أعانهما، وإن استعانا به على معصية لم يعنهما عليها، ورفق بهما في معصيته إياهما بحسن الأدب؛ ليرجعا عن قبيح ما أرادا مما لا يحسن بهما فعله، يصل الرحم، ويكره القطيعة، من قطعه لم يقطعه، ومن عصى الله فيه أطاع الله فيه، يصحب المؤمنين بعلم، ويجالسهم بعلم، من صحبه، نفعه حسن المجالسة لمن جالس، إنْ عَلَّمَ غيره رفق به، لا يعنف من أخطأ ولا يخجله، رفيق في أموره، صبور على تعليم الخير، يأنس به المتعلم، ويفرح به المجالس، مجالسته تفيد خيرا، مؤدب لمن جالسه بأدب القرآن والسنة، إن أصيب بمصيبة، فالقرآن والسنة مؤدبان؛ يحزن بعلم، ويبكي بعلم، ويصبر بعلم، يتطهر بعلم، ويصلي بعلم، ويزكي بعلم ويتصدق بعلم، ويصوم بعلم، ويحج بعلم ويجاهد بعلم، ويكتسب بعلم، وينفق بعلم، وينبسط في الأمور بعلم، وينقبض عنها بعلم قد أدبه القرآن والسنة، يتصفح القرآن؛ ليؤدب به نفسه، لا يرضى من نفسه أن يؤدي ما فرض الله بجهل، قد جعل العلم والفقه دليله إلى كل خير إذا درس القرآن فبحضور فهم وعقل، همته إيقاع الفهم لما ألزمه الله: من اتباع ما أمر، والانتهاء عما نهى، ليس همته متى أختم السورة؟ همته متى أستغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين؟ متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين؟ متى أكون من الخائفين؟ متى أكون من الراجين؟ متى أزهد في الدنيا؟ متى أرغب في الآخرة متى أتوب من الذنوب؟ متى أعرف النعم المتواترة؟ متى أشكره عليها؟ متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أفقه ما أتلو؟ متى أغلب نفسي على ما تهوى؟ متى أجاهد في الله حق الجهاد؟ متى أحفظ لساني؟ متى أغض طرفي؟ متى أحفظ فرجي؟ متى أستحي من الله حق الحياء؟ متى أشتغل بعيبي؟ متى أصلح ما فسد من أمري؟ متى أحاسب نفسي؟ متى أتزود ليوم معادي؟ متى أكون عن الله راضيا؟ متى أكون بالله واثقا؟ متى أكون بزجر القرآن متعظا؟ متى أكون بذكره عن ذكر غيره مشتغلا؟ متى أحب ما أحب؟ متى أبغض ما أبغض؟ متى أنصح لله؟ متى أخلص له عملي؟ متى أقصر أملي؟ متى أتأهب ليوم موتي وقد غيب عني أجلي؟ متى أعمر قبري، متى أفكر في الموقف وشدته؟ متى أفكر في خلوتي مع ربي؟ متى أفكر في المنقلب؟ متى أحذر مما حذرني منه ربي من نار حرها شديد وقعرها بعيد وعمقها طويل، لا يموت أهلها فيستريحوا، ولا تقال عثرتهم، ولا ترحم عبرتهم، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم، كلما نضجت جلودهم
стр. 5742
بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، ندموا حيث لا ينفعهم الندم، وعضوا على الأيدي أسفا على تقصيرهم في طاعة الله، وركونهم لمعاصي الله فقال، منهم قائل: يا ليتني قدمت لحياتي، وقال قائل: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، وقال قائل: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقال قائل: يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وقالت فرقة منهم ووجوههم تتقلب في أنواع العذاب فقالوا: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، فهذه النار يا معشر المسلمين يا حملة القرآن، حذرها الله المؤمنين في غير موضع من كتابه، فقال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاّ يَعْصُونَ اللّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: ٦] و قال تعالى: (وَاتّقُواْ النّارَ الّتِيَ أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ) [آل عمران: ١٣١]
و قال تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: ١٨]
(ثم حذر المؤمنين أن يغفلوا عما فرض عليهم، وما عهده إليهم، ألا يضعوه، وأن يحفظوا ما استرعاهم من حدوده، ولا يكونوا كغيرهم ممن فسق عن أمره، فعذبهم بأنواع العذاب، فقال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: ١٩]
(ثم أعلن الله للمؤمنين أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فقال تعالى: (لاَ يَسْتَوِيَ أَصْحَابُ النّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنّةِ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ) [الحشر: ٢٠] فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض القرآن، فكان كالمرآة، يرى بها ما حسن من فعله، وما قبح منه، فما حذره مولاه حذره، وما خوفه به من عقابه خافه، وما رغبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته، أو ما قارب هذه الصفة، فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته، وكان له القرآن شاهدا وشفيعا وأنيسا وحرزا، ومن كان هذا وصفه، نفع نفسه ونفع أهله، وعاد على والديه، وعلى ولده كل خير في الدنيا وفي الآخرة.
(التحذير ممن قرأ القرآن للدنيا:
(قال الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن:
стр. 5743
فأما من قرأ القرآن للدنيا ولأبناء الدنيا، فإن من أخلاقه أن يكون حافظا لحروف القرآن، مضيعا لحدوده، متعاظما في نفسه، متكبرا على غيره، قد اتخذ القرآن بضاعة، يتآكل به الأغنياء، ويستقضي به الحوائج يعظم أبناء الدنيا ويحقر الفقراء، إن علم الغني رفق به طمعا في دنياه، وإن علم الفقير زجره وعنفه؛ لأنه لا دنيا له يطمع فيها، يستخدم به الفقراء، ويتيه به على الأغنياء، إن كان حسن الصوت، أحب أن يقرأ للملوك، ويصلي بهم؛ طمعا في دنياهم، وإن سأله الفقراء الصلاة بهم، ثقل ذلك عليه؛ لقلة الدنيا في أيديهم، إنما طلبه الدنيا حيث كانت، ربض عندها، يفخر على الناس بالقرآن، ويحتج على من دونه في الحفظ بفضل ما معه من القراءات، وزيادة المعرفة بالغريب من القراءات، التي لو عقل لعلم أنه يجب عليه أن لا يقرأ بها فتراه تائها متكبرا، كثير الكلام بغير تمييز، يعيب كل من لم يحفظ كحفظه، ومن علم أنه يحفظ كحفظه طلب عيبه متكبرا في جلسته، متعاظما في تعليمه لغيره، ليس للخشوع في قلبه موضع، كثير الضحك والخوض فيما لا يعنيه، يشتغل عمن يأخذ عليه بحديث من جالسه، هو إلى استماع حديث جليسه أصغى منه إلى استماع من يجب عليه أن يستمع له، يوري أنه لم يستمع حافظا، فهو إلى كلام الناس أشهى منه إلى كلام الرب ، لا يخشع عند استماع القرآن ولا يبكي، ولا يحزن، ولا يأخذ نفسه بالفكر فيما يتلى عليه، وقد ندب إلى ذلك، راغب في الدنيا وما قرب منها، لها يغضب ويرضى، إن قصر رجل في حقه، قال: أهل القرآن لا يقصر في حقوقهم، وأهل القرآن تقضى حوائجهم، يستقضي من الناس حق نفسه، ولا يستقضي من نفسه ما لله عليها، يغضب على غيره، زعم لله، ولا يغضب على نفسه لله لا يبالي من أين اكتسب، من حرام أو من حلال، قد عظمت الدنيا في قلبه، إن فاته منها شيء لا يحل له أخذه، حزن على فوته لا يتأدب بأدب القرآن، ولا يزجر نفسه عن الوعد والوعيد، لاهٍ غافلٍ عما يتلو أو يتلى عليه، همته حفظ الحروف، إن أخطأ في حرف ساءه ذلك؛ لئلا ينقص جاهه عند المخلوقين، فتنقص رتبته عندهم، فتراه محزونا مغموما بذلك، وما قد ضيعه فيما بينه وبين الله مما أمر به القرآن أو نهى عنه، غير مكترث به، أخلاقه في كثير من أموره أخلاق الجهال، الذين لا يعلمون، لا يأخذ نفسه بالعمل بما أوجب عليه القرآن إذ سمع الله قال: (وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ) [الحشر: ٧]، فكان من
стр. 5744
الواجب عليه أن يلزم نفسه طلب العلم لمعرفة ما نهى عنه الرسول ﷺ فينتهي عنه، قليل النظر في العلم الذي هو واجب عليه فيما بينه وبين الله ، كثير النظر في العلم الذي يتزين به عند أهل الدنيا ليكرموه بذلك، قليل المعرفة بالحلال والحرام الذي ندبه الله إليه، ثم رسوله ليأخذ الحلال بعلم، ويترك الحرام بعلم، لا يرغب بمعرفة علم النعم، ولا في علم شكر المنعم، تلاوته للقرآن تدل على كبره في نفسه، وتزين عند السامعين منه، ليس له خشوع، فيظهر على جوارحه، إذا درس القرآن، أو درسه عليه غيره همته متى يقطع، ليس همته متى يفهم، لا يتفكر عند التلاوة بضروب أمثال القرآن، ولا يقف عند الوعد والوعيد، يأخذ نفسه برضا المخلوقين، ولا يبالي بسخط رب العالمين، يحب أن يعرف بكثرة الدرس، ويظهر ختمه للقرآن ليحظى عندهم، قد فتنه حسن ثناء من جهله يفرح بمدح الباطل، وأعماله أعمال أهل الجهل، يتبع هواه فيما تحب نفسه، غير متصفح لما ذكره القرآن عنه، إن كان ممن يُقْرِئ، غضب على من قرأ على غيره إن ذكر عنده رجل من أهل القرآن بالصلاح كره ذلك، وإن ذكر عنده بمكروه سره ذلك، يسخر بمن دونه، ويهمز بمن فوقه يتتبع عيوب أهل القرآن؛ ليضع منهم، ويرفع من نفسه، يتمنى أن يخطئ غيره ويكون هو المصيب ومن كانت هذه صفته فقد تعرض لسخط مولاه الكريم، وأعظم من ذلك، إن أظهر على نفسه شعار الصالحين بتلاوة القرآن، وقد ضيع في الباطن ما يجب لله، وركب ما نهاه عنه مولاه، كل ذلك بحب الرياسة والميل إلى الدنيا قد فتنه العجب بحفظ القرآن، والإشارة إليه بالأصابع، إن مرض أحد من أبناء الدنيا أو ملوكها، فسأله أن يختم عليه سارع إليه وسر بذلك، وإن مرض الفقير المستور، فسأله أن يختم عليه ثقل ذلك عليه، يحفظ القرآن ويتلوه بلسانه، وقد ضيع الكثير من أحكامه، أخلاقه أخلاق الجُهَّال، إن أكل فبغير علم، وإن شرب فبغير علم، وإن لبس فبغير علم، وإن جامع أهله فبغير علم، وإن نام فبغير علم، وإن صحب أقواما أو زارهم، أو سلم عليهم، أو استأذن عليهم، فجميع ذلك يجري بغير علم من كتاب أو سنة، وغيره ممن يحفظ جزءا من القرآن مطالب لنفسه بما أوجب الله عليه من علم أداء فرائضه واجتناب محارمه، وإن كان لا يؤبه له ولا يشار إليه بالأصابع.
