(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ الثابت في صحيح الجامع) قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَامَ مَعَهُ قَامَ مَعَهُ فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَى يَكُونَ الرَجُلُ هُوَ الَذِي يَنْصَرِفُ عَنْهُ وَإِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ يَدَهُ نَاوَلَهُ إِيَاهَا فَلَمْ يَنْزِع يَدَهُ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هو الذي يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْهُ وَإِذَا لَقِيِ أَحَدَاً مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ أُذُنَهُ نَاوَلَهُ إِيَاهَا ثُمَّ لَمْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هو الذي يَنْزِعَهَا عَنْهُ.
(حديث أَنَسٍ ﵁ الثابت في صحيح الأدب المفرد) قَالَ مَا كَانَ شَخَصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ،وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا إِلَيْهِ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لَذَلِك.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح النسائي) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ.
(حديث عبد الله ابن أبي أوفى ﵁ الثابت في صحيح النسائي) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ.
حسن خلق النبي ﷺ مع الأطفال:
كان النبي ﷺ يُسَلِّمُ عليهم ويلاطفهم ويلاعبهم، وكان يقول لأحد الأطفال (يا أبا عمير، ما فعل النغَيْر؟)
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
(حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ.
стр. 6302
وأبو عمير كنية لطفل وكان معه (نغير) وهو طائر صغير مثل العصفور هلك هذا النغير، فحزن عليه الصبي واغتم فكان ﵊ يلاطفه قائلا (ماذا فعل النغير؟).
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
من مظاهر حسن خلقه ﷺ ، ورحمته بالخلق:
من مظاهر حسن خلقه ﷺ ، ورحمته بالخلق أن أعرابياً جاء وبال في المسجد، فزجره الناس ونهروه بشده، فنهاهم النبي ﵊ فلما قضى بوله دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ.
(حديث أنس ﵁ الثابت في الصحيحين) بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَهْ مَهْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.
وجه حسن الخلق في هذه القصة ظاهر , فهو لم يوبخ هذا الأعرابي ولم يأمر بضربه، بل إنه تركه حتى قضى بوله، ثم أعلمه أن المساجد لا تصلح لما فعل إنما هي للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن.
وكذلك من حسن خلقه ﵊ ورحمته بالمؤمنين الحديث الآتي فتأمله بعين البصيرة:
стр. 6303
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجدُ رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال لا. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتي النبي ﷺ بعرقٍ فيه تمر، والعرقُ المكتل، قال: أين السائل؟ فقال أنا، قال: خذ هذا فتصدق به. فقال الرجلُ أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها، يريد الحرتين، أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك)
وحسن خلق النبي ﵊ في هذه القصة واضحاً وضوحاً جلياً: فإنه لم ينهر هذا الرجل، ولم يشتمه ولم يوبخه، لأنه جاء نادماً تائباً خائفاً، فرأى النبي ﵊ بعلمه وحكمته أن هذا الرجل لا يستحق أن يوبخ، بل يبين له الحق الذي جاء من عند الله، ويعامل بالرفق واللين وهذا من رحمته ﷺ ، التي مدحه الله تعالى بها في كتابه حيث قال (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ)] آل عمران١٥٩ [, وقال تعالى (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)] التوبة ١٢٨ [.
صفاته ﷺ :
وأما صفاته ﷺ فهو المقدم في كل صفه حميدة عرفت شرعاً أو طبعاً.
جود النبي ﷺ وكرمه:
(حديث ابن عباس الثابت في الصحيحين) قال كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، و كان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيُدارسه القران فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
стр. 6304
(حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ الثابت في صحيح مسلم) أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ.
(حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ الثابت في صحيح مسلم) قَالَ:
مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا.
(حديث أَنَسٍ ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ.
(حديث جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَعْطُونِي رِدَائِي لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح:
حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ: أي ألجؤه إلى شجرة من شجر البادية ذات شوك.
لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا: الْعِضَاهِ بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة وفي آخره هاء هو شجر ذو شوك.
وكان ﷺ يؤثر على نفسه، فيعطي العطاء و يمضي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار.
وكان كرمه ﷺ كرماً في محله، ينفق المال له وبالله، إما لفقير، أو محتاج، أو في سبيل الله، أو تأليفا على الإسلام، أو تشريعا للأمة.
شجاعة النبي ﷺ :
كان ﷺ أشجع الناس، وأمضاهم عزما و إقداما، كان الناس يفرون وهو ثابت، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
стр. 6305
(حديث أَبِي إِسْحَاقَ ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ ﵁ فَقَالَ يَا أَبَا عُمَارَةَ أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ الْبَرَاءُ وَأَنَا أَسْمَعُ أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ قَالَ فَمَا رُئِيَ مِنْ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ.
(حديث أَنَسٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا ثُمَّ قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ قَالَ إِنَّهُ لَبَحْرٌ.
لينه وحسن خلقه ﷺ :
فقد كان ﷺ لطيفا رحيما، فلم يكن فاحشا ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أنسا غلام كيس فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لم تصنع هذا هكذا.
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا.
ومن لينه وحسن خلقه أنه كان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم:
ففي المزاح إجماماً للقلوب وتفريجاً للكروب، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الترمذي) قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال: إني لا أقول إلا حقاً.
стр. 6306
وهاك صور مشرقة من مزاح النبي ﷺ :
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن رجلا استحمل رسول الله ﷺ فقال: إني حاملك على ولد الناقة فقال يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة فقال رسول الله ﷺ وهل تلد الإبل إلا النوق.
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في صحيحي أبي داوود و الترمذي) أن النبي ﷺ قال له يا ذا الأذنين.
(حديث أنس بن مالك ﵁ الثابت في الساسلة الصحيحة) قال: أتت عجوز إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله لي أن يدخلني الجنة فقال: يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز قال: فولت تبكي فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز إن الله تعالى يقول " إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً "
(حديث معاوية ابن حيدة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ.
(حديث أبي أمامة الثابت في صحيح أبي داود) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ﷺ : أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ (١) الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح البخاري) أنها كانت مع النبي في سفر، قالت: فسابَقْتُه فَسَبَقْتُه على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال هذه بتلك.
﴿تنبيه﴾: ومما يجب اجتنابه في المزح أن لا يأخذ متاع أخيه على سبيل المزاح، وكذلك يحرم عليه أن يروِّع أخيه على سبيل المزح.
(حديث يزيد ابن سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعباً و لا جاداً و من أخذ عصا أخيه فليرُدَّها.
стр. 6307
(حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال: لا يحلُ لمسلمٍ أن يُروِّعَ مسلماً.
ومن لينه وحسن خلقه أنه كان يُسَلِّمُ على صبيانهم ويداعبهم:
(حديث أنس الثابت في الصحيحين) أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
(حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ الثابت في الصحيحين) قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ.
ومن لينه وحسن خلقه أنه كان يقوم في الصلاة يريد أن يطول فيها فيسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته كراهية أن يشق على أمه.
