فذهب الحسن البصرى رضى الله عنه إلى هناك فوقف خطيباً في الناس ليلفت الناس عن الانبهار بالزخارف إلى كراهية الظلم الذى يمارسه الحجاج بن يوسف وقال فيه كلاما غليظا، فلما أشفق الناس عليه من بطش الحجاج قال: لقد أخذ الله ميثاق أهل العلم لتبيننه للناس ولا تكتمونه ... ثم انصرف ولما بلغ الحجاج ما حدث استشاط غيظاً ولام أتباعه على عدم الرد عليه و أخبرهم أنه سيجعله عبرة للناس و أرسل فى طلبه وأعد فى مجلسه النطع والسياف فظن الناس أنه قاتله وقبل أن يدخل الحسن البصرى إلى مجلس الحجاج
تمتم بكلمات فلما دخل عليه فوجىء الناس بأن الحجاج يحسن استقباله وأجلسه بجواره وطيب لحيته وسأله فى بعض المسائل ثم أذن له بالإنصراف ..
وما أن غادرالحسن البصرى المجلس حتى جرى الحاجب خلفه وسأله ناشدتك الله ما هذه الكلمات التى كنت تتمتم بها فإن الحجاج ما استدعاك ليطيب لحيتك؟
فقال الحسن: قلت: اللهم ياولى نعمتى وملاذى عند كربتى، اللهم اجعل عقوبته لى برداً وسلاما كما جعلت الناربردا وسلاماًً على إبراهيم.
((قصة لمريض شفاه الله تعالى بالدعاء)
والقصة لصديق يعمل مهندسا كان قد أصيب بالتهاب رئوي أدى إلى خراج على الرئة ..
حاول الأطباء علاجه مدة شهرين كاملين وأعطوه كل أنواع المضادات بلا فائدة، حتى فقد وزنه واقترب من نهايته ..
وفى يوم من الأيام وبعد مغادرة الأطباء للمستشفى الذى كان يقيم فيه توجه إلى ربه وقال: يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء اشفني وعافني، وأخذ يبتهل ويردد الدعاء حتى شعر أن شيئاً في صدره يريد أن يخرج وبعد سعال خفيف خرجت كرة من الصديد وضعها في إناء بجواره وشعر بتحسن تام بعدها لقد أصبح قادراً على الحركة مرة أخرى، وكانت المفاجأة حينما جاء الأطباء فى الغد ..
ووضع الطبيب سماعته على صدره فلم يسمع شيئا مما كان يسمعه ووجد ابتسامته تعلو وجهه وقبل أن ينطق الطبيب قال صديقي: لقد شفاني الله بالدعاء.
فكم من مرضى أقرباء لنا حاروا مع العلاجات والأطباء فلابد من أن ننصحهم مع أخذهم بأسباب الشفاء ومع استمرارهم فى الدواء أن يتضرعوا ويلجأوا إلى ربهم بالدعاء (دعاء المضطر) والله هو الذى يجيب فهو قادر على كل شىء سبحانه ...
(١٤) دعوة المظلوم:
стр. 5007
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(والشواهد على إجابة دعوة المظلوم لا تكاد تحصر، ومنها ما جاء في قصة سعد بن أبي وقاص مع أهل الكوفة لما شكوه إلى عمر بن الخطاب.
قال أبو عوانة، وجماعة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال:=شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشيِّ لا أخرم منها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين.
فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق.
فبعث رجلاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدًا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرًا، حتى أتوا على مسجد لبني عبسٍ، فقال رجل يقال له أبو سعد: أما إذا نشدتمونا بالله فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية.
(فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا فأعم بصره، وأطل عمره، وعَرِّضْهُ للفتن.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت؟ قال: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. (١)
[*] وقال الذهبي:
يقال إن رجلاً وشى على بسر بن سعيد عند الوليد بن عبد الملك بأنه يعيبكم.
стр. 5008
قال: فأحضره وسأله، فقال: لم أَقُلْهُ؛ اللهم إن كنتُ صادقًا فأرني به آية، فاضطرب الرجل فمات. (١)
[*] (فيا أيها المظلوم (يا صاحب الحقِ المهضوم (يا من صار مَغْمُومَاً من جُرْحِهِ المَكْلُوم (يا من كان غَيْظُهُ من الظلم مَكْتُوم (يا من صار وَجُهُ من الأسى مَحْمُوم (هَوِّنْ عَلَيْك يا أخي، فإن الدنيا أمرها معلوم، فهي للظالم لا تدوم، (سيقتَصُ الله لك من فِعلهم المشئوم (وعند الله تَجْتَمِعُ الخصوم ويُقْتَصُ من الظَالِم للمَظلوم.
(١٥) دعوة الوالد على ولده:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده.
وهذه النقطة من أخطر النقاط، وأفرد لها أسطراً، وجزءاً خاصاً لأهميتها، فهي تتعلق بانتكاسة الأولاد وفسادهم، من هدايتهم وصلاحهم، حيث يدور عليها صلاح الأبناء من عدمه، وهدايتهم من غوايتهم، فكم من الآباء والأمهات من لا يخاف الله تعالى في أبنائه وبناته، فلا تسمعه إلا داعياً عليهم، لاعناً لهم، مغضباً مزمجراً، عبوساً مكشراً، فربما أدى ذلك إلى انحرافهم عن جادة الطريق، وربما كان نتيجة لذلك بعدهم عن منهج الله تعالى، وبالتالي تتلقفهم أيدي العابثين، فيصبحوا في زمرتهم وينقلب الحال إلى أسوأ مما يُتصور ويُتوقع، ولا سيما ونحن في عصر انفتحت فيه الآفاق العلمية والعقدية والدينية والأسرية، بسبب انتشار الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة، حتى أصبح العالم وكأنه حجرة واحدة، فلا يُسَوِّغُ لولي الأمر أن يدعو على أبنائه، بل الواجب عليه أن يُكثر من الدعاء لهم، حتى يكونوا صلحاء علماء دعاة يستفيد منهم مجتمعهم، وتستفيد منهم أمتهم.
стр. 5009
وهناك آباء على العكس من ذلك يحبون أبناءهم ويعاملونهم معاملة الأخ والصديق، لكن لا يخلو لسانه من دعاء عليهم حال غضبه، وهذه هي الطامة الكبرى، والفاجعة العظمى، فكم من ابنٍ ضل طريق الصواب، وأخطأ سبيل الهداية بسبب دعاء والده أو والدته عليه، وكذلك الفتاة، ويدل على خطورة الدعاء على الأبناء، وأنه قد يكون فتنة لهم، هذا الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي فَقَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَرَجَعَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي قَالَ اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ قَالَ وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ قَالَ وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ قَالَ فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقِيلَ لَهَا مَا هَذَا قَالَتْ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ قَالَ فَجَاءُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ قَالَ فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ سَلْ هَذِهِ قَالَ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ قَالَ أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ لَا وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ ثُمَّ عَلَاهُ " [أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له].
стр. 5010
وللفائدة: فالذين تكلموا في المهد خمسة، منهم من ذُكر في الحديث التالي:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ كَانَ يُصَلِّي جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ لَا إِلَّا مِنْ طِينٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ فَقَالَتِ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فَقَالَتْ لِمَ ذَاكَ فَقَالَ الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَهَذِهِ الْأَمَةُ يَقُولُونَ سَرَقْتِ زَنَيْتِ وَلَمْ تَفْعَلْ " [متفق عليه واللفظ للبخاري].
(فخطر الدعاء على الأبناء عظيم، فهو مستجاب وباب القبول له مفتوح.
وكم هم الآباء الذين يشتكون من مشاكل أبنائهم من انحراف وسوء خلق، وضعف دين، وعدم توفيق في العمل والدراسة إلى غير ذلك من الأمور، وإذا سألناه: هل تدعو لهم أم تدعو عليهم؟ قال: أدعو عليهم.
стр. 5011
فكيف يريد مثل هذا الأب، أو تلك الأم السعادة والهناء والتوفيق والصلاح للأبناء وهم يدعون عليهم، وقد سبقت الإشارة إلى التحذير من الدعاء على الولد لأن الدعاء والحالة تلك مستجاب، ألا فليتق الله أولئك الآباء والأمهات الذين لا تفتر ألسنتهم من الدعاء على أبنائهم، وليعلموا أنهم سبب من أسباب ضياع أبنائهم، وسبب لفسادهم، وسبب لانتكاستهم، بل ربما كانوا سبباً في سوء خاتمتهم والعياذ بالله.
جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك ﵀، يشكو إليه سوء خلق ولده، فقال له: أدعوت عليه، قال الأب: نعم، قال: أنت أفسدته.
وقصة الرجل الذي جاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، يشكو أن ولده صفعه على وجهه، فقال: هل علمته القرآن؟ قال: لا، قال: هل علمته السنة؟ قال: لا، قال: هل علمته ألاق العلماء والصالحين، قال: لا، قال: حسبك ثور فضربك.
