← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلا يَلِدُواْ إِلاّ فَاجِرًا كَفَّارًا، رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاّ تَبَارًا﴾ [نوح /٢٨:٢٦] فائدة: قال العلماء: يُسْتَفَادُ من دُعَاءِ سيدنا نُوحٌ ﵇ أن المسلم يَدْعُوا لنفسه أولاً، ثم المُتَصِلِينَ به من وَالِدٍ وَوَلَدٍ وِأرْحَامٍ وَأقْرِبَاءٍ لأنهم أوْلَى وَأحَقُ بِدْعَائِهِ، ثُمَّ يَعُمَّ المسلمين والمسلمات ٠ [*] قال ابن كثير في تفسيره على الآية الكريمة: وقوله تعالى ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دُعَاءٌ لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يَعُمُّ الأحْيَاءَ منهم والأمْوَات، ولهذا يُسْتَحَبُ مثل هذا الدُّعَاءِ إقْتِدَاءً بِنُوحٍ ﵇ ٠ وفي الآية الكريمة جَوَازُ الدُّعَاءِ على الظَّالِمِينَ اَلْمُعْتَدِينَ بِاَلْدَّمَارِ وَاَلْهَلاَكِ ٠ (دُعَاءُ سَيِّدُنَا إبراهيم ﵇: قال الله تعالى عن دعائه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء /٨٥:٨٣] فاستجاب الله له فقال في طلبه الأول: ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء٥٤] وقال في قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة /٣٠] وقال في قوله: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات /١١١:١٠٨] (دُعَاءُ سَيِّدُنَا مُوسَى ﵇:

стр. 4447

قال الله عن دعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي، يَفْقَهُواْ قَوْلِي، وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه /٣٦:٢٥] وقال الله تعالى عن موسى وهارون: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس /٨٩،٨٨] وقال تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص /١٧،١٦] (دعوة سيدنا يونس ﵇: قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ (١) إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا (٢) فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ (٣) عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٧ ـ ٨٨ ـ الأنبياء) [*] قال ابن كثير ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذَا كَانُوا فِي الشَّدَائِد وَدَعَوْنَا مُنِيبِينَ إلَيْنَا ولا سِيَّمَا إذَا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاء فِي حَال الْبَلاء ٠

стр. 4448

[*] وقال الطبري المعنى: كما أنْجَيْنَا يُونُس مِنْ كَرْب الْحَبْس فِي بَطْن الْحُوت فِي الْبَحْر إذْ دَعَانَا، كَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كَرْبهمْ إِذَا اِسْتَغَاثُوا بِنَا وَدَعَوْنَا٠ (حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: دعوة ذي النون إذ دعا بها و هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له. (وذو النون: هو نبي الله يونس _ ﵇ _، (حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال:" ألا أخْبِرُكُمُ بِشَيْءٍ إذَا نَزَلَ بِرَجُلِ مِنْكُمُ كَرْبٌ أو بَلاَءٌ مِنْ أمْرِ الدُّنْياَ دَعَا بِهِ فَفُرِّجَ عنه؟ دُعَاءُ ذِي النُّوُنِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ". (والنون: الحوت. فهذا سيدنا يونس ﵇ ألقي في اليم فالتقمه الحوت وأسدل الليل البهيم ستاره المظلم عليه، فالتجأ إلى الله ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فأنجاه الله، حتى إذا خرج إلى شاطئ السلامة، تلقفته يد الرحمة الإلهية والعناية الربانية فأظلته تحت شجرة اليقطين. قال تعالى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨]. ﴿تنبيه﴾: (هذا الدعاء من أعظم أنواع الدعاء، لاشتماله على الآتي: أولاً: على توحيد الله (لا إله إلا أنت) وهو أعظم وسيلة إلى الله تعالى، وأعظم طاعة وأعظم وقربة. ثم ثنى بالتنزيه (سبحانك) تنزيه الله عما لا يليق به ، فكل ما يفعل، وكل ما يقدر فله فيه الحكمة البالغة، فهو منزه عما لا يليق بجلاله وكماله وعظيم شأنه. ثم ثلث ببيان عجزه وضعفه وفقره وظلمه لنفسه، وهكذا كل عبد بالنسبة إلى الله ينبغي له أن يكون كذلك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:٨٧] (دُعَاءُ سَيِّدُنَا أيِّوُبٍ ﵇:

стр. 4449

قال تعالى: ﴿وَأيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأنْتَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء/٨٣) [*] قال القرطبي: قال العلماء: ولم يكن قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ جَزَعًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ (ص/٤٤) بَلْ كَانَ ذلك دُعَاءٌ منه، والجَزَعُ في الشَّكْوَى إلى الخَلْقِ، لا إلى الله تعالى، والدُّعَاءُ لا يُنَافِي الرِّضَا ٠ [*] وقال ابن القيم في الفوائد: جُمِعَ في هذا الدُّعَاء بين حقيقة التَّوْحِيدِ، وإظهار الفَقْرِ والفَاقَةِ إلى ربَّهِ، وَوَجُودِ طَعْمُ المَحَبَّةِ في التَّمَلُّقِ لَهُ سُبْحَانَه، والإقْرَارِ لَهُ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، وأنَّه أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، والتَّوْسُلُ إليه بصفاته سبحانه، وشِدَّةِ حَاجَتِهِ هُوَ وَفَقْرِهِ، وَمَتَى وَجَدَ اَلْمُبْتَلَى هذا كُشِفَتْ بَلْوَاهُ (دعاء سيدنا زكريا ﵇: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران /٣٩،٣٨] وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء /٩٠،٨٩] (دعاء سيدنا لوط ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (العنكبوت/٣٠) (دعاء سيدنا سليمان ﵇: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي (١) أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأنْ أعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (النمل/١٩) (دعاء سيدنا يوسف ﵇: قال الله في قصة يعقوب مع أبنائه: ﴿وَجَآءُواْ عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف /١٨]

стр. 4450

وقال الله تعالى عنهم: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف /٦٤] وقال يعقوب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَآ أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَاْيْئَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَاْيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف /٨٧:٨٣] ثم استجاب الله دعاءه ورد عليه يوسف وأخيه قال الله: ﴿قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ، قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ، فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، قَالُواْ يَآ أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف /٩٨:٩٠]

стр. 4451

قال الله تعالى عنه وعن النسوة: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف /٣٤:٣٢] ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا (١) وَألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف/١٠١) [*] قال الفَخْرُ الرَّازي: من أراد الدُّعَاءَ فلا بد أن يُقَدِّمَ عليه ذِكْرُ الثَّنَاءِ على الله تعالى، فَهَهُنَا يوسف ﵇ لما أراد أن يَذْكُرَ الدُّعَاء قَدَّمَ عليه الثَّنَاء وهو قوله ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ ثم ذَكَرَ عَقِبَهُ الدُّعَاء وهو قوله ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَألْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٠ (دعاء سيدنا زكريا ﵇: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً (٢) إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران/٣٨) [*] قال القرطبي: دَلَّتْ هذِهِ الآيَة على طَلَب الْوَلَد، وهي سُنَّة الْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ .. الْوَاجِب عَلَى الإنسان أنْ يَتَضَرَّع إلى خَالِقه في هِدَايَة وَلَده وَزَوْجه بِالتَّوْفِيقِ لَهُمَا وَالْهِدَايَة وَالصَّلاح وَالْعَفَاف وَالرِّعَايَة، وأنْ يَكُونَا مُعِينِينَ لَهُ عَلَى دِينه وَدُنْيَاهُ حَتَّى تَعْظُم مَنْفَعَته بِهِمَا فِي أولاهُ وَأخْرَاهُ ٠ وعَنَّوَنَ الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الدَّعَوَاتِ فقال: باب الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ الوَلَدِ مع البَّرَكَةِ٠

