← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36375

فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب

محمد نصر الدين محمد عويضة

Полный текст (6 619 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي قَالَ إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدْ اللَّهَ. (حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ. مسألة: هل يلزم سماع حمد العاطس لتشميته، أو يُكتفى بعلم ذلك من تشميت من حوله؟ الجواب: الأظهر أنه يشمته إذا تحقق أنه حمد الله، وليس المقصود سماع المشمَّت للحمد، وإنما المقصود نفس حمده، فمتى تحقق ترتب عليه التشميت، كما لو كان المشمت أخرس، ورأى حركة شفتيه بالحمد. والنبي ﷺ قال: فإن حمد الله، فشمتوه. هذا هو الصواب، قاله ابن القيم (١). مسألة ٢: هل يستحب تذكير من نسى حمد الله بعد العطاس حتى يُشمت؟ الجواب: اختار بعض أهل العلم كالنخعي والنووي تذكيره، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى، والنصيحة، والأمر بالمعروف. واختار بعضهم كابن العربي وابن القيم أنه لا يُذكر، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وظاهر السنة يقوي قول ابن الأعرابي: لأن النبي ﷺ لم يشمت الذي عطس، ولم يحمد الله، ولم يذكره، وهذا تعزير له، وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسي الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته، والدعاء له، ولوكان تذكيره سنة، لكان النبي ﷺ أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها (٢). (٣) السنة أن يقول العاطس أولاً: الحمد لله أو الحمد لله على كل حال: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. ولفظ أبي داود: (فليقل الحمد لله على كل حال).

стр. 6232

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَيَقُولُ هُوَ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. (٤) السنة أن يقول المشمت (يرحمك الله): (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. (٥) السنة أن يقول العاطس ثانياً بعد تشميت المشمت: يهديكم الله ويصلح بالكم أو يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. أو يقول يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا ولكم، جاء ذلك صريحا في حديث نافع عن ابن عمر: (أن عبد الله بن عمر كان إذا عطس فقيل له يرحمك الله. قال: يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا ولكم) (١). (٦) استحباب خفض العاطس صوته: وفائدته أنه لما كان العاطس -غالباً- يُحدث صوتاً رفيعاً مزعجاً أُستحب له أن يخفض من صوته بوضع يده على وجهه أو بثوبه. وفي وضع اليد أو الثوب على الفم فائدة أخرى وهي: أن العاطس لا يأمن-غالباً- من خروج شيءٍ من فمه، فاستحب له أن يضع يده على فيه. وفي هذا سنة. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ. (٧) التشميت ثلاثاً، فما زاد فهو زكام: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ.

стр. 6233

(حديث سلمة بن الأكوع ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثًا فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ. قال النووي ﵀: واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل: يقال له في الثانية: إنك مزكوم، وقيل: يقال له في الثالثة، وقيل: في الرابعة، والأصح أنه في الثالثة. قال: والمعنى أنك لست ممن يشمت بعد هذا؛ لأن هذا الذي بك زكام ومرض، لا خفة العطاس (١). وقوله في الحديث: (الرجل مزكوم) تنبيه على الدعاء له بالعافية، لأن الزكمة علة، وفيه اعتذار من ترك التشميت بعد الثلاث، وفيه تنبيه له على هذه العلة ليتداركها ولا يهملها، فيصعب أمرها، فكلامه ﷺ كله حكمة ورحمة، وعلم وهدى، قاله ابن القيم (٢). (٨) جواز تشميت أهل الذمة: (حديث أ أبي موسى ﵁ الثابت في صحيح أبي داوود) قَالَ: كَانَتْ الْيَهُودُ تَعَاطَسُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجَاءَ أَنْ يَقُولَ لَهَا يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَكَانَ يَقُولُ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ. وعلى هذا يجوز الدعاء لأهل الذمة -إذا حمدوا الله بعد عطاسهم- بالهداية والتوفيق للإيمان، ولا يُدعى لهم بالرحمة والمغفرة، فهم ليس أهلٌ لذلك. ثانياً: آداب التثاؤب: (١) استحباب كظم التثاؤب وهو من الشيطان: (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ. (حديث أبي سعيد ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ. قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: والثتاؤب يكون غالباً مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه وميله إلى الكسل، وإضافته إلى الشيطان لأنه الذي يدعو إلى الشهوات، والمراد التحذير من السبب الذي يتولد منه ذلك وهو التوسع في المأكل وإكثار الأكل (٣).

стр. 6234

والكظم قد يكون عن طريق التحكم بالفم ومنعه من انفتاحه، وقد يكون بضغط الأسنان على الشفة، وقد يكون بوضع اليد أو الثوب على الفم ونحو ذلك. آداب معاشرة الإخوان: آداب معاشرة الإخوان: لمعاشرة الإخوان آداب ينبغي لطالب العلم أن يحيط بها علماً وأن يتبعها حتى يكون متأسياً بالنبي ﷺ ، وهاك آداب معاشرة الإخوان جملةً وتفصيلا: أولاً آداب معاشرة الإخوان جملةً: (١) تحقيق رابطة المؤاخاة في الله: (٢) اختيار الصحبة الصالحة: (٣) المحبة في الله: (٤) البشاشة واللين والتودد للإخوان: (٥) استحباب بذل النصيحة وهي من تمام الأخوة: (٦) التعاون فيما بين الإخوان: (٧) تواضع الإخوان فيما بينهم وعدم التكبر أو الفخر عليهم: (٨) حسن الخلق: (٩) سلامة الصدر: (١٠) إحسان الظن بالإخوان وعدم التجسس عليهم: (١١) كظم الغيظ والعفو عن الناس: (١٢) النهي عن التحاسد والتباغض والهجر: (١٣) النهي عن التنابز (١) بالألقاب: (١٤) استحباب الإصلاح بين الإخوان: (١٥) تحريم المنّ: (١٦) حفظ السر وعدم إفشاؤه: (١٧) ذم ذي الوجهين: (١٨) التحلي بالسَمْتِ الصالح: (١٩) التحلي بفضيلتي الحِلمِ والأناة: (٢٠) التحلي بفضيلة الرفق: (٢١) التحلي بفضيلة احتمال الأذى: (٢٢) التحلي بفضيلة الجود والسخاء والإنفاق في وجوه الخير: (٢٣) التحلي بفضيلة الإيثار: (٢٤) التحلي بفضيلة المواساة في السَنَةِ والمجاعة: (٢٥) التحلي بفضيلة إقراض القرض والتجاوز عن المعسر: (٢٦) التحلي بفضيلة التكسب والتجارة والاستغناء عن الناس: (٢٧) التحلي بفضيلة الوفاء بالوعد: (٢٨) التحلي بحُسْنِ الظَّنِّ بِأَهْلِ الدِّينِ: (٢٩) التحلي بالْتِزَامِ الْمَشُورَةِ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا: (٣٠) التحلي بفضيلة مدارة الناس: (٣١) التآلف مع الإخوان: (٣٢) النهي عن مصاحبة أهل الأهواء والبدع: (٣٣) أن يعيش بين إخوانه بالمودة والرحمة: (٣٤) دفع السيئة بالحسنة: (٣٥) قضاء حوائج الإخوان والشفاعةِ فيها: (٣٦) صنع المعروف: (٣٧) شكر المعروف والمجازاة على صنعه: (٣٨) الزهد فيما عند الناس: (٣٩) مراعاة أحاسيس الناس ومشاعرهم: (٤٠) إدخال السرور على المسلم: (٤١) الإنصاف لأخيك: (٤٢) عدم تتبع عورات المسلمين وزلاتهم: (٤٣) التعاون على البر والتقوى:

стр. 6235

(٤٤) رحمة الصغير وتوقير الكبير: (٤٥) أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر: (٤٦) مشورة أهل الصلاح: (٤٧) اجتناب العصبية فإنها هلاكٌ مُحَقَّق: (٤٨) اجتناب الغش والخداع للمسلمين: (٤٩) اجتناب الغدر للمسلمين: (٥٠) اجتناب ظلم العباد: (٥١) اجتناب مجالس الظالمين: (٥٢) اجتناب إيذاء المسلمين: (٥٣) اجتناب احتقار المسلمين: (٥٤) اجتناب التجسس على المسلمين: (٥٥) الاقتصاد في العزلة والمخالطة: (٥٦) الإحسان إلى من يعمل تحت يديه: (٥٧) التخلي عن شهوة الخصومة: (٥٨) الاحتراز من رذيلة الحرص والطمع: (٥٩) صحبة من يُسْتَحْيَا منه ليزجره ذلك من المخالفات: (٦٠) المشورة مع الإخوان وقبول ما يشيرون به عليه: (٦١) قلة مخالفة الإخوان في أسباب الدنيا: (٦٢) الحرص على اجتماع الكلمة والحذر من الخلاف: (٦٣) أن يلزم التجارة والصناعة ويستغني بالله عن الناس: (٦٤) النهي عن إغضاب المسلم: (٦٥) إكرام ضعفاء المسلمين وفقرائهم: (٦٦) إكرام اليتيم: (٦٧) الاقتصاد في الحب والكره: (٦٨) الاحتراز من الشح والبخل: (٦٩) أن يكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر: (٧٠) التخلي عن رزيلة هجر المسلم: (٧١) ترك الاستكثار من الأصدقاء وما يستحب من قلة الالتقاء: (٧٢) تركُهُ ما لا يعنيه: (٧٣) التحلي بالقناعة: (٧٤) إقالة ذوي الهيئات عثراتهم: ثانيا آداب معاشرة الإخوان تفصيلا: (١) تحقيق رابطة المؤاخاة في الله: (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي ﷺ : (مهيم يا عبد الرحمن). قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها). فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي ﷺ : (أولم ولو بشاة). (حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة.

стр. 6236

أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن محمد بن واسع لم يبق من العيش إلا ثلاث الصلاة في الجماعة ترزق فضلها وتكفي سهوها وكفاف من معاش ليست لأحد من الناس عليك فيه مِنَّة ولا لله عليك فيه تبعه وأخ محسن العشرة. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أيوب السختياني أنه قال يزيدني حرصا على الحج لقاء إخوان لي لا ألقاهم بغير الموسم. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سعيد بن المسيب قال وضع عمر بن الخطاب ﵁ للناس ثمانية عشر كلمة كلها حكم قال ما كافأت من يعصي الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا ومن تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه وعليك بإخوان الصدق فعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق ولا تعرض لما لا يعنيك ولا تسأل عما لم يكن فإن فيما كان شغلا عما لم يكن ولا تطلبن حاجتك إلى من لا يحب لك نجاحها ولا تصحبن الفاجر فتعلم فجوره واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله وتخشع عند القول وذل عند الطاعه واعتصم عند المعصية واستشر في أمرك الذين يخشون الله فإن الله يقول: (إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨] أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن شعبة قال خرج عبد الله بن مسعود على أصحابه فقال أنتم جلاء حزني. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن خالد بن صفوان لم يبق من لذات الدينا إلا ثلاث مجالسة النسوان وشم الولدان ولقيا الإخوان. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سفيان أنه قيل له ما ماء العيش قال لقاء الإخوان. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سفيان قال: لربما لقيت الأخ من إخواني فأقيم شهرا عاقلا بلقائه. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ربيعة قال: المروءة مروءتان فللسفر مروءة وللحضر مروءة فأما مروءة السفر فبذل الزاد وقلة الخلاف على أصحابك وكثرة المزاح في غير مساخط الله وأما مروءة الحضر فالإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في الله وتلاوة القرآن. ﴿تنبيه﴾: العاقل يستخبر أمور إخوانه قبل أن يؤاخيهم ومن أصح الخبرة للمرء

стр. 6237

وجود حالته بعد هيجان الغضب هل سينصفك عند الغضب أم الله، هذا هو فصل الخطاب في معدن الإخوان، فمن لم ينصفك عند غضبه لم تودك أيامه. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن عوانة بن الحكم قال: قال لقمان لابنه يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك فإن أنصفك عند غضبه وإلا فدعه. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سفيان قال أصحب من شئت ثم أغضبه ثم دس إليه من يسأله عنك. (٢) اختيار الصحبة الصالحة: إن اختيار الصحبة الصالحة من أهم الآداب التي يجب على المسلم أن يعتني بها اهتماماً بالغاً لأن الطباع سَرَّاقة والناس مجبولون على تقليد بعضهم البعض، والمرء على دين خليله بنص السنة الصحيحة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ. والمعنى: أن الإنسان على عادة صاحبه وطريقته وسيرته، فليتأمل ويتدبر (من يخالل) فمن رضي دينه وخلقه خالله ومن لا تجنبه، فإن الطبع سراقه، قاله في عون المعبود (١) (حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ. و لا يأكل طعامك إلا تقي. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير. [لا تصاحب إلا مؤمناً]: وكامل الإيمان أولى لأن الطباع سراقة، ومن ثم قيل صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً، وإذا مرت على الطيب حملت طيباً. [ولا يأكل طعامك إلا تقي]: لأن المطاعمة توجب الألفة وتؤدي إلى الخلطة بل هي أوثق عرى المداخلة ومخالطة غير التقي يخل بالدين ويوقع في الشبه والمحظورات فكأنه ينهى عن مخالطة الفجار إذ لا تخلو عن فساد إما بمتابعة في فعل أو مسامحة في إغضاء عن منكر فإن سلم من ذلك ولا يكاد فلا تخطئه فتنة الغير به وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان لأن المصطفى ﷺ أطعم المشركين وأعطى المؤلفة المئين بل يطعمه ولا يخالطه.

стр. 6238

والنهي في المصاحبة يشمل النهي عن مصاحبة أهل الكبائر والفجور، لأنهم ارتكبوا ما حرم الله، ومصاحبتهم تضر بالدين، ويشمل النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين من باب أولى. وقوله: (ولا يأكل طعامك إلا تقي). قال الخطابي: إنما جاء هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة، وذلك لأن الله سبحانه قال: (وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [الإنسان: ٨] ومعلوم أن أسراءهم كانوا كفاراً غير مؤمنين ولا أتقياء، وإنما حذر ﵇ من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب (١). ورفيق السوء وجليس السوء مضرته متحققة لا محالة مهما كانت وسائل التحرز، بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي: (حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير. بين به النهي عن مجالسة من يتأذى به ديناً أو دنيا والترغيب فيمن ينتفع بمجالسته فيهما وجواز بيع المسك وطهارته.

стр. 6239

قال الراغب: نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيراً كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريراً قال الحكماء: من صحب خيراً أصاب بركته فجليس أولياء اللّه لا يشقى وإن كان كلباً ككلب أهل الكهف ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء، قال علي كرم اللّه وجهه: لا تصحب الفاجر فإنه يزين لك فعله ويود لو أنك مثله، وقالوا: إياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري وليس إعداء الجليس جليسة بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه فإن من دامت رؤيته للمسرور سر أو للمحزون حزن وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات فالحمل الصعب يصير ذلولاً بمقاربة الجمل الذلول والذلول قد ينقلب صعباً بمقارنة الصعاب والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الذابلة ولهذا يلتقط أهل الفلاحة الرمم عن الزرع لئلا تفسدها ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة فما الظن بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها؟ فقد قيل سمي الإنس لأنه يأنس بما يراه خيراً أو شراً. أهـ (حديث أبي هريرة الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ. (حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ. قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: ومن آداب الصحبة معاشرة من يثق بدينه وأمانته في ظاهره وباطن لقول الله ﵎: قال تعالى: (لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: ٢٢].

