- المعاملة بقدر المعرفة:
فإن قلت: وكيف يمكن للعبد أن يعامل ربه بهذه المعاملات، وأن يستمر على ذلك طيلة حياته؟! كانت الإجابة بأنه من الأمور المعروفة بين الناس أنه على قدر معرفة الشخص بشخص آخر تكون درجة معاملته له، فلو قُدِّر لإنسان ما أن يجلس بجوار آخر في قطار مسافر إلى بلدة بعيدة، وبدأ الحديث بين الشخصين .. في بداية الحديث يكون الكلام بينهما فيه الكثير من التحفظ، ومع استمرار التعارف وتجاذب أطراف الحديث يزول التكلف وتتحسن درجة المعاملة كل منهما للآخر .. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه لو اكتشف أحدهما أن الآخر صاحب منصب مرموق فإن نظرته له ستختلف عما كانت عليه في البداية وسينعكس ذلك - بلا شك - على طريقة تعامله معه.
- الجهل بالله:
فإذا ما نظرنا إلى معاملتنا وعلاقتنا بالله فسنجدها معاملة جافة، وعلاقة محدودة .. فالذي يحكمها ويؤثر فيها هو درجة معرفتنا به سبحانه، فلو يعلم الناس قدر ربهم لخافوه ولاستقاموا على أمره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنعام:٩١).
وكلما ازداد جهل العباد بالله ازداد تصورهم الخاطئ عنه - سبحانه - وانكعس ذلك على شكل التعامل بينهم وبينه.
انظر - مثلًا - لقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:١٤٢).
فلقد سمى القرآن هؤلاء الذين يسألون هذا السؤال بالسفهاء الجهلة لأنهم لا يعرفون الله، ولا يعرفون أن له ملك السموات والأرض، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
ومثال ذلك أيضًا: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ? حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ? وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (فصلت:١٩ - ٢٣).
فظن هؤلاء المحدود والقاصر عن الله جعلهم يبتعدون عن صراطه المستقيم، مما أوردهم النار والعياذ بالله.
- مع موسى ﵇:
تأمل معي هذا الموقف الذي حدث لموسى ﵇: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف:١٤٣).
في هذا الموقف طلب موسى ﵇ من ربه رؤيته، فأخبره الله بأنه لا يستطيع أن يراه وأقام له الدليل على ذلك بأنه لو تجلى سبحانه للجبل واستقر ذلك الجبل مكانه ولم يحدث له شيء فسوف يستطيع أن يراه ... ثم تجلى الله للجبل فدكَّ الجبل وتحطم. فماذا حدث لموسى ﵇؟!
стр. 37
صُعق مما رآه من منظر رهيب، ثم أفاق " وقد ازدادت " معرفته بعظمة ربه وجلاله فانعكست تلك المعرفة على كلامه ومعاملته لربه، فلما آفاق قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
لقد تاب موسى ﵇ إلى الله من تقصيره في حقه سبحانه، وحق تعظيمه وإجلاله وتقديسه، ومن طلب لرؤيته ... هذه التوبة كانت نتيجة المعرفة التي ازدادات لديه بعد ما رأى آثار عظمة الله جلاله.
إذن فمعاملة الله بالإخلاص، والحب، والخوف، والمهابة، والتعظيم، والتقوى، والاستسلام .. كل ذلك نتاج قوة المعرفة به سبحانه.
معنى ذلك أن أول محور ينبغي أن تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين هو معرفة الله .
- المعرفة المطلوبة:
نعم، المعاملة على قدر المعرفة، ولكن المعرفة المطلوب وجودها لكي تُحدث تغييرًا في المعاملة مع الله لابد وأن تكون معرفة قوية وراسخة وعميقة ومستمرة ..
المطلوب معرفة بالله ، تتمكن من يقين الإنسان وعقله الباطن، وتؤثر في مشاعره، وتشكل جزءًا أصيلًا من إيمانه.
- المعرفة والإيمان:
كما نعلم أن المصدر الموجه لأفعال الإنسان هو القلب، وأن القلب هو مجمع المشاعر من حب وكره، ورغبة ورهبة، وفرح وسرور، و ...
هذه المشاعر يتجاذبها طرفان: إيمان وهوى .. إيمان بما في العقل من حقائق، وهوى بما تميل إليه النفس وتريده ..
وعلى قدر قوة أحدهما وقت اتخاذ القرار يكون الفعل من نصيبه، قال ﷺ : (لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن) (١).
فلحظات الزنى والسرقة وشرب الخمر عكست انتصار الهوى على الإيمان.
معنى ذلك أنه لابد من زيادة الإيمان بالله في القلب ليثمر ذلك أعمالًا صالحة بالجوارح.
وزيادة الإيمان بالله تعني زيادة اتجاه المشاعر إليه سبحانه، أي زيادة اتجاه الحب والخشية والمهابة و ... .
وكلما تغيرت المشاعر واتجهت إلى الله تحسنت معاملة العبد القلبية لربه، ومن ثم انعكس ذلك بسهولة على جوارحه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢).
وقال ﷺ : (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك) (٢).
فعلى قدر الخشية يكون ترك المعاصي .. هذه الخشية ما هي إلا معاملة قلبية من العبد لربه تزيد وتنقص بحسب قوة المعرفة بالله .
- الفكر والعاطفة:
لكي تؤثر المعرفة بالله في المشاعر وتصبح جزءًا من إيمان الفرد، لابد وأن تكون عميقة ومؤثرة .. تخاطب الفكر والعاطفة، وأن تكون كذلك متواصلة لتستمر المشاعر في التوجه إلى الله .