стр. 4452

(حديث أنَسٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: قَالَتْ أمِّي يَارَسُولَ اللَّهِ خَادِمُكَ أنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ قال: " اللَّهُمَّ أكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أعْطَيْتَهُ"٠ ﴿تنبيه﴾: (يجب الدُّعاء بالكثرة مع البَرَكَة، ذلك أن الكثرة دون بَرَكَةٍ لا فائدة منها٠ (من دعاء سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنَّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الممتحنة /٥) [*] عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لاَ تُسَلِّطهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا (١) ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم/٤٠، ٤١) (دعاء محمد ﷺ وأصحابه:

стр. 4453

قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ، بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران /١٧٤،١٧٣] (دعاء المؤمنين من قوم موسى ﵇: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (يونس /٨٥، ٨٦) (دعاء عِباَدُ الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان/٧٤) ومعنى ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أي قُدْوَةً يُقْتَدَى بِنَا في ٠ [الفرقان /٧٤] (دعاء أصحاب الكهف: ﴿إذْ أوَى الْفِتْيَةُ إلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف/١٠) (دعاء المجاهدين في سبيل الله تعالى:

стр. 4454

﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أمْرِنَا وَثَبِّتْ أقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران/١٤٧) [*] نقل الفخر الرازي في تفسيره عن القاضي عياض قال: يَجْبُ تقديم التَّوْبَةِ والاِسْتِغْفَارِ على طَلَبِ النُّصْرَةِ، فَبَيَّنَ تعالى أنَّهم بَدَأو بالتَّوْبَةِ عن كل المعاصي، ثم سألوا ربَّهُمُ أن يُثَبِتَ أقدامهم، ثم سألوا بعد ذلك أن يَنْصُرَهُم على القوم الكافرين، ثم قال: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطَّلَبِ بالأدعية عند النَّوَائِبِ واَلْمِحَنِ سواء كان في الجهاد وغيره (١) (الدعاء للمؤمنين بالمغفرة وللنفس بسلامة الصدر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر/١٠) (حديث عبادة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ حسنة. ثانياً: الدعاء من السنة الصحيحة: (أكثر دعاء النبي ﷺ : (حديث أنَسٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: كان أكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "٠ [*] نقل المنَّاوي في فَيْضِ القَدِيرِ عن الطِيِبِي أنه قال: إنَّمَا كان يُكْثُرْ ﷺ من هذا الدُّعَاء لأنه من الجَوَامِعِ التي تَحُوزُ جميع الخَيْرَاتِ الدُّنيوية والأخْرَوِيَةِ (٢) [*] ونقل ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى:

стр. 4455

﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة /٢٠١) عن أبي طالوت (١) قال: كنت عند أنَس بْن مالك فقال لَهُ ثابت إنَّ إخْوَانك يُحِبُّونَ أنْ تَدْعُو لَهُمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَقِنَا عَذَاب النَّار، وَتَحَدَّثُوا سَاعَة حَتَّى إذَا أرَادُوا الْقِيَام قال أبَا حَمْزَة: إنَّ إخْوَانك يُرِيدُونَ الْقِيَام فَادْعُ اللَّه لَهُمْ، فقال: أتُرِيدُونَ أنْ أشْقُقَ لَكُمْ الأمُور إذَا آتَاكُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَة حَسَنَة وَوَقَاكُمْ عَذَاب النَّار فَقَدْ آتَاكُمْ الْخَيْر كُلّه (٢) (حديث شَهْرُ بن حَوْشَبٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: قُلْتُ لأمِّ سَلَمَةَ: يَا أمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: كَانَ أكْثَرُ دُعَائِهِ " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " قالت: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قال: " يَا أمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ أصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ أقَامَ وَمَنْ شَاءَ أزَاغَ، فَتَلا مُعَاذٌ (٣) ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران/٨) (حديث أنَسٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يقول: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ "٠ (دعاء القنوت في الوتر: (حديث الحسن بن علي في صحيح السنن الأربعة) قال علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر ﴿اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت﴾ (سؤال العمل النافع:

стр. 4456

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: " اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ " (الاستعاذة من المنكرات: (حديث قطبة بن مالك ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كان النبي ﷺ يقول: " اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء " ٠ (الاستعاذة من الأمراض والأسقام: (حديث أنس في صحيح أبي داوود) قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئِ الأسقام. (دعاء لإذهاب الهم: (حديث ابن مسعود في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: ما أصاب عبداً همٌ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِ اسمٌ هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدٌ من خلقك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبي ونورَ بصري وجلاء حزني وذهاب همِّي إلا أذهب الله همَّه وأبدله مكانه فرجاً. (دعوات المكروب: (حديث أبي بكرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين و أصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت. (حديث ابن عباس في الصحيحين) أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم. (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.

стр. 4457

[*] قال المناوي رحمه الله تعالى: في تأثير هذا الدعاء في دفع هذا الهم والغم مناسبة بديعة فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها وصفة القيمومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا قيل إن اسمه الأعظم هو الحي القيوم والحياة التامة تضاد جميع الآلام والأجسام الجسمانية والروحانية، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ونقصان الحياة يضر بالأفعال وينافي القيمومية فكمال القيمومية بكمال الحياة فالحي المطلق التام الحياة لا يفوته صفة كمال البتة والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة فالتوصل بصفة الحياة والقيمومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة وتغير الأفعال فاستبان أن لاسم الحي القيوم تأثيراً خاصاً في كشف الكرب وإجابة الرب. اهـ. (نسألك الهدى والتقى: (حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. (ادخر هذه الكلمات فهي خير لك من الذهب والفضة: (حديث شداد بن أوس الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال له:" يا شداد بن أوس إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة؛ فأكثر هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسْألُكَ الثَّباتَ في الأمْرِ، والعَزِيمَةَ على الرُّشْدِ، وأسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وأسْألُكَ شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وأسْألُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، ولِسَانًا صَادِقًا، وأسْألُكَ مِنْ خَيْرِ ما تَعْلَم، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَم، وأسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَم؛ إنَّكَ أنْتَ عَلاَمُ الغُيُوبِ " (سؤال المغفرة والبركة: (حديث أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ رَجُلاً قَالَ يَارَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ دُعَاءَكَ اللَّيْلَةَ فَكَانَ الَّذِي وَصَلَ إِلَيَّ مِنْهُ أنَّكَ تَقُولُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي " قال: " فَهَلْ تَرَاهُنَّ تَرَكْنَ شَيْئًا "٠ ومعنى " فَهَلْ تَرَاهُنَّ تَرَكْنَ شَيْئًا " أي: من خَيْرَيِ الدُّنيا والآخِرَة٠ (الاستعاذة من العجز والكسل: (حديث أنس في الصحيحين) قال كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و العجز و الكسل و الجبن و البخل و ضلع الدين و غلبة الرجال.