فالتربية السليمة الصحيحة وفق منهج الله تعالى، ووفق سنة نبيه ﷺ هي المخرج، وهي الملجأ بإذن الله تعالى من هذه الكوارث والفتن التي تحدث في البيوت جراء انحراف الأبناء والبنات، فيجب على كل أب وأم، أن يكون لهم جلسة مع الأبناء جميعاً صغيرهم وكبيرهم، يتم فيها تداول الأحاديث حول التربية الإسلامية، وقراءة سير العلماء والصالحين والمربين، والاستفادة من الكتب الخاصة بهذا الشأن.
(٣٠) دعوة المسافر:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده.
[*] قال ابن رجب:
"والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء ... ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان وتحمل المشاق، والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء" (١).
(١٦) دعاء الوالد لولده:
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات لا تُرَدُّ: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر.
(١٧) دعوة المظلوم:
стр. 5012
(حديث ا بن عباس في الصحيحين) قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذٍ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردُ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوةَ المظلومِ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب.
(حديث خزيمة بن ثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحْمَلُ على الغمام يقول الله: و عزتي و جلالي لأنصرنك و لو بعد حين.
(حديث ابن عمر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة.
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: دعوة المظلوم مستجابة و إن كان فاجرا ففجوره على نفسه.
(والشواهد على إجابة دعوة المظلوم لا تكاد تحصر، ومنها ما جاء في قصة سعد بن أبي وقاص مع أهل الكوفة لما شكوه إلى عمر بن الخطاب.
قال أبو عوانة، وجماعة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال:=شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله، صلاتي العشيِّ لا أخرم منها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين.
فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق.
فبعث رجلاً يسألون عنه بالكوفة، فكانوا لا يأتون مسجدًا من مساجد الكوفة إلا قالوا خيرًا، حتى أتوا على مسجد لبني عبسٍ، فقال رجل يقال له أبو سعد: أما إذا نشدتمونا بالله فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية.
(فقال سعد: اللهم إن كان كاذبًا فأعم بصره، وأطل عمره، وعَرِّضْهُ للفتن.
قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: كيف أنت؟ قال: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. (١)
стр. 5013
(وعن سعد أيضاً: أن رجلاً قام يسب علياً ﵁، فدافع سعد عن علي، واستمر الرجل في السب والشتم، فقال سعد: اللهم اكفنيه بما شئت.
فانطلق بعيرٌ من الكوفة فأقبل مسرعاً، لا يلوي على شيء، وأخذ يدخل من بين الناس حتى وصل إلى الرجل، ثم داسه بخفيه، حتى قتله أمام مشهد ومرأى من الناس.
[*] وقال الذهبي:
يقال إن رجلاً وشى على بسر بن سعيد عند الوليد بن عبد الملك بأنه يعيبكم.
قال: فأحضره وسأله، فقال: لم أَقُلْهُ؛ اللهم إن كنتُ صادقًا فأرني به آية، فاضطرب الرجل فمات. (١)(١٨) دعوة الوالد على ولده:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده.
(١٩) دعوة المسافر:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده.
[*] قال ابن رجب:
"والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء ... ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان وتحمل المشاق، والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء" (٢).
(٢٠) دعاء الوالد لولده:
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث دعوات لا تُرَدُّ: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر.
(٢١) من بات طاهرا على ذكر الله:
(حديث معاذ بن جبل ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرا، فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه.
(٢٢) عند شرب ماء زمزم مع النية الصادقة.
(حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجة):أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شُرب له.
(٢٣) عند دعاء الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
стр. 5014
(حديث أنس في صحيح السنن الأربعة) قال سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي ﷺ لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
(حديث بريدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال سمع النبي ﷺ رجلا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
[*] (الأماكن الفاضلة التي يستجاب فيها الدعاء:
(أولاً الأماكن الفاضلة التي يستجاب فيها الدعاء جملةً:
(١) الملتَزَم وهو بجوار الحجر الأسود:
(٢) التعلق بأستار الكعبة من غير تمسح أو طلب تبرّك:
(٣) الدعاء في الطواف:
(٤) الدعاء على الصفا والمروة:
(٥) والدعاء يوم عرفة بعرفة:
(٦) الدعاء عند المشعر الحرام:
(٧) الدعاء عند رمي الجمرة الدنيا والوسطى:
(٨) المسجد الحرام على وجه الخصوص، ومكة على وجه العموم.
(ثانياً الأماكن الفاضلة التي يستجاب فيها الدعاء تفصيلاً:
(١) الملتَزَم وهو بجوار الحجر الأسود:
الملتَزَم وهو بجوار الحجر الأسود، وسمي كذلك لأن الناس يلتزمونه بصدورهم وأيديهم، وهو ما بين الحجر الأسود إلى باب الكعبة.
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الجامع) قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُلزِق صدره ووجهه بالمُلتَزَم ... .
[*] وقال ابن عباس – ﵄ –:
الملتَزم ما بين الركن والباب (١).
وعنه – ﵁ – أنه كان يَلْزَمُ ما بين الركن والباب، وكان يقول: ما بين الركن والباب يدعى المُلْتَزَم، لا يَلْزَم ما بينهما أحد يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه (٢).
[*] وعن مجاهد أنه قال:
كانوا يَلْتَزِمُون ما بين الركن والباب ويَدْعُون (٣).
[*] وقال محمد بن عبد الرحمن العبدي:
رأيت عكرمة بن خالد، وأبا جعفر وعكرمة مولى ابن عباس، يلتزمون ما بين الركن وباب الكعبة (٤)(٢) التعلق بأستار الكعبة من غير تمسح أو طلب تبرّك:
стр. 5015
التعلق بأستار الكعبة من غير تمسح أو طلب تبرّك فلا حرج فيه، وكان التعلّق معروفاً، وهو يدلّ على اللجوء والاستعاذة بالله.
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: دخل رسول الله صلى الله عليه على آله وسلم عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة! فقال: اقتلوه ... .
وذلك أنه قتل رجلاً من الأنصار ثم ارتد ولحق بالمشركين (١)
وقال – ﵊ – في أربعة نفر: اقتلوهم وأن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة (٢)
(وهذا يدلّ على أن التعلّق بأستار الكعبة له أصل، وكان معروفاً، ولم يُنكره النبي صلى الله عليه على آله وسلم.
إلا أنه لا يُتعلّق بأستار الكعبة تبركاً.
[*] قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ –:
ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يُدعى ويُذكر عنده، فإنه سبحانه يستجار به هناك، وقد يُستمسك بأستار الكعبة ... (٣).
(٣) الدعاء في الطواف:
الطواف صلاة إلا أن الله أباح فيه الأكل والكلام، فهو يشبه الصلاة من حيث الخشوع والخضوع لله تعالى، واحترام الموقف الذي يقفه العبد أمام الله ، فيقضي وقت الطواف بقراءة القرآن، والأذكار، والدعاء.
(حديث ابن عباس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال الطوافُ حول البيت مثلُ الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير.
стр. 5016
وهنا أنبه إخواني المسلمين بأن يحذروا من تلك الكتيبات التي تحتوي على أدعية خاصة بكل شوط من أشواط الطواف أو السعي، وكذلك الحذر من استخدام واستئجار المطوفين، فكل تلك الأعمال بدعية لا أصل لها في الشريعة، فالإنسان يدعو الله بما شاء من الدعاء، وهل هناك أعظم من سؤال الله الجنة، والاستعاذة به من النار، وأن يثبت الله العبد على هذا الدين حتى يلقى ربه ﵎، ولا داعي أبداً لاستعمال كتبات أو مطوفين، فلن يكون المطوف أحرص من العبد على نفسه، ولن يكون المطوف أخلص في الدعاء للعبد من نفسه، فلا بد من أخذ الحيطة والحذر من ذلك، ويدعو العبد بما فتح الله عليه من الدعاء وليس بلازم أن يحفظ أدعية يدعو بها، بل ربما كان بعضها غير مفهوم ولا معلوم، فلربما دعا المسلم على نفسه، أو أمن على دعاء هو عليه وليس له.
(٤) الدعاء على الصفا والمروة:
الدعاء على الصفا والمروة: يكون باستقبال البيت في الدعاء بعد التكبير ثلاثاً، ثم يقول الذكر الوارد في السنة ثلاثاً، ويدعو بين ذلك.
[*] قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
يقول الله أكبر وهو رافع يديه كرفعهما في الدعاء ثلاث مرات، ويقول ما ورد ومنه: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، وينزل متجهاً إلى المروة. " الشرح الممتع " (٧/ ٢٦٨).
ويكون الدعاء في ابتداء الأشواط لا في انتهائها، إذ ليس ثمة دعاء على المروة عند نهاية الأشواط.
