Полный текст (6 619 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
القسم الثالث: وهم مَنْ مخالطته كالداء على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه، فمنهم من مخالطته كالداء العضال والمرض المزمن، وهو من لا تربح عليه دين ولا دنيا، ومع ذلك فلا بد أن تخسر عليه الدين والدنيا أو أحدهما، فهذا إذا تمكنت منك مخالطته واتصلت فهى مرضُ الموت المخوف، ومنهم الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه فيضعها فى منزلتها، بل إذا تكلم فكلامه كالعصا تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به، فهو يُحدث من فيه كلما تحدث ويظن أنه مسك يطيب به المجلس، وإذا سكت فأثقل من نصف الرحا العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض.
وبالجملة فمخالطة كل مخالف حمى للروح فعرضية ولازمة، ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب وليس له بد من معاشرته، فليعاشره بالمعروف ويعطيه ظاهره ويبخل عليه بباطنه حتى يجعل الله له من أمره فرَجاً، ومخرجاً.
القسم الرابع: من مخالطته الهلاك كله، فهي بمنزلة أكل السم، فإذا اتفق لآكله ترياق وإلا فأحسن الله العزاء، وما أكثر هذا الضرب في الناس – لا كثَّرهم الله – وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول الله ﷺ ، الداعون إلى خلافها، فيجعلون السنة بدعة والبدعة سنة، وهذا الضرب لا ينبغي للعاقل أن يجالسهم أو يخالطهم، وإن فعل فإما الموت لقلبه أو المرض.
نسأل الله لنا ولهم العافية والرحمة.
أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان بن عيينة: رأيت الثوري في المنام فقلت: أوصني، قال: أقلل من مخالطة الناس، قلت: زدني، قال: سترد فتعلم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن أدهم قال: حب لقاء الناس من حب الدنيا، وتركهم من ترك الدنيا.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سهل بن هاشم، قال: قال لنا إبراهيم ابن أدهم: أقلوا من الإخوان والأخلاء.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شقيق البلخي قال: اصحب الناس كما تصحب النار، خذ منفعتها واحذر أن تحرقك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض قال: إني لأسمع صوت حلقة الباب فأكره ذلك قريباً كان أم بعيداً، ولوددت أنه طار في الناس أني قدمت حتى لا أسمع له بذكر، ولا يسمع لي بذكر، وإني لأسمع صوت أصحاب الحديث فيأخذني البول فرقاً منهم.
стр. 5357
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله الحذاء يقول: وقفنا للفضيل بن عياض على باب المسجد الحرام ونحن شبان علينا الصوف، فخرج علينا، فلما رآنا، قال: وددت أني لم أركم و لم تروني، أتروني سلمت منكم أن أكون ترسا لكم حيث رأيتكم وتراءيتم لي، لأن أحلف عشراً إني مرائي وإني مخادع أحب إلي من أن أحلف واحدة أنى لست كذلك.
(الآثار السيئة لكثرة الخلطة:
إن امتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم. فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟
هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية. وهل آفة الناس إلا الناس؟
وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا، وقضاء وطر بعضهم من بعض، تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعض المخلط عليها يديه ندما، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي [الفرقان:٢٧ - ٢٩] وقال تعالى: الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:٦٧]، وقال خليله إبراهيم لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ [العنكبوت:٢٥]، وهذا شأن كل مشتركين في غرضك يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض، أعقب ندامة وحزناً وألماً وانقلبت تلك المودة بغضاً ولعنة، وذماً من بعضهم لبعض.
(الضابط النافع في أمر الخلطة:
أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات.
стр. 5358
فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه اعتزالهم: فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لابد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر. ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له، وتعظيم وثناء عليه منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين، وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت، وذم منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة، وأحمد ما لا.
وان دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه.
(خامساً: كثرة النوم:
كثرة النوم تميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل. ومنه المكروه جدا، ومنه الضار غير النافع للبدن.
(وأنفع النوم: ما كان عند شدة الحاجة إليه، ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه. وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه، وكثر ضرره، ولاسيما نوم العصر. والنوم أول النهار إلا لسهران.
(ومن المكروه عندهم: النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس؟ فإنه وقت غنيمة، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس، فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق، وحصول القسم، وحلول البركة. ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه علي حكم تلك الحصة. فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر.
(بالجملة فأعدل النوم وأنفعه: نوم نصف الليل الأول، وسدسه الأخير، وهو مقدار ثماني ساعات. وهذا أعدل النوم عند الأطباء، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه.
(ومن النوم الذي لا ينفع أيضا: النوم أول الليل، عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء. وكان رسول الله يكرهه. فهو مكروه شرعا وطبعا. والله المستعان، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها.
[*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:
هذه الكراهة مخصوصة بما إذا لم يكن في أمر مطلوب وقيل الحكمة فيه لئلا يكون سببا في ترك قيام الليل أو للاستغراق في الحديث ثم يستغرق في النوم فيخرج وقت الصبح.
(سادساً: ركوب بحر التمني:
стр. 5359
وهو بحر لا ساحل له. وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس. فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الذهنية. وكل بحسب حاله: من متمن للقدوة والسلطان، وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنسوان والمردان، فيمثل المتمني صورة مطلوبة في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها، فبينا هو على هذا الحال، إذ استيقظ فإذا يده والحصير!!
وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره. فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خداع وغرور.
وقد مدح النبي متمني الخير، وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي كبشة الأنماري الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَحسنِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الأجرِ سَوَاءٌ، وَرجلٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ لاَ يَتَّقِى فِيهِ رَبَّهُ وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فهو بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ عند الله وَرجلٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالاً وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ وهما في الوزر سَوَاءٌ.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ) أَيْ إِنَّمَا حَالُ أَهْلِهَا حَالٌ أَرْبَعَةٌ:
(عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا) مِنْ جِهَةِ حِلٍّ
(وَعِلْمًا) أَيْ شَرْعِيًّا نَافِعًا
стр. 5360
(فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ) أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ مِنَ الْمَالِ وَالْعِلْمِ
(وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ) أَيْ بِالصِّلَةِ مِنَ الْمَالِ وَبِالْإِسْعَافِ بِجَاهِ الْعِلْمِ
(وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا) مِنْ وَقْفٍ وَإِقْرَاءٍ وَإِفْتَاءٍ وَتَدْرِيسٍ
(فَهَذَا) أَيِ الْعَبْدُ الْمَوْصُوفُ بِمَا ذَكَرَ
(بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ) أَيْ بِأَفْضَلِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى
(وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا) أَيْ شَرْعِيًّا نَافِعًا
(وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا) يُنْفِقُ مِنْهُ فِي وُجُوهِ الْقُرْبِ
(فَهُوَ يَقُولُ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ
(بِعَمَلِ فُلَانٍ) أَيِ الَّذِي لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ فِي الْبِرِّ
(فَهُوَ بِنِيَّتِهِ) أَيْ يُؤْجَرُ عَلَى حَسَبِهَا
(وهما في الأجرِ سَوَاءٌ) أَيْ فَأَجْرُ مَنْ عَقَدَ عَزْمَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَنْفَقَ مِنْهُ فِي الْخَيْرِ, وَأَجْرُ مَنْ لَهُ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ سَوَاءٌ وَيَكُونُ أَجْرُ الْعِلْمِ زِيَادَةً لَهُ (يَخْبِطُ فِي مَالِهِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَيْ يَصْرِفُهُ فِي شَهَوَاتِ نَفْسِهِ
(لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ) أَيْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي أَخْذِهِ وَصَرْفِهِ
(وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ) أَيْ لِقِلَّةِ رَحْمَتِهِ وَعَدَمِ حِلْمِهِ وَكَثْرَةِ حِرْصِهِ وَبُخْلِهِ
(وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا) وَفِي الْمِشْكَاةِ: وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ، قَالَ الْقَارِي ﵀ أَيْ بِنَوْعٍ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ وَبِعِبَادِهِ
(فَهُوَ بِأَسوءِ الْمَنَازِلِ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ أَخَسِّهَا وَأَحْقَرِهَا
(لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ
(فَهُوَ بِنِيَّتِهِ) أَيْ فَهُوَ مُجْزَى بِنِيَّتِهِ. أهـ
(وهما في الوزر سَوَاءٌ)
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
أي من رزق مالاً فأنفق منه في وجوه القرب ومن علم اللّه منه أنه لو كان له مال لعمل فيه ذلك العمل فيكونان بمنزلة واحدة في الآخرة لا يفضل أحدهما على صاحبه من هذه الجهة.