إذن فالإيمان بالله يعني: معرفة بالله تؤثر في المشاعر مما يجعل القلب يتجه بهذا الجزء من المشاعر إلى الله .
أما زيادة الإيمان فتعني زيادة اتجاه المشاعر إليه سبحانه، واستكمال الإيمان يعني اتجاه المشاعر بالكلية إلى الله ، قال ﷺ : (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان).
من هنا تظهر قيمة حضور العقل والقلب معًا في الأعمال الصالحة التي يقوم بها العبد لكي يزداد إيمانه، وأنه على قدر تحرك المشاعر القلبية مع الطاعة تكون زيادة الإيمان الناتج عنها.
стр. 38
معنى ذلك أن الطاعة التي تزيد الإيمان هي الطاعة التي يتحرك معها القلب، وإلا فمهما أدى العبد من طاعات كثيرة بجوارحه دون أن يتحرك قلبه معها كان الأثر الناتج عنها ضعيفًا في زيادة الإيمان، ومن ثم لا يصبح لها تأثير إيجابي على سلوك صاحبها.
وخلاصة القول أن المحور الأول الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين هو معرفة الله ... هذه المعرفة لابد وأن تكون عميقة وراسخة يزداد بها الإيمان وتتأثر بها المشاعر، فتتوجه إلى الله، ومن ثم تتحسن المعاملة القلبية معه سبحانه، مما يثمر أعمالًا ومظاهر تعكس تحسن هذه المعاملة.
- معرفة النفس:
وكما أن قاعدة " المعاملة على قدر المعرفة " تنطبق على علاقتنا بالله وطريقة معاملتنا له سبحانه، فإنها كذلك تنطبق على نظرتنا لأنفسنا، وأسلوب التعامل معها، فالملاحظ على البعض أنه يتعامل مع نفسه بالإعجاب والرضا، ويستشعر علوها وتميزها على الآخرين .. هذه المعاملة الخاطئة مع النفس تنطلق من الجهل بحقيقتها .. فلو عرف الواحد منا حقيقة أصله، ومدى ضعفه، وإحتياجه لربه، وشدة فقره إليه .. ولو عرف هذا كله معرفة تترسخ في يقينه وتتشابك مع إيمانه لاشتد حذره من نفسه، وخوفه منها، واشتد شعوره بالاحتياج إلى الله ..
معنى ذلك أن معرفة النفس معرفة حقيقية سيؤدي إلى مزيد من الإخلاص لله والتوكل الصادق عليه، وسيثمر كذلك صفة التواضع، فأصل التواضع هو استصغار العبد لنفسه، ورؤيتها بعين النقص، ورؤية غيره أفضل منه ..
ومن هنا يتضح لنا أن معرفة النفس هي المحور الثاني الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين .. هذا المحور بلا شك له ارتباط وثيق بمحور معرفة الله ، فكلما ازداد العبد معرفة بربه صغرت نفسه عنده، وكلما نسى ربه ازداد نسيانه لخطورة نفسه عليه، ومن ثم ازداد ركونه إليها، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (الحشر:١٩).
- معرفة الدنيا:
ما الذي يجعلنا نطمع في الدنيا، ونكثر من التفكير في مستقبلنا؟!
ما سبب لهفتنا على المال، والفرح بزيادته، والحزن على نقصانه؟
ما الذي يجعلنا نمد أعيننا إلى من فضلوا علينا في الرزق، ونتمنى أن نكون مثلهم؟
إنه الجهل بالدنيا وحقيقتها وكونها مجرد محطة لنستريح فيها استراحة المسافر، وأنها مرحلة من مراحل رحلة العودة إلى الله.
إنه كذلك الجهل بطبيعتها وحقيقة زينتها وزيفها.
هذا الجهل جعلنا نتعامل معها بطريقة خاطئة، فبدلًا من مجافاتها، وعدم الركون إليها، أحببناها وحرصنا عليها.
تخيل أن أحدًا من الناس قد دعاك أنت وأسرتك لقضاء العطلة الصيفية في بلدته، عزمت على السفر ولكنك أردت بعض المعلومات عن هذه البلدة، فبحثت عنها وسألت العارفين بها فوجدت أن طقسها في الصيف حار جدًا، والكهرباء تنقطع عنها باستمرار، وأمراض الصيف تنتشر فيها بكثرة، ونسبة الرطوبة عالية جدًا، واللصوص وقطاع الطرق يملأون طرقاتها، ... فماذا سيكون رد فعلك بعد سماع هذه الأخبار؟!
هل ستسافر إلى هذه البلدة أم ستنصرف رغبتك عنها؟! بلا شك أنك ستزهد في الذهاب إليها، وستنصرف عنها رغبتك بالكلية نتيجة معرفتك بحقيقتها.
وكذلك الدنيا، فالسبب الرئيسي لتعلقنا بها ناتج عن جهلنا بحقيقتها ..
نعم، نسمع عن بعض صفاتها بين الحين والحين فنتمنى الزهد فيها ولكننا لا نستطيع، لأن المعرفة لابد أن تكون عميقة وراسخة تدخل في يقين الإنسان وتؤثر في إيمانه حتى يكون لها مردود إيجابي ومستمر في تعامله معها بالزهد فيها والعزوف عنها.
стр. 39
إذن فمعرفة الدنيا هي المحور الثالث الذي تنطلق منها صفات الجيل الموعود، وبخاصة صفة الزهد وما شابهها من صفات.