(حديث أبي قتادة الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ.
زهد النبي ﷺ في الدنيا ورغبته في الآخرة:
كان النبي ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة , خيره الله تعالى بين أن يكون ملكاً نبياً أو عبداً نبياً , فاختار أن يكون عبداً نبياً , وخيره بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش وبين ما عند الله فاختار ما عند الله.
إن من يطالع سيرة النبي ﷺ سيد الأولين والآخرين يعلم علم اليقين الذي لا يخالطه شك أنه ﷺ " سيدُ الزاهدين وإمام العابدين وخيرُ البشرِ أجمعين " " وكان زهده ﷺ في الدنيا طواعيةً، كان زهده ﷺ طوعاً لا كَرْهَا، ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة " ويتضح ذلك وضوحاً جلياً في " زهده وتواضعه في بيته، زهده في طعامه، زهده في لباسه، زهده في فراشه، زهده ﷺ في المال "
وهاك غيضٌ من فيض ونقطةً من بحر مما ورد في مظاهر زهد النبي ﷺ :
زهده وتواضعه في بيته:
كان ﷺ " زهده في الدنيا طواعيةً، كان زهده ﷺ طوعاً لا كَرْهَا ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة "
стр. 6308
(حديث الأسود بن يزيد الثابت في صحيح البخاري) قال: سألت عائشة ﵂: ما كان النبي ﷺ يصنع في البيت؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ كان يخيط ثوبه و يخصف نعله و يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس إرشاداً للتواضع وترك التكبر لأنه مشرف بالوحي والنبوة ومكرم بالمعجزات والرسالة وفيه أن الإمام الأعظم يتولى أموره بنفسه وأنه من دأب الصالحين.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ كان يفلي ثوبه و يحلب شاته و يخدم نفسه.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(كان يفلي ثوبه) بفتح فسكون من فلى يفلي كرمي يرمي ومن لازم التفلي وجود شيء يؤذي في الجملة كبرغوث وقمل فدعوى أنه لم يكن القمل يؤذيه ولا الذباب يعلوه دفعت بذلك وبعدم الثبوت ومحاولة الجمع بأن ما علق بثبوته من غيره لا منه ردت بأنه نفي أذاه وأذاه غذاؤه من البدن وإذا لم يتغذ لم يعش
(ويحلب شاته ويخدم نفسه) عطف عام على خاص فنكتته الإشارة إلى أنه كان يخدم نفسه عموماً وخصوصاً قال المصري: ويجب حمله على أحيان فقد ثبت أنه كان له خدم فتارة يكون بنفسه وتارة بغيره وتارة بالمشاركة وفيه ندب خدمة الإنسان نفسه وأن ذلك لا يخل بمنصبه وإن جل.
(حديث أبي هريرة في صحيح البخاري) أن النبي ﷺ قال: ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، قال أصحابه وأنت؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط َ لأهل مكة.
[*] قال الإمام ابن حجر في الفتح:
(ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم):
стр. 6309
قال العلماء الحكمة في إلهام الأنبياء من رعى الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقياد من غيرها وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء
(كنت أرعاها على قراريط َ لأهل مكة):
يعني كل شاة بقيراط يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم.
زهده في طعامه:
كان ﷺ " زهده في الدنيا طواعيةً، كان زهده ﷺ طوعاً لا كَرْهَا، ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة "
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) قالت: " ما شبع آلُ محمدٍ ﷺ منذ قدم المدينة من خبز بُرٍ ثلاث ليال تباعاً حتى قبض ".
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: اللهم اجعل رزق آلِ محمد قوتا.
قوتاً: أي شيءٌ يسدُ الرمق.
[*] قال الإمام ابن حجر في الفتح:
قوتاً: أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم الى ذل المسألة ولا يكون فيه فضول تبعث على الترفه والتبسط في الدنيا وفيه حجة لمن فضل الكفاف لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال.
стр. 6310
والشاهد: أنه ﷺ كان يقول اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا، ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في الصحيحين) أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: يا خالة، ما كان يُعَيِّشُكُم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيرانٌ من الأنصار، كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من ألبانهم فيسقينا.
[*] قال الإمام ابن حجر في الفتح:
إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين: المراد بالهلال الثالث هلال الشهر الثالث وهو يرى عند انقضاء الشهرين وبرؤيته يدخل أول الشهر الثالث.
وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار: لا يوقد في شيء من بيوته نار لا لخبز ولا لطبخ.
ما كان يُعَيِّشُكُم؟ بضم أوله يقال أعاشه الله أي أعطاه العيش.
الأسودان التمر والماء: الأسودان يطلق على التمر والماء والسواد للتمر دون الماء فنعتا بنعت واحد تغليبا وإذا اقترن الشيئان سميا باسم أشهرهما.
منائح: جمع منيحة بنون وحاء مهملة
(حديث عبد الله بن عمر الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: (قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً و قنَّعه الله بما آتاه.
[*] قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم:
ورُزق كفافاً: الكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقص، وفيه فضيلة هذه الأوصاف:
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً) أي ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يلحقه بأهل الترفهات. قال القاضي: الفلاح الفوز بالبغية.
стр. 6311
(وقنعه اللّه بما آتاه) بمد الهمزة أي جعله قانعاً بما أعطاه إياه ولم يطلب الزياد لمعرفته أن رزقه مقسوم لن يعدو ما قدر له والفلاح الفوز بالبغية في الدارين والحديث قد جمع بينهما والمراد بالرزق الحلال منه فإن المصطفى صلى اللّه تعالى عليه وعلى آله وسلم مدح المرزوق وأثبت له الفلاح وذكر الأمرين وقيد الثاني بقنع أي رزق كفافاً وقنعه اللّه بالكفاف فلم يطلب الزيادة وأطلق الأوّل ليشمل جميع ما يتناوله الإسلام ذكره الطيبي وصاحب هذه الحالة معدود من الفقراء لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا بل يجاهد نفسه في الصبر على القدر الزائد على الكفاف فلم يفته من حال الفقراء إلا السلامة من قهر الرجال وذل المسألة.
(حديث عبيد الله بن محصن الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: (من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوتُ يومه فكأنما حيزت له الدنيا.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير:
(من أصبح منكم آمنا في سربه) بكسر السين على الأشهر أي في نفسه وروي بفتحها أي في مسلكه وقيل بفتحتين أي في بيته
(معافى في جسده) أي صحيحاً بدنه
(عنده قوت يومه) أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك، يعني من جمع اللّه له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع اللّه له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره
(فكأنما حيزت) بكسر المهملة
(له الدنيا) أي ضمت وجمعت
(بحذافيرها) أي بجوانبها أي فكأنما أعطي الدنيا بأسرها، ومن ثم قال نفطويه: إذا ما كساك الدهر ثوب مصحة * ولم يخل من قوت يحلى ويعذب فلا تغبطن المترفين فإنه * على حسب ما يعطيهم الدهر يسلب وقال: إذا القوت يأتي لك والصحة والأمن * وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن وفيه حجة لمن فضل الفقر على الغنى.
وكان يربط الحجر على بطنه من الجوع:
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في السلسلة الصحيحة) أن النبي ﷺ كان يربط الحجر على بطنه من الغرث.
الغرث: الجوع.
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: ما أكل النبي ﷺ خبزاً مرققاً، ولا شاة مسموطة حتى لقي الله.
[*] قال الحافظ بن حجر في الفتح:
стр. 6312
ما أكل النبي ﷺ خبزاً مرققاً: وأكل المرقق إنما هو لدفع طيبات الدنيا اختيارا لطيبات الحياة الدائمة.
ولا شاة مسموطة: المسموط الذي ازيل شعره بالماء المسخن وشوى بجلده أو يطبخ وإنما يصنع ذلك في الصغير السن الطري وهو من فعل المترفين من وجهين أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه وثانيهما أن المسلوخ ينتفع بجلده في اللبس وغيره.
زهده في لباسه:
" كان زهده ﷺ في الدنيا طواعيةً، كان زهده ﷺ طوعاً لا كَرْهَا، ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة "
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عائشة الثابت في الصحيحين) أنها أخرجت كساءاً وإزاراً غليظاً فقالت: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ في هذين.
وكيف لا وقد علمنا النبي ﷺ أن البذاذةُ من الإيمان.
(حديث أبي أُمامةَ الثابت في صحيحي أبي داوود وابن ماجة) أن النبي ﷺ قال: البذاذةُ من الإيمان.
(البذاذة): رثاثة الهيئة وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس إيثاراً للخمول بين الناس.
زهده في فراشه:
" كان زهده ﷺ في الدنيا طواعيةً، كان زهده ﷺ طوعاً لا كَرْهَا، ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة "
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث عائشة ﵂ الثابت في صحيح الترغيب والترهيب) قالت دخلت علي امرأةٌ من الأنصار فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة مثنية فبعثت إلي بفراشٍ حشوه الصوف فدخل علي رسول الله ﷺ فقال ما هذا يا عائشة قالت قلت يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا فقال رُدِّيْه يا عائشة فوالله لو شئتُ لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة.
"وكان ﷺ ينام على حصير قد أثر في جنبه ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة "
стр. 6313
وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء فقال ما لي وما للدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
(حديث عمر بن الخطاب ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجة) قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير قال فجلست فإذا عليه إزار وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع وقرظ في ناحية في الغرفة وإذا إهاب معلق فابتدرت عيناي فقال ما يبكيك يا ابن الخطاب فقلت يا نبي الله ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذلك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك قال يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلت بلى.
زهده ﷺ في المال:
كان ﷺ " زهده في الدنيا طواعيةً ووالله لو شاء لأجرى الله معه جبال الذهب والفضة " فالمال لم يكن يخطر له ببال ولا يدور له في الخيال ولو كان له مثل أحدٍ ذهبا، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: لو أن عندي مثلَ أحدٍ ذهباً ما يسرني أن لا يمَّر عليَّ ثلاث وعندي منه شيءٌ إلا شيءٌ أرْصُدُه لدين.
[*] قال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير.
(لو أن عندي مثلَ أحدٍ) أي جبل أحد
(ذهباً) بالنصب على التمييز قال ابن مالك بوقوع التمييز بعد مثل قليل وجواب لو
(ما يسرني) من السرور بمعنى الفرح
(أن لا يمر عليَّ) بالتشديد
(ثلاث) من الليالي ويجوز الأيام بتكلف
(وعندي منه شيء) أي من الذهب، وفي التقييد بثلاث مبالغة في سرعة الإنفاق
(إلا شيء أرصده) بضم الهمزة وكسر الصاد أعدَّه
стр. 6314
(لدين) أي أحفظه لأداء دين لأنه مقدم على الصدقة واستثنى الشيء من الشيء لكون الثاني مقيداً خاصاً ورفعه لكونه جواب لو في حكم النفي وجعل لو هنا للتمني متعقب بالرد وخص الذهب بضرب المثل لكونه أشرف المعادن وأعظم حائل بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها وأعظم شيء عصى اللّه به وله قطعت الأرحام وأريقت الدماء واستحلت المحارم ووقع التظالم وهو المرغب في الدنيا المزهد في الآخرة وكم أميت به من حق وأحيي به من باطل ونصر به ظالم وقهر به مظلوم فمن سره أن لا يكون عنده منه شيء فقد آثر الآخرة.
(حديث عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً.
رِفْقِتهِ بِأُمَّتِهِ ﷺ :
يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ،
(حديث أبي قتادة الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ.
(حديث مالك بن الحُويرث الثابت في الصحيحين) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قَالَ ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ.
(حديث أنس في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: التأني من الله والعجلة من الشيطان.
رحمة النبي ﷺ :
стр. 6315
رحمته بأمته ورأفته بها؟ فقد كان رحيماً رفيقاً رقيقاً كما وصفه ربه تعالى بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: ١٥٩]
وقوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ١٢٨]
(حديث أبي قتادة الثابت في صحيح البخاري) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ.
حلم النبي وعفوه ﷺ :
كان أحلم الناس:
(حديث أَنَسِ الثابت في الصحيحين) قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً قَالَ أَنَسٌ فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.
فانظر أخي كيف قابل ﷺ هذا الجفاء والغلظة بالحلم والضحك والإحسان.
حياء النبي ﷺ :
(حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين) قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه.
تواضع النبي ﷺ :
(حديث الأسود بن يزيد الثابت في صحيح البخاري) قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
(حديث عبد الله ابن أبي أوفى ﵁ الثابت في صحيح النسائي) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ.
عَلَامَةِ رِضَاهُ وَعَلَامَةِ سَخَطِهِ ﷺ :
(حديث كعب ابن مالك الثابت في الصحيحين) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ.
(حديث عائشة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ.
(حديث عائشة الثابت في صحيح ابن ماجة) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(حديث أم سلمة الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ إِذَا غَضِبَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ.
صِفَةُ مَشْيِهِ وَالْتِفَاتِهِ ﷺ :
(حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثابت في صحيح ابن ماجة) قَالَ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَشَى مَشَى أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ لِلْمَلَائِكَةِ.
صفة جلوسه ﷺ :
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح النسائي) قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ جَالِسٌ، إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالُوا: هَذَا الْأَمْغَرُ الْمُرْتَفِقُ.
: الْأَمْغَرُ: الْأَبْيَضُ مُشَرَّبًا حُمْرَةً
الْمُرْتَفِقُ: مُتَّكِئٌ عَلَى مِرْفَقِهِ.
стр. 6318
هذه درر من أخلاق النبي ﷺ فاتخذوها نبراساً لكم تأتمون به وتأخذون بهديه وتسيرون على منهاجه فتهتدوا , فإن الله جبله على مكارم الأخلاق , وأمرنا بالاقتداء به. قال الله تعالى (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتََدُون َ)] الأعراف ١٥٨ [.
رزقنا الله وإياكم محبة هذا النبي ﷺ , ووفقنا إلى اتباع سنته وهديه حتى يأتينا اليقين.
صور من أخلاق الصحابة والتابعين:
صحابة رسول الله ﷺ هم خير القرون، وأفضل الأمة، وأكملُ المؤمنين، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ فرضي عنهم ورضوا عنه فهم كما قال الله عنهم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) [الفتح: ٢٩]
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: ٥٤]
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]
стр. 6319
وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء فقال: من يضيف هذا الليلة رحمة الله.؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: قد عجب الله من صنيعكم.
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري) قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي ﷺ بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي ﷺ : (مهيم يا عبد الرحمن). قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها). فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي ﷺ : (أولم ولو بشاة).
الله أكبر ما أحسن هذه الأخلاق، وأكرم هذه النفوس، وأطهر هذه القلوب.
وعن ميمون بن مهران قال سمعت ابن عباس ﵄ يقول: " ما بلغني عن أخ مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أحفلْ به. هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فأرض الله واسعة " (١).
стр. 6320
وَلَمَا دَخَلَ الْحُرُّ بْنِ حِصْن عَلَى عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ فَقَالَ الْحُرُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ" (١).
وقال علي ﵁:" يا عجباً لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلاً، فلو كان لا يرجو ثواباً ولا يخشى عقاباً، لقد كان ينبغي له أن يسارع إلى مكارم الأخلاق، فإنها مما تدل على سبيل النجاة ... ".
وعن عائشة ﵂ قالت: " دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كلَّه وحللَّك من ذلك، فقالت: سررتني سَّرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك " (٢).
هذه جملة من أخلاق أصحاب رسول الله ﷺ وتلاميذه الأطهار ﵃:
صور من أخلاق سلف الأمة:
وعلى نهج أولئك الأصحاب سار سلف الأمة رحمهم الله تعالى, فضربوا أروع الأمثال في حسن الخلق وطيب المعشر وسلامة الصدر ورحابة النفس وجود اليد حتى إن الإنسان لا يملك عينيه وهو يتصفح سيرهم العطرة، ودونك طائفةً من أخبارهم:
خاصم رجل الأحنف ﵀ فقال: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، فقال له الأحنف: لكنك إن قلت واحدة لم تسمع واحدة.
ودخل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المسجد ليلة في الظلمة، فمر برجل نائم فعثر به، فرفع رأسه وقال: أمجنونٌ أنت؟ فقال عمر: لا، فهمَّ به الحرس، فقال عمر: مه، إنما سألني أمجنون؟ فقلت: لا (٣).
стр. 6321
وقال رجل للإمام أبي حنيفة: اتق الله، فانتفض واصفرَّ وأطرق وقال: جزاك الله خيراً، ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا (١) لهذه الكلمة.
وعن بلال بن سعد عمن رأى عامرَ بن عبد الله التميمي بأرض الروم وله بغلة يركبها عقبة (أي نوبة) ويحمل المهاجرين عقبة، قال بلال: " كان إذا فصل غازياً يتوشَّم من يرافقه، فإذا رأى رفقة تعجبه، اشترط عليهم أن يخدمهم، وأن يؤذن، وأن ينفق عليهم طاقته " (٢).
فلا إله إلا الله ما أعجب هذه الشروط.
وعن أبي قِلابة قال: " إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك: لعل له عذراً لا أعلمه " (٣).
رزقت أسمح ما في الناس من خلق ... إذا رزقت التماس العذر في الشيم
وعن يونس الصَّدفي: "ما رأيت أعقلَ من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة " (٤).
الله أكبر، هذه أخلاق الأئمة فأين الذين يوالون ويعادون عند أدنى خلاف؟!
وعن معاذ بن سعيد قال: كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: " سبحان الله ما هذه الأخلاق؟ ما هذه الأخلاق؟ إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم منه به فأريه أني لا أُحسن منه شيئاً " (٥).
فأين هذا من قوم إذا تحدث فيهم الرجل اعترض له عشرة؟
وعن ابن مهروية الرازي، سمعت علي بن الحسين بن الجنيد: سمعت يحي بن معين يقول: " إنا لنطعن على أقوام، لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة " (٦).
قال ابن مهروية: " فدخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب الجرح والتعديل، فحدثته بهذا، فبكى، وارتعدت يداه، حتى سقط الكتاب وجعل يبكي ويستعيدني الحكاية ".
قال الذهبي: " أصابه على طريق الوجل وخوف العاقبة، وإلاّ فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله، والذب عن السنة " (٧).
فأين هذا من أقوام لم تشبعهم لحوم الأحياء فتطاولوا على أموات المسلمين يلغون في أعراضهم ويأكلون لحومهم؟ نسأل الله العافية.
стр. 6322
وكان بين حسن بن حسن وعلي بن الحسين بعضُ الأمر، فجاء حسن بن حسن إلى علي بن الحسين وهو في أصحابه في المسجد، فما ترك شيئاً إلا قاله له وعلي ساكت. فانصرف حسن فلما كان من الليل أتاه في منزله فقرع عليه بابه، فخرج إليه، فقال له علي: يا أخي إن كنت صادقاً فيما قلت لي فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، السلام عليكم. وولى، قال: فاتبعه حسن فالتزمه وبكى حتى رُثي له ثم قال: لا جرم لا عدتُ في أمر تكرهه. فقال علي: وأنت في حل مما قلت لي (١).
فانظر أخي الكريم إلى أخلاق أهل بيت النبوة فأين نحن منها؟ يختلف الرجلان فينا فيتهاجران الدهر كلَّه، وقد لا يشهد أحدُهما جنازةَ الآخر.
وعندما سُرق للربيع بن خُيثم فرس كان أعطي به عشرين ألفاً قالوا له: ادع الله عليه فقال: اللهم إن كان غنياً فاغفر له وإن كان فقيراً فأغنه.
فسبحان من منَّ عليهم بهذه القلوب الطاهرة.
وكان عبد الله بن المبارك ﵀ إذا كان وقتُ الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتِكم، فيأخذ نفقاتهِم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيبَ الحلوى ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زيٍّ وأكمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة الرسول ﷺ فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرَفها؟ فيقول: كذا وكذا، ثم يخرجهم إلى مكة فإذا قضوا حجهم قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو فيجصِّص بيوتهَم وأبوابهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام عمل لهم وليمة وكساهم فإذا أكلوا وسرُّوا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته عليها اسمه (٢).
هذه صور قليلة من أخلاق السلف ﵏، وأخبارهم في هذا الباب أكثر من أن تحصر.
طرق اكتساب حسن الخلق:
هناك طرق متعددة، وأسباب متنوعة تعين الشباب على التخلق بالأخلاق الإسلامية المحمودة (٣)، فمنها ما يلي:
стр. 6323
(١) الإيمان؛ فإن للإيمان بالله - تعالى - أثراً كبيراً في تزكية النفوس، وتهذيب السلوك، وسمو الأخلاق، فالمؤمن الصادق يطبق شرع الله الحكيم الذي هو منبع الأخلاق الحميدة، ويتجرد من أمراض القلوب، وشهوات النفس .. التي هي منبع الأخلاق الذميمة، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
(حديث عبد الله بن سلام الثابت في صحيحي الترمذي وابن ماجه) أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ.
(حديث عبد الله ابن عمرو الثابت في الصحيحين) أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ أي الإسلامُ خير؟ قال: تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
هذا ولفعل الطاعات واجتناب المحرمات أثر كبير في طيب النفس وحسن الخلق، وهذا أمر مشاهد.
(٢) مجالسة أهلِ الأخلاق الحسنة، فإن للمجالسة والمخالطة أثراً كبيراً في السلوك والأخلاق فالإنسان يتأثر بمن يصاحبه ويتخلق بأخلاقه وتأمل في الحديثين الآتيين بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيهما واجعل لهما من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيهما من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي سعيد الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: لا تصاحب إلا مؤمنا و لا يأكل طعامك إلا تقي.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي ﷺ قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
ولله درُ من قال:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارَنِ يقتدي
стр. 6324
بل إن الإنسان يتأثر بمخالطة البهائم ويكتسب بعض طباعها فكيف لا يتأثر بمخالط جنسه من البشر، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" إن الله تعالى جبل بني آدم، بل سائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المتشابهة أكثرَ كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم ... إلى أن قال: ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة. وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعاً من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صارت الخيلاءُ والفخرُ في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم ... " (١).
والواقع أيها الإخوة شاهد بذلك فكم رأينا من الناس من تغيرت أخلاقهم بسبب جلسائهم.
قال الفضيل بن عياض: " إذا خالطت فخالط حسنَ الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة ... ".
(٣) محاسبة النفس، إن أعدى عدو للإنسان هو نفسه التي بين جنبيه، فقد خلقت أمارةً بالسوء، ميالة إلى الشر، فرارة من الخير، ولذلك أمر المسلم بتزكيتها وتقويمها، ومحاسبتها وحملها على ما يزينها من محاسن الأخلاق ومكارم الآداب، فينبغي للمسلم أن يتعاهد نفسه، ويمنعها من اقتراف المساوئ ويعاتبها على التقصير والتفريط، فإنها بذلك تزكو وتستقيم.
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وقد كان السلف ﵏، يحاسبون أنفسهم ويتهمونها ويعاتبونها عند كل صغيرة وكبيرة.
(حديث أنس ﵁ الثابت في صحيح البخاري موقوفا) قَالَ إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمُوبِقَاتِ.
стр. 6325
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح البخاري موقوفا) قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا.
وقال مالك بن دينار:" رحم الله عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبةَ كذا؟ ألستِ صاحبةَ كذا؟ ثم ذمّها ثم خطمها، ثم ألزمها كتابَ الله ، فكان لها قائداً ".
وقال مطرف بن عبد الله: " لولا ما أعلم من نفسي لقليتُ الناس ".
(٤) قراءة سير السلف الصالح ﵏:
من الأسباب المعينة على التخلق بالأخلاق الحسنة الاطلاع على سير أهل الصلاح والتقى ... فإن الإنسان إذا عرف أحوالهم، وتأمل أخلاقهم وصفاتهم انبعثت همتهُ نحو مشاكلتهم واشتاقت نفسه إلى الاقتداء بهم.
قال الإمام أبو حنيفة: " الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إليّ من كثير من الفقه، لأنها آدابُ القوم وأخلاقهم، وشاهده من كتاب الله تعالى قوله سبحانه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف: ١١١]
وقال بعضهم: " الحكايات جند من جنود الله تعالى يثبت الله بها قلوبَ أوليائه، وشاهده من كتاب الله تعالى قوله سبحانه: (وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود: ١٢٠]
وقال آخر:" استكثروا من الحكايات فإنها درر، وربما كانت فيها الدرة اليتيمة " (١).
وقد اتفق علماء النفس والتربية على أن القصص والأخبار والسير من أقوى عوامل التربية.
(٥) الدعاء، وهذا من أعظم الأسباب الموصلة إلى محاسن الأخلاق، فإن العبد ضعيف فقير إلى الله تعالى في جميع أحواله لا غنى له طرف عين عن خالقه،
وقد كان سيد البشر ﷺ يسأل الله تَعالى أن يهديه لأحسن الأخلاق كما في حديث علي الطويل الوارد في دعاء الاستفتاح وفيه: ((واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت))
(حديث أبي هريرة في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: إنما العلم بالتعلم و إنما الحلم بالتحلم و من يتحر الخير يعطه و من يتق الشر يُوّقَّه.
فينبغي للعبد أن يتحر حسن الخلق ويحرص عليه ويجاهد نفسه ويتكلفه حتى ينعم الله تعالى عليه بهذه الفضيلة، وهذا حاصلٌ لا محالة إذا صدق العبد في ذلك.
(حديث شداد بن أوس في صحيح النسائي) أن النبي ﷺ قال: إن تصدق الله يصدقك.
(٧) لا بد من الصبر وطول النفس في تحصيل أي خير وليس له أن يستعجل فإنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فعليه أن يتأنى جيداً وإياه والعجلة فبئست المطيةُ هي، تحول بينك وبين أي خير.
ما هو حسن الخلق:
قال الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا:
حُسْنُ الْخَلْقِ أَنْ يَكُونَ "سَهْلَ الْعَرِيكَةِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، طَلِيقَ الْوَجْهِ، قَلِيلَ النُّفُورِ، طَيِّبَ الْكَلِمَةِ"
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح الجامع) أن النبي ﷺ قال: حُرِّمَ على النار كل هين لين سهل قريب من الناس.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية:
قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ قَالَ أَنْ لَا تَغْضَبَ وَلَا تَحْتَدَّ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ هُوَ بَسْطُ الْوَجْهِ وَأَنْ لَا تَغْضَبَ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
أورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ , وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ.
وأورد ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية عن الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: الْأَخْلَاقُ لِلْمُؤْمِنِ قُوَّةٌ فِي لِينٍ , وَحَزْمٌ فِي دِينٍ , وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ , وَحِرْصٌ عَلَى الْعِلْمِ , وَاقْتِصَادٌ فِي النَّفَقَةِ , وَبَذْلٌ فِي السَّعَةِ , وَقَنَاعَةٌ فِي الْفَاقَةِ , وَرَحْمَةٌ لِلْجُمْهُورِ , وَإِعْطَاءٌ فِي كَرَمٍ وَبِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ.
حدود حسن الخلق:
стр. 6328
لِمَحَاسِنِ الأخلاقِ حُدُودٌ مُقَدَّرَةٌ وَمَوَاضِعُ مُسْتَحَقَّةٌ فَإِنْ تَجَاوَزَ بِهَا الْحَدَّ صَارَتْ مَلَقًا وَإِنْ عَدْلَ بِهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا صَارَتْ نِفَاقًا. وَالْمَلَقُ ذُلٌّ، وَالنِّفَاقُ لُؤْمٌ، وَلَيْسَ لِمَنْ وُسِمَ بِهِمَا وُدٌّ مَبْرُورٌ وَلاَ أَثَرٌ مَشْكُورٌ، وتأمل في الأحاديث الآتية بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيها واجعل لها من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعاً عسى الله أن ينفعك بما فيها من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.
(حديث عمار ابن ياسر الثابت في صحيح أبي داود) أن النبي ﷺ قال من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح الأدب المفرد) أن النبي ﷺ قال لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً.
قال ابن مفلح رحمه الله تعالى في الآداب الشرعية تعليقاً على الحديث السابق:
لِأَنَّهُ نِفَاقٌ وَخِدَاعٌ وَكَذِبٌ وَتَحَيُّلٌ عَلَى اطِّلَاعِهِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا , وَيُظْهِرُ أَنَّهُ مَعَهَا , وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ ذَكَرَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾. أَيْ: مَقْطُوعَةٌ مُمَالَةٌ إلَى الْحَائِطِ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا وَلَا هِيَ ثَابِتَةٌ , إنَّمَا كَانُوا يَسْتَنِدُونَ إلَى مَنْ يَنْصُرُهُمْ , وَإِلَى مَنْ يَتَظَاهَرُونَ بِهِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ لِسُوءِ اعْتِقَادِهِمْ ﴿هُمْ الْعَدُوُّ﴾ لِلتَّمَكُّنِ بَيْنَ الشَّرِّ بِالْمُخَاطَبَةِ وَالْمُدَاخَلَةِ. أهـ
أورد الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدين والدنيا عن سَعِيدُ بْنُ عُرْوَةَ قال: لاَنْ يَكُونَ لِي نِصْفُ وَجْهٍ وَنِصْفُ لِسَانٍ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنْ قُبْحِ الْمَنْظَرِ وَعَجْزِ الْمَخْبَرِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ وَذَا قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ:
وَكَمْ مِنْ صَدِيقٍ وُدُّهُ بِلِسَانِهِ خَئُونٌ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لاَ يَتَذَمَّمُ
(٧) وَمِنْهَا عُلُوُّ السِّنِّ وَحُدُوثُ الْهَرَمِ لِتَأْثِيرِهِ فِي آلَةِ الْجَسَدِ كَذَلِكَ يَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي أَخْلاَقِ النَّفْسِ، فَكَمَا يَضْعُفُ الْجَسَدُ عَنْ احْتِمَالِ مَا كَانَ يُطِيقُهُ مِنْ أَثْقَالٍ فَكَذَلِكَ تَعْجِزُ النَّفْسُ عَنْ أَثْقَالِ مَا كَانَتْ تَصْبِرُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْوِفَاقِ، وَمَضِيقِ الشِّقَاقِ. وَكَذَلِكَ مَا ضَاهَاهُ.
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَسْبَابٍ أَحْدَثَتْ سُوءَ خُلُقٍ كَانَ عَامًّا. وَهَا هُنَا سَبَبٌ خَاصٌّ يُحْدِثُ سُوءَ خُلُقٍ خَاصٍّ وَهُوَ الْبُغْضُ الَّذِي تَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ فَتُحْدِثُ نُفُورًا عَلَى الْمُبْغَضِ، فَيَؤُولُ إلَى سُوءِ خُلُقٍ يَخُصُّهُ دُونَ غَيْرِهِ. فَإِذَا كَانَ سُوءُ الْخُلُقِ حَادِثًا بِسَبَبٍ كَانَ زَوَالُهُ مَقْرُونًا بِزَوَالِ ذَلِكَ السَّبَبِ، ثُمَّ بِالضِّدِّ.
خطر فقدان الأخلاق:
إن انعدام الأخلاق السوية من المجتمع يفقد الدين معناه وجدواه ومبرر وجوده، وتصبح الحياة بذلك غابة يسودها الخوف والفوضى وغرائز اللذة والعدوان والنفعية الجافة المقيتة؛ لذلك بعث الله سبحانه رسله تترى، وجعل أخلاقهم في تمام السواء والكمال، كي تتعزز التوجيهات الربانية الشفوية بالقدوة العملية التي تمشي على قدمين، ويتغير سلوك الأمم والأقوام بتغير الأفكار والنفوس والعقائد (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد ١١:].
إن استقراء التاريخ عبر حقبه الماضية والمعاصرة، ليكشف بكل وضوح تأثير الأخلاق ودورها في رقي الأمم أو اندحارها. فيوم مكن الله للأمة الإسلامية لم يكن النصر لسيوفهم بقدر ما كان لعقيدتهم وحسن أخلاقهم، وهو ما شهد به العدو قبل الصديق والنائي قبل الداني.
ويوم تحولت قصور الأندلس إلى مواخير لداعر وداعرة، هما ولادة والمعتمد، وأمثالهما من فسقة الأدباء والمتأدبين، ومترفي المخنثين والمتصابين، أخرج أهلها منها أذلة صاغرين.
وفي اليوم الذي كان فيه خليفة المسلمين يتلهى برقص جاريته ومخنثيه، دخل هولاكو بغداد منتصرا، وكان ما كان مما جرت بذكره الركبان ودونه التاريخ بدمع ودم.
стр. 6332
وفي عصرنا هذا، ونحن نشهد من انحطاط الأخلاق وتسيب التصرفات ما يخجل القلم من تسطيره، واللسان من ذكره، والمخيلة من تصوره، سلط الله تعالى علينا شرقا وغربا ما دعاه المتداعون إلى القصعة "حرب الإرهاب" بقيادة الصهيونية العالمية، ومشاركة بعض المسلمين لهم من صغار النفوس ضعاف الهمة فسقة الجوارح أغبياء العقول فاسدي القول والعمل. أليس في هذا ما يشرح قوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) [الطلاق: ٨]، وقوله (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الأنفال: ٥٣]
(٩) سلامة الصدر:
معنى سلامة الصدر:
قال الشوكاني ﵀ في السلوك الإسلامي القويم:
سلامة الصدر المراد به "عدم الحقد والغل والبغضاء".
ثم ذكر رحمه الله تعالى الأحاديث الآتية:
(حديث الزبير بن العوام الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: دَبَّ إليكم داءُ الأممِ من قبلِكم: الحسدُ و البغضاء، والبُغْضةُ هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقةَ الدين، و الذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما يُثّبتُ ذلك أفشوا السلام بينكم.
دب إليكم: سار إليكم.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا. أهـ
إنَّ من لوازم التقوى سلامة الصدر من الغل والحقد والحسد والضغائن والرذائل قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]
стр. 6333
ولا يكون صلاح ذات البين إلا بسلامة الصدر من تلك الآفات.
لذا فإن دين الإسلام قد حرص حرصاً شديداً على أن تكون الأمة أمةً واحدة في قلبها وقالبها، وأن تكون الأمة على قلب رجلٍ واحد لا تحاسد بينهم ولا تباغض. تسودها عواطف الحب المشترك والود الشائع والتعاون على البر والتقوى، والتناصح البناء الذي يثمر إصلاح الأخطاء مع صفاء القلوب وتآلفها دون فرقة وغل وحسد ووقيعة وكيد وبغي. وقد جاءت الآيات القرآنية والآثار النبوية منسجمة متناسقة متضافرة لتحقيق ذلك المقصد الشرعي الكبير. فمن تلك الآيات قول الله تعالى في الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] فالأخوة الإيمانية تعلو على كل خلاف مهما اشتدت وطأته واضطرمت شدته وبلغ حد الاشتباك المسلح.
أما الأحاديث فمنها ما يلي:
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا.
(حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ (١) وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ (٢) سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى (٣).
(حديث أبي موسى الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
وكان من دعائه ﵌: (واسلل سخيمة صدري (٤). كما في الحديث الآتي:
стр. 6334
(حديث ابن عباس ﵄ الثابت في صحيح الترمذي) قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو يَقُولُ رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ وَاهْدِنِي وَيَسِّرْ الْهُدَى لِي وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا لَكَ ذَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا لَكَ مِطْوَاعًا لَكَ مُخْبِتًا إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي وَاغْسِلْ حَوْبَتِي وَأَجِبْ دَعْوَتِي وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَسَدِّدْ لِسَانِي وَاهْدِ قَلْبِي وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ (١) صَدْرِي.
وهذه منقبة وخلة عظيمة الشأن قليل هم الذين يتحلون بها؛ لأنه عسيرٌ على النفس أن تتجرد من حظوظها، وتتنازل عن حقوقها لغيرها، هذا مع ما يقع من كثير من الناس من التعدي والظلم، فإذا قابل المرء ظلم الناس وجهلهم وتعديهم بسلامة صدر، ولم يقابل إساءتهم بإساءة، ولم يحقد عليهم، نال مرتبة عالية من الأخلاق الرفيعة والسجايا النبيلة. وهو عزيز ونادر في الناس، ولكنه يسير على من يسره الله عليه.
(حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ.
قوله: (والمؤمن غرٌ كريم) قال المباركفوري: وفي النهاية: أي ليس بذي مكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، وهو ضد الخب، يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلاً، ولكنه كرم وحسن خلق، كذا في المرقاة. وقال المناوي: أي يغره كل أحد ويغيره كل شيء ولا يعرف الشر وليس بذي مكر، فهو ينخدع لسلامة صدره وحسن ظنه. وقوله: (والفاجر خب لئيم) أي بخيل لجوج سيء الخلق (٢).
стр. 6335
ولقد ضرب الصحابة ﵃ أروع الأمثلة في سلامة القلوب وطهارة الصدور، فكان لهم من هذه الصفة أوفر الحظ والنصيب، فلقد كانوا ﵃ صفاً واحداً يعطف بعضهم على بعض ويرحم بعضهم بعضاً ويحب بعضهم بعضاً كما وصفهم جل وعلا بذلك حيث قال: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وكما قال جل ذكره في وصفهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح: ٢٩]
ولقد كان لسلامة الصدر عندهم منزلة كبرى حتى إنهم جعلوها سبب التفاضل بينهم:
قال إياس بن معاوية بن قرة عن أصحاب النبي ﷺ : ((كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدراً وأقلهم غيبة))
وقد قال سفيان بن دينار لأبي بشر أحد السلف الصالحين: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً. قال سفيان: ولم ذاك؟ قال أبو بشر: لسلامة صدورهم.
قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة:
ومن آدابها: سلامة الصدر للإخوان والأصحاب، والنصيحة لهم، وقبول النصيحة منهم، وأصله قوله تعالى: (إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: ٨٩]
أورد أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى في آداب الصحبة عن سريا السقطي قال: " من أخلاق الأبدال (١) سلامة الصدر، والنصيحة للإخوان "
فضائل سلامة الصدر:
(١) من فضائل سلامة الصدر أنها صفة أهل الجنة الذين هم خير أهل ومعشر قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٨، ٨٩]
وصاحب القلب السليم هو الذي سلم صدره وعوفي فؤاده من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدينار والرياسة فسلم من كل آفة تبعد عن الله تعالى.
(٢) ومن فضائل سلامة الصدر أن صاحبها خير الناس وأفضلهم بنص السنة الصحيحة كما في الحديث الآتي:
стр. 6336
(حديث عبد الله ابن عمرو ﵄ الثابت في صحيح الجامع) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ ذُو القَلْبِ المَخْمُومِ وَاللِّسَانِ الصَّادِقِ، قِيلَ: مَا القَلبُ المَخْمُومُ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا حَسَد، قِيلَ: فَمَنْ عَلَى أَثَرِهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَشْنَأُ الدُّنْيَا وَيُحِبُ الْآخِرَةَ قِيلَ: فَمَنْ عَلَى أَثَرِهِ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي خُلُقٍ حَسَنٍ.
(٣) ومن فضائل سلامة الصدر جمعية القلب على الخير والبر والطاعة والصلاح فليس أروح للمرء ولا أطرد للهم ولا أقر للعين من سلامة الصدر على عباد الله المسلمين.
(٤) ومن فضائل سلامة الصدر أنها تقطع سلاسل العيوب وأسباب الذنوب فإن من سلم صدره وطهر قلبه عن الإرادات الفاسدة والظنون السيئة عف لسانه عن الغيبة والنميمة وقالة السوء.
(٥) ومن فضائل سلامة الصدر أن فيها صدق الإقتداء بالنبي ﷺ فإنه ﷺ أسلم الناس صدراً وأطيبهم قلباً وأصفاهم سريرة، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في الصحيحين) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
أسباب سلامة الصدر:
إن لسلامة الصدر أسباباً وطرقاً لابد من سلوكها. فمن تلك الأسباب ما يلي:
(١) الإخلاص لله تعالى:
(حديث ابن مسعود ﵁ الثابت في صحيح ابن ماجه) أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة أئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم.
قال ابن الأثير عند هذا الحديث: إن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدخل والشر.
(٢) ومن أسباب سلامة الصدر الإقبال على كتاب الله تعالى الذي أنزله شفاء لما في الصدور قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]
стр. 6337
فكلما أقبلت ياعبد الله على كتاب الله تلاوة وحفظاً وتدبراً وفهماً صلح صدرك وسلم قلبك.
(٣) ومن أسباب سلامة الصدر دعاء الله تعالى أن يجعل قلبك سليماً من الضغائن والأحقاد على إخوانك المؤمنين قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[الحشر: ١٠]
(٤) ومن طرق إصلاح القلب وسلامة الصدر إفشاء السلام بين المسلمين، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم) أن النبي ﷺ قال: و الذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا و لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.
(٥) ومن أسباب سلامة الصدر الابتعاد عن سوء الظن فإنه بئس سريرة الرجل قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]
وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا.
فانظر كيف بدأ بالنهي عن سوء الظن لأنه الذي عنه تصدر سائر الآفات المذكورة في الحديث فالواجب عليك ياعبد الله أن تطهر قلبك من سوء الظن ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.
الآفات.
(١٠) إحسان الظن بالإخوان وعدم التجسس عليهم:
ومن حسن المعاشرة بين الإخوان إحسان الظن بهم، وحمل كلامهم وما يصدر منهم من الأفعال على أحسن المحامل. ونُهينا عن ظن السوء فإنه أكذب الحديث، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة:
(حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا.
стр. 6338
والمراد بالنهي هنا هو النهي عن ظن السوء. قال الخطابي: هو تحقيق الظن وتصديقه دون ما يهجس في النفس؛ فإن ذلك لا يملك. ومراد الخطابي أن المحرم من الظن ما يستمر صاحبه عليه، ويستقر في قلبه، دون ما يعرض في القلب ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به كما سبق في حديث: (تجاوز الله تعالى عما تحدثت به الأمة ما لم تتكلم أو تعمد) وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقر، قاله النووي (١). وقال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك عطف عليه قوله: ﴿ولا تجسسوا﴾ وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع، فنهي عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ الظّنّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتّقُواْ اللّهَ إِنّ اللّهَ تَوّابٌ رّحِيمٌ) [الحجرات: ١٢] فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة، لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظان أبحث لأ تحقق، قيل له: ﴿ولا تجسسوا﴾ فإن قال تحققت من غير تجسس قيل له: ﴿وَلاَ يَغْتَب بّعْضُكُم بَعْضاً﴾ (٢).
﴿فائدة﴾: من إحسان الظن بالإخوان؛ حمل كلامهم على أحسن المحامل، فإذا بلغك شيءٌ تكرهه، فالتمس له العذر، وقل: لعله أراد كذا، ولعله أراد كذا، حتى لا تجد له محملاً.
ذم التجسس على المسلم:
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حُمَيد والخرائطي عن المِسْور بن مَخْرَمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه حرس مع عمر بن الخطاب ﵄ ليلةً المدينة، فبينما هم يمشون شبَّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، فلما دنوا منه إذا باب مُجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولَغَط. فقال عمر ـ وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف ـ: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خَلَف وهم الآن شَرْب فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ (سورة الحجرات: الآية: ١٢) فقد تجسسنا فانصرف عنهم عمر ﵁ وتركهم.
قصة عمر ﵁ مع رجل ومع جماعة في هذا الشأن:
стр. 6339
وأخرج ابن المنذر وسعيد بن منصور عن الشَّعْبي أن عمر بن الخطاب ﵁ فقد رجلاً من أصحابه، فقال لابن عوف ﵁: انطلق بنا إلى منزل فلان فننظر، فأتيا منزله فوجدا بابه مفتوحاً وهو جالس وامرأته تصب له في الإناء فتناوله إياه، فقال عمر لابن عوف: هذا الذي شغله عنا. فقال ابن عوف لعمر: وما يُدريك ما في الإِناء؟ فقال عمر: أتخاف أن يكون هذا هو التجسس؟ قال: بل هو التجسس. قال: وما التوبة من هذا؟ قال: لا تُعلمه بما اطَّلعت عليه من أمره، ولا يكونَنَّ في نفسك إلاَّ خيراً، ثم انصرفا. كذا في الكنز.
تسوّر عمر ﵁ على المغني بيته:
وأخرج الخرائطي عن ثَوحر الكندي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يَعُس بالمدينة من الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنَّى، فتسوَّر عليه فقال: يا عدو الله، أظننت أن الله يسترك وأنت في معصية فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل عليَّ؛ إن أكن عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث قال: "ولا تجسسوا" وقد تجسست. وقال: ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِهَا﴾ (سورة البقرة، الآية: ١٨٩) وقد تسوَّرت عليَّ، ودخلت عليَّ بغير إذن وقال الله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ (سورة النور، الآية: ٢٧) قال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم، فعفا عنه وخرج وتركه. كذا في الكنز.
قصة عمر ﵁ مع شيخ كبير في هذا الشأن:
стр. 6340
وأخرج أبو الشيخ عن السُّدِّي قال: خرج عمر بن الخطاب ﵁ فإذا هو بضوء نار ومعه عبد الله بن مسعود ﵁ فأتْبَع الضوء حتى دخل داراً فإذا بسراج في بيت، فدخل وذلك في جوف الليل، فإذا شيخ جالس وبين يديه شراب وقَيْنة تغنِّيه، فلم يشعر حتى هجم عليه عمر، فقال عمر: ما رأيت كالليلة منظراً أقبح من شيخ ينتظر أجله فرفع رأسه إليه، فقال: بلى، يا أمير المؤمنين ما صنعت أنت أٌبح أتجسست وقد نُهي عن التجسس، ودخلت بغير إذن؟ فقال عمر: صدقت. ثم خرج عاضاً على ثوبه يبكي وقال: ثكلت عمر أمه إن لم يغفر له ربه، يجد هذا كان يستخفي به من أهله فيقول الآن رآني عمر فيتتابع فيه. وهجر الشيخ مجلس عمر حيناً، فبينا عمر بعد ذلك جالس إذ به قد جاء شبه المستخفي حتى جلس في أخريات الناس، فرآه عمر فقال: عليَّ بهذا اشيخ، فأُتي فقيل له: أجب، فقام وهو يرى أن عمر سيسوءه بما رأى منه، فقال عمر: ادنُ مني، فما زال يدنيه حتى أجلسه بجنبه، فقال: إدنِ مني أذنك، فالتقم أذنه فقال: أما والذي بعث محمداً بالحق رسولاً ما أخبرت أحداً من الناس بما رأيت منك ولا ابن مسعود فإنه كان معي، فقال: يا أمير المؤمنين أدنِ مني أذنك، فالتقم أذنه فقال: ولا أنا والذي بعث محمداً بالحق رسولاً ما عدت إليه حتى جلست مجلسي هذا، فرفع عمر صوته يكبِّر، فما يدري الناس من أي شيء يكبر. كذا في الكنز.
قصة عمر ﵁ مع أبي محجن الثقفي:
وأخرج الطبراني عن أبي قِلابة أن عمر ﵁ حُدِّث أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو وأصحاب له، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إن هذا لا يحل لك قد نهاك الله عن التجسس؛ فقال عمر: ما يقول؟ فقال له زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن الأرقم ﵄: صدق يا أمير المؤمنين، هذا من التجسس، فخرج عمر وتركه. كذا في الكنز.
(١١) كظم الغيظ والعفو عن الناس:
لما كانت مخالطة الناس ومعاشرتهم ـ لا بد ـ وأن يعتريها شيءٌ من التقصير والتفريط والتعدي من بعضهم على بعض إما بقولٍ أو فعلٍ؛ أُستحب لمن ظُلم أن يكظم غيظه ويعفو عمن ظلمه، قال تعالى: (وَالّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى: ٣٧]