стр. 5745
فمن كانت هذه أخلاقه صار فتنة لكل مفتون؛ لأنه إذا عمل بالأخلاق التي لا تحسن بمثله، اقتدى به الجُهَّال، فإذا عيب الجاهل، قال: فلان الحامل لكتاب الله فعل هذا، فنحن أولى أن نفعله ومن كانت هذه حاله، فقد تعرض لعظيم، وثبتت عليه الحجة، ولا عذر له إلا أن يتوب، وإنما حداني على ما بينت من قبيح هذه الأخلاق؛ نصيحة مني لأهل القرآن ليتخلقوا بالأخلاق الشريفة، ويتجانبوا الأخلاق الدنيئة، والله يوفقنا وإياهم للرشاد. أهـ
(وقد أخبرنا النبي ﷺ أنه سيجئُ أقوامٌ يقيمون القرآن كما يُقام القدحُ يتعجلونه ولا يتأجلونه.
((حديث جابر ابن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح أبي داود) قال: خرج علينا رسول الله ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والأعجمي فقال: اقرؤوا فكلٌ حسن وسيجئُ أقوامٌ يقيمونه كما يُقام القدحُ يتعجلونه ولا يتأجلونه.
(قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود:
(فقال اقرؤوا فكل حسن) أي فكل واحدة من قراءتكم حسنة مرجوة للثوب إذا اثرتم الآجلة على العاجلة ولا عليكم أن لا تقيموا ألسنتكم إقامة القدح وهو السهم قبل أن يراش.
(وسيجيء أقوام يقيمونه) أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته.
(كما يقام القدح) أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة
قال الطيبي وفي الحديث رفع الحرج وبناء الأمر على المساهلة في الظاهر وتحري الحسبة والإخلاص في العمل والتفكر في معاني القرآن والغوص في عجائب أمره.
(يتعجلونه) أي ثوابه في الدنيا.
(ولا يتأجلونه) بطلب الأجر في العقبى بل يؤثرون العاجلة على الآجلة. أهـ
((حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى يخاض بالخيل في سبيل الله، ثم يأتي قوم يقرءون القرآن، فإذا قرءوه قالوا: قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منا؟ فمن أعلم منا؟» ثم التفت إلى أصحابه فقال: «هل ترون في أولئك من خير؟» قالوا: لا، قال: «فأولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار.
стр. 5746
(أورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لقد أتى علينا حين وما نرى أن أحدا يتعلم القرآن يريد به إلا الله، فلما كان هاهنا بأخرة، خشيت أن رجالا يتعلمونه يريدون به الناس وما عندهم، فأريدوا الله بقرآنكم وأعمالكم، وإنا كنا نعرفكم إذ فينا رسول الله ﷺ ، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، فأما اليوم فقد مضى رسول الله ﷺ ، وانقطع الوحي، وإنما أعرفكم بما أقول: من أعلن خيرا أجبناه عليه، وظننا به خيرا، ومن أظهر شرا بغضناه وظننا به شرا، سرائركم فيما بينكم وبين الله .
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن ابن عمر، قال: «كنا صدر هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ما معه إلا السورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلا عليهم ورزقوا العمل به، وإن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والأعجمي فلا يعملون به»
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن الحسن قال: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يتأولوا الأمر من أوله، قال الله : (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدّبّرُوَاْ آيَاتِهِ) [ص: ٢٩] وما تدبر آياته إلا اتباعه، والله يعلم، أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله فما أسقط منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما ترى القرآن له من خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفس واحد، والله ما هؤلاء بالقراء ولا الحكماء ولا الورعة، متى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء.
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن ابن مسعود قال: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، ونهاره إذ الناس مفطرون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبتواضعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون.
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن الفضيل بن عياض قال: ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحد من الخلق، إلى الخليفة فمن دون، وأن تكون حوائج الخلق إليه.
стр. 5747
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن الفضيل بن عياض قال: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو قال: وسمعت الفضيل يقول: إنما أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس قراءته عملا، أي ليحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويقفوا عند متشابهه.
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن حذيفة المرعشي أنه كتب إلى يوسف بن أسباط: بلغني أنك بعت دينك بحبتين، وقفت على صاحب لبن فقلت: بكم هذا؟ فقال: هو لك بسدس، فقلت: لا بثمن، فقال: هو لك، وكان يعرفك، اكشف عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموت، واعلم أنه من قرأ القرآن ثم آثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين.
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن ميمون بن مهران قال: «لو صلح أهل القرآن صلح الناس»
(وأورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن الحسن، قال: كنت أمشي مع عمران بن الحصين، أحدنا آخذ بيد صاحبه، فمررنا بسائل يقرأ القرآن، فاحتبس عمران يستمع القرآن، فلما فرغ سأل، فقال عمران: انطلق بنا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن واسألوا الله به، فإن بعدكم قوما يقرءون القرآن، يسألون الناس به»
(هذه الأخبار كلها تدل على ما تقدم ذكرنا له من أن أهل القرآن ينبغي أن تكون أخلاقهم مباينة لأخلاق من سواهم ممن لم يعلم كعلمهم إذا نزلت بهم الشدائد لجئوا إلى الله فيها ولم يلجئوا فيها إلى مخلوق، وكان الله أسبق إلى قلوبهم، قد تأدبوا بأدب القرآن والسنة، فهم أعلام يهتدى بهم؛ لأنهم خاصة الله وأهله (أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: ٢٢]
(٩) الحث على استذكار القرآن وتعاهده:
стр. 5748
استذكار القرآن أي: المواظبة على التلاوة وطلب ذكره. والمعاهدة، أي: تجديد العهد به بملازمته وتلاوته (١). فالمشتغل بحفظ كتاب الله العزيز، والحافظ له، إن لم يتعاهده بالمدارسة والاستذكار، فإن حفظه سيتعرض للنسيان، فالقرآن سريع التفلت من الصدور، ولذا وجب العناية به وكثرة مدارسته وتلاوته، و قد حذرنا الله من الابتعاد عن القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ) [طه / ١٢٤]
فالإعراض عن تلاوته هجران، وعدم التفكر فيه هجران، وكذلك عدم العمل به هجران.
(حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال تعاهدوا القرآن فالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها.
معنى تفصياً: أي تفلتاً
(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كَيْتَ و كَيْتَ بل هو نُسِيَ، واستذكروا القرآن فأنه أشدُّ تفصِّياً من صدور الرجال من النَّعم في عُقُلها.
معنى بل نُسِيَ: أي عوقب بالنسيان لتفريطه في استذكار القرآن.
﴿تنبيه﴾: ( ... نظرا لوجود تشابه في ألفاظ بعض آيات القرآن الكريم أحيانا واختلافها أحيانا أخرى فإن حفظ القرآن قابل للنسيان إن لم يستذكر، لذلك يأمر الرسول ﷺ باستذكار القرآن حفاظا عليه من النسيان.
(وهنا إشارة إلى كراهة نسبة النسيان إلى النفس نظرا لأن هناك معنا آخر للنسيان وهو تعمد إغفال العمل بأحكام الآيات وهذا والعياذ بالله من سيء الأعمال. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (طه من ١٢٤: ١٢٦).
وفي هذا الحديث دليل على أن النسيان أمر محتمل للإنسان وليس بنقص ولكن على الإنسان الجد والحرص على عدم النسيان بالاستذكار. قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ﷺ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى/٧].