стр. 6240

والصحبة والمعاشرة على وجوه، فالمعاشرة مع الأكابر والمشايخ بالحرية والخدمة لهم والقيام بأشغالهم. والمعاشرة مع الأقران والأوساط بالنصيحة وبذل الموجود، والكون عند الأحكام ما لم يكن إثما. والمعاشرة مع الأصاغر والمريدين بالإرشاد والتأديب والحمل على ما يوجبه ظاهر العلم، وآداب السنة وأحكام البواطن، والهداية التي تقويمها بحسن الأدب. ولله درُّ من قال: عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ: فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي وَصَاحِبْ أُولِي التَّقْوَى تَنَلْ مِنْ تُقَاهُمْ: وَلَا تَصْحَبْ الْأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدَي قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينةٌ في الرخاء وعدةٌ في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقيلك منه، واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى. قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " لَا تُؤَاخِي الْأَحْمَقَ وَلَا الْفَاجِرَ , أَمَّا الْأَحْمَقُ فَمَدْخَلُهُ وَمَخْرَجُهُ شَيْنٌ عَلَيْك , وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَيُزَيِّنُ لَك فِعْلَهُ وَيَوَدُّ أَنَّك مِثْلَهُ ". وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ " لَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ: مَنْ إذَا حَدَّثَك كَذَبَك , وَإِذَا ائْتَمَنْتَهُ خَانَك , وَإِذَا ائْتَمَنَك اتَّهَمَك وَإِذَا أَنْعَمْت عَلَيْهِ كَفَرَك وَإِذَا أَنْعَمَ عَلَيْك مَنَّ عَلَيْك ". وَقَالَ أَيْضًا: " اصْحَبْ مَنْ يَنْسَى مَعْرُوفَهُ عِنْدَك وَيُذَكِّرُك حُقُوقَك عَلَيْهِ ". وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَا لَك عِنْدَ صَدِيقِك فَأَغْضِبْهُ فَإِنْ أَنْصَفَك وَإِلَّا فَاجْتَنِبْهُ.

стр. 6241

وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي الْأَدَبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يُصَاحِبَ خَمْسَةً: الْمَاجِنَ وَالْكَذَّابَ , وَالْأَحْمَقَ وَالْبَخِيلَ , وَالْجَبَانَ فَأَمَّا الْمَاجِنُ فَعَيْبٌ إنْ دَخَلَ عَلَيْك , وَعَيْبٌ إنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِك , لَا يُعِينُ عَلَى مُعَادٍ وَيَتَمَنَّى أَنَّك مِثْلُهُ , وَأَمَّا الْكَذَّابُ فَإِنَّهُ يَنْقُلُ حَدِيثَ هَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ , وَيُلْقِي الشِّحْنَةِ فِي الصُّدُورِ وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَإِنَّهُ لَا يُرْشِدُ لِسُوءٍ يَصْرِفُهُ عَنْك , وَرُبَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرّكَ فَبُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ وَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ , وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَأَحْوَجُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ أَبْعَدَ مَا تَكُونُ مِنْهُ , فَفِي أَشَدِّ حَالَاتِهِ يَهْرُبُ وَيَدَعُك. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان بن عيينة، قال: كان يقال جالس الحكماء فإن مجالستهم غنيمة، وصحبتهم سليمة، ومؤاخاتهم كريمة. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحسين بن أبي جعفر، قال: سمعت مالك بن دينار، يقول: لا يصطلح المؤمن والمنافق حتى يصطلح الذئب والحمل. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك، حدثني من أرضي أن عمر بن الخطاب أوصى رجلاً، فقال: لا تعترض فيما لا يعنيك، واجتنب عدوك، واحذر خليلك، ولا أمير من القوم إلا من خشي الله، والأمين من القوم لا تعدل به شيئاً، ولا تصحبن فاجراً كي تعلم من فجوره، ولا تفش إليه سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يحيى بن معاذ قال: لا تتخذوا من القرناء إلا ما فيه ثلاث خصال: من حذرك غوائل الذنوب وعرفك مدانس العيوب وسايرك إلى علام الغيوب. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون يقول: بالعقول يجتني ثمر القلوب، وبحسن الصوت تستمال أعنة الأبصار، وبالتوفيق تنال الحظوة وبصحبة الصالحين تطيب الحياة. والخير مجموع في القرين الصالح، إن نسيت ذكرك، وإن ذكرت أعانك. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سفيان ابن عيينه يقول من أحب رجلا صالحا فإنما يحب الله ﵎.

стр. 6242

أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن مالك بن دينار يقول إنك أن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجار. صفات خير الأصحاب: قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: ومن آدابها: ألا يصحب إلا عاقلا وعالما وحليما تقيا. أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن ذي النون يقول: " ما خلع الله على عبد من عبيده خلعة أحسن من العقل، ولا قلده الله قلادة أجمل من العلم، ولا زينه بزينة أفضل من الحلم، وكمال ذلك التقوى. [*] قال الإمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى في مختصر منهاج القاصدين: ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمسُ خصال: ١) العقل: فهو رأس مال، ولا خير في صحبة الأحمق لأنه يريد أن ينفعك فيضرك. ٢) حسن الخلق: فلا بد منه إذ رُبَّ عاقلٍ يغلبه غضبه أو شهوة فيطيع هواه فلا خير في صحبته. ٣) غير فاسق: لأن الفاسق لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق به، ومن خان أولَ منعم ٍ لا يفي لك أبداً ٤) غير مبتدع: لأن المبتدع يُخافُ من صحبته لأن في صحبتك له الشر كله إما سراية البدعة أو عدم الإنكار عليه أو تتعلم من بدعته فيحصل لك انتكاسة. ٥) غير حريصٍ على الدنيا لأن الحرص على المال يفسد الدين بقدر أكبر من الفساد الحاصل من إرسال ذئبين جائعين على غنم، أي يفسد فساداً بيناً بلا روية (حديث كعب بن مالك في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه. مقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعاً. (حديث أبي موسى في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مثل الجليس الصالح و الجليس السوء كحامل المسك و نافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك وإما أن تبتاع منه وإما تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.

стр. 6243

بين به النهي عن مجالسة من يتأذى به ديناً أو دنيا والترغيب فيمن ينتفع بمجالسته فيهما وجواز بيع المسك وطهارته. قال الراغب: نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم فهي قد تجعل الشرير خيراً كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخير شريراً قال الحكماء: من صحب خيراً أصاب بركته فجليس أولياء اللّه لا يشقى وإن كان كلباً ككلب أهل الكهف ولهذا أوصت الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالسة السفهاء، قال علي كرم اللّه وجهه: لا تصحب الفاجر فإنه يزين لك فعله ويود لو أنك مثله، وقالوا: إياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري وليس إعداء الجليس جليسة بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه فإن من دامت رؤيته للمسرور سر أو للمحزون حزن وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات فالحمل الصعب يصير ذلولاً بمقاربة الجمل الذلول والذلول قد ينقلب صعباً بمقارنة الصعاب والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الذابلة ولهذا يلتقط أهل الفلاحة الرمم عن الزرع لئلا تفسدها ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة فما الظن بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها؟ فقد قيل سمي الإنس لأنه يأنس بما يراه خيراً أو شراً. تجنب صحبة أهل الدنيا: قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة: لا تعاشر أبناء الدنيا وواجب على المؤمن أن يتجنب عِشْرَةَ طلاب الدنيا؛ فإنهم يدلونه على طلبها، وجمعها، ومنعها، وذاك الذي يبعده عن طلب نجاته، ويقطعه عنها، ويجتهد في معاشرة أهل الخير ومن يدله على طلب الآخرة، وطلب مولاه كذلك أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن يوسف بن الحسين يقول: قلت لذي النون وقت مفارقته: أوصني فقال: " عليك بصحبة من تسلم منه في ظاهر أمرك، ويبعثك على الخير صحبته، ويذكرك الله رؤيته " ولله درُّ من قال: فَلَا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى حَلِيمًا حِينَ وَاخَاهُ يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ إذَا هُوَ مَاشَاهُ (٣) المحبة في الله:

стр. 6244

أعظم مقامات الأخوة أن تكون في الله ولله، لا لنيل منصب، ولا لتحصيل منفعة عاجلة أو آجلة، ولا من أجل كسب مادي، أو غير ذلك. ومن كانت محبته في الله وأخوته في الله فقد بلغ الغاية، وليحذر أن يشوبها شيءٌ من حظوظ الدنيا فيفسدها. ومن كانت محبته في الله فليبشر بموعود الله ونجاته من هول الموقف يوم القيامة، ودخوله في ظل عرش الجبار ﷻ ، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (حديث أنس الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ. وكلما زادت المحبة بين المؤمنين كان هذا أقرب إلى الله: (حديث أنس ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا تَحَابَ رَجُلَانِ فِي اللهِ؛ إِلَا كَانَ أَحَبَهُمَا إِلَى اللهِ أَشَدُهُمَا حُبَاً لِصَاحِبِهِ. (حديث ابن عباس الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَوْثَقُ عُرَى الإِيْمَانِ: المُوَالَاةِ فِي اللهِ وَالمُعَادَاةُ فِي اللهِ وَالحُبُ فِي اللهِ وَالبُغْضُ فِي اللهِ . [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (أوثق عرى الإيمان) أي أقواها أو أثبتها وأحكمها جمع عروة وهي في الأصل ما يعلق به نحو دلو أو كوز فاستعير لما يتمسك به من أمر الدين ويتعلق به من شعب الإيمان وقال الحرالي: العروة ما يشد به العباءة ونحوها يتداخل بعضها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه وقال الزمخشري: هذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فبحكم اعتقاده والتيقن به (الموالاة) أي التحابب والمعاونة (في اللّه) أي فيما يرضيه (والمعاداة في اللّه) أي فيما يبغضه ويكرهه

