ثم التفت عمر إلى حفصة ابنته، أم المؤمنين، فقال لها: ألم تحدثيني يا حفصة أنك ثنيت للنبي ﷺ عباءته ذات ليلة لينام عليها؟ فوجد لينها فنام ولم يستيقظ إلا بأذان بلال. فقال لك يا حفصة ماذا صنعت أثنيت العباءة والمهاد ليلتي هذه، حتى ذهب بي النوم إلى الصباح؟ مالي وللدنيا، وكيف شغلتموني بلين العباءة عن مناجاة ربي؟ يا حفصة أما تعلمين أن رسول الله ﷺ كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وكان يمضي جائعاً، ويرقد لله ذاكراً، ولم يزل لله راكعاً وساجداً وباكياً ومتضرعاً، آناء الليل وأطراف النهار، إلى أن قبضه الله إلى رحمته ورضوانه؟ فلا أكل عمر طيباً، ولا لبس ليناً، إنما مثلي ومثل صاحبيَّ قبلي كثلاثة نفر سلكوا طريقاً، فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ، ثم أتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى ووصل إليه، ثم أتبعهما الثالث، فإن سلك طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يصل إليهما ولم يجتمع بهما.
فلما سمعت حفصة وعائشة من عمر ما سمعتا، رجعتا إلى الصحابة وأخبرتهم بما سمعتا، ولم يزل عمر على تلك الحال حتى لقي ربه.
ومن الصور المشرقة لزهد عمر ﵁ ما أخرج ابن عبد الحكم عن أبي صالح الغِفاري قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵁: إنا قد خَططْنا لك داراً عند المسجد الجامع. فكتب إليه عمر: إنَّى لرجل من الحجاز تكون له دار بمصر، وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين. كذا في الكنز.
من الصور المشرقة لزهد عمر بن الخطاب ﵁ رغبة بعض الصحابة بزيادة رزق عمر ورفضه ذلك:
وأخرج الطبري عن سالم بن عبد الله قال: لما ولي عمر ﵁ قعد على رزق أبي بكر ﵁ الذي كانوا فرضوا له، فكان بذلك فاشتدت حاجته، فاجتمع نفر من المهاجرين منهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير ﵃. فقال الزبير؛ لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه، فقال علي؛ وددنا قَبل ذلك، فانطلقوا بنا، فقال عثمان: إنّه عمر فهلُّموا فلنستبرىء ما عنده من وراء، نأتي حفصة فنسأله ونستكتمها. فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر ولا تسمِّي له أحداً إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها.
стр. 457
فلقيت عمر في ذلك فعرفت الغضب في وجهه، وقال: من هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك، فقال: لو علمت من هم لسؤت وجوههم، أنت بيني وبينهم، أنشدك بالله: ما أفضل ما اقتنى رسول الله ﷺ في بيتك من الملبس؟ قالت؛ ثوبين مُمَشَّقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع. قال: فأيُّ الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: خبزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عُكَّة لنا، فجعلناها هشَّة دسمة، فأكل منها وتطعَّم منها إستطابة لها. قال: فأيُّ مبسط كان يبسطه عندك كان أوطأ؟ قالت: كساء لنا ثخين كنا نربِّعه في الصيف فنجعله تحتنا، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثَّرنا بنصفه. قال: يا حفصة، فأبلغيهم عني أن رسول الله قَدَّر فوضع الفُضول مواضعها وتبلغ بالتزجية، وإني قدرت فو الله وضعنَّ الفُضول مواضعها لأتبلغنَّ بالتزجية، وإنما مثلي ومثل صاحبيَّ كثلاثة سلكوا طريقاً، فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ ثم اتَّبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم اتَّبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما. وأخرجه أيضاً ابن عساكر عن سالم بن عبد الله فذكر نحوه، كما في منتخب الكنز.
стр. 458
وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري قال: أتيت مجلساً في جامع البصرة، فإذا أنا بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون زهد أبي بكر، وعمر ﵄ وما فتح الله عليهما من الإِسلام وحسن سيرتهما، فدنَوت من القوم، فإذا فيهم الأحنف بن قيس التميمي ﵁ (جالس) معهم، فسمعته يقول: أخرَجنا عمر بن الخطاب في سرية إلى العراق ففتح الله علينا العراق وبلد فارس، فأصبنا فيها من بياض فارس، وخراسان، فجعلناه معنا واكتسينا منها. فلما قدمنا على عمر أعرض عنا بوجهه وجعل لا يكلمنا، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتينا إبنه عبد الله بن عمر ﵄ وهو جالس في المسجد، فشكونا إليه ما نزل بنا من الجفاء من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فقال عبد الله: إن أمير المؤمنين رأى عليكم لباساً لم يرَ رسول الله ﷺ يلبسه ولا الخليفة من بعده أبو بكر الصديق ﵁، فأتينا منازلنا فنزعنا ما كان علينا وأتيناه في البِزة التي كان يعهدنا فيها، فقام يسلم علينا على رجل رجل، ويعانق منَّا رجلاً رجلاً؛ حتى كأنه لم يرنا قبل ذلك، فقدَّمنا إليه الغنائم فقسمها بيننا بالسوية، فعُرض عليه في الغنائم سلال من أنواع الخبيص من أصفر وأحمر، فذاقه عمر فوجده طيبَ الطعم طيبَ الريح، فأقبل علينا بوجهه وقال: والله يا معشر المهاجرين والأنصار ليقتلن منكم الابن أباه والأخ أخاه على هذا الطعام ثم أمر به فحُمل إلى أولاد من قُتلوا بين يديّ رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار.
стр. 459
ثم إنَّ عمر قام منصرفاً فمشى وراءه أصحاب رسول الله ﷺ في أثره، فقالوا: ما ترون يا معشر المهاجرين والأنصار إلى زهد هذا الرجل وإلى حِلْيته؟ لقد تقاصرت إِلينا أنفسنا مذ فتح الله على يديه ديار كسرى وقيصر، وطرفي المشرق والمغرب، ووفود العرب والعجم يأتونه فيَرون عليه هذه الجبَّة وقد رقعها إثنتي عشرة رقعة، فلو سأَلتم معاشر أصحاب محمد ﷺ وأنتم الكبراء من أهل المواقف والمشاهد مع رسول الله ﷺ والسابقين من المهاجرين والأنصار ـ يغير هذه الجبة بثوب ليِّن يُهاب فيه منظره، ويُغدَى عليه بجفنة من الطعام، ويُراح عليه بجفنة يأكله ومن حضره من المهاجرين والأنصار. فقال القوم بأجمعهم: ليس لهذا القول إلا علي بن أبي طالب فإنه أجرأ الناس عليه وصهره على إبنته، أو إبنته حفصة فإنها زوجة رسول الله ﷺ وهو مُوجب لها لموضعها من رسول الله ﷺ فكلموا علياً، فقال عليٌّ: لست بفاعل ذلك، ولكن عليكم بأزواج النبي ﷺ فإنهن أمهات المؤمنين يجترئن عليه.
