Полный текст (6 619 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
[*] قال ابن عمر ﵄: أول ما ينقص من العبادة: التهجد بالليل، ورفع الصوت فيها بالقراءة.
[*] قال عطاء الخرساني ﵀: إن الرجل إذا قام من الليل متهجداً أصبح فرحاً يجد لذلك فرحاً في قلبه، وإذا غلبته عينه فنام (أي عن قيام الليل) أصبح حزيناً كأنه قد فقد شيئاً، وقد فقد أعظم الأمور له نفعا (أي قيام الليل).
[*] رأى معقل بن حبيب ﵀: قوماً يأكلون كثيراً فقال: ما نرى أصحابنا يريدون أن يصلوا الليلة.
[*] قال مسعر بن كدام ﵀ حاثاً على عدم الإكثار من الأكل:
وجدت الجوع يطرده رغيف ... وملء الكف من ماء الفرات وقل الطعم عون للمصلي ... وكثر الطعم عون للسبات
[*] كان العبد الصالح علي بن بكار ﵀ تفرش له جاريته فراشه فيلمسه بيده ويقول: والله إنك لطيب!! والله إنك لبارد!! والله لا علوتك ليلتي (أي لا تمت عليك هذه الليلة) ثم يقوم يصلي إلى الفجر!!
[*] قال الفضيل بن عياض ﵀: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الهجعة!! إنما هو على الجنب، فإذا تحرك (أي أفاق من نومه) قال: ليس هذا لك!! قومي خذي حظك من الآخرة!!.
[*] قال هشام الدستوائي ﵀: إن لله عبادا يدفعون النوم مخافة أن يموتوا في منامهم.
[*] عن جعفر بن زيد ﵀ قال:
стр. 4797
خرجنا غزاة إلى [كأبول] وفي الجيش [صلة بين أيشم العدوي] رحمه، قال: فترك الناس بعد العتمة (أي بعد العشاء) ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس، حتى إذا نام الجيش كله وثب صلة فدخل غيضة وهي الشجر الكثيف الملتف على بعضه، فدخلت في أثره، فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح الصلاة، وبينما هو يصلي إذا جاء أسد عظيم فدنا منه وهو يصلي!! ففزعت من زئير الأسد فصعدت إلى شجرة قريبة، أما صلة فو الله ما التفت إلى الأسد!! ولا خاف من زئيره ولا بالى به!! ثم سجد صلة فاقترب الأسد منه فقلت: الآن يفترسه!! فأخذ الأسد يدور حوله ولم يصبه بأي سوء، ثم لما فرغ صلة من صلاته وسلم، التفت إلى الأسد وقال: أيها السبع اطلب في مكان آخر!! فولى الأسد وله زئير تتصدع منه الجبال!! فما زال صلة يصلي حتى إذا قرب الفجر!! جلس فحمد محامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة!!! ثم رجع ﵀ إلى فراشه (أي ليوهم الجيش أنه ظل طوال الليل نائماً) فأصبح وكأنه بات على الحشايا (وهي الفرش الوثيرة الناعمة والمراد هنا أنه كان في غاية النشاط والحيوية) ورجعت إلى فراشي فأصبحت وبي من الخمول شيء الله به عليم.
[*] كان العبد الصالح عمرو بن عتبة بن فرقد ﵀ يخرج للغزو في سبيل الله، فإذا جاء الليل صف قدميه يناجي ربه ويبكي بين يديه، كان أهل الجيش الذين خرج معهم عمرو لا يكلفون أحداً من الجيش بالحراسة؛ لأن عمرو قد كفاهم ذلك بصلاته طوال الليل، وذات ليلة وبينما عمرو بن عتبة ﵀ يصلي من الليل والجيش نائم، إذ سمعوا زئير أسد مفزع، فهربوا وبقي عمرو في مكانه يصلي وما قطع صلاته!! ولا التفت فيها!! فلما انصرف الأسد ذاهبا عنهم رجعوا لعمرو فقالوا له: أما خفت الأسد وأنت تصلي؟!! فقال: إن لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه!!
[*] قال عمر بن عبد العزيز ﵀: أفضل الأعمال ما أكرهت إليه النفوس.
[*] عن أبي غالب قال:
كان ابن عمر ﵄ ينزل علينا بمكة، وكان يتهجد من الليل، فقال لي ذات ليلة قبل الصبح: يا أبا غالب: ألا تقوم تصلي ولو تقرأ بثلث القرآن، فقلت: يا أبا عبد الرحمن قد دنا الصبح فكيف اقرأ بثلث القرآن؟!! فقال إن سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
[*] كان أبو إسحاق السبيعي ﵀ يقول:
стр. 4798
يا معشر الشباب جدوا واجتهدوا، وبادروا قوتكم، واغتنموا شبيبتكم قبل أن تعجزوا، ـ فإنه قلّ ما مرّت عليّ ليلة إلا قرأت فيها بألف آية!!
[*] كان العبد الصالح عبد الواحد بن يزيد ﵀ يقول لأهله في كل ليلة: يا أهل الدار انتبهوا!! (أي من نومكم) فما هذه (أي الدنيا) دار نوم، عن قريب يأكلكم الدود!!
[*] قال محمد بن يوسف: كان سفيان الثوري ﵀ يقيمنا في الليل ويقول: قوموا يا شباب!! صلوا ما دمتم شبابا!! إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟!!
[*] دخلت إحدى النساء على زوجة الإمام الأوزاعي ﵀ فرأت تلك المرأه بللاً في موضع سجود الأوزاعي، فقالت لزوجة الأوزاعي: ثكلتك أمك!! أراك غفلت عن بعض الصبيان حتى بال في مسجد الشيخ (أي مكان صلاته بالليل) فقالت لها زوجة الأوزاعي: ويحك هذا يُصبح كل ليلة!! من أثر دموع الشيخ في سجوده.
[*] قال: إبراهيم بن شماس كنت أرى أحمد بن حنبل ﵀ يحي الليل وهو غلام. [*] قال أبو يزيد المعَّنى: كان سفيان الثوري ﵀ إذا أصبح مدَّ رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل!!
[*] كان أبو مسلم الخولاني ﵀ يصلي من الليل فإذا أصابه فتور قال لنفسه: أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنهم عليه، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالا!! ثم يصلي إلى الفجر.
رأى أحد الصالحين في منامه خياماً مضروبة فسأل: لمن هذه الخيام؟!! فقيل هذه خيام المتهجدين بالقرآن!! فكان لا ينام الليل!!
[*] كان شداد بن أوس ﵁ إذا دخل على فراشه يتقلب عليه بمنزلة القمح في المقلاة على النار!! ويقول اللهم إن النار قد أذهبت عني النوم!! ثم يقوم يصلي إلى الفجر [*] كان عامر بن عبد الله بن قيس ﵀ إذا قام من الليل يصلي يقول: أبت عيناي أن تذوق طعم النوم مع ذكر النوم.
[*] قال الفضيل بن عياض ﵀: إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأُصبح وما قضيت نهمتي (أي ما شبعت من القرآن والصلاة).
[*] لما احتضر العبد الصالح أبو الشعثاء ﵀ بكى فقيل له: ما يبكيك!! فقال: إني لم أشتفِ من قيام الليل!!
[*] قال الفضيل بن عياض ﵀: كان يقال: من أخلاق الأنبياء والأصفياء الأخيار الطاهرة قلوبهم، خلائق ثلاثة: الحلم والإنابة وحظ من قيام الليل.
[*] كان ثابت البناني ﵀ يصلي قائما حتى يتعب، فإذا تعب صلى وهو جالس.
стр. 4799
[*] قال السري السقطي ﵀: رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل.
[*] كان بعض الصالحين يقف على بعض الشباب العبّاد إذا وضع طعامهم، ويقول لهم: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فتناموا كثيرا، فتخسروا كثيرا!!
[*] قال حسن بن صالح ﵀:
إني أستحي من الله تعالى أن أنام تكلفا (أي اضطجع على الفراش وليس بي نوم) حتى يكون النوم هو الذي يصير عني (أي هو الذي يغلبني)، فإذا أنا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائما فلا أرقد الله عيني!!
[*] كان العبد الصالح سليمان التميمي – ﵀ – هو وابنه يدوران في الليل في المساجد، فيصليان في هذا المسجد مرة، وفي هذا المسجد مرة، حتى يصبحا.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الربيع بن سليمان يقول: كان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام.
(فإن فاتهُ حِزْبَه بالليل فليحرص على قِراءته في أول النَّهار.
(حديث عمر الثابت في صحيح مسلم): أن النبي ﷺ قال: من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر و صلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل.