(سابعاً: التعلق بغير الله تعالى:
وهذا أعظم مفسدات القلب على الإطلاق.
стр. 5361
فليس عليه أضر من ذلك، ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه، فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به. وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله بتعلقه بغيره، والتفاته إلى سواه. فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل. قال الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً [مريم:٨٢،٨١]، وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ [يس:٧٥،٧٤]
فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله. فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله: كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، أوهن البيوت.
(حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ أَبِي مَعْبَدِ الْجُهَنِيِّ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ.
[*] قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:
(مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا) أَيْ مَنْ عَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ التَّعَاوِيذِ وَالتَّمَائِمِ وَأَشْبَاهِهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا تَجْلُبُ إِلَيْهِ نَفْعًا أَوْ تَدْفَعُ عَنْهُ ضَرًّا حكمه، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ
(وُكِلَ إِلَيْهِ) بِضَمِّ وَاوٍ وَتَخْفِيفِ كَافٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ خُلِّيَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَتُرِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهِيَةِ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ.
مسألة: ما حكم من تعلق تميمةً لرفع البلاءِ أو دفعه؟
المسألة على التفصيلِ الآتي:
١) إن اعتقد أن التميمةَ تؤثر بنفسها دون الله تعالى وأنها تملك الضرَ والنفع فقد أشرك شركاً أكبر لأنه لا يملكُ الضر والنفع إلا الله تعالى
٢) وإن اعتقد أن التميمةَ لا تؤثر بنفسها ولكنها سبب فقد أشرك شركاً أصغر لأنه حكم على كونها سبب في حين أن الله تعالى لم يقلْ أنها سبب، فهو بذلك جعل نفسه شركاً مع الله في الحكم على أنها سبب
стр. 5362
(حديثُ عقبة ابن عمر في السلسلةِ الصحيحة) أن النبي ﷺ قال من تعلَّق تميمةً فقد أشرك.
[*] قال الشيخُ حافظ الحكمي:
ومنْ يثقْ بِودْعَةٍ أو نابِ ... أو حلْقَةٍ أو أعينِ الذئاب
أو خيطٍ أو عضوٍ من النسورِ ... : أو وتَرٍ أو تُرْبَةِ القبور
لأي أمرٍ كائنٍ تعلَّقه ... وكَلَه الله إلى ما علَّقه
مسألة: ما هي التميمة
التميمةُ: خرزةٌ كان العربُ يُعَلِقُونها لدفعِ البلاءِ فأبطل النبي ﷺ فعلهم وجعله شركاً.
مسألة: ما حكم تعليقِ التميمةِ إن كانت من القرآن؟
(للسلفِ في هذه المسألةِ قولين:
(الأول) يجوز تعليقُ التميمةِ إن كانت من القرآن وحملوا حديث عقبة ابن عامر (من تعلق تميمةً فقد أشرك) على التمائم التي فيها شرك
(الثاني) _ وهو الراجح _ أن ذلك لا يجوز للأسبابِ الآ تيه:
(١) عمومُ النهي في حديثِ عقبةَ ابن عامر (من تعلَّقَ تميمةَ فقد أشرك)
(٢) سداً للذريعةِ لئلا يُفضي ذلك إلى تعليقِ ما ليس كذلك
(٣) ثم إنه إذا تعلَّق التميمةَ التي فيها قرآن لابدأن يمتهنها بحملها معه في حالِ قضاءِ الحاجة والاستنجاء وما شابه ذلك
﴿تنبيه﴾: (إذا كانت التميمةُ من سوى الوحيين فإنها شرك قولاً واحداً لحديثِ عقبةَ ابن عامر (من تعلَّق تميمةً فقد أشرك)
[*] قال الشيخُ حافظ الحكمي:
وفي التمائمِ المعلَّقاتِ ... إن تكُ آياتٍ مبيناتِ
فالاختلافُ واقِعٌ بين السلف ... فبعضهم أجازها والبعضُ كف
وإن تكن مما سوى الوحيينِ ... فإنها شركٌ بغيرِ مَيْن
بل إنها قسيمةُ الأزلامِ ... في البُعدِعن سيما أوي الإسلام
وبالجملة: فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها: التعلق بغير الله. ولصاحبه الذم والخذلان، كما قال تعالى: لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً [الإسراء:٢٢] مذموما لا حامد لك، مخذولا لا ناصر لك. إذ قد يكون بعض الناس مقهوراً محموداً كالذي قهر بباطل، وقد يكون مذموماً منصوراً كالذي قهر وتسلط بباطل، وقد يكون محموداً منصوراً كالذي تمكن وملك بحق. والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة، لا محمود ولا منصور.
فصلٌ في أقسام النفس:
[*] (عناصر الفصل:
(أقسام الناس في سياستهم لأنفسهم:
(تقسيم الناس من حيث القوة العلمية والعملية:
(مدة السفر إلى الله:
(أقسام النفس:
أولاً: النفس المطمئنة:
ثانياً: النفس اللوامة:
ثالثاً: النفس الأمارة السوء:
(علاج مرض «استيلاء النفس على القلب»:
стр. 5363
ودونك تفصيل ذلك في إيجازٍ غير مُخِّل:
(أقسام الناس في سياستهم لأنفسهم:
اتفق السالكون إلى الله على أن الناس على قسمين:
قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته، وصار طوعاً لها تحت أوامرها، وقسمٌ ظفروا بنفوسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم، منقادة لأوامرهم.
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين:
الناس قسمان: علية وسفلة. فالعلية من عرف الطريق إلى ربه وسلكها قاصداً الوصول إليه، وهذا هو الكريم على ربه. والسفلة من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مَكْرِمٍ﴾ * [الحج: ١٨].
والطريق إلى الله في الحقيقة واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه إليه، قال الله تعالى: ﴿وأَنَّ هذا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ * [الأنعام: ١٥٣]، فوحد سبيله لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه، وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة متعددة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجه) قال كنا عند النبي ﷺ فخط خطا وخط خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال هذا سبيل الله ثم تلا هذه الآية (وَأَنَّ هذا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سبِيلِهِ) [الأنعام:١٥٣]
ومن هذا قوله تعالى: ﴿اللهُ وَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يَخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ * [البقرة: ٢٥٧]، فوحد النور الذي هو سبيله وجمع الظلمات التي هي سبيل الشيطان.
ومن فهم هذا فهم السر في إفراد النور وجمع الظلمات في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ * [الأنعام:١]
стр. 5364
مع أن فيه سراً أَلطف من هذا يعرفه من يعرف منبع النور ومن أَين فاض وعن ماذا حصل وأن أَصله كله واحد، وأَما الظلمات فهي متعددة بتعدد الحجب المقتضية لها، وهى كثيرة جداً، لكل حجاب ظلمة خاصة، ولا ترجع الظلمات إلى النور الهادي ﷻ أصلاً لا وصفاً ولا ذاتاً ولا اسماً ولا فعلاً، وإِنما ترجع إلى مفعولاته سبحانه، فهو جاعل الظلمات ومفعولاتها متعددة متكثرة، بخلاف النور فإنه يرجع إلى اسمه وصفته ﷻ ، تعالى أن يكون كمثله شيء وهو نور السموات والأرض.
(والمقصود أن الطريق إلى الله تعالى واحد، فإنه الحق المبين والحق واحد، مرجعه إلى واحد. وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد، وطرقه متعددة.
[*] قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر أنفسهم، فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك، قال الله تعالى:
﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: الآية: ٣٧ - ٤١).
والنفس تدع إلى الطغيان، وإيثار الحياة الدنيا والربّ يدعو عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى، والقلبُ بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعي مرة , وإلى هذا مرة، وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف الله سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: المطمئنة، واللوامة، والأمارة بالسوء فاختلف الناس: هل النفس واحدة وهذه أوصاف لها، أم للعبد ثلاثة أنفس؟.
فالأول قول الفقهاء والمفسرين، والثاني قول كثير من أهل التصوف، والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين، فإنها واحدة باعتبار ذاتها وثلاثة باعتبار صفاتها.
(تقسيم الناس من حيث القوة العلمية والعملية:
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين:
من الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أَغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفاً في القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف وفارقهم فى العلم وهذا هو الغالب على أَكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمة الله ولا قوة إلا بالله.