стр. 6245

(والحب في اللّه والبغض في اللّه قال مجاهد: عن ابن عمر فإنك لا تنال الولاية إلا بذلك ولا تجد طعم الإيمان حتى تكون كذلك اهـ. ومن البغض في اللّه بغض كثير ممن ينسب نفسه للعلم في زمننا لما أشرق عليهم من مظاهر النفاق وبغضهم [ص ٧٠] لأهل الخير فيتعين على من سلم قلبه من المرض أن يبغضهم في اللّه لما هم عليه من التكبر والغلظة والأذى للناس قال الشافعي: عاشر الكرام تعش كريماً ولا تعاشر اللئام فتنسب إلى اللؤم ومن ثم قيل مخالطة الأشرار خطر ومبالغة في الغرر كراكب بحر إن سلم من التلف لم يسلم قلبه من الحذر. أهـ (حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي. (حديث معاذ ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَتِي لِلْمُتَحَابِينَ فِي وَالمُتَجَالِسِيَن فِي وَالمُتَبَاذِلِينَ فِي وَالمُتَزَاوِرِينَ فِي. (حديث معاذ بن جبل ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قَالَ اللَّهُ الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ. (حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ.

стр. 6246

(حديث عمر الثابت في صحيح أبي داوود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (أَلآ إِنّ أَوْلِيَآءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس: ٦٢]. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلّهُمُ الله في ظِلّهِ يَوْمَ لاَ ظِلّ إِلاّ ظِلّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلّقٌ في المَسْاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابّا في الله اجْتَمعَا عَلَيه وَتَفَرّقَا عليه، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذَاتُ منصبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَهُ) (حديث أبي موسى ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ قَالَ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ.

стр. 6247

(حديث عائشة ﵂ الثابت في السلسلة الصحيحة) قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النبيِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّكَ لأَحَبُ إليَّ مِنْ نَفْسِي، وَإنَّكَ لأَحَبَ إليَّ مِنْ وَلَدِي، وَإنِّي لأَكُونُ فِي البَيْتِ فَأَذْكُرُكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَى آتِي فَأَنْظُرُ إِليْكَ، وَإِذَا ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتِكَ عَرَفَتُ أنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعْ النَّبيِّين، وَإنِّي إِذَا دَخَلْتَ الجَنَّةَ خَشِيْتُ أَنْ لا أَرَاكَ؛ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْه النبي ﷺ شيئاً حَتَى نَزَلَ جِبْرِيْلُ ﵇ بهذه الآية: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشُّهَدَآء وَالصَّالِحِينَ) [النساء: ٦٩]. (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَالَ مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. (حديث أبي أمامة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا أَحَبَ عَبْدٌ عَبْداً لِلهِ إِلا أَكْرَمَه الله " (حديث علي ابن أبي طالب ﵁ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يُحِبُ رَجُلٌ قَومَاً إِلَا حُشِرَ مَعَهُم. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ (١) مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ.

стр. 6248

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا. (حديث كعب بن عجرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِرَجَالِكُم مِنْ َأهْلِ الجَنَّةِ؟ النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ وَالشَهِيدُ فِي الْجَنَّةِ وَالصِّدِّيقُ فِي الْجَنَّةِ وَالمَولُودُ فِي الْجَنَّةِ وَالرَجُلُ يَزورُ أَخَاهُ فِي نَاحِيَةِ المِصْرِ فِي اللهِ فِي الْجَنَّةِ; أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُم مِنْ َأهْلِ الجَنَّةِ؟ الوَدُودُ الوَلُودُ العَئُودُ التِي إِذَا ظُلِمَتْ قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَذُوقُ غَمْضَاً حَتَى تَرْضَى. دلالة المحبة وشواهدها: (حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف. [*] قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: قال الخطابي: يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد وأن "الخير من الناس يحن إلى شكله والشرير نظير ذلك" يميل إلى نظيره فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر فإذا اتفقت تعارفت وإذا اختلفت تناكرت. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: (الأرواح) التي تقوم بها الأجساد. (جنود مجندة) أي جموع متجمعة وأنواع مختلفة. (فما تعارف) توافق في الصفات وتناسب في الأخلاق. (منها ائتلف) أي ألف قلبه قلب الآخر وإن تباعدا كما يقال ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة. (وما تناكر منها) أي لم يتوافق ولم يتناسب.

стр. 6249

(اختلف) أي نافر قلبه قلب الآخر وإن تقاربا جسداً فالائتلاف والاختلاف للقلوب والأرواح البشرية التي هي النفوس الناطقة مجبولة على ضرائب مختلفة وشواكل متباينة فكل ما تشاكل منها في عالم الأمر تعارف في عالم الخلق وكل ما كان في غير ذلك في عالم الأمر تناكر في عالم الخلق فالمراد بالتعارف ما بينهما من التناسب والتشابه وبالتناكر ما بينهما من التباين والتنافر وذلك لأنه سبحانه عرف ذاته للأرواح [ص ١٧٥] بنعوته فعرفها بعض بالقهر والجلال وبعض باللطف والجمال وبعض بصفات أخر ثم استنطقها بقوله ﴿ألست بربكم﴾ ثم أوردها في الأبدان فالتعارف والتنافر يقع بحسب ذلك والتعارف والتناكر بحسب الطباع التي جبل عليها من خير وشر وكل شكل يميل إلى شكله فالتعارف والتناكر من جهة المناسبة المحكمة بين الفريقين فيميل الطيب للطيب والخبيث للخبيث ويألفه ومنشأ ذلك أحكام التناسب ولهذا قال الشافعي: العلم جهل عند أهل الجهل كما أن الجهل جهل عند أهل العلم. (حكى) الشيرواني أن تمرلنك كان يحب رجلاً من معتقدي العجم ويتردد إليه فوجد الرجل في قلبه ميلاً لتمرلنك فتخوف وقال: ما المناسبة فمنع تيموراً من دخوله عليه فسأله عن سببه فذكر ما خطر له فقال تمرلنك: بيني وبينك مناسبة وهي أنك تحب بيت آل النبي ﷺ وأنا واللّه أحبهم وأنت رجل كريم وأنا أحب الكرم فهذه المناسبة المقتضية للميل لا ما فيَّ من الشر وقد يتفق اجتماع مادّتي الخبيث والطيب في شخص واحد فيصدران منه ويميل لكل منهما بكل من الوصفين (نكتة) حكى بعضهم أن اثنين اصطحبا في سفينة فقعد أحدهما على طرفها والآخر بوسطها فسقط من على الطرف في البحر فرما الآخر نفسه عليه فأخرجا بالحياة فقال الأول للثاني: أنا كنت بطرفها فوقعت فمالك أنت قال لما وقعت: أنت غبت بك عني * فحسبت أنك أني. أهـ إعلام المحبوب بما تجنه القلوب: (حديث المقدام بن معد يكرب الثابت في صحيح أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ إِيَّاهُ. (حديث المقدام بن معد يكرب الثابت في صحيح الأدب المفرد) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ أَنَّهُ أَحَبَهُ. (إذا أحب أحدكم) محبة دينية قال الحراني: من الحب وهو إحساس بوصلة لا يدرك كنهها.

стр. 6250

(أخاه) في الدين كما يرشد إليه قوله في رواية صاحبه وفي أخرى عبداً. (فليعلمه) ندباً مؤكداً أنه أي بأنه. (يحبه) لله لأنه إذا أخبره به فقد استمال قلبه واجتلب وده فإنه إذا علم أنه يحبه قبل نصحه ولم يرد عليه قوله في عيب فيه أخبره به ليتركه فتحصل البركة. قال البغدادي: إنما حث على الإعلام بالمحبة إذا كانت لله لا لطمع في الدنيا ولا هوى بل يستجلب مودته فإن إظهار المحبة لأجل الدنيا والعطاء تملق وهو نقص والله أعلم (تنبيه) ظاهر الحديث لا يتناول النساء فإن اللفظ أحد بمعنى واحد وإذا أريد المؤنث إنما يقال إحدى لكنه يشمل الإناث على التغليب وهو مجاز معروف مألوف وإنما خص الرجال لوقوع الخطاب لهم غالباً وحينئذٍ إذا أحبت المرأة أخرى لله ندب إعلامها. أهـ ﴿تنبيه﴾: مما ينبغي -أيضاً- على المتحابين في الله، أن يتفقدوا أنفسهم وقلوبهم بين وقت وآخر، وينظروا هل خالط هذه المحبة ما ينغصها ويكدرها ويخرجها عن حقيقتها أم لا، لأن المحبة في أول أمرها قد تكون خالصة لله، ولكن لا تلبث -إن غفل عنها أهلها- أن تتحول إلى أخوة تبادل المنافع، وقد تتحول مع التمادي والمجاوزة إلى شيء من العشق والغرام، فمخالطة المردان باسم الأخوة في الله، وتجاوز بعض النساء عن الحد المشروع مع بنات جنسهن قد يُفضي إلى مثل ذلك. مسألة: ما هي الأمور التي تجلب المحبة في قلوب العباد: [*] الأمور التي تجلب المحبة في قلوب العباد هي ما يلي: ١) الإيمان والعمل الصالح: قال تعالى: (إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرّحْمََنُ وُدّاً) [سورة: مريم - الآية: ٩٦] [*] قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: قوله تعالى [إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا]: أي حباً في قلوب عباده. (حديث أبي هريرة الأشعري في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا أحب الله عبدا نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض. ٢) إفشاء السلام: (حديث أبي هريرة في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم. ٣) لا يتناجى يتناجى رجلان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس.

стр. 6251

(حديث ابن مسعود في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس فإن ذلك يحزنه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير. (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى) التناجي التحادث سراً. (رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس) أي تنضموا إليهم وتمتزجوا ويتحدث بعضهم مع بعض (فإن ذلك يحزنه) ... ثم علل ذكر النهي بقوله فإن ذلك يحزنه، أي التناجي مع انفراد واحد، وذلك لئلا يقع في نفسه أنهما يتحدثون عنه بما يشينه أو أنهما لم يشاركاه في الحديث احتقاراً له. ٤) تعاهد الإخوان بالهدايا فإنها تجلب المحبة بنص السنة الصحيحة: (حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: تهادوا تحابوا. وكان النبي ﷺ يقبل الهدية و يثيب عليها (حديث عائشة في صحيح البخاري) قالت كان النبي ﷺ يقبل الهدية و يثيب عليها. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير. (كان يقبل الهدية ويثيب عليها) بأن يعطي بدلها فيسن التأسي به في ذلك بأن يجازي المهدي بهدية أيضاً. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين. مسألة: ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من أراد الإهداء أو قبول الهدية إذا أراد التأسي بالنبي ﷺ ؟ [*] الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من أراد الإهداء إذا أراد التأسي بالنبي ﷺ هي ما يلي: ١) الإهداء ولو بالشيء القليل كذلك على قبول الهدية ولو كانت شيئاً قليلاً لأن العبرة بمعناها. (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة لجارتها و لو فِرْسَن شاة. معنى فرسن شاة: الفِرسن للشاة كالقدم للإنسان، وفي الحديث دليل واضح جَلِيٌ على تعاهد الجار (حديث أبي هريرة في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لو دُعيتُ إلى ذراعٍ أو كُرَاعٍ لأجبت و لو أُهْدِي إليَّ ذِراعٍ أو كُراعٍ لقبلت. [*] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح: وخصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها والكراع لا قيمة لها.

стр. 6252

٢) ومن السنة أنك إذا رددت الهدية تبين سبب ردها تطيباً لخاطر صاحبها. (حديث الصعب بن جثامة الليثي في الصحيحين) أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودَّان فردَّه عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنَّا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم. ٣) يكره الرجوع في الهدية. (حديث ابن عباس في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه. ٤) أن يجتنب المنّ فإنه يبطل ثواب الهدية. (حديث أبي ذر في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم: المسبل إزاره و المنَّان الذي لا يعطي شيئا إلا منه و المنفق سلعته بالحلف الكاذب. ٥) الْهَدِيَّةُ لِمَنْ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ لَا لِمَنْ حَضَرَ: قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية: الْهَدِيَّةُ إنْ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ يَخُصُّ بِهَا مَنْ شَاءَ , وَلَا يَصِحُّ الْخَبَرُ إنَّهَا لِمَنْ حَضَرَ , وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ شَرْعًا وَعُرْفًا الْهَدِيَّةُ أَوَائِلُ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْهَا لَا سِيَّمَا إلَى الْكَبِيرِ الصَّالِحِ وَدُعَائِهِ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْبَرَكَةِ , وَأَنَّهُ يُخَصِّصُ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ بَعْضَ مَنْ يُحْضِرُهُ مِنْ الصِّغَارِ ; لِأَنَّهُ يَقَعُ لِذَلِكَ مَوْقِعًا عَظِيمًا بِخِلَافِ الْكِبَار. أهـ (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ الثَّمَرِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَفِي مُدِّنَا وَفِي صَاعِنَا وَفِي ثِمَارِنَا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يُحْضِرُهُ مِنْ الْوِلْدَانِ. (٤) البشاشة واللين والتودد للإخوان: إن أقل ما يتلقى به الأخ أخيه، هو وجه طلق، وثغر باسم، وهو من المعروف والأدب الذي ينبغي أن يكون بين الأخ وأخيه؛ أن يهش ويبش في وجهه كلما لاقاه أو رآه، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (حديث جرير ابن عبد الله الثابت في الصحيحين) قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.

стр. 6253

(حديث أبي ذر الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ. (حديث جابر بن عبد الله ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ وَإِنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ. (حديث أبي ذر ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن أبي حاتم قال: البشاشه إدام العلماء وسجية الحكماء لأن البشر يطفيء نار المعاندة ويحرق هيجان المباغضه وفيه تحصين من الباغي ومنجاة من الساعي ومن بش للناس وجها لم يكن عندهم بدون الباذل لهم ما يملك. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي قال يعجبني من القراء كل سهل طلق مضحاك فأما من تلقاه يبشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في القراء ضرب هذا. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن حبيب بن أبي ثابت قال من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو يبتسم. واللين والرفق والتودد مما يقوي الروابط بين الإخوان، ويعمق الصلة بينهم، فـ (الله يحب الرفق في الأمر كله) وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة (حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. (حديث جرير ابن عبد الله الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ

стр. 6254

(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ. (حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ. (حديث عائشة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ. (حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ قَالَ وَعَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ أَوْ الْفُحْشَ قَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ. (حديث عائشة الثابت في صحيح أبي داود) قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا بَلَغَهُ عَنْ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا. ومادام ذلك كذلك، فالإخوان أحرى وأولى أن يرفق بعضهم ببعض، وأن يلين بعضهم لبعض. (حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ. ومن الأمور التي تعين على استدامة المحبة، وإزالة الشحناء من القلوب؛ التهادي بين الإخوان، (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تَهَادُوا تَحَابُوا. ولله درُ من قال: هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى وودا ... وتكسوهم إذا حضروا جمالا

