Полный текст (6 619 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن داود بن أبي هند قال دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب، يعني بابا من أبواب المسجد بالمدينة، فقال رجل من القوم بعث إلينا هذا الفاسق بابنه هذا يتعلم الفرائض والسنن وزعم أنه يكون خليفة بعده ويسير بسيرة عمر بن الخطاب ﵁، قال: فقال لنا داود فو الله ما مات حتى رأينا ذلك فيه، قيل إن عمر بن الخطاب قال إن من ولدي رجلا بوجهه شتر يملأ الأرض عدلا.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن نافع بلغنا أن عمر قال إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلا قال نافع فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز جلس في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندا من هذه الأجناد فقال له رجل منهم لم تعرض علينا ما لا تفعله قال ترون بساطي هذا إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وإني أكره أن تدنسوه علي بأرجلكم فكيف أوليكم ديني وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم هيهات هيهات قالوا: لِمَ؟ أما لنا قرابة أما لنا حق قال ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء إلا رجل حبسه عني طول شقة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن وهيب ابن الورد قال: اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز، وجاء عبد الملك بن عمر ليدخل على أبيه فقالوا له: إما أن تستأذن لنا وإما أن تبلغ عنا أمير المؤمنين الرسالة، قال: قولوا قالوا: إن من كان قبله من الخلفاء كانوا يعطوننا ويعرفون لنا موضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه. قال: فدخل على أبيه فأخبره عنهم فقال له عمر: قل لهم: (إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام: ١٥]
стр. 772
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن جعونة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الموسم أما بعد: فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحج الأكبر إني بريء من ظلم ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو تعمدته، إلا أن يكون وهماً مني، أو أمراً خفي عليكم أتعمده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعاً عني مغفوراً لي إذا علم مني الحرص والاجتهاد، ألا وإنه لا آذن على مظلوم دوني وأنا معول كل مظلوم، ألا وأي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صيرت أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو ذميم، ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم، ولا أثرة على فقرائكم، في شيء من فيئكم، ألا وأيما وارد ورد في أمر يصلح الله به خاصاً أو عاماً من هذا الدين فله ما بين مائتي دينار إلى ثلاث مائة دينار على قدر مانوى من الحسنة، وتجشم من المشقة، رحم الله امرأً لم يتعاظمه سفر يحيى الله به حقاً لمن وراءه، ولولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أموراً من الحق أحياها الله لكم، وأموراً من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري، والسلام عليكم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي عثمان الثقفي، قال: كان لعمر بن عبد العزيز غلام يعمل على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم، فجاءه يوماً بدرهم ونصف، فقال: ما بدالك؟ فقال: نفقت السوق، قال: لا ولكنك أتعبت البغل، أرحه ثلاثة أيام.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: كانت لفاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر جارية، فبعثت بها إليه، وقالت: إني قد كنت أعلم أنها تعجبك وقد وهبتها لك فتناول منها حاجتك. فقال لها عمر: اجلسي يا جارية فوالله ما شىء من الدنيا كان أعجب إلى أن أناله منك، فأخبريني بقصتك وما كان من سيبك؟ قالت: كنت جارية من البربر جنى أبي جناية فهرب من موسى بن نصير عامل عبد الملك على أفريقية، فأخذني موسى بن نصير فبعث بي إلى عبد الملك فوهبني عبد الملك لفاطمة، فأرسلت بي إليك، فقال: كدنا والله أن نفتضح. فجهزها وأرسل بها إلى أهلها.
стр. 773
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن وهيب بن الورد، قال: اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز وجاء عبد الملك بن عمر ليدخل على أبيه فقالوا له: إما أن تستأذن لنا، وإما أن تبلغ أمير المؤمنين عنا الرسالة قال: قولوا، قالوا: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا، وإن أباك قد حرمنا ما في يديه، قال: فدخل على أبيه فأخبره عنهم، فقال له عمر: قل لهم أن أبي يقول لكم: إني أخاف إعصيت ربي عذاب يوم عظيم.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الأوزاعي، قال: لما قطع عمر بن عبد العزيز، عن أهل بيته ما كان يجرى عليهم من أرزاق خاصة، وأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، فتكلم في ذلك عنبسة بن سعيد فقال: يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة؟ قال: لن يتسع مالي ومالكم، وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد، ولا يمنعه من أخذه إلا بعد مكانه، والله إني لأرى أن الأمور لو استحالت حتى يصبح أهل الأرض يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله، ولفعل بهم، قال: وكان عمر يجلس إلى قاص العامة بعد الصلاة، ويرفع يديه إذا رفع.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الليث قال بدأ عمر بن عبد العزيز بأهل بيته فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم مظالم ففزعت بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان فأرسلت إليه إني قد عناني أمر فأتته ليلا فأنزلها عن دابتها فلما أخذت مجلسها قال يا عمة أنت أولى بالكلام قالت تكلم يا أمير المؤمنين قال إن الله بعث محمدا رحمة ولم يبعثه عذابا واختار له ما عنده فترك لهم نهراً شربهم سواء ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله ثم عمر فعمل عمل صاحبه ثم لم يزل النهر يشتق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان حتى أفضى الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم ولن يروي أهله حتى يعود إلى ما كان عليه فقالت حسبك فلست بذاكرة لك شيئا ورجعت فأبلغتهم كلامه.
стр. 774
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم ابن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن جدي، قال: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكبر البلاد سرقاً ونقباً، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلاد وأسأله آخذ من الناس بالمظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه عادة الناس؟ فكتب إلى أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله، قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقله سرقاً ونقباً.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن جويرة بن أسماء، قال: قال عمر بن عبد العزيز لحاجبه: لا يدخل على اليوم إلا مرواني، فلما اجتمعوا عنده حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا بني مروان إنكم قد أعطيتم حظاً وشرفاً وأموالاً، إني لأحسب شطر هذه الأمة أو ثلثه في أيديكم. فسكتوا، فقال عمر: ألا تجيبوني فقال رجل من القوم: والله لا يكون ذلك حتى يحال بين رءوسنا وأجسادنا، والله لا نكفر آباءنا ولا نفقر أبناءنا، فقال عمر: والله لولا أن تستعينوا على بمن أطلب هذا الحق له لأصعرت خدودكم، قوموا عني.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن يزيد بن مردانية، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد، قال: جاءني كتابك تذكر أن قبلك قوماً من العمال قد اختانوا مالاً فهو عندهم، وتستأذنني في أن أبسط يدك عليهم، فالعجب منك في استئمارك إياي في عذاب بشر كأني جنة لك، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله، فإذا جاءك كتابي هذا فانظر من أقر منهم بشىء فخذه بالذي أقر به على نفسه، ومن أنكر فاستحلفه وخل سبيله، فلعمرى لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلى من أن ألقى الله بدمائهم والسلام.
стр. 775
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم ابن هشام بن يحيى، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: كان عمر بن عبد العزيز ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية، ويقول: ضمنهم الحبوس حتى يحدثوا توبة، فأتى سليمان بحروري مستقتل، فقال له سليمان: هيه؟ قال: إنه نزع لحييك يا فاسق ابن الفاسق، فقال سليمان: على بعمر بن عبد العزيز، فلما أتاه عاود سليمان الحروري فقال: ماذا تقول؟ قال: وماذا أقول يا فاسق ابن الفاسق. فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه يا أبا حفص؟ فسكت عمر، فقال: عزمت عليك لتخبرني ماذا ترى عليه؟ قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك. فقال سليمان: ليس إلا ذا؟ فأمر به فضربت عنقه. وقام سليمان وخرج عمر، فأدركه خالد بن الريان صاحب حرس سليمان، فقال: يا أبا حفص تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك، وتشتم أباه كما شتم أباك؟ والله لقد كنت متوقعاً أن يأمرني بضرب عنقك، قال: ولو أمرك فعلته؟ قال: أي والله لو أمرني فعلت. فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد بن الريان فقام مقام صاحب الحرس، وكان قبل ذلك على حرس الوليد وعبد الملك، فنظر إليه عمر فقال: يا خالد ضع هذا السيف عنك. وقال: اللهم إني قد وضعت لك خالد بن الريان فلا ترفعه أبداً. ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري، فقال: يا عمرو والله لتعلمن أن ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام، ولكن قد سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة، وأنت رجل من الأنصار، خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي.
стр. 776
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إبراهيم بن هشام، حدثني أبي، عن جدي، قال: بينا عمر بن عبد العزيز يسير يوماً في سوق حمص، فقام إليه رجل عليه بردان قطريان، فقال: يا أمير المؤمنين أمرت من كان مظلوماً أن يأتيك؟ قال: نعم، قال: فقد أتاك مظلوم بعيد الدار. فقال له عمر: وأين أهلك؟ قال: بعدن أبين، قال عمر: والله إن أهلك من أهل عمر لبعيد. فنزل عن دابته في موضعه فقال: ما ظلامتك؟ قال: ضيعة لي وثب عليها واثب فانتزعها مني. فكتب إلى عروة بن محمد يأمره أن يسمع من بينته فاثبت له حق دفعه إليه وختم كتابه. فلما أراد الرجل القيام، قال له عمر: على رسلك إنك قد أتيتنا من بلد بعيد، فكم نفد لك زاد، أو نفقت لك راحلة؟ وأخلق لك ثوب. فحسب ذلك فبلغ أحد عشر ديناراً، فدفعهما عمر إليه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن طلحة ابن عبد الملك الأيلي، قال: دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب ابنه ـ وهو يومئذ ولى عهده قد عقد له من بعده ـ فجاء إنسان يطلب ميراثاً من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء يرثن في العقار شيئاً. فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله، وأين كتاب الله؟ فقال: يا غلام اذهب فأتني بسجل عبد الملك بن مروان الذي كتب في ذلك، فقال له عمر: لكأنك أرسلت إلى المصحف، قال أيوب: والله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين ثم لا يشعر حتى تفارقه رأسه، فقال عمر: إذا أفضى الأمر إليك وإلى مثلك، فما يدخل على هؤلاء أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا، فقال سليمان: مه، ألأبي حفص تقول هذا؟ قال عمر: والله لئن كان جهل علينا يا أمير المؤمنين ما حملنا عنه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتاباً فيه: وقسم لك أبوك الخمس كله وإنما لك سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله والرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثر خصماؤه؟ وإظهارك المعازف والمزامير بدعة في الإسلام، لقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمة السوء، قال: وكان عمر بن عبد العزيز يجعل كل يوم درهماً من خاصة ماله في طعام المسلمين ثم يأكل معهم.
(٧) سعة علم عمر بن عبد العزيز ومتابعته للكتاب والسنة:
стр. 777
اتفقت كلمة المترجمين على أن عمر بن عبد العزيز من أئمة زمانه، ودونك ما تيسر من كلامهم:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ميمون بن مهران ـ أو غيره ـ ما كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلاميذه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ميمون بن مهران قال: أتينا عمر بن عبد العزيز فظننا أنه يحتاج إلينا، وإذا نحن عنده تلاميذه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عمرو بن ميمون قال كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مجاهد، قال: أتينا عمر نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ميمون بن مهران، قال: كان عمر بن عبد العزيز يعلم العلماء.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مرثد أبي يزيد، قال: سمعت عمر يقول: أيها الناس قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا العلم بالكتاب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن نعيم ابن عبد الله، قال: قال عمر: إني لأدع كثيراً من الكلام مخافة المباهاة.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عون قال كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال نهى عنه إمام هدى يعني عمر بن عبد العزيز.
[*] وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
:كان إمامآ فقيهآ مجتهدآ، عارفآ بالسنن، كبير الشأن حافظآ قانتآ لله أواهآ منيبآ يعد في حسن السيرة والقيام بالقسط مع جده لأمة عمر, وفي الزهد مع الحسن البصري وفي العلم مع الزهري "
стр. 778
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعيب، حدثني محدث: أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فأخلني ـ وعنده مسلمة بن عبد الملك ـ فقال له عمر: أسر دون عمك؟ فقال: نعم، فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه فقال له: يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها؟ فقال: له يا بني أشىء حملتكه الرعية إلى، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً تكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون من أن يهراق في سبي محجمة من دم، أو ماترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة، حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحجاج بن عنبسة بن سعيد، قال: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا وذكرناه أرحامنا، قال: فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح، قال: فنظر إليه عمر، قال: فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال عمر: لهذا اجتمعتم، لأخس الحديث ولما يورث الضغائن، إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله تعالى، فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله ﷺ ، فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.
(٨) منابذة عمر بن عبد العزيز لأهل الأهواء:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن خلف أبي الفضل القرشي، عن كتاب عمر بن عبد العزيز إلى النفر الذين كتبوا إلي بما لم يكن لهم بحق في رد كتاب الله تعالى، وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه السابق الذي لا حد له إلا إليه، وليس لشىء منه مخرج، وطعنهم في دين الله وسنة رسوله القائمة في أمته.
стр. 779
أما بعد: فإنكم كتبتم إلى بما كنتم تسترون منه قبل اليوم في رد علم الله والخروج منه إلى ما كان رسول الله ﷺ يتخوف على أمته من التكذيب بالقدر. وقد علمتم أن أهل السنة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وسيقبض العلم قبضاً سريعاً. وقول عمر بن الخطاب، وهو يعظ الناس: إنه لا عذر لأحد عند الله بعد البينة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، قد تبينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر، فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى، ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى، وإنكم ذكرتم أنه بلغكم أني أقول: إن الله قد علم ما العباد عاملون، وإلى ماهم صائرون، فأنكرتم ذلك علي، وقلتم: إنه ليس يكون ذلك من الله في علم حتى يكون ذاك من الخلق عملاً فكيف ذلك كما قلتم؟ والله تعالى يقول: ... (إِنّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنّكُمْ عَآئِدُونَ) [الدخان: ١٥]. يعني: عائدين في الكفر، وقال الله تعالى:: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام: ٢٨] فزعمتم بجهلكم في قول الله تعالى: ... (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: ٢٩]. أن المشيئة في أي ذلك أحببتم فعلتم من ضلالة أو هدى والله تعالى يقول: وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين. فبمشيئة الله لهم شاءوا ولو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً قولاً ولا عملاً، لأن الله تعالى لم يملك العباد ما بيده، ولم يفوض إليهم ما يمنعه من رسله، فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً، فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً فما ضل منهم إلا من كان في علم الله ضالاً.
стр. 780
وزعمتم بجهلكم أن علم الله تعالى ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته، ولا بالذي صدهم عما تركوه من طاعته، ولكنه بزعمكم كما علم الله أنهم سيعملون بمعصيته، كذلك علم أنهم سيستطيعون تركها، فجعلتم علم الله لغواً، تقولون لو شاء العبد لعمل بطاعة الله وإن كان في علم الله أنه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته، وإن كان في علم الله أنه غير تارك لها، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علماً، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلاً، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علماً ليس في علم الله، وقطعتم به علم الله عنكم، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضاً، وكان يقول: إن الله لم يجعل فضله ورحمته هملاً بغير قسم منه ولا اختيار، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه، فأنتم تقرون في العلم بأمر، وتنقضون في آخر، والله تعالى يقول: قال تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ ُ) [البقرة: ٢٥٥]. فالخلق صائرون إلى علم الله تعالى، ونازلون عليه، وليس بينه شىء هو كائن حجاب يحجبه عنه ولا يحول دونه إنه عليم حكيم.
وقلتم لو شاء الله لم يفرض بعمل بغير ما أخبر الله في كتابه عن قوم، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون وأنه قال: سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم.
стр. 781
فأخبر أنهم عاملون قبل أن يعملوا، وأخبر أنه معذبهم قبل أن يخلقوا. وتقولون أنتم: أنهم لو شاءوا خرجوا من علم الله في عذابه إلى ما لم يعلم من رحمته لهم، ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب الله برد، ولقد سمى الله تعالى رجالا من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه، فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييراً، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً، فقال (وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ * إِنّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ) [ص ٤٥، ٤٦]. فالله أعز في قدرته وأمنع من أن يملك أحداً إبطال علمه في شىء من ذلك، فهو مسمى لهم بوحيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو أن يشرك في خلقه أحداً، أو يدخل في رحمته من قد أخرجه منها أو أن يخرج منها من قد أدخله فيها، ولقد أعظم بالله الجهل من زعم أن العلم كان بعد الخلق، بل لم يزل الله وحده بكل شىء عليماً، وعلى كل شىء شهيداً، قبل أن يخلق شيئاً، وبعد ما خلق، لم ينقص علمه في بدئهم، ولم يزد بعد أعمالهم، ولا بحوائجه التي قطع بها دابر ظلمهم، ولا يملك إبليس هدى نفسه، ولا ضلالة غيره، وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم الله في خلقه، وإهمال عبادته، وكتاب الله قائم بنقض بدعتكم، وإفراط قذفكم، ولقد علمتم أن الله بعث رسوله والناس يومئذ أهل شرك، فمن أراد الله له الهدى لم تحل ضلالته التي كان فيها دون إراة الله له، ومن لم يرد الله له الهدى تركه في الكفر ضالاً، فكانت ضلالته أولى به من هذاه، فزعمتم أن الله أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية، فعلمتم بقدرتكم بطاعته وتركتم بقدرتكم معصيته، وإن الله خلو من أن يكون يختص أحداً برحمته، أو يحجز أحداً عن معصيته، وزعمتم أن الشىء الذي يقدر إنما هو عندكم اليسر والرخاء والنعمة، وأخرجتم من الأعمال، وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وأنكم الذين هديتم أنفسكم من دون الله، وأنكم الذين حجزتموها، عن المعصية بغير قوة من الله ولا إذن منه، فمن زعم ذلك فقد غلا في القول لأنه لو كان شىء لم يسبق في علم الله وقدره لكان الله في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون الله، والله يقول: (حَبّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) [الحجرات: ٧].
стр. 782
وهم له قبل ذلك كارهون وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. وهم له قبل ذلك محبون وما كانوا على شىء من ذلك لأنفسهم بقادرين. ثم أخبر بما سبق لمحمد ﷺ من الصلاة عليه والمغفرة ولأصحابه. فقال تعالى: قال تعالى: (أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩]. وقال تعالى: (لّيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخّرَ) [الفتح: ٢]. فلولا علمه ما غفرها الله له قبل أن يعملها، وفضلا سبق لهم من الله قبل أن يخلقوا، ورضوانا عنهم قبل أن يؤمنوا. ثم أخبر بما هم عاملون آمنون قبل أن يعملوا وقال: (تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً) [الفتح: ٢٩]. فتقولون أنتم أنهم قد كانوا ملكوا رد ما أخبر الله عنهم أنهم عاملون، وأن إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولا، ولا يكون لوحى الله فيما اختار تصديقا، بل لله الحجة البالغة. وفي قوله تعالى: لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فسبق لهم العفو من الله فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم، وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم الله في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا، فمن زعم ذلك فقد غلا وكذب. ولقد ذكر الله بشراً كثيراً وهم يومئذ في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فقال: وآخرين منهم لما يلحقوا بهم. وقال: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان. فسبقت لهم الرحمة من الله قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة، ممن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا لهم. ولقد علم العالمون بالله أن الله لا يشاء أمراً فتحول مشيئة غيره دون بلاغ ما شاء، ولقد شاء لقوم الهدى فلم يضلهم أحد، وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا، وقال لموسى وهارون: (اذْهَبَآ إِلَىَ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَىَ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ) [طه ٤٣، ٤٤]. وموسى في سابق علمه أنه يكون لفرعون عدواً وحزناً، فقال تعالى: (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مّا كَانُواْ يَحْذَرونَ) [القصص: ٦]. فتقولون أنتم: لو شاء فرعون كان لموسى ولياً وناصراً، والله تعالى يقول: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: ٨]. وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق، والله تعالى يقول: (إِنّهُمْ جُندٌ مّغْرَقُونَ) [الدخان: ٢٤].
стр. 783
مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين. كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: قال (إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: ٣٠]. فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذموماً مدحوراً، فصار إلى ذلك بما ابتلى به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم التوبة فرحم، وتلقى إبليس اللعنة فغوى، ثم هبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مذموماً مسخوطاً عليه. وقلتم أنتم: أن إبليس وأوليائه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: (قَالَ فَالْحَقّ وَالْحَقّ أَقُولُ * لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنكَ وَمِمّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص: ٨٥]. حتى لا ينفذ له علم إلا بعد مشيئتهم، فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم الله؟ فإن الله لم يشهدكم خلق أنفسكم فكيف يحيط جهلكم بعلمه، وعلم الله ليس بمقصر عن شىء هو كائن، ولا يسبق علمه في شىء فيقدر أحد على رده، فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شىء إلى شىء هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم الله الفساد وسفك الدماء، وما قالوا تخرصاً إلا بتعليم العليم الحكيم لهم، فظن ذلك منهم وقد أنطقهم به، فأنكرتم أن الله أزاغ قوماً قبل أن يرفعوا، وأضل قوماً قبل أن يضلوا، وهذا مما لاشك فيه المؤمنون بالله، إن الله قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم، وبرهم من فاجرهم، وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن أن يكون كافراً، أو هو عند الله كافر أن يكون مؤمناً؟ والله تعالى يقول: ... (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا) [الأنعام: ١٢٢].
стр. 784
فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلا بأذن الله، ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلاً جسداً فضلوا به، فعفى عنهم لعلهم يشكرون، فصاروا من أمة قوم موسى، (أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف: ١٥٩]، وصاروا إلى ما سبق لهم، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحاً رسولهم، وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفاراً فعقروها، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلى فعصى فلم يرحم، وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسى، وهم يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كنت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون؟ أو تغني فيما لم يكن حتى يكون? فتعرف لكم بذلك حجة بل الله أعز مما تصفون وأقدر. نا. وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق، والله تعالى يقول (إِنّهُمْ جُندٌ مّغْرَقُونَ) [الدخان: ٢٤]. مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين. كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: ... (إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: ٣٠]. فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذموماً مدحوراً، فصار إلى ذلك بما ابتلى به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم التوبة فرحم، وتلقى إبليس اللعنة فغوى، ثم هبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مذموماً مسخوطاً عليه. وقلتم أنتم: أن إبليس وأوليائه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: ... (قَالَ فَالْحَقّ وَالْحَقّ أَقُولُ * قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلّفِينَ) [ص ٨٥: ٨٦].
стр. 785
حتى لا ينفذ له علم إلا بعد مشيئتهم، فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في رد علم الله؟ فإن الله لم يشهدكم خلق أنفسكم فكيف يحيط جهلكم بعلمه، وعلم الله ليس بمقصر عن شىء هو كائن، ولا يسبق علمه في شىء فيقدر أحد على رده، فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شىء إلى شىء هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم الله الفساد وسفك الدماء، وما قالوا تخرصاً إلا بتعليم العليم الحكيم لهم، فظن ذلك منهم وقد أنطقهم به، فأنكرتم أن الله أزاغ قوماً قبل أن يرفعوا، وأضل قوماً قبل أن يضلوا، وهذا مما لاشك فيه المؤمنون بالله، إن الله قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم، وبرهم من فاجرهم، وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن أن يكون كافراً، أو هو عند الله كافر أن يكون مؤمناً؟ والله تعالى يقول:: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مّثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا) [الأنعام: ١٢٢]. فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلا بأذن الله، ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلاً جسداً فضلوا به، فعفى عنهم لعلهم يشكرون، فصاروا من أمة قوم موسى، أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، وصاروا إلى ما سبق لهم، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحاً رسولهم، وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفاراً فعقروها، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلى فعصى فلم يرحم، وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسى، وهم يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كنت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون؟ أو تغني فيما لم يكن حتى يكون؟ فتعرف لكم بذلك حجة بل الله أعز مما تصفون وأقدر.
стр. 786
وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وإنما علمه بزعمكم حافظ وأن المشيئة في الأعمال إليكم إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة ثم جعلتم بجهلكم حديث رسول الله ﷺ الذي جاء به أهل السنة وهو مصدق للكتاب المنزل أنه من ذنب مضاه ذنباً خبيثاً في قول النبي ﷺ حين سأله عمر: أرأيت ما نعمل الشىء قد فرغ منه أم شىء نأتنفه؟ فقال ﷺ : بل شىء قد فرغ منه، فطعنتم بالتكذيب له، وتعليم من الله في علمه إذ قلتم إن كنا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر والجبر عندكم الحيف، فسميتم نفاذ علم الله في الخلق حيفاً، وقد جاء الخبر إن الله خلق آدم فنثر ذريته في يده، فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون وقال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس اتهموا آراءكم على دينكم فو الذي نفسي بيده لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول الله ﷺ لرددناه، والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلا أسهل بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا.
стр. 787
ثم أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حق على تأويلٍ باطل تدعون الناس إلى رد علم الله، فقلتم الحسنة من الله والسيئة من أنفسنا، وقال: أئمتكم وهم أهل السنة: الحسنة من الله في علم قد سبق، والسيئة من أنفسنا في علم قد سبق، فقلتم: لا يكون ذلك حتى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيئات من أنفسنا، وهذا رد للكتاب منكم، ونقض للدين. وقد قال ابن عباس حين نجم القول بالقدر: هذا أول شرك هذه الأمة، والله ما ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيراً، كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً، فأنتم تزعمون بجهلكم أن من كان في علم الله ضالاً فاهتدى فهو بما ملك ذلك حتى كان في هداه ما لم يكن الله علمه فيه، وأن من شرح صدره للإسلام فهو بما فوض إليه قبل أن يشرحه الله له، وأنه إن كان مؤمناً فكفر فهو مما شاء لنفسه، وملك من ذلك لها، وكانت مشيئته في كفره أنفذ من مشيئة الله في إيمانه، بل أشهد أنه من عمل حسنة فبغير معونة كانت من نفسه عليها، وأن من عمل سيئة فبغير حجة كانت له فيها وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وأن لو أراد الله أن يهدى الناس جميعاً لنفذ أمره فيمن ضل حتى يكون مهتدياً، فقلتم. بمشيئة الله شاء لكم تفويض الحسنات إليكم، وتفويض السيئات، ألقى عنكم سابق علمه في أعمالكم، وجعل مشيئته تبعاً لمشيئتكم، ويحكم فوالله ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوة حتى نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، فهل رأيتموه أمضى مشيئته لمن كان في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف إلى الإسلام كرها بموضع علمه بذلك فيه، أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلهم العذاب فآمنوا وقبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم، وقال تعالى: (فَلَمّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنّةَ اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر ٨٤: ٨٥]. وذلك كان موقعهم عنده أن يهلكوا بغير قبول منهم، بل الهدى والضلالة، والكفر والإيمان، والخير والشر، بيد الله يهدى من يشاء ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون. كذلك قال إبراهيم ﵇: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أَن نّعْبُدَ الأصْنَامَ) [إبراهيم: ٣٥].
стр. 788
وقال ﵇: (رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَآ أُمّةً مّسْلِمَةً) [البقرة: ١٢٨]. أي أن الإيمان والإسلام بيديك، وإن عبادة من عبد الأصنام بيدك، فأنكرتم ذلك وجعلتموه ملكاً بأيديكم دون مشيئة الله .
(٩) وصية عمر بن عبد العزيز لولي العهد بعده:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ولى العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى يزيد بن عبد الملك، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإني كنت وأنا دنف من وجعي وقد علمت أني مسئول عما وليت يحاسبني عليك مليك الدنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفى عليه من عملي شيئاً، يقول فيما يقول: (فَلَنَقُصّنّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنّا غَآئِبِينَ) [الأعراف: ٧] فإن يرض عني الرحيم فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل، وإن سخط على فياويح نفسي إلى ما أصير، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته، وأن يمن على برضوانه والجنة، فعليك بتقوى الله، والرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلاً حتى تلحق باللطيف الخبير. والسلام.
(١٠) وصية عمر بن عبد العزيز لولده عبد الملك:
ـ
стр. 789
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ليث بن أبي رقية - كاتب عمر بن عبد العزيز في خلافته ـ أن عمر كتب إلى ابنه في العام الذي استخلف فيه ـ وابنه إذ ذاك بالمدينة يقال له عبد الملك ـ أما بعد: فإن أحق من تعاهدت بالوصية والنصيحة بعد نفسى أنت، وإن أحق من رعى ذلك وحفظه عني أنت، وإن الله تعالى له الحمد قد أحسن إلينا إحساناً كثيراً بالغاً في لطيف أمرنا وعامته، وعلى الله إتمام ما عبر من النعمة وإياه نسأل العون على شكرها، فاذكر فضل الله على أبيك وعليك، ثم أعن أباك على ما قوى عليه وعلى ما ظننت أن عنده منه عجزاً عن العمل فيما أنعم به عليه وعليك في ذلك، فراع نفسك وشبابك وصحتك، وإن استطعت أن أكثر تحريك لسانك بذكر الله حمداً وتسبيحاً وتهليلاً فافعل، فإن أحسن ما وصلت به حديثاً حسناً حمد الله وذكره، وإن أحسن ما قطعت به حديثاً سيئاً حمد الله وذكره، ولا تفتتن فيما أنعم الله به عليك فيما عسيت أن تفرط به أباك فيما ليس فيه، إن اباك كان بين ظهرانى إخوته عند أبيه يفضل عليه الكبير، ويدني دونه الصغير، وإن كان الله وله الحمد قد رزقني من والدي حسباً جميلاً، كنت به راضياً أرى أفضل الذي يبره ولده على حقاً، حتى ولدت وولد طائفة من إخوتك، ولا أخرج بكم من المنزل الذي أنا فيه، فمن كان راغباً في الجنة وهارباً من النار فالآن في هذه الحالة والتوب مقبول، والذنب مغفور، قبل نفاذ الأجل، وانقضاء العمل، وفراغ من الله للثقلين ليدينهم بأعمالهم في موطن لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفع فيه المعذرة، تبرز فيه الخفيات، وتبطل فيه الشفاعات، يرده الناس بأعمالهم، ويصدرون فيه أشتاتاً إلى منازلهم، فطوبى يومئذ لمن أطاع الله، وويل يومئذ لمن عصى الله، فإن ابتلاك الله بغنى فاقتصد في غناك، وضع الله نفسك، وأد إلى الله فرائض حقه في مالك وقل عند ذلك ما قال العبد الصالح: قال تعالى: (هََذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل: ٤٠].
стр. 790
وإياك أن تفخر بقولك، وأن تعجب بنفسك، أو يخيل إليك أن ما رزقته لكرامة بك على ربك، وفضيلة على من لم يرزق مثل غناك، فإذا أنت أخطأت باب الشكر، ونزلت منازل أهل الفقر، وكنت ممن طغى للغنى وتعجل طيباته في الحياة الدنيا، فإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري، ولو أن المرء لم يعظ أخاه حتى يحكم نفسه، ويكمل في الذي خلق له لعبادة ربه، إذاً تواكل الناس الخير، وإذاً يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستحلت المحارم، وقل الواعظون، والساعون لله بالنصيحة في الأرض. فلله الحمد رب السموات والأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم.
(١١) ورع عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ميمون بن مهران، قال: أهدى إلى عمر ابن عبد العزيز تفاح وفاكهة، فردها وقال: لا أعلمن أنكم قد بعثتم إلى أحد من أهل عملي بشيء، قيل له: ألم يكن رسول الله ﷺ يقبل الهدية؟ قال: بلى ولكنها لنا ولمن بعدنا رشوة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر تفاحاً، فقال: لو أن عندنا شيئاً من التفاح فإنه طيب؟ فقام رجل من أهله فأهدى إليه تفاحاً، فلما جاء به الرسول قال: ما أطيبه وأطيب ريحه وأحسنه، ارفع يا غلام واقرأ على فلان السلام وقل له: إن هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب، قال عمرو بن مهاجر: فقلت له: يا أمير المؤمنين ابن عمك رجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، قال: إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية، وهي لنا رشوة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الله بن مسلم يحدث، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده كاتب يكتب، قال: وشمعة تزهر وهو ينظر في أمور المسلمين، قال: فخرج الرجل وأطفئت الشمعة وجىء بسراج إلى عمر، فدنوت منه فرأيت عليه قميصاً فيه رقعة قد طبق ما بين كفيه، قال: فنظر في أمري.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عوف بن مهاجر، أن عمر بن عبد العزيز كانت تسرج له شمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حاجتهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه.
стр. 791
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن خالد بن أبي الصلت. قال: أتى عمر ابن عبد العزيز بماء قد سخن في فحم الإمارة، فكرهه ولم يتوضأ به.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حفص بن عمر بن أبي الزبير قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن أدق قلمك وقارب بين أسطرك فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين ما لا ينتفعون به.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأوزاعي قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثا ثم عاقبه كراهية أن يعجل في أول غضبه.
(١٢) من دُررِ مواعظ عمر بن عبد العزيز:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن حمزة الجزري، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل، أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن الوليد قال: مر عمر بن عبد العزيز برجل وفي يده حصاة يلعب بها وهو يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فمال إليه عمر فقال: بئس الخاطب أنت، ألا ألقيت الحصاة وأخلصت إلى الله الدعاء.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمر بن عبد العزيز قال: لا ينفع القلب إلا ما خرج من القلب.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمر بن عبد العزيز: يا معشر المستترين اعلموا أن عند الله مسألة فاضحة، قال الله تعالى: (فَوَرَبّكَ لَنَسْأَلَنّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الحجر ٩٢، ٩٣]
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عمر بن عبد العزيز: من لم يعلم أن كلامه من عمله كثرت ذنوبه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار،، قال: قال عمر لرجل: أوصيك بتقوى الله فإنها ذخيرة الفائزين، وحرز المؤمنين، وإياك والدنيا أن تفتنك فإنها قد فعلت ذلك بمن كان قبلك، إنها تغر المطمئنين إليها، وتفجع الواثق بها، وتسلم الحريص عليها، ولا تبقى لمن استبقاها، ولا يدفع التلف عنها من حواها، لها مناظر بهجة. ما قدمت منها أمامك لم يسبقك، وما أخرت منها خلفك لم يلحقك.
стр. 792
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأوزاعي قال كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رسالة لم يحفظها غيري وغير مكحول أما بعد فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه والسلام.
(١٣) وصية عمر بن عبد العزيز لعماله:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ضمرة قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله تعالى عليك ونفاد ما تأتي إليهم وبقاء ما يأتون إليك.
(١٤) كانت نفس عمر بن عبد العزيز تواقة رحمه الله تعالى:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن جويرية بن أسماء قال: قال عمر بن عبد العزيز إن نفسي تواقة وإنها لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه فلما أعطيت ما لا أفضل منه في الدنيا تاقت إلى ما هو أفضل منه يعني الجنة.
(١٥) مروءة عمر بن عبد العزيز وكرمه رحمه الله تعالى:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن وعن عبد العزيز بن عمر قال لي رجاء بن حيوة ما أكمل مروءة أبيك سمرت عنده فغشي السراج وإلى جانبه وصيف نام قلت ألا أنبهه قال لا دعه قلت أنا أقوم قال لا ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج ثم رجع وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز وكان ﵀ فصيحا مفوها.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم في الحلية عن أبي عمرو قال: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز ومعها مولاة لها تمسك بيدها، فقام عمر ومشى إليها حتى حتى جعل يديها في يده ويده في ثيابه، ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلا قضاها.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن لوط بن يحيى قال كان الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز يشتمون رجلا ﵁ فلما ولي هو أمسك عن ذلك فقال كثير عزة الخزاعي:
وُلِيْتَ فلم تشتم علياً ولم تخف ... بريا ولم تتبع مقالة مجرم
تكلمت بالحق المبين وإنما ... تبين آيات الهدى بالتكلم
فصدقت معروف الذي قلت بالذي ... فعلت فأضحى راضيا كل مسلم
لو كنت أملك والأقدار غالبة ... تأتي رواحا وتبيانا وتبتكر
стр. 793
رددت عن عمر الخيرات مصرعه ... بدير سمعان لكن يغلب القدر
(١٦) عدم محبة عمر بن عبد العزيز للمدح ﵀:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن يزيد عن جعونة قال دخل رجل على عمر بن عبد العزيز فقال يا أمير المؤمنين إن من قبلك كانت الخلافة لهم زينا وأنت زين الخلافة فأعرض عنه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عيينة قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز جزاك الله عن الإسلام خيرا قال بل جزى الله الإسلام عني خيرا.
وعن بشير بن الحارث قال: أطرى رجل عمر بن عبد العزيز في وجهه، فقال له عمر: يا هذا لو عرفت من نفسي ما أعرف منها، ما نظرت في وجهي.
(١٧) أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز وآخر خطبة ﵀:
أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز ﵀:
أول خطبة له: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فليفارقنا، يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا على الخير ما نهتدي إليه، ولا يغتابنّ عندنا أحداً، ولا يعرضن فيما لا يعنيه. فانقشع عنه الشعراء ... وثبت معه الفقهاء والزهاد.
آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز ﵀:
стр. 794
كانت آخر خطبة خطبها: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدىً وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذر اليوم الآخر وخافه، وباع فانياً بباقٍ، ونافداً بما لا نفاد له، وقليلاً بكثير، وخوفاً بأمان، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيكون من بعدكم للباقين، كذلك ترد إلى خير الوارثين، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله لا يرجع، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحباب، وواجه التراب والحساب، فهو مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير لما قدم، فاتقوا الله قبل القضاء، راقبوه قبل نزول الموت بكم، أما إني أقول هذا ... ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله، وفي رواية: وأيم الله إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي، ولكنها سنن من الله عادلة أمر فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيته، وأستغفر الله، ووضع كمّه على وجهه فبكى حتى بلّ لحيته فما عاد لمجلسه حتى مات ﵀.
(١٨) حسن ظن عمر بن عبد العزيز بالمسلمين:
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز قال: قال لي أبي: يا بني إذا سمعت كلمة من امرىء مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملاً من الخير.
(١٩) مجالسة عمر بن عبد العزيز لأهل العلم واحترامه لهم:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليا فصلى الظهر دعا بعشرة عروة وعبيد الله وسليمان بن يسار والقاسم وسالما وخارجة وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة وعبد الله بن عامر بن ربيعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه ونكون فيه أعوانا على الحق ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل ظلامة فأحرج بالله على من بلغه ذلك إلا أبلغني فجزوه خيرا.
(٢٠) تواضعه عمر بن عبد العزيز وإنكاره لذاته:
стр. 795
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حماد بن زيد عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة فإن قضى الله موتا دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله، قال والله لأن يعذبني الله بغير النار أحب إلي من أن يعلم من قلبي أني أراني لذلك أهلا.
(٢١) كان عمر بن عبد العزيز لا يخشى في الله لومة لائم ﵀:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز جلس في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندا من هذه الأجناد فقال له رجل منهم لم تعرض علينا ما لا تفعله قال ترون بساطي هذا إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وإني أكره أن تدنسوه علي بأرجلكم فكيف أوليكم ديني وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم هيهات هيهات قالوا: لِمَ؟ أما لنا قرابة أما لنا حق قال ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء إلا رجل حبسه عني طول شقة.
(٢٢) كانت صلاة عمر بن عبد العزيز أشبه بصلاة النبي ﷺ :
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أنس بن مالك ﵁ قال: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى. يعني عمر بن عبد العزيز ﵀ وكان والياً على المدينة.
(٢٣) صبر عمر بن عبد العزيز وحلمه:
كان عمر بن عبد العزيز حليمًا عادلاً، خرج ذات ليلة إلى المسجد ومعه رجل من الحراس، فلما دخل عمر المسجد مرَّ في الظلام برجل نائم، فأخطأ عمر وداس
عليه، فرفع الرجل رأسه إليه وقال أمجنون أنت؟ فقال: لا، فتضايق الحارس وهَمَّ أن يضرب الرجل النائم فمنعه عمر، وقال له: إن الرجل لم يصنع شيئًا غير أنه
سألني: أمجنون أنت؟ فقلت: لا.
وفاة عمر بن عبد العزيز:
سبب وفاة عمر بن عبد العزيز:
стр. 796
كان سبب وفاة عمر بن عبد العزيز أن مولى له سمَّه في طعام أو شراب وأعطي على ذلك ألف دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، فأُخبر أنه مسموم، فقال: لقد علمت يوم سُقيت السُّم، ثم استُدعي مولاه الذي سقاه، فقال له: ويحك ما حملك على ما صنعت، فقال: ألف دينار أُعطيتها، فقال: هاتها، فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك.
أتدرون كم تولى الخلافة؟ سنتين وخمسة أشهر وأياماً، لكنها عند الله أفضل من قرنين، إنني أعرف أناسًا في التاريخ، تولى الواحد منهم خمسين سنة، فلما مات لعنه المسلمون، وإن بعضهم تولى أربعين سنة، فلما مات بشّر بعض المسلمين بعضهم بموته، فليس العمر بالكثرة، العمر بالبركة، تولى سنتين، فأزال الظلم، فتح بابه، فتح صدره، فتح عينه، فتح قلبه ففتح الله عليه.
ولما اشتد به المرض تحولت الملايين من أبناء أمته إلى أطفال، يوشك اليتم أن يحيق بهم حين يفقدون أباهم .. الجياع الذين شبعوا .. والعراة الذين اكتسوا .. والخائفون الذين أمنوا .. والمستضعفون الذين سادوا .. واليتامى الذين وجدوا فيه أباهم .. والأيامى اللاتي وجدن فيه عائلهن .. والضائعون الذين وجدوا فيه ملاذهم بعد الله .. كل هؤلاء وأولئك في شعبه وأمته سحقتهم أنباء مرضه الدَّاهم.
ولما حضرته سكرات الموت أمر بدعوة أبنائه فجاءوا مسرعين اثني عشر ولداً وبنتاً، شعثاً غبراً، قد زايلت جسومهم الشاحبة نضرة النعيم!! .. وجلسوا يحيطون به، وراح يُعانقهم بنظراته الحانية الآسية .. وراح يودعهم بقوله: يا بني إن أباكم خُيِّر بين أمرين، أن تستغنوا ويدخل النار أو تفتقروا ويدخل الجنة، فاختار الجنة وآثر أن يترككم لله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين وقال لهم: والله ما خلّفت لكم من الدنيا شيئًا - عنده غرفة واحدة - إن كنتم صالحين فالله يتولى الصالحين، وإن كنتم فجَرة فلن أُعينكم بمالي على الفجور. تعالوا، فاقتربوا فقبّلَهم واحدًا واحدًا، ودعا لهم، وكأن قلبه يُسَلُّ من بين جوارحه، وخرج أبناؤه.
стр. 797
قال أهل التاريخ: أغفى التاريخ إغفاءة عن أبناء عمر بن عبد العزيز السبعة أو الثمانية، وقد خلّف لكل واحد منهم اثني عشر درهمًا فقط، وأما هشام بن عبد الملك الخليفة، فخلّف لكل ابن من أبنائه مائة ألف دينار، وبعد عشرين سنة، أصبح أبناء عمر بن عبد العزيز، يُسرجون الخيول في سبيل الله، منفقين متصدقين من كثرة أموالهم، وأبناء هشام بن عبد الملك في عهد أبي جعفر المنصور، يقفون في مسجد دار السلام، يقولون: من مال الله يا عباد الله!
إنَّ من حفظ الله حفظه الله، ومن ضيّع الله ضيّعه الله، هذه سنة من سنن الله مصداقاً للحديث الآتي:
(حديث ابن عباس في صحيح الترمذي) أن النبي ﷺ قال: يا غلام! إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام و جفت الصحف.
هذه وصية رسول ﷺ ، لأتباعه وأنصاره، أن يتقوا الله تعالى، وأن يحفظوه في السر والعلانية.
قال بعض الصالحين: إذا أردت أن توصي صاحبك، أو أخاك، أو ابنك، فقل له: "احفظ الله يحفظك". فالله يحفظ أوليائه، في أنفسهم، وفي أهليهم، وفي أموالهم، وفي جوارحهم، وفي أعراضهم، يحفظهم من مكر الأعداء، وكيد الحاقدين، وتدبير المارقين.
ثم أمر عمر أبناءه بالخروج فخرج أطفاله أمام عينيه، ينظر إليهم، ومع كل طفل يخرج، قطَرَات من الدموع تسقط، وقال: أَدخِلوا أمّكم عليَّ، فدخلت امرأته، فودعها، وسألها أن تتقي الله، وأن تبقى على الزهد وعلى الفقر، لتكون زوجته في الجنة، ثم قال: يا فاطمة، إني أرى نفَرًا، ليسوا بإنس ولا جن، أظنهم ملائكة، فاخرجي عنّي، فخرجت زوجته، وأغلقت الباب، ودخل الملائكة على عمر بن عبد العزيز مبشرة (إِنّ الّذِينَ قَالُواْ رَبّنَا اللّهُ ثُمّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنّةِ الّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيَ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدّعُونَ * نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رّحِيمٍ) [سورة: فصلت ٣٠: ٣٢]
стр. 798
ولما احتضر قال: أجلسوني فأجلسوه، فقال: إلهي أنا الذي أمرتني فقصّرت ونهيتني فعصيت ثلاثاً ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فَأَحَدَ النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظراً شديداً يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جان، ثم قُبض من ساعته، وكان موته سنة إحدى ومائة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأياماً.
سَقْي الغلام السم لعمر بن عبد العزيز ﵀:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن مجاهد قال لي عمر بن عبد العزيز ما يقول في الناس قلت يقولون مسحور قال ما أنا بمسحور ثم دعا غلاما له فقال ويحك ما حملك على أن سقيتني السم قال ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق قال هاتها فجاء بها فألقاها في بيت المال وقال اذهب حيث لا يراك أحد.
﴿تنبيه﴾: قال بعض المؤرخين أن عمر عبد العزيز قد قتل مسموما على أيدى بعض أمراء بنى أمية بعد أن اوقف عطياهم وصادر ممتلاكتهم و أعطها لبيت مال المسلمين وهذا الرائى الأرجح. استمرت خلافته فترة قصيرة جداً، فلم تطل مدة خلافته سوى عامين ونصف، ثم حضره أجله ولاقى ربه عادلاً في الرعية قائماً فيها بأمر الله. وعندما توفي لم يكن في سجنه رجل واحد. وفي عهده انتشر العلم وكثرت المساجد في ارجاء الدولة الأموية.
[*] قال الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء:
قد كان حسن الخَلْق والخُلُق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصاً على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أوّاهاً منيباً، قانتاً لله حنيفاً، زاهداً مع الخلافة، ناطقاً بالحق مع قلة المعين، وكثرة الأمراء الظَّلمة الذين ملُّوه وكرهوا مماقتته لهم ونقصه أعطياتهم، وأخذه كثيراً مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق، فما زالوا به حتى سقوه السم، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُدَّ عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين.
اليوم الذي مات فيه عمر بن عبد العزيز ﵀:
стр. 799
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن خليفة بن خياط وغيره أن عمر بن عبد العزيز مات يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومئة بدير سمعان من أرض حمص قال وإنما هو من أرض المعرة ولكن المعرة كانت من أعمال حمص هي وحماة وعاش تسعا وثلاثين سنة ونصفا وقال جعفر الصادق عن سفيان بن عاصم إنه مات لخمس مضين من رجب يوم الخميس ودفن بدير سمعان وصلى عليه مسلمة بن عبد الملك قال وكان أسمر دقيق الوجه حسنه نحيف الجسم حسن اللحية بجبهته شجة، وقال أبو عمر الضرير مات بدير سمعان من أرض حمص يوم الجمعة لعشر بقين من رجب وله تسع وثلاثون سنة ونصف وقال طائفة في رجب لم يذكروا اليوم وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأياماً.
شراء عمر بن عبد العزيز لقبره ﵀:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي أمية الخصي غلام عمر بن عبد العزيز قال بعثني عمر بدينارين إلى أهل الدير فقال إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن حماد بن زيد عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة فإن قضى الله موتا دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله، قال والله لأن يعذبني الله بغير النار أحب إلي من أن يعلم من قلبي أني أراني لذلك أهلا.
آخر ما تكلم به عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عيينة قال: قلت لعبد العزيز بن عمر ما آخر ما تكلم به أبوك فقال كان له من الولد أنا وعبد الله وعاصم وإبراهيم وكنا أغيلمة فجئنا كالمُسَلِّمِين عليه والمُوَدِّعِين له فقيل له تركت ولدك ليس له مال ولم تؤوهم إلى أحد فقال ما كنت لأعطيهم ما ليس لهم وما كنت لآخذ منهم حقاً هو لهم وإن وليي الله فيهم الذي يتولى الصالحين إنما هم أحد رجلين صالح أو فاسق.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ليث بن أبي رقية أن عمر بن عبد العزيز قال أجلسوني فأجلسوه فقال أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ثلاثا ولكن لا إله إلا الله ثم أحد النظر وقال إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قبض.
стр. 800
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن المغيرة بن حكيم قال: قلت لفاطمة بنت عبد الملك كنت أسمع عمر بن عبد العزيز في مرضه يقول اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعة قالت قلت له ألا أخرج عنك فإنك لم تنم فخرجت فجعلت أسمعه يقول (تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ) [القصص: ٨٣] مرارا ثم أطرق فلبثت طويلا لا يسمع له حس فقلت لوصيف ويحك انظر فلما دخل صاح فدخلت فوجدته ميتا قد أقبل بوجهه على القبلة ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبيد بن حسان قال لما احتضر عمر بن عبد العزيز قال اخرجوا عني فقعد مسلمة وفاطمة على الباب فسمعوه يقول مرحبا بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان ثم تلا " تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا " الآية ثم هدأ الصوت فقال مسلمة لفاطمة: قد قبض صاحبك فدخلوا فوجدوه قد قبض.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن هشام بن حسان عن خالد الربعي قال إنا نجد في التوراة أن السماوات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحا وقال هشام لما جاء نعيه إلى الحسن قال مات خير الناس.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الرحمن بن محمد قال أوصى عمر بن عبد العزيز عند الموت فدعا بِشَعْرِ مِنْ شَعْرِ النبي ﷺ وأظفار من أظفار فقال اجعلوه في كفني.
ومات عمر بعد أن ضرب المثل الأعلى في العدل والزهد والورع ... مات أمير المؤمنين خامس الخلفاء الراشدين!!
رثاء عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن إبراهيم بن ميسرة أن عمر بن عبد العزيز اشترى موضع قبره قبل أن يموت بعشرة دنانيرن، ولكثير عزة يرثيه:
عمت صنائعه فعم هلاكه ... فالناس فيه كلهم مأجور
والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير
يثني عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير
ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
стр. 801
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: ولعمر بن عبد العزيز من الولد ابنه عبد الملك الذي توفي قبله وعبد الله الذي ولي العراق وعبد العزيز الذي ولي الحرمين وعاصم وحفص وإسماعيل وعبيد الله وإسحاق ويعقوب ويزيد وإصبغ والوليد وزبان وآدم وإبراهيم فأم إبراهيم كلبية وسائرهم لعلات ومات معه في سنة إحدى ومئة.
[*] رابعاً: نماذج من سير الزاهدين من أئمة تابعي التابعين رحمهم الله تعالى:
سيرة مالك بن أنس ﵀:
كان مالك بن أنس ﵀ من أئمة تابعي التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، إمام دار الهجرة، وصاحب أحد المذاهب الفقهية الأربعة في الإسلام وهو المذهب المالكي، وصاحب كتب الصحاح في السنة النبوية وهو كتاب الموطأ. يقول الإمام الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
اسم مالك ابن أنس ونسبه ومولده:
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
هو شيخ الإسلام حجة الأمة إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك ابن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة وهو حمير الأصغر الحميري ثم الأصبحي المدني حليف بني تيم من قريش فهم حلفاء عثمان أخي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة.
وأمه هي عالية بنت شريك الأزدية وأعمامه هم أبو سهل نافع وأويس والربيع والنضر أولاد أبي عامر.
ولد مالك على الأصح في سنة ثلاثٍ وتسعين هـ عام موت أنس خادم رسول الله ﷺ ونشأ في صون ورفاهية وتجمل.
صفة الإمام مالك:
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عيسى بن عمر قال ما رأيت قط بياضا ولا حمرة أحسن من وجه مالك ولا أشد بياض ثوب من مالك ونقل غير واحد أنه كان طوالا جسيما عظيم الهامة أشقر أبيض الرأس واللحية عظيم اللحية أصلع وكان لا يحفي شاربه ويراه مثله وقيل كان أزرق العين روى بعض ذلك ابن سعد عن مطرف بن عبد الله وقال محمد بن الضحاك الحزامي كان مالك نقي الثوب رقيقه يكثر اختلاف اللبوس وقال الوليد بن مسلم كان مالك يلبس البياض ورأيته والأوزاعي يلبسان السيجان قال أشهب كان مالك إذا عتم جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين كتفيه.
نشأة مالك بن أنس ﵀:
стр. 802
لقد نشأ الإمام مالك رحمه الله تعالى في بيت اشتغل بعلم والحديث. وكان أكثر هم عناية عمه نافع المكنى بأبي سهيل, ولذا عد من شيوخ، وفي أعمام ما لم وجده أسرة من الأسر المشهورة بالعلم وكان أخوه النضر مشتغلا بالعلم ملازما ً للعلماء حتى إن مالك كان يكنى بأخي النضر لشهرة أخيه دونه بدأ الإمام مالك يطلب العلم صغيرا تحت تأثير البيئة التي نشأ فيها. حفظ القرآن ثم اتجه لحفظ الحديث وكان لابد من كل طالب علم من ملازمة عالم من بين العلماء وقد جالس مالك ناشئا صغيرا ثم انقطع لابن هرمز سبع سنين لم يخلطه بغيره ثم اتجه مالك إلى نافع مولى ابن عمر فجالسه وأخذ عنه علما كثيرا وقد اشتهر أن أصح الأسانيد: " مالك عن نافع عن ابن عمر".كما اخذ مالك عن ابن شهاب الزهري ولولعه بالعلم نقض سقف بيته ليبيعه ويطلب به العلم وملازمة كبار العلماء. يقول الإمام مالك: حينما بلغت سن التعليم جاءت عمتي وقالت: إذهب فاكتب تريد الحديث، فانطلق يلتمس العلم وحرص على جمعه وتفرغ له ولازم العديد من كبار العلماء، لعل أشدهم أثراً في تكوين عقليته العلمية التي عرف بها هو أبو بكر بن عبد الله بن يزيد
المعروف بابن هرمز المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة هـ، فقد روي عن مالك أنه قال: كنت آتي ابن هرمز من بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.
وكذلك يعد مالك أكثر وأشهر الفقهاء والمحدثين الذين لازموا نافع مولى ابن عمر و راويتٌه يقضي معه اليوم كله من الصباح إلى المساء سبع سنوات أو ثماني، وكان يجله ويخصه بما لا يخص به غيره لكثرة ملازمته له ولما ربط بينهما من حب وتآلف ووداد.
وأخذ لإمام مالك عن الإمام ابن شهاب الزهري وهو أول من دون الحديث ومن أشهر شيوخ المدينة المنورة، وقد روى عنه الإمام مالك في موطئه ١٣٢ حديثا بعضها مرسل، كما أخذ عن الإمام جعفر الصادق وأخرج له في موطئه تسعة أحاديث منها خمسة متصلة مسندة أصلها حديث واحد طويل هو حديث جابر في الحج والأربعة منقطعة، وكذلك روى عن هشام بن عروة بن الزبير وغيرهم.
شيوخ الإمام مالك ﵀:
أخذ الإمام مالك ﵀ عن خلق كثير وهم في الموطأ وكان أهمهم ما يلي:
ابن هرمز وأبو زناد ونافع وربيعة محسن وابن شهاب الأنصاري ويحي ابن سعيد وسعيد المقبري وعامر ابن عبد الله بن زبير، وابن المنكدر وعبد الله ابن دينار.
تلاميذ الإمام مالك ﵀:
стр. 803
كان أكثر الأئمة الذين ظهروا في عصر الإمام مالك تلامذة له، وقد كان تلاميذه من شتى بقاع الأرض لا يعدون ولا يحصون والذي ساعده على ذلك أنه كان مقيماً بالمدينة المنورة وكان الحجاج يذهبون لزيارة مسجد الرسول ﷺ فيجلسون نحوه يتعلمون منه العلم، فمنهم من كان يطول به المقام عند الإمام مالك ومنهم من كان يقصر به المقام. والذي جعل أيضاً تلاميذ الإمام مالك كثيري أن الإمام مالكاً كان معمراً فلقد أطال الله في عمره حيث عاش تسعين عاماً. واحصى الذهبي ما يزيد عن ألف وأربعمائة تلميذ فمن تلاميذه ما يلي:
عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب وأشهب بن عبد العزيز القيسي وأسد بن الفرات وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشون.
ومن تلاميذ مالك أيضا:
ابن أبي إياس أبو الحسن الخرساني، وابن الوليد ابو يحمد الحميري وابن خداش أبو الهيثم المهلبي، وأبو عبد الله اللخمي وسعيد ابن شعبة أبو عثمان الخرساني وسليمان بن جارود أبو داوود الطياليسي وابن ذكوان أبو عبد الله الترمذي وبن حماد ابو يحي النرسي وبن جبلة عبدان المروزي وعبد الله بن نافع الزبيري وبن عمرو القيسي أبو عامر العقدي ووكيع بن جراح ابو سفيان الرؤاسي.
[*] مناقب الإمام مالك ﵀:
كان مالك بن أنس ﵀ من أئمة تابعي التابعين، من أئمة الهدى وأعلام التقى ومصابيح الدجى، من حلية الأولياء وأعلام النبلاء، الأضواء اللامعة والنجوم الساطعة، إمام دار الهجرة، وصاحب أحد المذاهب الفقهية الأربعة في الإسلام وهو المذهب المالكي، وصاحب كتب الصحاح في السنة النبوية وهو كتاب الموطأ. يقول الإمام الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
وهاك غَيْضٍ من فيض ونقطةٍ من بحر مما ورد في مناقبه رحمه الله تعالى جملةً وتفصيلا:
أولاً مناقب مالك بن أنس جملةً ﵀:
(١) ثناء العلماء على مالك ابن أنس:
(٢) حرص مالك بن أنس على طلب العلم:
(٣) تعظيم مالك بن أنس لحديث رسول الله ﷺ :
(٤) محنة الإمام مالك بن أنس:
(٥) ورع مالك ابن أنس ﵀:
(٦) منابذة مالك ابن أنس لأهل الأهواء:
(٧) زهد مالك ابن أنس رحمه الله تعالى:
(٨) من دُررِ مواعظ مالك ابن أنس:
ثانياً مناقب مالك بن أنس تفصيلا ﵀:
(١) ثناء العلماء على مالك ابن أنس:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
стр. 804
فمنهم إمام الحرمين، المشهور في البلدين الحجاز والعراقين، المستفيض مذهبه في المغربين والمشرقين، مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه.
كان أحد النبلاء وأكمل العقلاء، ورث حديث الرسول ونشر في أمته علم لأحكام والأصول تحقق بالتقوى فابتلى بالبلوى.
[*] وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
هو شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة، وهو حمير الأصغر الحميري ثم الأصبحي المدني، حليف بني تيم من قريش، فهم حلفاء عثمان أخي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة.
[*] وقال عنه الإمام بن كثير في البداية والنهاية: الإمام مالك هو أشهرهم وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة.
[*] وقال عنه الإمام السخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: الإمام العالم نجم السنن وعالم المدينة، أبو عبد الله الأصبحي المدني.
يروي عن الزهري ونافع وعبد الله بن دينار. وخلق قل من هو من غير المدينة منهم. وكان أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عن من ليس بثقة في الحديث. فلم يكن يروي إلا ماصح، ولا يحدث إلا عن ثقة، مع الفقه والدين والفضل والنسك. روى عنه السفيانان والحمادان وشعبة والأوزاعي والليث. وبه تخرج إمامنا الشافعي ـ رحمهما الله. وإياه ينصر ومذهبه يتبجل حيث كان بالعراق قديماً قبل دخوله مصر. ثم اجتهد وصار إماماً متبعاً. وكان يقول: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وما في الأرض كتاب في العلم أكثر صواباً من الموطأ. وآخر الرواة عنه وفاة أحمد بن إسماعيل السهمي. ولفتياه في عين المكره بعدم الوقوع تعرض له جعفر بن سليمان.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المفضل بن محمد الجندي يقول: سمعت أبا مصعب، يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك.
стр. 805
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن خلف بن عمرو قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ما أجبت في الفتيا حتى سألت من هو أعلم مني: هل يراني موضعاً لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله فلو نهوك؟ قال: كنت أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه، قال خلف: دخلت على مالك فقال لي انظر ما ترى تحت مصلاي، أو حصيري؟ فنظرت فإذا أنا بكتاب، فقال: أقرأه فإذا فيه رؤيا رآها له بعض إخوانه، فقال: رأيت النبي ﷺ في المنام في مسجده قد اجتمع الناس عليه، فقال لهم: إني قد خبأت لكم تحت منبري طيباً أو علماً، وأمرت مالكاً أن يفرقه على الناس، فانصرف الناس وهم يقولون إذا ينفذ مالك ما أمره به رسول الله ﷺ ، ثم بكى فقمت عنه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن إسماعيل بن مزاحم المروزي ـ وكان من أصحاب ابن المبارك من العباد ـ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله من نسأل بعدك؟ قال: مالك بن أنس.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مطرف أبو صعب، حدثني أبو عبد الله مولى الليثيين ـ وكان مختاراً ـ قال: رأيت رسول الله ﷺ في المسجد قاعداً والناس حوله، ومالك قائم بين يديه، وبين يدي رسول الله ﷺ مسك، وهو يأخذ منه قبضة قبضة فيدفعها إلى مالك ومالك ينشرها على الناس، قال مطرف: فأولت ذلك العلم واتباع السنة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المثني بن سعيد القصير، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ما بت ليلة إلا رأيت رسول الله ﷺ .
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن أبي أويس، قال: كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً، وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم أو يستعجل، فقال: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ .
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن المفضل بن محمد الجندي، يقول: سمعت أبا مصعب، يقول: كان مالك لا يحدث بحديث رسول الله ﷺ إلا وهو على الطهارة إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ .
стр. 806
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن معين بن عيسى، يقول: كان مالك بن أنس يتقي في حديث رسول الله ﷺ الباء والتاء ونحوهما.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما بقي على وجه الأرض أحد آمن على حديث رسول الله ﷺ من مالك بن أنس.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن أبي يونس المدني، قال: أنشدني بعض أصحابنا من المدنيين في مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه:
يدع الجواب فلا يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن شعبة، قال: أتيت المدينة بعد موت نافع بسنة، فإذا الحلقة لمالك بن أنس.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن نافع بن عبد الله، يقول: جالست مالكاً أربعين سنة أو خمساً وثلاثين سنة ـ كل يوم أبكر وأهجر وأروح، ما سمعته يقرأ على ـ إنسان شيئاً قط، وسمعت معن بن عيسى يقول: ما من حديث أحدث به عن مالك إلا وقد جمعته منه نحواً أو أكثر من ثلاثين مرة.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الحارث بن مسكين، قال: كان عبد الرحمن بن القاسم، يقول: إنما أقتدي في ديني برجلين: مالك بن أنس في علمه، وسليمان بن القاسم في ورعه.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن القعنبي، يقول: أتينا سفيان بن عيينة فرأيته حزيناً، فقيل: بلغه موت مالك بن أنس ﵀، ثم قال سفيان: ما ترك على الأرض مثله.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه، يقول: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد يديك به.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن الربيع، يقول: سمعت الشافعي، يقول: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عن سفيان بن عيينة، قال: كان مالك لا يأخذ الحديث إلا من جيده.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن ابن مهدي، يقول: ما أقدم على مالك في صحة الحديث أحداً.
стр. 807
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: كان نقش خاتم مالك بن أنس حسبنا الله ونعم الوكيل، فقيل له في ذلك فقال: (وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران ١٧٣: ١٧٤]
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن محمد بن زبان بن حبيب، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ما بعد كتاب الله تعالى كتاب أكثر صواباً من موطأ مالك.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشافعي، يقول: قال محمد بن الحسن: أقمت على مالك بن أنس ثلاث سنين وكسراً، وكان يقول: إنه سمع منه لفظاً أكثر من سبعمائة حديث، قال: وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس عليه حتى يضيق عليهم الموضع، وإذا حدث غير مالك لم يجئه إلا اليسير، فكان يقول: ما أعلم أحداً أسوأ ثناء على أصحابكم منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملآتم على الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم إنما تأتوني متكارهين.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن الشافعي، يقول: قالت لي عمتي ـ ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجباً، فقلت لها: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قائلاً يقول: مات الليلة أعلم أهل الأرض، قال الشافعي: فحسبنا ذلك فإذا هو يوم مات مالك بن أنس.
[*] أخرج الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء عن مالك بن أنس، يقول لفتى من قريش: يا ابن أخي تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عيينة قال: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه.
[*] أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الشافعي قال - وصدق وبر - إذا ذكر العلماء فمالك النجم.
[*] أورد أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء عن ابن وهب قال: سمعت منادياً ينادي بالمدينة، ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب.
стр. 808
[*] أورد أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء عن الشافعي قال: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم: صاحبكم أو صاحبنا، يعني أبا حنيفة ومالكاً، قال: قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال: فأنشدك الله من أعلم بالسنة: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء يقيس؟
[*] أورد الإمام بن كثير في البداية والنهاية عن البخاري قال: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.
[*] أورد الإمام بن كثير في البداية والنهاية عن سفيان بن عيينة قال: ما كان أشد انتقاده للرجال.
(٢) حرص مالك بن أنس على طلب العلم:
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
طلب مالك العلم، وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو حي شاب طري، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد، وإلى أن مات.
[*] قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:
طلب العلم وهو حدث بعيد موت القاسم وسالم. فأخذ عن نافع، وسعيد المقبري، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار، وغيرهم.
стр. 809
ومن أقرانه: معمر، وابن جريج، وأبو حنيفة، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، وجويرية بن أسماء، والليث، وحماد بن زيد، وخلق، وإسماعيل بن جعفر، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والدراوردي، وابن أبي الزناد، وابن علية، ويحيى بن أبي زائدة، وأبو إسحاق الفزاري، ومحمد بن الحسن الفقيه، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعن بن عيسى القزاز، وعبد الله بن وهب، وأبو قرة موسى بن طارق، والنعمان بن عبد السلام، ووكيع، والوليد بن مسلم، ويحيى القطان، وإسحاق بن سليمان الرازي، وأنس بن عياض الليثي، وضمرة بن ربيعة، وأمية بن خالد، وبشر بن السري الأفوه، وبقية بن الوليد، وبكر بن الشرود الصنعاني، وأبو أسامة، وحجاج بن محمد، وروح بن عبادة، وأشهب بن عبد العزيز، وأبو عبد الله الشافعي، وعبد الله بن عبد الحكم، وزياد بن عبد الرحمن شبطون الأندلسي، وأبو داود الطيالسي، وأبو كامل مظفر بن مدرك، وأبو عاصم النبيل، وعبد الرزاق، وأبو عامر العقدي، وأبو مسهر الدمشقي، وعبد الله بن نافع الصائغ، وعبد الله بن عثمان المروزي عبدان، ومروان بن محمد الطاطري، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ومعلى بن منصور الرازي، ومنصور بن سلمة الخزاعي، والهيثم بن جميل الأنطاكي، وهشام بن عبيد الله الرازي، وأسد بن موسى، وآدم بن أبي إياس، ومحمد بن عيسى بن الطباع، وخالد بن مخلد القطواني، ويحيى بن صالح الوحاظي، وأبو بكر، وإسماعيل ابنا أبي أويس، وعلي بن الجعد، وخلف بن هشام.
стр. 810
ويحيى بن يحيى التميمي، ويحيى بن يحيى الليثي، وسعيد بن منصور، ويحيى بن بكير، وأبو جعفر النفيلي، وقتيبة بن سعيد، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وأبو مصعب الزهري، وأحمد بن يونس اليربوعي، وسويد بن سعيد، ومحمد بن سليمان لوين، وهشام بن عمار، وأحمد بن حاتم الطويل، وأحمد بن نصر الخزاعي الشهيد، وأحمد بن محمد الأزرقي، وإبراهيم بن يوسف البلخي الماكياني، وإبراهيم بن سليمان الزيات البلخي، وإسماعيل بن موسى الفزاري، وإسحاق بن عيسى بن الطباع أخو محمد، وإسحاق بن محمد الفروي، وإسحاق بن الفرات، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني، وبشر بن الوليد الكندي، وحبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والحكم بن المبارك الخاشتي وخالد بن خداش المهلبي، وخلف بن هشام البزار، وزهير بن عباد الرؤاسي، وسعيد بن عفير المصري، وسعيد بن داود الزبيري، وسعيد بن أبي مريم، وأبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، وصالح بن عبد الله الترمذي، وعبد الله بن نافع بن ثابت الزبيري، وعبد الله بن نافع الجمحي، وعبد الرحمن بن عمرو البجلي الحراني، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، وعبد العزيز بن يحيى المدني، وأبو نعيم عبيد بن هشام الحلبي، وعلي بن عبد الحميد المعني، وعتبة بن عبد الله اليحمدي المروزي، وعمرو بن خالد الحراني، وعاصم بن علي الواسطي، وعباس بن الوليد النرسي، وكامل بن طلحة، ومحمد بن معاوية النيسابوري، ومحمد بن عمر الواقدي، وأبو الأحوص محمد بن حبان البغوي، ومحمد بن جعفر الوركاني، ومحمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، ومنصور بن أبي مزاحم، ومطرف بن عبد الله اليساري، ومحرز بن سلمة العدني، ومحرز بن عون، والهيثم بن خارجة، ويحيى بن قزعة المدني، ويحيى بن سليمان بن نضلة المدني، ويزيد بن صالح النيسابوري الفراء.
ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكا في العلم والفقه والجلالة والحفظ فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة والقاسم وسالم وعكرمة ونافع وطبقتهم ثم زيد بن أسلم وابن شهاب وأبي الزناد ويحيى بن سعيد وصفوان بن سليم وربيعة بن أبي عبد الرحمن وطبقتهم فلما تفانوا اشتهر ذكر مالك بها وابن أبي ذئب وعبد العزيز بن الماجشون وسليمان بن بلال وفليح بن سليمان وأقرانهم فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق رحمه الله تعالى.
следующие страницы →