стр. 4458

[*] قال في فتح الباري: الْفَرْق بَيْن الْعَجْز وَالْكَسَل أنَّ الْكَسَل تَرْك الشَّيْء مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الأخْذ فِي عَمَله، وَالْعَجْز عَدَم الْقُدْرَة (١) (الاستعاذة من سخط الله تعالى: (حديث ابن عمر في صحيح مسلم) قال كان رسول الله يقول اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوِّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك. والفُجَاءَةُ: أي الْبَغْتَةُ٠ (اجعل ثأرنا على من ظلمنا: (حديث ابن عمر في صحيح الترمذي) قال قلما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلسٍ حتى يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا و بين معاصيك و من طاعتك ما تبلغنا به جنتك و من اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصيبات الدنيا و متعنا بأسماعنا و أبصارنا و قوتنا ما أحييتنا و اجعله الوارث منا و اجعل ثأرنا على من ظلمنا و انصرنا على من عادانا و لا تجعل مصيبتنا في ديننا و لا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا و لا تسلط علينا من لا يرحمنا. (الاستعاذة من الجوع والخيانة: (حديث أبي هريرة في صحيحي أبي د اود والنسائي) قال كان رسول الله ﷺ يقول اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع و أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة. (طلب المغفرة والرحمة والهداية والرزق: (حديث عن أبي مَالِكٍ الأشْجَعِيُّ عن أبِيهِ الثابت في صحيح مسلم) قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُ مَنْ أسْلَمَ يَقُولُ:" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي"٠ (الجوامع من الدعاء: (حديث عائشة في صحيح ابن ماجة) أن رسول الله علمها هذا الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم و أعوذ بك من الشر كله عاجله و آجله ما علمت منه و ما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك و نبيك و أعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك و نبيك اللهم إني أسألك الجنة و ما قرب إليها من قول أو عمل و أعوذ بك من النار و ما قرب إليها من قول أو عمل و أسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا.

стр. 4459

(حديث عمار ابن ياسر في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء اللهم بعلمك الغيب و قدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي و توفني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهم و أسألك خشيتك في الغيب و الشهادة و أسألك كلمة الحق في الرضا و الغضب و أسألك القصد في الفقر و الغنى و أسألك نعيما لا ينفد و قرة عين لا تنقطع و أسألك الرضا بالقضاء و أسألك برد العيش بعد الموت و أسألك لذة النظر إلى وجهك و الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة و لا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين. (حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني وزدني علماَ. (الاستعاذة من الفقر والقِلَة: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و النسائي) أن النبي ﷺ قال:" اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أظْلِمَ أوْ أُظْلَمَ "٠ قال العلماء: المقصود بالفقر أي فَقْرُ النَّفْسِ الذي يُقَابِلُ غِنَى النَّفْسِ وهو: القَنَاعَة، والقِلَةُ أي: في أبواب البِّرِّ وخِصَالِ الخَيْرِ ٠ (الاستعاذة من التَّخَبُطِ عند الموت: ((حديث أبي اليسر ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود): أن رسول الله ﷺ كان يدعو اللهم إني أعوذ بك من الهدم وأعوذ بك من التردي وأعوذ بك من الغرق والحرق والهرم وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا. " وَأعُوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ " فَسَّرَهُ الْخَطَّابِيّ بِأنْ يُسْتَوْلَى عَلَيْهِ عِنْد مُفَارَقَة الدُّنيا فَيُضِلّهُ ويَحْولُ بَيْنه وَبَيْن التَّوْبَة أوْ يُعَوِّقهُ عن إصلاح شأنه والخروج من مَظْلِمَة تَكُون قَبْله أوْ يُؤَيِّسهُ من رَحْمَة اللَّه أوْ يُكَرِّه لَهُ الْمَوْت وَيُؤْسِفهُ على حَيَاة الدُّنيا فلا يَرْضَى بِمَا قَضَاهُ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْفَنَاء وَالنَّقْلَة إِلَى دَار الآخِرَة فَيُخِْتَمُ لَهُ وَيَلْقَى اللَّه وَهُوَ سَاخِط عَلَيْهِ (١) (الدُّعاءُ بِتَزْكِيَّةِ النَّفْسِ:

стр. 4460

(حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها. (الدُّعَاءُ بِاَلْعَافِيَةِ: (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال لعمه: أكْثِرْ اَلْدُّعَاءَ بِاَلْعَافِيَةِ " ٠ (حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال لم يكن رسول ﷺ الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح ﴿ ... اللهم إني أسألك العفو و العافية الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي و أهلي و مالي، اللهم استر عوراتي و آمن روعاتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي. (الاستعاذة من أربع مهلكات: (حديث زيد ابن أرقم في صحيح مسلم) قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها. (الاستعاذة بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ: (حديث فَرْوَةَ بن نَوْفَلٍ الأشْجَعِيِّ الثابت في صحيح مسلم) قال سَألْتُ عَائِشَةَ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِ اللَّهَ، قالت كان يقول: " اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أعْمَلْ "٠ (سؤال ستر العورة وتأمين الروعة: (حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أسألك العفو و العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو و العافية في ديني و دنياي و أهلي و مالي، اللهم استر عورتي و آمن روعتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي. (الاستعاذة من الضلال:

стр. 4461

(حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلَهَ إِلاَّ أنْتَ أنْ تُضِلَّنِي، أنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإنْسُ يَمُوتُونَ " ٠ (اسم الله الأعظم: (حديث أنس في صحيح السنن الأربعة) قال سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي ﷺ لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. (حديث بريدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال سمع النبي ﷺ رجلا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي: (حديث أبِي موسى الأشْعَرِيِّ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أمْرِي وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "٠ (التعوذ من جهد البلاء: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ كان يتعوذ من جَهْدِ البلاء ودَرَكِ الشقاءِ وسوءِ القضاءِ وشماتةِ الأعداء. والجَهْد أي: الضَّيِقِ والمَشَّقَةِ، ودَرَكِ الشَّقَاءِ أي: الوُقُوعُ في المَصَائِبِ والمُهْلِكَاتِ٠ (الاستعاذة من جار السوء:

стр. 4462

(حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: " تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السَّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ"٠ (دعاء يُفرَّج همَّ الدَّيْن: (حديث علي في صحيح الترمذي) «أنَّ مُكَاتَبًا (١) جَاءَهُ فقال: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأعِنِّي، قال ألا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ كان عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ (٢) دَيْنًا أدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ؟ قال: قُلْ: " اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عن حَرَامِكَ وَأغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ " ٠ [*] قال العلماء: طلب المُكَاتِبُ المَالَ، فَعَلَّمَهُ الدُّعَاء إمَّا لأنه لم يَكُنْ عنده من المَالِ لِيُعِينَهُ فَرَدَّه أحْسَنَ رَدٍّ عملا بقوله تعالى ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ﴾ أو أرْشَدَهُ إلى أنَّ الأوْلَىَ والأصْلَحَ له أن يَسْتَعيِنَ بالله لأدَائِهَا ولا يَتَكِلَ على اَلْغَيْرِ (٣) (الاستعاذة من ضلع الدَّيْن وغلبة الرجال: (حديث أنس في الصحيحين) قال كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن و العجز و الكسل و الجبن و البخل و ضلع الدين و غلبة الرجال. (استغاثة الزمها وأكثر منها: (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: " ألِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَام "٠ " أَلِظُّوا " أي: الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها٠ (اللهم احفطني بالإسلام: (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ كان يدعو: " اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تُشَمِت بي عدواً حاسداً، اللهم إني أسألك مِنْ كُلِّ خَيْرٍ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ، وأعُوُذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرِّ خَزَائِنُهُ بِيَدِكَ " (سؤال صلاح الدين والدنيا:

стр. 4463

(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي و أصلح لي آخرتي التي فيها معادي و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير و اجعل الموت راحة لي من كل شر. (الدعاء عَلَى اَلْكَافِرِينَ وَاَلْمُنَافِقِينَ: قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة/١٠) [*] قال القرطبي في تفسيره على الآية الكريمة: قوله تعالى ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قيل: هو دُعَاء عليهم، ويكون معنى الكلام: زَادَهُمْ اللَّه شَكًّا وَنِفَاقًا جَزَاء على كُفْرهمْ وَضَعْفًا عَنْ الانْتِصَار وَعَجْزًا عَنْ الْقُدْرَة، وعلى هذا يكون فِي الآيَة دَلِيل على جَوَاز الدُّعَاء على الْمُنَافِقِينَ وَالطَّرْد لَهُمْ، لأنَّهُمْ شَرّ خَلْق اللَّه٠أ٠هـ٠ [*] وكان معاذ بن الحارث الأنصاري إذا انتصف رمضان لَعَنَ الكَفَرَةَ (١) [*] وقال الأعرج: ما أدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ٠ (رواه مالك في الموطأ) [*] قال في المنتقى شرح الموطأ: قوله: (ما أدْرَكْت النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ) يُرِيدُ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أنَّهُمْ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي رَمَضَانَ بِلَعْنِ الْكَفَرَةِ، وَمَحَلُّ قُنُوتِهِمْ الْوِتْرُ ٠ [*] وقال الحافظ ابْنُ عَبْدِ البَّرِّ في شرحه لحديث الأعرج: فيه إبَاحَةُ لَعْنُ الكَفَرَةِ، كانت لهم ذِمَّةٌ أوْلَمْ تَكُنْ، وليس ذلك بِوَاجِبٍ، ولكنه مُبَاحٌ لِمَنْ فَعَلَهُ غَضًَبا لله في جَحْدِهِمُ الحَقَّ وعَدَاوَتِهِم لِلْدِّيِنِ وأهله (٢) وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (المائدة /٧٨) [*] قال القرطبي في تفسيره على الآية الكريمة: فيه مسألة واحدة وهي: جَوَاز لَعْن الْكَافِرِينَ ٠ [*] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

стр. 4464

الدُّعَاءُ على جِنْسِ الظَّالِمِينَ الكُفَّار مَشْرُوعٌ مَأمُورٌ بِهِ، وشُرِعَ القُنُوتُ والدُّعَاءُ للمؤمنين، والدُّعَاءُ على الكَافِرِين (١) [*] قال ابن العربي: دَعَا نُوحٌ على الكافرين أجمعين، ودَعَا النَّبِيَّ ﷺ على من تَحَزَّبَ على المؤمنين وألَّبَ عليهم، وكان هذا أصلا في الدُّعَاءِ على الكافرين في الجملة، فأمَّا كافر مُعَيَّنٌ لَمْ تُعْلَمُ خَاتِمَتُهُ فلا يُدْعَى عليه؛ لأنَّ مَآلُهُ عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسَّعادة، وإنما خَصَّ الَّنِبيُّ ﷺ بالدُّعَاءِ عُتَّبَةٌ وشَيَّبَةٌ وأصْحَابِهِمَا (٢) لِعِلْمِهِ بِمَآلِهِم وما كُشِفَ له من الغِطَاءِ عن حَالِهِم، والله أعلم (٣) (أفضل الدعاء الحمد لله: (حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أن النبي ﷺ قال: " أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ " [*] قال القرطبي في تفسيره: يُستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنَّة ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله ربِّ العالمين﴾ (يونس/ ١٠) (الدعاء على الظالمين: الظلم داء خطير وشرُّه مستطير، يعصف بالظالم قبل المظلوم، وينذر بالخراب المحتوم، ومن بشاعة الظلم أن الجبار ﷻ حرّمه على نفسه كما في الحديث الآتي: (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة.

стр. 4465

(حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه. فالظلم من كبائر الذنوب، ومن أشنع المحرمات وأبشعها، ما أحله دين من الأديان، ولم تقره شريعة من الشرائع، ولم يبحه عرف من الأعراف؛ لأن عاقبته وخيمة في الدنيا قبل الآخرة، فالظلم سبب لنزول النقم، وسلب النعم، ومدعاة للمحق والبغض من الرب ﷻ . ولخطورة هذا الشر المستطير، وشناعة آثاره، وبشاعة نتائجه، وخبث ثماره، لم يمهل الرب -جل وعلا- فاعله إلى الدار الآخرة ليذيقه الهوان العظيم، والعذاب الأليم، والنكال المبين، بل يعجل له العقوبة والعذاب في الدنيا، ويريه شر ما جنت يداه ليشفي صدور قوم مظلومين مقهورين، فوضوا الأمر إلى رب العالمين. (حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي و العقوق. فالظالم خاسر مغبون؛ لأن الله هو الذي يقتص منه، فمهما أوتي الظالم من قوة وجبروت، فهذا كله لا يمنعه من عقاب الله جل وعلا قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنّ اللّهَ غَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ) [إبراهيم:٤٢، ٤٣]

стр. 4466

وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة على تحريم الظلم والتحذير منه والنهي عنه، وبيان عواقبه الوخيمة، فمن ذلك ما يلي: قال تعالى: (وَالظّالِمُونَ مَا لَهُمْ مّن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ) [الشورى: ٨] قال تعالى: (مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨] قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىَ ظُلْماً إِنّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) [النساء: ١٠] (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة. (حديث أبي ذرٍ في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه. (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار. (حديث ابن عمر في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرضين.

стр. 4467

(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. (حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. [*] (أضرار الظلم وعواقبه: ١ - الظلم ظلمات يوم القيامة: (حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الظلم ظلماتٌ يوم القيامة. [*] قال القاضي عياض: "قيل: ظاهره أنه ظلمات على صاحبه حتى لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم. وقد تكون الظلمات هنا الشدائد، وقد تكون الظلمات ها هنا عبارة عن الاتكال بالعقوبات عليه، وقابل بهذه اللفظة قوله: ((الظلم)) لمجانسة الكلام" [*] وقال ابن الجوزي: "وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب، لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى اكتنفت ظلمات الظلم الظالم حيث لا يغني عنه ظلمه شيئاً". ٢ - الظلم سبب هلاك الأمم: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ﴾ [يونس:١٣]. [*] قال ابن سعدي: "يخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية بظلمهم وكفرهم، بعدما جاءتهم البينات على أيدي الرسل تبين الحق فلم ينقادوا لها ولم يؤمنوا، فأحل بهم عقابه الذي لا يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله، وهذه سننه في جميع الأمم" ٣ - قبول دعوة المظلوم على الظالم: (حديث ابن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك

стр. 4468

فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده. [*] قال ابن عثيمين: "فيه دليل على أن دعوة المظلوم مستجابة لقوله: ((فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). وفيه دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم، لأن الرسول ﷺ أمر بذلك" ٤ - اللعن للظالمين: قال تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]. [*] قال ميمون بن مهران: إن الرجل يقرأ القرآن وهو يلعن نفسه، قيل له: وكيف يلعن نفسه؟! قال: يقول: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وهو ظالم ٥ - إملاء الله للظالم حتى يأخذه: (حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن الله تعالى لَيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢] [*] قال القرطبي ﵀: "يملي: يطيل في مدّته، ويصحّ بدنه، ويكثر ماله وولده ليكثر ظلمُه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾ [آل عمران:١٢٨]، وهذا كما فعل الله بالظلمة من الأمم السالفة والقرون الخالية، حتى إذا عمّ ظلمهم وتكامل جرمهم أخذهم الله أخذة رابية، فلا ترى لهم من باقية، وذلك سنة الله في كلّ جبار عنيد" ٦ - حال الظالمين في الآخرة: قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم:٤٢، ٤٣]. [*] قال ابن كثير:

стр. 4469

"يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا تسحبنه إذا أنظرهم وأجّلهم أنه غافلٌ عنهم مهمِل لهم لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصِي ذلك عليهم ويعدّه عليهم عداً، ﴿إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ﴾ أي: من شدّة الأهوال يوم القيامة. ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر فقال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين، ﴿مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤوسهم، ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحلّ بهم، عياذاً بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف" ٧ - حرمان الفلاح: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١]. [*] قال ابن سعدي: "فكلّ ظالم وإن تمتّع في الدنيا بما تمتّع به فنهايته فيه الاضمحلال والتلف" ٨ - حرمان الهداية والتوفيق: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠]. وطلب هداية التوفيق من الأدعية التي أوجبها الله علينا في أعظم مقام نقف فيه بين يدي الله ، وهو في الصلاة، حيث نقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فالظلم ـ أعاذنا الله منه ـ يكون سبباً لحرمان هداية التوفيق، وهذا يستلزم البعد عن مقامات الظلم حتى يستجيب الله دعاءنا في صلاتنا ٩ - حرمان حبّ الله تعالى: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:٤٠]. [*] قال ابن سعدي: "أي: الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم" ١٠ - حلول المصائب في الدنيا والعذاب في القبر: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:٤٧]. [*] قال ابن سعدي:

стр. 4470

"لما ذكر الله عذاب الظالمين في القيامة أخبر أن لهم عذاباً دون عذاب يوم القيامة، وذلك شامل لعذاب الدنيا بالقتل والسبي والإخراج من الديار، ولعذاب البرزخ والقبر" ١١ - العذاب الأليم: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى:٤٢]. [*] قال ابن سعدي: "أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾، وهذا شامل للظلم والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم" ١٢ - خذلان الظالم عند الله تعالى: قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]. [*] قال ابن عثيمين: "أي: أنه يوم القيامة لا يجد الظالم حميماً، أي: صديقاً ينجيه من عذاب الله، ولا يجد شفيعاً يشفع له فيطاع، لأنه منبوذ بظلمه وغشمه وعدوانه" وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة:٢٧٠]. [*] قال ابن عثيمين: "يعني: لا يجدون أنصاراً ينصرونهم ويخرجونهم من عذاب الله سبحانه" مسألة: هل دعاء المظلوم على الظالم مكروها؟ الجواب: دُعاء المظلوم على مَن ظَلَمه ليس مكروها، إلا أن يتعدّى المظلوم في دُعائه، كأن يدعو بأكثر مما ظُلِم، أو أن يَدعو بإثم أو بِقطيعة رَحِم. وقد أذِن الله للمظلوم أن يدعو على مَن ظَلَمَه. قال تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ ([النساء /١٤٨] [*] قال ابن عباس في الآية: يقول: لا يُحِبّ الله أن يَدعو أحَد على أحَد إلاَّ أن يكون مَظلوما، فإنه قد أرْخص له أن يَدعو على مَن ظَلَمه، وذلك قوله: (إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ)، وإن صَبَر فَهو خَيْر له. وقال أيضا: لا بأس لمن ظُلم أن ينتصر ممن ظَلمه بمثل ظُلْمِه. وقال تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) [الشورى /٤١]

стр. 4471

ثم قال ﵎ بعد ذلك: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ). [*] قال الحسن البصري: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعِنِّي عليه، اللهم اسْتَخْرِج حَقّي منه. وقيل: إن شُتِم جاز أن يَشْتِم بمثله لا يَزيد عليه. نَقَله البغوي. [*] وقال ابن كثير في قوله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ما نصه: أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظَلَمهم. اهـ. فيجوز للمظلوم أن يَدعو على مَن ظَلَمه بِقَدْر مَظْلَمَتِه، وإن صَبر فهو أفضل له، لأن أجْر ذلك يُدَّخَر له يوم القيامة. وأفضل مِنه أن يصبر ويَغفر، فيَعظُم أجره. والله تعالى أعلم. فينبغي للمظلوم أن يفوض أمره إلى الله ويقول: "وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد"، ويكثر من قوله: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وعليه أن يكثر من الدعاء على من ظلمه ويبشر بالخير؛ فقد أخذ الجبار ﷻ بإجابة دعوة المظلوم؛ قال ﷺ : "اتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" متفق عليه. على المظلوم أن يستعين على الظالم بسهام الليل، فما هي سهام الليل؟ إنها الدعاء .. وقف أحد الرعية أمام أحد الطغاة، وقد أوقع عليه ظلماً شديداً، فقال الرجل للطاغية لاستعين عليك بسهام الليل! قال الطاغية: ما سهام الليل؟ قال الرجل: الدعاء. فيا أيها المظلوم أبشر بنصر الله لك في الدنيا قبل الآخرة. إن المتأمل في أحوال الناس اليوم يجد الكثير من الناس لا يتوقّى الظُّلم ولا دعوة المظلوم ويتناسى أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. وأن الله يرفعها فوق الغمام، ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين فـ لله كم هلك بسببها من هالك وكم شقي بسببها من سعيد وكم افتقر بسببها من غني وكم زال بسببها من مُلك (إنها دعوات المظلومين، فدعوة المظلوم قد تصيبك في نفسك، دعوة المظلوم قد تصيبك في مالك، دعوة المظلوم قد تصيبك في ولدك، دعوة المظلوم تقلب صحتك سقمًا, دعوة المظلوم تقلب سعادتك شقاء، دعوة المظلوم تجعلك بعد العز والغنى ذليلاً حقيرًا فقيرًا. (قيل لما حبس خالد بن برمك و ولده قال: يا أبتي بعد العز صرنا في القيد و الحبس فقال: يا بني دعوة المظلوم سرت بليل غفلنا عنها و لم يغفل الله عنها و كان يزيد بن حكيم يقول: ما هبت أحدا قط هيبتي رجلا ظلمته و أنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله يقول لي: حسبي الله: الله بيني و بينك.

стр. 4472

ولله درُّ من قال: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ ... يدعو عليك وعين الله لم تنم و حبس الرشيد أبا العتاهية الشاعر فكتب إليه من السجن هذين البيتين شعرا: أما و الله إن الظلم شؤم ... و ما زال المسيء هو المظلوم ستعلم يا ظلوم إذا التقينا ... غدا عند المليك من الملوم ولله درُّ من قال: توق دعا المظلوم إن دعاءه ... ليرفع فوق السحب ثم يجاب توق دعا من ليس بين دعائه ... و بين إله العالمين حجاب و لا تحسبن الله مطرحا له ... و لا أنه يخفى عليه خطاب فقد صحَّ أن الله قال و عزتي ... لأنصر المظلوم و هو مثاب فمن لك يصدق ذا الحديث فإنه ... جهول و إلا عقله فمصاب دخل طاوس اليماني على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله يوم الأذان قال هشام: وما يوم الأذان؟ قال: قال الله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ فصعق هشام فقال طاوس: هذا ذا الصفة فكيف بذل المعاينة؟ يا راضيا باسم الظالم كم عليك من المظالم؟ السجن جهنم و الحق الحاكم! أخي هل تعتقد أن الإنسان المظلوم يعيش مثل الإنسان الطبيعي؟ هل يحس بما نحس به نحن الآن؟ هل تعتقد بأن حياته طبيعية وشعوره عادي؟ إذا كنت تعتقد ذلك فأعد النظر يا صديقي! الإنسان المظلوم لا يعيش حياته كغيره من البشر .. لا يعيش ولا يحس كالأشخاص الطبيعيين .. لا يحس بطعم الشراب ولا الطعام! لا يستطيع أن يستمتع بحياته! بل لا يستطيع حتى أن يبتسم مثلي ومثلك!!! الإنسان المظلوم يصاب بالإكتئاب .. الإنسان المظلوم باختصار يحس بأن هنالك صخرة بحجم الكرة الأرضية .. بل بحجم العالم كله .. تجثم على صدره! وعندما يحاصَر المظلوم من كل جهة، ويضيّق عليه الخناق، فلا يستطيع الانتصار لنفسه ممن ظلمه، ولا يقدر على التخلص من الظلم الصارخ الذي أحاط به من كل جانب، يرفع يديه إلى السماء، فتَفتح له السماء أبوابها، وتأتيه منافذ الفرج، ويتنزل عليه المدد، إنه مدد السماء، من رب الأرباب، وخالق الأسباب، مهلك الجبابرة، وقاصم القياصرة، الذي أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. إن رحمة الله ﵎ تتجلى في هذا السلاح الفتاك الذي منحه الله للمظلومين، بل إن الظلمة مهما بلغوا من الطغيان أفراداً كانوا أو دولاً، قد يسقطون بسبب الدعاء. (ولهذا دعا نوح _ ﵇ _ على قومه عندما استضعفوه، وكذَّبوه، وردُّا دعوته.