[*] قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ﵀:
وبه نعرف أيضاً أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في ابتداء الأشواط لا في انتهائها، وأن آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط كما كان التكبير أيضاً في الطواف في مقدمة الشوط، وعليه فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف، وإذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة، والذي نعلل به دون أن يعترض معترض أن نقول هكذا فعل النبي ﷺ . " الشرح الممتع " (٧/ ٣٥٢)
стр. 5017
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال: فلما دنا من الصفا قرأ! < إن الصفا والمروة من شعائر الله >! أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا.
[*] قال ابن عبد البر:
وفيه - أي حديث جابر- أن الصفا والمروة موضع دعاء تُرجى فيه الإجابة (١).
بالإضافة إلى عرفة فإنها من المواطن التي يستجاب فيها الدعاء، فهي جمعت بين الزمان والمكان.
(٥) الدعاء يوم عرفة بعرفة:
(الدعاء يوم عرفة بعرفة يستمر إلى غروب الشمس، وعلى الحاج أن يكثر من الدعاء في هذا اليوم.
(حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبيّ ﷺ قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
(٦) الدعاء عند المشعر الحرام:
وذلك بمزدلفة، قال تعالى: " فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين " [البقرة ١٩٨]،
(حديث بْنَ عُمَرَ ﵄ الثابت في الصحيحين) أنه كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: " أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ".
(حديث جابر ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال جابر ﵁ عن حجة النبي ﷺ : ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه وكبَّره، وهلَّله، ووحَّده فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس“ الحديث.
стр. 5018
والدعاء عند المشعر الحرام يكون بعد صلاة الفجر ليلة عيد الأضحى لمن كان حاجاً، كما مرّ في حديث جابرِ بنِ عبدِ اللّهِ – ﵄ –قال: ثُمّ ركبَ القصواءَ حتّى وقفَ على المَشعرِ الحرامِ، واستقبلَ القبلةَ، فدعا اللّهَ، وكبّرَهُ، وهلّلَهُ، ووحّدَهُ، حتى أسفر جداً
(٧) الدعاء عند رمي الجمرة الدنيا والوسطى:
ويكون ذلك في أيام التشريق، ولا يشرع الدعاء بعد رمي الجمرة الكبرى لا في يوم النحر ولا بعده.
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله.
(٨) المسجد الحرام على وجه الخصوص، ومكة على وجه العموم.
مكة – شرّفها الله وحرسها – هي البلد الأمين، وفيها بيت الله، ولذا تُضاعف الحسنات في الحرم، وتعظم السيئات فيه.
وكانت قريش تُعظِّم البيت والدعاء عنده.
стр. 5019
ولذا لما صلّى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بِسَلَى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم (١) فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه. قال ابن مسعود: وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كانت لي مَنَعَة. قال: فجعلوا يضحكون ويحيل (٢) بعضهم على بعض ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره فرفع رأسه ثم قال: اللهم عليك بقريش – ثلاث مرات – فشقّ عليهم إذ دعا عليهم. قال: وكانوا يَرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة (٣). ثم سمّى: اللهم عليك بأبي جهل وعليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط – وعد السابع فلم نحفظه – قال ابن مسعود: فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله ﷺ صرعى في القليب قليب بدر (٤).
[*] قال الحافظ ابن حجر – ﵀ –:
وفي الحديث تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما ازدادت عند المسلمين إلاّ تعظيماً، وفيه معرفة الكفار بِصِدْقِه ﷺ لخوفهم من دعائه، ولكن حملهم الحسد على ترك الانقياد له (٥).
وأما بقية المساجد فللأحاديث الواردة في فضل الدعاء بين الأذان والإقامة، والغالب في حال المسلم أنه يكون في المسجد في هذا الوقت.
والذي يظهر أن الوقت والمكان اجتمعا في الدعاء بين الأذان والإقامة. والله أعلم.
(استحباب الدعاء للإمام:
стр. 5020
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض، قال: لو أن لي دعوة مستجابة ما صيرتها إلا في الإمام، قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى ما صيرتها في نفسي لم تجزني، ومتى صيرتها في الإمام فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد، قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ فسر لنا هذا، قال: أما صلاح البلاد فإذا أمن الناس ظلم الإمام عمروا الخرابات ونزلوا الأرض، وأما العباد فينظر إلى قوم من أهل الجهل فيقول: قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره فيجمعهم في دار خمسين خمسين أقل أو أكثر، يقول للرجل: لك ما يصلحك، وعلم هؤلاء أمر دينهم، وأنظر ما أخرج الله وعز وجل من فيهم مما يزكي الأرض فرده عليهم. قال: فكان صلاح العباد والبلاد، فقبل ابن المبارك جبهته وقال: يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك.
(أسباب إجابة الدعاء:
لإجابة الدعاء أسباب عديدة، وهاك أسباب إجابة الدعاء جملةً وتفصيلا:
[*] (أولاً أسباب إجابة الدعاء جملةً:
(١) الإخلاص لله تعالى حال الدعاء:
(٢) قوة الرجاء، وشدة التحري في انتظار الفرج:
(٣) التوبة من المعاصي:
(٤) السلامة من الغفلة:
(٥) اغتنام الفرص:
(٦) كثرة الأعمال الصالحة:
(٧) التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض:
(٨) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
(٩) بر الوالدين:
(١٠) الصبر وعدم الاستعجال:
(١١) أن يتحرى الحلال في مطعمه:
(١٢) حسن الظن بالله تعالى:
(١٣) حضور القلب:
(١٤) اليقين والثقة بالله تعالى:
[*] (ثانيا أسباب إجابة الدعاء تفصيلا:
(١) الإخلاص لله تعالى حال الدعاء:
فهو السبب الأعظم لإجابة الدعاء، فكلما اشتد الإخلاص وقوي كلما كانت الإجابة أولى وأحرى، ولا أدل على ذلك من دعاء نبي الله ذي النون _ ﵇ _ وهو في بطن الحوت، ودعاء أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة.
[*] قال ابن عقيل:
يقال: لا يستجاب الدعاء بسرعة إلا لمخلص أو مظلوم. (١)
(فالإخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة.
قال تعالى: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف / ٢٩]
فمن دعا ربه غير مخلص له فهو حقيق بأن لا يجاب إلا أن يتفضل الله عليه وهو ذو الفضل العظيم.
стр. 5021
والإخلاص فيه ألا يدعو إلا الله سبحانه، فإن الدعاء عبادة من العبادات، بل هو من أشرف الطاعات وأفضلِ القربات، ولا يقبل الله من ذلك إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، قال الله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً)
[الجن /١٨]
، وقال تعالى: (فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [غافر /١٤]، و عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال له: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)) (١).
[*] قال ابن رجب:
"هذا منزع من قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة /٥]
، فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة".
وقال: "واعلم أن سؤال الله دون خلقه هو المتعين, لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة" (٢).
﴿تنبيه﴾: (إن الدعاء حال الإخلاص أبلغُ في حصول المقصود، وأقرب إلى انكسار القلب، وصدقِ اللجؤ إلى الله . لذا كانت دعوة المضطر مستجابَة:
(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل /٦٢].
(٢) قوة الرجاء، وشدة التحري في انتظار الفرج:
فكلما قوي الرجاء، واشتدت الحاجة، وتطلعت النفوس للإجابة، وبلغ بها انتظار الفرج ذروته كلما جاء الفرج، وأقبل اليسر، وزالتالغموم، وانجابت الهموم؛ فإن مع العسر يسرًا، وإن مع الشدة فرجًا.
فهذا نبي الله يعقوب _ ﵇ _ قال أول ما صنع أبناؤه بأخيهم يوسف _ ﵇ _ ما صنعوا: (بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىَ مَا تَصِفُونَ) [يوسف / ١٨]
(وعندما فقد بنيامين أخا يوسف، وفقد ابنه الأكبر الذي قال
(فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتّىَ يَأْذَنَ لِيَ أَبِيَ أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يوسف / ٨٠]
стр. 5022
قال: [بَلْ سَوّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف / ٨٣]
(وعندما اشتد به البلاء، وبلغ به الكرب المنتهى، وعوتب على تذكر يوسف _ ﵇ _ وطُلِبَ منه أن يسلو عنه، ويترك ما هو فيه _ قال: (إِنّمَآ أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
[يوسف / ٨٦]
(وعندما عظم بلاؤه، واشتد رجاؤه قال:
(يَبَنِيّ اذْهَبُواْ فَتَحَسّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رّوْحِ اللّهِ إِنّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رّوْحِ اللّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف / ٨٧]
فماذا كانت النتيجة؟
(قد أجاب الله دعاء عبده، وكان عند حسن ظنه به؛ فلقد عجل فرجه، ونفس كربته، وأفرح قلبه، وجمعه بأحبته، وفلذات كبده، هذا في الدنيا، وإن له في الآخرة للحسنى.