(تعهد القرآن والتحذير من نسيانه:
قد حذرنا الله من الابتعاد عن القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ) [طه / ١٢٤]
فالإعراض عن تلاوته هجران، وعدم التفكر فيه هجران، وكذلك عدم العمل به هجران.
((حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها.
معنى تفصياً: أي تفلتاً
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كَيْتَ و كَيْتَ بل هو نُسِيَ، واستذكروا القرآن فأنه أشدُّ تفصِّياً من صدور الرجال من النَّعم في عُقُلها.
معنى بل نُسِيَ: أي عوقب بالنسيان لتفريطه في استذكار القرآن.
﴿تنبيه﴾: ( ... نظرا لوجود تشابه في ألفاظ بعض آيات القرآن الكريم أحيانا واختلافها أحيانا أخرى فإن حفظ القرآن قابل للنسيان إن لم يستذكر، لذلك يأمر الرسول ﷺ باستذكار القرآن حفاظا عليه من النسيان.
стр. 4800
(وهنا إشارة إلى كراهة نسبة النسيان إلى النفس نظرا لأن هناك معنا آخر للنسيان وهو تعمد إغفال العمل بأحكام الآيات وهذا والعياذ بالله من سيء الأعمال. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (طه من ١٢٤: ١٢٦).
وفي هذا الحديث دليل على أن النسيان أمر محتمل للإنسان وليس بنقص ولكن على الإنسان الجد والحرص على عدم النسيان بالاستذكار. قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ﷺ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى/٧].
وفي الحديث إشارة إلى مراقبة اللسان من التكلم حتى بكلام يقصد غيره إن كان اللفظ الذي يستخدم يشير إلى أمر فيه إثم أو معصية. فهنا رغم أن النسيان أمر متوقع للإنسان، إلا أن النهي عن نسبة هذا النسيان للنفس على أنه أمر قد قام به الإنسان اختيارا وتعمدا، خشية أن يكون مشمولا بمن تعمد النسيان الذي يشير الله إيه في الآية السابقة. ويشبه ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة /١٠٤]. وذلك لأن اليهود استخدموا لفظة راعنا فنهى الله عن استخدام ذلك اللفظ من قبل المسلمين.
ولقد كان أصحاب النبي ﷺ : يجعلون لأنفسهم نصيبا من القرآن كل يوم , فاحرص على ذلك وتمسك به وعض عليه بالنواجذ , واجعل لنفسك نصيبا يوميا لا تتركه ما دمت حيا مهما كان الأمر , ومهما كانت مشاغل الدنيا، وقليلا دائما خيرا من كثيرا منقطع , وان غفلت فاقضه من الغد كما قال نبينا محمد ﷺ في الحديث الآتي:
(حديث عمر الثابت في صحيح مسلم): أن النبي ﷺ قال: من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر و صلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل.
(ومن أحسن الأدوية التي تعين على الحفظ وتبعد الإنسان على النسيان ترك المعاصي:
يقول الإمام الشافعي ﵁:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي
стр. 4801
وهنا يؤكد الإمام الشافعي على أن أستاذه وكيعا ينصحه بأن يترك المعاصي بعد أن شكا له سوء حفظه. فمن أصلح ما بينه وبين الله تعالى كان حقا على الله أن يعينه على طاعته ورضاه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت /٦٩].
(حكم نسيان القرآن:
مسألة: ما حكم نسيان القرآن؟
نسيان الحفظ له أسباب: منها عدم التكرار لشغل طارئ وهذا يحدث لكل فرد وعليه أن يراجع بعد أن يفرغ من شغله.
ومنها عدم التكرار لشغل مستديم. فإن كان شغله يمنعه من تكرار القرآن وكان شغله من الأهمية بمكان فعليه أن يكابد ويحاول إيجاد الوقت للتكرار ويدعو الله بالمغفرة. أما إن كان عدم التكرار إهمالا وتكاسلا، فهذا من التقصير الذي هو من الذنوب ويخشى أن يكون إثمه كبيرا.
[*] قال الضحاك بن مزاحم: ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلا بذنب يُحدِثُهُ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى /٣٤]. وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب.
أما إذا كان النسيان نتيجة مرض يمنعه من التكرار أو ينُسيه ما حفظ فذلك مما يرجى أن لا يؤاخذه الله به بل ويكتب له ثواب يوم كان يكرر القرآن ويحفظه هذا إذا كان صابرا في مرضه محتسبا ذلك لله.
(التحذير من هجر القرآن:
لقد حكى الله شكوى الرسول الله ﷺ لربه هجران قومه للقرآن قال تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) [الفرقان:٣٠]
[*] قال الألوسي في روح المعاني:
واستدل ابن الفرس بالآية على كراهة هجر المصحف وعدم تعاهده بالقراءة فيه، فهجر التلاوة إنما يكون بالإعراض عن المصحف وعدم القراءة ولو ليوم، وكلما طالت المدة كلما تحقق الهجر، هذا ولم نطلع على أقوال لأحد من أهل العلم قد حد الهجر بأيام معدودة، لكن قد وردت روايات عن بعض أهل العلم في أكثر مدة يختم فيها القرآن.
[*] روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: من قرأ القرآن في كل سنة مرتين فقد أدى حقه لأن النبي ﷺ عرض على جبريل في السنة التي قبض فيها مرتين.
[*] وقال أبو الليث في البستان: ينبغي للقارئ أن يختم في السنة مرتين إن لم يقدر على الزيادة.
[*] ونص أحمد على كراهة تأخير ختم القرآن أكثر من أربعين يوماً بلا عذر،
стр. 4802
(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال: أنه سأل النبي ﷺ : في كم يقرأ القرآن؟ قال: "" في أربعين يوما "" ثم قال "" في شهر "" ثم قال "" في عشرين "" ثم قال "" في خمس عشرة "" ثم قال "" في عشر "" ثم قال "" في سبع.
?? (وتوعّد الله سبحانه الذين يعرضون عنه فقال: ﴿وقد آتيناك من لدنا ذكراً * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً * خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١].
(ثم صوّر حالة ذلك المعرض يوم القيامة فقال: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا * ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
[*] (أنواع هجر القرآن:
[*] قال ابن القيم في كتابه القيم " الفوائد ":
وهجر القرآن أنواع:
أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.
والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.
والرابع: هجر تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به ... وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.
(وإليك تفصيل ذلك:
(١) هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
لا يوجد على وجه البسيطة كتاب يحرم هجره، ويجب تعاهده وتلاوته إلا القرآن الكريم، فإن هذا من خصائصه التي لا يشاركه فيها أي كتاب.
?? وقد أثنى الله على الذين يتعاهدون كتاب ربهم بالتلاوة فقال: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾ [آل عمران: ١١٣]. ?? - وحتى لا يقع الناس في هجران القرآن، فقد بحث العلماء مسألة: في كم يقرأ القرآن، وقالوا: "يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوماً لا يقرأ فيها القرآن ".
? (٢) هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.
- يحرم هجر العمل بالقرآن الكريم، لأن القرآن إنما نزل لتحليل حلاله وتحريم حرامه والوقوف عند حدوده.
?? فلا يجوز ترك العمل بالقرآن، فإن العمل به هو المقصود الأهم والمطلوب الأعظم من إنزاله.
(٣) هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.
стр. 4803
- أنزل الله كتابه الكريم حتى يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ونهاهم سبحانه عن تحكيم أو تحاكم إلى غير القرآن.
?? - فالقرآن الكريم هو دستور المسلمين، وهو الحكم فيما اختلفوا فيه من أمور دينهم ودنياهم، فلا يجوز هجره لابتغاء الحكم في غيره.
(٤) هجر تدبره وتفهمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
- تدبر القرآن الكريم وتعقل معانيه مطلب شرعي، دعا إليه القرآن وحثّت عليه السنة، وعمل به الصحابة والتابعون ومن بعدهم، قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ [ص: ٢٩]. وقال أيضاً: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤].
?? وعليه فلا يجوز هجر تدبره وتأمل معانيه وأحكامه.
? (٥) هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به:
وردت نصوص كثيرة في أن القرآن الكريم شفاء، قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾ [فصلت: ٤٤].
??وفي سنة الرسول ﷺ صور تطبيقية عديدة للتداوي بالقرآن، سواء كان دواء للأبدان، أو للنفوس.
?? - وهجر الاستشفاء بالقرآن خلاف السنة، فهو مذموم وممقوت.