- الإيمان بالآخرة:
وعلى عكس تعاملنا مع الدنيا نتعامل مع الآخرة، فعلى الرغم من كون الآخرة هي دار القرار وأن في الجنة من صور النعيم ما لا يمكن أن يدركه العقل البشري المحدود، وأن في النار من صور العذاب ما لا يتحمله بشر إلا أننا لا نتعامل مع هذه الحقيقة كما ينبغي، فلا ترانا مشمرين للجنة، بل زاهدين فيها وفي كل ما يقرب إليها، ولا ترانا كذلك خائفين وجلين من النار، أو عاملين على الهروب منها، وهذا بلا شك ناتج عن الجهل بحقيقتهما.
إن وضوح الرؤية بالنسبة للجنة وعدم غياب حقيقتها عن ذهن المسلم له دور كبير في التشمير لها، فينعكس ذلك على تصرفاته، من المسارعة في الخيرات، والإكثار من العبادة، والجهاد في سبيل الله، والصبر على مشاق الطريق.
معنى ذلك أن معرفة الآخرة والإيمان بها يشكل المحور الرابع، الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين.
- المعارف الأربعة:
إذن فهناك أربعة معارف تشكل المنطلقات الأساسية لأغلب صفات جيل التمكين، هذه المعارف هي: معرفة الله ، ومعرفة النفس، ومعرفة الدنيا، ومعرفة الآخرة، مع الأخذ في الاعتبار بأن المعرفة المطلوبة ينبغي أن تكون معرفة عميقة راسخة في يقين الإنسان وعقله الباطن، تؤثر في مشاعره لتصبح جزءًا أصيلًا من إيمانه يدفعه للتعامل الصحيح مع الله، ومع النفس، ومع الدنيا، ومع الآخرة، مما يثمر إخلاصًا لله ، وحبًا له، وخوفًا منه، وإكثارًا من عبادته، وتواضعًا، وزهدًا في الدنيا، وجهادًا، وتضحية، وصبرًا وثباتًا، وطاعة، وتجردًا، وتوكلًا على الله .
- الحكمة ثمرة الفهم:
أما صفة الاعتدال والتوازن وهي الصفة العاشرة فهي ثمرة للفهم الصحيح للدين وشموله، ومراتب أحكامه، وهي ثمرة كذلك لمعرفة فقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه الواقع، وفقه المقاصد، وفقه الخلاف، مع الأخذ في الاعتبار أهمية هذا المحور -محور الفهم- كضابط يمنع جنوح الأعمال التي قد تدفع إليها قوة الإيمان بالله واليوم الآخر، وقوة الحذر من الدنيا والنفس.
فمن المتوقع أن هذه المعارف الأربعة عندما تتمكن من العبد فإن من شأنها أن تدفعه إلى ترك الدنيا أو التشديد على النفس ومنعها من بعض حظوظها المباحة، وقد تدفعه إلى التشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه، والترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه.
ومن هنا كانت الحكمة والاعتدال والتوازن والوسطية ثمرات طيبة للفهم الصحيح للدين.
معنى ذلك أن الفهم الصحيح للإسلام هو المحور الخامس الذي تنطلق منه صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين.
- الأخوة:
تبقي صفة الأخوة والترابط وموالاة المؤمنين .. هذه الصفة ماهي إلا ثمرة من ثمرات الإيمان بالله ، ولازمة من لوازمه، وكلما تمكن الإيمان بالله في القلب ازداد الحب في الله ..
تأمل معي حال الأنصار عندما تمكن الإيمان من قلوبهم حتى وصلوا إلى الدرجة التي قال عنها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (الحشر:٩).
فكأنهم دخلوا بكليتهم في الإيمان، فاختلط بلحومهم، ودمائهم فضلًا عن تمكنه من قلوبهم.
هذا المستوى العجيب من الإيمان ماذا أثمر؟
أثمر حبًا في الله تجاه المهاجرين ظهرت آثاره بأفعال لم يعهدها البشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:٩).
стр. 40
والعجيب أنهم فعلوا ذلك كله عن فقر وحاجة لا غنى ويسر.
- وسائل تكوين المحاور:
تبين لنا مما سبق أن صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين ماهي إلا ثمار طبيعية لمعارف خمسة وهي: معرفة الله، ومعرفة النفس، ومعرفة الدنيا، ومعرفة الآخرة، ومعرفة أصول الفهم الصحيح للدين.
هذه المعارف لابد وأن تترسخ في يقين المسلم وتؤثر في مشاعره وتجتذب إيمانه، حتى تثمر الصفات التي يريدها الله من عباده بصورة تلقائية ومستمرة.
فإن كان الأمر كذلك، يبقي السؤال: كيف يمكننا تكوين هذه المعارف وبالصورة المطلوبة؟ حول الإجابة عن هذا السؤال يدور الحديث في الصفحات المقبلة.
كيف نتعرف على الله ؟!
معرفة الله هي أهم محور من المحاور الخمسة اللازمة لتكوين الجيل الموعود، وعلى قدر تلك المعرفة تكون الثمار الطيبة والصفات الحميدة التي نسعى جميعًا إلى التحلي بها، ولم لا والإخلاص والحب والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة و .. كل هذه ثمار مباركة للمعرفة العميقة بالله .. وفي المقابل فضعف تلك المعرفة يخلف العديد من الآثار السلبية على العبد فتراه خائفًا من المخلوقين، قلقًا على رزقه، مستعينًا بغيره من البشر في قضاء حوائجه، مرتكبًا للكثير من المعاصي ..
- العلم الحقيقي:
من هنا كان العلم النافع الحقيقي الذي ينبغي أن يشمر إليه ويبدأ به طلبة العلم بصفة خاصة وجميع المسلمين بصفة عامة هو العلم بالله ، فمن خلال هذا العلم تتحسن معاملة العبد لربه فيخشاه ويتقيه ويحذره ويتوكل عليه ويرجوه و ... ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر:٢٨).