[*] قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي معلقًا على تلك القصة:
وفي هذا دليل على أن أصفياء الله إذا نزلت بهم الكوارث والمصيبات _ قابلوها في أول الأمر بالصبر، والاستعانة بالمولى، وعندما ينتهي، وتبلغ الشدة منتهاها _ يقابلونها بالصبر، والطمع في الفرج والرجاء، فيوفقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين.
ثم إذا كشف عنهم البلاء قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله، وزيادة المعرفة بلطفه. (١)(٣) التوبة من المعاصي:
كما قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبّكُمْ إِنّهُ كَانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السّمَآءَ عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لّكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَل لّكُمْ أَنْهَاراً) [نوح ١٠: ١٢]
قيل لسفيان: لو دعوت الله؟ قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. (٢)
أخي: إن أكثر أولئك الذي يشكون من عدم إجابة الدعاء آفتهم المعاصي فهي خلف من كل مصيبة. .
[*] قال عمر بن الخطاب ﵁:
بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح.
[*] قال بعض السلف:
لا تستبطئ الاجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي.
стр. 5023
[*] وذكر الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵄ في كتاب الزهد لأبيه: أن بني إسرائيل قد أصابهم بلاء، فخرجوا إلى الصعيد يسألون الله جل وعلا، فأوحى الله إلى نبيهم وقال: قل لهم: الآن خرجتم إلى الصعيد بأبدان نجسة -نجستها المعاصي والذنوب- ورفعتم إلي أكفاً قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بيوتكم من الحرام، الآن وقد اشتد غضبي عليكم، فلن تزدادوا مني إلا بعداً.
اخي المسلم: ها هي المعاصي قد عمت وتطاير شررها في كل مكان. وقد غفل الغافلون .. وهم في غيهم منهمكون.
ولكن اذا نزلت المصيبة صاروا يجارون بدعاء الله تعالى فما اتعسهم وما اقل نصيبهم من اجابة الدعوات.
اخي المسلم: فالتوبة ... . التوبة ... .. ولتنظف طريق الدعاء من الأوساخ.
ليجد دعاؤك طريقه الى الاستجابة ... والا كيف ترجو اخي الاجابة اذا كنت ممن يبارز ربه تعالى في ليلك ونهارك؟
أخي: إن مثل العاصي في دعائه كمثل رجل حارب ملكا من ملوك الدنيا ونابذه العداوة زمنا طويلا، وجاءه مرة يطلب إحسانه ومعروفة. فما ظنك أخي بهذا الرجل؟ اتراه يُدرك مطلوبه؟ كلا فانه لن يدرك مطلوبه الا اذا صفا الود بينه وبين ذلك الملك.
فذاك أخي مثل العاصي الذي يبيت ويصبح وهو في معصية الله، ثم اذا وقعت به شده يرجو من الله ان يجيب دعاءه. فاحذر اخي عاقبة المعاصي ... فانك لن تسعين على إدراك الدعاء المستجاب بشيء أقوى من ترك المعاصي .. فترك المعاصي مفتاح لباب الدعاء المستجاب ..
أعانني الله وإياك لطاعته ... و عصمني وإياك من معاصية ومساخطه
﴿تنبيه﴾: (قد يكون العبد مثقلاً بالذنوب والمعاصي، فيرى أنه من العار عليه، ومن التعدي على ربه أن يدعوه، وهذا خطأ محض، فأكثر العباد افتقاراً إلى الله تعالى أهل الذنوب والمعاصي، هم أكثر من يحتاج إلى اللجوء إلى الله بأن ينقذهم منها قبل أن يموتوا على فعلها فتكون الخاتمة سيئة والعاقبة وخيمة.
فقد يأتي الشيطان إلى العبد ويسول له ويلقي في روعه أنه مثقل بالذنوب، وأن نفسه أحقر من أن يسأل الله تعالى أن يثبته ويعصمه من ذلك، وهذا تلبيس من إبليس، يريد به القضاء على العبد وأن يغرقه في لجج المعاصي والآثام، حتى يلقى الله تعالى وهو مثقل بها، فمن عرف ذلك فعليه أن يدحر عدوه ويخذله ولا يمكنه من نفسه، بل عليه أن يجد في الدعاء ويكثر منه، ولا تثنيه معاصيه وذنوبه عن الدعاء والإلحاح إلى الله في ذلك،
[*] قال سفيان بن عيينة ﵀:
стр. 5024
" لا يمنعن أحداً من الدعاء من الدعاء ما لم يعلم في نفسه ـ يعني من التقصير ـ فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: " رب أنظرني إلى يوم يبعثون "، ولهذا جاء في الحديث القدسي:" أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني " [أخرجه مسلم].
(٤) السلامة من الغفلة:
وذلك بحضور القلب وخشوعه، واستحضاره لمعاني الدعاء، فذلك من أعظم أسباب الإجابة.
أما استيلاء الغفلة، واستحكام الشهوة فمن أعظم موانع الإجابة.
[*] قال يحيى بن معاذ:
من جمع الله عليه قلبه في الدعاء لم يردَّه. (١)
[*] قال ابن القيم تعليقًا على ذلك:
قلت: إذا اجتمع عليه قلبه، وصدقت ضرورته وفاقته، وقوي رجاؤه _ لا يكاد يرد دعاؤه. (٢)(٥) اغتنام الفرص:
وذلك بتحري أوقات الإجابة، والمبادرة لاغتنام الأحوال، والأوضاع، والأماكن التي هي مظان إجابة الدعاء.
(٦) كثرة الأعمال الصالحة:
فالأعمال الصالحة سبب عظيم لرفع الدعاء وتقبله؛ فالدعاء من الكلمِ الطيب، والكلمُ الطيب يصعد إلى الله، ويحتاج إلى عمل صالح يرفعه.
قال تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر / ١٠]
وكما في قصة أصحاب الغار؛ فإن أعمالهم الصالحة شفعت لهم، وكانت سببًا في إجابة دعائهم.
[*] قال وهب بن منبه:
مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر.
وعنه قال: العمل الصالح يبلغ الدعاء، ثم تلا قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر / ١٠]
(٧) التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىَّ عبدي بشيءٍ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليِّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله الذي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شيءٍّ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
(٨) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
فهذا من أعظم أسباب إجابة الدعاء؛ لأنه من أعظم الأعمال الصالحة، ولأن تركه موجب لرد الدعاء وعدم الإجابة.
стр. 5025
(حديث حذيفة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لتأمُرنّ بالمعروف و لتنهَوْنَّ عن المنكر أو يبعث الله عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لهم.
[*] قال أهل العلم:
"لذا يمكن الجزم بأن ترك القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مانع من موانع إجابة الدعاء، فعلى كل مسلم يرغب بصدق أن يكون مستجاب الدعوة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب طاقته وجهده" (١).
(٩) بر الوالدين:
وقد مر بنا قصة أصحاب الغار وأن فيهم رجلاً كان بارًّا بوالديه، وكذلك دعاء الولد البار لوالديه.
هذه بعض أسباب إجابة الدعاء، وبالجملة فالإتيان بشرائط الدعاء، وآدابه، وتجنب ما يخالف ذلك كفيل _ بإذن الله _ بإجابة الدعاء.
وكذلك عكس هذه الأمور يعد من أسباب رد الدعاء؛ فاستبطاء الإجابة، وأكل الحرام، والاعتداء في الدعاء، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثرة الذنوب والمعاصي وغيرها _ كل ذلك من موانع إجابة الدعاء.
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
والأدعية والتعويذات بمنزلة السلاح، والسلاحُ بضاربه، لا بحَدِّه فقط؛ فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعدًا قويًّا، والمانع مفقودًا _ حصلت النكاية في العدو.
ومتى تخلَّف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير.
فإن كان في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثمَّ مانعٌ من الإجابة _ لم يحصل الأثر. (٢)(١٠) الصبر وعدم الاستعجال:
فلا ينبغي للعبد أن يستعجل الإجابة إذا دعا، وألا يستبطئ الإجابة إذا تأخرت؛ فإن الاستعجال من الآفات التي تمنع أثر الدعاء.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يستجاب أحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يُستَجِبْ لي.
[*] قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار" (٣) -
[*] وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء أن يتعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله" (٤).
ومعنى يستحسر: ينقطع.
стр. 5026
فلا تستبطئ الإجابة وألِحَّ على الله في المسألة، فالنبي ﷺ مكث يدعو على رعل وذكوان شهراً، وربك حييّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يده إليه، أن يردها صفراً، فادع وَرَبُّكَ الأَكْرَم، وألق نفسك بين يديه، وسلّم الأمر كله إليه، واعزم المسألة، وأعظم الرغبة فما رَدَّ سائله، ولا خاب طالبه، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالخلق لم تسدَّ فاقته، ومن أنزلها بالرب فنِعْم الرزاق هو، فلازم الطلب فالمعطي كريم، والكاشف قدير، ولا تستعجل الإجابة إذا دعوت، ولا تستبطئها إذا تأخَّرت، ومن يُكثر قرع الأبواب يوشك أن يفتح له.