стр. 5365
ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضى هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والجد والتشمير في العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأَعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداءُ هذا من جهله وداءُ الأَول من فساد إرادته وضعف عقله، وهذا حال أَكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل على طريق الذوق والوجد والعادة، يرى أحدهم أَعمى عن مطلوبه لا يدرى من يعبد ولا بماذا يعبده، فتارة يعبده بذوقه ووجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأْس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التي وضعها بعض المتحذلقين وليس له أصل في الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائناً ما كان.
وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد، فهؤلاء كلهم عمى عن ربهم وعن شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ودينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يقبل من أحد ديناً سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التي تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له.
ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تعالى ورجيَ له النفوذ وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإِن القواطع كثيرة شأْنها شديد لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاءَ الله لأَزالها وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، والوقت كما قيل سيف فإن قطعته وإلا قطعك.
فإذا كان السير ضعيفاً والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفاً، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة فإنه جهد البلاء ودرك الشقاءِ وسوء القضاء وشماتة الأعداءِ إِلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب فيأْخذ بيده ويخلصه من أيدي القواطع. والله ولى التوفيق. (مدة السفر إلى الله:
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه طريق الهجرتين:
стр. 5366
العبد من حين استقرت قدمه في هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، «ومدة سفره هي عمره» الذي كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهي السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالماً غانماً، فإِذا قطعها جعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوى مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أَعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أَحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه.
ثم الناس في قطع هذه المراحل قسمان:
قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ والعياذ بالله، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأَوليائه ودينه والسعي في إِطفاءِ نوره وإٍبطال دعوته وإِقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التي خلقوا لها واستعملوا بها، فهم مصحبون فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقاً كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تُؤُزُّهُمْ أَزَّاً﴾ * [مريم: ٨٣]، أي تزعجهم، إلى المعاصي والكفر إزعاجاً وتسوقهم سوقاً.
القسم الثاني: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام. وهم ثلاثة أقسام: «ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله».
وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعّ إلى الله، ولكن متفاوتون في التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفى نفس السير وسرعته وبطئه.
فالظالم لنفسه مقصر في الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا في قدره ولا في صفته، بل مفرط في زاده الذي ينبغي له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأَذى به في طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذى الضار.
стр. 5367
والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة. والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأَرباح وشد أَحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسراناً أن يدخر شيئاً مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأَرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أَن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أَمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيء به تجارة إِلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإِذن ربه يرى خسراناً بيناً أن يمر عليه وقت في غير متجر.
مسألة: كيف يستقبل الظالم لنفسه يومه وليلته، وكيف يستقبلها المقتصد، وكيف يستقبلها السابق بالخيرات؟
(الظالم لنفسه إذا استقبل مرحلة يومه وليلته استقبلها، وقد سبقت حظوظه وشهواته إِلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها ساعية فيها، فإِذا زاحمها حقوق ربه فتارة وتارة فمرة يأْخذ بالرخصة ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاوناً ووعداً بالتوبة. فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق بالثواب والعقاب فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران وهو للأغلب منهما، فإِذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه وحصل ربحه وحده وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، وحكم الله من وراءِ ذلك لا يعدم عباده منه فضله وعدله.
(وأما المقتصدون فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولم ينقصوا منها، فلا حصلوا على أرباح التجار ولا بخسوا الحق الذي عليهم. فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة في وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التي أذن الله له فيها مشتغلاً بها قائماً بأعيانها مؤدياً واجب الرب فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجه، فإذا حضرت الفريضة الأُخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول فهو كذلك سائر يومه، فإذا جاءَ الليل فكذلك إلى حين النوم يأْخذ مضجعه حتى ينشق الفجر فيقوم إلى غذائه وظيفته فإذا جاء الصوم الواجب ويقوم بحقه، وكذلك الزكاة الواجبة والحج الواجب، وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط، لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم.
стр. 5368
(وأما السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقربون. وهؤلاء الأَصناف الثلاثة هم أَهل اليمين، وهم المقتصدون والأَبرار والمقربون. وأَما الظالم لنفسه فليس من أَصحاب اليمين عند الإِطلاق وإِن كان مآله إلى أصحاب اليمين كما أنه لا يسمى مؤمناً عند الإطلاق وإن كان مصيره ومآله مصير المؤمنين بعد أخذ الحق منه.
(أقسام النفس:
أولاً: النفس المطمئنة:
إذا سكنت النفس إلى الله واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه، فهي مطمئنة، وهى التي يقال لها عند الوفاة.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة﴾ (الفجر: ٢٧ - ٢٨).
[*] قال ابن عباس ﵁: المطمئنة المصدقة.
[*] وقال قتادة: هو المؤمن اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله، وصاحبها يطمئن في باب معرفة أسمائه وصفاته إلى خبره الذي أخبر عن نفسه وأخبر به عند رسوله ص ثم يطمئن إلى خبره عما بعد الموت من أمور البرزخ وما بعده من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كله عياناً، ثم يطمئن إلى قدر الله فيسلم له ويرضى ن فلا يسخط، ولا يشكو، ولا يضطرب إيمانه، فلا يأسى على ما فاته، ولا يفرح بما آتاه، لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه، وقبل أن يخلق، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: من الآية ١١).
[*] قال غير واحد من السلف: هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
وأما طمأنينة الإحسان فهي الطمأنينة إلى أمره امتثالاً وإخلاصاً ونصحاً، فلا يقدم على أمره إرادة ولا هوى، ولا تقليداً، ولا يساكن شبهة تعارض خبره، ولا شهوة تعارض أمره، بل إذا مرّت به أنزلها منزلة الوساوس التي لئن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يجدها، فهذا صريح الإيمان بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قال * جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال وقد وجدتموه؟ قالوا نعم قال: ذاك صريح الإيمان.
[*] قال صاحب عون المعبود في شرح سنن أبي داوود:
نجد في أنفسنا: أي الشيء القبيح.
стр. 5369
ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به: من الأعظام أي نجد التكلم به عظيما لغاية قبحه والمعنى نجد في أنفسنا الشيء القبيح نحو من خلق الله وكيف هو ومن أي شيء هو ونحو ذلك مما يتعاظم النطق به فما حكم جريان ذلك في خواطرنا.
وقد وجدتموه؟ الهمزة للاستفهام التقريري والواو المقرونة بها للعطف على مقدر أي احصل ذلك وقد وجدتموه.
ذاك صريح الإيمان: معناه أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم والتصديق به حتى يصير ذلك وسوسة لا يتمكن من قلوبكم ولا تطمئن إليه نفوسكم وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله فكيف يكون إيمانا صريحا.
(وكذلك يطمئن من قلق المعصية، وانزعاجها إلى سكون التوبة وحلاوتها.
فإذا اطمأن من الشكّ إلى اليقين، ومن الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الخيانة إلى التوبة ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن العجز إلى الكيس، ومن صولة العجب إلى ذلة الإخبات، ومن التيه إلى التواضع، فعند ذلك تكون نفسه مطمئنة.
(وأصل ذلك كله هي اليقظة، التي كشفت عن قلبه سِنة الغفلة وأضاءت له قصور الجنة، فصاح قائلاً:
ألا يا نفس ويحك ساعديني ... بسعى منك في ظلم الليالي
لعلك في القيامة أن تفوزي ... بطيب العيش في تلك العلالي
فرأى فى ضوء هذه اليقظة ما خلق له، وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلى دخول دار القرار، ورأى سرعة انقضاء الدنيا، وقلة وفائها لبنيها وقتلها لعشاقها، وفعلها بهم أنواع المثلات، فنهض في ذلك الضوء على ساق عزمه قائلاً: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية ٥٦).
فاستقبل بقية عمره مستدركاً ما فات، محيياً ما مات، مستقبلاً ما تقدم له من العثرات، منتهزاً فرصة الإمكان التي إن فاتت فاته جميع الخيرات، ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وفور نعمة ربه عليه، ويرى أنه آيسٌ من حصرها وإحصائها، عاجزٌ عن آداء حقها، ويرى في تلك اليقظة عيوب نفسه، وآفات عمله، وما تقدم له من الجنايات والإساءات والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات، فتنكسر نفسه وتخشع جوارجه، ويسير إلى الله ناكس الرأس بين مشاهدة نعمه، ومطالعة جناياته، وعيوب نفسه، ويرى أيضاً في ضوء تلك اليقظة عزة وقته، وخطره، وأنه رأس مال سعادته فيبخل به فيما لا يقربه إلى ربه، فإن في إضاعته الخسران والحسرة، وفى حفظه الربح والسعادة.