وعلى قدر هذه المعاملات القلبية وقوتها يكون قرب العبد من ربه: ﴿أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:١٣).
من هنا فُضِّل العلم بالله على غيره .. وبعد العلم بالله يأتي العلم بأحكامه ليثمر ذلك قيام العبد بأوامره سبحانه على الوجه الذي شرعه.
- كيف نعرف الله ؟!
الله أخبرنا بأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١).
وأنه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (الأنعام:١٠٣).
وأنه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (طه:١١٠).
- فكيف لنا أن نعرفه ؟
نعم، لا يعرف الله إلا الله، ولا يستطيع أحد من المخلوقات أن يعرفه سبحانه حق المعرفة، ومع ذلك فلقد أتاح الله لنا جزءًا من المعلومات عنه من خلال ما أخبرنا به من أسماء حسنى سمى بها نفسه - سبحانه - وأودع آثارها ومظاهرها في كونه ومخلوقاته، فالله أخبرنا أنه رحيم، وأظهر لنا الكثير من الآثار التي تدل على صفة الرحمة من نزول المطر، وقبول التوبة، والحلم على العصاة، ومن شريعته التي شرعها لعباده وما فيها من دلائل الرحمة، وهكذا.
وأخبرنا أيضًا أنه قهار، ومن آثار صفة القهر التي أظهرها في مخلوقاته: نوع المولود، وشكله، ولونه، ... ومنها النوم، والمرض، والنسيان.
إذن فالطريق إلى معرفة الله يبدأ برؤية آثار أسمائه وصفاته، وكلما ازدادت المعرفة به سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق:١٢).
- آيات الله:
ما من مخلوق خلقه الله إلا ويحمل رسالة تعريف به سبحانه إلى البشر، وما علينا إلا أن نحسن قراءة تلك الرسائل لتزداد معرفتنا بربنا ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (الأعراف:١٨٥).
стр. 41
من هنا ندرك أهمية عبادة التفكر وقيمتها العظمى في تعريف العبد بربه وما تؤدي إليه من حسن تعامله معه. تأمل معي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ? الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:١٩٠، ١٩١).
فعندما تفكر هؤلاء المؤمنون - الذين ذكرتهم الآية - في المخلوقات وما تحمل من آيات ودلائل وعِبَر أثمر هذا التفكر بالله : ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وأثمرت هذه المعرفة تنزيهًا وخشية له ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
إذن فطريق المعرفة يبدأ بالتفكر في مخلوقات الله وما تحمله من رسائل تعريف به سبحانه وبأسمائه وصفاته.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:١٦٤).
- أحداث الحياة:
ومع آيات الله الدالة عليه، وعلى أسمائه وصفاته، والمبثوثة في مخلوقاته، تأتي صورة أخرى للآيات من خلال الرسائل التي يُرسلها لعباده والتي تتخلل مجريات وأحداث حياتهم اليومية، فما من يوم يمر على الإنسان - أي إنسان - إلا وفيه عدة رسائل موجهة إليه من ربه تعرفه به، وتذكره ببعض من صفاته.
فمن تلك الرسائل: رسائل الرحمة وما تدل عليه من أنه رحيم، لطيف، ومثال ذلك: ما يعتري الإنسان في يومه من أحداث كنسيان موعد من المواعيد فلا يذهب إليه ليكون ذلك سببًا في عدم تعرضه لمشاكل أو مخاطر كثيرة، وأيضًا قد ينفذ الوقود من سيارته في الوقت ذاته الذي يجد نفسه فيه أمام محطة تزويد وقود.
ومن الرسائل: رسائل الحكمة وما تدل عليه من أنه حكيم، ومثال ذلك: من يذهب إلى مكان من الأماكن وهو غير راغب في ذلك فيترتب على ذهابه خير كثير له.
ومنها: رسائل التخويف: وما تدل عليه من أنه عظيم، جبار، ... ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء:٥٩).
ومثال ذلك الرعد، والبرق، والعواصف، الحر الشديد، الكسوف والخسوف ...
ومنها رسائل التأييد والجزاء السريع والحسن من الله كتيسير الأمور، وانشراح الصدر، ... والتي يدل عليها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ? وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ? فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (الليل: ٥ - ٧).
هذا التأييد وهذا التيسير، مرتبط باستقامة العبد وطاعته لربه، وعندما يحسن قراءة تلك الرسائل فإن ذلك من شأنه أن يدفعه لمزيد من الاستقامة.
ومنها رسائل العقوبة كجزاء للتفريط والعصيان وصور ذلك كثيرة، منها: تعسر الأمور، وضيق الصدر، والحرمان من الرزق، ... ويدل عليها قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣).
فهذه أنواع ست للرسائل الإلهية التي تأتي العبد في يومه، وتحمل في طياتها دلائل تعرفه بالله : ﴿وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ (غافر:٨١).
стр. 42
هذه الرسائل تأتي من الله لعباده باستمرار لينتبهوا من رقدتهم ويفيقوا من غفلتهم: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (الرعد:٢).
وكلما ربط العبد أحداث حياته بالله ، ازدادت معرفته وتعلقه به سبحانه، وتحسنت علاقته ومعاملته له، وازداد زهده في الناس، ولم لا وهو لا يرى إلا الله وراء كل ما يحدث له، فإذا تغيرت عليه زوجته وساء خلقها معه رأى في ذلك عقوبة من الله فسارع بالاستغفار والتوبة، وإذا ما تأخر حدوث شيء يتمناه رأى حكمة الله وراء هذا التأخير، وإذا ساعده أحد في إنجاز عمله رأى التأييد والتيسير الإلهي من وراء ذلك.