стр. 4804
(!! إني لأعجب من أمة تهجر كتاب ربها وتُعرض عن سنة نبيها، ثم بعد ذلك تتوقع أن ينصرها ربها؟ إن هذا مخالف لسنن الله في الأرض. إن التمكين الذي وعد به الله، والذي تحقق من قبل لهذه الأمة، كان بفضل التمسك بكتاب الله ، الدستور الرباني الذي فيه النجاة مما أصابنا الآن. إن الذين يحلمون بنزول النصر من الله لمجرد أننا مسلمون لواهمين، هم كحال من يطلب المُحال، كحال يستنبتُ النباتَ في الهواء ويبذرُ البذورَ في الصخور وكحال من يطلب الولد بغير زواج، ذلك أن تحقق النصر له شروط، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُ! دُونَنِي َلا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] كما أن ما بعد النصر له شروط. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي اْلأَرْضِ أَقَامُوا الصََّلاةَ وَآتَو! ْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ اْلأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] فعودوا إلى كتاب ربكم تنالوا نصره في الدنيا وتدخلوا جنته في الآخرة.
[*] (آثار هجر القرآن:
(١) من آثار هجر القرآن، تغلب الشيطان وأعوانه من شياطين الجن والإنس. لأن ذكر الله تعالى خير حافظ للعبد، فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين. وقد ورد عن النبي ﷺ أن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا تأتيه البطلة، وهم شياطين الجن والإنس.
(حديث أبي أمامة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرءوا الزهراوين: البقرة و آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة و تركها حسرة و لا تستطيعها البطلة.
اقرءوا الزهراوين: أي النيرتين
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم:
"و سميتا الزهراوين لنورهما و هدايتهما و عظيم أجرهما"
стр. 4805
«كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان»: قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان من فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. نقله النووي. وفي القاموس: الغمامة: السحابة أو البيضاء من السحب. والغياية كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحاب ونحوه. والمراد أن ثوابهما يأتي بهذا المنظر.
«أو كأنهما فرقان من طير صواف»: الفرقان والحزقان: معناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فرق وحزق وحزيقه، أي جماعة، ومعنى «صواف»: باسطة أجنحتها ملتصق بعضها ببعض كما كانت تظلل سليمان ﵇، وقوله ﷺ : «تحاجان عن أصحابهما» أي تدافعان بالحجة عن أصحابهما.
«فإن أخذها بركة وتركها حسرة»: أي قراءتها بركة وترك قراءتها حسرة وخسارة.
أخذها بركة: أي زيادةٌ ونماء
وتركها حسرة: أي على ما فاته من الثواب
«ولا تستطيعها البطلة» أي السحرة، تسمية لهم باسم فعلهم، لأن ما يأتون به الباطل، وإنما لم يقدروا على قراءتها ولم يستطيعوها لزيغهم عن الحق وانهماكهم في الباطل، ويصح أن يكون المعنى ولا يستطيع دفعها واختراق تحصينها لقارئها السحرة.
وقيل: المراد من البطلة أهل البطالة، أي لا يستطيعون قراءتها وتدبر معانيها لكسلهم.
(٢) ومن آثار هجر القرآن حرمان العبد من فضل التلاوة والتعبد بها، والحرمان من كنز من كنوز الحسنات لأن الحرف بعشر حسنات بنص السنة الصحيحة:
(حديث ابن مسعودٍ في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ﴿ألم﴾ حرف و لكن: ألف حرف و لام حرف و ميم حرف.
(٣) ومن آثار هجر القرآن: الحرمان من شفاعته له يوم القيامة:
(حديث أبي أمامة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه اقرءوا الزهراوين: البقرة و آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة و تركها حسرة و لا تستطيعها البطلة.
اقرءوا الزهراوين: أي النيرتين
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم:
"و سميتا الزهراوين لنورهما و هدايتهما و عظيم أجرهما"
стр. 4806
«كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان»: قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان من فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. نقله النووي. وفي القاموس: الغمامة: السحابة أو البيضاء من السحب. والغياية كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحاب ونحوه. والمراد أن ثوابهما يأتي بهذا المنظر.
«أو كأنهما فرقان من طير صواف»: الفرقان والحزقان: معناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فرق وحزق وحزيقه، أي جماعة، ومعنى «صواف»: باسطة أجنحتها ملتصق بعضها ببعض كما كانت تظلل سليمان ﵇، وقوله ﷺ : «تحاجان عن أصحابهما» أي تدافعان بالحجة عن أصحابهما.
«فإن أخذها بركة وتركها حسرة»: أي قراءتها بركة وترك قراءتها حسرة وخسارة.
أخذها بركة: أي زيادةٌ ونماء
وتركها حسرة: أي على ما فاته من الثواب
ولا تستطيعها البطلة: أي السحرة
(٤) ومن آثار هجر القرآن موت السنة وانتشار البدعة بسبب الإعراض عن كتاب الله، ومن هجر القرآن هجر السنة فتكثر الأهواء ويقل العلم وينتشر الجهل وكل هذه عوامل على انتشار البدع وتحكيم الهوى قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٥٠]
(٥) ومن آثار هجر القرآن قسوة القلب؛ لأن القرآن الكريم يعمل على ترقيق القلوب المؤمنة فهي تطمئن بذكر الله قال تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ) [الرعد: ٢٨]، فنعوذ بالله من القلب القاسي.
(أين الخلف مما فعله السلف؟ هل نحن مع القرآن فقادنا إلى رضوان الله؟ وهل نحن مع القرآن إذا لقادنا إلى سبل السلام، هل نقلنا هدايات القرآن للقارات الخمس؟ في عالمنا أناس حجبوا القرآن فلا تعرف عنه شيئا والسبب هجر المسلمين لقرآنهم، وفاقد الشيء لا يعطيه.
(استحباب تحسين الصوت بقراءة القرآن الكريم:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.
والمقصود أذن الله أي استمع الله ، وفيه إشارة على القبول والرضا، ومعنى الحديث أنه ما استمع رب العزة والجلالة لشيء من الأشياء كاستماعه لنبي يقرآ القرآن بصوت جميل يجهر بتلاوته.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال له: لقد أُتيت مزماراً من مزامير آل داود.
стр. 4807
لحسن صوته وحلاوة نغمه، وقد كان داود ﵇ إذا قرأ القرآن أنصت له الطير والجبل والشجر، وهذا إن دل على شيء دل على وجوب حسن الصوت في قراءة القرآن الكريم.
(حديث البراء في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال زينوا القرآن.
(حديث البراء في الصحيحين) قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ في العشاء (والتين والزيتون) فما سمعت أحداً أحسن صوتً منه.
﴿تنبيه﴾: (بينت السنة الصحيحة أن أحسن الناس صوتاً بالقرآن هو الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله
(حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله.
(يستحب طلب القراءة الطيبة من إنسان حسن الصوت:
(حديث ابن مسعود في لصحيحين) قال، قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري.
(آداب قراءة القرآن:
[*] (بيَّن الإمام النووي رحمه الله تعالى آداب قراءة القرآن في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن فقال:
(١) ينبغي له أن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى ويقرأ على حال من يرى الله تعالى فإنه إن لم يكن يراه فإنه يراه فعليه أن يطرد الشواغل عن نفسه أثناء هذه المناجاة
(٢) ينظف فاه بالسواك فإنه مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب:
(حديث عائشة في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: السواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب.
(٣) يستحب له أن يقرأ القرآن على طهارة فإن قرأ محدثاً جاز بإجماع المسلمين.
(٤) يستحب أن تكون القراءة في موضعٍ نظيف ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعاً للنظافة وشرف البقعة ومحصلاً لفضيلةٍ أخرى هي فضيلة الاعتكاف فإنه ينبغي لكلِ جالس في المسجد أن ينويه سواء كثر جلوسه أو قل، وهذا الأدب ينبغي أن يعتني به ويشاع ذكره ويعرفه الصغير والكبير فإنه مما يغفل عنه.
(٥) يستحب للقارئ أن يقرأ وهو جالس مستحضراً عظمةَ من يناجيه خاشعاً متذللاً بين يدي الله تعالى، ولو قرأ قائماً أو مضطجعاً في فراشه أو غير ذلك من الأحوال جاز:
стр. 4808
قال تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وقعودا وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والأرض ربنا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿آل عمران/١٩١،١٩٠﴾
(حديث عائشة في صحيح مسلم) قالت كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحواله.
(٦) ويجب على القارئ إذا أراد الشروع في القراءة أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم.
لقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ﴿النحل/٩٨﴾
وكان جماعة من السلف يقولون: أعوذ بالله السميع من الشيطان الرجيم
(٧) ينبغي له أن يحافظ على قراءة البسملة في أولِ كل سورة سوى سورة براءة.
(٨) إذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر وطرد الشواغل عن ذهنه:
قال تعالى أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لوجدوا فيه اخْتِلاَفًا كَثِيراً ﴿النساء/٨٢﴾
وقال تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) ﴿محمد /٢٤﴾
وقال تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُوْلُو الألْبَابِ) ﴿ص/٢٩﴾
﴿تنبيه﴾: (كان النبي ﷺ يهتم اهتماماً بالغاً بتدبر القرآن وكان أحياناً لا يزال يردد آيةً حتى يصبح.
(حديث أبي ذر في صحيحي النسائي وابن ماجة) قال قام النبي ﷺ بآيةٍ يرددها حتى أصبح، والآية قال تعالى: (إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة / ١١٨]
*وقد تأسى أصحاب النبي ﷺ به في ذلك فردد تميم بن أوس آيةً حتى أصبح والآية هي (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) ﴿الجاثية/٢١)
(٩) البكاء عند قراءة القرآن فإن ذلك سمة عباد الله الصالحين:
قال تعالى (وَيَخِرّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) ﴿الإسراء /١٠٩﴾
وقال تعالى (إِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمََنِ خَرّواْ سُجّداً وَبُكِيّاً) ﴿مريم/٥٨﴾
стр. 4809
*وصلى عمر بن الخطاب بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته.
*وعن أبي الرجاء قال رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وتحت عينيه مثلُ الشراك البالي من الدموع.
وقدم أناسٌ من اليمن على أبي بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه فجعلوا يقرؤن القرآن ويبكون فقال أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه: هكذا كنا.
(١٠) استحباب ترتيل القرآن:
امتثالاً لقوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلا) ﴿المزمل /٤﴾
(حديث عبد الله بن المغفل في الصحيحين) قال رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورةَ الفتح فرجَّع في قراءته)
(حديث أم سلمة في صحيح الترمذي) قالت كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته آية آية: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ثم يقف: ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف.
١١) يكره الإفراط في السرعة في قراءة القرآن لأنها لا تسمح بالتدبر:
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن رجلاً قال له لقد قرأت المفصل في ركعة فقال هذا كهزِ الشعر إن قوماً يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع.
*المقصود بقوله (كهز الشعر): كانت عادتهم في إنشاد الشعر السرعة المفرطة.
(١٢) يستحب له أن لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا استجار:
(حديث حذيفة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، لا يمر بآيةِ رحمةٍ إلا سأل ولا بآيةِ عذاب إلا استجار.
(حديث حذيفة ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة فافتتح البقرة ثم المائة فمضى ثم المائتين فمضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فافتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع فقال سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده فكان قيامه قريبا من ركوعه ثم سجد فجعل يقول سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من ركوعه.
(١٣) احترام القرآن:
стр. 4810
إن احترام القرآن من الأمور التي قد يتساهل فيها بعض الغافلين القارئين، فيجب اجتناب الضحك واللغط (اختلاط الأصوات) والحديث خلال القراءة إلا كلاماً يضطر إليه، وليمتثل قول الله تعالى (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ) ﴿الأعراف/٢٠٤﴾
[*] وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ مما أراد أن يقرأه.
ويجب كذلك اجتناب العبث بين يديه فإنه يناجي الله تعالى، وكذا يجب اجتناب النظر إلى ما يلهي القلب
(١٤) يستحب له أن يقرأ القرآن على ترتيب المصحف لأن الله تعالى جعل هذا الترتيب لحكمةٍ بالغةٍ قضاها يستوجب الحمد على اقتضاها، فينبغي له أن يحافظ على هذه الحكمة إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الفجر يوم الجمعة فإنه يقرأ في الركعة الأولى سورة السجدة وفي الثانية سورة الإنسان وكذلك سنة الفجر فإنه يقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص
قيل لابن مسعودٍ ﵁ إن فلاناً يقرأ القرآن منكوساً قال: ذلك منكس القلب.
(١٥) استحباب قراءة القرآن مجتمعين:
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله فيمن عنده.
(١٦) كراهية الاختلاف في كتاب الله تعالى:
(حديث جندب ابن عبد الله في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا.
(حديث ابن مسعود في صحيح البخاري) قال سمعت رجلاً قرأ آيةً سمعت من النبي ﷺ خلافها فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ فقال: كلاكما محسن، لا تختلفوا فإنه من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا.
(١٧) استحباب الجهر بالقراءة والإسرار بها على التفصيل الآتي:
(إذا خاف على نفسه الرياء أو العجب والعياذ بالله كان الإسرار في حقه أفضل وعيه يحمل الحديث
(حديث عقبة بن عامر في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة و المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة.
معنى الحديث: أن المسرَّ بالقرآن أفضل لكي يأمن من العجب المحبط للعمل والعياذ بالله، وهذا محمول على من خاف على نفسه ذلك.
стр. 4811
(أما إذا لم يخف على نفسه الرياء والعجب فالجهر في حقه أفضل لأن نفعه متعدي، والمنفعة المتعدية أفضل من المنفعة اللازمة لأنه برفع صوته يوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه وعليه الأحاديث الآتية
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به
(١٨) استحباب تحسين الصوت بالقرآن:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال له: لقد أُتيت مزماراً من مزامير آل داود. (حديث البراء في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال زينوا القرآن.
(حديث البراء في الصحيحين) قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ في العشاء (والتين والزيتون) فما سمعت أحداً أحسن صوتً منه.
﴿تنبيه﴾: (بينت السنة الصحيحة أن أحسن الناس صوتاً بالقرآن هو الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله (حديث جابر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله.
(يستحب طلب القراءة الطيبة من إنسان حسن الصوت:
(حديث ابن مسعود في لصحيحين) قال، قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ علي القرآن. فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري.
(١٩) تحريم الجدال في القرآن بغير حق:
(حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: المراء في القرآن كفر.
﴿تنبيه﴾: (المقصود بالمراء هنا الجدال المشكك في القرآن والعياذ بالله تعالى من ذلك، وقيل الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها
(٢٠) استحباب دعاء ختم القرآن:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن: يستحب الدعاء عقب ختم القرآن استحباباً متأكداً، وكان عبد الله بن ا لمبارك إذا ختم القرآن أكثر دعائه للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات
﴿تنبيه﴾: (لم يذكر الإمام النووي في ذلك دليلاً، وربما يستدلُ له بالحديث الآتي
стр. 4812
(حديث عمران بن حصين في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس.
(٢١) أن يلزم ما يستحب من الذكر أثناء قراءة القرآن تأسياً بالنبي ﷺ :
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ إذا قرأ: سبح اسم ربك الأعلى قال: سبحان ربي الأعلى.
(حديث موسى بن أبي عائشة ﵄ الثابت في صحيح أبي داوود) قال: كان رجل يصلي فوق بيته, وكان إذا قرأ: أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ قال: سبحانك فَبَلَى! فسألوه عن ذلك؟ فقال: سمعته من رسول الله ﷺ .
[*] قال الألباني رحمه الله تعالى:
وهو مطلق فيشمل القراءة في الصلاة وخارجها, والنافلة والفريضة. أهـ
[صفة الصلاة ١٠٥]
(آداب حملة القرآن:
[*] (هاك بعض الآداب التي ينبغي لحامل القرآن أن يتحلى بها:
١) قال ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يُعرفَ بليله إذا الناس ينامون وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون.
٢) وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار.
٣) وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيماً لحق القرآن
٤) ويجب على حامل القرآن أن يحافظ على تلاوته ويتعاهده باستمرار حتى لا ينساه:
((حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها.
معنى تفصياً: أي تفلتاً.
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت و كيت بل هو نُسِيَ، واستذكروا القرآن فأنه أشدُّ تفصِّياً من صدور الرجال من النَّعم في عُقُلها.
معنى بل نُسِيَ: أي عوقب بالنسيان لتفريطه فاستذكار القرآن
стр. 4813
﴿تنبيه﴾: (لقد ضرب السلف الصالح أروع المثل في قراءة القرآن واستذكاره، فكان الكثير منهم يختمون كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم كل ليلتين ومنهم من كان يختم في كل يومٍ وليلة، فمن الذين كانوا يختمون في كل يومٍ وليلة عثمان ابن عفان وتميم ابن أوس الداري وسعيد ابن جبير ومجاهد والشافعي.