стр. 5370
فهذه آثار اليقظة وموجباتها، وهى أول منازل النفس المطمئنة التي ينشأ منها سفرها إلى الله والدار الآخرة.
ثانياً: النفس اللوامة:
[*] قالت طائفة: هي التي لا تثبت على حال واحدة، فهي كثيرة التقلب والتلون، فتذكر وتغفل، وتقبل وتعرض، وتحب وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتطيع وتتقى.
[*] وقالت أخرى: هي نفس المؤمن، قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائماً يقول: ما أردت هذا؟ لم فعلت هذا؟ كان هذا أولى من هذا؟ أو نحو هذا الكلام.
[*] وقالت أخرى: اللوم يوم القيامة، فإن كلّ أحد يلوم نفسه إن كان مسيئاً على إساءته، وإن كان محسناً على تقصيره.
[*] يقول الإمام ابن القيّم: وهذا كله حق.
واللوامة نوعان: لوامة ملومة، ولوامة غير ملومة.
اللوامة الملومة: هي النفس الجاهلة الظالمة، التي يلومها الله وملائكته.
اللوامة غير الملومة: وهي التي لا تزال تلوم صاحبها على تقصيره في طاعة الله - مع بذله جهده – فهذه غير ملومة وأشرف النفوس من لامت نفسها في طاعة الله، واحتملت ملام اللوام في مرضاته، فلا تأخذها في الله لومة لائم، فهذه قد تخلصت من لوم الله، وأما من رضيت بأعمالها ولم تلم نفسها، ولم تحتمل في الله ملام اللوام، فهي التي يلومها الله .
ثالثاً: النفس الأمارة السوء:
وهذه النفس المذمومة، فإنها تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها، فما تخلص أحد من شرها إلا بتوفيق الله، كما قال تعالى حاكياً عن أمرأة العزيز:
﴿وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (يوسف: الآية ٥٣).
[*] قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره:
تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى؛ ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء،
﴿إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي: إلا من عصمه الله تعالى، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أهـ
وقال : ﴿ولولاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (النور: من الآية ٢١).
وكان ﷺ يعلمهم خطبة الحاجة: كما في الحديث الآتي: (
стр. 5371
(حديث ابن مسعود الثابت في صحيح السنن الأربعة) علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة (الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يقرأ ثلاث آيات
*يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون >!! <
* يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا >!! <
* يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون >!! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما >!
فالشر كامنٌ في النفس، وهو يوجب سيئات الأعمال، فإذا خلى الله بين العبد وبين نفسه هلك بين شرها، وما تقتضيه من سيئات الأعمال وإن وفقه الله وأعانه نجا من ذلك كله.
فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
وخلاصة القول: إن النفس واحدة تكون: أمارة، ثم لوامة، ثم مطمئنة وهي غاية كمالها وصلاحها.
والنفس المطمئنة قرينها الملك، يليها، ويسددها، ويقذف فيها الحق، ويرغبها فيه، ويريها حسن صورته ويزجرها عن الباطل ويزهدها فيه، ويريها قبح صورته، وبالجملة فما كان لله وبالله فهو من عند النفس المطمئنة، وأما النفس الأمارة فجعل الشيطان قرينها، وصاحبها الذي يليها، فهو يعدها، ويمنيها، ويقذف فيها الباطل، ويأمرها السوء، ويزينه لها، ويطيل في الأمل، ويريها الباطل في صورة تقبلها وتستحسنها.
فالنفس المطمئنة والملك يقتضيان من النفس المطمئنة: التوحيد، والإحسان والبر والتقوى، والتوكل والتوبة، والإنابة والإقبال على الله، وقصر الأمل، والإستعداد للموت وما بعده.
стр. 5372
والشيطان وجنده من الكفرة يقتضيان من النفس الأمارة ضد ذلك وأصعب شيء على النفس المطمئنة تخليص الأعمال من الشيطان ومن الأمارة فلو وصل منها عمل واحد لنجا به العبد، ولكن أبت الأمارة والشيطان أن يدعا له عملاً واحداً يصل إلى الله، كما قال بعض العارفين بالله وبنفسه " والله لو أعلم أن لى عملاً واحداً وصل إلى الله لكنت أفرح بالموت من الغائب يقدم على أهله"، وقال عبد الله بن عمر ﵁: " لو أعلم أن الله قبل منى سجدة واحدة لم يكن غائب أحب إلى من الموت ".
وقد انتصبت الأمارة في مقابلة المطمئنة، فكلما جاءت به تلك من خير ضاهتها هذه وجاءت من الشر بما يقابله حتى تفسده عليها، وتريه حقيقة الجهاد في صور تقتيل النفس، وتنكح الزوجة، ويصير الأولاد يتامى ويقسم المال وتريه حقيقة الزكاة والصدقة في صورة مفارقة المال ونقصه، وخلو اليد منه، واحتياجه إلى الناس، ومساواته للفقير.
(علاج مرض «استيلاء النفس على القلب»:
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان:
إن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء. وأول ما تنال القلب.
وقد كان رسول الله ﷺ يقول فى خطبة الحاجة:
"الحمدُ لله نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهدِيهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا".
وقد استعاذ ﷺ من شرها عموما، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال.
(حديث أبي بكر الصديق ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أنه قال: يارسول الله، مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت، وإذا أمسيت قال: "" قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شىء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، «أعوذ بك من شر نفسي، وشرِ الشيطان وَشِرْكِهِ»، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِى سُوءًا أَوْ أَجرهُ إِلَى مُسْلِمٍ،"" قال: "" قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ.
(وقال أيضاً: وقد اتفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن «النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب»، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها.
стр. 5373
فإن الناس على قسمين:
(قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها.
(وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم.
قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الحياةَ الُّدنْيَا * فَإنَّ الجحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى وَأمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنّ الجنَّةَ هِىَ المَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].
فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. «والقلب بين الداعيين»، يميل إلى هذا الداعي مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة و الابتلاء.
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها،
[*] (وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وَتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".
[*] (وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت
تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟. والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه".
وقال قتادة فى قوله تعالى:
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف: ٢٨].
أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه.
[*] (وقال الحسن: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته".
[*] (وقال ميمون بن مهران: "لا يكون العبد تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوَّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك".
(وقال ميمون بن مهران أيضاً: "إن التقى أشد محاسبة لنفسه من سلطان عَاصٍ، ومن شريك شحيح".
стр. 5374
[*] (وذكر الإمام أحمد عن وهب بن منبه قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماماً للقلوب" وقد روى هذا مرفوعًا من كلام النبى ﷺ . رواه أبو حاتم وابن حبان وغيره.
[*] (وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثم يقول: حس يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ويبكى.
[*] (وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: "حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة".
[*] (وقال الحسن: "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك. وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفى بصره، وفى لسانه، وفى جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله".
[*] (قال مالك بن دينار: "رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله ، فكان لها قائدا".
(وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
стр. 5375
فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها فى حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران: ٣٠].
باب حسن الظن بالله:
[*] (عناصر الباب:
(حسن الظن بالله يستلزم حسن العمل:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(حسن الظن بالله يستلزم حسن العمل:
[*] قال ابن القيم ﵀:
ولا ريب أن حسن الظن بالله إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه، أنه يجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته، وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه، وهذا موجود في الشاهد فإن العبد الآبق المسيء الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبداً، فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظناً بربه أطوعهم له. كما قال الحسن البصري: (إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل.
وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه، حال مرتحل في مساخطه وما يغضبه، متعرض لِلَعْنَتِه، قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه، وكيف يحسن الظن بربه من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه، ووالى أعداءه، وجحد صفات له، وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر.
وكيف يحسن الظن بمن يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب، وقد قال الله تعالى في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات، وهو السر من القول وَذَلِكُمُ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخَاسِرِينَ [فصلت:٢٣]
стр. 5376
فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيراً مما يعلمون كان هذا إساءة لظنهم بربهم، فأرداهم ذلك الظن. وهذا شأن كل من جحد صفات كماله ونعوت جلاله، ووصفه بما لا يليق به، فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غروراً وخداعاً من نفسه، وتسويلاً من الشيطان، لا إحسان ظنٍ بربه.
فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع كلامه ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه ومسئول عن كل ما عمل، وهو مقيم على مساخطه مضيع لأوامره معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به، هذا أمرٌ مُحال، بل هو فوق ما يخطر ببالٍ أو يدور في الخيال، نعوذ بالله من الخبال، وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأماني.