قال الأحنف بن قيس: فسألوا عائشة وحفصة ﵄ وكانتا مجتمعتين. فقالت عائشة: إني سائلة أمير المؤمنين ذلك، وقالت حفصة: ما أراه يفعل وسيبِينُ لك ذلك. فدخلتا على أمير المؤمنين فقرَّبهما وأدناهما، فقالت عائشة: يا أمير المؤمنين، أتأذن أكلمك؟ قال: تكلَّمي يا أمَّ المؤمنين. قالت: إنَّ رسول الله ﷺ مضى لسبيله إلى جنته ورضوانه لم يُرد الدنيا ولم تُرده، وكذلك مضى أبو بكر ﵁ على إثره لسبيله بعد إحياء سنن رسول الله ﷺ وقَتَل المكذبين، وأدحض حجة المبطلين بعد عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وإِرضاء رب البرية، فقبضه الله إلى رحمته ورضوانه وألحقه بنبيه ﷺ بالرفيع الأعلى لم يرد الدنيا ولم ترده. وقد فتح الله على يديك كنز كسرى وقيصر وديارهما، وحُمل إليك أموالهما ودانت لك أطراف المشرق والمغرب ونرجو من الله المزيد وفي الإِسلام التأييد، ورسل العجم يأتونك ووفود العرب يردون عليك وعليك هذه الجبة قد رقعتها إثنتي عشرة رقعة فلو غيَّرتها بثوب لين يُهاب فيه منظرك، ويُغدى عليك بجفنة من الطعام ويُراح عليك بجفنة تأكل أنت ومن حضرك من المهاجرين والأنصار.
стр. 460
فبكى عمر عند ذلك بكاءً شديداً، ثم قال: سألتك بالله هل تعلمين أنَّ رسول الله ﷺ شبع من خبز برَ عشر أيام أو خمسة أو ثلاثة، أو جمع بين عشاء وغداء حتى لحق بالله؟ فقالت: لا، فأقبل على عائشة فقال: هل تعلمين أن رسول الله ﷺ قُرِّب إليه طعام على مائدة في ارتفاع شبر من الأرض، كان يأمر بالطعام فيوضع على الأرض ويأمر بالمائدة فتُرفع؟ قالتا: اللهمَّ نعم. فقال لهما: أنتما زوجتا رسول الله ﷺ وأمهات المؤمنين ولكما على المؤمنين حق وعليَّ خاصة؛ ولكن أتيتما ترغِّباني في الدنيا وإِنِّي لأعلم أن رسول الله ﷺ لبس جبة من الصوف فربما حك جلده من خشونتها، أتعلمان ذلك؟ قالتا اللهمَّ نعم، فقال: هل تعلمين أنَّ رسول الله ﷺ كان يرقد على عباءة على طاقة واحدة وكان مِسْحاً في بيتك يا عائشة، تكون بالنهار بساطاً وبالليل فراشاً، فندخل عليه فنرى أثر الحصير على جنبه؟ ألا يا حفصة أنت حدثتيني أنك ثنيت له ذا ليلة فوجد لينها فرقد فلم يستيقظ إلا بأذان بلال، فقال لك: "يا حفصة ماذا صنعت؟ أَثَنيت المهاد ليلتي حتى ذهب بي النوم إلى الصباح؟ ما لي وللدنيا وما لي شغلتموني بلين الفراش" يا حفصة أما تعلمين أنَّ رسول الله ﷺ كان مغفوراً له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أمسى جائعاً، ورقد ساجداً، ولم يزل راكعاً وساجداً وباكياً ومتضرعاً في آناء الليل والنهار إِلى أن قبضه الله برحمته ورضوانه لا أكل عمر طيباً، ولبس ليِّناً، فله أُسوة بصاحبيه، ولا جمع بين أُدْمين إلا الملح والزيت، ولا أكل لحماً إلا في كل شهر ينقضي ما انقضى من القوم. فخرجتا فخبَّرتا بذلك أصحاب رسول الله ﷺ فلم يزل كذلك حتى لحق بالله . كذا في منتخب كنز العمال.
ذم عمر بن الخطاب ﵁ الدنيا أمام أصحابه:
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: مرّ عمر ﵁ على مَزبلة فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذِّوا بها. فقال: هذه دنياكم التي تحرصون عليها ـ أو تتكلون عليها ـ.
كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي الدرداء لما ابتنى بدمشق قنطرة:
стр. 461
وأخرج ابن عساكر عن سَلَمة بن كلثوم أن أبا الدرداء ﵁ إبتنى بدمشق قنطرة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو بالمدينة، فكتب إليه: يا عُويمر بن أم عويمر، أما كان لك في بنيان فارس، والروم ما يكفيك حتى تبني البنيانات؟ وإِنما أنتم يا أصحاب محمد قدوة. وعنده أيضاً وهَنَّاد والبيهقي عن راشد بن سعد قال: بلغ عمر أنَّ أبا الدرداء ﵁ ابتنى كنيفاً بحمص، فكتب إليه: أما بعد: يا عُويمر، أما كنت لك كفاية فيما بَنَت الروم عن تزيين الدنيا وقد أمر الله بخرابها كذا في كنز العمال. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن راشد بن سعد مثله، وزاد بعد قوله تزيين الدنيا: وتجديدها وقد آذن الله بخرابها، إذا أتاك كتابي هذا فانتقل من حمص إلى دمشق. قال سفيان: عاقبه بهذا.
كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إِلى عمرو بن العاص ﵁ في هدم غرفة خارجة بن حذافة:
وأخرج ابن عبد الحكم عن يزيد بن أبي حبيب قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة ﵁، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إلى عمرو بن العاص ﵁:
سلام، أما بعد فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بني غرفة، ولقد أراد خارجة أن يطَّلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إِن شاء الله، والسلام".
كذا في الكنز.
أم طلق ووصية عمر بن الخطاب ﵁:
وأخرج بن سعد، والبخاري في الأدب عن عبد الله الرومي قال: دخلتُ على أمِّ طَلْق بيتها، فإذا سقف بيتها قصير، فقلت: ما أقصر سقف بيتك يا أم طَلْق؟ قالت: يا بنيّ إن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إِلى عماله أن لا تطيلوا بناءكم؛ فإن شر أيامكم يوم تُطيلون بناءكم. كذا في الكنز.
كتابه إِلى سعد حين استأذنه في بناء بيت:
وأخرج بن أبي الدنيا، والدِينَوَري عن سفيان بن عُيَينة قال: كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ وهو على الكوفة يستأذنه في بناء بيت يسكنه، فوقَّع في كتابه: ابن ما يسترك من الشمس، ويكنّك من الغيث، فإن الدنيا دار بُلْغة. وكتب إلى عمر بن العاص ﵁ وهو على مصر: كان لرعيتك كما تحب أن يكون لك أميرك. كذا في منتخب الكنز.
إِنكار عمر بن الخطاب ﵁ على رجل بني بالآجر:
стр. 462
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن سفيان قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً بنى بالآجر فقال: ما كنت أحسب أنَّ في هذه الأمة مثل فرعون قال: يريد قوله: "فأوقد لي يا هامانُ على الطين فاجعل لي صَرْحاً".
زهد عمر بن الخطاب ﵁ في الأكل:
أخرج عبد الرزاق، وابن عساكر عن عكرمة بن خالد أنَّ حفصة، وابن مطيع، وعبد الله بن عمر ﵃ كلَّموا عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: لو أكلت طعاماً طيِّباً كان أقوى لك على الحق، فقال: قد علمت أنه ليس منكم إلا ناصح، ولكني تركت صاحبيَّ ـ يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ على جادّة فإنْ تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل. كذا في منتخب الكنز.
وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف ﵄ قال: مكث عمر ﵁ زماناً طويلاً لا يأكل من المال شيئاً حتى دخلت عليه في ذلك خَصاصة، وأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فاستشارهم، فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه. فقال عثمان بن عفان ﵁: كل وأطعم. وقال ذلك سعيد بن (زيد بن) عمرو بن نفيل ﵁، وقال: لعلي ﵁: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء. فأخذ بذلك عمر. كذا في منتخب الكنز.
