ومن عظمته ما أخبر عن نفسه بقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ (١)
قال رسول الله ﷺ : (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض) (٢)
ويتضعضع الفؤاد ويرجف القلب عند التأمل في قصة موسى ﵇ لما قال: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ فقال الله: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً (٣)
ولما فسر النبي ﷺ هذه الآية قرأها وقال بيده: (هكذا - ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر - ثم قال ﵊: (فساخ الجبل) (٤)
والله : (حجابه النور، لو كشفه لحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٥)
ومن عظمة الله ما
стр. 37
حدث به الرسول ﷺ ، فقال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير) (١)
والنصوص في هذا كثيرة والمقصود أن استشعار عظمة الرب بالتأمل في هذه النصوص وغيرها من أنفع الأشياء في علاج ضعف الإيمان ويصف ابن القيم ﵀ عظمة الله بكلام عذب جميل فيقول: (يدبر أمر الممالك ويأمر وينهى ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويقلب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، ويقلب الدول فيذهب بدولة ويأتي بأخرى، وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها وفي الأرض وما عليها وما تحتها وفي البحار والجو، قد أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً .. ووسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على تفنن حاجاتها، فلا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ذوي الحاجات، وأحاط بصره بجميع المرئيات فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة والسر عنده علانية .. (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن) يغفر ذنباً، ويفرج هماً، ويكشف كرباً، ويجبر
стр. 38
كسيراً، ويغني فقيراً، ويهدي ضالاً، ويرشد حيراناً، ويغيث لهفاناً، ويشبع جائعاً، ويكسو عارياً، ويشفي مريضاً، ويعافي مبتلى، ويقبل تائباً، ويجزي محسناً، وينصر مظلوماً، ويقصم جباراً، ويستر عورة، ويؤمن روعة، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين ... لو أن أهل سماواته وأهل أرضه، وأول خلقه وأخرهم، وإنسهم وجنهم، كانوا على أتقى قلب رجل منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئاً ولو أن أول خلقه وأخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه، وأول خلقه وأخرهم، وإنسهم وجنهم، وحيهم وميتهم، ورطبهم ويابسهم، قاموا على صعيد واحد فسألوه فأعطى كلا منهم ما سأله، ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة .. هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس دونه شيء، ﵎ أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأولى من شكر، وارأف من ملك، وأجود من سئل ... هو الملك الذي لا شريك له، والفرد فلا ند له، والصمد فلا ولد له، والعلي فلا شبيه له، كل شيء هالك إلا وجهه، وكل شيء زائل إلا ملكه .. لن يطاع إلا بأذنه، ولن يعصى إلا بعلمه، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، أخذ بالنواصي، وسجل الآثار، وكتب الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، عطاؤه كلام وعذابه كلام (إنما أمره إذا أراد شيئاً
стр. 39
أن يقول له كن فيكون) (١)
٣ - طلب العلم الشرعي: وهو العلم الذي يؤدي تحصيله إلى خشية الله وزيادة الإيمان به كما قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾ فلا يستوي في الإيمان الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فكيف يستوي من يعلم تفاصيل الشريعة ومعنى الشهادتين ومقتضياتهما وما بعد الموت من فتنة القبر وأهوال المحشر ومواقف القيامة ونعيم الجنة وعذاب النار وحكمة الشريعة في أحكام الحلال والحرام وتفصيل سيرة النبي ﷺ ، وغير ذلك من أنواع العلم كيف يستوي هذا في الإيمان ومن هو جاهل بالدين وأحكامه وما جاءت به الشريعة من أمور الغيب، حظه من الدين التقليد وبضاعته من العلم مزجاة، ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾.
٤ - لزوم حلق الذكر وهو يؤدي إلى زيادة الإيمان لعدة أسباب منها ما يحصل فيها من ذكر الله، وغشيان الرحمة، ونزول السكينة، وحف الملائكة للذاكرين، وذكر الله لهم في الملأ الأعلى، ومباهاته بهم الملائكة، ومغفرته لذنوبهم، كما جاء في الأحاديث الصحيحة ومنه قوله ﷺ : (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) (٢)
وعن سهل
стр. 40
بن الحنظلية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم) (١)
قال ابن حجر ﵀: ويطلق ذكر الله ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، ومدارسة العلم. (٢)
ومما يدل على أن مجالس الذكر تزيد الإيمان ما أخرجه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن حنظلة الأسيدي قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال: قلت نافق حنظلة، قال: سبحان الله ما تقول قال: قلت نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات - يعني المعاش من مال أو حرفة أو صنعة - فنسينا كثيراً، قال أبو بكر فو الله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : (ما ذاك) قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كانا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً. فقال
стр. 41
رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة (١)
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على الجلوس للذكر ويسمونه إيماناً، قال معاذ ﵁ لرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) إسناده صحيح: أربع مسائل في الإيمان، (٢)
٥ - ومن الأسباب التي تقوي الإيمان الاستكثار من الأعمال الصالحة وملء الوقت بها، وهذا من أعظم أسباب العلاج وهو أمر عظيم وأثره في تقوية الإيمان ظاهر كبير، وقد ضرب الصديق في ذلك مثلاً عظيماً لما سأل الرسول ﷺ ، أصحابه (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر أنا، قال فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر أنا، قال، فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً، قال أبو بكر أنا، قال فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر أنا، فقال رسول الله ﷺ ، ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) (٣)
فهذه القصة، تدل على أن الصديق ﵁ كان حريصاً على اغتنام الفرص، وتنويع العبادات ولما وقع السؤال من النبي صلى
стр. 42
الله عليه وسلم مفاجئاً دل ذلك على أن أيام أبي بكر ﵁ كانت حافلة بالطاعات، وقد بلغ السلف ﵏ في ازديادهم من الأعمال الصالحة وملء الوقت بها مبلغاً عظيماً، ومثال ذلك عبارة كانت تقال عن جماعة من السلف منهم حماد بن سلمة قال فيه الإمام عبد الرحمن بن مهدي: " لو قيل لحماد بن سلمة: أنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً " (١)
وينبغي أن يراعي المسلم في مسألة الأعمال الصالحة أموراً منها:
المسارعة إليها لقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ وقال تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾ ومدلول هذه الآيات كان محركاً للمسارعة عند أصحاب النبي ﷺ ، وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن أنس بن مالك في قصة غزوة بدر لما دنا المشركون قال، فقال النبي ﷺ : ﴿قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض﴾ قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض قال: نعم قال: بخ بخ - كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه -
стр. 43
فقال رسول الله ﷺ : (ما يحملك على قولك بخ بخ) قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها، فاخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه لحياة طويلة قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل. (١)
ومن قبل أسرع موسى للقاء الله وقال: (وعجلت إليك ربي لترضى) وامتدح الله زكريا وأهله فقال: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) وقال النبي ﷺ : (التؤدة في كل شيء -وفي رواية خير -إلا في عمل الآخرة) (٢)
الاستمرار عليها بقول الرسول ﷺ ، عن ربه في الحديث القدسي: (ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) (٣)
وكلمة (ما يزال) تفيد الاستمرارية، ويقول النبي ﷺ : (تابعوا الحج والعمرة) (٤)
وهو في السلسلة الصحيحة ١٢٠٠. والمتابعة تعني كذلك الاستمرار وهذا المبدأ مهم في تقوية الإيمان وعدم إهمال النفس حتى لا تركن وتأسن، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
стр. 44
والمداومة على الأعمال الصالحة تقوي الإيمان وقد سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها وإن قل) (١)
وكان النبي ﷺ ، إذا عمل عملاً أثبته. (٢)
الاجتهاد فيها: إن علاج قسوة القلب لا يصلح أن يكون علاجاً مؤقتاً يتحسن فيه الإيمان فترة من الوقت ثم يعود إلى الضعف بل ينبغي أن يكون نهوضاً متواصلاً بالإيمان وهذا لن يكون إلا بالاجتهاد في العبادة. وقد ذكر الله في كتابه من اجتهاد أوليائه في عبادته أحولاً عدة فمنها: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون﴾. وقال الله تعالى عنهم: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾. والاطلاع على حال السلف في تحقيق صفات العابدين شيء يبعث على الإعجاب ويقود إلى الاقتداء فمن ذلك أنه كان لهم سُبُع من القرآن يختمونه كل يوم وكانوا يقومون الليل في الغزو والقتال ويذكرون الله ويتهجدون، حتى في السجن، يصفون أقدامهم، تسيل دموعهم على
стр. 45
خدودهم، يتفكرون في خلق السموات والأرض، يخادع أحدهم زوجته كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أنها نامت انسل من لحافها وفراشها لصلاة القيام، يقسمون الليل على أنفسهم وأهليهم ونهارهم في الصيام والتعلم والتعليم واتباع الجنائز وعيادة المرضى وقضاء حوائج الناس تمر على بعضهم السنون لا تفوتهم تكبيرة الإحرام مع الإمام ينتظرون الصلاة بعد الصلاة يتفقد أحدهم عيال أخيه بعد موته سنوات ينفق عليهم، ومن هذا حاله فإيمانه في ازدياد.
عدم إملال النفس: ليس المقصود من المداومة على العبادات أو الاجتهاد فيها إيقاع النفس بالسآمة وتعريضها للملل وإنما المقصود عدم الانقطاع عن العبادات ما يطيق ويسدد ويقارب وينشط إذا رأى نفسه مقبلة ويقصد عند الفتور، ويدل على هذه التصورات مجموعة من الأحاديث منه قوله ﷺ : (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا .. ) (١)
وفي رواية: (والقصد القصد تبلغوا) (٢)
، وقال البخاري ﵀ باب ما يكره من التشديد في العبادة، عن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: (ما هذا الحبل) قالوا هذا
стр. 46
حبل لزينب فإذا فترت تعلقت قال النبي ﷺ : (لا، حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد) (١)
ولما علم النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل كله ويصوم النهار متتابعاً نهاه عن ذلك وبين السبب بقوله: (فإنك إذا فعلت هجمت عينك - يعني غارت أو ضعفت لكثرة السهر - ونفهت نفسك - يعني كلت). وقال الرسول ﷺ : (اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل) (٢)
استدراك ما فات منها: فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نام عن حزبه من الليل، أو شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل) (٣)
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها وكان إذا فاته القيام من الليل غلبته
стр. 47
عيناه بنوم أو وجع صلى ثنتي عشرة ركعة من النهار) (١)
ولما رأته أم سلمة ﵂ يصلي ركعتين بعد العصر وسألته أجابها ﵊ بقوله: (يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) (٢)
(وكان إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاهن بعده) (٣)
(وكان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الظهر) (٤)
فهذا الأحاديث تدل على قضاء السنن الرواتب، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في صومه ﷺ شعبان أكثر من غيره ثلاث معان أولها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما شغل عن الصيام أشهراً فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض " أي رمضان"تهذيب سنن أبي داود ٣/ ٣١٨، وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلما فاته الاعتكاف مرة
стр. 48
لعارض السفر اعتكف في العام المقبل عشرين يوماً. (١)
رجاء القبول مع الخوف من عدم القبول، وبعد الاجتهاد في الطاعات، ينبغي الخوف من ردها على صاحبها، عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات) (٢)
وقال أبو الدرداء ﵁: " لأن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (٣)
. ومن صفات المؤمنين احتقار النفس أمام الواجب من حق الله تعالى: قال النبي ﷺ : (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة) (٤)
فمن عرف الله وعرف النفس يتبين له أن ما معه من البضاعة لا يكفي ولو جاء بعمل الثقلين، إنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله ويثيب
стр. 49
عليه بكرمه وجوده وتفضله.
٦ - تنويع العبادات: من رحمة الله وحكمته أن نوع علينا العبادات فمنها ما يكون بالبدن كالصلاة ومنها ما يكون بالمال كالزكاة ومنها ما يكون بهما معاً كالحج ومنها ما هو باللسان كالذكر والدعاء وحتى النوع الواحد ينقسم إلى فرائض وسنن مستحبة والفرائض تتنوع وكذلك السنن مثل الصلاة فيها رواتب ثنتي عشرة ركعة في اليوم ومنها ما هو أقل منزلة كالأربع قبل العصر وصلاة الضحى ومنها ما هو أعلى كصلاة الليل وهو كيفيات متعددة منها مثنى مثنى أو أربع ثم أربع ثم يوتر ومنها خمس أو سبع أو تسع بتشهد واحد، وهكذا من يتتبع العبادات يجد تنويعاً عظيماً في الأعداد والأوقات والهيئات والصفات والأحكام ولعل من الحكمة في ذلك أن لا تمل النفس ويستمر التجدد، ثم إن النفس ليست متماثلة في انجذابها وإمكاناتها وقد تستلذ بعض النفوس بعبادات أكثر من غيرها، وسبحان الذي جعل أبواب الجنة على أنواع العبادات كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة) (١) والمقصود
стр. 50
المكثرون من أصحاب النوافل في كل عبادة أما الفرائض فلا بد من تأديتها للجميع، وقال ﷺ : (الوالد أوسط أبواب الجنة) (١)
أي بر الوالدين، يمكن الاستفادة من هذا التنوع في علاج ضعف الإيمان والاستكثار من العبادات التي تميل إليها النفس مع المحافظة على الفرائض والواجبات التي أمر الله بها، وهذا ويمكن للمرء المسلم إذا استعرض نصوص العبادات أن يجد أنواعاً فريدة لها آثار ومعان لطيفة في النفس قد لا توجد في غيرها وهذان مثالان:
روى أبو ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله - أي يبغضهم - أما الثلاثة الذين يحبهم الله الرجل يلقى العدو في الفئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسوا الأرض فينزلون فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم والرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن) (٢)
أتى النبي ﷺ رجل يشكو قسوة قلبه فقال له ﷺ : (أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ أرحم اليتيم،
стр. 51
وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك وتدرك حاجتك) (١)
وهذا شاهد مباشر لموضوع علاج ضعف الإيمان.
٧ - ومن علاجات ضعف الإيمان: الخوف من سوء الخاتمة ، لأنه يدفع المسلم إلى الطاعة ويجدد الإيمان في القلب، أما سوء الخاتمة فأسبابها كثيرة منها: ضعف الإيمان والانهماك في المعاصي وقد ذكر النبي ﷺ لذلك صوراً مثل قوله ﷺ : (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ - أي يطعن - بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه - أي يشربه في تمهل ويتجرعه- في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) صحيح مسلم رقم ١٠٩. وقد حدثت في عهده ﷺ وقائع من هذا فمنها قصة الرجل الذي كان مع عسكر المسلمين يقاتل الكفار قتالاً لم يقاتله أحد مثله فقال النبي ﷺ : (أما إنه من أهل النار) فتتبعه رجل من المسلمين فأصاب الرجل جرح شديد فاستعجل الموت فوضع سيفه بين ثديه واتكأ عليه فقتل نفسه. (٢)
وأحوال
стр. 52
الناس في سوء الخاتمة كثيرة سطر أهل العلم عدداً منها، فمن ذلك ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب " الداء والدواء " أنه قيل لبعضهم عند موته قل لا إله إلا الله فقال: لا أستطيع أن أقولها، وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء، وقيل لتاجر - ممن ألهته تجارته عن ذكر الله - لما حضرته الوفاة قل لا إله إلا الله فجعل يقول هذه قطعة جيدة هذه على قدرك هذه مشتراها رخيص حتى مات. (١)
ويروى أن بعض جنود الملك الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول له: قل لا إله إلا الله فقال: الناصر مولاي فأعاد عليه القول وأبوه يكرر الناصر مولاي، الناصر مولاي ثم مات، وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يقول الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا والبستان الفلاني افعلوا فيه كذا، وقيل لأحد المرابين عند موته قل لا إله إلا الله فجعل يقول عشرة بأحد عشر يكررها حتى مات. (٢)
وبعضهم قد يسود لونه أو يتحول عن القبلة وقال ابن الجوزي ﵀ لقد سمعت بعض من كنت أظن فيه كثرة خير وهو يقول في ليالي موته " ربي هو ذا يظلمني " - تعالى الله عن قوله- فاتهم الله بالظلم وهو على فراش الموت ثم قال ابن الجوزي ﵀: فلم أزل منزعجاً مهتماً بتحصيل عدة ألقى بها هذا اليوم. (٣)
وسبحان الله كم
стр. 53
شاهد الناس من هذا عبراً؟ والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم. (١)
٨ - الإكثار من ذكر الموت: يقول الرسول ﷺ : (أكثروا من ذكر هانم اللذات يعني الموت) (٢)
وتذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ولا يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه ومن أعظم ما يذكر بالموت زيارة القبور ولذلك أمر النبي ﷺ بزيارتها فقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً) (٣)
بل يجوز للمسلم أن يزور مقابر الكفار للاتعاظ والدليل على ذلك ما ورد في الصحيح أنه ﷺ : (زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) (٤)
فزيارة القبور من أعظم وسائل ترقيق القلوب وينتفع الزائر بذكر الموت وكذلك ينتفع الموتى بالدعاء لهم ومما ورد في السنة في ذلك قوله ﷺ : (السلام عليكم أهل الديار من
стр. 54
المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) (١)
وينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ويقصد بزيارته وجه الله وإصلاح فساد قلبه ثم يعتبر بمن صار تحت التراب وانقطع عن الأهل والأحباب فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال كيف انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم وافترقت في القبور أجزاؤهم وترمل بعدهم نساؤهم وشمل ذل اليتم أولادهم وليتذكر آفة الانخداع بالأسباب والركون إلى الصحة والشباب والميل إلى اللهو واللعب وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليتفكر في حال الميت كيف تهدمت رجلاه، وسالت عيناه، وأكل الدود لسانه، وأبلى التراب أسنانه. (٢)
يا من يصيح إلى داعي الشقاء وقد ... نادى به الناعيان الشيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى ... في رأسك الواعيان السمع والبصر
ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاديان العين والأثر
لا الدهر يبقي ولا الدنيا ولا الفلك ... الأعلى ولا النيران الشمس والقمر
ليرحلن عن الدنيا وإن كرها ... فراقها الثاويان البدو والحضر (٣)
стр. 55
ومن أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل بالعبادة، ومما يؤثر في النفس من مشاهد الموت رؤية المحتضرين فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته وتأمل صورته بعد مماته ما يقطع عن النفوس لذاتها ويمنع الأجفان من النوم والأبدان من الراحة ويبعث على العمل ويزيد في الاجتهاد. دخل الحسن البصري على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت فنظر إلى كربه وشدة وما نزل به فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم فقالوا له الطعام يرحمك الله فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم والله لقد رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه. (١)
ومن تمام الشعور بالموت الصلاة على الجنازة، وحملها على الأعناق والذهاب بها إلى المقبرة ودفن الميت، ومواراة التراب عليه وهذا يذكر بالآخرة قال النبي ﷺ : (عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة) (٢)
وبالإضافة إلى ذلك فإن في اتباع الجنازة أجراً عظيماً ذكره النبي ﷺ ، بقوله: (من شهد الجنازة من بيتها - وفي رواية: من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً - حتى يصلي عليها فله
стр. 56
قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان من الأجر) قيل يا رسول الله وما القيراطان قال: (مثل الجبلين العظيمين) (وفي رواية كل قيراط مثل أحد). (١)
وكان السلف ﵏ يذكرون الموت عند نصح رجل يواقع معصية، فهذا أحد السلف ﵀ وكان في مجلسه رجل ذكر آخر بغيبة فقال واعظاً الذي يغتاب: " اذكر القطن إذا وضعوه على عينيك " أي عند التكفين.
٩ - ومن الأمور التي تجدد الإيمان بالقلب: تذكر منازل الآخرة ، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: " فإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة فهي نور في القلب، يبصر به الوعد والوعيد، والجنة والنار، وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السماوات فأحاطت بهم، وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف، واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثرة العطاش، وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، ولز الناس إليه وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه والنار يحطم
стр. 57
بعضها بعضاً تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين، فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة أنقضائها. (١)
والقرآن العظيم فيه ذكر كثير لمشاهد اليوم الآخر في سورة ق والواقعة والقيامة والمرسلات والنبأ والمطففين والتكوير، وكذلك في مصنفات الحديث مذكورة فيها تحت أبواب مثل القيامة، والرقاق، والجنة، والنار ومن المهم كذلك في هذا الجانب قراءة كتب أهل العلم المفردة لهذا الغرض مثل حادي الأرواح لابن القيم، والنهاية في الفتن والملاحم لابن كثير، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، والقيامة الكبرى والجنة والنار لعمر الأشقر وغيرها، والمقصود أن مما يزيد الإيمان العلم بمشاهد القيامة كالبعث والنشور، والحشر، والشفاعة، والحساب، والجزاء، والقصاص، والميزان، والحوض، والصراط، ودار القرار، والجنة أو النار.
١٠ - ومن الأمور التي تجدد الإيمان: التفاعل مع الآيات الكونية روى البخاري ومسلم وغيرهما: (أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه) فقالت عائشة: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال: (يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا:
стр. 58
(هذا عارض ممطرنا) (١)
وكان ﷺ يقوم فزعاً إذا رأى الكسوف كما جاء في صحيح البخاري عن أبي موسى ﵁ قال: (خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فزعاً يخشى أن تكون الساعة). (٢)
وأمرنا ﵊ عند الكسوف والخسوف أن نفزع إلى الصلاة وأخبر أنهما من آيات الله التي يخوف بها عباده، ولا شك أن تفاعل القلب مع هذه الظواهر والفزع منها يجدد الإيمان في القلب، ويذكر بعذاب الله، وبطشه، وعظمته، وقوته، ونقمته، وقالت عائشة: (أخذ رسول الله ﷺ بيدي ثم أشار إلى القمر فقال: يا عائشة: استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) (٣)
ومن أمثلة ذلك أيضاً: التأثر عند المرور بمواضع الخسف والعذاب وقبور الظالمين، فقد روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه لما وصلوا الحجر: (لا تدخلوا عليهم هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم) (٤)
هذا والناس اليوم يذهبون إليها للسياحة والتصوير فتأمل!
стр. 59
١١ - ومن الأمور بالغة الأهمية في علاج ضعف الإيمان ذكر الله تعالى وهو جلاء القلوب وشفاؤها ، ودواؤها عند اعتلالها، وهو روح الأعمال الصالحة وقد أمر الله به فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ ووعد بالفلاح من أكثر منه فقال: ﴿واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ وذكر الله أكبر من كل شيء قال الله تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ وهو وصية النبي ﷺ لمن كثرت عليه شرائع الإسلام فقال له: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) (١)
وهو مرضاة للرحمن مطردة للشيطان مزيل للهم والغم وجالب للرزق فاتح لأبواب المعرفة وهو غراس الجنة وسبب لترك آفات اللسان، وهو سلوة أحزان الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به فعوضهم الله بالذكر الذي ينوب عن الطاعات البدنية والمالية ويقوم مقامها، وترك ذكر الله من أسباب قسوة القلب:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور
ولذلك لا بد لمن يريد علاج ضعف إيمانه من الإكثار من ذكر الله قال تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾. وقال الله تعالى مبيناً أثر الذكر على القلب: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (٢)
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى عن العلاج بالذكر: " في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى فينبغي
стр. 60
للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وقال رجل للحسن البصري ﵀: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي قال أذبه بالذكر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله و " الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله تعالى قال مكحول ذكر الله تعالى شفاء، وذكر الناس داء " (١)
وبالذكر يصرع العبد الشيطان كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان. قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإذا دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه الشياطين - أي يجتمعون على الشيطان الذي حاول أن يتقرب من قلب المؤمن - فيقولون ما لهذا، فيقال: قد مسه الإنسي! (٢)
وأكثر الناس الذين تمسهم الشياطين هم من أهل الغفلة الذين لم يتحصنوا بالأوراد والأذكار، ولذلك سهل تلبس الشياطين بهم
وبعض الذين يشكون من ضعف الإيمان تثقل عليهم بعض وسائل العلاج كقيام الليل والنوافل فيكون من المناسب لهم البدء بهذا العلاج والحرص عليه فيحفظون من الأذكار المطلقة ما يرددونه باستمرار مثل:
стр. 61
" لا إله إلا الله لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير " و " سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم " و " لا حول ولا قوة إلا بالله " وغيرها، ويحفظون كذلك من الأذكار المقيدة التي جاءت في السنة ما يرددونه إذا حان وقته زماناً أو مكاناً مثل أذكار الصباح والمساء والنوم والاستيقاظ والرؤى والأحلام والأكل والخلاء والسفر والمطر والأذان والمسجد والاستخارة والمصيبة والمقابر والريح ورؤية الهلال وركوب الدابة والسلام والعطاس وصياح الديكة والنهيق والنباح وكفارة المجلس ورؤية أهل البلاء وغيرها، ولا ريب أن من حافظ على هذه سيجد الأثر مباشراً في قلبه. لشيخ الإسلام ابن تيمة رسالة مفيدة في الأذكار اسماها الكلم الطيب اختصرها الألباني باسم صحيح الكلم الطيب.
١٢ - ومن الأمور التي تجدد الإيمان مناجاة الله والانكسار بين يديه ، وكلما كان العبد أكثر ذلة وخضوعاً كان إلى الله أقرب ولهذا قال رسول الله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) (١)
لأن حال السجود فيها ذلة وخضوع ليست في بقية الهيئات والأوضاع، فلما ألزق العبد جبهته في الأرض - وهي أعلى شيء فيه - صار أقرب ما يكون من ربه. يقول ابن القيم ﵀ في كلام جميل بلسان الذلة والانكسار للتائب بين يدي الله: " فلله ما أحلى
стр. 62
قول القائل في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، أسألك مسألة المساكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه " فعندما يأتي العبد بمثل هذه الكلمات مناجياً ربه فإن الإيمان يتضاعف في قلبه أضعافاً مضاعفة.
وكذلك إظهار الافتقار إلى الله مما يقوي الإيمان والله قد أخبرنا بفقرنا إليه وحاجتنا له فقال سبحانه: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ (١)
١٣ - قصر الأمل: وهذا مهم جداً في تجديد الإيمان، يقول ابن القيم ﵀: " ومن أعظم ما فيها هذه الآية ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ (٢)
﴿كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ فهذه كل الدنيا فلا يطول الإنسان الأمل، يقول: سأعيش وسأعيش، قال بعض السلف لرجل صلّي بنا الظهر، فقال الرجل: إن صليت بكم الظهر لم أصل بكم العصر، فقال: وكأنك تؤمل أن تعيش لصلاة
стр. 63
العصر، نعوذ بالله من طول الأمل.
١٤ - التفكر في حقارة الدنيا حتى يزول التعلق بها من قلب العبد قال الله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ وقال النبي ﷺ : (إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلاً، فانظر ما يخرج من ابن آدم وإن قزحه وملحه، قد علم إلى ما يصير) (١)
وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو علماً أو متعلماً) (٢)
١٥ - ومن الأمور المجددة للإيمان في القلب: تعظيم حرمات الله ، يقول الله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ (٣)
وحرمات الله هي حقوق الله ، وقد تكون في الأشخاص وقد تكون في الأمكنة وقد تكون في الأزمنة، فمن تعظيم حرمات الله في الأشخاص القيام بحق الرسول ﷺ مثلاً، ومن تعظيم شعائر الله في الأمكنة تعظيم الحرم مثلاً، ومن تعظيم شعائر الله في الأزمنة تعظيم شهر رمضان مثلاً: ﴿ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ (٤)، ومن التعظيم لحرمات الله عدم احتقار الصغائر وقد روى عبد الله بن مسعود
стр. 64
رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ، قال: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً فأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها (١)
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: " كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها هينة وهي تقدح في الأصول، مثل إطلاق البصر في المحرمات، وكاستعارة بعض طلاب العلم جزءاً لا يردونه) وقال بعض السلف: " تسامحت بلقمة فتناولتها فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف " وهذا من تواضعه ﵀.
١٦ - ومن الأمور التي تجدد الإيمان في القلب: الولاء والبراء أي موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، وذلك أن القلب إذا تعلق بأعداء الله يضعف جداً وتذوى معاني العقيدة فيه، فإذا جرد الولاء لله فوالي عباد الله المؤمنين وناصرهم، وعادى أعداء الله ومقتهم فإنه يحيى بالإيمان.
стр. 65
١٧ - وللتواضع دور فعال في تجديد الإيمان وجلاء القلب من صدأ الكبر، لأن التواضع في الكلام والمظهر دال على تواضع القلب الله، وقد قال ﷺ : (البذاذة من الإيمان) (١)
وقال أيضاً: من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها) (٢)
وقد كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله لا يعرف من بين عبيده.
١٨ - وهناك أعمال للقلوب، مهمة في تجديد الإيمان مثل محبة الله والخوف منه ورجائه وحسن الظن به والتوكل عليه، والرضا به وبقضائه، والشكر له والصدق معه واليقين به، والثقة به سبحانه، والتوبة إليه وما سوى ذلك من الأعمال القلبية.
وهناك مقامات ينبغي على العبد الوصول إليها لاستكمال العلاج كالاستقامة والإنابة والتذكر والاعتصام بالكتاب والسنة والخشوع والزهد والورع والمراقبة وقد أفاض في هذه المقامات ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين.
١٩ - و محاسبة النفس مهمة في تجديد الإيمان يقول جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ (٣)
стр. 66
وقال عمر بن الخطاب ﵁: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا " ويقول الحسن لا تلقى المؤمن إلا وهو يحاسب نفسه، وقال ميمون بن مهران إن التقي أشد محاسبة لنفسه من شريك شحيح.
وقال ابن القيم ﵀: وهلاك النفس من إهمال محاسبتها ومن موافقتها واتباع هواها.
فلا بد أن يكون للمسلم وقت يخلو فيه بنفسه فيراجعها ويحاسبها وينظر في شأنها، وماذا قدم من الزاد ليوم المعاد.
٢٠ - وختاماً فإن دعاء الله من أقوى الأسباب التي ينبغي على العبد أن يبذلها كما قال النبي ﷺ : (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم).
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجدد الإيمان في قلوبنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.