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي سهل ابن حنيف ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة ﵂ فقالت: لو رأيتما رسول الله في مرض له، وكانت عنده ستة دنانير، أو سبعة دنانير. فأمرني رسول الله أن أفرقها، فشغلني وجع رسول الله حتى عافاه الله، ثم سألني عنها، ما فعلت أكنت فرقت الستة دنانير، فقلت لا والله، لقد كان شغلني وجعك، قالت: فدعا بها فوضعها في كفه، فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده.
(فبالله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله إذا لقوه ومظالم العباد عندهم، فإن كان ينفعهم قولهم: حسناً ظنوننا بك إنك لم تعذب ظالماً ولا فاسقاً، فليصنع العبد ما شاء، وليرتكب كل ما نهاه الله عنه، وليحسن ظنه بالله، فإن النار لا تمسه، فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالعبد، وقد قال إبراهيم لقومه: أَئِفكاً ءَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ [الصافات:٨٧،٨٦] أي ما ظنكم به أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.
(ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن، فكلما حسن ظنه بربه حسن عمله.
стр. 5377
وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، وإن أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: أتيت النبي ﷺ فقلت عليك السلام، فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت، قلت يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس.
وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن.
(ومن أوفى الأدلة التي تُفَرِّقُ بين بين حسن الظن بالله وبين الغرور به قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرجُونَ رَحمَتَ اللَّهُ [البقرة:٢١٨]، فجعل هؤلاء أهل الرجاء، لا البطالين والفاسقين، وقال تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:١١٠] فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها، فالعالم يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه.
(باب غربة الدين:
[*] (عناصر الباب:
(المقصود بغربة الدين:
(أيام الصبر:
(غربة الدين ستزول وسينتشر الإسلام:
وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل:
(المقصود بغربة الدين:
غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق: وهي الغربة التي مدح رسول الله ﷺ أهلها وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبا وأنه سيعود غريبا كما بدأ وأن أهله يصيرون غرباء وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ووقت دون وقت وبين قوم دون قوم ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ولم يدعوا إلى غير ما جاء به وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم فيقال لهم ألا تنطلقون حيث انطلق الناس فيقولون فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل «هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس» وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه.
стр. 5378
وقال الحسن رحمه الله تعالى: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال، الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب.
(ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى اله عليه وسلم التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم.
وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل بل آحادا منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقا حتى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا فزالت تلك الغربة عنهم ثم أخذ في الاغتراب والترحل حتى عاد غريبا كما بدأ بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس «وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة» ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه. وهذه مهلكات ثلاثة كما في الحديث الآتي:
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ثلاث منجيات: خشيةُ الله تعالى في السر و العلانية والعدلُ في الرضا والغضب والقصد في الفقر و الغنى و ثلاث مهلكات: هوى متبع و شحٌ مطاع وإعجاب المرء بنفسه.
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. (
стр. 5379
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس.
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: " طوبى للغرباء , قيل: و من الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناسٌ صالحون قليلٌ في ناسٍ سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ".
مسألة: ما معنى قوله ﷺ بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا؟
(قال ابن رجب رحمه الله تعالى في كشف الكربة في وصف أهل الغربة:
قوله: (بدأ الإسلام غريباً) يريد به أن الناس كانوا قبل مبعثه على ضلالة عامة كما قال النبي ﷺ في حديث عياض بن حمار الذي أخرجه مسلم: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب).
فلما بعث النبي ﷺ ودعا إلى الإسلام لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، وكان المستجيب له خائفاً من عشيرته وقبيلته، يؤذى غاية الأذى، وينال منه وهو صابر على ذلك في الله ، وكان المسلون إذ ذاك مستضعفين يشردون كل مشرد ويهربون بدينهم إلى البلاد النائية كما هاجروا إلى الحبشة مرتين ثم هاجروا إلى المدينة، وكان منهم من يعذب في الله ومنهم من يقتل، فكان الداخلون في الإسلام حينئذ غرباء، ثم ظهر الإسلام بعد الهجرة إلى المدينة وعز وصار أهله ظاهرين كل الظهور، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجاً، وأكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاضدون متناصرون، وكانوا على ذلك في زمن أبي بكر وعمر ﵄، ثم أعمل الشيطان مكائده على المسلمين وألقى بأسهم بينهم، وأفشى بينهم فتنة الشبهات والشهوات، ولم تزل هاتان الفتنتان تتزايدان شيئاً فشيئاً حتى استحكمت مكيدة الشيطان وأطاعه أكثر الخلق، فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما، وكل ذلك مما أخبر النبي ﷺ بوقوعه.
стр. 5380
فأما فتنة الشبهات: فقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه أن أُمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة على اختلاف في الروايات في عدد الزيادات على السبعين، وأن جميع تلك الفرق في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كانت على ما هو عليه وأصحابه ﷺ .
وأما فتنة الشهوات: ففي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم. أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال: أو غير ذلك؟ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون).
وفي " صحيح البخاري " عن عمرو بن عوف عن النبي ﷺ قال: (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم).
وفي " الصحيحين " من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ معناه أيضاً.
ولما فتحت كنوز كسرى على عمر بن الخطاب ﵁ بكى فقال: إن هذا لم يفتح على قوم قط إلا جعل الله بأسهم بينهم. أو كما قال.
وكان النبي ﷺ يخشى على أمته هاتين الفتنتين كما في " مسند الإمام أحمد بن حنبل " عن أبي برزة عن النبي ﷺ قال: (إنما أخشى عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الفتن). وفي رواية: (ومضلات الفتن).
فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخواناً متحابين متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدنيا وزهرتها وصارت غاية قصدهم، لها يطلبون، وبها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فتقطعوا لذلك أرحامهم وسفكوا دماءهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك.
وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعاً وكفر بعضهم بعضاً، وأصبحوا أعداءً وفرقاً وأحزاباً بعد أن كانوا إخواناً قلوبهم على قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
стр. 5381
وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث: الذين يُصلحون إذا فسد الناس، وهم الذين يُصلحون ما أفسد الناس من السنة، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وهم النزاع من القبائل، لأنهم قلوا، فلا يوجد في كل قبيلة منهم إلا الواحد والاثنان، وقد لا يوجد في بعض القبائل منهم أحدٌ كما كان الداخلون إلى الإسلام في أول الأمر كذلك، وبهذا فسر الأئمة هذا الحديث.
قال الأوزاعي في قوله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ): أما إنه ما يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد.
ولهذا المعنى يوجد في كلام السلف كثيراً مدح السنة ووصفها بالغربة ووصف أهلها بالقلة، فكان الحسن ﵀ يقول لأصحابه: يا أهل السنة! ترفقوا - رحمكم الله - فإنكم من أقل الناس.
وقال يونس بن عبيد: ليس شيء أغرب من السنة وأغرب منها من يعرفها.
وروي عنه أنه قال: أصبح من إذا عرف السنة فعرفها غريباً وأغرب منه من يعرفها.
وعن سفيان الثوري قال: استوصوا بأهل السنة فإنهم غرباء.
ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات.
ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول: أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال.
وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه ﵃.
ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم السنة عبارة عما سَلِمَ من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم والمخالف فيه على شفا هلكة.
وأما السنة الكاملة فهي الطريق السالمة من الشبهات والشهوات كما قال الحسن ويونس بن عبيد وسفيان والفضيل وغيرهم، ولهذا وُصِفَ أهلُها بالغربة في آخر الزمان لقلتهم وغربتهم فيه، ولهذا ورد في بعض الروايات كما سبق في تفسير الغرباء: (قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، من يعصهم أكثر ممن يطيعهم) وفي هذا إشارة إلى قلة عددهم وقلة المستجيبين لهم والقابلين منهم وكثرة المخالفين لهم والعاصين لهم.
ولهذا جاء في أحاديث متعددة مدح المتمسك بدينه في آخر الزمان وأنه كالقابض على الجمر، وأن للعامل منهم أجر خمسين ممن قبلهم، لأنهم لا يجدون أعواناً في الخير. أهـ
стр. 5382
(أيام الصبر:
هي تلك الأيام التي جُعِلَ للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه أجر خمسين من الصحابة.
هي أيام الابتلاء في الدين والشهوات المستعرة والشبهات المستحكمة ومع ذلك المرء صابر لدينه. فسماها أيام الصبر لأنه لا يستعمل فيها إلا الصبر ولا حلّ إلا الصبر والصبر هو القائد وهو الملاذ والحصن الحصين، الذي من دخله عُصِم ..