ولله درُّ من قال:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منا كل ما ارتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
[*] قال ابن القيم ﵀:
"قلت: إذا اجتمع عليه قلبه وصدقت ضرورته وفاقته وقوي رجاؤه فلا يكاد يرد دعاؤه". وصدق ﵀ أليس أرحم الراحمين هو القائل: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الأرْضِ أَءلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) (١).
(حديث سلمان في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا.
стр. 5027
الله أكبر، فما نعدم والله خيراً من رب حيي كريم بل الخير كل بيديه لا تأتي ذرة من الخير فما فوقها إلا بإذنه وفضله وعلمه، وهو الذي بيده خزائن السماوات والأرض فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به الخلائق، فارفع يديك يا عبد الله آناء الليل وأطراف النهار، والزم قرع باب الملك الوهاب، فما خاب والله من أمله، وما خاب من أنزل به حوائجه وصدق في الطلب وألح في السؤال، وتمسكن بين يديه وأظهر فقرك وحاجتك إلى ربك، فباب الذل والانكسار أوسع الأبواب، ولا مزاحم فيه وهو ثمرة العبودية، فلله ما أحلى قول العبد وهو يناجي سيده بذل وانكسار وحاجة وفقر: اللهم إني أسألك بعزك وذلي إليك إلا رحمتني، يا من لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، هذه ناصيتي الخاطئة الكاذبة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، أدعوك دعاء الخائف الضرير، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، أدعوك دعاء من ذلت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه، اللهم ارحم من لا راحم له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، فما الظن يا عباد الله بمن هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها.
إذا انكسر العبد بين يديه وبكى وتذلل وأشهد الله فقره إلى ربه في كل ذراته الظاهرة والباطنة عندها فليبشر بنفحات ونفحات من فضل الله ورحمته وجوده وكرمه
أخي: أفهم هذا جيدا فانه سر من اسرار الدعاء المستجاب جهله الكثيرون .. فتنبه ولا تكن من الغافلين.
[*] قال مُورِّقٌ العجلي: ((ما امتلأت غضباً قط، ولقد سألت الله حاجة منذ عشرين سنة فما شفعني فيها وما سئمت من الدعاء)) [نزهة الفضلاء ص ٣٩٨].
(١١) أن يتحرى الحلال في مطعمه:
من أسباب إجابة الدعاء: أن يكون الداعي ممن يحرصون على اللقمة الحلال: فلا يدخل بطنه حراما ... .
وإذا اتصف العبد بذلك لمس اثر الإجابة في دعائة ووجد آثارا طيبة لذلك
أخي: لقد عم البلاء بأكل الحرام أو المشتبه في حله.
فكان ذلك سببا في عدم إجابة دعاء الكثيرين ... فيا غافلين عن أسباب إجابة الدعاء تنبهوا إلى ما يدخل جيوبكم من المال .. وتنبهوا الى ما يدخل بطونكم من الطعام ... ..
ولا يقولن أحدكم: دعوت ولم أر إجابة للدعاء! وهو قد ملا يده وبطنه من الحرام!!
[*] قال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة، وقد سَددْتَ طُرقَها بالمعاصي. وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:"نحن ندعو الإلهَ في كل كرب ثم ننساهُ عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابةَ لدعاء قد سددنا طريقَها بالذنوب؟
стр. 5028
(حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فقال تعالى (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك.
الشاهد: قوله ﷺ (فأنى يستجاب لذلك) وهو استفهام واقع على وجه التعجب والاستبعاد. أي كيف يدعو هذا الآكل للحرام وينتظر الإجابة مع تيقنه من سوء فعاله، نسأل الله أن يطعمنا الحلال ويجنبنا مهاوي الضلال إنه ولى ذلك والقادر عليه.
[*] قال سهل بن عبد الله (رحمة الله): من أكل العبد يحبس عن السماوات بسوء المطعم!
[*] وقال الإمام ابن رجب (رحمة الله):
فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لإجابة الدعاء
أخي المسلم: ولك في سلفك الصالح ﵃ قدوة صالحة
فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ اشتهر بإجابة الدعاء ... فكان إذا دعا ارتفع دعاؤه واخترق الحجب فلا يرجع إلا بتحقيق المطلوب!.
فكان ﵁ مثالا حيا لمن أراد ان يعرف طريق إجابة الدعاء ... وها هو ﵁ يسأله بعضهم تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ ؟
فقال: ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من اين مجيئها؟! ومن أين خرجت.
أخي ذاك هو سر استجابة دعاء سعد بن أبى وقاص ﵁ اللقمة الطيبة الحلال
أخي: فلنحاسب نفسك في أكلها وشربها وملبسها من أين هذا؟ وكيف جاء؟
فإذا كان حلالا ... فكل وأنت معافى .. وادع الله تعالى رازقك ... . فأنت يومها القريب من طريق الإجابة؟.
(١٢) حسن الظن بالله تعالى:
والله تعالى يعطي عبده على قدر ظنه به؛ فإن ظن أن ربه غني كريم جواد، وأيقن بأنه تعالى لا يخيب من دعاه ورجاه، مع التزامه بآداب الدعاء أعطاء الله تعالى كل ما سأل وزيادة، ومن ظن بالله غير ذلك فبئس ما ظن.
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملٍ خيرٌ منهم، وإن تقَّرب إليَّ شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعا و إن أتاني مشيا أتيته هَرْوَلَةً.
[*] قال الشوكاني ﵀:
стр. 5029
"فيه ترغيب من الله لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه يعاملهم على حسبها؛ فمن ظن به خيراً أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميع تفضلاته، ونثر عليه محاسن كراماته وسوابغ عطياته، ومن لم يكن في ظنه هكذا لم يكن الله تعالى له هكذا" (١)
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاه.
(١٣) حضور القلب:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاه.
[*] قال النووي:
"واعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب كما سبق بيانه، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر والعلم به أوضح من أن يذكر" (٢)
[*] قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى (٣)، وقد جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام الترمذي: ”ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ“ (٤). وقد أمر الله تعالى بحضور القلب والخشوع في الذكر والدعاء، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف /٢٠٥]
(١٤) اليقين والثقة بالله تعالى:
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاه.
стр. 5030
فلابد أن يكون الداعي على يقين وثقة بالله جل وعلا لقوله ﷺ ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة يا له من دواء، وكم استمعت إلى شكاوى كثير من المسلمين، يشتكون من طول الدعاء وما ذاك إلا لأن قلوبهم لاهية؛ لأن قلوبهم قد انشغلت وهامت في كل وادٍ، ما تحرك قلبه وما خشع قلبه، وما اقشعر جلده، وما دمعت عينه، وما أحس باللذة في مناجاته لله جل وعلا، فلو استمع إلى خمس دعوات أو عشر دعوات لأحس بالملل والضجر والطول، لماذا؟ لأنه والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من مناجاة ربنا جل وعلا، كيف وأنت تناجي القوي العزيز الكريم: (والله لا يقبل دعاء من قلب غافلٍ لاه).
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي:
والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به والساعد ساعد قوي والمانع مفقود حصلت به النكاية في العدو ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير فإن كان الدعاء في نفسه أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر.
وقال أيضاَ رحمه الله تعالى:
وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي الثلث الأخير من الليل وعند الأذان وبين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبات وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم وصادف خشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلاله وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده ﷺ ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعائه صدقة فان هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة أو أنها متضمنة للاسم الأعظم فمنها ما يلي:
стр. 5031
(حديث أنس في صحيح السنن الأربعة) قال سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم فقال النبي ﷺ لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
(حديث بريدة في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال سمع النبي ﷺ رجلا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
[*] (الدعاء الذي لا يكاد يرد أبدا:
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
إذا جمع الداعي مع الدعاء حضور القلب وصادف وقتاً من أوقات الإجابة الستة وهي:-الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام المنبر يوم الجمعة حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد عصر يوم الجمعة أيضاً) وصادف خشوعاً في القلب وانكساراً بين يدي الرب وذلاً وتضرعاً ورِِقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله وبدأ بحمد الله والثناء عليه وثنى بالصلاة على عبده ورسوله محمد ﷺ ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرد أبداً ..
ولا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة أو متضمنة للاسم الأعظم (وهو:-الحي القيوم، وقيل:- الله، قال ابن حجر وأرجحها من حيث السند:"الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفُواً أحد".
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي
(مسألة في إجابة الدعاء من عدمها:
(مما ينبغي أن يُعلم أن استجابة الدعاء _ في الأصل _ دليل على صلاح المرء، وتقواه.
[*] قال عمر بن الخطاب ﵁:
أنا لا أحمل همَّ الإجابة ولكن أحمل همَّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن معه الإجابة.
والمعنى: لا يهمني الإجابة، ما أهتم الإجابة-؛ ولكن أحمل همّ الدعاء، فإذا وُفقت للدعاء جاءت الإجابة. وهذا من عظيم فقه الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 5032
فكن في دعائك راجياً عفو ربك، طالباً مغفرته، راغباً في جنته ونعيمه، طامعاً في عطائه وغناه فهو سبحانه يستحي أن يرد عبده خائباً إذا سأله.