стр. 5749
وفي الحديث إشارة إلى مراقبة اللسان من التكلم حتى بكلام يقصد غيره إن كان اللفظ الذي يستخدم يشير إلى أمر فيه إثم أو معصية. فهنا رغم أن النسيان أمر متوقع للإنسان، إلا أن النهي عن نسبة هذا النسيان للنفس على أنه أمر قد قام به الإنسان اختيارا وتعمدا، خشية أن يكون مشمولا بمن تعمد النسيان الذي يشير الله إيه في الآية السابقة. ويشبه ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة /١٠٤]. وذلك لأن اليهود استخدموا لفظة راعنا فنهى الله عن استخدام ذلك اللفظ من قبل المسلمين.
ولقد كان أصحاب النبي ﷺ : يجعلون لأنفسهم نصيبا من القرآن كل يوم , فاحرص على ذلك وتمسك به وعض عليه بالنواجذ , واجعل لنفسك نصيبا يوميا لا تتركه ما دمت حيا مهما كان الأمر , ومهما كانت مشاغل الدنيا، وقليلا دائما خيرا من كثيرا منقطع , وان غفلت فاقضه من الغد كما قال نبينا محمد ﷺ في الحديث الآتي:
(حديث عمر الثابت في صحيح مسلم): أن النبي ﷺ قال: من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر و صلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل.
(ويجب عليه أن يجاهد نفسه في مراجعة القرآن حتى يشربه كشرب اللبن:
(حديث عقبة ابن عامر في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن.
(ومن أحسن الأدوية التي تعين على الحفظ وتبعد الإنسان على النسيان ترك المعاصي:
يقول الإمام الشافعي ﵁:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي
وهنا يؤكد الإمام الشافعي على أن أستاذه وكيعا ينصحه بأن يترك المعاصي بعد أن شكا له سوء حفظه. فمن أصلح ما بينه وبين الله تعالى كان حقا على الله أن يعينه على طاعته ورضاه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت /٦٩].
مسألة: ما حكم نسيان القرآن؟
نسيان الحفظ له أسباب: منها عدم التكرار لشغل طارئ وهذا يحدث لكل فرد وعليه أن يراجع بعد أن يفرغ من شغله.
стр. 5750
ومنها عدم التكرار لشغل مستديم. فإن كان شغله يمنعه من تكرار القرآن وكان شغله من الأهمية بمكان فعليه أن يكابد ويحاول إيجاد الوقت للتكرار ويدعو الله بالمغفرة. أما إن كان عدم التكرار إهمالا وتكاسلا، فهذا من التقصير الذي هو من الذنوب ويخشى أن يكون إثمه كبيرا.
[*] قال الضحاك بن مزاحم: ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلا بذنب يُحدِثُهُ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى /٣٤]. وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب.
أما إذا كان النسيان نتيجة مرض يمنعه من التكرار أو ينُسيه ما حفظ فذلك مما يرجى أن لا يؤاخذه الله به بل ويكتب له ثواب يوم كان يكرر القرآن ويحفظه هذا إذا كان صابرا في مرضه محتسبا ذلك لله.
(١٠) لا تقل نسيت؛ ولكن قل: أُنسيت، أو أُسقطت، أو نُسيت:
ودليل ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقرأ في سورة بالليل فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا كنتُ أُنسيتها من سورة كذا وكذا) وفي رواية عند مسلم: ( ... لقد أذكرني آية كنت أُسقطتها من سورة كذا وكذا) (١). وفي حديث ابن مسعود قال رسول الله ﷺ : (بئس مالأحدهم يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسي) (٢).
(قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:
وفيه [أي الحديث] كراهية قول نسي آية كذا وهي كراهة تنزيه وأنه لا يكره قول أُنسيتها وإنما نهي عن نسيتها لأنه يتضمن التساهل فيها والتغافل عنها، وقد قال الله تعالى: ﴿أتتك آياتنا فنسيتها﴾ وقال القاضي عياض: أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذم الحال لا ذم القول، أي نسيت الحالة حالة من حفظ القرآن فغفل عنه حتى نسيه (٣).
مسألة: ما حكم من حفظ القرآن أو شيئاً منه ثم نسيه؟
стр. 5751
الجواب: قالت اللجنة الدائمة: ... فلا يليق بالحافظ له أن يغفل عن تلاوته ولا أن يفرط في تعاهده، بل ينبغي أن يتخذ لنفسه منه ورداً يومياً يساعده على ضبطه ويحول دون نسيانه رجاء الأجر والاستفادة من أحكامه عقيدة وعملاً، ولكن من حفظ شيئاً من القرآن ثم نسيه عن شغل أو غفلة ليس بآثم ... وما ورد من الوعيد في نسيان ما قد حفظ لم يصح عن النبي ﷺ . وبالله التوفيق (١).
(١١) فضل تدبر القرآن الكريم ومعانيه وأحكامه:
ينبغي عند قراءة القرآن أن يتدبّر القارئ ويتأمل في معاني القرآن وأحكامه، لأن هذا هو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته﴾ [سورة ص: ٢٩].
في هذه الآية بين الله تعالى أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.
وفَقُهَ الصحابةُ ﵃ شرع الله وسنة رسوله فكانوا لا يتعجَّلون مجرد التلاوة دون تدبر، بل كانوا لا يجاوزون عشر آيات حتى يعلموا معانيهن والعمل بهن (رواه الطبري في تفسيره عن ابن مسعود ﵁. ونهى النبي ﷺ عن ختم القرآن في أقل من ثلاث لأنه لن يتحقق تدبره وفقهه.
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث.
(وكان الصحابة ﵃ لا يتعجلون حفظ القرآن (وهو نافلة) دون تدبره (وهو فرض عين)، بل ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ مات ولم يحفظ القرآن من الصحابة غير أربعة على اختلاف في أسماء اثنين منهم، وبمجموع الروايات لا يكاد الحفاظ من الصحابة يتجاوز عددهم العشرة، ووصف غيرهم بالقرَّاء لا يعني حفظه كله.
[*] قال ابن مسعود ﵁: (إنَّا صعب علينا حفظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٧٥.
[*] وقال عبد الله بن عمر ﵄: (كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٧٦.
стр. 5752
(وكانوا يحذرون مما آل إليه الحال اليوم في جميع بلاد المسلمين عربًا وعجمًا؛ فقد أمر عمر ﵁ عامله في العراق أن يفرض للحفاظ في الديوان، فلما بلغه أن سبع مئة حفظوا القرآن قال: (إني لأخشى أن يسرعوا إلى القرآن قبل أن يتفقَّهوا في الدين) وكتب إلى عامله ألا يعطيهم شيئاً (عن مالك في العتبية).
(وكانوا يتعلمون الإيمان قبل القرآن ثم يتعلمون القرآن (كما في الحديث الآتي:
(حديثُ جندب ابن عبد الله صحيح ابن ماجة) قال كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيانٌ حزَاوِرَة، فتعلمنا الإيمانَ قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآنَ فازددنا به إيمانا.
وتَنْزِلُ السورة فيتعلَّمون حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها. (كما في: بيان مشكل الآثار للطحاوي ٤/ ٤٤ عن ابن عمر ﵄.) حتَّى لقد ورد عن عمر ﵁ أنه تعلَّم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة. (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/ ٧٦، ط: دار الكتاب العربي بيروت).
[*] قال الحسن البصري ﵀: (نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً) مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ١٨٧ مكتبة الرياض الحديثة.) [*] وقال ابن القيم ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]: (ذم الله المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني) بدائع التفسير: ١/ ٣٠٠. وذكر الشوكاني ﵀ من تفسيرها: (لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون فهم وتدبر) فتح القدير ١/ ١٠٤.
[*] وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: قال ابن مسعود ﵁: (والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يتأوَّل منه شيئًا على غير تأويله)، وعن عمر ﵁: (هم الذين إذا مروا بآية رحمةٍ سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذابٍ استعاذوا منها). ولم يفسرها أحد من الفقهاء في الدين بالتجويد أو الحفظ مجردًا عن التدبر.
стр. 5753
[*] وقال ابن القيم ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]: (هجر القرآن أنواع)، وذكر منها: (هجر تدبره وتفهمه ومعرفة مراد الله منه) (بدائع التفسير).
[*] وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:
(وترك تدبره وتفهمه من هجرانه) (مهذَّب تفسيره، ط: دار السلام ٦٧٨). وقال ابن القيم ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]: (وهذه المتابعة هي التلاوة التي أثنى الله على أهلها ... فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع ... والمقصود التلاوة الحقيقية وهي تلاوة المعنى واتباعه ... وتلاوة المعنى أشرف من تلاوة اللفظ، وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة) مفتاح دار السعادة ١/ ٤٢.
[*] وقال ابن القيم ﵀: (فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وحلاوة القرآن)،
[*] وروي عن أيوب عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث، قال: (لأن أقرأ سورة من القرآن في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كما تقرأ) ١/ ١٨٧.
[*] وقال ابن تيمية ﵀: (والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين) (مجموع الفتاوى: ٢٣/ ٥٥)
(معنى التدبر:
[*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: التدبر تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله. وقيل في معناه: هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة.
[*] قال السيوطي رحمه الله تعالى: صفة التدبر أن يشغل القارئ قلبه بالتفكر في معنى ما يتلفظ به فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان قصر عنه فيما مضى من عمره اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرع وطلب.
(وصفة ذلك: أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرّع وطلب.