стр. 4473

(وكذلك موسى _ ﵇ _ دعا على فرعون عندما طغى، وتجبر، وتسلط، ورفض الهدى ودين الحق؛ فاستجاب الله لهما، وحاق بالظالمين الخزي في الدنيا، وسوء العذاب في العقبى. وكذلك الحال بالنسبة لكل من ظُلِم، واستُضْعِف؛ فإنه إن لجأ إلى ربه، وفزع إليه بالدعاء _ أجابه الله، وانتصر له وإن كان فاجرًا. ولله درُّ من قال: أما والله إن الظلم شؤم ... ومازال المسيء هو الظلوم إلى ديّان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم هل يظن الظالم بأن الله غافل عنه، لا يعلم عنه، لا يقدر عليه؟ إن الله يمهل الظالم لكن لا يهمله، يصبر على الظلمة ولكن إذا أخذهم لم يفلتهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة النحل/ ٦١] فيا أيها الظالم: اتق دعوة المظلوم، لا تعرض نفسك لدعائه؛ لأن دعوة المظلوم مستجابة. اتق دعوة المظلوم فإنها تُحمل على الغمام ويقول الله تعالى: ((وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)). اتق دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب، فكيف بالمظلوم إن كان مسلماً، كيف بالمظلوم إن كان صالحاً تقياً. والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يدل على شناعة الظلم وأن الله تعالى يستجيب دعوة المظلوم وإن كان فاجرا، وهاك غيضٌ من فيض مما ورد في هذا: (حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب. (حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين. (حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.

стр. 4474

(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه. (ولذا وجب علينا تذكير الظالم برد المظالم احذر أن تأتي يوم القيامة مفلساً (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ و صيام و زكاة و يأتي وقد شتم هذا و قذف هذا و أكل مال هذا و سفك دم هذا و ضرب هذا فيُعطِى هذا من حسناته و هذا من حسناته فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار. فاحذر يا مسكين من نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. فما هو الحل إذاً؟ الحل هو الحديث الآتي: (حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. ﴿تنبيه﴾: (واعلموا بأن الله تعالى لا يرد دعوة المظلوم ولو كانت من كافر، لا تقولوا بأن هذا كافر لا حرمة له، نعم. لا حرمة له؛ لأنه كافر نجس، ولكن لا تظلمه، ولا تأكل عليه حقه، ولا تأخذ منه حقه، أعطه حقه كاملاً موفوراً غير منقوص ولا تظلمه، فلو دعا عليك وهو كافر لاستجاب الله دعوته، وكفره على نفسه، وفجوره على نفسه، أما دعوة المظلوم فيرفعها الله فوق الغمام، ويقول لها: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) وكانت وصية النبي ﷺ لمعاذ وهو ذاهب إلى اليمن: (واتق دعوة المظلوم -وكم من الناس لا يهتم بها، ولا يأبه لها- فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم اعلم بأن الله يمهلك ولا ينساك ولا يغفل عنك، فإن كنت ظالماً لأحد من عباد الله ولأحد من خلق الله كافراً كان أو مسلماً، فرد إليه المظلمة قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار، ولا مناصب ولا كراسي ولا وزارات، ويؤخذ من حسناتك -يا عبد الله- فتعطى لمن ظلمت، حتى إذا ما فنيت حسناتك أُخذ من سيئات من ظلمتهم في الدنيا فطرحت عليك، فطرح صاحب المظالم على وجهه في النار، وهذا هو المفلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

стр. 4475

[*] قال الإمام الشافعي وما أجمل ما قال: وربَّ ظلومٍ قد كفيت بحربه ... فأوقعه المقدور أيَّ وقوعِ فما كان لي الإسلامُ إلا تعبدًا ... وأدعيةً لا تُتَّقى بدروع وحسبك أن ينجو الظلومُ وخلفه ... سهامُ دعاءٍ من قِسيِّ ركوع مُرَيَّشة بالهدب من كل ساهرٍ ... منهلة أطرافها بدموع (١) وقال: أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاءُ سهام الليل لا تخطي ولكن ... له أمدٌ وللأمد انقضاءُ (٢) (وإذا تقطعت بك -أيها المظلوم- الأسباب، وأُغلقت في وجهك الأبواب، فاقرع أبواب السماء، وُبثَّ إلى الجبار اللأواء، فهو مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، وَعَدَ بنصرة الملهوف، وإجابة المظلوم، ظَلَم رجل سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال سعد: (اللهم أعم بصره، وأطل عمره، عرضه للفتن)، (قال الراوي: فأنا رأيته بعد قد عمي بصره، وقد سقط حاجبه على عينيه من الكبر، ويقول: كبير مفتون أصابته دعوة سعد. (فيا ويل من وجهت له سهام المظلومين، ورفعت عليه أيدي المستضعفين، فاصبر -أيها المصاب- على ما قدر، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، والبلاء المحض هو ما يشغلك عن ربك، وأما ما يقيمك بين يديه ففيه كمالك وعزك، وإذا أقبل اليسر، وحل الفرج، وزالت الغموم، وما أقربَ الأمر، فاحمد الله على ما كشف، ففي الحمد شكر وزيادة نِعَم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر:٦٠]. (والشواهد على إجابة دعوة المظلوم لا تكاد تحصر، ومنها ما جاء في قصة سعد بن أبي وقاص مع أهل الكوفة لما شكوه إلى عمر بن الخطاب. قال أبو عوانة، وجماعة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال:=شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشيِّ لا أخرم منها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين. فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق. فبعث رجلاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدًا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرًا، حتى أتوا على مسجد لبني عبسٍ، فقال رجل يقال له أبو سعد: أما إذا نشدتمونا بالله فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية.