(٥) ويجب عليه أن يجاهد نفسه في مراجعة القرآن حتى يشربه كشرب اللبن:
(حديث عقبة ابن عامر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن.
﴿تنبيه﴾: (هنا سؤال يطرح نفسه ما الدليل على جواز ختم القرآن في يومٍ وليلة، خاصةً وأنه ورد في السنة الصحيحة أن النبي ﷺ قال لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث؟
والجواب أن نقول:
أنه يجوز ختم القرآن في يومٍ وليلة لفعل عثمان بن عفان ﵁، وقد أمرنا النبي ﷺ أن نتبع سنتهم وبيَّن أن سنتهم من سنته.
(حديث العرباض بن سارية في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
الشاهد: قوله ﷺ فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ فعطف سنتهم على سنته فدل ذلك على أن سنتهم من سنته.
الرد على (حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث.
يكون من وجهين:
﴿الأول﴾: المقصود بالنفي هنا نفي الفقه لا نفي الثواب ولذا عبَّر النبي ﷺ بقوله (لا يفقه)
﴿الثاني﴾: ليس في الحديث دليلٌ على تحريم ختمه في أقل من ثلاث إذ لا يلزم من عدم فهم معناه تحريم قراءته.
(٦) ينبغي لحامل القرآن أن يعتني بقراءة القرآن بالليل أكثر من النهار، وذلك لكونها أجمع للقلب وأثبت للحفظ لقوله تعالى: (إِنّ نَاشِئَةَ اللّيْلِ هِيَ أَشَدّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً) [المزمل / ٦]
ولأنه بالليل يسهل طرد الشواغل عن الذهن، ثم إن الليل أصون من الرياء وغيره من المحبطات.
стр. 4814
(٧) يجب على حامل القرآن أن لا يسافر بالمصحف إلى أرض العدو حتى لا يناله بسوء أو امتهان _ قسم الله ظهر من أعان على امتهان القرآن بشطر كلمة.
(حديث ابن عمر في الصحيحين) أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
(فضائل بعض سور القرآن:
ما أنزل الله سبحانه من شيء إلا جعل فيه درجات وأفضلية:
قال تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) [الأنعام:١٦٥]
و قال تعالى: (وَلَقَدْ فَضّلْنَا بَعْضَ النّبِيّينَ عَلَىَ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) [الإسراء:٥٥]
وقال تعالى: (وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء:٧٠]
وكذلك فضّلت مكة والمدينة على سائر المدن وفضّل شهر رمضان على باقي الأشهر وفضّلت ليلة القدر على كل الليالي بل جعلها الله خيرا من ألف شهر وهكذا درجات وتفضيل، وكذلك فضّلت بعض سور القرآن. وكذلك جاء في السنة الشريفة فضل بعض السور القرآنية ليكثر المؤمن من قراءتها ويحفظها إن استطاع إلى ذلك سبيلا:
(فضل سورة الفاتحة:
بينت السنة الصحيحة أن سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن بنص السنة الصحيحة
(حديث أبي سعيد المعلي في صحيح البخاري) قال: قال لي رسول الله ﷺ ألا أعلمك أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنَّك أعظمُ سورةٍ في القرآن، قال: الحمد لله رب العلمين هي السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
(حديث بن عباس ﵄ الثابت في صحيح مسلم) قال بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ * سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته.
(حديث أبي بن كعب ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته.
стр. 4815
(حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحلي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أوكنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي، أو نسأل النبي ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ ، فقال: (وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم.
(حديث عبادة بن الصامت الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: في كلٍ صلاة يُقرأ فما أسمعنا النبي ﷺ أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد عن أم الكتاب أجزأت وإن زِدت فهو خير.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة ﵁ إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد! < الحمد لله رب العالمين >! قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال! < الرحمن الرحيم >! قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال! < مالك يوم الدين >! قال مجدني عبدي وقال مرة فوض إلي عبدي فإذا قال! < إياك نعبد وإياك نستعين >! قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال! < اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين >! قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
[معنى خداج أي فاسدة]
(فضل سورة البقرة:
(١) كفى في فضلها: أن الله تعالى قد جعلها عدلا للقرآن العظيم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [سورة الحجر: ٨٧] وأنه لا بد من قراءتها في الصلاة بحيث لا تغني عنها سائر السور، وأن الصلاة هي عماد الدين، وبها يمتاز المسلم عن الكافر. "
стр. 4816
(حديث أبي سعيد المعلي في صحيح البخاري) قال: قال لي رسول الله ﷺ ألا أعلمك أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنَّك أعظمُ سورةٍ في القرآن، قال: الحمد لله رب العلمين هي السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته.
(٢) فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة نوران أوتيهما النبي ﷺ لم يؤتهما نبي قبله:
(حديث بن عباس ﵄ الثابت في صحيح مسلم) قال بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ * سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته.
(٣) ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثل فاتحة الكتاب:
(حديث أبي بن كعب ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته.
(٤) فاتحة الكتاب لها أثر بالغ في رقية المريض:
(حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحلي سليم، وإن نفرنا غيب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أوكنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي، أو نسأل النبي ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ ، فقال: (وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم.
(٥) كفي بها فضلاً أن الصلاة لا تصح بغيرها:
(حديث عبادة بن الصامت الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: في كلٍ صلاة يُقرأ فما أسمعنا النبي ﷺ أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد عن أم الكتاب أجزأت وإن زِدت فهو خير.
стр. 4817
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة ﵁ إنا نكون وراء الإمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد! < الحمد لله رب العالمين >! قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال! < الرحمن الرحيم >! قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال! < مالك يوم الدين >! قال مجدني عبدي وقال مرة فوض إلي عبدي فإذا قال! < إياك نعبد وإياك نستعين >! قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال! < اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين >! قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
[معنى خداج أي فاسدة]
﴿تنبيه﴾: ( ... لا يجوز أن يحمل النفي في قوله ﷺ [لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب] على نفي الكمال لعموم الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثاً) غير تمام.
(٦) بينت السنة الصحيحة أن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال لا تجعلوا بيوتكم مقابر وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطا ن.
(٧) البقرة سنام القرآن:
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن لكل شيء سناما وسنام القرآن سورة البقرة , و إن الشيطان إذا سمع سورة البقرة تقرأ , خرج من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة ".
وسنام القرآن سورة البقرة: فهي السنام والذروة والقمة الشامخة.
(فضلُ آية الكرسي:
(١) بينت السنة الصحيحة أن آية الكرسي هي أعظم سورةٍ في القرآن:
(حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم) قال، قال رسول الله ﷺ يا أبا المنذر أتدري أيُ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال فضرب في صدري وقال ليهنك العلم يا أبا المنذر.
(٢) من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت:
стр. 4818
(حديث أبي أمامة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت.
(٣) آية الكرسي حرزٌ من الشيطان:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة). قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود). فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : (إنه سيعود). فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (يا أباهريرة ما فعل أسيرك). قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك، وسيعود). فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة). قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: (ما هي). قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة). قال: لا، قال: (ذاك شيطان).
(فضلُ خواتيم سورة البقرة:
(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه.
стр. 4819
معنى كفتاه: أي أغنتاه عن قيام تلك الليلة بالقرآن، والآيتان هما من قوله تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه ٠٠٠٠٠ إلى آخر السورة)
[*] قال النووي ﵀:
قيل: معنا كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان، وقيل من الآفات ويحتمل الجميع٠
(حديث حذيفة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أُعطيتُ الآيات من آخر سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش لم يعطها نبيٌ قبلي.
(حديث بن عباس ﵄ الثابت في صحيح مسلم) قال بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ * سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته.
نقيضا: أي صوتاً
(فضلُ سورتي البقرة وآل عمران:
(حديث أبي أمامة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين: البقرة و آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة و تركها حسرة و لا تستطيعها البطلة.
اقرءوا الزهراوين: أي النيرتين
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم:
"و سميتا الزهراوين لنورهما و هدايتهما و عظيم أجرهما"
«كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان»: قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان من فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. نقله النووي. وفي القاموس: الغمامة: السحابة أو البيضاء من السحب. والغياية كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحاب ونحوه. والمراد أن ثوابهما يأتي بهذا المنظر.
«أو كأنهما فرقان من طير صواف»: الفرقان والحزقان: معناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فرق وحزق وحزيقه، أي جماعة، ومعنى «صواف»: باسطة أجنحتها ملتصق بعضها ببعض كما كانت تظلل سليمان ﵇، وقوله ﷺ : «تحاجان عن أصحابهما» أي تدافعان بالحجة عن أصحابهما.