стр. 6255

(٥) استحباب بذل النصيحة وهي من تمام الأخوة: النصيحة مطلبٌ شرعي مُرغبٌ فيه من لدن الشارع، وهي من الأمور التي كان النبي ﵌ يبايع عليها أصحابه، والنصيحة من أفضل القربات وأجل الطاعات، ولا سيما إن كانت النصائح الأخوية صادرةٌ عن إخلاص وحسن طوية ليس فيها مجالاً للحقد والحسد أو اتِّباع الهوى، فإنها إن خلت من ذلك وجدت للسامع في سمعه مسمعاً وفي قلبه موقعا، وعليه أن يتقبلها بقبولٍ حسن عسى الله أن ينفعه بها ويوفقه إلى تطبيقها. قال تعالى (وَالْعَصْرِ إِنّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ) [العصر: من ١: ٣] [*] قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم " وتواصوا بالحق " وهو أداء الطاعات وترك المحرمات. والسنة الصحيحة طافحة بالحث على النصيحة بين المؤمنين (حديث تميم ابن أوس الداريِّ الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول اللّه قال: للّه وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم. (حديث تميم ابن أوس الداريِّ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ؟ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. قوله: (الدين النصيحة) أي: أن النصيحة أفضل الدين وأكمله (١). وقال ابن الجوزي: اعلم أن النصيحة لله المناضلة عن دينه والمدافعة عن الإشراك به وإن كان غنياً عن ذلك، ولكن نفعه عائد على العبد، وكذلك النصح لكتابه الذب عنه والمحافظة على تلاوته، والنصيحة لرسوله إقامة سنته والدعاء إلى دعوته، والنصيحة لأئمة المسلمين طاعتهم، والجهاد معهم، والمحافظة على بيعتهم، وإهداء النصائح إليهم دون المدائح التي تغر، والنصيحة لعامة المسلمين إرادة الخير لهم، ويدخل في ذلك تعليمهم وتعريفهم اللازم، وهدايتهم إلى الحق (٢).

стр. 6256

وعلى هذا فتكون نصيحة الإخوان بإرادة الخير لهم، وبيان الحق لهم، ودلالتهم عليه، وعدم غشهم ومجاملتهم في دين الله، ويدخل فيه أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ولو خالف هواهم وطريقتهم. وأما مسايرتهم في طريقتهم، ومجاملتهم في دين الله باسم الأخوة، وحتى لا ينفضوا أو ينفروا، فهذا ليس من النصح الذي أمر به نبينا ﵊. نعم، الحكمة مطلوبة عند عرض النصيحة عليهم، ولكن الحق لابد أن يبين ويعلم، وخصوصاً إذا كان ذلك بين الإخوان فهو مقدورٌ عليه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير. (الدين النصيحة) أي عماده وقوامه النصيحة على وزان الحج عرفة فبولغ في النصيحة حتى جعل الدين كله إياها (للّه وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) قال بعضهم: هذا الحديث ربع الإسلام أي أحد أحاديث أربعة يدور عليها وقال النووي: بل المدار عليه وحده ولما نظر السلف إلى ذلك جعلوا النصيحة أعظم وصاياهم قال بعض العارفين: أوصيك بالنصح نصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم ويحفظهم وظاهر الخبر وجوب النصح وإن علم أنه لا يفيد في المنصوح ومن قبل النصيحة أمن الفضيحة ومن أبى فلا يلومن إلا نفسه (حديث جرير بن عبد الله في الصحيحين) قال بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وكون النبي ﷺ يقرنها مع الصلاة والزكاة التي هي من أركان الإسلام، ليدلنا على عظم شأنها وعلو منزلتها. (حديث أبي هريرة في صحيح أبي داوود) أن النبي ﷺ قال: المؤمن مرآة المؤمن و المؤمن أخو المؤمن يكفُّ عليه ضيعته و يحُوطُه من ورائه. [*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير. (المؤمن مرآة المؤمن) فأنت مرآة لأخيك يبصر حاله فيك وهو مرآة لك تبصر حالك فيه فإن شهدت في أخيك خيراً فهو لك وإن شهدت غيره فهو لك وكل إنسان مشهده عائد عليه ومن ثم قالوا: من مشهدك يأتيك روح مددك (والمؤمن أخو المؤمن) أي بينه وبينه أخوه ثابتة بسبب الإيمان ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (يكف عليه ضيعته) أي يجمع عليه معيشته ويضمها له وضيعة الرجل ما منه معاشه.

стр. 6257

(ويحوطه من ورائه) أي يحفظه ويصونه ويذب عنه ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً ويعامله بالإحسان بقدر الطاقة والشفقة والنصيحة وغير ذلك قال بعض العارفين: كن رداءاً وقميصاً لأخيك المؤمن وحطه من ورائه واحفظه في نفسه وعرضه وأهله فإنك أخوه بالنص القرآني فاجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما يزبل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة فأزل عنه كل أذى به عن نفسه. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن سفيان بن عيينة عليك بالنصح لله في خلقه فلن تلقى الله بعمل أفضل منه. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه قال: لا تعمل بالخديعة فإنها خلق اللئام وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحه وزل معه حيث زال. أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن الحسن قال المؤمن شعبة من المؤمن وهو مرآة أخيه إن رأى منه مالا يعجبه سدده وقومه ونصحه السر والعلانية. النصيحة سراً: أورد ابن حبان رحمه الله تعالى في روضة العقلاء عن ابن المبارك قال كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر ونهاه في ستر فيؤجر في ستره ويؤجر في نهيه فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره استغضب أخاه وهتك ستره. كيفية النصيحة: (١) أن يقصد النصح وليس التوبيخ أو التعيير بالذنب: قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في الفرق بين النصيحة والتعيير: إذا أخبر أحد أخاه بعيب ليجتنبه كان ذلك حسناً لمن أُخبر بعيب من عيوبه أن يعتذر منها إن كان له منها عذر، وإن كان ذلك على وجه التوبيخ بالذنب فهو قبح مذموم. وقيل لبعض السلف: أتحبُّ أن يخبرك أحد بعيوبك؟ فقال:"إن كان يريد أن يوبخني فلا " فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم وقد نهى النبي ﷺ أن تُثَرَّبَ الأمة الزانية مع أمره بجلدها فتجلد حداً ولا تعير بالذنب ولا توبخ به. أهـ وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: زَنَتْ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ. لا يُثَرِّب: أي لا يُعَيِّر.

стр. 6258

(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ. (٢) أن تكون النصيحة سراً: أورد ابن رجب الحنبلي ﵀ في الفرق بين النصيحة والتعيير عن الفضيل قال: (المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعيِّر). فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير، وهو أن النصح يقترن به الستر والتعيير يقترن به الإعلان. وكان يقال: (من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيَّره) أو بهذا المعنى. أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشافعي قال: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه. ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إلَيَّ عُيُوبِي فِي سِرٍّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ , فَإِنَّ النَّصِيحَةَ فِي الْمَلَأِ تَقْرِيعٌ. أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: أَخُوك مَنْ ذَكَّرَك الْعُيُوبَ وَصَدِيقُك مَنْ حَذَّرَك الذُّنُوبَ. وكان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه ويحبون أن يكون سراً فيما بين الآمر والمأمور فإن هذا من علامات النصح " فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها". وأما إشاعة وإظهار العيوب فهو مما حرمه الله ورسوله قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور:١٩) والأحاديث في فضل السر كثيرةٌ جدَّاً منها ما يلي:

стр. 6259

(حديث ابن عمر ﵄ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف: (واجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام أحقُّ شيء بالستر: العورة). فلهذا كان إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير وهما من خصال الفجار لأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن وهتك عرضه فهو يعيد ذلك ويبديه ومقصوده تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساويه للناس ليُدخل عليه الضرر في الدنيا. وأما الناصح فغرضُه بذلك إزالة عيب أخيه المؤمن واجتنابه له وبذلك وصف الله تعالى رسوله ﷺ فقال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:١٢٨)

стр. 6260

ووصف بذلك أصحابه فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح:٢٩). ووصف المؤمنين بالصبر والتواصي بالمرحمة. وأما الحامل للفاجر على إشاعة السوء وهتكه فهو القوة والغلظة ومحبته إيذاء أخيه المؤمن وإدخال الضرر عليه وهذه صفة الشيطان الذي يزيِّن لبني آدم الكفر والفسوق والعصيان ليصيروا بذلك من أهل النيران كما قال الله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر:٦). وقال بعد أن قص علينا قصته مع نبي الله آدم ﵇ ومكرَه به حتى توصل إلى إخراجه من الجنة: (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (لأعراف: من الآية٢٧). "فشتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة" ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة. عقوبة من أشاع السوء على أخيه المؤمن وتتبع عيوبه وكَشَفَ عورته: قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في الفرق بين النصيحة والتعيير: عقوبة من أشاع السوء على أخيه المؤمن وتتبع عيوبه وكَشَفَ عورته أن يتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته. أهـ (حديث أبي برزة الأسلمي الثابت في صحيح أبي داود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ.

стр. 6261

أورد ابن رجب الحنبلي ﵀ في الفرق بين النصيحة والتعيير أن ابن سيرين لما ركبه الدَّيْن وحبس به قال: (إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا عيَّرت رجلاً منذ أربعين سنة فقلت له: يا مفلس). ذم من أظهر النصح وأبطن التعيير: قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في الفرق بين النصيحة والتعيير: ومِن أظهرِ التعيير: إظهارُ السوء وإشاعتُه في قالب النصح وزعمُ أنه إنما يحمله على ذلك العيوب إما عاماً أو خاصاً "وكان في الباطن إنما غرضه التعيير والأذى" فهو من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه في مواضع فإن الله تعالى ذم من أظهر فعلاً أو قولاً حسناً وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن وعدَّ ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة التي هتك فيها المنافقين وفضحهم بأوصافهم الخبيثة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة:١٠٧). وقال تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:١٨٨)، وهذه الآية نزلت في اليهود لما سألهم النبي صلى اله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك عليه وفرحوا بما أتوا من كتمانه وما سألهم عنه. كذلك قال ابن عباس ﵄ وحديثه بذلك مخرّج في الصحيحين وغيرهما.

стр. 6262

(حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ الثابت في الصحيحين) أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ ﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الْآيَةَ. فهذه الخصال خصال اليهود والمنافقين وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولاً أو فعلاً وهو في الصورة التي ظهر عليها حسن ومقصوده بذلك التوصل إلى غرض فاسد فيحمده على ما أظهر من ذلك الحسن ويتوصل هو به إلى غرضه الفاسد الذي هو أبطنه ويفرح هو بحمده على ذلك الذي أظهر أنه حسن وفي الباطن شيء وعلى توصله في الباطن إلى غرضه السيء فتتم له الفائدة وتُنَفَّذُ له الحيلة بهذا الخداع. ومن كانت هذه همته فهو داخل في هذه الآية ولا بد فهو متوعد بالعذاب الأليم، ومثال ذلك: أن يريد الإنسان ذمَّ رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه إما محبة لإيذائه [أو] لعداوته أو مخافة من مزاحمته على مال أو رئاسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة فلا يتوصل إلى ذلك إلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني مثل: أن يكون قد ردَّ قولاً ضعيفاً من أقوال عالم مشهور فيشيع بين من يعظِّم ذلك العالم أن فلاناً يُبغِضُ هذا العالم ويذمُّه ويطعن عليه فيغرُّ بذلك كل من يعظِّمه ويوهمهم أن بغض الراد وأذاه من أعمال العرب لأنه ذبٌّ عن ذلك العالم ورفع الأذى عنه وذلك قُربة إلى تعالى وطاعته فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرَّمين: أحدهما: أن يحمل ردُّ العالم القول الآخر على البغض والطعن والهوى وقد يكون إنما أراد به النصح للمؤمنين وإظهار ما لا له كتمانه من العلم. والثاني: أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن علماء الشرع وبمثل هذه المكيدة كان ظلم بني مروان وأتباعهم يستميلون الناس إليهم وينفِّرون قلوبهم عن علي بن أبي طالب والحسن والحسين وذريتهم ﵃ أجمعين.

стр. 6263

وأنه لما قُتِل عثمان ﵁ لم ترَ الأمة أحق من علي ﵁ فبايعوه فتوصل من توصل إلى التنفير عنه بأن أظهر تعظيم قتل عثمان وقُبحه وهو في نفس الأمر كذلك ضُمَّ إلى ذلك أن المؤلَّب على قتله والساعي فيه علي ﵁ وهذا كان كذباً وبهتاً. وكان علي ﵁ يحلف ويغلِّظ الحلف على نفي ذلك وهو الصادق البارُّ في يمينه ﵁ وبادروا إلى قتاله ديانةً وتقرُّباً ثم إلى قتال أولاده رضوان الله عليهم واجتهد أولئك في إظهار ذلك وإشاعته على المنابر في أيام الجُمَع وغيرها من المجامع العظيمة حتى استقر في قلوب أتباعهم أن الأمر على ما قالوه وأن بني مروان أحق بالأمر من علي وولده لقربهم من عثمان وأخذهم بثأره فتوصلوا بذلك إلى تأليف قلوب الناس عليهم وقتالهم لعلي وولده من بعده ويثبُت بذلك لهم الملك واستوثق لهم الأمر. وكان بعضهم يقول في الخلوة لمن يثق إليه كلاماً ما معناه: (لم يكن أحد من الصحابة أكفأ عن عثمان من علي) فيقال له: لِمَ يسبُّونه إذاً؟ فيقول: (إن المُلك لا يقوم إلا بذلك). ومراده أنه لولا تنفير قلوب الناس على علي وولده ونسبتُهم إلى ظلم عثمان لما مالت قلوب الناس إليهم لما علموه من صفاتهم الجميلة وخصائصهم الجليلة فكانوا يسرعون إلى متابعتهم ومبايعتهم فيزول بذلك ملك أمية وينصرف الناس عن طاعتهم. مسألة: من ابتلي بشيءٍ من هذا المكر فما يصنع؟ قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في الفرق بين النصيحة والتعيير: ومن بُلي بشيء من هذا المكر فليتق الله ويستعن به ويصبر فإن العاقبة للتقوى. كما قال الله تعالى: بعد أن قصَّ قِصَّة يوسف وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة:

стр. 6264

(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) (يوسف: من الآية٢١)، وقال الله تعالى حكاية عه أنه قال لإخوته: (أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا) (يوسف: من الآية٩٠)، وقال تعالى في قصة موسى ﵇ وما حصل له ولقومه من أذى فرعون وكيده قال لقومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) (لأعراف: من الآية١٢٨)، وقد أخبر الله تعالى أن المكر يعود وباله على صاحبه قال تعالى: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (فاطر: من الآية٤٣)، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) (الأنعام: من الآية١٢٣)، والواقع يشهد بذلك فإن من سبر أخبار الناس وتواريخ العالم وقف على أخبار من مكر بأخيه فعاد مكره عليه وكان ذلك سبباً في نجاته وسلامته على العجب العجاب. (٦) التعاون فيما بين الإخوان: ولنا في ذلك قدوة وأسوة، وأعظم به من قدوة-رسول الله ﵌. وما كان جناب الرسالة مانعاً له ﵌ من مشاركته أصحابه، وتقديم العون لهم. ومن ذلك مشاركته ﷺ أصحابه في بناء مسجده في المدينة. (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ: وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ. ومثله يوم الخندق: (حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا. (حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.

стр. 6265

(حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى. والإخوان يحتاج بعضهم بعضاً، فيتعاونون فيما بينهم في سد خلة فقيرهم، أو الشفاعة الحسنة في قضاء حاجة محتاجهم، أو غير ذلك من شتى صور التعاون، (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. (٧) تواضع الإخوان فيما بينهم وعدم التكبر أو الفخر عليهم: [*] عناصر تواضع الإخوان فيما بينهم وعدم التكبر أو الفخر عليهم: تعريف التواضع: فضل التواضع: أمورٌ من التواضع: التواضع في اللباس: تواضع النبي ﷺ : ما جاء في الخمول: ما جاء في الشهرة: ذم الكبر: أسباب الكبر: ذم الاختيال: أسباب الإعجاب والاختيال: وهاك تفصيل ذلك في إيجازٍ غيرِ مُخِّل: تعريف التواضع: التواضع هو: عقد القلب على صَغار النفس المؤثر في عواطفه وميوله وجوارحه في مقابل اللَّه ، وفي مقابل رسله وأوليائه المعصومين، وفي مقابل المؤمنين. قال الشوكاني ﵀ في السلوك الإسلامي القويم: وأما التواضع فهو أن لا يرى لنفسه حقاً.

стр. 6266

[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الفضيل بن عياض وسُئِلَ: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته منه، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه. وسألته: ما الصبر على المصيبة? قال: أن لا تبث. [*] قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله. وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب وهذا مذهب الفضيل وغيره. وقال الجنيد بن محمد: هو خفض الجناح ولين الجانب. وقال أبو يزيد البسطامي: هو أن لا يرى لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى في الخلق شراً منه. وقال ابن عطاء: هو قبول الحق ممن كان والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر فهو كتطلب الماء من النار. وقال إبراهيم بن شيبان: الشرف في التواضع والعز في التقوي والحرية في القناعة ويذكر عن سفيان الثوري ﵀ أنه قال: أعز الخلق خمسة أنفس: عالم زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني. وقال عروة بن الزبير ﵄: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها. وولي أبو هريرة ﵁ إمارة مرة فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره يقول طرقوا للأمير. وركب زيد بن ثابت مرة فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال: مه يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال: أرني يدك فأخرجها إليه فقبلها فقال: هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله ﷺ . وقسم عمر بن الخطاب ﵁ بين الصحابة ﵃ حللا فبعث إلى معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال عمر: لأنك بعت الأولى فقال معاذ وما عليك ادفع لي نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر ﵁: رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ.

стр. 6267

أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن أباه سعدا كان في غنم له فجاء إبنه عمر فلما رآه قال أعوذ بالله من شر هذا الراكب فلما إنتهى أليه قال يا أبة أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة فضرب صدر عمر وقال أسكت فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي. ومر الحسن بن علي صبيان معهم كسر خبز فاستضافوه فنزل فأكل معهم ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وقال: اليد لهم لأنهم لا يجدون شيئا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه. ويذكر أن أبا ذر ﵁ عَيَّرَ بلالا ﵁ بسواده ثم ندم فألقى بنفسه فحلف: لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال. وقال رجاء بن حيوة: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة. ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة فقال: تدري بكم شريت أمك بثلاثمائة درهم وأبوك لا كثر الله في المسلمين مثله أنا وأنت تمشي هذه المشية. وقال حمدون القصار: التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في الدين ولا في الدنيا. وقال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك كان يقول: كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي ويهزني لأنه لم يكن في تلك السفينة أحد أحقر مني والأخرى: كنت عليلا في مسجد فدخل المؤذن وقال: اخرج فلم أطق فأخذ برجلي وجرني إلى خارج والأخرى: كنت بالشام وعلي فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل لكثرته فسرني ذلك وفي رواية: كنت يوما جالسا فجاء إنسان فبال علي. وقال بعضهم: رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن الطواف ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا فتعجبت منه فقال لي: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع الناس فيه. وبلغ عمر بن عبد العزيز ﵁: أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه حديدا صينيا واكتب عليه: رحم الله امرءا عرف قدر نفسه. ﴿تنبيه﴾: إن من أهم الأسباب التي تعين الإنسان على التواضع أن يمقت الإنسان نفسه في جنب الله تعالى.

стр. 6268

[*] قال أبو الدرداء: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون أشد لها مقتاً ". [*] وكان بعض السلف يقول في دعائه في عرفة (اللهم لا ترد الناس لأجلي)!، [*] وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريحٌ ما قدر أحد أن يجلس إلىّ. مع أنه من كبار العباد في هذه الأمة. [*] قال يونس بن عبيد: " إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسى منها واحدة ". [*] دخل حمّاد بن سلمة على سفيان الثوري وهو يحتضر فقال: (يا أبا عبد الله أليس قد أمنت مما كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين؟!) قال: (يا أبا سلمة أتطمع لمثلي أن ينجو من النار) قال: (إي والله إني لأرجو لك ذلك). [*] وقال جعفر بن زيد: (خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمس غفلة الناس فانسلّ وثبا فدخل غيظة (مجموعة أشجار ملتفة) قريب منا، فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي فجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت إليه أو عدّه جرو! فلما سجد قلت الآن يفترسه فجلس ثم سلّم ثم قال: (أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر)، فولّى وإن له زئيراً، فمازال كذلك يصلي حتى كان الصبح فجلس يحمد الله وقال: (اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يستحي أن يسألك الجنة)! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشاياً، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت! [*] وقال عمر بن الخطاب ﵁: (اللهم اغفر لي ظلمي وكفري)، فقال قائل: (يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما الكفر؟) قال: (إن الإنسان لظلوم كفّار)، فإذا تمعّن الإنسان حال السلف عرف حاله والبعد الشديد مابينه وبينهم. [*] أورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن مالك بن دينار قال: " رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى، فكان لها قائدا " [*] وأورد الخرائطي رحمه الله تعالى في اعتلال القلوب عن عن وهب بن منبه: " أن رجلا، تعبد زمانا، ثم بدت له إلى الله ﵎ حاجة، فصام تسعين سبتا، يأكل كل سبت إحدى عشرة تمرة، ثم سأل حاجته فلم يعطها، فرجع إلى نفسه، فقال: منك أوتيت، لو كان فيك خير أعطيت حاجتك، فنزل إليه عند ذلك ملك، فقال: يا ابن آدم ساعتك هذه التي أزريت فيها على نفسك خير من عبادتك التي قد مضت، وقد قضى الله حاجتك "

стр. 6269

[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: كيف ترى حال من كثرت ذنوبه وضعف علمه وفني عمره ولم يتزود لمعاده. [*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الفضيل بن عياض قال: يا مسكين أنت مسيء وترى أنك محسن وأنت جاهل وترى أنك عالم وتبخل وترى أنك كريم وأحمق وترى أنك عاقل أجلك قصير وأملك طويل. قال الذهبي ﵀: قلت إي والله صدق وأنت ظالم وترى أنك مظلوم وآكل للحرام وترى أنك متورع وفاسق وتعتقد أنك عدل وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعيب بن حرب، قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يمد ثوبي من خلفي فالتفت فإذا بفضيل بن عياض، فقال: لو شفع في وفيك أهل السماء كنا أهلاً أن لا يشفع فينا، قال شعيب: ولم أكن رأيته قبل ذلك بسنة، قال: فكسرني وتمنيت أني لم أكن رأيته. [*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن فضيل بن عياض قال: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي فقلت له: إن كنت تظن أنه بقى على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن إبراهيم بن الأشعث قال سألت الفضيل عن التواضع قال التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من صبي قبلته منه ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن أبي صالح الفراء قال سمعت بن المبارك يقول رأس التواضع أن تضع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أن ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن كعب قال ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع له بها درجة في الآخرة وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقا من النار يعذبه به إن شاء الله أو يتجاوز عنه. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن الأصبغ بن نباتة قال كأني أنظر إلى عمر بن الخطاب معلقا لحما في يده اليسرى وفي يده اليمنى الدرة يدور في الأسواق حتى دخل رحله.

стр. 6270

[*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن صالح بياع الأكسية عن أمه أو جدته قالت رأيت عليا اشترى تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقلت أحمل عنك يا أمير المؤمنين قال لا أبو العيال أحق أن يحمله. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن حماد بن زيد قال ما رأيت محمد بن واسع إلا وكأنه يبكي وكان يجلس مع المساكين والبكائين. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن بكر بن عبد الله المزني أنه كان يلبس الكسوة تساوي أربعة آلاف ويجالس المساكين ومعه الصرر فيها الدراهم فيدسها إلى ذا وإلى ذا قال وكان موسرا فمات ولم يخلف شيئا فقال الحسن ﵀ إن بكرا عاش عيش الأغنياء ومات موت الفقراء. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن مسعر قال مر الحسين بن علي على مساكين وقد بسطوا كساء وبين أيديهم كسرا فقالوا هلم يا أبا عبد الله فحول وركه وقرأ (إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) فأكل معهم ثم قال قد أجبتكم فأجيبوني فقال للرباب يعني امرأته أخرجي ما كنت تدخرين. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن صالح المري قال خرج الحسن ويونس وأيوب يتذاكرون التواضع فقال لهما الحسن وهل تدرون ما التواضع التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلق مسلما إلا رأيت له عليك فضلا. [*] أورد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في كتابه التواضع والخمول عن يحيى بن كثير قال رأس التواضع ثلاث أن ترضى بالدون من شرف المجلس وأن تبدأ من لقيته بالسلام وأن تكره من المدحة والسمعة والرياء بالبر. فضل التواضع:
следующие страницы →