وأخرج عبد بن حُمَيد وابن جرير عن قتادة ﵁ قال: ذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً، وألينكم لباساً، لكن أستبقي طيباتي. وذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب لمَّا قدم الشام صُنع له طعام لم يَرَ قبله مثله، قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال عمر بن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عَينا عمر وقال: لئن كان حظُّنا من هذا الحطام وذهبوا بالجنة لقد بانوا بَوْناً عظيماً. كذا في المنتخب.
وأخرج ابن سعد عن أنس ﵁ قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين يُطرح له صاع من تمر فيأكلها حتى يأكل حشفها. وعن السائب بن يزيد قال: ربما تعشَّيت عند عمر بن الخطاب فيأكل الخبز واللحم، ثم يمسح يده على قدمه، ثم يقول: هذا منديل عمر وآل عمر. وعند الدينوَرَي عن ثابت قال: أكل الجارود عند عمر بن الخطاب فلما فرغ قال: يا جارية هلمِّي الدستار ـ يعني المنديل يمسح يده ـ فقال عمر: إمسح يدك بإستِك.
стр. 463
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قدم على عمر ﵁ ناس من أهل العراق فرأى كأنهم يأكلون تعذيزاً، فقال هذا يا أهل العراق، لو شئت أن يُدَهْمق لي كما يُدَهمق لكم؛ ولكنا نستبقي من دنيانا نجده في آخرتنا، أما سمعتم الله قال لقوم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (الأحقاف: ٢٠)؟.
وعنده أيضاً وهنَّاد عن حبيب بن أبي ثابت عن بعض أصحابه عن عمر ﵁ أنه قدم عليه ناس من أهل العراق فيهم جرير بن عبد الله ﵁ فأتاهم بجفنة قد صنعت بخبز وزيت، فقال لهم: خذوا، فأخذوا أخذاً ضعيفاً، فقال لهم عمر: قد أرى ما تفعلون، فأي شيء تريدون؟ أحلواً وحامضاً وحاراً وبارداً، ثم قَذْفاً في البطون كذا في منتخب الكنز.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حُمَيد عن حُمَيد بن هلال أنَّ حفص بن أبي العاص ﵁ كان يحضر طعام عمر ﵁ وكان لا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ قال: إن طعامك خشن غليظ، وإني راجع إلى طعام ليِّن قد صنع لي فأصيب منه. قال: أتراني أعجز أن آمر بشاة فيُلقى عنها شعرها، وآمر بدقيق فينخل في خرقة، ثم آخر به فيخبز خبزاً رُقاقاً، وآمر بصاع من زبيب فيقذف في سُعْن، ثم يُصبُّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال؟ فقال حفص: إني لأراك عالماً بطيِّب العيش. فقال عمر: أجل، والذي نفسي بيده لولا كراهية أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في (ليِّن) عيشكم. كذا في منتخب الكنز.
وعند أبي نُعيم في الحلية عن سالم عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: والله ما نعبأ بلذت العيش، أن نأمر بصغار المِعزى فتُسمط لنا. ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينتبذ لنا في الأسعان، حيى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا، وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيّباتنا لأنا سمعنا الله تعالى يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ـ الآية ـ.
إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على ابنه عبد الله حين رأى عنده اللحم:
وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في الزهد، والعسكري في المواعظ، وابن عساكر عن الحسن قال: دخل عمر على ابنه عبد الله ﵃ وإنَّ عنده لحماً، فقال: ما هذا اللحم؟ قال: إشتهيت، قال: وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟ كفى بالمرء سَرَفاً أن يأكل كل ما اشتهاه. كذا في منتخب الكنز.
стр. 464
وصية عمر بن الخطاب ﵁ ليزيد بن أبي سفيان:
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير قال: بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبي سفيان ﵄ يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يَرْفَأ: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه أعلمه أتى عمر فسلَّم واستأذن فأذن له فدخل، فقُرِّب عشاؤه، فجاء بثريد ولحم فأكل عمر معه، ثم قُرِّب شواء فبسط يزيد يده وكف عمر، ثم قال عمر: الله يا يزيد بن أبي سفيان أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنّتهم ليخالَفَنَّ بكم عن طريقهم. كذا في منتخب كنز العمال.
لباس عمر بن الخطاب ﵁ ونفقته وبعض سيرته في ذلك:
وأخرج الطبري عن عروة قال: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ عنه أيْلة ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصاً له من كرابيس قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير إلى الأُسقُف، وقال: إغسل هذا وارقعه، فانطلق الأُسقُف بالقميص ورقعه وخاط له آخر مثله، فراح به إلى عمر فقال: ما هذا؟ قال الأُسقْف: أما هذا فقميصك قد غسلته ورقعته، وأما هذه فكسوة لك مني؛ فنظر إليه عمر ومسحه ثم لبس قميصه ورد عليه ذلك القميص، وقال: هذا أنشفهما للعرق. وأخرجه ابن المبارك عن عروة عن عامل لعمر ﵁ بنحوه؛ كما في المنتخب.
وأخرج الدينَوري وابن عساكر عن قتادة ﵁ قال: كنا عمر ﵁ وهو خليفة ـ يلبس جبة من صوف مرقوعة بعضها بأَدَم، ويطوف بالأسواق وعلى عاتقه الدِّرَّة يؤدب الناس ويمر بالنِكث والنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا به.
وعند أحمد في الزهد وهَنَّاد، وابن جرير، وأبي نُعيم عن الحسن قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس ـ وهو خليفة ـ وعليه إزار فيه اثنا عشر رقعة. كذا في المنتخب.
وعند مالك عن أنس ﵁ قال: رأيت عمر ﵁ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين ـ وقد رقّع بين كتفيه برقاع ثلاث لبَّد بعضها على بعض. كذا في الترغيب.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر ﵄ قال: كان عمر يقوت نفسه أهله، ويكتسي الحلَّة في الصيف، ولربما خُرق الإِزار حتى يرقعه فما يبدل مكانه حتى يأتي الإِبّان، وما من عام يكثر فيه المال إلا كسوته فيما أرى أدنى من العام الماضي؛ فكلَّمَتْه في ذلك حفصة ﵂ فقال: إنما أكتسي من مال المسلمين وهذا يُبَلِّغني. كذا في المنتخب.
стр. 465
إرشاد عمر بن الخطاب ﵁ للمرأة التي طلبت الكسوة منه لأن درعها تخَّرق:
وأخرج البيهقي عن أنس ﵁ أن امرأة أتت عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: يا أمير المؤمنين إن دِرعي مخرَّق، قال: ألم أكسُك؟ قالت: بلى ولكنه تخرَّق، فدعا لها بدرع نجيب وخيط، وقال لها: البسي هذا ـ يعني الخَلَق ـ إذا خبزت وإذ جعلت البُرمة، والبسي هذا إذا فرغت؛ فإنه لا جديد لمن لا يلبس الخَلَق. كذا في الكنز.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله. كذا في المنتخب.