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي ثعلبة الخُشَنِّي ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم. قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إن من ورائكم زمان صبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيدا منكم.
مسألة: ما هو سر هذا الأجر العظيم في أيام الصبر؟
[*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين:
стр. 5383
وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه وفقها في سنة رسوله وفهما في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط «فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه وإزرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه» كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه فأما إن دعاهم إلى ذلك وقدح فيما هم عليه فهنالك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله فهو غريب في دينه لفساد أديانهم غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم غريب في نسبته لمخالفة نسبهم غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا فهو عالم بين جهال صاحب سنة بين أهل بدع داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف.
فصل النوع الثاني من الغربة غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل.
وأهل الفجور بين أهل الحق فهي غربة بين حزب الله المفلحين وإن كثر أهلها فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم أهل وحشة على كثرة مؤنسهم يعرفون في أهل الأرض ويخفون على أهل السماء.
(غربة الدين ستزول وسينتشر الإسلام:
غربة الدين ستزول وسينتشر الإسلام انتشار النار في الهشيم قطعاً حتى يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إِلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل:
(حديث تميم ابن أوس الداريِّ ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: «ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يترك الله بيت مَدَر ولا وَبَر إِلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو بذلِّ ذليل، عزّاً يعز الله به الإِسلامَ وأهلَه وذلا يذل الله به الكفر»
(مَدَر) تراب ملبد أو قطع طين يابسة أو نحو ذلك
(وَبَر) صوف.
[*] قال الألباني رحمه الله تعالى:
ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم و مادياتهم و سلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر
و الطغيان.
وفي هذا الحديث بيان أن الظهور المذكور في الآية لم يتحقق بتمامه، وإنما يتحقق في المستقبل، ومما لا شك فيه أن دائرة الظهور اتسعت بعد وفاته ﷺ في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولا يكون التمام إلا بسيطرة الإسلام على جميع الكرة الأرضية، وسيتحقق هذا قطعاً لإخبار الرسول ﷺ بذلك.
стр. 5384
كتاب الآداب
إن الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَ لَه ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَه، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار شهادةٌ أدخرها ليومٍ تذهل فيه العقول وتشخصُ فيه الأبصار شهادةٌ أرجو بها النجاةَ من دار البوار وأؤمل بها جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، هو الأولُ فليس قبله شيء والآخرُ فليس بعده شيء والظاهر فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء، ليس كمثلهِ شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أن محمد عبده ورسوله المصطفى المختار الماحي لظلام الشرك بثواقب الأنوار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار صلاةً تدوم بتعاقب الليل والنهار.
(يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:١٠٢]
(يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء/ ١]
(يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب ٧٠ - ٧١]
أما بعد
стр. 5385
لما كان الداعية إلى الله تعالى يحتاج إلى الزهد حاجةً مُلِّحَةً مَاسَّةً لأن الزهد ليس من نافلة القول، بل هو أمر لازم لكل من أراد رضوان الله تعالى والفوز بجنته، فالزهد طريق النجاة، وسلم الوصول، ومنهاج القاصدين، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وطريق السالكين إلى مرضاة رب العالمين، والزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين ودربُ من دروب عباد الله الصالحين، وهو مسلكٌ شريف لنيل حب الله تعالى الذي هو منتهى أمل العبد وأقصى غايته لأنه من نال حب الله تعالى نال السعادة في الدارين، فنيل محبة الله تعالى هو الغاية القصوى وغايةُ النهاية من المقامات، والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، وهو مسلك للتأسي بالنبي ﷺ لأن النبي ﷺ كان إمام العابدين وسيد الزاهدين، والزهد كذلك هو سبيل النجاة من حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة ومصدر كل شر وأساس كل بلية، وهو أكبر عَوْنٍ بعد الله تعالى في الرغبة في الآخرة إذ لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، فالدنيا دار سفر لا دار إقامة، ومنزل عبور لا موطن حبور، وينبغي للمؤمن أن يكون فيها على جناح سفر، يهيئ زاده ومتاعه للرحيل المحتوم، والسعيد من وُفَّق لرؤية الأشياء على حقيقتها واتخذ لهذا السفر زاداً يبلغه إلى رضوان الله تعالى والفوز بالجنة والنجاة من النار.
стр. 5386
(ولما كان المسلمون بأسرهم المتعلم منهم والأمي والمتحضر والبدوي والمدنَّي والقروِّي يحتاجون حاجةً مُلًّحةً ماسَّة إلى ما يُرَقَّق قلوبهم ويتسبب في خشوعها وإنابتها إلى ربها في زمن قست فيه القلوب، وظهرت فيه الذنوب، ولم يستحي الكثير من علام الغيوب فطفقوا يبارزونه بالإثم والحوب، وفي وقت كثرت فيه الدعوات الأرضية المضلة، واشتد فيه الظلام وظهر الباطل على الحق ظهورا آنيا، وسيطرت فيه المادية حتى تغيرت كثير من القيم السامية، فما أشد حاجة العبد المسلم إلى الرقائق التي تثبت قلبه في زمن حار فيه الكثير من الناس فانغمسوا في القيم الهابطة التي غزت العقول والقلوب والمجتمعات، فقد أصبحنا نعيش في مجتمع طغت عليه المادية وانتشرت الشهوات بكل لون وفي كل وقتٍ وحين حتى صار الإنسان غارقاً في الشهوات إلى الأذقان وبلغ فسقه عنان السماء ـ إلا ما رحم ربي ـ، فأصبحنا في أيام الصبر الذي أخبر عنها النبي ﷺ في الحديث الآتي:
(حديث أبي ثعلبة الخُشَنِّي ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ قال: إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم. قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم.
стр. 5387
ـ وأيام الصبر هي أيام الإبتلاء في الدين والشهوات المستعرة والشبهات المستحكمة ومع ذلك المرء صابر لدينه. فسماها أيام الصبر لأنه لا يستعمل فيها إلا الصبر ولا حلّ إلا الصبر، والصبر هو القائد وهو الملاذ والحصن الحصين، الذي من دخله عُصِم ـ بخلاف من كان قبلنا كانوا يعيشون في محيطٍ إسلامي والمنكرات تُسْتَتَر، أما الآن فالمنكرات كثرة مما يزيد من احتمال تأثر المؤمن بها من حيث لا يريد، فتكون الرقائق بمثابة الوقود التي تعطي المسلم طاقة في مواجهة هذه المنكرات، لأن الرقائق تعطي قوة دفع للمسلم لامتثال ما يؤمر به والانتهاء عما ينهى عنه، فمثلا كان أول ما أنزل ذكر الجنة والنار وما فيهما وما أعد لأهلهما، ثم نزلت الأحكام بعد أن تهيأت النفوس للقبول، تقول عائشة: "أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمرة أبدا"، فالرقائق تقوي الإيمان الذي يعين المسلم على الثبات في مواجهة الشهوات، ومن المعلوم أن الشهوات سببت ضعف إيمان كثير من المسلمين لأن مخاطبة العقل وحده قد لا تكفي ما لم تكن ممزوجة بإثارة العاطفة، إذ أن مخاطبة العقل وحده قد لا تنتج إلا معلومات نظرية جافة لا حياة فيها، أما مخاطبة العقل والعاطفة فتؤدي إلى الإقناع والتطبيق العملي، ثم إن العناية بالرقائق تجنب طالب العلم بإذن الله الإصابة بالأمراض الفتاكة التي تفتك بدين المسلم كآفة العجب أو الحسد أو الهوى أو غيرها والعياذ بالله.