стр. 5754
وقد ورد الحث الشديد في الكتاب العزيز، وفى السنة الصحيحة على التدبر في معاني القرآن والتفكر في مقاصده وأهدافه.
قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ) [محمد / ٢٤]
وفى هذه الآية الكريمة توبيخ عظيم على ترك التدبر في القرآن.
(والسنة الصحيحة طافحةٌ بما يحث على تدبر القرآن منها ما يلي:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
[*] قال علي رضى الله عنه: لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبر فيها.
[*] وقال ابن عباس رضى الله عنهما: لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما، أحب إليّ من أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا.
[*] وقال ابن مسعود رضى الله عنه: من أراد علم الأولين والآخرين، فليتدبر القرآن.
وقد بات الكثير من السلف يتلو أحدهم آية واحدة ليلة كاملة، يرددها ليتدبر ما فيها، وكلما أعادها انكشف له من معانيها، وظهر له من أنوارها، وفاض عليه من علومها وبركاتها.
[*] قال الأحنف بن قيس: عرضت نفسي على القرآن، فلم أجد نفسي بشيء أشبه مني بهذه الآية وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة/ ١٠٢]
﴿تنبيه﴾: (واقعنا هو تطبيق جزء من الحديث وهو التلاوة أما الدراسة والتدبر فهي - في نظر بعضنا - تؤخر الحفظ وتقلل من عدد الحروف المقروءة فلا داعي لها.
(حديث حذيفة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، لا يمر بآيةِ رحمةٍ إلا سأل ولا بآيةِ عذاب إلا استجار.
стр. 5755
(حديث حذيفة ﵁ الثابت في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة فافتتح البقرة ثم المائة فمضى ثم المائتين فمضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فافتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع فقال سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده فكان قيامه قريبا من ركوعه ثم سجد فجعل يقول سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من ركوعه.
(هذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.
وكان النبي ﷺ يهتم اهتماماً بالغاً بتدبر القرآن وكان أحياناً لا يزال يردد آيةً حتى يصبح
(حديث أبي ذر في صحيحي النسائي وابن ماجة) قال قام النبي ﷺ بآيةٍ يرددها حتى أصبح، والآية قال تعالى: (إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
[المائدة / ١١٨]
(فهذا رسول الله ﷺ يقدم التدبر على كثرة التلاوة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة.
وقد تأسى أصحاب النبي ﷺ به في ذلك فردد تميم بن أوس آيةً حتى أصبح والآية هي (أَمْ حَسِبَ الّذِينَ اجْتَرَحُواْ السّيّئَاتِ أَن نّجْعَلَهُمْ كَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَوَآءً مّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) ﴿الجاثية/٢١)
[*] قال محمد بن كعب القرظي:
لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بـ (إذا زلزلت) و (القارعة) لا أزيد عليهما أحب إليَّ من أن أهذَّ القرآن ليلتي هذّاً. أو قال: أنثره نثرا ً.
[*] قال ابن القيم: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر.
стр. 5756
وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وقواطيع الطريق وآفاته، وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة.
فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما يختلف فيه العالم، وتعطيه فرقاناً ونوراً يفرق به بين الهدى والضلال، وتعطيه قوة في قلبه وحياة واسعة وانشراحاً وبهجة وسروراً فيصير في شأن والناس في شأن آخر؛ فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل.
وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها؛ لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتناديه كلما فترت عزماته.
تقدمَ الركبُ، وفاتك الدليل، فاللحاقَ اللحاقَ، والرحيلَ الرحيلَ فاعتصم بالله واستعن به وقل: ﴿حسبي الله ونعم الوكيل.
(إنَّ المؤمن عندما يُحسن قراءة القرآن وتدبره يقف على زاد عظيم من معانيه ودلالاته وهداياته، ونحن في عصرنا الحاضر أحوج ما نكون إلى القرآن العظيم، نتلوه ونتدَّبره، نفهمه ونفسِّره، نحيا به ونتعامل معه، نصلح أنفسنا ومجتمعاتنا على هديه، ونقيم مناهج حياتنا على أسسه ومبادئه وتوجيهاته.
[*] يقول الإمام الآجري رحمه الله تعالى:
ألا ترون رحمكم الله إلى مولاكم الكريم، كيف يحثُّ خلقه على أن يتدبروا كلامه، ومن تدبَّر كلامه عرف الربّ ، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر ممَّا حذَّره مولاه الكريم، ورغب فيما رغَّبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره، كان القرآن له شفاء، فاستغنى بلا مال، وعزَّ بلا عشيرة، وأنس بما يستوحش منه غيره، وكان همُّه عند تلاوة السورة إذا افتتحها: متى أتعظ بما أتلوه؟ ولم يكن مراده: متى أختم السورة؟ وإنَّما مراده: متى أعقل من الله الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأنَّ تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة.
[*] عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال في القرآن الكريم:
стр. 5757
لا تهذوا القرآن هذا لشعر ولا تنثروه نثر الدقل - أي التمر الرديء وفي رواية الرمل - قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
[*] وقال الحسن البصري ﵀:
"الزموا كتاب الله وتتبعوا ما فيه من الأمثال، وكونوا فيه من أهل البصر، رحم الله عبداً عرض نفسه وعمله على كتاب الله، فإن وافق كتابَ الله حمد الله وسأله الزيادة، وإن خالف كتاب الله أعتب نفسه ورجع من قريب".
(إنَّ التمسك بكتاب الله تلاوة وتدبراً، عملاً والتزاماً، سبيلُ السعادة في الدارين الدنيا والآخرة، وطريق الفلاح فيهما،
[*] قال ابن عباس ﵄:
"تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يَضِلَّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ثم قرأ قوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) [طه ١٢٣: ١٢٦]
(وإذا نظرنا في سير الصحابة ومن بعدهم من سلف هذه الأمة؛ نجدهم قد تلقوا هذا القرآن الكريم مدركين مدى الشرف الذي حباهم الله به، فأقبلوا عليه يحفظونه ويرتلونه آناء وأطراف النهار، جعلوه غذاء أرواحهم وقوت قلوبهم وقرة أعينهم، نفذوا أحكامه وأقاموا حدوده وطبقوا شرائعه، طهرت به نفوسهم وصلحت به أحوالهم، ودعوا الناس إليه ورغبوهم فيه.
[*] عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال في القرآن الكريم:
لا تهذوا القرآن هذا لشعر ولا تنثروه نثر الدقل - أي التمر الرديء وفي رواية الرمل - قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
[*] قال عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: (لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين الفاتحة إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده منه، ينثره نثر الدقل!!) ..
стр. 5758
[*] قال الحسن البصري: والله! ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآنُ في خُلُق ولا عمل. قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ... ﴾ النساء: ٨٢.
[*] وقال الحسن أيضاً: نزل القرآن ليُتَدَبَّر ويعمل به؛ فاتخذوا تلاوته عملاً. أي أن عمل الناس أصبح تلاوة القرآن فقط بلا تدبر ولا عمل به.
[*] قال ابن كثير: (يقول الله تعالى آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة: أفلا يتدبرون القرآن)، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب. قال تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾ ...
[البقرة: ١٢١]
روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله.
[*] وقال الشوكاني: يتلونه: يعملون بما فيه، ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر. قال تعالى: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون﴾ [البقرة: ٧٨]
[*] قال الشوكاني: وقيل: (الأماني: التلاوة) أي: لا علم لهم إلا مجرد التلاوة دون تفهم وتدبر.
[*] وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ذم الله المحرفين لكتابه والأميين الذين لا يعلمون منه إلا مجرد التلاوة وهي الأماني. قال الله تعالى: ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا﴾ [الفرقان: ٣٠]
[*] قال ابن كثير:
وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع ... الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
وحتى نتدبر القرآن فعلينا بمراعاة الآتي:
(١) مراعاة آداب التلاوة من طهارة ومكان وزمان مناسبين وحال مناسبة وإخلاص واستعاذة وبسملة وتفريغ للنفس من شواغلها وحصر الفكر مع القرآن والخشوع والتأثر والشعور بأن القرآن يخاطبه.
(٢) التلاوة بتأنٍ وتدبر وانفعال وخشوع، وألا يكون همه نهاية السورة، الوقوف أمام الآية التي يقرؤها وقفةً متأنيةً فاحصةً مكررةً، النظرة التفصيلية في سياق الآية: تركيبها - معناها - نزولها - غريبها – دلالاتها.
(٣) ملاحظة البعد الواقعي للآية؛ بحيث يجعل من الآية منطلقاً لعلاج حياته وواقعه، وميزاناً لمن حوله وما يحيط به.
(٤) العودة إلى فهم السلف للآية وتدبرهم لها وتعاملهم معها والاطلاع على آراء بعض المفسرين في الآية.
стр. 5759
(٥) النظرة الكلية الشاملة للقرآن، الالتفات للأهداف الأساسية للقرآن.
(٦) الثقة المطلقة بالنص القرآني وإخضاع الواقع المخالف له.
(٧) معايشة إيحاءات النص وظلاله ولطائفه، الاستعانة بالمعارف الثقافات الحديثة، العودة المتجددة للآيات، وعدم الاقتصار على التدبر مرة واحدة؛ فالمعاني تتجدد، ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة، التمكن من أساسيات علوم التفسير.
القراءة في الكتب المتخصصة في هذا الموضوع مثل كتاب: (القواعد الحسان لتفسير القرآن) للسعدي، وكتاب (مفاتيح للتعامل مع القرآن) للخالدي، وكتاب (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله لعبد الرحمن حبنكة الميداني، وكتاب (دراسات قرآنية) لمحمد قطب.
(فوائد تدبر القرآن:
(١) التدبر في القرآن غاية من غايات إنزاله: يقول الله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ [ص:٢٩]. ومدح الحق جل وعلا من تدبر وانتفع، فذكر من صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ (الفرقان:٧٣)
(وذم من لا يتدبرون القرآن وأنكر عليهم فقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد٢٤].
(٢) التدبر من علامات الإيمان: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾، ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾
(٣) التدبر يزيد الإيمان: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون﴾.
(٤) تدبر القرآن من النصيحة لكتاب الله، قال ﷺ : (الدين النصيحة)
(حديث تميم ابن أوس الداريِّ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول اللّه قال: للّه وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
стр. 5760
(٥) ترك التدبر يؤدي إلى قسوة القلب: قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: ١٦]. وهو من أنواع هجر القرآن الذي شكاه النبي ﷺ لربه: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)
[الفرقان:٣٠]
(١٢) جواز تلاوة القرآن قائماً أو ماشياً أو مضطجعاً أو راكباً:
والأصل في ذلك قوله تعالى: (الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ) [آل عمران: ١٩١].
وقوله تعالى: (لِتَسْتَوُواْ عَلَىَ ظُهُورِهِ ثُمّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هََذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنّآ إِلَىَ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ) [الزخرف ١٣، ١٤].
والسنة جاءت بهذا كله، وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ.
((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
﴿تنبيه﴾: (في حديث عائشة ﵂ دليل على جواز قراءة القرآن في حجر الحائض والنفساء، والمراد بالاتكاء هنا: وضع الرأس في الحجر. قال ابن حجر: وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة، قاله النووي (١).
(١٣) لا يمس المصحف إلا طاهر:
الأصل فيه قوله تعالى: (لاّ يَمَسّهُ إِلاّ الْمُطَهّرُونَ) [الواقعة:٧٩].
стр. 5761
((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لا يمس القرآن إلا طاهر.
مسألة: هل يجوز حمل القرآن إذا كان بعلاقته (١) أو بين قماشه للمحدث؟
الجواب: نعم. يجوز حمل القرآن بعلاقته، لأنه ليس بمس له (٢).
(قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
ومن كان معه مصحف فله أن يحمله بين قماشه. وفي خرجه وحمله، سواء كان ذلك القماش لرجل أو امرأة أو صبي وإن كان القماش فوقه أو تحته، والله أعلم (٣).
﴿تنبيه﴾: (حمل المصحف بالجيب جائز، ولا يجوز أن يدخل الشخص مكان قضاء الحاجة ومعه مصحف بل يجعل المصحف في مكان لائق به تعظيماً لكتاب الله واحتراماً له، لكن إذا اضطر إلى الدخول به خوفاً من أن يسرق إذا تركه خارجاً جاز له الدخول به للضرورة (٤).
(١٤) جواز تلاوة القرآن للمحدث حدثاً أصغر عن ظهر قلب:
أما الجنابة، فإنه فلا يجوز للجنب قراءة القرآن بحال من الأحوال.
وأما الحدث الأصغر؛ فإنه يجوز معه قراءة القرآن عن ظهر قلب، ويستدل لذلك بالحديث الآتي:
стр. 5762
((حديث ابن عباس ﵄ الثابت في الصحيحين) أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
(فقراءة رسول الله ﷺ للقرآن بعد نومه وقبل وضوءه دليل على جواز قراءة القرآن لمن أحدث ببول أو غائط أو نوم، والأكمل والأفضل هو قراءة القرآن على حال طهرٍ.
ولا لوم ولا نكير على من قرأ القرآن وهو بهذه الحالة، بل اللوم على المنكر أولى وأحرى لورود السنة الصحيحة بذلك. جاء في موطأ مالك أن عمر بن الخطاب كان في قوم وهم يقرءون القرآن، فذهب لحاجته ثم رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟ فقال له عمر: من أفتاك بهذا أمسيلمة؟ (١).
مسألة: هل يجوز للمحدث حدثاً أصغر يقرأ القرآن من المصحف؟
الجواب: قالت اللجنة الدائمة في إحدى أجوبتها: لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن حتى يغتسل، سواء قرأه من المصحف أو عن ظهر قلب، وليس له أن يقرأه من المصحف إلا على طهارة كاملة من الحدث الأكبر والأصغر (٢).
стр. 5763
مسألة ٢:أيهما أفضل للقارىء أن يقرأ عن ظهر قلب أو من المصحف؟
الجواب: يوجد خلاف بين أهل العلم في ذلك، ففضل بعضهم القراءة عن ظهر قلب على القراءة من المصحف، ومنع ذلك آخرون وهم الأكثرون وقالوا: إن القراءة من المصحف أفضل، لأن فيه نظر للقرآن. وفي النظر للقرآن آثارٌ لم تثبت. وفصل آخرون في ذلك؛ (قال ابنُ كثيرٍ ﵀:
وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع، فإن كان الخشوع أكثر عند القراءة عن ظهر قلب، فهو أفضل، وإن كان عند النظر في المصحف أكثر، فهو أفضل، فإن استويا، فالقراءة نظراً أولى، لأنها أثبت، وتمتاز بالنظر إلى المصحف.
(قال الشيخ أبو زكريا النواوي ﵀ في التبيان: الظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل (١).
(وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
وينبغي لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم أيات يسيرة لئلا يكون مهجوراً (٢).
(١٥) جواز قراءة القرآن للحائض والنفساء:
وذلك لأنه لم يثبت دليل يتعين المصير إليه على المنع من ذلك، ولكن بدون مس المصحف. قالت اللجنة الدائمة: أما قراءة الحائض والنفساء القرآن بلا مس مصحف فلا بأس به في أصح قولي العلماء؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ما يمنع ذلك (٣).
(١٦) استحباب تنظيف الفم بالسواك قبل التلاوة:
وذلك تأدباً مع كلام الله، فإن القارىء لما كان مريداً لتلاوة كلام الله، حسُنَ منه أن يطيب فمه وينظفه بالسواك أو بما يحصل به التنظيف، ولا شك أن في هذا تأدباً مع كلام الله. وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
((حديث حذيفة الثابت في الصحيحين) قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
((حديث علي الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: طَيِّبُوا أَفْوَاهَكُمْ بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهَا طُرُقُ القُرْآن.
стр. 5764
((حديث عائشة الثابت في صحيح النسائي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِ وُضُوْء.
((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ.
(١٧) من السنة الاستعاذة والبسملة عند التلاوة:
من السنة الاستعاذة قبل التلاوة، والأصل في ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ) [النحل: ٩٨]
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثُمَّ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرَكَ ثُمَّ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ثَلَاثًا أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ (١)) ثُمَّ يَقْرَأُ (٢).
(فتحصل لنا من الآية والحديث صيغتان للاستعاذة.
١ - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 5765
٢ - أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.
٣ - أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم (١).
فيستحب للقارىء أن يعمل بهذه وهذه. وفائدة الاستعاذة: ليكون الشيطان بعيداً عن قلب المرء، وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبر القرآن، وتفهم معانيه، والانتفاع به؛ لأن هناك فرقٌ بين أن تقرأ القرآن وقلبك حاضر وبين أن تقرأ وقلبك لاه، قاله ابن عثيمين (٢).
أما البسملة فهي سنة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ * إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [الكوثر ١: ٣]
ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ.
مسألة: اعتاد الناس أن ينهوا تلاوتهم بقول: (صدق الله العظيم). فهل على هذا دليل صحيح؟
الجواب: لا دليل على قول (صدق الله العظيم) عند الانتهاء من التلاوة، وإن كان هذا عمل الأكثرين، وعمل الكثرة ليس دليلاً على إصابة الحق، قال تعالى: (وَمَآ أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣]
(قال الفضيل بن عياض ﵀: لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغتر بكثرة السالكين الهالكين.
بل إن الدليل مع من منع ختم التلاوة بهذا القول الحديث الآتي:
стр. 5766
((حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (اقْرأ عَليَّ القُرْآن، فَإِنِّي أُحبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَى بَلَغَ قَولَهُ: ((فَكَيفَ إِذاَ جِئنَاَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَاَ بِكَ عَلى هَؤلاء شَهِيدا))، قَالَ: (حَسْبُكَ الآن). فَالتَفَتُ إِلَيهِ فَإِذَاَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
بأبي هو وأمي. فلم يقل له ﷺ قل: صدق الله العظيم، ولم يثبت ذلك عنه ﷺ ، ولم يعهد عن الصدر الأول رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتلفظون بذلك عند الانتهاء من تلاوتهم، ولم يعرف ذلك عند السلف الصالح من بعد الصحابة. إذاً ما بقي أن نقول إلا أنه محدث وليس فيه سنة تجوز هذا الذكر.
قالت اللجنة الدائمة: قول القائل صدق الله العظيم في نفسها حق، ولكن ذكرها بعد نهاية قراءة القرآن باستمرار بدعة، لأنها لم تحصل من النبي ﷺ ولا من خلفائه الراشدين فيما نعلم مع كثرة قراءتهم القرآن، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وفي رواية (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (١).
﴿فائدة﴾: (ذكر النووي في أذكاره [أنه]: يستحب للقارىء إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدىء من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقف يقف على المرتبط وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيد في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كثيراً منها في وسط الكلام المرتبط ... ثم قال: ولهذا المعنى قال العلماء: قراءة سورة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من سورة طويلة، لأنه قد يخفى الارتباط على كثير من الناس أو أكثرهم في بعض الأحوال والمواطن (٢).
(١٨) استحباب ترتيل القرآن وكراهية السرعة المفرطة في التلاوة:
стр. 5767
أمر المولى عزوجل بترتيل كتابه قال تعالى: (وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) [المزمل: ٤] والترتيل في القراءة: الترسل فيها والتبيين من غير بغيٍ ... وقال ابن عباس في قوله: (وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) قال: بينه تبييناً؛ وقال أبو إسحاق: والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآة، وإنما يتم التبيين بأن يُبيِّن جميع الحروف ويوفيها حقها من الإشباع (١). والفائدة المرجوة من الترتيل أنه أدعى لفهم معاني القرآن.
(وقد كره كثير من السلف من الصحابة ومن بعدهم؛ العجلة المفرطة في تلاوة القرآن، وعلة ذلك أن رغبة القارىء في تكثبر تلاوته في مدة أقصر، لأجل تحصيل أجر أكثر، يفوت عليه مصلحة أكبر؛ وهي تدبر آيات القرآن، والتأثر بها، وظهور أثرها على القاريء. ولا ريب أن حال من قرأ القرآن وهو متأمل لآياته، ومستحضرٌ لمعانيه؛ أكمل من الذي يستعجل به طلباً لسرعة ختمه وكثرة تلاوته.
((حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن رجلاً قال له لقد قرأت المفصل في ركعة فقال هذا كهزِ الشعر إن قوماً يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع.
*المقصود بقوله (كهذ الشعر): كانت عادتهم في إنشاد الشعر السرعة المفرطة.
((حديث عقبة ابن عامر الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(سيخرج أقوام من أمتي يشربون القرآن كشربهم اللبن) أي يسلقونه بألسنتهم من غير تدبر لمعانيه ولا تأمل في أحكامه بل يمر على ألسنتهم كما يمر اللبن المشروب عليها بسرعة.
(أورد الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن عن ابن مسعود قال: «لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة»
(وعن أبي جمرة قال: (قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلةٍ فأدبرها وأرتلها؛ أحبُّ إلي من أن أقرأ كما تقول). وفي رواية (فإن كنت فاعلاً لابد، فأقرأهُ قراة تسمعُ أذنيك ويعيه قلبك) (٢).
стр. 5768
قال ابن مفلح: قال أحمد: تعجبني القراءة السهلة، وكره السرعة في القراءة. وقال حرب: سألت أحمد عن السرعة في القراءة فكرهه، إلا أن يكون لسان الرجل كذلك، أو لا يقدر أن يترسل، قيل: فيه أثم؟ قال: أما الإثم فلا أجترىء عليه (١).
مسألة: أيهما أفضل للقارىء القرآة بتأني وتدبر، أم القراءة بسرعة مع عدم الإخلال بشيء من الحروف والحركات؟
الجواب: إذا كانت السرعة لا تخل بالقرآة، فقد فضل بعض العلماء الإسراع فيها طلباً لكثرة الأجر المترتب على كثرة التلاوة، وفضل بعضهم الترتيل والتأني فيها.
(قال ابن حجر: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون والواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات، وقد يكون بالعكس (٢).
(١٩) استحباب مد القراءة:
((حديث قَتَادَةَ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ.
(٢٠) استحباب تحسين الصوت بالقراءة، والنهي عن القراءة بالألحان:
(قال الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن:
ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأ لله لا للمخلوقين وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا والميل إلى حسن الثناء والجاه عند أبناء الدنيا، والصلاة بالملوك دون الصلاة بعوام الناس فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفته أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله في السر والعلانية وكان مراده أن يستمع منه القرآن؛ لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله وينتهوا عما نهاهم، فمن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس. أهـ
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
стр. 5769
((حديث البراء الثابت في الصحيحين) قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي الْعِشَاءِ وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً.
((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به.
((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال ليس منا من لم يتغن بالقرآن.
((حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال له: لقد أُتيت مزماراً من مزامير آل داود.
((حديث البراء الثابت في صحيحي أبي داوود والنسائي) أن النبي ﷺ قال زينوا القرآن بأصواتكم.
(وقال أحمد: يحسن القارىء صوته بالقرآن، ويقرؤه بحزن وتدبر، وهو معنى قوله ﵇: (ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن) (١).
مسألة: ما معنى زينوا أصواتكم بالقرآن؟
والمراد من تحسين الصوت بالقرآن تطريبه وتحزينه والتخشع به، قاله ابن كثير (٢). ولما استمع النبي ﷺ إلى قراءة أبي موسى الأشعري قال له: (لو رأيتني وأنا استمع لقراءتك البارحة! لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) (٣).وفي رواية عند أبي يعلى زيادة قال أبو موسى: (أما أني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً) (٤). فدل قول أبي موسى على جواز التكلف في القراءة، ولا يعني هذا إخراج القراءة عن حدها المشروع، من تمطيط الكلام، وعدم إقامته، والمبالغة فيه حتى ينقلب لحناً؛ لا. هذا ليس بمشروع البتة. وكره الإمام أحمد القراءة بالألحان وقال: هي بدعة (٥).
وقال الشيخ تقي الدين: قراءة القرآن بصفة التحلين الذي يشبه تلحين الغناء مكروه مبتدع كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة (٦).
﴿تنبيه﴾: (بينت السنة الصحيحة أن أحسن الناس صوتاً بالقرآن هو الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله.
((حديث جابر الثابت في صحيح ابن ماجة) أن النبي ﷺ قال إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله.
стр. 5770
((حديث ابن مسعود الثابت في صحيح ابن ماجة) أن أبا بكر وعمر بشراه أن رسول الله ﷺ قال من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد.
(كراهية القراءة بالألحان:
(قال الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن:
وأكره القراءة بالألحان والأصوات المعمولة المطربة، فإنها مكروهة عند كثير من العلماء، مثل يزيد بن هارون والأصمعي، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد والقاسم بن سلام، وسفيان بن عيينة، وغير واحد من العلماء، ويأمرون القارئ إذا قرأ أن يتحزن ويتباكى ويخشع بقلبه.
(أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي وقد سئل عن القراءة، بالألحان؟ فقال: «محدث إلا أن يكون من طباع ذلك الرجل ـ يعني طبع الرجل ـ كما كان أبو موسى»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن يعقوب بن بختان أنه قال لأبي عبد الله: فالقرآن بالألحان؟ فقال: لا، إلا أن يكون جرمه - أو قال: صوته - مثل صوت أبي موسى، أما أن يتعلمه، فلا
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أن الفضل، قال: سمعت أبا عبد الله، سئل عن القراءة، بالألحان؟ فكرهه، وقال: «يحسنه بصوته من غير تكلف»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن صالح أنه قال لأبيه: زينوا القرآن بأصواتكم، ما معناه؟ قال: «التزيين أن تحسنه»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن علي بن سعيد، قال: سألت أبا عبد الله عن القراءة، بالألحان؟ فقال: «ما يعجبني، هو محدث»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي الحارث أن أبا عبد الله قيل له: القراءة بالألحان والترنم عليه؟ قال: «بدعة، قيل له: إنهم يجتمعون عليه ويسمعونه، قال: الله المستعان»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي بكر المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن القراءة، بالألحان؟ فقال: «بدعة لا يسمع»
стр. 5771
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن إسحاق قال: قال لي أبو عبد الله يوما وكنت سألته عنه: هل تدري ما معنى: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا»؟ قال: يرفع صوته، فهذا معناه: إذا رفع صوته فقد تغنى به. سألت أحمد بن يحيى النحوي ثعلب عن قوله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن؟ فقال بعضهم: إلى أنه الغناء، يترنم به. وبعضهم يذهب إلى الاستغناء، وهو الذي عليه العمل. . «
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه قرئ على أبي عبد الله محمد بن إدريس قال: شهدت الأعمش، وقرأ عنده عورك بن الحصرمي، فقرأ هذه القراءة بالألحان، فقال الأعمش: «قرأ رجل عند أنس نحو هذه القراءة، فكره ذلك أنس»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ر عن محمد بن سيرين، سئل عن هذه الأصوات التي يقرأ بها؟ فقال: «هو محدث»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الحسن، «أنه كره القراءة بالأصوات»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، أن رجلا كان يقرأ لهم بالمدينة في مسجد النبي ﷺ فطرب ذات ليلة، فأنكر ذلك القاسم بن محمد، وقرأ هذه الآية: (لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤٢]
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن عبد الرحمن المتطبب قال: قلت لأبي عبد الله في قراءة الألحان؟ فقال: «يا أبا الفضل، اتخذوه أغاني، اتخذوه أغاني، لا تسمع من هؤلاء»
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن محمد بن الهيثم قال: إنما كان الهيثم الذي يقرأ بالألحان مملوكا لرجل، وكان مخنثا، فحبسه مولاه في السجن، وحلف عليه ألا يخرج من السجن حتى يقرأ القرآن، ووضع فيه هذه الألحان.
(وأورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي الحارث قال: سمعت أبا عبد الله، يقول: «يعجبني من قراءة القرآن السهلة، فأما هذه الألحان فلا يعجبني»
(٢١) البكاء عند تلاوة القرآن وسماعه:
وكلا الأمرين جاءت به السنة؛ ويستدل للأول بالحديثين الآتيين: (
стр. 5772
((حديث عبد الله بن الشخير الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قال: أَتَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ وهو يُصَلِّي فَسَمِعْتُ لِصَدْرِهِ أَزِيزاً كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنْ البُكَاء.
((حديث عبيد بن عمير ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: أَخْبِرِيْنَا بِأَعْجَبِ شَيءٍ رَأَيْتِيْهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لمَّا كَانَتْ لَيْلَةً مِنْ اللَيَالِي قَالَ: «يَا عَائِشَةُ ذَرِيْنِي أَتَعَبَدُ اللَيْلَةُ لِرَبِي» قُلْتُ: وَاللهِ إِنِّي أُحِبُ قُرْبُكَ وَأُحِبُ مَا يَسُرُكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي ﷺ حَتَى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: وَكَانَ جَالِسَاً فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي ﷺ حَتَى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى حَتَى بَلَ الأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالُ يُؤْذِنَهُ بِالصَّلاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مَا تَأَخَر؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ الَليْلَةُ آيِةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَرْ فِيْها: (إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ الْلّيْلِ وَالنّهَارِ لاَيَاتٍ لاُوْلِي الألْبَابِ) [آل عمران: ١٩٠].
وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، يقرأ ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (١).
ويستدل للثاني بالحديث الآتي:
стр. 5773
((حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (اقْرأ عَليَّ القُرْآن، فَإِنِّي أُحبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ حَتَى بَلَغَ قَولَهُ: ((فَكَيفَ إِذاَ جِئنَاَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَاَ بِكَ عَلى هَؤلاء شَهِيدا))، قَالَ: (حَسْبُكَ الآن). فَالتَفَتُ إِلَيهِ فَإِذَاَ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
(قال الآجري رحمه الله تعالى في أخلاق حملة القرآن:
أحب لمن يقرأ القرآن أن يتحزن عند قراءته، ويتباكى ويخشع قلبه، ويتفكر في الوعد والوعيد ليستجلب بذلك الحزن، ألم تسمع إلى ما نعت الله من هو بهذه الصفة؟، وأخبرنا بفضلهم، فقال تعالى: (اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ) [الزمر: ٢٣]
ثم ذم قوما استمعوا القرآن فلم تخشع له قلوبهم، فقال تعالى: (أَفَمِنْ هََذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ) [النجم ٥٩: ٦١]
ثم ينبغي لمن قرأ القرآن أن يرتل كما قال تعالى: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) [المزمل: ٤] قيل في التفسير: تبينه تبيينا، واعلم أنه إذا رتله وبينه انتفع به من يسمعه منه، وانتفع هو بذلك؛ لأنه قرأه كما أمر الله في قوله تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَىَ مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) [الإسراء: ١٠٦]
عَلَىَ مُكْثٍ: على تؤدة.
(أما مايفعله بعض الناس اليوم من صراخ، وعويل، ونحيب؛ فهو خروج عن الطريق القويم. ولا يظن ظان أننا نعمم الحكم حاشا وكلا!، بل نقول منهم صادقون ومنهم غير ذلك. والعجيب من المتكلفة أنهم يسكبون العبرات تلو العبرات عند سماع دعاء الإمام في القنوت، ولكن لا تكاد تخرج دمعة من محاجرهم عند سماع كلام الله وآياته!. ونقول لهؤلاء المتكلفة رويدكم، فأكمل الناس حالاً هم الذين وصفهم الله في كتابه: (اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ) [الزمر: ٢٣]
стр. 5774
وأكمل الناس حالاً من كان كحال النبي ﷺ فإن بكاءه له أزيز كأزيز المرجل.
لكن قد يحتج علينا بأن بعض السلف، قد صُعقوا أو ماتوا من جراء تلاوة القرآن أو سماعه. والجواب عن ذلك أن يقال: إننا لا ننكر حدوث ذلك من بعض السلف من التابعين ومن بعدهم، ولكن لم يعهد هذا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وسبب ذلك أن الوارد كان قوياً وصادفت محلاً ضعيفاً وهو قلوبهم فلم تحتمله وحصل منهم ما حصل، فهم صادقون فيما انتابهم وهم أيضاً معذورون.
(قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: وكان هذا الحال يحصل كثيراً للإمام علماً وعملاً ـ شيخ الإمام أحمد ـ يحيى بن القطان. وقال الإمام أحمد: لو دفع، أو لو قدر أحدٌ أن يدفع هذا عن نفسه دفعه يحيى. وحدث ذلك لغير هؤلاء، فمنهم الصادق في حاله ومنهم غير ذلك، ولعمري إن الصادق منهم عظيم القدر، لأنه لولا حضور قلب حيِّ، وعلمُ معنى المسموع وقدره، واستشعار معنىً مطلوب يُتلمح منه، لم يحصل ذلك، ولكن الحال الأول أكمل، فإنه يحصل لصاحبه ما يحصل لهؤلاء وأعظم، مع ثباته وقوة جنانه، رضي الله عن الجميع (١).
(ذكر الرجل يسقط عند قراءة القرآن من البكاء:
(أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي بكر المروذي، قال: قلت لأبي عبد الله: سمعت محمد بن سعيد الترمذي يقول: قرأت على يحيى فسقط حتى ذهب عقله، قال أبو عبد الله: «لو قدر أن يدفع هذا أحد لدفعه يحيى في كثرة عمله»
(أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الإمام أحمد قال: كان القارئ يقرأ فيخرج الفضيل بن عياض وهو يبكي، فيبكي الناس، ثم قال: بلغني عن محمد بن سعيد، أنه قرأ على يحيى فكان يذهب عقله، أو كان يغمى عليه، ثم قال: «لو كان يحيى يقدر أن يدفعه لدفعه»
(أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن يحيى بن معين قال: «كان يحيى بن سعيد إذا قرئ عليه القرآن يسقط حتى يصيب الأرض وجهه، قلت ليحيى: وأنت رأيته؟ قال: لا ولكن بلغني أنه كان يصيبه هذا»
(أورد أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبي خيثمة زهير بن حرب قال: «كنا عند يحيى القطان، فجاء محمد بن سعيد الترمذي، فقال له يحيى: اقرأ، فقرأ فسقط يحيى مغشيا عليه»
(٢٢) استحباب الجهر بالقرآن إذا لم يترتب عليه مفسدة:
стр. 5775
(قال النووي ﵀ في أذكاره:
جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار. قال العلماء: والجمع بينهما أن الإسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء، فالجهر أفضل، بشرط أن لا يؤذي غيره من مصلٍ أو نائم أو غيرهما.
ودليل فضيلة الجهر: أن العمل فيه أكبر، ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ولأنه يطرد النوم، ويزيد في النشاط، ويوقظ غيره من نائم وغافل، وينشطه، فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل (١).
(ولكن يحسن بنا أن نشير إلى أمرٍ هام وهو أن الذي يجهر بقراءته ينبغي عليه أن يراعي من حوله من مصلٍ أو تالٍ للقرآن، أو نائمٍ، فلا يؤذيهم برفع صوته، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
((حديث أَبِي سَعِيدٍ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ:
اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَالَ أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ.
﴿تنبيه﴾: (ترتيل البنات للقرآن بحضرة الرجال لا يجوز، لما يخشى في ذلك من الفتنة بهن وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع المفضية للحرام (٢).
﴿فائدة﴾: (لابد من النطق بالقراءة والتلفظ بالتلاوة لحصول الأجر، وأما ما يفعله القليل من الناس من قراءة القرآن بدون تحريك الشفتين، فهو لا يحصل به فضل القراءة.
стр. 5776
(قال ابن باز ﵀ في إحدى فتاويه: لا مانع من النظر في القرآن من دون قراءة للتدبر والتعقل وفهم المعنى، ولكن لا يعتبر قارئاً ولا يحصل له فضل القراءة إلا تلفظ بالقرآن ولو لم يُسمع من حوله؛ لقول النبي ﷺ : (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) رواه مسلم. ومراده صلى الله عله وسلم بأصحابه: الذين يعملون به، كما في الأحاديث الأخرى، وقال ﷺ : (من قرأ حرفاً من القرآن فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها) خرجه الترمذي، والدارمي بإسناد صحيح، ولا يعتبر قارئاً إلا إذا تلفظ بذلك، كما نص على ذلك أهل العلم. والله ولي التوفيق (١).
مسألة: هل الجهر بالقرآن أفضل أم الإسرار؟
(المسألة على التفصيل الآتي:
(إذا خاف على نفسه الرياء أو العجب والعياذ بالله كان الإسرار في حقه أفضل وعيه يحمل الحديث
(حديث عقبة بن عامر في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة و المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة.
معنى الحديث: أن المسرَّ بالقرآن أفضل لكي يأمن من العجب المحبط للعمل والعياذ بالله، وهذا محمول على من خاف على نفسه ذلك.
(أما إذا لم يخف على نفسه الرياء والعجب فالجهر في حقه أفضل لأن نفعه متعدي، والمنفعة المتعدية أفضل من المنفعة اللازمة لأنه برفع صوته يوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه وعليه الأحاديث الآتية
(حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به
(٢٣) فضائل ختم القرآن، وفي كم يختم؟
يستحب اغتنام ختم القرآن والدعاء عقبه لأنه من مظان إجابة الدعاء.