(ولكنها لا تدل أحيانًا على ذلك؛ فقد تكون استدراجًا، أو لحكمة كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاُوتَيَنّ مَالاً وَوَلَداً * أَطّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتّخَذَ عِندَ الرّحْمََنِ عَهْداً * قال تعالى: (كَلاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً)
[مريم ٧٧: ٨٠]
(وَمِنْ قَبْلُ استجاب الله تعالى دعاء الشيطان.
قال تعالى: (قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِي إِلَىَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَىَ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) [الحجر ٣٦: ٣٨]
فكونه _ _ أجاب إبليس سؤله، وأنظره إلى يوم القيامة _ ليس ذلك إكرامًا لإبليس، بل إهانة له؛ ليزداد إثمًا فتعظم عقوبته، ويتضاعف شقاؤه وعذابه، إضافة إلى ذلك فإن الله _ _ جعله مَحكًّا يتميز به الخبيث من الطيب، وما دام أن الخلق مستمر إلى يوم القيامة _ فإن هذا يقتضي بقاءه ببقاء خلق البشر والله أعلم. (١)
(كذلك عدم استجابة الدعاء لا تدل على فساد الداعي في كل الأحوال؛ فهناك سؤال منعه الله نبينا محمدًا"قال _ ﵊ _:=سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. (٢)
فالله _ _ منع نبيه محمدًا"الدعوة الثالثة، وليس ذلك دليلاً على أن الرسول"لا مكانة له عند ربه، أو أنه غير مستجاب الدعوة، بل هو سيد البشر، ودعاؤه مستجاب، ولكن الله _ _ منعه تلك الدعوة لحكم عظيمة؛ منها أن يُعْلَمَ أن الرسول"بشر، ليس له من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، بيده الضر والنفع، والعطاء والنفع.
стр. 5033
ومنها أن هذه الأمة تعصي، والله _ _ يقول: (لّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلآ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوَءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً) [النساء / ١٢٣]
(فإذا عصيت عوقبت؛ لتؤوب إلى رشدها، وتنيب إلى ربها، فتستقيم أحوالها، وتصلح أمورها، فتسعد، وتفلح.
وهذا من رحمة الله بها؛ إذ يُؤَدِّبها بهذه العقوبات.
ثم إن من رحمته بها أنه _ _ لا يعاقبها عقوبة استئصال، بحيث تستأصل جميعها، كما حصل ذلك للأمم السابقة كعاد وثمود.
هذا وستتضح بعض الحكم من تأخر إجابة الدعاء أو عدمها في المبحث التالي زيادة على ما مضى.
(موانع إجابة الدعاء:
المانع: لغة: الحائل بين الشيئين، واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم لذاته، عكس الشرط (١).
وكما أن للدعاء مواطن يستجاب فيها فكذلك له موانع تمنع من إجابته، فيجب على العبد أن يحذرها ويجتنبها حتى يسلم له دعاؤه، لأن هذه الموانع تقف سداً منيعاً، وحصناً حصيناً في عدم القبول، وعدم الإجابة.
[*] قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو. ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير. [الداء والدواء ص٣٥]
فيتبين من ذلك أن هناك أحوالا و آدابا و أحكاما يجب توفرها في الدعاء و في الداعي، و أن هناك موانع و حواجب تحجب وصول الدعاء و استجابته يجب انتفاؤها عن الداعي و عن الدعاء، فمتى تحقق ذلك تحققت الإجابة.
[*] (وهاك موانع الدعاء جملةً وتفصيلا ً:
(أولاً: موانع الدعاء جملةً:
(١) أكل الحرام:
(٢) ارتكاب المعاصي والمحرمات:
(٣) ترك الأوامر، وإهمال الواجبات التي أمر الله بها وأوجبها على عباده:
(٤) استعجال الإجابة:
(٥) ومن موانع الإجابة الدعاء بالإثم وقطع الرحم:
(٦) ومن موانع إجابة الدعاء عدم الصلاة على النبي محمد ﷺ :
(٧) وقوع الظلم حتى من الذي يدعو على الظالمين:
(ثانياً: موانع الدعاء تفصيلاًً:
(١) أكل الحرام:
стр. 5034
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: (إنّ الله طَيّبٌ ولاَ يَقْبَلُ إلاّ طَيّباً، وَإِنّ الله أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، قال تعالى: (يَا أَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إني بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقالَ تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ) ثم َذَكَرَ الرّجُلَ يُطِيلُ السّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدّ يَدَيه إلَى السّمَاءِ يارب يارب وَمَطْعَمُهُ حَرَامُ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَانّى يُسْتَجَابُ له.
[*] ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في معنى هذا الحديث:
стр. 5035
إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلها: كالرياء، والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً، فإن الطيب توصف به الأعمال، والأقوال، والاعتقادات (١) والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات والابتعاد عن الخبائث والمحرمات، ثم ذكر في آخر الحديث استبعاد قبول الدعاء مع التوسع في المحرمات: أكلاً، وشرباً، ولبساً، وتغذيةً. ولهذا كان الصحابة والصالحون يحرصون أشد الحرص على أن يأكلوا من الحلال ويبتعدوا عن الحرام، فعن عائشة ﵂ قالت: ”كان لأبي بكر غلامٌ يُخرج له الخراجَ وكان أبو بكر يأكل من خراجه (٢)، فجاء يوماً بشيء فأكله أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهلية وما أُحسِنُ الكِهانةَ إلا أني خَدعتُهُ فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده (٣) فقاءَ كلَّ شيء في بطنه“ (٤). ورُوي في رواية لأبي نُعيم في الحلية وأحمد في الزهد ”فقيل له يرحمك الله كلُّ هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ”كلُّ جسد نبت من سُحْتٍ فالنارُ أولى به“ فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة (٥).
(ففي حديث الباب أن هذا الرجل الذي قد توسع في أكل الحرام قد أتى بأربعة أسباب من أسباب الإجابة:
الأول: إطالة السفر،
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة، ولهذا قال ﷺ : ”ربَّ أشْعَثَ (٦) مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره“ (٧).
стр. 5036
والثالث: يمد يديه إلى السماء ”إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين“ (١).
والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء ومع ذلك كله قال ﷺ : ”فأنى يستجاب لذلك“ وهذا استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد (٢).
وروى عكرمة بن عمار حدثنا الأصفر قال قيل لسعد بن أبي وقاص تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله ﷺ قال ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت.
[*] قال عن وهب بن منبه:
من سره أن يستجيب الله دعوته فليطيب طعمته
[*] قال عن سهل بن عبد الله:
من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت دعوته
[*] قال عن يوسف بن أسباط:
بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السموات بسوء المطعم.
ويقول ابن رجب في جامع العلوم
(٢) ارتكاب المعاصي والمحرمات:
وهذه من أعظم موانع الدعاء، وهي من المدلهمات التي ربما لا يفطن لها كثير من الناس، إذ المعصية سبب لبغض الخالق للمخلوق، وسفول منزلته عند ربه، فلا يأبه به، وربما لا يستجيب له دعوة، ولا شك أن الغفلة والوقوع في الشهوات المحرمة من أسباب الحرمان من الخيرات. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد /١١].
قال الشاعر:
نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقها بالذنوب
(٣) ترك الأوامر، وإهمال الواجبات التي أمر الله بها وأوجبها على عباده:
فكم هم الذين أهملوا في ترك الصلاة، وكم هم الذين باعوا ينهم وعقيدتهم لأعدائهم، فتقمصوا هيئاتهم، ولبسوا ثياباً غير ثيابهم، وكم هي المنكرات التي تعج بها بلاد المسلمين اليوم ولا منكر ولا مستمع إلا ما رحم ربي، فكل ذلك سبب لعدم قبول الدعاء،
стр. 5037
فترك الواجبات يمنع استجابة دعاء الأخيار وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم.
(حديث حذيفة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: لتأمُرنّ بالمعروف و لتنهَوْنَّ عن المنكر أو يبعث الله عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لهم.
[*] قال وهب ابن منبه مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر وعنه قال العمل الصالح يبلغ الدعاء ثم تلا قوله تعالى إليه (يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) (١)
[*] قال أبي ذر ﵁:
يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي الطعام من الملح وقال محمد بن واسع: يكفي من الدعاء مع الورع اليسير
[*] وقيل لسفيان لو دعوت الله قال إن ترك الذنوب هو الدعاء.