«فإن أخذها بركة وتركها حسرة»: أي قراءتها بركة وترك قراءتها حسرة وخسارة.
أخذها بركة: أي زيادةٌ ونماء
وتركها حسرة: أي على ما فاته من الثواب
ولا تستطيعها البطلة:
стр. 4820
«ولا تستطيعها البطلة» أي السحرة، تسمية لهم باسم فعلهم، لأن ما يأتون به الباطل، وإنما لم يقدروا على قراءتها ولم يستطيعوها لزيغهم عن الحق وانهماكهم في الباطل، ويصح أن يكون المعنى ولا يستطيع دفعها واختراق تحصينها لقارئها السحرة.
وقيل: المراد من البطلة أهل البطالة، أي لا يستطيعون قراءتها وتدبر معانيها لكسلهم.
(ومن فضلُ سورتي البقرة وآل عمران أن فيهما اسم الله الأعظم:
(حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال: عن النبي ﷺ قال: (اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن البقرة وآل عمران وطه). قال القاسم فالتمستها فإذا هي آية الحي القيوم.
(فضلُ سورة هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون:
(حديث ابن عباس في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: شيبتني هود و الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت ... .
﴿شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون والتكوير﴾: لما فيها من ذكر الأمم وما حل بهم من عاجل بأس الله، فأهل اليقين إذا تلوها انكشفت لهم من ملكه وسلطانه وبطشه وقهره ما تذهل منه النفوس وتشيب منه الرؤوس.
﴿تنبيه﴾: ( ... سورة هود احتوت على آية الأمر بالاستقامة قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة هود: ١١٢] وهي حمل ثقيل بالأمر بالاستقامة كما أمر الله تعالى وهو أمر ليس خاصا به بل لمن اتبعه بقوله تعالى: ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا﴾.
وأما سور المرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت فكلها وصف لشدائد يوم القيامة: يوما يجعل الولدان شيبا. وتنذر الناس إنذارا شديدا. ففي سورة المرسلات تكرار للويل للمكذبين عدة مرات وفي عمَّ يتساءلون وصف للقيامة بالنبأ العظيم وفي التكوير وصف للحوادث الكونية الرهيبة يوم القيامة وفي الواقعة كذلك فهي الخافضة الرافعة ووصف أحوال أصحاب أهل اليمين وأصحاب الشمال وأحوال السابقين السابقين اولئك المقربين.
(فضلُ سورة الكهف:
(١) من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال:
(حديث أبي الدر داء في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال.
(٢) من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه و بين البيت العتيق:
стр. 4821
(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين.
(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه و بين البيت العتيق.
(٣) تنزل السكينة بقراءتها كسائر القرآن:
(حديث البراء بن عازب ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: كان رجلٌ يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن.
﴿تنبيه﴾: ( ... وقصص سورة الكهف أربعة هي: أهل الكهف، صاحب الجنتين، موسى ﵇ والخضر وذو القرنين.
وهذه القصص الأربعة يربطها محور واحد وهو أنها تجمع الفتن الأربعة في الحياة:
فتنة الدين: (قصة أهل الكهف)،
فتنة المال: (صاحب الجنتين)،
فتنة العلم: (موسى ﵇ والخضر)
وفتنة السلطة: (ذو القرنين).
وهذه الفتن شديدة على الناس والمحرك الرئيسي لها هو الشيطان الذي يزيّن هذه الفتن ولذا جاءت الآية (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف: ٥٠] وفي وسط السورة أيضاً. ولهذا قال الرسول أنه من قرأها عصمه الله تعالى من فتنة المسيح الدجّال لأنه سيأتي بهذه الفتن الأربعة ليفتن الناس بها.
وقصص سورة الكهف كل تتحدث عن إحدى هذه الفتن ثم يأتي بعده تعقيب بالعصمة من الفتن: وهاك القصص الأربعة
(١) فتنة الدين:
стр. 4822
قصة الفتية الذين هربوا بدينهم من الملك الظالم فآووا إلى الكهف حيث حدثت لهم معجزة إبقائهم فيه ثلاث مئة سنة وازدادوا تسعا وكانت القرية قد أصبحت كلها على التوحيد. ثم تأتي آيات تشير إلى كيفية العصمة من هذه الفتنة (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف ٢٨ – ٢٩].
فالعصمة من فتنة الدين تكون بالصحبة الصالحة وتذكر الآخرة.
(٢) فتنة المال:
قصة صاحب الجنتين الذي آتاه الله كل شيء فكفر بأنعم الله وأنكر البعث فأهلك الله تعالى الجنتين. ثم تأتي العصمة من هذه الفتنة (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف ٤٥ و٤٦]. والعصمة من فتنة المال تكون في فهم حقيقة الدنيا وتذكر الآخرة.
(٣) فتنة العلم:
قصة موسى ﵇ مع الخضر وكان موسى ظنّ أنه أعلم أهل الأرض فأوحى له الله تعالى بأن هناك من هو أعلم منه فذهب للقائه والتعلم منه فلم يصبر على ما فعله الخضر لأنه لم يفهم الحكمة في أفعاله وإنما أخذ بظاهرها فقط. وتأتي آية العصمة من هذه الفتنة (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف:٦٩].
والعصمة من فتنة العلم هي التواضع وعدم الغرور بالعلم.
(٤) فتنة السلطة:
стр. 4823
قصة ذو القرنين الذي كان ملكاً عادلاً يمتلك العلم وينتقل من مشرق الأرض إلى مغربها عين الناس ويدعو إلى الله وينشر الخير حتى وصل لقوم خائفين من هجوم يأجوج ومأجوج فأعانهم على بناء سد لمنعهم عنهم وما زال السدّ قائماً إلى يومنا هذا. وتأتي آية العصمة (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف ١٠٣ و١٠٤]
فالعصمة من فتنة السلطة هي الإخلاص لله في الإعمال وتذكر الآخرة.
(٥) ختام السورة: العصمة من الفتن:
آخر آية من سورة الكهف تركّز على العصمة الكاملة من الفتن بتذكر اليوم الآخرة (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:١١٠]
فعلينا أن نعمل عملاً صالحاً صحيحاً ومخلصاً لله حتى يَقبل، والنجاة من الفتن إنتظار لقاء الله تعالى.
ومما يلاحظ في سورة الكهف ما يلي:
(١) الحركة في السورة كثيرة (فانطلقا، فآووا، قاموا فقالوا، فابعثوا، ابنوا، بلغا، جاوزا، فوجدا، آتنا،) وكأن المعنى أن المطلوب من الناس الحركة في الأرض لأنها تعصم من الفتن ولهذا قال ذو القرنين: (فأعينوني بقوة) أي دعاهم للتحرك ومساعدته ولهذا فضل قراءتها في يوم الجمعة الذي هو يوم إجازة للمسلمين حتى تعصمنا من فتن الدنيا.
(٢) وهي السورة التي ابتدأت بالقرآن وختمت بالقرآن: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) [الكهف: ١] و (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف: ١٠٩]. وكأن حكمة الله تعالى في هذا القرآن لا تنتهي وكأن العصمة من الفتن تكون بهذا القرآن والتمسك به.
(٣) الدعوة إلى الله موجودة بكل مستوياتها:
فتية يدعون الملك وصاحب يدعو صاحبه ومعلّم يدعو تلميذه وحاكم يدعو رعيته.
(٤) ذكر الغيبيات كثيرة في السورة:
стр. 4824
في كل القصص: عدد الفتية غيب وكم لبثوا غيب وكيف بقوا في الكهف غيب والفجوة في الكهف غيب، وقصة الخضر مع موسى ﵇ كلها غيب، وذو القرنين غيب. وفي هذا دلالة على أن في الكون أشياء لا ندركها بالعين المجردة ولا نفهمها ولكن الله تعالى يدبّر بقدرته في الكون وعلينا أن نؤمن بها حتى لو لم نراها أو نفهمها وإنما نسلّم بغيب الله تعالى.
(وسميت السورة بـ (سورة الكهف): الكهف في قصة الفتية كان فيه نجاتهم مع إن ظاهره يوحي بالخوف والظلمة والرعب لكنه لم يكن كذلك إنما كان العكس (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) آية ١٦. فالكهف في السورة ما هو إلا تعبير أن العصمة من الفتن أحياناً تكون باللجوء إلى الله حتى لو أن ظاهر الأمر مخيف. وهو رمز الدعوة إلى الله فهو كهف الدعوة وكهف التسليم لله ولذا سميت السورة (الكهف) وهي العصمة من الفتن.