[*] سيرة عثمان بن عفان ﵁ و صورٌ مشرقة من زهده:
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولاً: لمحات من سيرة عثمان ابن عفان ﵁:
ثانياً: صورٌ مشرقة من زهد عثمان ابن عفان ﵁:
وهاك تفصيل ذلك:
أولاً: لمحات من سيرة عثمان ابن عفان ﵁:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
وثالث القوم القانت ذو النورين، والخائف ذو الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. كان من الذين: اتّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمّ اتّقَواْ وّأَحْسَنُواْ) [المائدة: ٩٣] فكان ممن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. غالب أحواله الكرم والحياء، والحذر والرجاء، حظه من النهار الجود والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مبشر بالبلوى، ومنعم بالنجوى.
وقال أيضاً: كان رضي الله تعالى عنه مبشراً بالمحن والبلوى، ومحفوظا فيها من الجزع والشكوى، يتحرز من الجزع بالصبر، ويتبرر في المحن بالشكر، وكان بالمال إلى رضاء الله متوصلاً، وببذله لعباد الله متنفلاً، ولحظ نفسه منه متقللاً، وفي لباسه متعللاً.
- اسم عثمان ابن عفان ﵁ ونسبه:
стр. 466
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب (١) , ويلتقي نسبه بنسب رسول الله ﷺ في عبد مناف. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. (٢) وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي شقيقة عبد الله والد النبي ﷺ ، ويقال: إنهما ولدا توأما (حكاه الزبير بن بكار)، فكان ابن بنت عمة النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ ابن خال والدته. وقد أسلمت أم عثمان وماتت في خلافة ابنها عثمان, وكان ممن حملها إلى قبرها (٣)، وأما أبوه فهلك في الجاهلية.
- كنية عثمان ابن عفان ﵁:
كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولد له من رقية بنت رسول الله غلام سماه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله (٤).
- لقب عثمان ابن عفان ﵁:
стр. 467
كان عثمان ﵁ يلقب بذي النورين، وقد ذكر بدر الدين العيني (١) في شرحه على صحيح البخاري، أنه قيل للمهلب بن أبي صفرة (٢): لم قيل لعثمان ذو النورين؟ فقال: لأنا لا نعلم أحدا أرسل سترا على بنتي نبي غيره. (٣) وقال عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي: قال لي خالي حسين الجعفي: يا بني، أتدري لِمَ سمي عثمان ذا النورين؟ قلت: لا أدري، قال: لم يجمع بين ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمي ذا النورين. (٤) وقيل: سمي بذي النورين لأنه كان يكثر من تلاوة القرآن في كل ليلة في صلاته، فالقرآن نور وقيام الليل نور (٥).
- مولد عثمان ابن عفان ﵁:
ولد في مكة بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح (٦)، وقيل: ولد في الطائف، فهو أصغر من رسول الله ﷺ بنحو خمس سنين (٧).
- صفة عثمان ابن عفان ﵁ الْخَلْقيَّة:
стр. 468
كان رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل، رقيق البشرة، كث اللحية عظيمها، عظيم الكراديس (١)، عظيم ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفِّر لحيته. وقال الزهري: كان عثمان رجلا مربوعا، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع، أروح الرجلين (٢) , وأقنى (٣) , خدل الساقين (٤) , طويل الذراعين، قد كسا ذراعيه جعد الشعر، أحسن الناس ثغرا، جُمَّته (٥) أسفل من أذنيه، حسن الوجه، والراجح أنه أبيض اللون، وقد قيل:
أسمر اللون (٦).
- مكانة عثمان ابن عفان ﵁ في الجاهلية:
стр. 469
كان عثمان ابن عفان ﵁ في أيام الجاهلية من أفضل الناس في قومه؛ فهو عريض الجاه ثري، شديد الحياء، عذب الكلمات، فكان قومه يحبونه أشد الحب ويوقرونه. لم يسجد في الجاهلية لصنم قط ولم يقترف فاحشة قط، فلم يشرب خمرا قبل الإسلام وكان يقول: إنها تُذْهب العقل والعقل أسمى ما منحه الله للإنسان، وعلى الإنسان أن يسمو به، لا أن يصارعه. وفي الجاهلية كذلك لم تجذبه أغاني الشباب ولا حلقات اللهو، ثم إن عثمان كان يتعفف عن أن يرى عورة (١). ويرحم الله عثمان ﵁ فقد يسر لنا سبيل التعرف عليه؛ حيث قال: ما تغنيت، ولا تمنيت، و لا مسست ذكري بيمني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ، ولا شربت خمرًا في جاهلية ولا إسلام، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام. (٢) وكان ﵁ على علم بمعارف العرب في الجاهلية ومنها الأنساب والأمثال وأخبار الأيام، وساح في الأرض فرحل إلى الشام والحبشة، وعاشر أقواما غير العرب فعرف من أحوالهم وأطوارهم ما ليس يعرفه غيره. (٣) واهتم بتجارته التي ورثها عن والده، ونمت ثرواته, وأصبح يعد من رجالات بني أمية الذين لهم مكانة في قريش كلها، فقد كان المجتمع المكي الجاهلي الذي عاش فيه عثمان يقدر الرجال حسب أموالهم، ويهاب فيه الرجال حسب أولادهم وإخوتهم ثم عشيرتهم وقومهم، فنال عثمان مكانة مرموقة في قومه، ومحبة كبيرة.
ومن أطرف ما يروى عن حب الناس لعثمان لما تَجَمَّع فيه من صفات الخير أن المرأة العربية في عصره كانت تغني لطفلها أغنية تحمل تقدير الناس له وثناءهم عليه، فقد كانت تقول:
أحبك والرحمن ... حبَّ قريش لعثمان (٤)
- إسلام عثمان ابن عفان ﵁:
стр. 470
كان عثمان ابن عفان ﵁ قد ناهز الرابعة والثلاثين من عمره حين دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام، ولم يعرف عنه تكلؤ أو تلعثم بل كان سباقا أجاب على الفور دعوة الصديق، فكان بذلك من السابقين الأولين حتى قال أبو إسحاق: كان أول الناس إسلاما بعد أبى بكر وعلي وزيد بن حارثة عثمان. (١) فكان بذلك رابع من أسلم من الرجال، ولعل سبقه هذا إلى الإسلام كان نتيجة لما حدث له عند عودته من الشام، وقد قصه ﵁ على رسول الله ﷺ حين دخل عليه هو وطلحة بن عبيد الله، فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن، وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله فآمنا وصدقا، فقال عثمان: يا رسول الله، قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام فإذا منادٍ ينادينا: أيها النيام هبوا، فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك. (٢)
لا شك أن هذه الحادثة تترك في نفس صاحبها أثرًا إيجابيًا لا يستطيع أن يتخلى عنه، عندما يرى الحقيقة ماثلة بين عينيه، فمن ذا الذي يسمع بخروج النبي قبل أن يصل إلى البلد الذي يعيش فيه، حتى إذا نزله ووجد الأحداث والحقائق تنطق كلها بصدق ما سمع به ثم يتردد في إجابة الدعوة؟ لا يستطيع الإنسان مهما كان مكابرا إلا أن يذعن للحق، ومهما أظهر الجفاء فإن ضميره لا يزال يتلجلج في صدره حتى يؤمن به أو يموت، فيتخلص من وخز الضمير وتأنيبه, ولم تكن سرعة تلبيته عن طيش أو حمق، ولكنها كانت عن يقين راسخ وتصديق لا يتطرق إليه شك. (٣) فقد تأمل في هذه الدعوة الجديدة بهدوء كعادته في معالجة الأمور، فوجد أنها دعوة إلى الفضيلة، ونبذ الرذيلة، دعوة إلى التوحيد وتحذير من الشرك، دعوة إلى العبادة وترهيب من الغفلة، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وترهيب من الأخلاق السيئة، ثم نظر إلى قومه، فإذا هم يعبدون الأوثان، ويأكلون الميتة، ويسيئون
стр. 471
