← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36395

التوازن التربوي وأهميته لكل مسلم

مجدي الهلالي

Полный текст (45 стр.). Показаны 36–45 · переход к 41.

стр. 36

أعلم ولكن لا أستطيع: وفي حالة الاهتمام بالتربية النفسية والتعرف على النفس ومدى خطورتها على الإنسان مع إهمال التربية الإيمانية الصحيحة، فمن المتوقع أن تجد أمامك شخصا كثير النقد لنفسه، حزينًا على حاله وكيف أنه يكثر من الحديث عن نفسه وإنجازاته، لكنه لا يستطيع ترك ما يتضايق منه لأنه لا يجد القوة الدافعة لجهاد نفسه ألا وهي قوة الإيمان. عبادة الذات: أما في حالة الاهتمام بالعلم والإيمان مع عدم الانتباه للنفس، وإهمال تزكيتها، فسيكون النتاج: شخص كثير العبادة، كثير المعلومات .. سبَّاق لفعل الخير وبذل الجهد، لكنه متورم في ذاته، لا يرى نفسه إلا بعدسة مكبرة، ويرى غيره بعكس ذلك، لأن عبادته وأوراده وبذله في الغالب سيغذى إيمانه بنفسه وبقدراته وأنه أفضل من غيره، فيتمكن منه -بمرور الأيام واستمرار الإنجازات والنجاحات - داء العجب، ومن ورائه الغرور والكبر والعياذ بالله، فيعرض نفسه لمقت ربه وحبوط عمله. جاء في الأثر: قال تعالى: يا داود إني قد آليت على نفسي أن لا أثيب عبدًا من عبادي إلا عبدًا قد علمت من طلبه وإرادته وإلقاء كنفه بين يدي أنه لا غنى له عني ... وأنه لا يطمئن إلى نفسه بنظرها وفعالها إلا وكلته إليها (١) ... تفريغ الطاقة وبذل الجهد: ومع ضرورة الاهتمام بالتربية المعرفية والإيمانية والنفسية تأتي كذلك أهمية التعود على بذل الجهد في سبيل الله وفي دعوة الناس إليه، فلو لم يتحرك المسلم، ويعلم الناس ما تعلمه، ويأخذ بأيديهم لتغيير ما بأنفسهم بإذن الله فإنه سيصاب بالفتور والخمول والكسل، ولن يدرك أسرار الكثير من المعاني التي يتعلمها، وكيف لا، وهو لا يمارسها في الواقع العملي، كالبئر التي إذا ما تُركت ولم يستخدمها الناس أسِنت وغاض ماؤها وجفت. فعلى سبيل المثال: القرآن الكريم الذي يعد بمثابة المصدر الأول للعلم والإيمان وتزكية النفس لا يدرك أسراره قاعد -كما يقول سيد قطب- ولا يعلم مدلولاته إلا إنسان يؤمن به ويتحرك به (٢). ويقول: والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون، يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئًا في هذه القعدة الباردة الساكنة بعيدًا عن الحركة ... إن حقيقة القرآن لا تنكشف للقاعدين أبدًا (٣). خطورة الحركة بدون زاد: وفي المقابل، فإن الحركة وبذل الجهد في سبيل الله، إن لم يكن وراءها زاد متجدد فإن عواقب وخيمة ستلحق بصاحبها، ويكفيك في بيان هذه الخطورة قوله ﷺ : «مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للناس، وتحرق نفسها» (٤). فلابد من الأمرين معا: لابد من الزاد، ولابد من التحرك بهذا الزاد. إن العلاقة بين الزاد والحركة، كالعلاقة بين خزان المياه، وضغط المياه المتدفق من الصنبور المتصل به، فعلى حسب كمية المياه في الخزان تكون قوة تدفقها من الصنبور، فإذا نقص منسوب المياه في الخزان بشكل كبير، فإن تيار الماء ينزل ضعيفًا من الصنبور، أما إذا ما أصبح الخزان فارغا، فإن الصنبور لن يخرج (ماء)، بل سيخرج (هواءً) وهذا هو حال الداعية الذي ينسى نفسه، ولا يتزود بما يحتاجه وينفعه، فهو قد ينجح في قيامه بأعمال دعوية بين الناس، لكنها أعمال غير مؤثرة أو منتجة .. يبذل جهدا، وينفق وقتا ومالا ولكن دون أثر إيجابي يُذكر، سواء على نفسه أو الآخرين.