стр. 5388
(ولما كان المسلم بحاجة ماسةٍ إلى سلوك الأدب وتحقيقه بين الأفراد لأن الناس إذا تحلوا بمراعاة الأدب بينهم حصل الاطمئنان والأمن بينهم، فحقوقهم مكفولة وسمعتهم محترمة ومكانتهم محفوظة، فيطمئنون على أنفسهم لأن الأدب ينزع الأحقاد من صدور الناس وإذا التزم الناس بالآداب الشرعية صَفت النفوس فسادت الأخوّة والمحبة والألفة المجتمع، ثم إن الداعيةُ إلى الله تعالى يحتاجُ إلى التحلي بالآداب سيراً على منهج السلفِ الصالحِ في التعلم حيث كان منهجهم في التعلم (أن يتلقوْا العلمَ مع الأدب) لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه لأن الأدب طريقُ العلم النافع: فطالب العلم لن ينال العلم وبركته بدون أدب لأن العلمَ بلا أدبٍ يجني على صاحبه ويُهلكه، وقد حذّر السلف كثيراً من طلب العلم بدون أدب، فقال الإمام البوشنجي الفقيه المالكي (ت:٢٩١هـ) (من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٨٦) للذهبي، وأورد الإمام بن الجزري في غاية النهاية في طبقات القُراء عن ابن المبارك قال: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم، أورد ابن الجوزي في صفة الصفوة عن ابن المبارك قال: كاد الأدب يكون ثلثي العلم،،وقال بكر أبو زيد في حلية طالب العلم صـ٦ (لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلّي بمحاسن الأدب ومكارم الأخلاق سِمةُ أهل الإسلام وأن العلم لا يصل إليه إلا المُتحلي بآدابه المتخلي عن آفاته) أهـ، فالحاصل أن الأدب مهم جداً للفرد وللمجتمع وخاصةً طالب العلم، وإنما أعني بالآداب أدب الدين والدنيا لأن َأَعْظَمُ الأمور خَطَرًا وَقَدْرًا وَأَعُمُّهَا نَفْعًا وَرِفْدًا مَا اسْتَقَامَ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا وَانْتَظَمَ بِهِ صَلاَحُ الآخرة والأولى؛ لِأَنَّ بِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ، وَبِصَلاَحِ الدُّنْيَا تَتِمُّ السَّعَادَةُ.
стр. 5389
لهذه الأسبابِ الثلاثةِ مجتمعة رأيت أن أقدم هذا الجهدَ المُقل المسمى (فَصْلُ الخِطَابِ في الزُهْدِ والرَقَائِقِ والآداب) مبتدأ بـ (الزهد) ثم (الرقائق)، ثم أنتقل إلى (الآداب) ليتحلى بها طالب فيكون الداعيةُ إلى الله بعد دراسته لهذا الكتاب قد عمل على تزكية نفسه وتهذيبها فيكون زاهداً رقيقَ القلبِ متحلياً بالآداب مما يُؤهله إلى الدعوة إلى الله على بصيرة امتثالاً لقوله تعالى: (قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [سورة: يوسف - الآية: ١٠٨].
(عملي في هذا الكتاب:
(١) إيراد لُباب النقول من الكتب الفحول في الزهد والرقائق والآداب، بادئاً بكتاب الزهد فأقدم زُبْدَةَ مسائله في إيجازٍ غيرِ مُخِّل فَأُبَيِّنُ حقيقة الدنيا وذم التنافس على الدنيا ثم أقسام الناس في حبهم للدنيا وبيان أضرار حب الدنيا ثم بيان حقيقة الموت ثم أورد تعريف الزهد وبيان حقيقة الزهد ودرجات الزهد وأقسامه وحكم الزهد وفضائل الزهد وحاجة الناس إلى الزهد وبيان كيف يزهد العبد في الدنيا ويرغب في الآخرة وما هي خصال الزهد وعلامات الزهد و متعلقات الزهد وما ليس بزهد وَيُتَوَهَمُ أنه زهد ثم أختم كتاب الزهد ببيان الأسباب المعينة على الزهد في الدنيا.
(ثم أنتقل إلى كتاب الرقائق فأقدم زُبْدَةَ مسائله تعريفاً وَحُكْمَاً في إيجازٍ غيرِ مُخِّل، فأقوم بتعريف الرقائق ثم بيان حاجة الناس إلى الرقائق، ثم بيان الأشياء التي تسبب رقة القلب من معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته واقتضاء هذه المعرفة لآثار هذه الأسماء الحسنى والصفات العلا من العبودية، وذكر الجنة والنار، وذكر الموت وما بعده من عذاب القبر ونعيمه، والتفكر في أهوال يوم القيامة، وزيارة القبور وما لها من أثر بالغ في ترقيق القلوب، واستحضار سوء الخاتمة وحسنها، وتذكر الذنوب السابقة، ومعرفة الدنيا وما جُبِلَت عليه من التقلب، والتفكر في آيات الله الكونية، ومجالسة الصالحين، والاستكثار من الأعمال الصالحة، ثم أتطرق إلى تزكية النفوس وهو من أعظم أبواب الرقائق لأنه يحصل بتزكية النفس تطهيرها وتطييبها، حتى تستجيب لربها وتفلح فى دنياها وآخرتها كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٩،١٠).
стр. 5390
مما يعمل على ترقيق القلب لا محالة، فأورد صفوة مسائل تزكية النفوس مبتدأً بشرطي قبول العمل، ثم فضل العلم والعلماء، وحكم تعلم العلم و آداب طالب العلم، ثم أنواع القلوب وأقسامها، و سموم القلب الأربعة، و أسباب حياة القلب وأغذيته النافعة من ذكر الله وتلاوة القرآن والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ والدعاء، ثم قيام الليل وفضله، ثم أحوال النفس ومحاسبتها، ثم التفكر، ثم الصبر والشكر، ثم التوكل، ثم مقامات الإيمان من المحبة والخوف والرجاء، ثم التوبة، ثم التقوى، ثم الورع وترك الشبهات، وغيرها.
стр. 5391
(ثم أنتقل إلى كتاب الآداب فأقدم زُبْدَةَ مسائله تعريفاً وَحُكْمَاً في إيجازٍ غيرِ مُخِّل، فأقوم بتعريف الأدب، ثم بيان منزلته وفضله، وبيان حاجتنا إلى الأدب، وما هي مراتبه وأنواعه وكيف نكتسب الأدب الشرعي، وإنما أعني بالآداب أدب الدين والدنيا لأن َأَعْظَمُ الأمور خَطَرًا وَقَدْرًا وَأَعُمُّهَا نَفْعًا وَرِفْدًا مَا اسْتَقَامَ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا وَانْتَظَمَ بِهِ صَلاَحُ الآخرة والأولى؛ لِأَنَّ بِاسْتِقَامَةِ الدِّينِ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ، وَبِصَلاَحِ الدُّنْيَا تَتِمُّ السَّعَادَةُ، ثم أقوم بشرح كل أدب على حدة في إيجازٍ غير مُخِل، وما أحَسَنَ تقسيم الإمام الماوردي رحمه الله تعالى في ذلك في كتاب أدب الدين والدنيا، فإنه كتاب عظيم النفع جداً في الآداب فقد جذبني إليه إنجذاب الحديد للمغناطيس مما جعلني أصنف كتاب الآداب على تصنيفه على أبواب خمسة هي: الْبَابُ الأوَّلُ فَضْلُ الْعَقْلِ وَذَمُّ الْهَوَى، الْبَابُ الثَّانِي أَدَبُ الْعِلْمِ، الْبَابُ الثَّالِثُ أَدَبُ الدِّينِ، الْبَابُ الرَّابِعُ أَدَبُ الدُّنْيَا، الْبَابُ الْخَامِسُ أَدَبُ النَّفْسِ، غير أني لم أقتصر على ما فيه من علم رغم سعة علمه وغزارة فهمه ودقة استنباطه بل أضفت إليه زُبدة كتب الآداب مثل الآداب الشرعية لابن مفلح، لباب الآداب لأسامة بن منقذ ﵀ توفي سنة (٥٨٤)، الأدب المفرد للإمام البخاري ﵀، وأخلاق النبي ﷺ وآدابه للحافظ بن حيان الأصبهاني (توفي ٣٦٩هـ) محقق في أربعة مجلدات، وكتاب الآداب لفؤاد بن عبد العزيز الشلهوب، وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (توفي ٧٥١هـ)، وغيرها فاجتمع عندي لُباب النقول من الكتب الفحول، أسأل الله تعالى أن يُلْبسها حُلل القبول وأن يرزقني وإياكم الثواب المأمول إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 5392
(٢) إن هذا الكتاب خلاصةٌ انتَخَلْتها وزبدةٌ استخلصتها بفضل الله تعالى ومعونته وَمِنَتِه من صفوة الكتب في الزهد والرقائق والآداب، عدا كتب التفسير والحديث والفقه ونحوها، جمعت منها غرر الفوائد، ودرر الفرائد، وأخذتُ منها لباب النقول من الكتب الفحول، أهديها لكل ِلسَانٍ سَؤوْلٍ وَقَلْبٍ عَقُولٍ، سائلاً الله تعالى أن يُلْبِسَها حُلَل القبول وأن يرزقني وإياكم الثواب المأمول، وهآنذا أضع هذا الجهد المُقِل بين يدي القارئ الكريم من باب الذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، يجد فيه وصايا ذهبية صادرة عن إخلاصٍ وحُسنِ طوية لكل من أراد أن تكون نفسه زاكيَةً عليَّةً، تقيةً نقيةً عفيفةً حييًّةً حرةً أبيَّة مُشَمِّراً في الطاعة حتى تأتيه المَنِيِّة، راجياً منه أن يُعِرْها سمعه وَفِكْرَه وأن تجد له في سمعه مسمعاً وفي قلبه موقِعاً عسى الله أن ينفعه بها ويُوَفِقْه إلى تطبيقها.