الجوار، ويستحلون المحارم من سفك الدماء وغيرها. (١) وإذا بالنبي محمد بن عبد الله ﷺ صادق أمين يعرف عنه كل خير, ولا يعرف عنه شر قط، فلم تعهد عليه كذبة ولم تحسب عليه خيانة، فإذا هو يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى صلة الرحم، وحسن الجوار، والصلاة والصوم, وألا يعبد غير الله (٢) , فأسلموا على يد أبي بكر الصديق، ومضى في إيمانه قُدُمًا قويا هاديا، وديعا صابرا, عظيما راضيا، عفوا كريما، محسنا رحيما، سخيًّا باذلا، يواسي المؤمنين، ويعين المستضعفين، حتى اشتدت قناة الإسلام. (٣)
- مناقب عثمان ابن عفان ﵁:
لقد حاز عثمان ابن عفان ﵁ شرفاً ما حازه غيره ﵁، ونال مكانة سامية ومنزلة عليّة بين أصحاب رسول الهدى ﷺ ، إنه من شرفت به الدنيا وسمت به في أفياء العلياء، صاحب الإنفاق والبذل، وكريم النفس والسجايا، مع مكانته ومنزلته نتوقف، وفي أفياء النبوة الطاهرة نستمتع بذكر شيء من قدر ذي النورين ﵁؛ ذو النورين ﵁ رجل حكم المسلمين بالعدل والإحسان، وسار فيهم سيرة سيد الأنام وطبّق فيهم شريعة سيد ولد عدنان ﵊، فقد كان كصاحبيه إحساناً وتقوى، وهدىً وعلماً. حكم الأمة الإسلامية اثنا عشرة سنة، كثرت في عهده الفتوحات، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وجمع القرآن في عهده على حرف واحد ونشر في الأمصار،
ذو النورين ﵁؛ كان رابع أربعة دخلوا في الإسلام، إنه أمير البررة وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، ومنصور من نصره إنه صاحب الهجرتين، وزوج ابنتي رسول الله ﷺ ، ذو النورين أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة. ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار، فكان ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. إنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أبو عمرو وأبو عبد الله القرشي أمير المؤمنين.
стр. 472
لقد جمع الله لعثمان من الفضائل والمكارم ما جعله بحق أن يكون في الدرجة الثالثة في الإسلام بعد الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ وهاك غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما ورد في فضل عثمان جملةً وتفصيلاً
أولاً مناقب عثمان ابن عفان ﵁ - جملة ً:
(١) عثمان ذو النورين:
(٢) حياء عثمان ﵁:
(٣) عثمان ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة:
(٤) عثمان ﵁ ابن عمة النبي ﷺ :
(٥) عثمان ﵁ من السابقين الأولين في الإسلام:
(٦) بشارات لعثمان ﵁:
(٧) منزلة عثمان بين الصحابة:
(٨) إنفاقه في سبيل الله تعالى:
(٩) عثمان ابن عفان ﵁ جامع القرآن العظيم:
(١٠) رسول الله ﷺ شهد لعثمان ابن عفان ﵁ أنه يُقتل مظلوما:
(١١) أشاد النبي بخلافة عثمان ابن عفان ﵁ وأمره بالتمسك بها وإن أراد المنافقون أن يُعْزَلَ منها:
(١٢) ابن عمر يشهد ببراءة عثمان مما اتهم به:
(١٣) عدل عثمان ذي النورين ﵁:
ثانياً مناقب عثمان ابن عفان ﵁ تفصيلا ً:
(١) عثمان ذو النورين:
[*] قال علي ﵁: ذاك امرؤ يُدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، كان ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه.
(حديث عقبة بن أوس ﵁ الثابت في ظلال الجنة تخريج السنة) قال كنا عند عبد الله بن عمرو فقال أبو بكر الصديق أصبتم اسمه عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه وعثمان بن عفان ذو النورين قتل مظلوما أوتي كفلين من الرحمة.
[*] قال الحسن البصري: سمي عثمان ذا النورين لأنه لا نعلم أحداً أغلق بابه على ابنتي نبيّ غيره.
стр. 473
لقد أكرمه الله تعالى بالزواج من بنت رسول الله ﷺ رقية، وقصة ذلك أن رسول الله ﷺ كان قد زوجها من عتبة بن أبي لهب، وزوج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت سورة المسد (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) " [المسد: ١ - ٥]. قال لهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية "حَمَّالَةَ الْحَطَبِ" فارقا ابنتي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من الله تعالى لهما، وهوانًا لابني أبي لهب (١) , وما كاد عثمان بن عفان ﵁ يسمع بخبر طلاق رقية حتى استطار (٢) فرحا، وبادر فخطبها من رسول الله ﷺ فزوجها الرسول الكريم ﷺ منه، وزفتها (٣) أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وقد كان عثمان من أبهى قريش طلعة، وكانت هي تضاهيه قسامة وصباحة، فكان يقال لها حين زفت إليه:
أحسن زوجين رآهما إنسان ... رقية، وزوجها عثمان (٤)
ظنت أم جميل بنت حرب وزوجها أبو لهب أنهما بتسريح رقية وأم كلثوم ﵄ سيصيبان من البيت المحمدي مقتلا أو سيوهنانه، ولكن الله اختار لرقية وأم كلثوم الخير، وباءت أم جميل وأبو لهب بغيظهما لم ينالا خيرا, وكفى الله البيت النبوي شرهما، وكان أمر الله قدرا مقدورا (٥).
(٢) حياء عثمان ﵁:
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.
стр. 474
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الأدب المفرد): أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش عائشة، لابسا مرط عائشة- فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. ثم استأذن عمر ﵁، فأذن له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس. وقال لعائشة: "" اجمعي إليك ثيابك "". فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. قال: فقالت عائشة: يا رسول الله! لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : "" إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت أن أذنت له- وأنا على تلك الحال- أن لا يبلغ إلي في حاجته.
استحياء الملائكة من عثمان ﵁:
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح مسلم) قالت * كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه قال محمد ولا أقول ذلك في يوم واحد فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة.
[*] قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
(دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا تهتش بالتاء بعد الهاء، وفي بعض النسخ الطارئة بحذفها وكذا ذكره القاضي وعلى هذا فالهاء مفتوحة يقال هش يهش كشم يشم، وأما الهش الذي هو خبط الورق من الشجر فيقال منه هش يهش بضمها، قال الله تعالى: ﴿وأهش بها﴾ قال أهل اللغة: الهشاشة والبشاشة بمعنى طلاقة الوجه وحسن اللقاء، ومعنى لم تباله لم تكترث به وتحتفل لدخوله.
قوله ﷺ : "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة" هكذا هو في الرواية أستحي بياء واحدة في كل واحدة منهما، قال أهل اللغة: يقال استحيي يستحيي بياءين واستحي ويستحي بياء واحدة لغتان الأولى أفصح وأشهر وبها جاء القرآن،
وفيه فضيلة ظاهرة لعثمان وجلالته عند الملائكة، وأن الحياء صفة جميلة من صفات الملائكة.
(٣) عثمان ابن عفان ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة:
стр. 475
(حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعليٌ في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعدُ ابن أبي وقاص في الجنة وسعيدُ ابن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.
[*] أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشعبي يقول أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة يقولون علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة.
قال الذهبي ﵀:
قلت لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة ومن البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ومن السابقين الأولين الذين أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا الشهادة فنحن محبون لهم باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة. أهـ
(٤) عثمان ابن عفان ﵁ ابن عمة النبي ﷺ :
أمه أروى بنت كريز بن ربيعة كانت عمة النبي ﷺ ، وبذلك نال فضل القربة إلى رسول الله كما نال فضل الصهر والصحبة.
(٥) عثمان ابن عفان ﵁ من السابقين الأولين في الإسلام:
كان عثمان ابن عفان ﵁ من السابقين الأولين في الإسلام كان رابع أربعة دخلوا في الإسلام.
[*] قال ابن إسحاق: عثمان أول الناس إسلاماً بعد أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة، كما كان ممن تحمل وصبر على الإيمان، فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً، وقال: ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك أبداً حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.
(٦) بشارات لعثمان ابن عفان ﵁ -:
стр. 476
(حديث أبي موسى ﵁ قال الثابت في الصحيحين): كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : (افتح له وبشره بالجنة). ففتحت له، فإذا هو أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ : (افتح له وبشره بالجنة). ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: (افتح له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه). فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ فحمد الله، ثم قال: الله المستعان.
(حائط من حيطان المدينة) أَيْ: بُسْتَان
(افتح له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه). أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا إِلَى مَا أَصَابَ عُثْمَانَ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ يَوْمَ الدَّارِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أبو بكر وعمر وعثمان وَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَفَضِيلَةٌ لِأَبِي مُوسَى، وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِإِخْبَارِهِ بِقِصَّةِ عُثْمَانَ، وَالْبَلْوَى من معجزات رسول الله، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْهُدَى.
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ صعد أحدا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وِصِدِّيْق، وشهيدان).
(فَرَجَفَ) أَيْ: تَحَرَّكَ أُحُدٌ وَاضْطَرَبَ
" اثْبُتْ" أَمْرٌ مِنَ الثَّبَاتِ، وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ " أُحُدُ" بِضَمِّ الدَّالِ مُنَادَى قَدْ حُذِفَ حَرْفُ نِدَائِهِ تَقْدِيرُهُ: يَا أُحُدُ، قَالَ الْحَافِظُ: وَنِدَاؤُهُ وَخِطَابُهُ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ اثْبُتْ. انْتَهَى
" وَصِدِّيقٌ" هُوَ أَبُو بَكْرٍ وفضله ﵁ " وَشَهِيدَانِ" هُمَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄.
стр. 477
﴿تنبيه﴾: وَالْمُرَادُ: شُهَدَاءُ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَعِظَمِ ثَوَابِ الشُّهَدَاءِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ الصحابة هَؤُلَاءِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّمْيِيزِ فِي الْحِجَارَةِ وَجَوَازُ التَّزْكِيَةِ وَالثَّنَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إِذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: أن النبي ﷺ كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.
﴿تنبيه﴾: وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
(٧) منزلة عثمان ابن عفان ﵁ بين الصحابة:
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم.
وَفِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(٨) إنفاق عثمان ابن عفان ﵁ في سبيل الله تعالى:
علم النبي ﷺ أصحابه ﵃ كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله ﵎ في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
ولقد ضرب عثمان ابن عفان ﵁ أروع المثل في ذلك فعلى الرغم أنه كان تاجراً موفقاً ومن أصحاب الدخول الرغيدة إلا أنه كان آيةً في الإنفاق في سبيل الله تعالى وآيةً في تحقيق الزهد لأن الزهد ليس أن تملك المال، بل الزهد أن تملك الدنيا بأسرها لكنها تكون في يديك ولا تقترب من قلبك، وكان عثمان ابن عفان ﵁ مثلاً أعلى في ذلك، وهاك بعض مواقفه الدالة على ذلك:
حفر بئر رومة وتجهيز جيش العسرة:
стр. 478
علم النبي ﷺ أصحابه كيف ينفقون الأموال وما أعطاهم الله ﵎ في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وقد ضرب عثمان بن عفان ذو النورين عمر أروع المثل في ذلك في مشاهد كثيرة منها حفر بئر رومة وتجهيز جيش العسرة و توسعة المسجد النبوي.
(حديث أبي عبد الرحمن ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن عثمان ﵁ حين حوصر أشرف عليهم وقال: (أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته؟ قال فصدقوه بما قال.
(حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(يُقَلِّبُهَا) أَيِ: الدَّنَانِيرَ "
﴿مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ﴾ (١) " أَيْ: فَلَا عَلَى عُثْمَانَ بَأْسُ الَّذِي عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا مَغْفُورَةٌ مُكَفَّرَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ﴾ (٢)
[*] يقول ابن شهاب الزهري:
قَدّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله ﷺ في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذه.
توسعة المسجد النبوي:
стр. 479
بعد بناء مسجد رسول الله ﷺ وانتشار الإسلام وزيادة عدد المسلمين، ضاقت مساحة المسجد النبوي بالمسلمين، فرغب النبي ﷺ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تضم إلى المسجد حتى يتسع لأهله، فقال ﷺ ، من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان بن عفان ﵁ من صلب ماله وهكذا كان عثمان بن عفان سباقاً للخير ووسع على المسلمين ونال شرف أن يجري الله أول توسعة للمسجد النبوي على يديه ﵁ وأرضاه.
(حديث ثمامة بن حزن القشيري ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي والنسائي) قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذَيْنِ ألْبَاكُم عليَّ قال فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران قال فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يُسْتَعْذَبُ غيرُ بئر رومة فقال من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب حتى أشرب من ماء البحر قالوا اللهم نعم،
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين قالوا اللهم نعم،
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي قالوا اللهم نعم ثم قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال فركضه برجله وقال اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان قالوا اللهم نعم قال الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثا.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَقُولُ: " هَذِهِ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ﴾ (١) ".
(٩) عثمان ابن عفان ﵁ جامع القرآن العظيم:
عثمان ذو النورين، جامع القرآن العظيم، والإمام الخاشع البكاء الشجاع، كان مكثراً من تلاوة وتدبر كلام الله رب العالمين، كان المنهج التربوي الذي تربى عليه عثمان بن عفان وكل الصحابة الكرام هو القرآن الكريم، المنزل من عند رب العالمين، فهو المصدر الوحيد للتلقي، فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر التلقي وتفرده، وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج الذي يتربى عليه الفرد المسلم والأسرة المسلمة والجماعة المسلمة، فكانت الآيات الكريمة التي سمعها عثمان ﵁ من رسول الله ﷺ مباشرة لها أثرها في صياغة شخصية ذي النورين الإسلامية؛ فقد طهرت قلبه، وزكت نفسه، وتفاعلت معها روحه؛ فتحول إلى إنسان جديد بقيمه ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته. (٢)
وقد تعلق عثمان ﵁ بالقرآن الكريم، وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي كيف تعلمه من رسول الله ﷺ ، وله أقوال تدل على حبه الشديد للعيش مع كتاب الله تعالى؛ فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة (٣) , وذلك أن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) [ص: ٢٩] وقد روى عثمان ﵁ عن رسول الله ﷺ قوله: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". (٤)
стр. 483
وقد عرض القرآن الكريم كاملا على رسول الله ﷺ قبل وفاته. ومن أشهر تلاميذ عثمان في تعلم القرآن الكريم أبو عبد الرحمن السلمي، والمغيرة بن أبي شهاب وأبو الأسود، وزر بن حبيش. (١) وقد حفظ لنا التاريخ بعض أقوال عثمان ﵁ في القرآن الكريم منها ما يلي:
[*] قال عثمان ابن عفان ﵁: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله . (٢)
وقال أيضاً: إني لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر فيه إلى عهد الله (٣) (يعني المصحف).
وقال أيضاً: حُبب إليَّ من الدنيا ثلاث: إشباع الجيعان، وكسوة العريان، وتلاوة القرآن. (٤)
وقال أيضاً: أربعة ظاهرهن فضيلة وباطنهن فريضة: مخالطة الصالحين فضيلة والاقتداء بهم فريضة، وتلاوة القرآن فضيلة والعمل به فريضة، وزيارة القبور فضيلة والاستعداد للموت فريضة، وعيادة المريض فضيلة واتخاذ الوصية منه فريضة. (٥) وقال ﵁: أضيع الأشياء عشرة: عالم لا يُسْأل عنه، وعلم لا يعمل به، ورأي صواب لا يقبل، وسلاح لا يستعمل، ومسجد لا يصلى فيه، ومصحف لا يقرأ فيه، ومال لا ينفق منه، وخيل لا تُرْكب، وعلم الزهد في بطن من يريد الدنيا، وعمر طويل لا يتزود صاحبه فيه لسفره. (٦)
وكان ﵁ حافظا لكتاب الله، وكان حجره لا يكاد يفارق المصحف، فقيل له في ذلك فقال: إنه مبارك جاء به مبارك. (٧) وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم (٨) النظر فيه.
[*] وقالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فوالله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة (٩) , وقد ذكر عنه أنه قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها (١٠) , وقد تحقق فيه قول الله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا
стр. 484
يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) [الزمر: ٩].
لقد تشرب عثمان ﵁ بالمنهج القرآني وتتلمذ على يدي رسول الله ﷺ وعرف من خلال القرآن الكريم من هو الإله الذي يجب أن يعبده، وكان النبي ﷺ يغرس في نفسه معاني تلك الآيات العظيمة، فقد حرص ﷺ أن يربي أصحابه على التصور الصحيح عن ربهم وعن حقه عليهم، مدركا أن هذا التصور سيورث التصديق واليقين عندما تصفى النفوس وتستقيم الفطرة، فأصبحت نظرة ذي النورين إلى الله ، والكون والحياة والجنة والنار، والقضاء والقدر، وحقيقة الإنسان، وصراعه مع الشيطان مستمدة من القرآن الكريم وهدي النبي ﷺ .
(١٠) رسول الله ﷺ شهد لعثمان ابن عفان ﵁ أنه يُقتل مظلوما:
(حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً فَقَالَ يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا مَظْلُومًا لِعُثْمَانَ.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
" يُقْتَلُ" بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ " هَذَا" أَيْ: عُثْمَانُ " فِيهَا " أَيْ: فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ (لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) بَيَانُ هَذَا.
(١١) أشاد النبي بخلافة عثمان ابن عفان ﵁ وأمره بالتمسك بها وإن أراد المنافقون أن يُعْزَلَ منها:
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه يقول ذلك ثلاث مرات.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
стр. 485
فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه: أَيْ: حَمَلُوكَ عَلَى نَزْعِهِ " فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ " يَعْنِي إِنْ قَصَدُوا عَزْلَكَ عَنِ الْخِلَافَةِ فَلَا تَعْزِلْ نَفْسَكَ عَنْهَا لِأَجْلِهِمْ لِكَوْنِكَ عَلَى الْحَقِّ وَكَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، فَلِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ عُثْمَانُ ﵁ مَا عَزَلَ نَفْسَهُ حِينَ حَاصَرُوهُ يَوْمَ الدَّارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَعَارَ الْقَمِيصَ لِلْخِلَافَةِ وَرَشَّحَهَا بِقَوْلِهِ عَلَى خَلْعِهِ.
(١٢) ابن عمر يشهد ببراءة عثمان مما اتهم به:
﴿تنبيه﴾: وهذا موقف جليل، وشهادة صدق من ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، يقدم رجل من بلاد مصر، وقد نبتت عنده نبتة فتنة، وترسخ في قلبه جذر شبهة، وتنامى على لسانه حديث لوثته الشائعات وقبحته الأهواء.
(١٣) عدل عثمان ذي النورين ﵁:
أخرج السمَّان في الموافقة عن أبي الفرات قال: كان لعثمان ﵁ عبد، فقال له: إني كنت عركت أُذنك فاقتصَّ مني، أخذ بأذنه ثم قال عثمان ﵁: أشدد، يا حبذا قصص في الدنيا، لا قصاص في الآخرة. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري.
مقتل عثمان ﵁ -:
أخرج أبو أحمد عن شدَّاد بن أوس ﵁ قال: لما اشتد الحصار بعثمان ﵁ يوم الدار أشرف على الناس فقال: يا عباد الله، قال: فرأيت علي بن أبي طالب ﵁ خارجاً من منزله، معتماً بعمامة رسول الله، متقلداً سيفه، أمامه الحسن عبد الله بن عمر ﵃ في نفر من المهاجرين والأنصار حتى حملوا على الناس وفرقوهم. ثم دخلوا على عثمان ﵁ فقال له عليٌّ ﵁: السلام عليك يا أمير المؤمنين، إنَّ رسول الله ﷺ لم يَلْحَق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإني ـ والله ـ لا أرى القوم إلا قاتليك، فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان ﵁:
"أنشد الله رجلاً رأى لله حقاً، وأقر أنَّ لي عليه حقاً؛ أن يُهريق في سببي ملء حجمة من دم، أو يهريق دمه فيَّ".
فأعاد عليٌّ ﵁ عليه القول. فأجابه بمثل ما أجابه. قال: فرأيت علياً خارجاً من الباب وهو يقول: اللهمَّ إِنَّك تعلم أنا بذلنا المجهود. ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة. فقالوا له: يا أبا الحسن، تقدَّم فصلِّ بالناس. فقال: لا أصلِّي بكم والإِمام محصور، ولكن أصلِّي وحدي، فصلّى وحده وانصرف إلى منزله، فلحقه إبنه وقال: والله يا أبت قد اقتحموا عليه الدار. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هم والله قاتلوه. قالو: أين هو يا أبا الحسن؟ قال: في الجنة ـ والله ـ زلفى. قالوا: وأين هم يا أبا الحسن؟ قال: في النار والله ـ ثلاثاً ـ. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
стр. 490
وأخرح أبو أحمد عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال: دخل أبو قَتادة ورجل آخر على عثمان ﵃ وهو محصور، فاستأذناه في الحج فأذن لهم. فقالا له: إن غلب هؤلاء القوم مع من نكون؟ قال: عليكم بالجماعة. قال: فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك مع من نكون؟ قال: فالجماعة حيث كانت، فخرجنا فاستقبلنا الحسن بن علي ﵄ عند باب الدار داخلاً على عثمان ﵁، فرجعنا معه لنسمع ما يقول: فسلَّم على عثمان ثم قال: يا أمير المؤمنين مرني بما شئت، فقال عثمان:
"يا ابن أخي، إرجع واجلس حتى يأتي الله بأمره".
فخرج وخرجنا عنه، فاستقبلنا ابن عمر ﵄ داخلاً إلى عثمان ﵁، فرجعنا معه نسمع ما يقول، فسلَّم على عثمان ﵁ ثم قال: يا أمير المؤمنين، صحبتُ رسول الله ﷺ فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ أبا بكر ﵁ فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ عمر ﵁ فسمعتُ وأطعتُ ورأيتُ له حقَّ الوالد وحقَّ الخلافة، وها أنا طوع يديك، فمرني بما شئت، فقال عثمان ﵁:
"جزاكم الله يا آل عمر خيراً ـ مرتين ـ لا حاجة لي في إِراقة الدم.
كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
وأخرج أبو عمر عن أبي هريرة ﵁ قال: إِني لمحصور مع عثمان ﵁ في الدار. قال: فرُمِيَ رجل منَّا، فقلت: يا أمير المؤمنين الآن طاب الضِّراب، قتلوا منا رجلاً. قال: "عزمتُ عليك يا أبا هريرة إِلا رميتَ سيفك، فإنما تُراد نفسي وسَأقِي المؤمنين بنفسي".
قال أبو هريرة ﵁: فرميت سيفي لا أدري أين هو حتى الساعة. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة.
وصية عثمان ذي النورين ﵁:
أخرح الفضائلي الرازي عن العلاء بن الفضل عن أمه قال: لما قُتل عثمان ﵁
تَّشوا خزانته، فوجدوا فيها صندوقاً مقفلاً، ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوب فيها:
"هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم. عثمان بن عفان يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ الجنة حق، وأنَّ النار حق، وأنَّ الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيي، وعليها يموت وعليها يُبعث إن شاء الله".
وأخرجه أيضاً نظام المُلْك وزاد: ووجدوا في ظهرها مكتوباً:
غنى النفس يُغني النفس حتى يُجلَّها
وإِن غضَّها حتى يَضُرَّ بها الفقرُ
وما عُسرة فاصبر لها إِن لقيتها
стр. 491
بكائنة إِلا سيتبعها يُسْرُ
ومن لم يقاسِ الدهر لم يعرف الأسَى
وفي غَيَر الأيام ما وعد الدهرُ.
صورٌ مشرقة من زهد عثمان ابن عفان ﵁:
عثمان ابن عفان ﵁ هو ثالث الخلفاء الراشدين، كان أزهد الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكرٍ وعمر، لقد فهم عثمان ابن عفان ﵁ من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين ﷺ ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرر من سيطرة الدنيا بزخارفها، و زينتها، وبريقها، وطلقها ثلاثة ونفض يديه منها، وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهرا وباطنا، فكانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف، وقد وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق ما يلي:
(١) اليقين التام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبى ﷺ : كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ.
(حديث بن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
(٢) أن هذه الدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ﵎:
(حديث سهل بن سعد ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
(حديث أبي هريرة في صحيح ابن ماجة) أنَّ رسول الله ﷺ قال: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلما.
(٣) أن عمرها قد قارب على الانتهاء:
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: بعثت أنا والساعة كهاتين قال وضم السبابة والوسطى.
(٤) أن الآخرة هى الباقية، وهى دار القرار:
كما قال مؤمن آل فرعون:
стр. 492
(يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر: ٣٩، ٤٠]
كانت هذه الحقائق قد استقرت في قلب أبي بكر، فترِفَّع ﵁ عن الدنيا وحطامها وزهد فيها،
وهاك بعض صور زهده ﵁:
- يتجلى زهد عثمان ﵁ في إنفاقه للمال في سبيل الله تعالى: فقد وَعَى حقيقة الزهد بحذافيره وأيقن أن الزهد ليس بأن لا تملك المال بل الزهد أن تملك الدنيا كلها لكنها تكون في يدك وليست في قلبك، كانت الدنيا في يده ولم تقترب من قلبه الشريف ﵁ فكان آيةً في الجود والسخاء والبذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، ويتجلى ذلك في المواقف الآتية:
حفر بئر رومة وتجهيز جيش العسرة:
(حديث أبي عبد الرحمن ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن عثمان ﵁ حين حوصر أشرف عليهم وقال: (أنشدكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته؟ قال فصدقوه بما قال.
(حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره قال عبد الرحمن: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(يُقَلِّبُهَا) أَيِ: الدَّنَانِيرَ "
стр. 493
﴿مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ﴾ (١) " أَيْ: فَلَا عَلَى عُثْمَانَ بَأْسُ الَّذِي عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا مَغْفُورَةٌ مُكَفَّرَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ﴾ (٢)
[*] يقول ابن شهاب الزهري:
قَدّم عثمان لجيش العسرة في غزوة تبوك تسعمائة وأربعين بعيراً، وستين فرساً أتم بها الألف، وجاء عثمان إلى رسول الله ﷺ في جيش العسرة بعشرة آلاف دينار صبها بين يديه، فجعل الرسول يقلبها بيده ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد هذه.
توسعة المسجد النبوي:
بعد بناء مسجد رسول الله ﷺ وانتشار الإسلام وزيادة عدد المسلمين، ضاقت مساحة المسجد النبوي بالمسلمين، فرغب النبي ﷺ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تضم إلى المسجد حتى يتسع لأهله، فقال ﷺ ، من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ فاشتراها عثمان بن عفان ﵁ من صلب ماله وهكذا كان عثمان بن عفان سباقاً للخير ووسع على المسلمين ونال شرف أن يجري الله أول توسعة للمسجد النبوي على يديه ﵁ وأرضاه.
(حديث ثمامة بن حزن القشيري ﵁ الثابت في صحيحي الترمذي والنسائي) قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذَيْنِ ألْبَاكُم عليَّ قال فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران قال فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يُسْتَعْذَبُ غيرُ بئر رومة فقال من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب حتى أشرب من ماء البحر قالوا اللهم نعم،
стр. 494
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين قالوا اللهم نعم،
قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي قالوا اللهم نعم ثم قال أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال فركضه برجله وقال اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان قالوا اللهم نعم قال الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثا.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(فَقَالَ ائْتُونِي بِصَاحِبَيْكُمُ الَّذَيْنِ أَلَّبَاكُمْ عَلَيَّ) مِنْ أَلَّبْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ أَيْ: جَمَعْتُهُمْ عَلَيْهِ وَحَمَلْتُهُمْ عَلَى قَصْدِهِ فَصَارُوا عَلَيْهِ إِلْبًا وَاحِدًا أَيِ: اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ يَقْصِدُونَهُ (أَنْشُدُكُمْ) بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ: أَسْأَلُكُمْ (بِاللَّهِ، وَالْإِسْلَامِ) أَيْ: بِحَقِّهِمَا يُقَالُ: نَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ إِذَا قُلْتُ لَهُ نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَيْ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ كَأَنَّكَ ذَكَّرْتَهُ إِيَّاهُ.
(وَلَيْسَ بِهَا) أَيْ: بِالْمَدِينَةِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ) أَيْ: يُعَدُّ عَذْبًا أَيْ: حُلْوًا (غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ وقف عثمان له) بِرَفْعِ غَيْرُ وَجُوِّزَ نَصْبُهُ، وَالْبِئْرُ مَهْمُوزٌ وَيُبْدَلُ " فَيُجْعَلُ دَلْوُهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ" بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ دَلْوٍ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَقْفِ الْعَامِّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ السِّقَايَاتِ، وَعَلَى خُرُوجِ الْمَوْقُوفِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ سَوَاءً.
وَفِيهِ جَوَازُ تَحَدُّثِ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ، أَوْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُفَاخَرَةِ، وَالْمُكَاثَرَةِ، وَالْعُجْبِ.