стр. 37

لا استثناء لأحد: لو جاز لأحد أن يترك نفسه بدون زاد، لجاز لسيد البشر محمد ﷺ ، فمع انشغاله الشديد بتبليغ دعوة ربه، نجد الخطاب الإلهي الموجه إليه: "فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ" [الشرح: ٧]، أي إذا فرغت من الجهاد، ودعوة الناس، فانصب للعبادة (١). والذي يتأمل واقعه ﷺ يجده حريصا على دوام ذكر الله، وقراءة القرآن، وقيام الليل، لدرجة أنه لم يترك القيام في سفر أو حضر كما أخبرت بذلك السيدة عائشة ﵂ (٢). ولك أن تتأكد أكثر وأكثر بضرورة عدم التهاون في التزود اليومي بالزاد النافع إذا ما قرأت هذا الحديث: عن أوس بن حذيفة الثقفي أنه كان في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ من بني مالك فأنزلهم في قبة في المسجد، قال: فكان يأتينا فيحدثنا بعد العشاء، وهو قائم حتى يراوح بين قدميه من طول القيام .. فاحتبس عنا ليلة، فقلنا: يا رسول الله لبثت عنا الليلة أكثر مما كنت تلبث! فقال: «نعم طَرَأ علىّ حزبي من القرآن، فكرهت أن أخرج من المسجد حتى أقضيه» (٣). وعلى هذا النهج كان الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا دوما يوازنون بين الزاد والحركة، ويدركون خطورة إهمال التزود؛ فهذا عبد الرحمن بن عبد القاري يقص علينا قصة عجيبة حدثت له مع عمر بن الخطاب ﵁، يقول: استأذنت على عمر بالهاجرة، فحبسني طويلا، ثم أذن لي وقال: إني كنت في قضاء وردي (٤). وإن تعجب فعجبٌ فعل الأوائل في المعارك .. فعلى الرغم من الجهد العظيم الذي يُبذل في ساحات القتال إلا أننا نجدهم يحرصون على قيام الليل، وتلاوة القرآن، والتضرع إلى الله !! ولك أن تتأكد من هذا المعنى بقراءة هذا الخبر: بعد معركة القادسية؛ والتي استمرت بضعة أيام، وانتهت بانتصار جيش المسلمين على جيش الفرس أرسل قائد الجيش سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁ رسالة يبشره فيها بالفتح، فكان مما جاء فيها: «وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان، وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم .. كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوى النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود» (٥). هكذا كانوا: وعندما ننظر إلى حال المصلحين الذين كان لهم أثر إيجابي في تاريخ الأمة، نجدهم قد حققوا التوازن بين الاهتمام بتحصيل الزاد وبين الحركة وبذل الجهد في سبيل الله. يقول القاضي ابن شداد عن القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي: وأما الصلاة، فكان ﵀ شديد المواظبة عليها، حتى إنه ذكر يوما أنه من سنين ما صلى إلا جماعة، وكان يواظب على السنن الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ من الليل، وإلا أتى بها قبل قيام الفجر، وكان ﵀ يحب سماع القرآن العظيم، وكان خاشع القلب، غزير الدمع، إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته (٦). وعندما نقرأ في رسائل الإمام المجدد حسن البنا، نجد أن هذا المعنى واضح تمام الوضوح في كلامه. يقول ﵀ في رسالة إلى أي شيء ندعو الناس:

стр. 38

إن مهمة المسلم الحق لخصها الله ﵎ في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" [الحج: ٧٧، ٧٨]. هذا كلام بيِّن لا لبس فيه ولا غموض .. يأمر الله المسلمين أن يركعوا ويسجدوا وأن يقيموا الصلاة، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا ... وتلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب عليه أن يقوم بها بنفسه في خلوة أو جماعة. ثم أمرهم بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر الدعوة وتعليمها بين الناس. وقد كشف الله عن سر هذا التكليف وحكمة هذه الفريضة، فبين لهم أنه اجتباهم واصطفاهم دون الناس ليكونوا سُوَّاس خلقه، وأمنائه على شريعته، وورثة رسول الله ﷺ في دعوته .. وتلك هي المهمة الجماعية التي ندب الله إليها المسلمين جميعا .. أن يكونوا صفا واحدًا، وكتلة وقوة، وأن يكونوا هم جيش الخلاص الذي ينقذ البشرية ويهديها سواء السبيل. ثم أوضح الحق ﵎ للناس بعد ذلك الرابطة بين التكاليف الفردية من صلاة وصوم .. بالتكاليف الاجتماعية، وأن الأولى وسيلة للثانية، وأن العقيدة الصحيحة أساسهما معا، حتى لا يكون لأناس مندوحة من القعود عن فرائضهم الفردية بحجة أنهم يعملون للمجموع، وحتى لا يكون لآخرين مندوحة عن القعود عن العمل للمجموع بحجة أنهم مشغولون بعباداتهم، مستغرقون في صلتهم بربهم. ويستطرد قائلا: أيها المسلمون .. عبادة ربكم، والجهاد في سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هي مهمتكم في الحياة، فإن أديتموها حق الأداء فأنتم الفائزون، وإن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعا فإليكم أسوق قول الله ﵎: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ" (١) [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]. بأي الجوانب نبدأ ؟! بعد أن تعرفنا على الاحتياجات التربوية الأساسية للمسلم وأهمية كل جانب منها يبقي السؤال: بأي الجوانب نبدأ؟! بلا شك أن العلم هو البداية: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" [محمد: ١٩]، فالعلم أساس العمل، ومع ذلك فليس المطلوب علما نظريا يعمق الفجوة بين القول والفعل، بل نريده علما نافعا راسخا يزيد القلب خشية وإيمانا. لذلك فعلينا الاجتهاد بتحصيل أصل العلوم وأنفعها، ألا وهو «العلم بالله »، والاجتهاد في تحويل هذه المعرفة إلى إيمان. ولأن التربية الإيمانية -بمفهومها الصحيح- تركز على معرفة الله ، وتركز كذلك على ترجمة هذه المعرفة إلى معان يرسخ مدلولها في القلب -أي أنها قد جمعت بين الخيرين- كان من المناسب البدء بجانب التربية الإيمانية.