(٣) أنني لا أورد حديثاً إلا عزوته إلى بعض الكتب الصحيحة على المنهج الآتي: (
стр. 5393
ما كان في الصحيحين أو أحدهما أكتفي بتخريجه منهما أو من أحدهما لتلقي الأمة لهما بالقبول، وما لم يكن في الصحيحين أو أحدهما أعزوه إلى صحيح السنن الأربعة إن كان موجوداً بها كلها، وإن كان موجوداً في بعضها فإنني أعزوه إلى كتابين فقط منهم وإن كان موجوداً في ثلاث، وإن كان موجوداً في كتاب واحد منهم أعزوه إليه، وهكذا تجدني أيها القارئ الكريم أُقَدِّمُ الكتبَ الستةَ على غيرها لأنها عماد طالب العلم في الحديث ـ بعد الله تعالى ـ، وما لم يكن في الكتب الستة فإنني أعزو الحديث إلى غيرها من الكتب الصحيحة مثل صحيح الجامع، صحيح الأدب المفرد، السلسلة الصحيحة، صحيح الترغيب والترهيب، صحيح السيرة النبوية، كما أنك تجدني أيها القارئ الكريم أحيل في تصحيح الحديث وتضعيفه على العلامةِ الضياءِ اللامعِ والنجم الساطع الشيخ الألباني ﵀، ونحن حينما نحيل على الشيخ الألباني فإننا ـ ولاشك ـ نُحِيْلُُ على مليٍّ لأنه كوكبُ نظائره وزهرةُ إخوانه في هذا الشأن في زماننا، هذا العالم الجليل الذي وسَّع دائرةَ الاستفادةِ من السنة بتقديمه مشروع (تقريب السنة بين يدي الأمة) ذلك المشروع الذي بذل فيه أكثر من أربعين سنة، ومن أراد أن يعرف هذه الفائدة العظيمة فلينظر على سبيل المثال إلى السنن الأربعة التي ظلَّت مئات السنين محدودة الفائدة جداً حيث كانت الاستفادة منها مقتصرة على من كان له باع في تصحيح الحديث وتضعيفه ولكن بعد تقديم الشيخ الألباني لصحيح السنن الأربعة اتسعت دائرة الاستفادة حتى تعم كل طالب أراد أن يستفيد، وهذا ولا شك فائدة عظيمة جداً عند من نور الله بصيرته وأراد الإنصاف، ومن المؤسف في زماننا هذا أن نرى بعض طلبة العلم ممن لا يقام لهم وزناً في العلم يتطاولون على الشيخ الألباني ويجترئون عليه ويترقبون له الهفوات ويتصيدون له الأخطاء ويلتمسون العثرات ليشهروا به، وهذا ـ ولا شك ـ يدل على فسادِ النية وسوء الطوية وسقامةِ الضمائر ولؤم السرائر ويدل كذلك على أن قلبه أخلى من جوف البعير، إذ لو تعلم العلم لَعَلِمَ أن من أدب العلم التوادَ فيه، ولقد كان ابن عباس – ﵄ يأخذ بركاب زيد ابن ثابت ﵁ ... ـ ويقول هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء، وكان الشافعي ﵀ يقول لعبد الله ابن الإمام أحمد: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل يوم عند السحر، ولا أدري كيف سوَّلت لهم أنفسهم أن يتطاولوا على عالمٍ صاحب حديث
стр. 5394
رسول الله أكثر من نصف قرن؟!، أما كان يجب عليهم أن يدعوا له في كل سجدةٍ يسجدونها لله تعالى جزاءاً لما وفقه الله تعالى في هذا العمل الجليل تجاه السنة المُشَرَّفة بدلاً من أن يتجرئوا عليه، نعوذ بالله تعالى من الخبال!، ثم ماذا ينقمون عليه؟! فقد كان رحمه الله تعالى من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء وحراس العقيدة وحماة السنة وأشياع الحق وأنصار دين الله ، حاملُ لواء السنة وناصرها وقامع البدعة ودامغها، صدر الزمان، محيي الدين، قطب الإسلام، كان الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعضُ عليهما بالنواجذ، وكان رحمه الله تعالى شهاباً ثاقباً ونجماً ساطعاً وبدراً طالعاً وسهماً نافذاً، وكان كوكبَ نُظَرَائه وزهرةَ إخوانه، تفوح منه علامات اليُمْنِ وأمارات الخير ورائحة التوفيق والسداد، واحد زمانه، وإمام عصره وأوانه، العالم الحبر، ذو الأحلام والصبر، العلم حليفه، والزهد أليفه، وكان رحمه الله تعالى خزانة علم فكان علمه واسعاً مباركا كالغيث من السماء أينما حل نفع، يتفجَّرُ العلمُ من جوانبه، وتنطِق الحكمةُ من نواحيه، لا يُشَقُ له غُبارٌ في غزارة علمه ودقة استنباطه للفوائد والأحكام وسعة فقهه ومعرفته بأسرار اللغة العربية وبلاغتها، وكان ﵀ ذا همةٍ عاليةٍ تناطح السحاب في طلب العلم فكان يُقْبِلُ على طلب العلم إقبالَ الظامئ على الموردِ العذب فقد أفنى جلَّ عمره في طلب العلم فكان إماماً يقتدى به في ذلك وكان مناراً عظيماً من منارات العلم، مناراً راسيَ القواعد مُشَيَّدَ الأركان ثابتَ الوطائد، الإمام اللبيب، ذو اللسان الخطيب، الشهاب الثاقب، والنصاب العاقب، صاحب الإشارات الخفية، والعبارت الجلية، ذوالتصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، الصوَّام القوَّام، الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن السنية، العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، كان رحمه الله تعالى سراج العباد، ومنار البلاد، رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً تعمُ أرجائه، وتغمده برحمةٍ فوق ما يخطر ببال أو يدور في الخيال، وأنعم عليه برضا الكبير المتعال إنه وليُ ذلك والقادرُ عليه.
،
стр. 5395
ولا أدري كيف يتطاولون على العالم والكتاب والسنة طافحين بما يدل على احترام أهل العلم وتوقيرهم، ألا فليحذر طالب العلم من أن يكون سيئ الخلق ناطحاً للسحاب يترقب للعالم الهفوات ويلتمس العثرات لِيُشَهِّرَ به فإن ذلك ينقصُ من مقدار التقوى عنده مما يكون سبباً في حرمانه من العلم، بل ينبغي لطالب العلم أن يكون كريمَ الطباع حميدَ السجايا مهذبَ الأخلاق سليمَ الصدر مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر إذا تكلم غَنِم وإذا سكت سَلِم وينبغي له أن يعرف أن العالم مع جلالته وسعة علمه قد يخطأ في اجتهاده فإن لكل جوادٍ كبوة ولكل عالمٍ هَفْوَة وسبحان من له الكمال، فلا يكن خطأ العالم سبب لانتقاصك لحقه أو فرصة للنيلِ منه، وليكن نصب عينيك ومحط نظرك وقِبْلة قلبك أن العالم مثابٌ على اجتهاده سواء أصاب أم أخطأ وحسبُك حديث النبي ﷺ الثابت في الصحيحين عن عبد الله ابن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.، ثم عليك بعد ذلك أن تترك العالم هو الذي يحكم على العالم واخرج من بين النسور ولا تناطح السحاب.
(٤) أنا أقدم هذا الكتاب كتمرين لطالب العلم على حفظ المسألة بأدلتها من الكتاب والسنة الصحيحة حتى ينشأ طالب العلم على هذا النحو وحتى يصل إلى أن يكون ذلك طبعاً له لا تكلفاً ويكون الكتاب والسنة له كالجناحين للطائر يتمسك بهما ويعض عليهما بالنواجذ، لأن ذلك سبيل النجاةِ من الضلال لقول النبي ﷺ فيما ثبت في صحيح الجامع عن أبى هريرة ﵁ (تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)
ولسان حاله يقول: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا خالفت الوحيين الشريفيين الكتاب والسنة الصحيحة.
следующие страницы →