفار؟
[*] قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في الوابل الصيب: وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يوماً سئل بعض أهل العلم: أيما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟
فقال: إذا كان الثوب نقياً فالبخور وماء الورد أنفع له وإن كان دنساً فالصابون والماء الحار أنفع له، فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟ أهـ
(فضل الاستغفار:
ينبغي على طالب العلم أن يلزم الاستغفار وأن يتمسك به وأن يعض عليه بالنواجذ وأن يغرف منه غرفاً لأنه دواء الذنوب فطوبى لمن وُجِد في صحيفته استغفارٌ كثير، وللاستغفار فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم وهاك بعض فضائله:
(١) أنه طاعة لله وامتثال أمر الله تعالى، والله تعالى تارة يؤمر به كقوله تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل/٢٠)
وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر: ٣]
وتارة يذكر الله أنه يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء/١١٠)
قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٥]
وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) (آل عمران/١٧)،