стр. 39

من فوائد البدء بالتربية الإيمانية: هناك حلقة مفقودة بين الأقوال والأفعال، والسبب الرئيس في ذلك هو ضعف الإيمان، فعندما يهيمن الإيمان الحي على القلب فإنه يولد في ذات صاحبه باستمرار طاقة عظيمة، وقوة روحية تدفعه للقيام بالأفعال التي تناسب المواقف المختلفة .. لذلك فلو تجاوزنا البدء بالتربية الإيمانية فإن الفجوة ستزداد بين الواجب والواقع .. فعلى سبيل المثال: لو بدأنا بالتربية النفسية فإننا قد نقتنع أن بداخلنا أصنامًا ينبغي أن تزال، وأننا مصابون بداء العجب واستعظام النفس، ولكننا لن نستطيع مقاومة هذا المرض، والوقوف له بالمرصاد، لضعف القوة الروحية اللازمة لذلك. ونفس الأمر لو بدأنا بالتركيز على التربية الحركية وبذل الجهد في سبيل الله، فسيتحول الأمر بمرور الوقت إلى أداء شكلي روتيني بلا روح، وسيزحف إلى من يفعل ذلك الشعور بالفتور والوحشة وضيق الصدر، وسيفقد تأثيره على الآخرين شيئًا فشيئًا. من هنا تظهر الحاجة إلى البدء بالتربية الإيمانية بمفهومها الصحيح (١) والذي يعمل باستمرار على توليد القوة الروحية، وتنمية الدافع الذاتي، وتقوية الوازع الداخلي، وبث الروح في الأقوال والأفعال، ومن ثم يسهل على المرء بعد ذلك القيام بالأعمال المطلوبة لتحقيق أهداف التربية النفسية والحركية "إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ" [المؤمنون: ٥٧، ٦١]. * * * الرؤية التربوية بعد أن تعرفنا على الاحتياجات التربوية للفرد المسلم، وضرورة التكامل بينها، وخطورة إهمال جانب منها، يصبح من اليسير تشخيص الحالة التربوية لأي شخص. بمعنى أن المحاور التربوية الأربع السابق ذكرها يمكنها أن تُشكل المنظار الذي من خلاله يتم تقييم الفرد واحتياجاته التربوية. فعلى سبيل المثال: لو تحدث إنسان وأجاد التعبير، وجادل وناظر، وأبهر من حوله بمعلوماته الغزيرة فإن ذلك ينبغي ألا يبهر المربي الذي يريد تحديد مستواه واحتياجاته التربوية، فالعلم الغزير لا يكفي، ناهيك عن مدى قربه أو بعده من مفهوم العلم النافع، بل لابد وأن يصحبه التزام صحيح بالعبادات والمعاملات في دوائر الحركة المختلفة، مع نكران للذات وتواضع غير مصطنع، وأيضًا: جهد يبذل في سبيل الله وتبليغ دعوته. الرؤية التربوية إذن هي «المنظار» الذي من خلاله يتم تحديد جوانب النقص التربوي عند الفرد أيًّا كان موقعه أو عمره أو ثقافته، وعلى ضوء هذه الرؤية يتم تحديد احتياجاته التربوية. ضوابط لا بد منها: ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا المنظار ينبغي أن يستخدمه كل منا مع نفسه أولا، وأن يوجهه إلى ذاته ليرى جوانب نقصه، ويحدد احتياجاته. وفي المقابل عليه ألا يوجهه إلى الآخرين طالما أنه لا يقوم على أمر تربيتهم، فليس المطلوب منا تقييم من حولنا طالما لا يوجد مبرر شرعي لذلك. ولنتذكر أن من أعظم شهوات النفس الخفية الكلام عن الآخرين، وتقييم مواقفهم، وتجريحهم لأنها حينئذ تشعر بتميُّزها عليهم، ومما يجعلها تستصغر أي نقص لديها، وشيئًا فشيئًا يتعود المرء على ذلك حتى يتحقق فيه قوله ﷺ : «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» (٢).

стр. 40

أما المربي الذي يتولى أمر تربية غيره كالأب مع أبنائه، فله أن يستخدم هذا المنظار معهم، ويحدد من خلاله احتياجاتهم التربوية، بعد أن يكون قد وجهه إلى نفسه أولا، واجتهد في استكمال ما ينقصه، حتى لا تكون هذه الرؤية فتنة له ... يقول ابن عطاء: من اطلع على أسرار العباد، ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنه عليه، وسببا لجر الوبال إليه. جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى عيسى ﵇: أن يا عيسى عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني. * * * استمرارية التربية كان هناك شخص حريص على تنمية ذاته ... كثير القراءة والاطلاع ... واسع المعرفة، منضبطا في التزامه بأوامر الشرع، مسارعا في الخيرات، له جهد يبذله في دعوة الناس إلى الله، وكان حديثه شيقًا مؤثرًا يحمل دوما الجديد والجديد. واستمر على ذلك الحال سنوات طويلة، ثم بدا له أن ينتقل من عمله الذي يعمل فيه ساعات قليلة إلى عمل آخر يحقق من خلاله طموحه الوظيفي الدنيوي، وكانت ضريبة هذا الانتقال استهلاك هذا العمل لأغلب وقته، لينعكس ذلك على حياته والتزامه وجهده الدعوى، فالوقت مستهلك، والجسد منهك، ومن ثم لا يكاد يجد وقتا يمد فيه عقله بالعلم النافع، ولا قلبه بالإيمان، ولا نفسه بالترويض والجهاد، فكانت النتيجة أن تغير حاله بالسلب، وأصبح جهده في الدعوة قليل، وأثره ضعيف، إن تكلم في الدعوة فكلامه مكرر يفتقد الحماس والروح ... تغيرت اهتماماته، وطموحاته لتتجه أكثر وأكثر نحو الأرض والطين. هذه الحالة التي تزداد نسبة وجودها يوما بعد يوم تدفعنا للحديث عن ضرورة استمرارية التربية. إلى متي التربية ؟! يقول الأستاذ محمد قطب: «التربية لا تنقطع ولا تتوقف عند فترة معنية، ولا ينصرف الناس عنها إلى أمر آخر، لأن الأمر الذي استوجبها دائم لا ينقطع ولا يتوقف» (١). فطالما أن الإنسان حي فهو بحاجة إلى تغذية مستمرة لمكوناته الأربع؛ فالتوجيه الإلهي بعبادة الله حتى الموت "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" [الحجر: ٩٩]، يستلزم استمرار التعاهد والإنماء ودفع المضار عن المكونات الأربع حتى تتحقق العبودية الحقة لله وتستمر حتى الممات .. تأمل قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا" [النساء: ١٣٦]، (أي حافظوا على إيمانكم، استمروا فيه، لا تغفلوا عنه .. لا تفتروا عن المحافظة عليه .. لا تفتروا عن معاهدته ورعايته وتغذيته وتقويته والحرص عليه) (٢). ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ : «إن الإيمان يخلق في القلوب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم» (٣). يقول د. عبد الستار فتح الله في تعليقه على هذا الحديث: والحديث من جوامع الكلم، وهو على إيجازه يشتمل على حقيقة نفسية مؤكدة، وعلى تشبيه يجعلها كالمحسوس، وعلى أمر صريح بتجديد الإيمان. انظر إلى ثيابك -مثلا- كم يُبذل فيها غسلا، وإصلاحا، ومحافظة، ورتقا، ثم تجديدًا شاملاً إذا بليت، وهذا يتكرر مع الساعات والأيام، والشهور والأعوام، ولا يمل منه أحد. ولا شك أن (الإيمان) أولى وأجدى وأبقى، فينبغي أن تتعهده ليظل على إشراقه في القلوب (٤).