[*] وقال الليث رأى موسى ﵊ رجلا رافعا يديه وهو يسأل الله مجتهدا فقال موسى ﵇ أي رب عبدك دعاك حتى رحمته وأنت أرحم الراحمين فما صنعت في حاجته فقال يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته حتى ينظر في حقي
[*] وقال بعض السلف لا تستبطيء الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي
نحن ندعو الإله في كل كرب ... ثم ننساه عند كشف الكروب
كيف نرجو إجابة لدعاء ... قد سددنا طريقها بالذنوب
(٤) استعجال الإجابة:
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يستجاب أحدكم ما لم يعجل، يقول دعوت فلم يُستَجِبْ لي.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: لا يزالُ يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعةِ رحمٍ ما لم يستعجل“. قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: ”يقول قد دعوتُ، وقد دعوتُ فلم أرَ يستجيبُ لي فيستحسر (٢) عند ذلك ويدعُ الدعاءَ“ (٣).
وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد، والاستسلام، وإظهار الافتقار. (٤)
стр. 5038
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر، ويدع الدعاء.
وهو بمنزلة من بذر بذرًا، أو غرس غرسًا، فجعل يتعاهده، ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. (١)
فلا تستبطئ الإجابة وألِحَّ على الله في المسألة، فالنبي ﷺ مكث يدعو على رعل وذكوان شهراً، وربك حييّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يده إليه، أن يردها صفراً، فادع وَرَبُّكَ الأَكْرَم، وألق نفسك بين يديه، وسلّم الأمر كله إليه، واعزم المسألة، وأعظم الرغبة فما رَدَّ سائله، ولا خاب طالبه، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالخلق لم تسدَّ فاقته، ومن أنزلها بالرب فنِعْم الرزاق هو، فلازم الطلب فالمعطي كريم، والكاشف قدير، ولا تستعجل الإجابة إذا دعوت، ولا تستبطئها إذا تأخَّرت، ومن يُكثر قرع الأبواب يوشك أن يفتح له.
وهذا موسى ﵇ وقف داعياً يقول: (رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الْحياةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) [يونس / ٨٨]
وأخوه هارون ﵇ يؤمن على الدعاء، فاستجاب الله دعاءهما وقال سبحانه: (قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا) [يونس / ٨٩]
[*] قال العلماء: كان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة.
(فعلى المؤمن أن يدعو الله، وأن يلح على الله في الدعاء، ولا يعجل في الإجابة، وينتظر الفرج من الله، واللائق بالعبد أن يلازم الدعاء ويستمر فيه، ولا ييأس ولا يستعجل، لأنه لا يدري أين المصلحة، فقد تكون المصلحة في تأخير إجابة الدعاء، وقد تكون المصلحة في ادخار الأجر له في الآخرة، وقد تكون المصلحة في دفع بلاءٍ عنه بقدر دعائه، فعلى العبد أن لا يسأم من الدعاء، ولا يكل من ذلك، وأيضاً يجب عليه ألا يتعجل بل يكل الأمر لله تعالى فهو أرحم بالعبد من نفسه، فيترك الأمر لله العالم بخفايا الأمور، العالم بحقائقها سبحانه، فهو عالم الغيب والشهادة،
وكما قال الشاعر اليمني الموحد في قصيدته التي سماها الجوهرة:
لطائف الله وإن طال المدى ... كلمح الطرف إذا الطرف سجى
كم فَرَج بعد إياس أتى ... وكم إياس قد أتى بعد النوى
стр. 5039
[*] قال مُورِّقٌ العجلي: ((ما امتلأت غضباً قط، ولقد سألت الله حاجة منذ عشرين سنة فما شفعني فيها وما سئمت من الدعاء)) [نزهة الفضلاء ص ٣٩٨].
(٥) ومن موانع الإجابة الدعاء بالإثم وقطع الرحم:
والدعاء بالإثم كمن يدعو على شخص معين بأن يكون مدمناً للخمر، أو أن يدعو على إنسان بالزنا، أو أن يكون سارقاً، أو يكون كافراً، أو يدعو الله أن ييسر له فعل الفساد، وهكذا دواليك.
ولا شك أن ذلك خطأ في الدعاء فقد يستجيب الله تعالى دعوة الداع فيموت على الكفر أو على المعصية فيبوء بإثم دعوته والعياذ بالله.
(حديث أبي هريرة في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له في الدنيا و إما أن يدخر له في الآخرة ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل.
(٦) ومن موانع إجابة الدعاء عدم الصلاة على النبي محمد ﷺ :
(حديث عمر في صحيح الترمذي موقوفاً) قال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء إلى السماء حتى تصلي على نبيك ﷺ .
[*] سئل إبراهيم بن أدهم عن قول الحق سبحانه: (ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر /٦٠]
، قالوا: فإنا ندعو الله فلا يستجيب لنا؟!! فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء:
١ - ... عرفتم الله ولم تؤدوا حقه.
٢ - ... وتأكلون رزق الله ولا تشكرونه.
٣ - ... وقرأتم كتاب الله ولم تعملوا به.
٤ - ... وادعيتم عداوة الشيطان وواليتموه.
٥ - ... وادعيتم حب رسول الله وتركتم أثره وسنته.
٦ - ... وادعيتم حب الجنة ولم تعملوا لها.
٧ - ... وادعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب.
٨ - ... واشتغلتم بعيوب غيركم وتركتم عيوب أنفسكم.
٩ - ... وادعيتم أن الموت حق ولم تستعدوا له.
١٠ - وتدفنون موتاكم ولا تعتبرون. فكيف يستجاب لكم؟!
(٧) وقوع الظلم حتى من الذي يدعو على الظالمين:
والله لا يحب الظالمين، وكل وضع للشيء في غير موضعه فهو ظلم، فتخيلوا كم من الظلم نمارسه نحن، ونحن غافلون لاهون.
[*] قال المقريزي:
стр. 5040
جاءني أحد الصالحين، سنة ثلاث عشرة وثماني مائة، والناس إذ ذاك من الظلم في أخذ الأموال منهم ومعاقبتهم إذا لم يؤدوا أجرة مساكنهم التي يسكنوها حتى ولو كانت ملكاً لهم، بحال شديدة، وأخذنا نتذاكر ذلك فقال لي: مالسبب في تأخر إجابة دعاء الناس في هذا الزمان، وهم قد ظلموا غاية الظلم، بحيث أن امرأة شريفة عوقبت لعجزها عن القيام بما ألزمت به من أجرة سكنها الذي هو ملكها، فتأخرت إجابة الدعاء مع قول الرسول ﷺ : ((اتق دعوة المظلوم, فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) وها نحن نراهم منذ سنين يدعون على من ظلمهم، ولا يستجاب لهم.
[*] قال المقريزي:
سبب ذلك أن كل أحد صار موصوفا بأنه ظالم، لكثرة ما فشا من ظلم الراعي والرعي، وإنه لم يبق مظلوم في الحقيقة، لأنا نجد عند التأمل كل أحد من الناس في زماننا وإن قل، يظلم في المعني الذي هو فيه من قدر على ظلمه، ولا نجد أحداً يترك الظلم إلا لعجزه عنه، فإذا قدر عليه ظلم، فبان أنهم لا يتركون ظلم من دونهم، إلا عجزاً لا عفة.
هل عرفتم تفكروا، وليفتش كل منا عن نفسه، وعن الظلم الذي يمارسه في حياته،.
(الحِكَم من تأخُرِ إجابة الدعاء:
(من البلاء على المؤمن أن يدعو فلا يجاب، فيكرر الدعاء، ويبالغ فيه، وتطول المدة، فلا يرى أثرًا للإجابة.
(ومن هنا يجد الشيطان فرصته، فيبدأ بالوسوسة له، وإساءة ظنه بربه، وإيقاعه بالاعتراض على حكمته.
فينبغي لمن وقعت له هذه الحال ألا يختلج في قلبه شيء مما يلقيه الشيطان؛ ذلك أن تأخر الإجابة مع المبالغة في الدعاء يحمل في طياته حِكَمَاً باهرةً، وأسرارًا بديعة، لو تدبرها الداعي لما دار في خَلَدِه تضجر من تأخر الإجابة.
[*] (وفيما يلي ذكر لبعض تلك الحكم والأسرار، والتي يجمل بالداعي أن يتدبرها، ويحسن به أن يستحضرها، الحِكَم من تأخُرِ إجابة الدعاء، وهاك الحِكَم من تأخُرِ إجابة الدعاء جملةً وتفصيلا:
[*] (أولاً الحِكَم من تأخُرِ إجابة الدعاء جملةً:
(١) أن تأخر الإجابة من البلاء الذي يحتاج إلى صبر:
(٢) أن الله تعالى هو مالك الملك:
(٣) أنه لا حق للمخلوق على الخالق:
(٤) أن الله تعالى له الحكمة البالغة:
(٥) قد يكون في تحقق المطلوب زيادة في الشر:
(٦) أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه:
(٧) أن الإنسان لا يعلم عاقبة أمره:
(٨) الدخول في زمرة المحبوبين لله تعالى:
(٩) أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والعكس بالعكس:
стр. 5041
(١٠) تأخر الإجابة سبب لتفقد العبد لنفسه:
(١١) قد تكون الدعوة مستجابة دون علم الداعي:
(١٢) قد يكون الدعاء ضعيفًا فلا يقاوم البلاء:
(١٣) قد يكون الإنسان سد طريق الإجابة بالمعاصي:
(١٤) ظهورآثار أسماء الله تعالى:
(١٥) تكميل مراتب العبودية للأولياء:
[*] (ثانياً الحِكَم من تأخُرِ إجابة الدعاء تفصيلا:
(١) أن تأخر الإجابة من البلاء الذي يحتاج إلى صبر:
فتأخر الإجابة من الابتلاء، كما أن سرعة الإجابة من الابتلاء.