(فضل سورة الفتح:
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * لما نزلت! < إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله >! إلى قوله! < فوزا عظيما >! قال النبي ﷺ : لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا.
(فضلُ سورتي السجدة والملك:
(حديث جابر في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك.
(حديث أبي هريرة في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غُفر له: تبارك الذي بيده الملك.
(حديث ابن مسعود في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر.
(فضل المسبِّحات:
((حديث العِرْبَاضِ بن سَارِيَةَ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ كَانَ لا يَنَامُ حتَّى يَقْرَأَ المسبِّحَاتِ, ويقُولُ: فيها آيةٌ خيرٌ مِنْ ألْفِ آيَةِ.
والمسبِّحاتِ: هي السور التي تُفتتح بقولَ تعالى بـ ﴿سَبَّح َ﴾ أو
﴿يُسَبِّح﴾ وهى: [حديد, والحشر, والصف, والجمعة, والتغابن, والأعلى]
(فضل سورة التكوير والإنفطار والانشقاق:
стр. 4825
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال:" من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت " ٠
(فضل سورة الكوثر:
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: قال رسول الله ﷺ (أنزلت علي آنفآ سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (إنآ أعطينك الكوثر * فصل لربك وأنحر * إن شانئك هو الابترُ)
أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر وعده ليه ربي، عليه خير كثير، هو حوضي ترد غليه أمتي يوم القيامة، آنيته كعدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثوا بعدك.
(فضلُ سورة الكافرون:
(حديث ابن عباس في صحيح الترمذي) ﴿إذا زلزلت﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع القرآن و ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
[*] قال الشيخ الألباني: صحيح دون فضل زلزلت
(حديث فروة بن نوفل في صحيح الترمذي) أن أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أويتُ إلى فراشي فقال: اقرأ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ عند منامك فإنها براءة من الشرك.
(فضل المعوذتين:
(حديث عقبة بن عامر ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: آيات أنزلت علي الليلة لم ير مثلهن قط قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس.
(فضلُ المُعَوِّذات:
(حديث عبد الله بن خبيب في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ و المعوذتين حين تمسي و حين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء.
(فضلُ سورة الإخلاص:
(حديث أبي سعيدٍ الخدري في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن.
(حديث معاذ بن أنس الجهني في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ عشر مرات بنى الله له بيتا في الجنة.
стр. 4826
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: كان رجل من الانصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح: ﴿قل هو الله أحد﴾. حتى يفرغ منه، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذة السورة في كل ركعة؟. فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة.
(ثالثاً الاستغفار:
(معنى الاستغفار:
الاستغفار هو طلب المغفرة من العزيز الغفار وطلب الإقالة من العثرات من غافر الذنب وقابل التوب، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها،
أي أن الله يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.
[*] قال ابن الأثير:
في أسماء الله تعالى الغَفّار والغَفور، وهما من أبنية المبالغة، ومعناهما الساتر لذنوب عباده وعُيوبهم المُتجاوِز عن خطاياهم وذنوبهم. وأصل الغَفْر التغطية. يقال: غفر الله لك غفراً وغفراناً ومغفرة. والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمُذنبين.
قال ذو النون المصري: الاستغفار جامع لِمَعانٍ:
أولهما: الندم على ما مضى
الثاني: العزم على الترك
والثالث: أداء ما ضيعت من فرض الله
الرابع: رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها
الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام
السادس: إذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية.
(الفرق بين الاستغفار والتوبة:
ماهو الفرق بين الاستغفار والتوبة؟
الاستغفار: هو طلب المغفرة من العزيز الغفار وطلب الإقالة من العثرات من غافر الذنب وقابل التوب، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها،
أي أن الله يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى والإنابة إليه.
والاستغفار من أعظم الأذكار التي ينبغي للعبد أن يكثر منها،
стр. 4827
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم.
(والاستغفار يكون توبة إذا جمع معاني التوبة وشروطها، وهي الإقلاع عن الذنب إن كان متلبسا به وعقد العزم على أن لا يعود إليه فيما بقي من عمره، والندم على ما فات، وبذلك تتداخل التوبة والاستغفار فيكون الاستغفار توبة والتوبة طلب مغفرة.
مسألة: هل التسبيح أفضل أم الاستغفار؟
[*] قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى في الوابل الصيب: وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يوماً سئل بعض أهل العلم: أيما أنفع للعبد التسبيح أو الاستغفار؟
فقال: إذا كان الثوب نقياً فالبخور وماء الورد أنفع له وإن كان دنساً فالصابون والماء الحار أنفع له، فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دنسة؟ أهـ
(فضل الاستغفار:
ينبغي على طالب العلم أن يلزم الاستغفار وأن يتمسك به وأن يعض عليه بالنواجذ وأن يغرف منه غرفاً لأنه دواء الذنوب فطوبى لمن وُجِد في صحيفته استغفارٌ كثير، وللاستغفار فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم وهاك بعض فضائله:
(١) أنه طاعة لله وامتثال أمر الله تعالى، والله تعالى تارة يؤمر به كقوله تعالى (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل/٢٠)
وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر: ٣]
وتارة يذكر الله أنه يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء/١١٠)
قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٥]
وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) (آل عمران/١٧)،
ولقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ وهو أتقى الخلق بإخلاص الدين وإدامة الاستغفار، فقال : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:١٩].
والاستغفار جاء على ألسنة أنبياء الله ورسله:
стр. 4828
فعلى لسان نبينا محمد ﷺ : (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوه ُ) [فصلت: ٦]
وقال على لسان نبيّه هود ﵊: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) [هود:٥٢]
وجاء على لسان صالح ﵊: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) [هود:٦١]
وعلى لسان شعيب ﵊ (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود:٩٠]
(٢) التأسي بالنبي ﷺ :
فلقد كان ﷺ ملازماً للاستغفار آناء الليل وأطراف النهار:
(حديث الأغرِّ المُزني في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة.
[*] قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: والمراد هنا ما يتغشى القلب. قال القاضى: قيل المراد الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه الدوام عليه فإذا فَتَرَ عنه أو غفل عدّ ذلك ذنبا واستغفر منه.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي.
(حديث أبي بكر الصديق الثابت في الصحيحين) أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
(حديث عليٍّ الثابت في صحيح مسلم) قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
(حديث عبد الله بن بُسر في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال طوبى لمن وُجد في صحيفته استغفارا كثيرا.
стр. 4829
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَلَجَاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.
وكان ﵊ إذا فرغ من صلاته بادر إلى الاستغفار،
(حديث ثوبان الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا ثم قال: اللهم أنت السلام و منك السلام تباركت يا ذا الجلال و الإكرام.
وحجاج بيت الله الحرام مأمورون بالاستغفار بعد الإفاضة من عرفة والمشعر الحرام، ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [البقرة:١٩٩].
[*] وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله ﷺ .
[*] وقال مكحول: ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة. وكان مكحول كثير الاستغفار.
(٣) الاستغفار سبب لغفران الذنوب:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) [سورة: نوح: ١٠]
(حديث أبي سعيد في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن إبليس لعنه الله قال وعزتك وجلالك لا أبرح أُغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله : وعزتي وجلالي لا ابرح أغفر لهم ما استغفروني.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَلَجَاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.
(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَت ذُنُوبُكَ عَنَانَ السّمَاءِ ثُمّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي. يا ابنَ آدَمَ إنّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
(معنى عنان السماء: قيل هو السحاب وقيل هو ما عَنَّ لك منها أي ما ظهر لك منها.
وقد ورد في حديث أنس أهم الأسباب التي يغفر الله بها الذنوب وهي:
أحدها: الدعاء مع الرجاء:
стр. 4830
يا ابنَ آدَمَ إِنّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، فإن الدعاء مأمور به موعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
[غافر/٦٠]
فالدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه،
وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه،
ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى،
فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبًا لم يرج مغفرة من غير ربه،
ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره فقوله: " إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي " يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك،
ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره.
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه.
فذنوب العباد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها،
[*] كما قال الإمام الشافعي عند موته:
وَلمّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَت مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوكَ سُلَّمًا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعظَمَ
الثاني الاستغفار: فلو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء ـ وهو السحاب،
وقيل: ما انتهى إليه البصر منها ـ ثم استغفر العبد ربه ، فإن الله يغفرها له.
روي عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني عود لسانك اللهم اغفر لي فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً.
وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم، فإنكم ما تدرون متي تنزل المغفرة.
الثالث التوحيد: وهو السبب الأعظم ومن فقده حُرِمَ المغفرة،
ومن أتى به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة.
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء/١٦٦) [*] قال ابن القيم ﵀ في معنى قوله: " يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة"
يُعْفَى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك،
стр. 4831
فلو لقى الموحد الذي لم يشرك بالله ألبتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض، فالنجاسة عارضةٌ، والدافع لها قوي، ومعنى " قُراب الأرض " ملؤها أو ما يقارب ذلك، ولكن هذا مع مشيئة الله ، فإن شاء غفر بفضله ورحمته، وإن شاء عذب بعدله وحكمته، وهو المحمود على كل حال.
قال بعضهم: الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار،
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيمًا وإجلالاً ومهابة وخشية ورجاء وتوكلاً، وحينئذٍ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات،
فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات،
قال ابن عباس ﵄: كما أن الله لا يقبل طاعات المشركين فنرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين أو معناه.
(٤) الاستغفار سبب لنزول سبب لنزول الأمطار:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)
[سورة: نوح:١٠،١١]
(٥) الإمداد بالأموال والبنين:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [سورة: نوح:١٢:١٠]
(٦) دخول الجنات:
قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [سورة: نوح:١٢:١٠]
стр. 4832
[*] جاء ثلاثة إلى الحسين بن علي رضي الله تعالى عنه واشتكى الأول قلة المطر فقال له أكثر من الاستغفار، واشتكى الثاني العقم فقال له أكثر من الاستغفار، واشتكى الثالث جدب الأرض وقلة النبات فقال له أكثر من الاستغفار. فقال له أحد جلسائه: يا ابن رسول الله كلُ الثلاثةِ مختلف الشكاية وأنت وحدت الجواب بينهم فقال رضي الله تعالى عنه أما قرأتم قول الله تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً، يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لّكُمْ أَنْهَاراً) [سورة: نوح:١٢:١٠] أهـ
(٧) زيادة القوة بكل معانيها:
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود: ٥٢]
(٨) الاستغفار من أسباب تنزل الرحمات الإلهية قال تعالى: لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:٤٦]
(٩) دفع البلاء:
قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:٣٣].
(١٠) والمستغفرون يمتعهم ربهم متاعاً حسناً، فيهنئون بحياة طيبة، ويسبغ عليهم سبحانه مزيداً من فضله وإنعامه: وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:٣].
(١١) وبالاستغفار تُختتم العبادات ليُقِرَ العبدُ بتقصيرهِ فيُغفرُ له ذنبه قال تعالى: في الحج: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:١٩٩]
(١٢) وأثنى الله على المستغفرين بأوقات السحر فقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)
[آل عمران:١٧]
(١٣) الاستغفار سبب لإيتاء كل ذي فضل فضله:
قال تعالى على لسان نبيّه محمد ﷺ (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود:٣]
(١٤) وبالاستغفار يُودّع الميت:
стр. 4833
(حديث عثمان بن عفان الثابت في صحيح أبي داود) قال * كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل.
(١٥) وبالاستغفار تتحاتّ الخطايا والذنوب:
(حديث زيد بن حارثة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف.
[*] (الآثار الواردة في فضل الاستغفار:
[*] قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: ما ألهم الله سبحانه عبداً الاستغفار وهو يريد أن يعذبه
[*] وقال قتادة رحمه الله تعالى: إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم فأما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار.
[*] قال بكر عبد الله المزني: أنتم تكثرون من الذنوب فاستكثروا من الاستغفار، فإن الرجل إذا وجد في صحيفته بين كل سطرين استغفار سرّه مكان ذلك.
[*] قال سفيان الثوري لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين:
لا أقوم حتى تحدثني. قال له جعفر: أنا أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير. يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقائها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله قال في كتابه: (لئن شكرتم لأزيدنكم) وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) يا سفيان إذا حَزَبَك أمرٌ من سلطان أو غيره فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة. فعقد سفيان بيده وقال ثلاث ونصف ثلاث. قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله، ولينفعنه الله بها.
[*] وفي وصية علي بن الحسن المسلمي: وأكثر ذكر الموت، وأكثر الاستغفار مما قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك.
طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً. كما قال رسول الله ﷺ .
стр. 4834
[*] كان الإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقضي ليلته في المسجد ولكن مُنع من المبيت في المسجد بواسطة حارس المسجد، حاول معه الإمام ولكن لا جدوى، فقال له الإمام سأنام موضع قدمي، وبالفعل نام الإمام أحمد بن حنبل مكان موضع قدميه فقام حارس المسجد بجرّه لإبعاده من مكان المسجد، وكان الإمام أحمد بن حنبل شيخ وقور تبدو عليه ملامح الكبر، فرآه خباز فلما رآه يُجرّ بهذه الهيئة عرض عليه المبيت، وذهب الإمام أحمد بن حنبل مع الخباز، فأكرمه ونعّمه، وذهب الخباز لتحضير عجينه لعمل الخبز، المهم أن الإمام أحمد بن حنبل سمع الخباز يستغفر ويستغفر، ومضى وقت طويل وهو على هذه الحال فتعجب الإمام أحمد بن حنبل، فلما أصبح سأل الإمام أحمد الخباز عن استغفاره في الليل:
فأجابه الخباز: أنه طوال ما يحضر عجينه ويعجن فهو يستغفر
فسأله الإمام أحمد: وهل وجدت لاستغفارك ثمره؟
والإمام أحمد سأل الخباز هذا السؤال وهو يعلم ثمرات الاستغفار و يعلم فضل الاستغفار وفوائده.
فقال الخباز: نعم، والله ما دعوت دعوة إلا أُجيبت، إلا دعوة واحدة!
فقال الإمام أحمد: وما هي؟
فقال الخباز: رؤية الإمام أحمد بن حنبل!
فقال الإمام أحمد: أنا أحمد بن حنبل والله إني جُررت إليك جراً!!
(فهذه بعض فضائل الاستغفار ومنافعه جلاّها لنا ربنا في كتابه، وأفصح عنها رسوله ﷺ فيما صح من خبره، تَحْمِلُ أهل الإيمان وأرباب التقوى على البدار بالتوبة وكثرة الاستغفار، غير أن هذه المنح الإلهية والفضائل الربانية إنما تحصل للمستغفرين الله تعالى حقاً وصدقاً، إذ الاستغفار ليس بأقوال ترددها الألسن، وعبارات تكرر بين الحين والآخر فحسب، وإنما الاستغفار الحق ما تواطأ عليه القلب واللسان، وندم صاحبه على ما بدر منه من ذنوب وآثام، وعزم ألا يعود على اقتراف شيء من ذلك، إذ هذه أركان التوبة النصوح التي أمر الله تعالى بها العباد، ووعد عليها تكفير الخطيئات والفوز بنعيم الجنات، فقال عز شأنه: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:٨]،
[*] قال الإمام القرطبي ﵀:
стр. 4835
"قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار، ويثبت معناه في الجنان، وليس التلفظ بمجرد اللسان، فمن استغفر بلسانه، وقلبه مصرّ على معصيته، فاستغفراه يحتاج إلى استغفار"، وقال بعض العلماء: "من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيحُ توبته فهو كاذب، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه".
[*] وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
(وإن من نفاذ البصيرة، وصدق الإيمان كثرة التوبة والاستغفار على الدوام، فذلك هدي رسول الهدى ﷺ مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول أبو هريرة ﵁: (ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله ﷺ ).
(وهكذا شأن أرباب العزائم وأهل الإيمان الخلّص، يلجئون إلى الله على الدوام، ويكثرون التوبة والاستغفار، صادقين مخلصين غير يائسين ولا مصرين، قد ملأت خشية الله قلوبهم، ورسخت في مقام الإحسان أقدامهم، فهم بين مراقبة ربهم وشهود أعمالهم الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ [آل عمران:١٦، ١٧] , أولئك هم العارفون المتقون، يؤدون الفرائض، ويكثرون من الطاعات والنوافل، ثم يسارعون إلى الاستغفار خشية التقصير أو الإخلال فيما قدموا من صالح الأعمال، كَانُواْ قَلِيلاً مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:١٧،١٨].
(فضل الاستغفار لعامة المؤمنين:
(حديث عبادة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمنٍ حسنة.
(أهمية الاستغفار في حق النساء:
الاستغفار في حق النساء مهم جداً لأن النبي ﵊ لما جاء النساء، قال
следующие страницы →