стр. 4476

(فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا فأعم بصره، وأطل عمره، وعَرِّضْهُ للفتن. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت؟ قال: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. (١) (وعن سعد أيضاً: أن رجلاً قام يسب علياً ﵁، فدافع سعد عن علي، واستمر الرجل في السب والشتم، فقال سعد: اللهم اكفنيه بما شئت. فانطلق بعيرٌ من الكوفة فأقبل مسرعاً، لا يلوي على شيء، وأخذ يدخل من بين الناس حتى وصل إلى الرجل، ثم داسه بخفيه، حتى قتله أمام مشهد ومرأى من الناس. [*] وقال الذهبي: يقال إن رجلاً وشى على بسر بن سعيد عند الوليد بن عبد الملك بأنه يعيبكم. قال: فأحضره وسأله، فقال: لم أَقُلْهُ؛ اللهم إن كنتُ صادقًا فأرني به آية، فاضطرب الرجل فمات. (٢) ﴿تنبيه﴾: (ومِن حق من يدعو على الآخرين أن يذكر أولاً سبب الدعاء عليهم لئلا يتوهم السامع أن الدعاء دون سبب ولا ذنب، ولهذا قدّم موسى ﵇ السبب والجناية التي استحق فرعون وقومه والملأ منهم دعوة نبيّهم بالهلاك " قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَىَ رَبّنَآ إِنّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا رَبّنَا لِيُضِلّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبّنَا اطْمِسْ عَلَىَ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ) [سورة: يونس - الأية: ٨٨] قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَىَ رَبّنَآ إِنّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا رَبّنَا لِيُضِلّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبّنَا اطْمِسْ عَلَىَ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ) [يونس / ٨٨] " (الدعاء بلفظ إن كان: أحياناً يتهم الإنسان شخصاً بأنه أساء إليه، فهل له أن يدعو الله على هذا المتّهم أو يقيّد الدعاء فيقول اللهم إن كان فلان ظلمنى أو أساء إلى فى كذا ويذكر دعوته؟ [*] (يجيب عن التساؤل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى قائلا:

стр. 4477

المظلوم له أن يدعو الله على ظالمه بقدر ظلمه ودليل ذلك قول النبى ﷺ «اتقي دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» أحياناً لا يتمكن المظلوم من الرد على ظالمه ومصارحته إما لأنه قريب له أو صديق أو زعيمٌ لا يمكن أن نتكلم معه فى هذا .. فحينئذٍ لا ملجأ له إلا الدعاء لكن أحياناً يتهم الإنسان شخصاً بأنه أساء إليه، فهل له أن يدعو الله على هذا المتّهم أو يقيّد الدعاء فيقول اللهم إن كان فلان ظلمنى أو أساء إلى فى كذا ويذكر دعوته؟ الثانى أو الأول؟ الثانى .. يعني أحياناً يتهم القريب مثلاً بأنه أصاب شخصاً بعين أو أصاب شخصاً بسره لكن ما يستطيع الإنسان أن يتكلم لأنه ما عنده بينة ولا عنده دليل إلا أن القرائن القوية تدل على أن هذا أساء فهنا رب العالمين يعلم قل اللهم إن كان فلان هو الذى أصابني وتدعو (بما ترى أنك ستدعوه) ﴿تنبيه﴾: (وهذا المسلك سلكه من أصحاب النبي سعد ابن أبي وقاص وسعيد ابن زيد وكلاهما مبشرٌ بالجنة: (قصة سعد ابن أبي وقاص): أرسل عمر إلى الكوفة من يسأل عن سعد فكَانَ النَّاس يثنون عَلَيْهِ خيرًا حتى سئل عَنْهُ رجل من بني عبس. فَقَالَ: أما إذا أنشدتمونا عن سعد فإنه كَانَ لا يخَرَجَ في السرية ولا يعدل بالرعية ولا يقسم بالسوية. فَقَالَ سعد: اللَّهُمَّ إن كَانَ كاذبًا قام رياءً وسمعةً فاطل فأطل عمره وعظم فقره وعرضه للفتن. فكَانَ يُرى وَهُوَ شيخ كبير قَدْ تدلى حاجباه من الكبر يتعرض للجواري يغمزهن في الطرقات وَيَقُولُ: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. (قصة سعيد بن زيد): (وخاصمت أروى بنت أويس سعيد بن زيد ﵁ عند مروان ابن الحكم أمير المدينة وادَّعت عليه أنه أخذ من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طُوِّقه إلى سبع أرضين" ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تتلمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها (١). (وممن سلك هذا المسلك أبو موسى الخولاني ﵀ وكان مُجاب الدعوة: (قصة أبو مسلم الخولاني)

стр. 4478

كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف من المسجد إلى منزله كبَّر على باب منزله فتكبر امرأته، فإذا كان في صحن داره كبَّر فتجيبه امرأته فإذا بلغ باب بيته كبَّر فتجيبه امرأته فانصرف ذات ليلة فكبَّر عند باب داره فلم يجبه أحد فلما كان في الصحن كبَّر فلم يجبه أحد فلما كان في باب بيته كبَّر فلم يجبه أحد وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعامه. قال فدخل فإذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة في البيت منكسة تنكت بعود معها. فقال لها: مَالَك؟ فقالت: أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك فقال: اللهم من أفسد علي امرأتي فاعم بصره. قال وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية يخدمه ويعطيه عشتم قال: فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها فقالت ما لسراجكم طفئ قالوا لا فعرفت ذنبها فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي تسأله أن يدعو الله عز و جل لها يرد عليها بصرها. قال: فرحمها أبو مسلم فدعا الله عز و جل لها فرد عليها بصرها (ومن ذلك قصة الثلاثة الذين ابتلاهم الله في بني إسرائيل: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: «إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو قال البقر، هو شك في ذلك: أن الأبرص والأقرع: قال أحدهما الإبل، وقال الأخر البقر - فأعطي ناقة عشراء، فقال: يبارك لك فيها. وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب، وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، قال: فأعطاه بقرة حاملا، وقال يبارك لك فيها. وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري، فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والدا، فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من إبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطعت

стр. 4479

بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلغ عليه في سفري. فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا صيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخدته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك). (أهم ما يسأل العبد ربه: العبد يسأل ربه كل شيء يحتاجه في أمر دينه ودنياه، لأن الخزائن كلها بيده ، قال سبحانه: ﴿وإنْ من شيءٍ إلا عندَنا خزآئِنُهُ وما نُنَزِّلهُ إلا بقدَرٍ مَّعلومٍ﴾ [الحجر /٢١] وهو سبحانه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، كما كان النبي ﷺ يقول: ”اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ“ (١). أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه وإنما ينفعه الإيمان والطاعة (٢). والله تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم، من المطاعم والمشارب، كما يسألونه الهداية، والمغفرة، والعفو والعافية (٣) في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وسئَلُواْ اللهَ من فضلِهِ إنَّ اللهَ كانَ بكلِّ شيءٍ عليماً﴾ [النساء /٣٢] ولكن العبد يهتم اهتماماً عظيماً بالأمور المهمة العظيمة التي فيها السعادة الحقيقية ومن أهم ذلك ما يأتي: (١) سؤال الله الهداية: لقوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ [الكهف /١٧]

стр. 4480

والهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإيمان والإسلام وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصلة، وهي هدايته إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانته على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلاً ونهاراً، ولهذا أمر الله عباده أن يقرأوا في كل ركعة من صلاتهم قوله تعالى: ﴿إيَّاكَ نعبُدُ وإيَّاكَ نستَعينُ﴾ [الفاتحة /٦] (حديث ابن مسعود في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. (حديث علي في صحيح مسلم) قال، قال رسول الله ﷺ : اللهم إني أسألك الهدى والسداد. وعلم الحسن بن علي ﵄ أن يقول في قنوت الوتر: ”اللهم اهدني فيمن هديت“ (حديث الحسن بن علي الثابت في صحيح السنن الأربعة) قال علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر ﴿اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت﴾ (٢) سؤال الله مغفرة الذنوب: لأن من أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار ودخول الجنة (١). والعبد محتاج إلى الاستغفار من الذنوب، وطلب مغفرة ذنوبه من الله تعالى، لأنه يخطئ بالليل والنهار، والله يغفر الذنوب جميعاً. والكتاب والسنة الصحيحة طافحان بما يشحذ الهمم العالية إلى أن تنهل من كنوز الاستغفار بقدر ما تستطيع. قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ) [المزمل / ٢٠] وتارةٌ يمدح أهله كقوله تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ) [سورة: آل عمران - الآية: ١٧] وتارة يذكر الله تعالى أنه يغفر لمن يستغفره كقوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوَءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رّحِيماً) [سورة: النساء - الآية: ١١٠] وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه /٨٢] (حديث الأغرِّ المُزني في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة.

стр. 4481

(حديث عبد الله بن بُسر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال طوبى لمن وُجد في صحيفته استغفارا كثيرا. (حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السّمَاءِ ثُمّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». (حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن إبليس لعنه الله قال وعزتك وجلالك لا أبرح أُغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله : وعزتي وجلالي لا ابرح أغفر لهم ما استغفروني. (حديث شداد بن أوس في صحيح البخاري) سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي و أبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة و من قالها من الليل و هو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة. (حديث زيد بن حارثة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فر من الزحف. (وكثيراً ما يُقْرَنُ الاستغفار بذكر التوبة فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح، وقد وعد الله في سورة آل عمران (١) بالمغفرة لمن استغفر من ذنوبه ولم يصر على ما فعله فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد، وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه وإن شاء رده، وقد يكون الإصرار مانعاً من الإجابة (٢)،

стр. 4482

(حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ الثابت في صحيح الأدب المفرد) أن النبي ﷺ قال: ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر الله لكم، ويل لأقماع القول (١) ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون. (وإن قال أستغفر الله وأتوب إليه فله حالتان: الحالة الأولى: أن يقول ذلك وهو مصر بقلبه على المعصية فهذا كاذب في قوله: وأتوب إليه، لأنه غير تائب، فهو يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير تائب. والثانية: أن يكون مقلعاً عن المعصية بقلبه، ويسأله توبة نصوحاً ويعاهد ربه على أن لا يعود إلى المعصية، فإن العزم على ذلك واجب عليه فقوله ”وأتوب إليه“ يخبر بما عزم عليه في الحال (٢). (٣) سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال لرجلٍ: ”ما تقول في الصلاة“؟ قال: أتشهد ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار. أما والله ما أحسن دندنتك، ولا دندنة مُعاذ. فقال: ”حولها ندندنُ. يعني حول سؤال الجنة والنجاة من النار. (حديث أ أنس بن مالك بي هريرة ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار: اللهم أجره من النار. (٤) سؤال الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة: (حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال لعمه: أكْثِرْ اَلْدُّعَاءَ بِاَلْعَافِيَةِ " ٠ (حديث ابن عمر في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) قال لم يكن رسول ﷺ الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح ﴿ ... اللهم إني أسألك العفو و العافية الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي و أهلي و مالي، اللهم استر عوراتي و آمن روعاتي و احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي و من فوقي و أعوذ بك أن اغتال من تحتي.

стр. 4483

(٥) سؤال الله تعالى الثبات على دينه: (حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اللهم مُصَرِّفَ القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك. (حديث أنَسٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يقول: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ "٠ (٦) سؤال الله تعالى دوام النعمة والاستعاذة به من زوالها: وأعظم النعم نعمة الدين: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) قال كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي و أصلح لي آخرتي التي فيها معادي و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير و اجعل الموت راحة لي من كل شر. (حديث ابن عمر في صحيح مسلم) قال كان رسول الله يقول اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحوِّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك. (٧) الاستعاذة بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء: (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ كان يتعوذ من جَهْدِ البلاء ودَرَكِ الشقاءِ وسوءِ القضاءِ وشماتةِ الأعداء. (نموذج للدعاء عملياً: ١) نموذج لحمد الله تعالى والثناء عليه: (اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ومنه ملئ السموات والأرض وما بينهما وملئ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخرُ فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء، ليس كمثلك شيء وأنت السميع البصير. (يا سامعا لكل شكوى، ويا عالما بكل نجوى. يا سابغ النعم، ويا دفع النقم، ويا فارج الغم، ويا كاشف الهم يا مجيب دعوة المضطرين، يا من يقول للشيء كن فيكون، يا من لا حول ولا قوة إلا بك، يا من لا يتعاظمه شيءٌ أعطاه، يا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا ولي من ظُلم. يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث ولا الدهور، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما يظلم عليه الليل ويشرق عليه النهار.

стр. 4484

كم من نعمة أنعمت بها علينا قل لك عندها شكرنا، وكم من بلية ابتليتنا بها قل عندها صبرنا، فيا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا، ويا من قل عند بلائه صبرنا فلم يخذلنا أقذف في قلوبنا رجائك، اللهم اقذف في قلوبنا رجائك، اللهم اقذف في قلوبنا رجائك حتى لا نرجو أحدا غيرك. يا سامعا لكل شكوى، ويا عالما بكل نجوى، يا كاشف كربتنا، ويا مستمع دعوتنا، ويا راحم عبرتنا، ويا مقيل عثرتنا، يا كاشف كل ضر وبلية، ويا عالم كل سر وخفية، يا عالم الخفيات ويارفيع الدرجات، يا قاضي الحاجات ويا مجيب الدعوات افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وارزقنا التوبة وحسن الإنابة. يا رب البيت العتيق أكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق، واكفنا والمسلمين ما نطيق وما لا نطيق، اللهم فرج عنا وعن المسلمين كل هم غم، وأخرجنا والمسلمين من كل حزن وكرب. يا فارج الهم، يا كاشف الغم، يا منزل القطر، يا مجيب دعوت المضطر، يا سامعا لكل نجوى احفظ إيمان وأمن بلادنا، ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد. ٢) الصلاة على النبي ﷺ : اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد. (٣) الدعاء باسم الله الأعظم أن يستجيب دعاءنا ولا يردنا خائبين: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم أن تستجيب دعاءنا ولا تردنا خائبين ولا عن بابك مطرودين ولا من رحمتك محرومين يا مجيب دعوة المضطرين، اللهم لا تحرمنا بذنوبنا ولا تطردنا بعيوبنا ويسِّر لنا أمورنا واختم بالصالحات أعمالنا، اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة. اللهم يا عالم الخفيات ويا رفيع الدرجات ويا مجيب الدعوات ويا قاضى الحاجات افتح لدعائنا القبول والإجابة وارزقنا التوبة وحسن الإنابة. اللهم إنك قلت وقولك الحق (أدعوني أستجب لكم)، ها نحن ندعوك كما أمرتنا فاستجب لنا كما وعدتنا [*] (نموذج للدعاء من القرآن الكريم: (اللهم اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ) ﴿الفاتحة/٦،٧﴾

стр. 4485

(رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ﴿البقرة/٢٨٦﴾ (رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لّدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ ﴿آل عمران/٨﴾ ربّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيَ أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ﴿آل عمران/ ١٤٧﴾ (رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاَةِ وَمِن ذُرّيَتِي رَبّنَا وَتَقَبّلْ دُعَآءِ، رَبّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) ﴿إبراهيم / ٤٠، ٤١﴾ (رَبّنَا اصْرِفْ عَنّا عَذَابَ جَهَنّمَ إِنّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً، إِنّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) ﴿الفرقان/٦٦،٦٥﴾ (رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيّاتِنَا قُرّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتّقِينَ إِمَاماً ﴿الفرقان/٧٤﴾ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لّلّذِينَ آمَنُواْ رَبّنَآ إِنّكَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ) ﴿﴿الحشر / ١٠﴾ (﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]. (﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود ٤٧]. (﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح ٢٨]. (﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٢٧، ١٢٨]. (﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ [إبراهيم ٤٠]. (﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم ٤١].
следующие страницы →