قال تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء / ٣٥]
فالابتلاء بالخير يحتاج إلى شكر، والابتلاء بالشر يحتاج إلى صبر؛ فإياك أن تستطيل زمان البلاء، وتَضْجَرَ من كثرة الدعاء؛ فإنك ممتحن بالبلاء، مُتَعَبَّدٌ بالصبر والدعاء.
فلا تيأسن من روح الله وإن طال البلاء؛ فإن الله _ _ يبتليك؛ ليبلو أخبارك، وهل الابتلاء إلا الإعراض وعكس المقاصد؟
[*] قال عمر بن عبد العزيز:
أصبحت ومالي سرور إلا في انتظار مواقع القدر؛ إن تكن السراء فعندي الشكر، وإن تكن الضراء فعندي الصبر. (١)(٢) أن الله تعالى هو مالك الملك:
فله التصرف المطلق بالعطاء والمنع، فلا راد لفضله، ولا معقب لحكمه، ولا اعتراض على عطائه ومَنْعِه؛ إن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل.
[*] قال ابن ناصر الدين الدمشقي:
فإنه ليس لأحد مفر عن أمر الله وقضائه، ولا محيد له عن حكمه النافذ وابتلائه، إنَّا لله ملكه وعبيده، يتصرف فينا كما يشاؤه وما يريده. (٢)(٣) أنه لا حق للمخلوق على الخالق:
فالمخلوق مربوب، مملوك، مقهور، مُدَبَّر، والخالق ربٌّ، قاهر، مُدَبِّر.
والمملوك العاقل مطالب بأداء حق المالك، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى؛ فكيف يُقَصِّر المملوك ثم يطلب حقه كاملاً مع أنه لا حق له أصلاً؟!
[*] قال ابن القيم ﵀:
стр. 5042
فمن أنفع ما للقلب النظرُ في حق الله على العباد؛ فإن ذلك يورث مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل، والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل إلا بعفو الله، ومغفرته، ورحمته؛ فإن حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر ولا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله _ تعالى _ وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ومغفرته. (١)
ثم قال: وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك؛ ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم.
ومن ههنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره.
وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه. (٢)(٤) أن الله تعالى له الحكمة البالغة:
فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، وقد ترى الشيء مصلحة ظاهرة، ولكن الحكمة لا تقتضيه؛ فقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة؛ فلعل هذا من ذاك.
ثم إن الله تعالى له الحكمة البالغة، فأسماؤه الحسنى وأفعاله تمنع نسبة الظلم إليه، وتقتضي ألا يفعل إلا ما هو مطابق للحكمة، موافق لها؛ فتأخر الإجابة قد يكون عين المصلحة للداعي كما سيأتي بيانه في الفقرات التالية.
(٥) قد يكون في تحقق المطلوب زيادة في الشر:
فربما تحقق للداعي مطلوبه، وأجيب له سؤله، فكان ذلك سببًا في زيادة إثم، أو تأخر عن مرتبة، أو كان ذلك حملاً على الأشر والبطر؛ فكان التأخير أو المنع أصلح.
(وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الله الغزو، فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسِرْتَ، وإن أسرت تَنَصَّرْتَ. (٣)
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية.
ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه.
стр. 5043
ولو رزق من المعرفة حَظًّا وافرًا لعدَّ المنع نعمة، والبلاء رحمة، وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية، وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى، وكان في حال القلة أعظم شكرًا من حال الكثرة. (١)(٦) أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه:
وهذا سر بديع يحسن بالعبد أن يتفطن له حال دعائه لربه؛ ذلك أن الله _ _ أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، فهو أعلم بمصالح عباده منهم، وأرحم بهم من أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.
وإذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرًا لهم من ألا ينزل بهم؛ نظرًا منه لهم، وإحسانًا إليهم، ولطفًا بهم.
ولو مُكِّنُوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علمًا، وإرادةً، وعملاً.
لكنه تعالى تولى تدبير أمورهم بموجب علمه، وعدله، وحكمته، ورحمته أَحَبُّوا أم كرهوا.
فإذا سلَّم العبد لله، وأيقن بأن الملك ملكه، والأمر أمره، وأنه أرحم به من نفسه _ طاب قلبه، قضيت حاجته أو لم تُقضَ.
وإذا فوض العبد ربه، ورضي بما يختاره له _ أَمَدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
وهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى.
ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به.
ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه في المقدور العطفُ عليه، واللطف فيه، فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يُهَوِّن عليه ما قدر له.
[*] قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى:
منعه عطاء؛ وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم، وإنما نظر في خير العبد فمنعه اختيارًا وحسن نظر. (٢)(٧) أن الإنسان لا يعلم عاقبة أمره:
فربما يطلب ما لا يَحْمد عاقبته، وربما كان فيه ضرره، كمثل طفل محموم يطلب الحلوى وهي لا تناسبه.
والمدبر للإنسان أعلم بمصالحه، وعاقبةِ أمره، كيف وقد قال تعالى: (وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ) [البقرة / ٢١٦]
(ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يقضيه عليه؛ لما يرجوه من حسن العاقبة.
стр. 5044
(ومن أسرارها ألا يقترح على ربه، ولا يسأله ما ليس له به علم؛ فلعل فيه مضرَّتَه وهو لا يعلم؛ فلا يختار على ربه، بل يسأله حسن العاقبة فيما يختار له؛ فلا أنفع له من ذلك.
(ولهذا من لطف الله _ تعالى _ لعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية، التي يظن بها إدراك بغيته، فيعلم الله أنها تضره، وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يدْرِ أن ربه قد لطف به؛ حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار. (١)(٨) الدخول في زمرة المحبوبين لله تعالى:
فالذين يدعون ربهم، ويبتلون بتأخر الإجابة عنهم _ يدخلون في زمرة المحبوبين، المُشَرَّفِين بمحبة رب العالمين؛ فهو _ سبحانه _ إذا أحب قومًا ابتلاهم. (٢)
وقد جاء في السنة ما يشير إلى أن الابتلاء دليل على محبة الله للعبد؛
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء و إن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا و من سخط فله السخط.
(حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه خطيئة.
(٩) أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والعكس بالعكس:
فإذا صحت معرفة العبد بربه علم يقينًا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، والتي منها تأخر إجابة الدعاء _ أنها تحمل في طياتها ضروبًا من المصالح والمنافع لا يحصيها علمه، ولا تحيط بها فكرته.
بل إن مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها.
قال تعالى: (فَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) [النساء / ١٩]
قال تعالى: (وَعَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ) [البقرة / ٢١٦]
стр. 5045
فإذا علم العبد أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، وأن المحبوب قد يأتي بالمكروه _ لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ فإن الله يعلم ما لا يعلمه العبد.
وما أجمل قول من قال:
كم نعمةٍ لا تستقلُّ بشكرها ... لله في طيِّ المكاره كامنه (١)
ومن قال:
تجري الأمور على حكم القضاء وفي ... طيِّ الحوادث محبوب ومكروه
وربما سرني ما كنت أحذره ... وربما ساءني ما كنت أرجوه (٢)
[*] قال سفيان بن عيينه:
ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه. (٣)
[*] وقال ابن ناصر الدين الدمشقي:
إذا اشتدت البوى تحَفَّفْ بالرضا ... عن الله قد فاز الرَّضيُّ المراقبُ
وكم نعمةٍ مقرونة ببلية ... على الناس تخفى والبلايا مواهب (٤)(١٠) تأخر الإجابة سبب لتفقد العبد لنفسه:
فقد يكون امتناع الإجابة لآفة في الداعي؛ فربما كان في مطعومه شبهة، أو في قلبه وقت الدعاء غفلة، أو كان متلبسًا بذنوب مانعة.
[*] وسُئِلَ إبراهيم بن أدهم ﵀: ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟
فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول ولم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار ولم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان ولم تحاربوه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات ولم تعتبروا بها، وانتبهتم من نومكم فاشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم.
وتأخر الإجابة قد يبعث الداعي إلى تفقد نفسه، والنظر في حاله مع ربه، فيحصل له من جراء ذلك المحاسبةُ، والتوبةُ، والأوبةُ.
ولو عجلت له دعوته لربما غفل عن نفسه، فظن أنه على خير وهدى، فأهلكه العجب، وفاتته هذه الفائدة.
(١١) قد تكون الدعوة مستجابة دون علم الداعي: