← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ قَالَ فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ وَاللَّهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ . (أورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح أن النخعي سئل: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم والايمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي. (أورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن عمر بن الخطاب قال: إِني لَيعجبني أَن يكون الرّجل في أهله مثلَ الصبي فإِذا بُغي منه حاجة وُجِدَ رجلاً، ونظر عمر بن الخطاب إلى أعرابي يصلي صلاة خفيفة فلما قضاها قال: اللهم زوجني بالحور العين فقال عمر: أَسأت النقد وأعظمت الخطبة. (أورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن أبي بكرة أن أعرابيا وقف على عمر بن الخطاب فقال: يا عمرَ الخير جُزيت الجنه ... أُكسُ بُنياتي وأُمَّهُنَّه وكن لنا من الزّمان جُنَّه ... أُقسم بالله لَتفعلنَّه فقال عمر: وإِن لم أَفعل يكون ماذا? فقال: إِذاً أَبا حفصٍ لأمضينَّه قال: فإِن مضيتَ يكون ماذا؟ فقال: والله عنهنَّ لتُسأَلنه ... يوم تكون الاعطيِات منَّه وموقفُ المسؤول بينهنّه ... إِما إِلى نارِ وإِمَّا جَنَّه فبكى عمر حتى اخضَلَّت لحيتُه ثم قال لغلامه: يا غلام أَعطِه قميصى هذا لذلك اليوم لا لشعره ثم قال: والله لا أَملك غيره. (أورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن علّى بن أبي طالب ﵁ قال: لا بأس بالمفاكهة يخرج بها الرّجلٍ عن حدّ العُبوس.

стр. 5952

(أورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن نافع مولى ابن عمر قال: كان عبد الله بن عمر يمازح مولاةً له فيقول لها: خلقني خالقُ الكرام، وخلقك خالقُ اللئام، فتغضب وتصيح وتبكي ويضحك عبد الله بن عمر. (أورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن عبد الله بن رواحة أنه كان له جارية فاتهمته امرأَته أن يكون أصابها فقالت: إِنك الان جُنُبٌ منها، فأنكر ذلك فقالت: فإِن كنت صادقاً فاقرأ القرآن وقد عهدتَه لا يقرأُ القرآن وهو جُنُبٌ فقال: شهدت بأَن دين الله حقٌ ... وأَن النار مثوى الكافرينا وأَن العرشَ فوق المآء طافٍ ... وفوق العرش ربُّ العالمينا وتحمله ثمانية شِدادٌ ... ملائكة الإِله مسوَّمينا (أورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن أن عبد الله بن رواحة كان مضطجعاً إلى جنب امرأته فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت فرأَته على جاريته، فرجعت إلى البيت فأخذت الشَّفرة ثم خرجت وفرغ فقام فلقيها تحمل الشَّفرة فقال: مَهيَم قالت: لو أَدركُتك حيث رأَيُتك لَوَجَأت بين كتفيك بهذه اُلشفرة قال: وأَين رأَيتِني? قالت: راَيتك عَلَى الجارية قال: ما رأيتني وقد نهانا إلى رسول الله ﷺ أَن يقرأَ أَحدُنا القرآن وهو جُنُبٌ قالت: فاقرأ فقال: أَتانا رسول الله يتلو كتابَه ... كما لاح مشهورٌ من الفجر ساطُع أَتى بالهدى بعد العمى فقلوبُنا ... به موُقِنَاتٌ أَن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إِذا استَثَقلَت بالمشركين المضاجع فقالت: آمنت بالله وكذّبت بصري، ثم غدا عَلَى إلى رسول الله ﷺ فأَخبره فضحك حتى بدت نواجذُه. (قال أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح: وقد كان أبو هريرة مسترسلاً في مزحه، فحكى ابن قتيبة في المعارف أَن مروان ربما كان يستخلفه على المدينة فيركب حمارا قد شدّ ليه بردعة فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير، وربما أَتى الصبيانَ وهم يلعبون لعبة الأعراب فلا يشعرون حتى يلقي نفسه بينهم ويضرب برجليه فيفزع الصبيان فيتفرقون: قال الماوردي: وهذا خروج عن القدر المستسمح به فيوشك أن يكون بهذا الفعل منه تأويل سائغ.

стр. 5953

(وأورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح أَن ابن أبي عتيق وفد على الملك بن مروان فلقي حاجبه فسأله أَن يستأذن له عليه، فسأله الحاجب ما نزعه؟ فذكر ديناً قد مسّه، فاستأذن له، فأمر عبد الملك بإدخاله، فأدخله وعند رأس عبد الملك ورجليه جاريتان وضيئتان، فسلّم وجلس فقال له عبد الملك: ما حاجتك؟ قال: مالي حاجة إِليك قال: أَلم يذكر لي الحاجب أَنك شكوت إِليه ديناً عليك وسألتَه ذِكرَ ذلك لي؟ قال: ما فعلتُ وما علَّي دَين وإِني لأيسُر منك قال: انصرف راشداً فقام ودعا عبدُ الملك الحاجبَ فقال له: أَلم تذكر لي ما شكا إِليك ابن أبي عَتيق من الدَّين؟ قال: بلى قال: فإِنه أَنكر ذلك، فخرج إِليه الحاجب فقال: أَلم تَشكُ إِلَّي دَينك وذكرتَ أَنك خرجت إِلى أَمير المؤمنين فيه وسألتني ذكره؟ قال له: بلى قال: فما حملك عَلَى إِنكار ذلك عند أمير المؤمنين؟ قال ابن أبي عَتيق: دخلت عليه وقد جلس الشمس عند رأسه، والقمر عند رجليه ثم قال لي: كن سَأَلاً، والله ما كان الله ليرى هذا أَبداً، فدخل الحاجب عَلَى عبد الملك فأَخبره خبره فضحك ووهب الجاريتين له وقضى دَينَهَ ووصَلَه وكان سببَ الأنس بينه وبين عبد الملك. (وأورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن عمرو بن دينار عن ابن أبي عتيق أنه مرَّ به رجل ومعه كلب فقال للرجل: ما اسمك؟ قال: وَثّاب قال: فما اسم كلبك؟ قال: عمرو فقال: واخِلافاه. (وأورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن محمد بن يحيى بن حيان قال: قلت لامرأتي: أَنا وأَنتِ عَلَى قضآء عمر بن الخطاب قالت: وما قضآء عمر? قلت: قضآؤه إِذا أَصاب الرَّجلُ اُمرأَتَه عند كل طُهر فقد أَدّى حقّها قالت: أَنا أول من ردّ قضاء عمر. (وفي رواية عنه عاتبت جدّتي جدّي في قلة الباه فقال لها: بيني وبينك قضآء عمر بن الخطاب قالت: وما قضآء عمر؟ قال قضى أن الرَّجل إِذا أتى امرأَتَه في كل طُهر مرةً فقد أَدّى لها حقّها قالت له: أفكل الناس ترك قضاء عمر بن الخطاب ولم يأخذ به غيري وغيرك؟ (وأورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح أن رجلاً سأل الشَّعبي عن المسح على اللحية فقال: خلّلها بأصابعك فقال: أَخاف أَلاّ تَبُلّها قال الشعبي: إِن خفت فانقعها من أَوَّل الليل. (وسأله أخر: هل يجوز للمحرم أَن يَحُكّ بدنه؟ قال: نعم قال: مقدار كَم؟ قال: حتى يبدوَ العظم.

стр. 5954

(وسئل عن أَكل لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. وقال له رجل: ما اسم امرأَة إِبليس؟ فقال: ذاك نكاحٌ ما شهدناه. (وأورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح عن ابن عياش قال: رأَيت عَلَى الاعمش فروةً مقلوبةً صوفها إلى خارج، فأصابنا مطر فمررنا على كلب فتنحى الاعمش وقال: لا يحسبنا شاةً. (ووقع بين الأعمش وامرأته وحشة فسأل بعض أصحابه ويقال: إِنه أبو حنيفة أَن يُصلح بينهما فقال: هذا سيدُنا وشيخُنا أَبو محمد فلا يزهدنَّكِ فيه عَمشُ عَينَيه، وحُموشة ساقَيه، وضعف ركبتَيه، وقَزَل رجليه وجعل يصف فقال الأعمش: قم عنا قّبحك الله فقد ذكرت لها من عيوبي ما لم تكن تعرفه. (وأورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح أن رجلاً جاء إِلى أبي حنيفة فقال له: إِذا نزعت ثيابي ودخلت النهر أَغتسل فإِلى القبلة أتوجّه أم إِلى غيرها؟ فقال له: الآفضل أَن يكوم وجهُك إِلى جهة ثيابك لئلا تُسرَق. (وأورد أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح أن رجلاً أَقَّر عند القاضي شريح بشيء ثم ذهب لينكر فقال شريح: قد شهد عليك ابن أُخت خالتك. ﴿تنبيه﴾: (إِذا خرج المزح إِلى حدّ الخلاعة فهو هُجنَةٌ ومَذَمةٌ: (قال أبو البركات الغزني ﵀ في المراح في المزاح: إِذا خرج المزح إِلى حدّ الخلاعة فهو هُجنَةٌ ومَذَمةٌ، ومما عُدّ منه ما حكي عن أبي معاوية الضرير وكان محدثا أَنه خرج يوما إِلى أَصحابه وهو يقول: فإِذا المِعدة جاشت ... فارمِها بالمِنجَنيقِ بثلاثِ من نبيذٍ ... ليس بالحُلوِ الرَّقيق (أمَا ترى كيف طرق بخلاعته التهمة إِلى نفسه بهذا المزح بما لعله بريٌء من وبعيد عنه؟ (ومن مستحسن المزح ومستسمح الدُّعابة ما حكي عن الإمام القشيري أنه وقف علية شيخ من الأعراب فقال له: يا أَعرابي ممن أَنت? فقال: من بني عَقِيل فقال: من إِي عقيل? قال من بني خَفَاجة فقال القشيري: رأَيتُ شيخاً من بني خَفَاجَه فقال الأَعرابي: ما شأنه؟ فقال: له إِذا جنَّ الظلامُ حاجَه فقال الأَعرابي: ما هي؟ قال: كحاجة الدّيك إِلى الدَّجاجَة فأستغرب الأَعرابي وقال: قاتلك الله ما أَعرفَك بسَرائر القوم. فانظر كيف بلغ بهذا المزج غايته ولسانه وعرضه مصون.

стр. 5955

(فالعاقل يربأ بنفسه عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحهم مطلقا، وكذلك عن مزاح من هو أكبر منه لما ذكرنا من الحقد وخرق الحرمة، ولا بأس به بين الإخوان بما لا أذى فيه ولا ضرر ولا غيبة ولا شين في عرض أو دين، قاصدا به حسن العشرة والتواضع للإِخوان والانبساط معهم ودفع الحشمة بينهم من غير استهتار أو إخلال بمروءة أو نحوه استنقاص بأَحد منهم، فقد قيل للخليل بن أحمد إنك تمازح الناس فقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا. وفي الاقتداء بمن ذكر والاقتفاء بآثارهم أعظم بركة، وفي الخروج عن ذلك الحد أشد عنآء وأبلغ هلكة، وخير الأمور أوساطها. (١٩) الغضب: يجب على المسلم أن يتخلى عن الغضب لأن الغضب يجعل الإنسان مفلوت الزمام مما يقوده إلى عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، والإنسان إذا كان غضبه يقوده لعب به الشيطان كما يلعب الصبيان بالكرة، وترك الغضب وصية النبي ﷺ بنص السنة الصحيحة (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن رجلاً قال للنبي ﷺ أوصني. قال لا تغضب. فردد مراراً قال: لا تغضب. (حديث أبي الدرداء في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال لا تغضب ولك الجنة. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ليس الشديد بالصُرعة و إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. (حديث معاذ ابن أنس في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن يُنْفِذَه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء. ﴿تنبيه﴾: (أن كظم الغيظ يمكن اكتسابه بترويض النفس فلا ينبغي للإنسان أن يستوطئ العجز ولا أن يقول أنني جُبلت على ذلك فإنه من يتحرى الخير يُعطه ومن يتق الشر يُوَقَّه بنص السنة الصحيحة. (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه. مسألة: ما هي كيفية علاج الغضب؟ هناك عدة أدوية نافعةٌ بإذن الله تعالى لعلاج الغضب منها: (١) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لقوله تعالى: (وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة: الأعراف - الآية: ٢٠٠]

стр. 5956

(حديث سليمان بن صرد في الصحيحين) قال: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبَّاً قد احمر وجهه فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. (٢) تغيير الحالة التي كان عليها الغضبان: (حديث أبي ذرٍ في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إذا غضب أحدكم و هو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب و إلا فليضطجع. (٣) استحضار ما ورد في ثواب كظم الغيظ: (حديث معاذ بن أنس الجُهَنِّي في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: من كظم غيظا و هو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء. (أخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي المتوكل أن أبا هريرة ﵁ كانت له زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها السوط يوماً فقال: لولا القصاص لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت لله. (٤) أن يسكت: (حديث ابن عباس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إذا غضب أحدكم فليسكت. (٥) أن يُروِّض نفسه على الحلم والأناة وكظم الغيظ فإنه من يتحرى الخير يعطه ومن يتقِ الشر يُوَقَّه. مسألة: كيف يكتسب الإنسان فضيلة كظم الغيظ حتى تصير من صفات؟ يكتسب الإنسان ذلك بشيئين: (أحدهما: ترويض النفس على الخير، فإن النفس إذا روضتها على الخير اكتسبت هذا الخلق وصار من صفاتها فإنه من يتحر الخير يعطه بنص السنة الصحيحة (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يوقه. (ومن يتحر الخير يعطه) أي ومن يجتهد في تحصيل الخير يعطه اللّه تعالى إياه (والثاني الصدق: فإن الله تعالى إذا اطَّلع على قلبك ورأى منك الصدق أوصلك إلى ما تصبو إليه. (حديث شداد بن الهادي في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: إن تصدق الله يصدقك. ﴿تنبيه﴾: (يستحب الغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى لأن ذلك من تعظيم حرمات الله تعالى: قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ) [سورة: الحج - الآية: ٣٠] والغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى من هَدْي النبي ﷺ .

стр. 5957

(حديث أبي مسعودٍ الأنصاري في الصحيحين) قال، قال رجل يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوِّل بنا فلان فما رأيت رسول الله أشد غضباً من يومئذٍ فقال يا أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة. (حديث عائشة في الصحيحين) قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله بها. (حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح السيرة النبوية) قال: طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، فمضى، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه، فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: ((أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكم بالذبح)). (أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشافعي قال: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن غضب فاسترضي فلم يرض فهو حمار. (٢٠) التكلم فيما لا يعنيه: من أشدِّ آفات اللسان التكلم فيما لا يعنيه فإنه قد يهوي بصاحبه في الهوةِ السحيقة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ. ((حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قَالَ: اسْتُشْهِدَ رَجُلٌ مِنَّا يَومَ أُحدٍ فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنْ الجُوعِ فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُرَابَ عَنْ وَجْهِِهِ وَقَالَتْ هَنِيئَاً لَكَ يَا بُنَي الجَنَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يُدْرِيِكِ لَعَلَهُ كَانَ يَتَكَلَمَ فِيمَا لَا يُعْنِيهِ وَيَمْنَعَ مَا لَا يَضُرُهُ.

стр. 5958

((حديث كعب بن عجرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَدَ كَعْبَاً فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا مَرِيضٌ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَى آتَاهُ فَلمَا دَخَلَ عَلَيهِ قَالَ أَبْشِرْ يَا كَعْبُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ هَنِيئَاً لَكَ الجَنَّةَ يَا كَعْبُ فَقَالَ: مَنْ هَذِه المُتَآلِيَةُ عَلَى اللهِ؟ قَالَ هِيَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ وَمَا يُدْرِيِكِ يَا أُمِّ كَعْب، لََعَلَ كَعْبَاً قَالَ مَا لَا يُعْنِيهِ أَو مَنَعَ مَا لَا يُغْنِيه. ((٣) قل خيراً أو اصمت: ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. (إنه أدب نبويٌ قولي للذين يهمون بالكلام أن يتريثوا ويتفكروا بكلامهم الذي يريدون أن يتكلموا به، فإن كان خيراً فنعم القول هو وليقله، وإن كان شراً فلينته عنه فهو خيرٌ له. (قال ابن حجر ﵀ في الفتح: وهذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فإذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر أو يئول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت (١). ((٤) فضل الصمت وقلة الكلام وكراهية كثرته: مسألة: ما هي أهمية الصمت وقلة الكلام؟ ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بالصمت إلا فيما فيه منفعة لأن في الصمت النجاة بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة ((حديث عبد الله بن عمرو الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: من صمت نجا. ((حديث جابر بن سمرة الثابت في صحيح الترمذي) قال كان رسول الله ﷺ طويل الصمت قليل الضحك. ((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ.

стр. 5959

((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. (أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن بشار قال: اجتمعنا ذات يوم في مسجد فما منا أحد إلا تكلم، إلا إبراهيم بن أدهم فإنه ساكت، فقلت: لم لا تتكلم؟ فقال: الكلام يظهر حمق الأحمق، وعقل العاقل، فقلت: لا نتكلم إذا كان هكذا الكلام، فقال: إذا اغتممت بالسكوت فتذكر سلامتك من زلل اللسان. (ولله درُ من قال: أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون واحفظ لسانك واحتفظ من غيه ... حتى يكون كأنه مسجون وكل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون (الآثار الواردة في الصمت وقلة الكلام: [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن مالك بن أنس قال: كل شيء ينتفع بفضله إلا الكلام فإن فضله يضر. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي الدرداء قال: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين منصت واع أو متكلم عالم. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الفضيل بن عياض يقول شيئان يقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الأكل. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الأحنف بن قيس قال: الصمت أمان من تحريف اللفظ وعصمة من زيغ المنطق وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الأحنف بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه. (ولله درُّ من قال: ما ذل ذو صمت وما من مكثر ... إلا يزل وما يعاب صموت إن كان منطق ناطق من فضة ... فالصمت در زانه الياقوت [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن وهيب بن الورد أن شابا كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب ويحسن الاستماع ثم ينصرف من قبل أن يتكلم ففطن له عمر فقال له إنك تحضر مجلسنا وتحسن الاستماع ثم تنصرف من قبل أن تتكلم فقال الشاب إني أحضر فأتوقى وأتنقى وأصمت فأسلم.

стр. 5960

[*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن كعب قال العافية عشرة أجزاء تسعة منها في السكوت. [*] (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الأوزاعي قال: ما بلى أحد في دينه ببلاء أضر عليه من طلاقة لسانه. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من كثر كلامه كثر سقطه. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عبد الله بن عمرو: دع ما لست منه في شئ ولا تنطق فيما لا يعنيك واخزن لسانك كما تخزن ورقك. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن وهيب بن الورد ﵀ قال كان يقال الحكمة عشر أجزاء فتسعة منها في الصمت والعاشرة عزلة الناس. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الأوزاعي قال قال سليمان بن داود صلى الله ﵉ إن كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن وهيب بن الورد ﵀ قال: إن الرجل ليصمت فيجتمع إليه لبه. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن النضر الحارثي قال كان يقال كثرة الكلام تذهب بالوقار. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن محمد بن عبد الوهاب الكوفي قال: الصمت يجمع للرجل خصلتين السلامة في دينه والفهم عن صاحبه. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عقيل بن مدرك أن رجلا قال لأبي سعيد الخدري ﵁ أوصني قال عليك بالصمت إلا في حق فإنك به تغلب الشيطان. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن كعب قال قلة المنطق حكم عظيم فعليكم بالصمت فإنه رعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عبد الرحمن بن شريح قال لو أن عبدا اختار لنفسه ما اختار شيئا أفضل من الصمت. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أبي مسهر ﵀ قال الصمت وعاء الأخيار. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عن شيخ من قريش قال قيل لبعض العلماء إنك تطيل الصمت فقال إني رأيت لساني سبعا عقورا أخاف أن أخلي عنه فيعقرني.

стр. 5961

(وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان الحارث بن محمد التميمي من قريش قال كان رجل يجلس إلى الشعبي فيطيل السكوت فقيل له ما يمنعك من الكلام فقال أَسْكُتُ فَأَسْلَم وَأَسْمَعُ َفَأعْلَمُ. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان سفيان قال بلغنا أن فتى كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب ﵁ فيستمع فيحسن الاستماع ثم يقوم من قبل أن يتكلم قال ففطن إلى ذلك عمر ﵁ فقال له أراك تحضر المجلس فتحسن الاستماع ثم تقوم من قبل أن تتكلم مع القوم ولا تدخل في حديثهم فعم ذاك قال له الفتى إني والله أحب أن أحضر فأستمع فأحسن الاستماع ثم أتنقى هو وأتوقى وسلم وأصمت لعلي أسلم قال يقول له عمر ﵁ يرحمك الله وأينا يفعل هذا؟ (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن خاقان بن عبد الله قال سمعت ابن المبارك وسئل عن قول لقمان لابنه إن كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب فقال عبد الله لو كان الكلام بطاعة الله من فضة فإن الصمت عن معصية الله من ذهب. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن إبراهيم ﵀ قال يهلك الناس في خلتين فضول المال وفضول الكلام. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن سلمان ﵁ قال: أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم كلاما في معصية الله. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن ابن مسعود ﵁ قال: إن أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أبي هريرة ﵁ قال أنذركم فضول الكلام بحسب أحدكم ما بلغ حاجته. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عطاء بن أبي رباح قال: إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه أو تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر أو تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها، قال تعالى: (وَإِنّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ) [الانفطار ١٠، ١١]،و قال تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ* مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق ١٧، ١٨] أما يستحي أحدكم أنه لو نشرت عليه صحيفته التي أملى صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.

стр. 5962

(وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن علي ﵁ قال لسان الإنسان قلم المَلَك وريقه مداده. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الأحنف بن قيس يقول قال الله عن اليمين وعن الشمال قعيد فصاحب اليمين بكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال فإن أصاب العبد خطيئة قال أمسك فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها وإن أبى إلا أن يصر كتبها. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن زيد بن علي ﵁ قال إذا خرجت الكلمة من فم الإنسان نظر الملك فإن كان أراد شرا أمضاها وإن كان لم يرد شرا وإنما كانت فلته قال له صاحبه لا تعجل لعله أن يستغفر الله منها فإن استغفر لم تكتب وكتب له حسنات الاستغفار. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الحسن قل يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان يكتبان عملك فأكثر ما شئت أو أقل. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن الربيع بن خثيم قال: لا خير في الكلام إلا في تسع تهليل وتكبير وتسبيح وتحميد وسؤالك من الخير وتعوذك من الشر وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وقراءتك للقرآن. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن إبراهيم التيمي قال المؤمن إذا أراد أن يتكلم نظر فإن كان كلامه له تكلم وإلا أمسك عنه والفاجر إنما لسانه رسلاً رسلا. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن عن نعيم كاتب عمر بن عبد العزيز ﵁ قال قال عمر بن عبد العزيز إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن يزيد بن أبي حبيب ﵁ قال من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه فإن في الاستماع سلامة وزيادة في العلم والمستمع شريك المتكلم في الكلام إلا من عصم الله ترمق وتزين وزيادة ونقصان. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن ابن عمر ﵄ قال إن أحق ما طهر الرجل لسانه. (وأورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أن أبا الدرداء ﵁ رأى امرأة سليطة اللسان فقال لو كانت هذه خرساء كان خيرا لها. ﴿تنبيه﴾: (ينبغي للمسلم أن يكون منهجه في الكلام أن يكون إذا تكلم غنم وإذا سكت سلم.

стр. 5963

(حديث أنس في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: رحم الله امرءاً تكلم فغنم أو سكت فسلم. قال ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: ما شيء أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من لساني [*] وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: أنصف أذنيك من فيك فإنما جُعلت لك أذنان وفمٌ واحد لتسمع أكثر مما تتكلم به. (وجاء الترغيب في الإقلال من الكلام في أيما حديث، وذلك لأن كثرته يكون سبباً في الوقوع في الإثم، فلا يأمن المُكثر منه، من فلتات لسانه وزلاته، فمن أجل ذلك جاء الترغيب في الإقلال من الكلام، والنهي عن كثرته، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث المغيرة بن شعبة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنَعَ وَهَاتِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ. (قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: وقوله: (وكره لكم ... قيل وقال) فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم، قاله النووي (١). (وأخبرنا النبي ﷺ في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن الثرثارون من أبغض الناس إليه وأبعدهم منه مجلساً يوم القيامة. ((حديث جابر الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ (٢) وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ. *معنى الثرثارون: كثيري الكلام *معنى المتشدقون: الذي يتشدَّقُ على الناس في الكلام ويبذو عليهم

стр. 5964

(قال أبو هريرة: لا خير في فضول الكلام. وقال عمر بن الخطاب: من كثُر كلامه كثُر سقطه ... وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لاخير في كثرة الكلام، واعتبر ذلك بالنساء والصبيان، أعمالهم أبداً يتكلمون ولا يصمتون .. (قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: قَالَ بَعْضُ قُضَاةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ عَزَلَهُ لِمَ عَزَلْتَنِي؟ فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ كَلَامَكَ مَعَ الْخَصْمَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ. وَتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ يَوْمًا فَأَكْثَرَ الْكَلَامَ وَأَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَإِلَى جَنْبِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ مَا تَعُدُّونَ الْبَلَاغَةَ؟ قَالَ: قِلَّةُ الْكَلَامِ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَعِيبُ كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَيَقُولُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي النِّسَاءِ أَوْ الضُّعَفَاءِ. وَقَالَ الْأَحْنَفُ: الْبَلَاغَةُ الْإِيجَازُ فِي اسْتِحْكَامِ الْحُجَّةِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ مَا يُكْتَفَى بِهِ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: لِرَجُلٍ كَثِيرٌ كَلَامُهُ: إنَّ الْبَلَاغَةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ , وَلَا بِخِفَّةِ اللِّسَانِ , وَلَا بِكَثْرَةِ الْهَذَيَانِ , وَلَكِنَّهُ إصَابَةُ الْمَعْنَى وَالْقَصْدُ إلَى الْحُجَّةِ. أهـ (ولله درُ من قال: إنَّمَا الْعَاقِلُ مَنْ أَلْجَمَ فَاهُ بِلِجَامِ: مُتْ بِدَاءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ دَاءِ الْكَلَامِ. ((٥) الكلمة الطيبة صدقة: (أخبرنا النبي ﷺ في سُنَّتِهِ المُشَرَّفَة أن الكلمة الطيبة صدقة وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ. (وربَّ كلمة طيبة أبعدت قائلها من النار، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: (

стр. 5965

((حديث عدي بن حاتم ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ. ((٦) إذا حدث الرجل لأخيه بحديث ثم التفت فهي أمانة: ((حديث جابر ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ. (هذا أدبٌ نبويٌ عظيم، حيث عدَّ النبي ﵌ التفات الرجل عند كلامه يميناً وشمالاً قائماً مقام إيداع السر وحفظه وعدم نقله. قال ابن رسلان: لأن التفاته إعلام لمن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد وأنه قد خصه سره، كان الالتفات قائماً مقام: اكتم هذا عني، أي خذه عني واكتمه وهو عندك أمانه (١). ((٧) تقديم الأكبر في الكلام: ((حديث رافع بن خَدِيج ﵁ الثابت في الصحيحين) أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ـ وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ ـ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صل ﷺ «كَبِّرْ الْكُبْرَ» ـ قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ ـ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ ـ أَوْ قَالَ صَاحِبَكُمْ ـ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ.

стр. 5966

((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ. ((حديث أنس الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يوقر كبيرنا. ((حديث أبي موسى الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: إن من إجلالِ الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم و حاملَ القرآن غير الغالي فيه و الجافي عنه و إكرامَ ذي السلطان المقسط. ((حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: ليس منا من لم يجل كبيرنا و يرحم صغيرنا! ويعرف لعالمنا حقه. ((حديث جابر ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَمَرَنِي جِبْرِيْلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ. ((حديث سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا فَكُنْتُ أَحْفَظُ عَنْهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا أَنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي. (ولقد تطبّع أفراد المجتمع المسلم بذلك الخلق وتوارثوا توقير الكبير واحترامه وتقديره انقياداً لتعاليم دينهم، واتباعاً لسنة رسولهم ﷺ ، فكان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ من أشد الناس توقيراً لإخوانه ولمن هو أسن منه، فقد روى عنه المروزي أنه جاءه أبو همام راكباً على حماره، فأخذ له الإمام أحمد بالركاب. وقال المروزي: رأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ (١).

стр. 5967

(وذكر ابن الجوزي عن ابن سعيد الأشج أنه قال: ((حدثنا ابن إدريس، عن ليث، قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: لو كنت أسن مني بليلة ما تقدمتك)) (١)، فهذا خُلُقُهُم ﵏ فالأسن مقدم ولو كان الفارق ليلة فكيف بسنة أو سنوات؟! فذلك من باب أولى، وروى الحسن بن منصور قال: كنت مع يحيى وإسحاق بن راهويه يوماً نعود مريضاً فلما حاذينا الباب تأخر إسحاق، وقال ليحيى: تقدم أنت، قال: يا أبا زكريا أنت أكبر مني (٢). ((٨) عدم مقاطعة الحديث: من الأدب عدم قطع حديث الناس، لأنهم قد يكونوا شغوفين بمتابعة الحديث، فإذا تكلم بعضهم وبتر كلامهم، فإن ذلك يشق عليهم ويوغر صدورهم، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. الشاهد قوله: (فمضى رسول الله ﷺ يحدث) أي: ولم يقطع حديثه، وذلك لأن الحق لمن كان بالمجلس لا لهذا السائل، فناسب أن لا يقطع النبي ﵌ حديثه حتى يقضيه.

стр. 5968

(ويستأنس أيضاً بقول ترجمان القرآن، ابن عباس ﵄. قال ابن عباس لعكرمة: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين فإن أكثر فثلاث مرار ولا تملَّ الناس هذا القرآن. ولا ألفينك تأتي القوم وهو في حديثٍ من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه .. الحديث (١). فقد بين ابن عباس-﵄ علة النهي عن قطع الحديث، وهو جلب الملالة والسآمة لهم، ثم أرشده بحسن الاستماع، وإذا طلبوا منك التحديث فحدثهم فإنه أدعى لقبول ما تقول حيئنذٍ. ((٩) التأني في الكلام وعدم الإسراع فيه: العجلة في الحديث مظنة عدم فهم الكلام على وجهه من لدن المستمع، ولذا كان كلام النبي ﵌ لا عجلة فيه يفهمه من جلس إليه، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ. ((حديث عائشة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَتْ كَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ. ((حديث جابر الثابت في صحيح أبي داود) قَالَ: كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْتِيلٌ أَوْ تَرْسِيلٌ. ((١٠) يكرر كلامه ثلاثاً تأسياً بالنبي ﷺ : ((حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا. ((١١) خفض الصوت عند الكلام: قال تعالى: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنّ أَنكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: ١٩]. قوله تعالى: ﴿واغضض من صوتك﴾ أدباً مع الناس ومع الله. (أَنكَرَ الأصْوَاتِ): أي أفضعها وأبشعها ﴿لصوت الحمير﴾. فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار الذي قد علمت خسته وبلادته، قاله ابن سعدي (٢). ولا شك أن رفع الصوت على الغير سوءٌ في الأدب، وعدم احترام للآخرين. (قال ابن مفلح ﵀ في الآداب الشرعية:

стр. 5969

قال الشيخ تقي الدين: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له ... وقال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله الله للحمير (١). ((١٢) ألفاظ وكلمات تُجتنب: تدور على ألسنة بعض المتكلمين عباراتٌ وألفاظٌ نهى الشرعٌ عنها، وقد لا يعلمون حكمها وهم الأكثر، وقد يُعلم حكمها ولكن تُقال نسياناً، وأشرهم الذي يتفوه بها عالماً عامداً. وفي هذا المقام لا يمكننا الإحاطة بهذه الألفاظ، ولكن حسبنا بذكر بعضها على سبيل الاختصار، وما لا يدرك كله لا يترك جله. مسألة: بعض الناس يقول: تصحيح الألفاظ غير مهم مع سلامة القلب؟ الجواب: إن أراد بتصحيح الألفاظ إجراءها على اللغة العربية، فهذا صحيح فإنه لا يهم- من جهة سلامة العقيدة- أن تكون الألفاظ غير جارية على اللغة العربية ما دام المعنى مفهوماً وسليماً. أما إذا أراد بتصحيح الألفاظ، ترك الألفاظ التي تدل على الكفر والشرك، فكلامه غير صحيح بل تصحيحها مهم، ولا يمكن أن نقول للإنسان أطلق لسانك في قول كل شيء ما دامت النية صحيحة بل نقول الكلمات مقيدة بما جاءت به الشريعة الإسلامية. قاله ابن عثيمين (٢). أ- الفاظ التكفير والتبديع والتفسيق: ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا. (وقليلٌ ممن أعمى الله بصيرتهم ولغوا في أعراض الناس تكفيراً وتبديعاً وتفسيقاً، وكأن الله تعبدهم بذلك، والواحد منهم يُطلق عبارة التكفير أو التبديع أو التفسيق وهو منشرحٌ بها صدره، مع أن السلف من الصحابة ومن سار على هداهم من أئمة الإسلام «كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد» كانوا يتحرجون من ذلك كثيراً، وخصوصاً في التكفير، حيث لم يتلفظوا بشيء من ذلك إلا بعد أن قامت لديهم أدلة لا تقبل الشك، وانتفت في حق المعين الموانع، وقامت عليه الحجة، ((حديث أبي بكرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَةِ الوَدَاعِ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَغَتْ.

стр. 5970

(قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا: فَجَمَعَ النبي ﷺ بَيْنَ الدَّمِ وَالْعِرْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيغَارِ الصُّدُورِ، وَإِبْدَاءِ الشُّرُورِ، وَإِظْهَارِ الْبَذَاءِ، وَاكْتِسَابِ الأعداء، وَلاَ يَبْقَى مَعَ هَذِهِ الأمور وَزْنٌ لمرموقٍ وَلاَ مُرُوءَةٌ لِمَلْحُوظٍ ثُمَّ هُوَ بِهَا مَوْتُورٌ مَوْزُورٌ؛ وَلِأَجْلِهَا مَهْجُورٌ مَزْجُورٌ. ((حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمَنْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ. (ومعنى اقترض: أي اقتطع، والمراد أنه نال من أخيه المسلم بالطعن فيه. [*] (أورد أبو الشيخ الأصبهاني رحمه الله تعالى في التوبيخ والتنبيه عن المحاربي قال: قيل للربيع بن خثيم: مالك لا تذم الناس؟ قال: والله ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم غيرها، إن الناس خافوا الله في ذنوب غيرهم، وأمنوه على ذنوبهم. ب- قول الرجل هلك الناس: ((حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ. قوله: (فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) بالرفع: أي أشدهم هلاكاً، وبالفتح أي: جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا حقيقة (١). (قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم:

стр. 5971

واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس به، كما قال: لا أعرف من أمة النبي ﷺ إلا أنهم يصلون جميعاً، هكذا فسره الإمام مالك وتابعه الناس عليه. وقال الخطابي: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم والله أعلم (١). ت -الحلف بغير الله تعالى: ((حديث عمر ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ. ((حديث ابن عمر ﵄ الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ. (والحلف بغير الله تعالى كأن يقسم بأي شيء من مخلوقاته، فهو الخالق المتصرف في ملكه، فالناس والجن والشجر والجبال والسماء والأرض خلقه فله أن يقسم بما شاء منها. وأما الخلق فلا يقسموا بغير مليكهم وخالقهم. (قال ابن حجر ﵀ في الفتح: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (٢).

стр. 5972

والحلف من المخلوقين يكون بأحد حروف القسم الثلاثة مضافة إلى الله: الواو والباء والتاء، تقول: تالله، وبالله، و والله. أو الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته. قال البخاري: باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته. ثم قال ... وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ يبقى رجلٌ بين الجنة والنار فيقول يارب اصرف وجهي عن النار لا وعزتك لا أسألك غيرها (١). وقد يكون الحلف بإضافة شيء من مخلوقات الله إليه، كإضافة الكعبة والسماء والأرض إليه ، كقولك: ورب الكعبة، ورب السماء ونحو ذلك، مع تنزيه الباري -جل وعلا- عن إضافة المخلوقات التي يستقبح ذكرها إليه، وإن كان هو خالقها، ولكن الأدب مع الله يقتضي ذلك، كما في دعاء النبي ﷺ المشهور: (والشر ليس إليك) (٢). مع أنه خالق الخير والشر. وهناك ألفاظ سُمعت من النبي ﷺ ، وهي تندرج تحت الأقسام الثلاثة السابقة: كقوله ﷺ (وأيم الله) وقوله: (والذي نفسي بيده) وقوله: (لا ومقلب القلوب) (٣). (ومنه الحلف بالأمانة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة: ((حديث بريدة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا. (ومن ذلك أيضاً الحلف بالنبي، وبالحياة، يقول: (وحياتك) أو (وحياة فلان) وغير ذلك من الحلف بغير الله. ث- الحلف بالطلاق: شاع عند بعض جهال الناس الحلف بالطلاق، فيقول: عليَّ الطلاق لا أفعلن كذا، أو عليَّ الطلاق ثلاثاً لا أفعله ونحو ذلك. وهذا الجاهل قد يتسبب في خراب بيته، وظلمه لأهله الذين لا ذنب لهم، والذنب ذنب الأحمق الذي أطلق لسانه بدون روية أو تبصر بعاقبة الأمور. وقد يكون المحلوف عليه بالطلاق أمراً ليس ذي بال، كحلف الرجل على الرجل لدخول بيته ونحو ذلك. (والحلف بالطلاق اختلف أهل العلم في وقوعه عند الحنث فيه، فجمهورهم على أن الحانث فيمن حلف بالطلاق أنه يقع طلاقه، وطائفة من أهل العلم أجراه مجرى اليمين، فليزمه كفارة يمين عند الحنث.

стр. 5973

(قال ابن عثيمين في جواب له: أما أن يحلفوا بالطلاق مثل عليَّ الطلاق أن تفعل كذا، أو علي الطلاق ألا تفعل كذا، أو إن فعلت كذا فامرأتي طالق، أو إن لم تفعل فامرأتي طالق، وما أشبه ذلك من الصيغ فإن هذا خلاف ما أرشد إليه النبي ﷺ . وقد قال كثيرٌ من أهل العلم بل أكثر أهل العلم أنه إذا حنث في ذلك فإن الطلاق يلزمه وتطلق منه امرأته، وإن كان القول الراجح أن الطلاق إذا استعمل استعمال اليمين بأن كان القصد منه الحث على الشيء أو المنع منه أو التصديق أو التكذيب أو التوكيد، فإن حكمه حكم اليمين لقول الله تعالى: (يَأَيّهَا النّبِيّ لِمَ تُحَرّمُ مَآ أَحَلّ اللّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللّهُ لَكُمْ تَحِلّةَ أَيْمَانِكُمْ) [التحريم ١، ٢] فجعل الله التحريم يميناً. ثم ذكر الحديث الآتي: ((حديث عمر الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ. وهذا لم ينو الطلاق إنما نوى اليمين أو نوى معنى اليمين، فإذا حنث فإنه يجزأه كفارة يمين، هذا هو القول الراجح (١). ج- قول الرجل للمنافق سيد أو ياسيدي: ((حديث بريدة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ . (قال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داوود: قوله: (فإن يك سيداً) أي سيد قوم أو صاحب عبيد وإماء وأموال (فقد أسخطتم ربكم عزوجل) أي أغضبتموه لأنه يكون تعظيماً له وهو ممن لا يستحق التعظيم، فكيف إن لم يكن سيداً بأحد من المعاني فإنه يكون مع ذلك كذباً ونفاقاً ... وقال ابن الأثير: لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن كان سيدكم وهو منافق، فحالكم دون حاله، والله لا يرضى لكم ذلك، قاله في عون المعبود (٢).

стр. 5974

﴿تنبيه﴾: (درج كثيرٌ ممن يتكلم باللغة الإنجليزية من المسلمين على استخدام كلمة ( mister) في مخاطباتهم جرياً على عادة أهلها، والتي تعني سيد أو سيدي. والنهي جاء في حق المنافق، فمن باب أولى ينهى عن خطاب المسلم ومناداته للكافر بهذا اللفظ، فالعبرة بالمعاني والمقصود لا بالمباني، والله أعلم. قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة: فصل: خطاب الكتابي بسيدي ومولاي. وأما أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحو ذلك فحرام قطعاً (١). ح- سب الدهر: ((حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. (كانت من عادة الجاهلية أنهم اذا أصيبوا بنازلة أو مصيبة أن يسبوا الدهر، وبعض هذه الأمة -وهم قلة- ممن اتصف بصفات أهل الجهل، تجده يحاكيهم عند نزول المصائب. وفي الحديث نهيٌ عن سب الدهر؛ وذلك لأن سب الدهر هو سبٌ لخالق الدهر ومصرفه ومقلبه، فنهو عن سب الدهر لئلا يقعوا في سب خالقه (٢). مسألة: هل يقال هذا (زمان أقشر) أو (الزمن غدار) أو (يا خيبة الزمن الذي رأيتك فيه)؟ الجواب: قال ابن عثيمين -حفظه الله- هذه العبارات التي ذكرت في السؤال تقع على وجهين: الوجه الأول: أن تكون سباً وقدحاً في الزمن فهذا حرام. ولا يجوز، لأن ما حصل في الزمن فهو من الله فمن سبّه فقد سبّ الله، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدهر وأنا الدهر. بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار. والوجه الثاني: أن يقولها على سبيل الإخبار فهذا لا بأس به، ومنه قوله تعالى عن لوط، ﵊: ﴿وقال هذا يومٌ عصيب﴾ أي شديد، وكل الناس يقولون: هذا يومٌ شديد. وهذا يومٌ فيه كذا وكذا من الأمور وليس فيه شئ. وأما قول: (هذا الزمن غدار) فهذا سبّ لأن الغدر صفة ذم ولا يجوز. وأما قول: (يا خيبة اليوم الذي رأيتك فيه) إذا قصد يا خيبتي أنا، فهذا لا باس فيه، وليس سباً للدهر، وإن قصد الزمن أو اليوم فهذا سبه له فلا يجوز (٣). خ- قول: (حرام عليك) أو (حرام عليك أن تفعل كذا):

стр. 5975

لا يجوز أن يوصف شيء بالتحريم إلا أن يكون شيئاً حرمه الله أو رسوله، وذلك أن وصف شيء غير محرم بالحرمةـ ولو مع سلامة النية ـ فيه تعدي على جناب الربوبية، وفيه إيهام بأن ذلك الشيء محرم وهو ليس كذلك. والأسلم للمرء في دينه أن يبتعد عن هذا اللفظ (١). ويُخشى على قائل ذلك أن يدخل في عموم قوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هََذَا حَلاَلٌ وَهََذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُواْ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ إِنّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىَ اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) [النحل: ١١٦]. قال الشوكاني: ومعناه أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قولٍ تنطق به ألسنتكم من غير حجة (٢). ((١٣) لزوم الصدق ومجانبة الكذب: [*] (عناصر لزوم الصدق ومجانبة الكذب: (الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: (تعريف الصدق: (مراتب الصدق: (من أقوال السلف في الصدق: (حث الشريعة على التحلي بالصدق: (شرح آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ): (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً: (صور من حياة الأنبياء والصالحين مع الصدق: (مجالات الصدق: (دواعي الصدق: (علامات الصدق: (أمور مهمة في الصدق وأهله: (الصدق المذموم: (الحث على الاهتمام بتربية الأولاد على الصدق: (الصدق في البيع والشراء: (الكذب أضراره وعواقبه: (تحريم الكذب في الرؤيا: (عقوبة الكذب: (تحذير السلف من الكذب: (دواعي الكذب: (تحريم الكذب في المزاح: (لا تجمعن جوعا وكذبا: (علامات الكذب: (مواطن جواز الكذب: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: (الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين:

стр. 5976

منزلة الصدق من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: والصدق له فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم، فهي نعمةٌ عظيمة، وَمِنَّةٌ جسيمة، نعمة كبرى، ومنحة عظمى، شأنه عظيم، ونفعه عميم، له فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، وله أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة، وهو طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، وهو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ المنازل كلها، والطريق الأقوم الذي من لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين، به تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وأهل الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، هو روح الأعمال ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، وهو الباب الذي يدخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، ودرجته تالية على النبوة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكن النبيين تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين. وقد أمر الله أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخص الله المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) [النساء:٦٩]. وقد أخبر الله عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان والإسلام، والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق، فقال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة:١٧٧]

стр. 5977

وهذا صريح في أن الصدق في الأعمال الظاهرة والباطنة وأنه هو الإيمان والإسلام. وأخبر أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذاب الله إلا صدقه، قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة:١١٩]. وعقد البخاري رحمه الله تعالى في كتابه الجامع الصحيح باباً بعنوان: باب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:١١٩] وما ينهى عن الكذب. [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصدق «وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين» «والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين» وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرْدَاه وَصَرَعَه، من صال به لم ترد صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال وَمَحَكُ الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، «وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين» ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين ومن مساكنهم في الجنات: تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين. (وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين: وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] «فهم الرفيق الأعلى وحسن أولئك رفيقا» ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا، ولهم مرتبة المعية مع الله فإن الله مع الصادقين ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين.

стр. 5978

(وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له فقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] (وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم: من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق فقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان. (وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق فقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤] (والإيمان أساسه الصدق والنفاق أساسه الكذب فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٤] فالذي جاء بالصدق: هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد. والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به: تكون صديقيته ولذلك كان لأبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه: ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق و الصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق

стр. 5979

فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل. (وقد أمر الله تعالى رسوله أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٨٠] (وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أنه يهب له لسان صدق في الآخرين فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] (وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ومخرج الصدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة وكذلك مدخله المدينة: كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ولا لله بل كان محادة لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله ﷺ حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب: أصابه معهم ما أصابهم «فكل مدخل معهم ومخرج كان بالله ولله وصاحبه ضامن على الله فهو مدخل صدق ومخرج صدق»

стр. 5980

(وكان بعض السلف إذا خرج من داره: رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك، يريد أن لا يكون المخرج مخرج صدق ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه: بخروجه من مكة ودخوله المدينة، ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه وإلا فمداخله كلها مداخل صدق ومخارجه مخارج صدق «إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته» وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو مدخلا آخر إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل واحد ومدخله: لا يعدو الصدق والكذب والله المستعان. ((وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه من سائر الأمم بالصدق، ليس ثناء بالكذب كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٠] والمراد باللسان ههنا: الثناء الحسن فلما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقا وَعَبَرَ به عنه فإن اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا واللغة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقوله: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] وقوله: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ويراد به الجارحة نفسها كقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] ((وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة وفسر بمحمد وفسر بالأعمال الصالحة وحقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه يوم القيامة وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك فمن فسره بها أراد: ما يقدمون عليه ومن فسره بالأعمال وبالنبي: فلأنهم قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم فالثلاثة قدم صدق. ((وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب ﵎ ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق ودوامه ونفعه وكمال عائدته فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله فهو صدق غير كذب وحق غير باطل ودائم غير زائل ونافع غير ضار وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل. ((ومن علامات الصدق: طمأنينة القلب إليه، ومن علامات الكذب: حصول الريبة. (ثم ذكر الإمام ابن القيم ﵀ الأحاديث الآتية:

стр. 5981

(حديث علي الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة و الكذب ريبة. (ثم قال رحمه الله تعالى: فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها وهي غايته فلا ينال درجتها كاذب البتة لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله ولا سيما كاذب على الله في أسمائه وصفاته ونفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه عن نفسه فليس في هؤلاء صديق أبدا وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما حرمه وتحريم ما لم يحرمه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما لم يوجبه وكراهة ما أحبه واستحباب ما لم يحبه كل ذلك مناف للصديقية وكذلك الكذب معه في الأعمال: بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين والزاهدين المتوكلين وليس في الحقيقة منهم «فلذلك كانت الصديقية كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرا وباطنا» حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما وكذبهما يمحق بركة بيعهما كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما: محقت بركة بيعهما. (تعريف الصدق: الصدق هو: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه، فإذا طابق قولك ما في ضميرك والشيء الذي تخبر عنه فأنت صادق، والعكس بالعكس، فإذا انخرم شرط لم يكن صدقاً، بل إما أن يكون كذباً أو متردداً بينهما ـ يعني بين الصدق والكذب ـ كقول المنافق: محمد رسول الله، فهو من جهة المطابقة للمخبر عنه وهو النبي ﵊ كذلك فإنه رسول الله حقاً، لكن من جهة ما يعتقده المنافق في ضميره فهو كذاب، ويصح أن يقال كذب؛ لمخالفة قوله لضميره. وقد يستعمل الصدق والكذب في الاعتقاد وفي الفعل كما قال الصحابي للنبي ﷺ : [إنا قوم صدق في القتال] في الحرب، ومنه قوله تعالى: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الصافات:١٠٥] عملنا بمقتضاها إذاً: هو قول الحق المطابق للواقع والحقيقة. (مراتب الصدق: والصدق على مراتب، والصادقون على مراتب، فالصدِّيق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب الصدق هي مرتبة الصديقية التي أشار الله إليها بقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ) [النساء:٦٩] وسمي أبو بكر الصديق صديقاً لكثرة تصديقه للنبي ﷺ .

стр. 5982

(من أقوال السلف في الصدق: [*] (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: (قال عبد الواحد بن زيد: الصدق الوفاء لله بالعمل. (وقيل: موافقة السر النطق. (وقيل: استواء السر والعلانية يعني أن الكاذب علانيته خير من سريرته كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه: (وقيل: الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة. (وقيل: كلمة الحق عند من تخافه وترجوه.

стр. 5983

(وقال الجنيد: الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة، وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وقد يسبق إلى الذهن خلافه وأن الكاذب متلون لأن الكذب ألوان فهو يتلون بتلونه والصادق مستمر على حالة واحدة فإن الصدق واحد في نفسه وصاحبه لا يتلون ولا يتغير لكن مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا فإن المعارضات والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكاذب المرائي بل هو فارغ منها فإنه لا يرد عليه من قبل الحق موارد الصادقين على الكاذبين المرائين ولا يعارضهم الشيطان كما يعارض الصادقين فإنه لا أرب له في خربة لا شيء فيها وهذه الواردات توجب تقلب الصادق بحسب اختلافها وتنوعها فلا تراه إلا هاربا من مكان إلى مكان ومن عمل إلى عمل ومن حال إلى حال ومن سبب إلى سبب لأنه يخاف في كل حال يطمئن إليها ومكان وسبب: أن يقطعه عن مطلوبه فهو لا يساكن حالة ولا شيئا دون مطلوبه فهو كالجوال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء والأحوال والأسباب تتقلب به وتقيمه وتقعده وتحركه وتسكنه حتى يجد فيها ما يعينه على مطلوبه وهذا عزيز فيها فقلبه في تقلب وحركة شديدة بحسب سعة مطلوبه وعظمته وهمته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حال أو يساكن شيئا غيره فهو كالمحب الصادق الذي همته التفتيش على محبوبه، وكذا حال الصادق في طلب العلم وحال الصادق في طلب الدنيا فكل صادق في طلب شيء لا يستقر له قرار ولا يدوم على حالة واحدة وأيضا: فإن الصادق مطلوبه رضا ربه وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أين توجهت ركائبها ويستقل معها أين استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع ثم في أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو في قيام بسبب فيه عمارة الدين والدنيا ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم إن أمكن إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع فهو في تفرق دائم لله وجمعية على الله لا يملكه رسم ولا عادة ولا وضع ولا يتقيد بقيد ولا إشارة ولا بمكان معين يصلى فيه لا يصلى في غيره وزي معين لا يلبس سواه وعبادة معينة لا يلتفت إلى غيرها مع فضل غيرها عليها أو هي أعلى من غيرها في الدرجة وبعد ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض فإن البلاء والآفات والرياء والتصنع وعبادة النفس وإيثار مرادها والاشارة إليها: كلها في هذه الأوضاع والرسوم والقيود التي

стр. 5984

حبست أربابها عن السير إلى قلوبهم فضلا عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه وزيه وقيده وإشارته ولو إلى أفضل منه استهجن ذلك ورآه نقصا وسقوطا من أعين الناس وانحطاطا لرتبته عندهم وهو قد انحط وسقط من عين الله وقد يحس أحدهم ذلك من نفسه وحاله ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيه وقيوده: أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه وهذا شأن الكذاب المرائي الذي يبدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه العامل على عمارة نفسه ومرتبته وهذا هو النفاق بعينه ولو كان عاملا على مراد الله منه وعلى الصدق مع الله: لأثقلته تلك القيود وحبسته تلك الرسوم ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه ولما بالى أي ثوب لبس ولا أي عمل عمل إذا كان على مراد الله من العبد فكلام أبي القاسم الجنيد حق كلام راسخ في الصدق عالم بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب وأيضا «فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم» فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل «والرياء والكذب خفيف كالريشة» لا يجد له صاحبه ثقلا البتة فهو حامل له في أي موضع اتفق بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله. (وقال بعضهم: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره. (وقال بعضهم: الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سره لو كشف قال الله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] قلت: هذه الآية فيها للناس كلام معروف قالوا: إنها معجزة للنبي أعجز بها اليهود ودعاهم إلى تمني الموت وأخبر: أنهم لا يتمنونه أبدا وهذا علم من أعلام نبوته إذ لا يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بأخبار الغيب ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا. (وقال سهل بن عبد الله: أول خيانة الصديقين: حديثهم مع أنفسهم. (وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق أحب إلي من أضرب بسيفي في سبيل الله.

стр. 5985

(وقال الحارث المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطِّلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من علامات الصديقين وفي هذا نظر لأن كراهته لاطلاع الناس على مساوىء عمله من جنس كراهته للضرب والمرض وسائر الآلام وهذا أمر جبلي طبيعي ولا يخرج صاحبه عن الصدق لا سيما إذا كان قدوة متبعا فإن كراهته لذلك من علامات صدقة لأن فيها مفسدتين: مفسدة ترك الاقتداء به واتباعه على الخير وتنفيذه ومفسدة اقتداء الجهال به فيها فكراهيته لاطلاعهم على مساوئ عمله: لا تنافي صدقه بل قد تكون من علامات صدقه نعم المنافي للصدق: أن لا يكون له مراد سوى عمارة حاله عندهم وسكناه في قلوبهم تعظيما له فلو كان مراده تنفيذا لأمر الله ونشرا لدينه وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ودعوة إلى الله: فهذا الصادق حقا والله يعلم سرائر القلوب ومقاصدها وأظن أن هذا هو مراد المحاسبي بقوله: ولا يكره اطلاع الناس على السيء من عمله فإنهم يريدون ذلك فضولا ودخولا فيما لا يعني فرضي الله عن أبي بكر الصديق حيث قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقا أو عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه فهذا وأمثاله يعدونه ويرونه من سيء الأعمال عند العوام والجهال. (وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت قيل: وما الفرض الدائم قال: الصدق. (وقيل: من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل. (وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك. (وقيل: ما أملق تاجر صدوق: [*] (أورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن الأستاذ القشيري ﵀ قال: الصدق عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، قال: وأقل الصدق استواء السر والعلانية. [*] (وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن " سهل " رحمه الله تعالى قال: " لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره ". [*] (وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن ذي النون ﵀ أنه قال: الصدق سيف الله، وما وضع على شيء إلا قطعه.

стр. 5986

[*] (وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن الإمام العارف الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى قال: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه؛ ولا يحب إطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله؛ ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله، فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم؛ وليس هذا من إخلاص الصديقين! [*] (وأورد النووي رحمه الله تعالى في كتابه بستان العارفين عن الجنيد ﵁ قال: " الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة ". والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة! ". (قال النووي رحمه الله تعالى: قلت: معناه أن الصادق يدور مع الحق كيف كان؛ فإذا رأى الفضل الشرعي في أمر عمل به، وإن خالف ما كانت عليه عادته، وإذا عرض أهم منه في الشرع ولا يمكن الجمع بينهما، انتقل إلى الأفضل، ولا يزال هكذا، وربما كان في اليوم الواحد على مائة حال، أو ألف أو أكثر، على حسب تمكنه في المعارف وظهور الدقائق له واللطائف. وأما المرائي: فيلزم حالة واحدة بحيث لو عرض له مهم يرجحه الشرع عليها في بعض الأحوال لم يأت بهذا المهم؛ بل يحافظ على حالته لأنه يرائي بعبادته وحاله المخلوقين، فيخاف من التغير ذهاب محبتهم إياه فيحافظ على بقائها! «والصادق يريد بعبادته وجه الله تعالى، فحيث رجح الشرع حالًا صار إليه»، ولا يعرج على المخلوقين. (أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عاملوا الله بالصدق في السر، فإن الرفيع من رفعه الله، وإذا أحب الله عبداً أسكن محبته في قلوب العباد. (أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: ما تزين الناس بشيء أفضل من الصدق، والله يسأل الصادقين عن صدقهم، منهم عيسى بن مريم ﵇، كيف بالكذابين المساكين، ثم بكى وقال: أتدرون في أي يوم يسأل الله عيسى ابن مريم ﵇؟ يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين آدم فمن دونه، ثم قال: وكم من قبيح تكشفه القيامة غداً. (أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الفضيل بن عياض يقول ما من مضغة أحب إلى الله من لسان صدوق وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أسعد بن عبيد الله المخزومي قال أمرني عبد الملك بن مروان أن أعلم بنيه الصدق كما أعلمهم القرآن.

стр. 5987

(أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن علي ﵁ قال زين الحديث الصدق. (أورد ابن أبي الدنيا ﵀ في الصمت وآداب اللسان عن أبي حصين أن رجلا أتى ابن مسعود ﵁ فقال علمني كلمات نوافع جوامع فقال تعبد الله وتشرك به شيئا وتزول مع القرآن أين ما زال ومن جاءك بالصدق من صغير أو كبير وإن كان بعيدا بغيضا فاقبله منه ومن أتاك يكذب من صغير أو كبير وإن كان حبيبا قريبا فاردده عليه. (حث الشريعة على التحلي بالصدق: وقد حثت الشريعة على التحلي بهذا الخلق العظيم، فقال النبي ﷺ موضحاً ما أمر الله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد. ((حديث ابن مسعودٍ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر و إن البر يهدي إلى الجنة و ما يزال الرجل يصدق و يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار و ما يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا. ((حديث عبادة بن الصامت ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة اصدقوا إذا حدثتم و أوفوا إذا وعدتم و أدوا إذا ائتمنتم و احفظوا فروجكم و غضوا أبصاركم و كفوا أيديكم. (حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: خير الناس ذو القلب المخموم و اللسان الصادق قيل: ما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه و لا بغي و لا حسد قيل: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن. فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة: ومفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا.

стр. 5988

إذاً: صاحب اللسان الصادق والقلب المخموم، السليم من الإثم والبغي والحسد هو خير الناس. وقد كان أحب الحديث إلى النبي ﷺ أصدقه، وورد ذلك في صحيح البخاري: لما جاء وفد هوازن مسلمين فسألوا النبي ﵊ أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم؛ لأن أموالهم وسبيهم قد أخذت من قبل المسلمين في المعركة، لكن القوم الكفار أسلموا بعد ذلك، فقال لهم رسول الله ﷺ : (معي من ترون وأحب الحديث إليَّ أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبي وإما المال.) إلى آخر الحديث الذي فيه تنازل المسلمين عن السبي لصالح وفد هوازن الذين جاءوا مسلمين. (شرح آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ): قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] الأمر بالكون مع أهل الصدق حسنٌ بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا، هذه الآية قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] كانت بعد ذكر قصة الثلاثة الذي خلفت التوبة عليهم وأرجأ الله أمرهم امتحاناً لهم ولبقية المؤمنين، وجاء المنافقون من الأعراب يعتذرون ويكذبون، وهؤلاء الثلاثة صدقوا الله ورسوله فأرجأ الله التوبة عليهم وسموا بالمخلفين وكان مما أمر الله به في الآيات التي جاءت تعقيباً على تلك القصة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩]. (قال القرطبي رحمه الله تعالى: الأمر بالكون مع أهل الصدق حسنٌ بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا حين نفعهم صدقهم وذهب بهم عن منازل المنافقين. قال مطرف: سمعت مالك بن أنس يقول: [قل ما كان رجل صادقاً لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف] هذا من فوائد الصدق.

стр. 5989

وقوله تعالى: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] اختلف فيهم: فقيل خطاب لمن آمن من أهل الكتاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة:١١٩] أي: المؤمنين والصادقين قيل: خطاب لمن آمن من أهل الكتاب، وقيل: هو خطاب لجميع المؤمنين أن اتقوا مخالفة الله وكونوا مع الصادقين الذي خرجوا مع النبي ﷺ لا مع المنافقين، وقيل: كونوا على مذهب الصادقين وسبيلهم، وقيل: هم الأنبياء، أي: كونوا معهم بالأعمال الصالحة فتدخلوا الجنة بسببها فتكونوا معهم أيضاً. ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً: والحديث العظيم المشهور في الصدق الذي يبين فيه النبي ﷺ الصدق ويوصيهم به: (فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً). والكذب -أيضاً- (لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار). قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح الآخر: (عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار، وسلوا الله اليقين والمعافاة). وهذا الحديث الذي فيه قوله: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة) عليكم بالصدق أي: الزموه، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق -يعني- في قوله وعمله ويبالغ ويجتهد حتى يكتب عند الله صديقاً، فهذا يعني أن الصدق لا يصل إليه الإنسان إلا بالمجاهدة، ولا يزال يصدق ويتحرى الصدق، يتعمد ويتحرى ويقصد الصدق، ولا يزال ديدنه وعادته حتى يصل إلى المرحلة العظيمة وهي أنه عند الله صديقاً، يكتب أي: يثبت عند الله. قال الإمام النووي معلقاً على الحديث: فيه فضيلة الصدق وملازمته وإن كان فيه مشقة فإن عاقبته خير. (حتى يكتب عند الله صديقاً) فيه إشارة إلى حسن خاتمة هذا الرجل؛ لأنه قال: (ولا زال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) فإذا كتب عند الله صديقاً فهذه إشارة إلى حسن خاتمته، وإشارة إلى أن الصدق مأمول العواقب. (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً:

стр. 5990

والجولة الآن مع الأنبياء والصالحين في الصدق كما حكى الله تعالى عنهم. أمر الله رسوله ﷺ أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) [الإسراء:٨٠]. وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يهب له لسان صدقٍ في الآخرين، فقال: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء:٨٤]. وبشر الله عباده بأن لهم قدم صدق عند ربهم، وأنه لهم مقعد صدق، فقال تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [يونس:٢] وقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر:٥٤ - ٥٥]. ((قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
следующие страницы →