стр. 41

(إن القلب البشري سريع التقلب، سريع النسيان، وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور ... فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكر، تبلد وقسا، وانطمست إشراقته، وأظلم وأعتم، فلابد من تذكير هذا القلب .. ولابد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد والقساوة) (١). عتاب للصفوة: لعل في عتاب الله للصحابة ما يجعلنا نجتهد دوما في الإمداد التربوي المستمر لذواتنا .. هذا العتاب نجده في قوله تعالى: +أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ" [الحديد: ١٦]. وقد روي أن المؤمنين كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه من الخشوع، فنزلت الآية. وعن ابن مسعود ﵁: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، والآية مدنية بالإجماع، ولعل المقصود (هجرتنا) بدل (إسلامنا) كما يقول د. عبد الستار فتح الله، وذلك للجمع بينها وبين الرواية التالية: عن ابن عباس ﵄: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن الكريم (٢). فمهما تقدم عمر المرء، ومهما ارتقى في سلم المسئولية فلابد له من الاستمرار في التربية حتى يستمر قيامه بحقوق العبودية لله ، وأن تشمل هذه التربية المكونات الأربع السابق ذكرها. لماذا لا تظهر ثمرة التربية ؟! ثمرة التربية هي ظهور المسلم الصالح المصلح، أو بعبارة أخرى: ظهور المسلم العالم بربه، الفاهم لدينه، العارف بزمانه الذي تتمثل فيه معاني الإسلام بصورة صحيحة من إخلاص لله، وإحسان في عبادته، وتضحية من أجله، وعمل دائب في سبيله، وصبر وثبات على طريقه، وأخوة صادقة مع إخوانه المسلمين .. ويصبغ هذا كله بصبغة التواضع ونكران الذات. هذا الثمرة ينبغي أن تكون نتاج الجهد الذاتي الذي يبذله الفرد مع نفسه، ويبذله معه المربون (كالأبوين وغيرهما) على مسار حياته. ولكن الواقع لا يقول ذلك، فعلى الرغم من الجهد الكبير الذي يُبذل في مجال التربية إلا أن الشكوى متكررة من عدم ظهور الثمرة المرجوة من هذا الجهد. ولأن التربية هي الطريق الصحيح للتغيير ومن ثم إصلاح الفرد والأمة، فلا مناص من التفكير العميق الجاد في هذه الشكوى والبحث عن الأسباب الحقيقية لعدم ظهور الثمرة ولعل الصفحات السابقة قد ألقت الضوء على بعض هذه الأسباب، إلا أن هناك أسبابًا أخرى تسهم -إلى حد كبير- في عدم ظهور ثمرة التربية، منها: عدم وجود الاستعداد الكافي لدي الفرد للتربية والتغيير. ومنها كذلك اكتمال ملء الفراغات التكوينية الرئيسة في شخصيته -سواء كان ذلك بطريقة صحيحة أو خاطئة- مما يحول بينه وبين حسن التلقي لأي جديد، ومن ثم التغيير. السن الصغيرة والاستعداد الكبير: من أهم عناصر نجاح العملية التربوية: وجود الاستعداد للتلقي والتوجيه والتغيير لدي الفرد. هذا الاستعداد يكون كبيرًا في الصغر، ويتناقص بمرور الأيام والشهور والسنين. وتحليل ذلك أن الطفل بعد ولادته يبدأ شيئًا فشيئًا في تحسس خطواته في الدنيا فيفاجأ أنه يحتاج إلى الكثير والكثير كي يستطيع التعامل مع الموجودات المختلفة.

стр. 42

ينظر لمن حوله فيجدهم يحسنون التعامل مع كل شيء .. مع الماء، مع النار، مع الأبواب والنوافذ، مع التلفاز والأجهزة المختلفة، بينما لا يستطيع هو أن يفعل مثلهم، لذلك ينظر إليهم نظرة إجلال وإكبار، ويضعهم في مقام الأستاذية والتوجيه، فيسلم لهم قياده، ويُملِّكهم من ذاته بالكلية ليمدوه بخبراتهم وما تعلموه في الحياة، وما يعتقدونه من مفاهيم وأفكار سواء كانت صحيحة أم خاطئة -وفي الغالب تكون أول جهة لذلك التوجيه هي الأبوان اللذان تتفتح عيناه في الدنيا فيجدهما أمامه. فالابن في السن الصغيرة ينظر إلى أبويه نظرة استعظام، لما يراه منهما من قدرة على التعامل مع الأشياء ولأنهما أيضا مصدر شعوره بالراحة والأمان والشبع، لذلك فهو يتأثر بهما تأثرًا بالغا، ويأخذ منهما كل ما يمكن أخذه في هذه السن .. وفي هذا المعنى يقول ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١). فعلى سبيل المثال: الطفل الذي يولد في الصين يولد وهو لا يعرف الصينية لكنه يجد أبويه ينطقان بأصوات لا يعرفها، وتؤدي هذه الأصوات إلى حدوث التفاهم بينهما، وقيام كل منهما بأفعال نتيجة سماعه لها، فهو يسمع أمه تقول شيئًا فيحضر أبوه شرابا (الماء)، ويسمعها تقول شيئًا آخر فيحضر طعامًا، وهكذا، فيؤدي ذلك إلى زيادة شغفه لتعلم هذه الأصوات، فينصت لهما، ويتعلم منهما ليكتسب بمرور الوقت القدرة على الفهم والنطق والتعامل باللغة الصينية. هذا الطفل لو ولد في الهند لتعلم الهندية، ولو ولد في مصر لتعلم العربية، فالابن يعتبر أبويه هما عالمه ومصدر توجيهه، لذلك يستسلم لهما، ويأخذ منهما كل ما يمكن أخذه من أقوال وأعمال وردود أفعال، وتعامل مع الأشياء مهما كانت نوعية هذه الأمور. وكلما كبر سن هذا الطفل قل احتياجه للآخرين وقلَّ كذلك استعداده للتلقي منهم، وتبدلت نظرته لغيره من نظرة انبهار بما عندهم إلى نظرة عادية، فقد أصبح يمتلك رصيدًا لا بأس به من المعرفة والتجارب والمعتقدات تمكنه من السير في الحياة والتعامل مع مستجداتها. فإذا ما قلَّ احتياجه للآخرين قلت رغبته في التلقي منهم، وهذا لا يحدث في يوم وليلة بل يتناقص شعوره بالاحتياج للآخرين تدريجيًا بعد مرور سنوات عمره الأولى .. هذا التناقص يعكس تقلص مساحة الفراغات الموجودة في شخصيته. اليقين الراسخ وصعوبة تغييره: والسبب الآخر لعدم ظهور ثمرة التربية بصورة مُرضِية هو رسوخ بعض المفاهيم والمعتقدات داخل الإنسان سواء كانت صحيحة أو خاطئة .. هذا الرسوخ يزداد عمقا كلما تقدم العمر، ومن ثم فإن تغييره يصبح أمرًا عسيرا. ولئن كانت التربية الإسلامية هي إحداث أثر «إيجابي» دائم في ذات الإنسان، فإن هذا الأثر الدائم تزداد صعوبة إحداثه كلما تقدم العمر وذلك لرسوخه وتأصله. هذا الرسوخ يزداد عمقا وتجذرا بمرور السنين، ويصبح كالجبال الرواسي. فلو فرضنا أن هناك شخصًا متواضعًا يقبل النصح من الآخرين، ويعطي لهم سمعه، وبصره، ولديه استعداد جيد للتلقي من غيره فإن هذا لا يكفي في عملية التغيير الجذري؛ لأنه مهما بلغت قوة تأثير الآخرين عليه إلا أنها لا تصل للحد الذي يؤدي إلى إحداث التغيير وزلزلة ما رسخ لديه وأصبح كالجبال الرواسي. نعم، قد يتأثر بما يسمع أو يقرأ، لكنه في الغالب سيكون تأثرًا لحظيًا وسرعان ما يعود لسابق حاله الذي يعكس ما رسخ لديه من مفاهيم ومعتقدات وتصورات. وهذا مما يفسر لنا عدم ظهور ثمرة التربية.

стр. 43

هل نترك التربية ؟! هذا الحديث عن أسباب عدم ظهور ثمرة التربية بصورة صحيحة ليس معناه ترك التربية، فالتربية أمر لا بديل عنه إن أردنا تغيير ما بأنفسنا وإصلاح حال الأمة، ولكن معناه البحث والتركيز على وسائل ذات أثر بالغ في القوة، لكي نتمكن بعون الله من التأثير في الثوابت الخاطئة التي تربينا عليها منذ الصغر، وزلزلتها، وإبدالها بالمعتقدات والمفاهيم الصحيحة (١).

стр. 44

ومعناه كذلك الاهتمام الشديد بتنشئة الأطفال تنشئة صحيحة قدر المستطاع حتى يستقيم عودهم منذ البداية. الخطوة الأولى ... عزم وتوكل لو أن صاحب شركة من الشركات قد أيقظه رنين الهاتف في منتصف الليل، وأخبره المتصل بأنه قد حدث حريق في الشركة .. ماذا تتوقع أن يكون رد فعله؟ هل سيقول في نفسه: سأذهب لأطمئن على الوضع في الصباح ثم يستكمل نومه؟ بالتأكيد سيفزع ويشعر بالخطر الشديد، ويسارع إلى الشركة باذلا غاية جهده في محاولة تقليل الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فالشعور بالخطر هو الذي يحرك العزائم، ويستنفر الطاقات المخزونة في ذات الإنسان؛ ولقد أكد هذا المعنى قوله ﷺ : «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل» (١). من هنا نقول بأن استشعار خطر ترك التربية الصحيحة المتكاملة المؤثرة للفرد والأمة هو البداية الصحيحة لتدارك ما فات، واستكمال ما نَقُص، ولعل ما قيل في الصفحات السابقة يكون سببًا -بإذن الله- لإشعارنا بالقلق والخطر وبحاجتنا إلى التربية، ويدفعنا لاستكمال ما ينقصنا، ويجعلنا دوما في حالة من التوقد والإيجابية. الإمداد على قدر الاستعداد: قبل أن نبدأ رحلة استكمال ما ينقصنا، علينا أن نتذكر حقيقة مهمة وهي أن الله هو الذي يزكي ويربي، فهو سبحانه: "خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" [الزمر: ٦٢]. وأمر صلاحنا وفلاحنا في خزائنه "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ" [الحجر: ٢١]. ولقد جعل سبحانه أهم سبب لإمداد الإنسان بما يصلحه هو: وجود الرغبة الأكيدة لديه، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» (٢). فالحديث يؤكد على أن الهداية من عند الله، وأنه سبحانه يمنحها من يسألها ويريدها، ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: "وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [النور: ٢١]. فالله هو الذي يُزكي .. هذه هي الحقيقة، ولكن يُزكي من؟! يزكي من يراه مستعدا ومريدًا للتزكية، ولهذا ختمت الآية بقوله: (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). فالإمداد بحسب الاستعداد، وعلى قدر الصدق في طلب الشيء يكون المدد من الله ، كما قال ﷺ : «إن تصدق الله يصدقك» (٣). فمن يرد الخير بصدق يدله الله عليه ويمنحه إياه «ومن يتحر الخير يعطه ومن يتق الشر يوقه» (٤). ومن يصدق عزمه في طلب العفة يعفه الله «ومن يستعفف يعفه الله» (٥). ومن يصدق عزمه في طلب العلم يعلمه الله «إنما العلم بالتعلم».

стр. 45

العزيمة على الرشد: فالخطوة الأولى -إذن- في طريق استكمال نواقصنا التربوية هي الصدق في طلب ذلك، والعزم الأكيد على تزكية عقولنا وقلوبنا وأنفسنا وجهدنا، وأن نكون ممن عناهم الله بقوله: "فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ" [المائدة: ٥٤]، فعلي قدر العزم يكون المدد: "فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ" [محمد: ٢١]، فالخير كله -كما يقول ابن رجب- منوط بالعزيمة الصادقة على الرشد، وهي الحملة الأولى التي تهزم جيوش الباطل، وتوجب الغلبة لجنود الحق. قال أبو حازم: إذا عزم العبد على ترك الآثام، أتته الفتوح. وسُئل بعض السلف: متى ترتحل الدنيا من القلب؟ قال: إذا وقعت العزيمة ترحلت الدنيا من القلب، ودرج القلب في ملكوت السماء، وإذا لم تقع العزيمة اضطرب القلب ورجع إلى الدنيا. ويستطرد ابن رجب قائلا: مَن صدق العزيمة يئس منه الشيطان، ومتى كان العبد مترددا طمع فيه الشيطان، وسُّوَّفه ومناه. يا هذا: كلما رآك الشيطان قد خرجت من مجالس الذكر كما دخلت، وأنت غير عازم على الرشد فرح بك إبليس (١). فعون الله للعبد على قدر قوة عزيمته وضعفها، فمن صمم على إرادة الخير أعانه الله وثبته (٢). فالبداية-إذن- عزم أكيد ثم الاستعانة الصادقة بالله في تحقيق هذا العزم: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ" [آل عمران: ١٥٩]. ولنعلم جميعًا أن الله وحده هو الذي يملك إمدادنا بما عزمنا عليه، وأنه سبحانه يريد أن يرى منا صدقنا فيما نعزم، وأهم صورة لإظهار هذا الصدق هو الإلحاح عليه، والتضرع بين يديه .. تضرُّع واستغاثة تشبه استغاثة الغريق الذي يستغيث بمن حوله ليسارعوا في إنقاذه. يقول ﷺ : «إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزم المسألة، وليُعظم الرغبة، فإن الله لا يعظم عليه شيء أعطاه» (٣). اعزم وتوكل وانطلق: وبعد صدق العزم والتوكل على الله علينا أن نشرع في استكمال ما ينقصنا من جوانب التربية المختلفة، وإن كان من الأفضل أن نبدأ بالتربية الإيمانية كما أسلفنا ونتبعها بعد ذلك بالجوانب الأخرى حتى يتحقق التوازن التربوي بعون الله. ولعل من أهم الأسباب التي تعين المرء على الاستمرار في تربية نفسه وبذل جهده في سبيل الله هو وجوده في وسط صالح، وصحبة طيبة، إذا نسي ذكروه، وإذا عزم أعانوه، وإذا غاب تفقدوه "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" [الكهف: ٢٨]. وفي النهاية نسأل الله أن يتقبل منا ما وفقنا إليه، وأن يعيننا جميعًا على استكمال ما ينقصنا لكي نكون عبيدًا مخلصين له غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.