- قال قتادة: "كان أنس بن مالك ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا ". رواه الدارمي.
- وأما المدة التي يختم بها القرآن فتختلف باختلاف الأشخاص، ولكن ينبغي للقارئ أن يختم في السنة مرتين إن لم يقدر على الزيادة.
[*] عن مكحول قال:
"كان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ يقرأون القرآن في سبع، وبعضهم في شهر، وبعضهم في شهرين، وبعضهم في أكثر من ذلك ".
стр. 5777
(حديث عبد الله بن عمرو ﵄ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: (أقرأ القرآن في شهر). قلت: إني أجد قوة، حتى قال: (فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك).
(جواز ختم القرآن في يومٍ وليلة لصدور ذلك عن عثمان ﵁:
(حديث العرباض بن سارية في صحيح أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال أوصيكم بتقوى الله و السمع و الطاعة و أن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها و عضوا عليها بالنواجذ و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
(نفي الفقه لا نفي الثواب من قرأ القرآن في أقل من ثلاث:
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث.
[*] (ختمات السلف للقرآن الكريم:
وقد اختلف الصحابة والتابعين في ختمهم للقرآن الكريم فمنهم من كان يختم ختمة واحدة في اليوم والليلة مثل سيدنا عثمان بن عفان ﵁ وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشافعي وآخرون.
(ومن الذين كانوا يختمون ثلاث ختمات في اليوم والليلة سليم بن عمر ﵁ قاضي مصر في خلافة معاوية ﵁.
[*] وروى أبو بكر بن أبي داود أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات، وروى أبو عمر سنان في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات.
[*] قال الشيخ الصالح أبو عبد الرحمن السلمي ﵁: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: " كان ابن الكاتب ﵁ يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة "، وروى السيد الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زادان من عباد التابعين ﵁: " أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء ".
وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل وروى أبو داود بإسناده الصحيح:" أن مجاهدا كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء "، وعن منصور قال: " كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان " ..
حتى يحل حبوته: وعن إبراهيم بن سعد قال: " كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن " ..
стр. 5778
(وأما الذي يختم في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير ﵃ ختمة في كل ركعة في الكعبة
(وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة أحدانا نقل عن عثمان بن عفان ﵁ وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب ﵃ وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن بن يزيد وعلقمة وإبراهيم ﵏ ..
عن بهز بن حكيم أن بينها بن أوفى التابعي الجليل ﵁ أمهم في صلاة الفجر فقرأ حتى بلغ فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير خر ميتاً قال بهز: " وكنت فيمن حمله " ..
وكان أحمد بن أبي الحواري ﵁ وهو ريحانة الشام كما قال أبو القاسم الجنيد ﵀:" إذا قرئ عنده القرآن يصيح ويصعق " ..
[*] وقال القسطلاني: أخبرني شيخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف أنه كان يقرأ خمسة عشر ختمة في اليوم والليلة. وفي الإرشاد أنه النجم الأصبهاني رأى رجلاً من اليمن ختم في شوط أو أسبوع وهذا لا يتسهل إلا بفيض رباني ومدد رحمني.
قال الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء.
[*] الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة.
[*] عن مسبح بن سعيد قال:
كان محمد بن إسماعيل البخاري، إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن.
وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند الإفطار كل ليلة ويقول: عند كل الختم؛ دعوة مستجابة.
(تاريخ بغداد ٢/ ١٢ صفة الصفوة ٤/ ١٧٠)
[*] عن ذي الرياستين قال: إن المأمون ختم في شهر رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمةً، أما سمعتم في صوته بحوحة؟ إن محمد بن أبي محمد اليزيدي في أذنه صمم، فكان يرفع صوته ليسمع، وكان يأخذ عليه.
(تاريخ بغداد ١٠/ ١٩٠)
[*] عن عبد الله بن محمد بن اللبان أنه صلى بالناس صلاة التراويح في جميع الشهر، وكان إذا فرغ من صلاته بالناس في كل ليلة لا يزال قائماً في المسجد يصلي حتى يطلع الفجر، فإذا صلى الفجر دارس أصحابه، وسمعته يقول: لم أضع جنبي للنوم في هذا الشهر ليلاً ولا نهاراً وكان ورده كل ليلة فيما يصلي لنفسه سبعاً من القرآن يقرأه بترتيل وتمهل ولم أرى أجود ولا أحسن قراءة منه.
(تاريخ بغداد ١٠/ ١٤٤)
[*] عن محمد بن زهير بن محمد قال: كان أبي يجمعنا في وقت ختمة القرآن في وقت شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات تسعين ختمة في شهر رمضان
стр. 5779
(تاريخ بغداد ٨/ ٤٨٥)
[*] عن أبي علي الطوماوي قال: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان بين يدي أبي بكر بن مجاهد إلى المسجد لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره واجتاز على مسجده فلم يدخله وأنا معه, وسار حتى انتهى إلى آخر سوق العطش، فوقف بباب مسجد محمد بن جرير ومحمد يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلاً ثم انصرف. فقلت له: يا أستاذ تركت الناس ينتظرونك وجئت تسمع قراءة هذا؟ فقال: يا أبا علي دع هذا عنك، ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا ً يحسن يقرأ هذه القراءة.
(تاريخ بغداد ٢/ ١٦٤)
[*] عن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة ,فإذا كان شهر رمضان ختم في كل ليلة منه , وفي كل يوم ختمة , فكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة.
(تاريخ بغداد ٢/ ٦٣)
[*] وعن أبي بكر بن أبي طاهر قال: كان للشافعي في رمضان ستون ختمة لا يحسب منها ما يقرأ في الصلاة.
(صفة الصفوة ٢/ ٢٥٥)
[*] عن أحمد بن خالد قال: قيل لأبي بكر بن عياش: كيف قراءتك بالترتيل؟ فقال: كيف أقدر أرتل، وأنا أقرأ القرآن في كل يوم وليلة منذ أربعين سنة!
(تاريخ بغداد ١٤/ ٣٨٣)
[*] عن ابن سعد قال: كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، لم يفطر حتى يختم القرآن وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة. وكان كثيرا إذا أفطر يرسلني إلى مساكين فيأكلون معه ﵀.
(صفة الصفوة ٢/ ١٤٦ - ١٤٧)
[*] عن منصور بن إبراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال.
(صفة الصفوة ٣/ ٢٣)
[*] أبو الأشهب قال: كان أبو رجاء يختم بنا في رمضان كل عشرة أيام.
(صفة الصفوة ٣/ ٢٢١).
[*] عن سلام بن أبي مطيع عن قتادة أنه كان يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
(صفة الصفوة ٣/ ٢٥٩)
(في آداب الختم:
[*] قال الأمام النووي في التبيان:
стр. 5780
يستحب أن يكون الختم أول النهار أو أول الليل وأنه يستحب أن يكون ختمه أول النهار، وأخرى آخره وأنه إذا كان يقرأ وحده يستحب أن يختم في الصلاة، واستحب السلف صيام الختم، فقد كان السلف من الصحابة وغيرهم يوصون عليه ويقولون يستجاب الدعاء عند الختم ويقولون تنزل الرحمة عند الختم، وكان أنس ﵁ إذا أراد الختم استحباباً متأكداً، فقد جاءت فيه أثار، وينبغي أن يُلح في الدعاء، وأن يدعوا بالأمور المهمة، وأن يكثر من ذلك في صلاح المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاتهم ويختار الدعوات الجامعة ويكون فيها من دعوات الرسول ﷺ .
وقد جمعت دعوات مختصرة جامعة في "التبيان"، ويستحب إذا ختم أن يشرع في ختمة أخرى عقيب الختم، فقد استحبه السلف لحديث ورد فيه والله أعلم.
(فضل قراءة القرآن بالليل:
(ينبغي لحامل القرآن أن يعتني بقراءة القرآن بالليل أكثر من النهار، وذلك لكونها أجمع للقلب وأثبت للحفظ فالليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر لقوله تعالى: (إِنّ نَاشِئَةَ اللّيْلِ هِيَ أَشَدّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً) [المزمل / ٦]
[*] قال النووي في التبيان:
ينبغي أن يحافظ على قراءة القُرآن في الليل، ويكون إعتناؤه بها فيه أكثر وفي صلاة الليل أكثر؛ لأن الليل أجمع للقلب، وأبعد من الشاغلات والملهيات والتصرف في الحاجات وأصون من تطرق الرياء، وغيره من المحبطات مع ما جاء في الشرع من إيجاد الخيرات في الليل كل إسراء، وحديث النُّزول، وحديث: في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء كل ليلة.
وقد تظاهرة نصوص القُرآن والسُّنّة وإجماع الأمَّة على فضيلة القراءة والقيام بالليل، والحث عليه، وذلك يحصل بالكثير، والقليل، وما كثر أفضل إلا أن يستوعب الليل كله؛ فإنه يُكره الدَّوام عليه، وكذا يُكره إن أضرَّ بنفسه ما دون الجميع. (انتهى كلامه ﵀
(وبينت لنا السنة الصحيحة أن قراءة القرآن في الليل منجاة من الغفلة كما في الحديث الآتي:
(حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين و من قام بمائة آية كتب من القانتين و من قام بألف آية كتب من المقنطرين.
معنى من المقنطرين: الذين يوفون أجورهم بالقنطار