وهكذا يربط أحداث حياته بالله ، فيثمر ذلك إخلاصًا تامًا وصدقًا حقيقيًا في التوجه إليه، واستشعار قربه سبحانه منه، فيعبده وكأنه يراه، وتصير مناجاته والخلوة به من أحب الأشياء إليه، ويؤدي ذلك أيضًا إلى الزهد في الناس وقطع الطمع فيما في أيديهم.
- دليل المعرفة:
هذا الكون الفسيح وما فيه من مخلوقات لا تعد ولا تحصى، وهذه الأحداث اليومية المتعاقبة والمتشابكة قد لا يحسن العبد الاعتبار بها وفهمها عن الله ، مما يستلزم وجود مرجع ودليل يدل العبد على كيفية معرفة الله، وحسن التعامل مع آياته .. من هنا كانت الحاجة إلى دليل يدل الناس ويعلمهم كيفية قراءة الآيات الكونية وفك شفرتها، والاستدلال من خلالها على الله .. من أجل هذا كانت الرسالة الإلهية الأخيرة والتي أرسلها الله للبشرية جمعاء وتحمل في طياتها مفاتيح السعادة والهداية والشفاء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:٥٧).
ومن أهم ما تحمله هذه الرسالة للبشر: تعريفهم بربهم، وبأسمائه وصفاته وآثارها من الناحية النظرية، مع تعريفهم كذلك بكيفية ربط هذه المعرفة النظرية بالمعرفة العملية في الكون المنظور فتتشابك المعرفة النظرية بالعملية ليتمكن بذلك مدلولها في يقين الإنسان وإيمانه.
مثال: الله أخبر عباده بأنه قادر على نصرة المظلوم بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ وأعطى لعباده أدلة من الكون المنظور على ذلك فقال في الآية التالية للآية السابقة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (الحج:٦٠،٦١).
فالذي يستطيع أن يأتي بالليل والنهار كل يوم، يستطيع بلا شك أن يفعل ما دون ذلك من نصرة المظلوم وإقامة الحق والعدل.
ومثال آخر: أن الله أخبر رسوله بأنه قد استهزئ برسل من قبله، فكان العقاب الأليم لهؤلاء المستهزئين، هذا من الناحية النظرية أما من الناحية العملية فتأتي الآية التالية لتحثنا على السير في الأرض والبحث عن مآل هؤلاء ليترسخ هذا المفهوم لدينا: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ? قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام:١٠، ١١).
إذن فالقرآن هو دليلنا إلى معرفة الله ، والكون هو التطبيق العملي للمعرفة القرآنية: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت:٥٣).
стр. 43
كيف نعرف أنفسنا ؟!
ثاني تلك المحاور التي تنطلق منها صفات جيل التمكين هو معرفة النفس، فعلى ضوء معرفة الإنسان بنفسه تكون معاملته لها، وتنقسم جوانب هذه المعرفة إلى قسمين: معرفة حقيقة الإنسان، ومعرفة طبيعة النفس .
فمعرفة حقيقة الإنسان تنطلق من معرفة أصله الحقير وأنه من التراب ومن الماء المهين: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (المرسلات:٢٠). وتنطلق كذلك من رؤية حجمه الصغير بالنسبة للكون المحيط به: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر:٥٧).
هذا الإنسان خلق ضعيفًا في كل شئ .. في بنيانه ومدى مقاومته وتحمله ..
ضعيف أمام الأمراض، وأمام الشهوات، وأمام وساوس الشيطان ..
ومع ضعفه الشديد فإنه كذلك عاجز لا يستطيع جلب النفع لنفسه أو دفع الضر عنها.
وكذلك جاهل بعواقب الأمور، لا يعلم ماذا سيحدث له بعد أقل من ثانية ..
وهو أيضًا لا يمكن أن يقيم نفسه، أو يحفظ أجهزة جسمه أو ... فهو يحتاج إلى من يتولى حفظه وإمداده بمقومات الحياة .. يحتاج دومًا إلى الهواء وإلا هلك، ويحتاج إلى الطعام، والماء .. يحتاج إلى النوم وإلا فقد اتزانه .. يحتاج إلى استمرار عمل القلب، وجريان الدم في عروقه بسيولة معينة، يحتاج ويحتاج ..
هذا الإنسان الحقير، الصغير، الجاهل، الضعيف، العاجز، الفقير، يحتاج إلى من يحميه، ويعلمه، ويقويه، ويصرف عنه الأخطار، ويمده بأسباب الحياة لحظة بلحظة.
ومن يملك أن يفعل ذلك سوى الله ؟! ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (يونس:٣١).
- طبيعة النفس:
ومع كون الإنسان بهذه الصفات إلا أن لنفسه طبيعة تتنافى معها.
فهي نفس شحيحة تحب الاستئثار بكل خير: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (النساء:١٢٨).
لديها قابلية للفجور والطغيان .. تحب العلو التميز عن الآخرين.
ترغب دومًا في الراحة، وتكره المشاق والتكاليف ...
تريد شهوتها وحظها من كل فعل يقوم به العبد، فإن لم يكن الفعل يخدم شهواتها في الراحة والكسل والاستمتاع بالمحاب الظاهرة حرصت على تحصيل شهواتها الخفية من خلال ما يقوم به العبد من أفعال حسنة وذلك من خلال دفعه لحمدها والرضا عنها والفرح بها والاعتقاد في قدراتها وإمكاناتها، وأنه بها يفعل ما يريد، ويتميز على غيره، ويعلو عنهم، وهذا من أسمى ما تلتذ به النفس وتطرب وتنتشي ..
- أهمية معرفة النفس:
إذن فعندما يجهل الإنسان حقيقته وصفاته التي جُبِل عليها من ضعف وعجز وجهل واحتياج، فإنه بلا شك سينسى ربه، ولن يتعامل معه معاملة الفقير المحتاج الذليل الضعيف الجاهل الذي يعلم أن قيامه وحمايته وهدايته وحفظه و .. كل ذلك بيد مولاه.
وعندما يجهل الإنسان طبيعة نفسه فإنه يستسلم لها، ويحمدها على أفعالها، ويعجب بها ويسعى إلى إرضائها، ويغضب لها، ويستعين بها في أعماله، فتعظم في عينه، وتكبر، ويصغر في المقابل قدر الناس عنده فيؤدي ذلك إلى غروره وتكبره ومن ثم هلاكه.
من هنا يتبين لنا أهمية معرفة النفس معرفة راسخة تدخل في يقين الإنسان وتنعكس على مشاعره بدوام الحذر منها.
- كيف نعرف أنفسنا؟
من رحمة الله بعباده تذكيره الدائم لهم بحقيقتهم وطبيعة أنفسهم، وذلك من خلال رسائله اليومية التي يرسلها لهم، ومن هذه الرسائل:
стр. 44
١ - أنت ضعيف: وذلك عندما يتركنا الله لضعفنا ولا يساعدنا في مقاومة ما نواجهه: مثل المرض، ووساوس الشيطان، وخواطر السوء، وكثرة الأكل، والنظر إلى النساء ..
٢ - أنت جاهل: وهذه الرسالة يمثلها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ (الأعراف:١٨٨). ومن أمثلتها: عندما تأكل شيئًا فيتسبب في مرضك ولو كنت تعلم الغيب ما أكلته، وكذلك عندما تتعطل المركبة في الطريق، أو تكسر الآنية ...
٣ - أنت عاجز: ليس لك من الأمر من شئ .. تريد النوم مباشرة فلا تستطيع، تريد تذكر شيء ما، فلا تقدر .. تريد ولدًا فتلد زوجتك بنتًا .. وهكذا ..
٤ - أنت فقير: لا غنى لك عن الله طرفة عين وأمثلة هذه الرسالة كثيرة، ولا يخلو يوم منها، ومثال ذلك: زيادة خفقان القلب لتدرك مدى احتياجك لربك في حفظ القلب ورعايته واستمراره في الخفقان بمستوى معين، وأيضًا دخول رمش في عينك أو اختلاج عضلة من عضلاتك، أو رعشة اليدين، أو ... كل ذلك رسائل تذكير بحقيقة فقرك ومدى احتياجك لمولاك، وأنك لو تُركت طرفة عين لتدبر أمورك بمفردك لهلكت.
إذن فالوسيلة الأساسية لمعرفة حقيقة الإنسان هي اعتباره وحسن معاملته مع الرسائل الإلهية التي تأتيه باستمرار من خلال مجريات الحياة والاعتبار بها.
أما طبيعة النفس من حب الفجور والعلو، فمما لا شك فيه أن تتبع خواطرها لنا وإلحاحها علينا بتأخير القيام بحق من الحقوق، أو دفعها لنا لارتكاب محظور، له دور كبير في معرفة خطورتها ومن ثم الحذر منها.
- دور القرآن:
هذه الحقائق السابقة تحتاج دومًا إلى تذكير وإلا فالإنسان من طبعه النسيان، وغالبًا ما تمر عليه أحداث الحياة دون أن يعتبر بها أو يتخذها وسيلة لزيادة معرفته بنفسه ومدى حاجته لربه .. من هنا يأتي دور القرآن كوسيلة عظيمة لدوام تعريف الإنسان بحقيقته وطبيعة نفسه بما يفعله من مزج الفكر بالعاطفة، وبما يعرضه من نماذج عملية، وقصص للسابقين سواء كانوا صالحين أحسنوا التعامل مع أنفسهم، أو كانوا طالحين استسلموا لها فأهلكتهم.
وخلاصة القول: أن وسائل التعرف على النفس هي القرآن وأحداث الحياة.
كيف نوقن بالآخرة ؟
من الأهمية بمكان معرفة مراحل رحلة الإنسان إلى الله والدار الآخرة، ومعرفة طبيعة مرحلة الحياة الدنيا وعلاقتها بالآخرة .. فعلى ضوء هذه المعرفة سيكون انتباه العبد وتشميره للجنة.
- الوظيفة الأساسية:
لقد أنزلنا الله إلى الأرض لأداء وظيفة محدودة ألا وهي عبوديته بالغيب، ومن ينجح في أداء هذه الوظيفة يفز بالجنة، ومن يفشل يعاقب بالحبس في النار والعياذ بالله.
فما الدنيا إلا دار امتحان: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف:٧).
والمطلوب من الإنسان - أي إنسان - أن يطيع ربه، ويتبع شرعه، ويقوم بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، والمطلوب منه كذلك أن يحسن التعامل مع الإمكانات والأدوات التي يعطيها الله له أو يمنعها عنه .. ففي حالة العطاء والإمداد بالنعم المختلفة فإن المطلوب من العبد هو الشكر وذلك من خلال حمد الله على نعمه، وعدم الطغيان بها، والشعور بالامتنان نحوه سبحانه، والإكثار من التذلل له، وعدم التكبر على الآخرين، أو الشعور بالأفضلية عليهم.
أما في حالة المنع من بعض النعم كحرمان من الأولاد أو الرزق الوفير أو الأمان .. فإن المطلوب من العبد هو الصبر فلا يتسخط، ولا يتشكى، ولا يعترض على قضاء الله.
стр. 45
هذا الامتحان يبدأ من سن البلوغ إلى لحظات الاحتضار ونزع الروح، ومن خلال الأعمال الصالحة والإجابات الصحيحة التي يقوم بها العبد يكون جزاؤه في الآخرة. ونعيمه في الجنة: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (الروم:٤٤).
أما الرقابة على الامتحان فيتولاها الله بنفسه فهو الرقيب الشهيد: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١). والملائكة يقومون بتسجيل الإجابات: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق:١٨). بل الجسد نفسه يشهد على صاحبه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النور:٢٤).
هذا الامتحان يمكن أن ينتهي في أي وقت، فلابد أن يكون العبد مستعدًا دومًا للحظة النهاية حتى لا يخسر آخرته.
وبعد الموت تكون المرحلة البرزخية، ثم البعث ويوم القيامة، وما فيه من أحداث عظيمة وحساب للبشر جميعًا عن المهمة التي طولبوا بأدائها، وبعد الحساب يتم ذهاب الناجحين للجنة، وَ سَوْق الراسبين إلى النار والعياذ بالله.
وفي الجنة يكون النعيم الذي لا يمكن لعقل أن يدرك كنهه، ومع النعيم المقيم يكون الخلود بلا موت، وفي النار والعياذ بالله عذاب لا يحتمل ولا ينتهي: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (الزخرف:٧٥).
معنى ذلك أن أي إنسان عاقل عليه أن يكون منتهى طموحه هناك في الجنة، وأن يعمل على الفوز بها، والتنعم بنعيمها، وأن يبحث عن الأسباب المؤدية لذلك، وأهم هذه الأسباب استغلال كل ما يقع تحت يديه من أشياء ليجعلها وسيلة تحقق له هدفه.
- استراحة المسافر:
هذه الحقائق تحتاج إلى دوام انتباه ويقظة ووضوح رؤية لحقيقة الدنيا وأنها دار ممر وامتحان، وأننا لم ننزل إليها لنمكث فيها، بل لنمضي فيها بعض الوقت ثم نتركها ونرحل، كالمسافر الذي يرتاح من عناء السفر في أي استراحة تقابله على الطريق.
هذا المسافر لن يفكر إلا في التزود بما ينفعه في رحلته، ويبلغه هدفه وبغيته .. وكذلك الدنيا ماهي إلا محطة من محطات السفر إلى الآخرة علينا أن نتزود منها بما ينفعنا هناك.
فإن قلت: إننا جميعًا نعلم ذلك، ولكننا ننساه في خضم أحداث الحياة المتلاحقة فكيف لنا أن يدوم تذكرنا وانتباهنا لهذه الحقائق (١)؟!
الحل يكمن في ثلاث وسائل:
الأولى: الاعتبار بمن سبقنا، وكثرة التفكير في الموت وزيارة المقابر، والتفكر في أحوال أهلها وكيف أن ملك الموت جاءهم دون أن يكونوا مستعدين للقائه، واستشعار ندمهم على تضييعهم للفرصة التي كانت بين أيديهم، وتذكر أمانيهم التي تنحصر في العودة إلى الدنيا ولو للحظة واحدة يسبحون الله فيها أو يستغفرونه .. قال ﷺ : (ركعتان خفيفتان مما تحقرون أو تنفِّلون، يزيدها هذا - يشير إلى قبر - في عمله أحب إليه من بقية دنياكم) (٢).
стр. 46
الثانية: كثرة قراءة القرآن وتدبر معانيه: فالملاحظ أن الحديث عن الآخرة ويوم الحساب ونعيم الجنة، وعذاب القبر، وطبيعة الوجود في الدنيا، وحث الناس على التسابق إلى الجنة .. كل هذا يحتل مساحة كبيرة من القرآن، ولا تكاد تخلو سورة منها، ليؤدي ذلك إلى اليقين بتلك الأمور: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ? لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (التكاثر:٥، ٦).
فإذا أيقن الإنسان بهذه الحقائق فسينعكس ذلك على تصرفاته وطريقة تعامله مع مفردات الحياة، فتراه مجاهدًا، عابدًا، مشمرًا لفعل الخيرات، محسنًا في تعاملاته مع الآخرين ..
الثالثة: الصحبة الصالحة، فمع الاعتبار بمن حولنا وتذكر الموت، ومع المداومة على تدبر القرآن، يأتي التذكير بين المؤمنين لهذه الحقائق كوسيلة تعين العبد على دوام يقظته وانتباهه وحسن استعداده للموت كما قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف:٢٨).
إن وجود المرء في بيئة طيبة، وصحبة صالحة من شأنه أن يستثير همته للسباق نحو الجنان .. انظر إلى عمر بن الخطاب ﵁ وحرصه على أن يسبق أبا بكر الصديق ﵁ في الإنفاق .. يقول ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ يومًا أن نتصدق فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، فجئت رسول الله بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : (ما أبقيت لأهلك؟) فقلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال رسول الله ﷺ : (ما أبقيت لأهلك؟)، قال: "أبقيت لهم الله ورسوله"، قلت: لا أسابقك لشيء أبدًا" (١).
هذه الوسائل وغيرها تزيد الإيمان بالآخرة في القلب وتدفع للمساعرة والتشمير للجنة.
كيف نزهد في الدنيا ؟!
مما لا شك فيه أن معرفة العبد للدنيا على حقيقتها له دور كبير في زهده وانصراف رغبته عنها، وزيادة رغبته فيما عند الله .
والذي يقرأ الآيات والأحاديث التي تصف الدنيا يعجب من شدة هوانها على الله .. فإن كنت في شك من هذا فتأمل معي هذا الحديث .. (إن الله تعالى جعل ما يخرج من بني آدم مثلًا للدنيا) (٢).
يقول المستورد بن شداد: " كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله ﷺ على السخلة الميتة، فقال رسول الله ﷺ : (أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها) قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: (فو الذي نفس محمد بيده الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها) " (٣).
لقد خلق الله الدنيا ولم يجعل لها قدرًا، ولم يثمنها بأدنى شيء كما قال ﷺ : (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء) (٤).
إذن فالدنيا حقيرة، لا قيمة لها .. كالجيفة النتنة التي يعافها الناس ويتحاشون المرور بجوارها، فإن اضطروا لذلك تراهم وقد أسرعوا خطاهم، وأداروا وجوههم عنها.
стр. 47
- دار الكدر والأحزان:
ومع هذه الحقيقة العجيبة للدنيا، فإنها فوق ذلك لا تصفو لأحد، فهي مليئة بالأكدار، فالأفراح تلاحقها الأحزان، والعافية يطاردها السقم، والقوة يتبعها الضعف .. لايجتمع فيها شمل الأحبة، فإن اجتمعوا فلابد لهم من فراق ..
فإن قلت: ولماذا خلقها الله بهذا الهوان وتلك الأكدار؟
جاءت الإجابة من رسول الله ﷺ : (من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى) (١).
فلو كانت للدنيا قيمة معتبرة، ولو خلت من أكدارها وكانت صافية، لأحبها الناس وتعلقوا بها، فيؤدي ذلك إلى تنافسهم وتصارعهم عليها، وزيادة حرصهم على البقاء فيها، ومن ثم تزداد كراهيتهم للموت، وتقل رغبتهم في الآخرة ونعيمها، فتكسد تجارتها، وتُترك أعمالها ..
معنى ذلك أن كون الدنيا بهذه الحقارة، وتلك الأكدار نعمة عظيمة من الله على عباده .. فلو كانت الدنيا صافية لما شمّر أحد للآخرة، ومع ذلك فلقد استطاع الشيطان أن يخدع الكثيرين والكثيرين من الناس وينسيهم هذه الحقائق، ويزين لهم الدنيا، ويبهرجها أمامهم حتى يركنوا إليها ويتشبثوا بها، ويتصارعوا من أجلها، فينسوا المهمة التي خلقوا من أجلها ..
- وسائل المعرفة:
وكما قيل سابقًا، فلكي تكون هذه الحقائق دافعًا لتغيير تعامل المرء مع دنياه، وزهد فيها، لابد وأن تتمكن من يقينه، وتؤثر في إيمانه ... من هنا كان من الضروري وجود وسائل قوية ومستمرة تقوم بهذه المهمة.
هذه الوسائل تنطلق - كبقية الوسائل السابقة - من محورين: محور وجداني يذكر دومًا بحقيقة الدنيا ويمزج الفكر بالعاطفة ويستثير المشاعر ويولد الطاقة الدافعة للعمل، ومحور عملي يؤكد على المعنى الوجداني مما يرسخ مدلوله في يقين الإنسان فتنطلق تصوراته واهتماماته ومن ثم أفعاله بسهولة وتلقائية تعبر عن زهده في الدنيا.
أما المحور النظري القادر على التذكير الدائم بحقيقة الدنيا فهو الكتاب الخالد الذي أنزله الله رحمة وهدى للناس: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ (طه:١١٣).
والملاحظ في القرآن أن موضوع الدنيا وحقيقتها يحتل مساحة كبيرة فيه من خلال التعريف بها، وذم من يحرص عليها، وعرض قصص السابقين الذين اغتروا بها وندموا أشد الندم على ذلك بعد موتهم.
ومع القرآن تأتي السنة كذلك وما تحتويه من أحاديث كثيرة تتحدث عن حقيقة الدنيا، وتدعو إلى الزهد فيها.
وبالنسبة للمحور العملي فهو الاعتبار بأحداث الدنيا: فالناظر المتفحص لأحداث الحياة وما يحدث للناس يرى الدنيا على حقيقتها، وأنها دار أحزان وهموم وغموم وكدر وفراق.
فأصحاب القوة بالأمس هم ضعفاء اليوم، والجاه والسلطان لم يدُوما لأحد قط.
لا يكاد يخلو بيت من مريض، ومن النادر أن ترى شخصًا بلا هموم، ولا غموم ..
الأحبة يفترقون .. الابن يفارق أباه ويتزوج، والأب يفارق أبناءه ويموت، و ...
هذه المشاهدات عندما يراها العبد بعين الاعتبار فستتجلى أمامه دومًا حقيقة الدنيا.
ومما يرسخ هذا المعنى في النفس: النظر إلى المزابل والجيف كل فترة وربط ذلك بحقيقة الدنيا وهوانها على الله، كما كان يفعل رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.
فعن الحسن البصري قال: " مر عمر بن الخطاب على مزبلة فاحتبس عندها فكأنما شق على أصحابه، وتأذوا بها، فقال لهم: هذه دنياكم التي تحرصون عليها (٢) ".
стр. 48
كيف يتحقق الفهم الصحيح للدين ؟!
أما بالنسبة لصفات الاعتدال والتوازن، وما تثمر عنه من حكمة في التعامل مع أحداث الحياة، فما هي إلا نتاج طبيعي للفهم الصحيح للدين، قال ﷺ : (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) (١).
والمقصد من الفهم الصحيح للدين إدراك حقيقة شموله لجميع مناحي الحياة، ومعرفة مصادر الأحكام الشرعية ومراتبها، والتعرف كذلك على المصادر غير الشرعية التي يعتمد عليها البعض في تلقي الأحكام كالإلهام والرؤى ومدى خطورة ذلك.
والفهم الصحيح للدين كذلك يستلزم معرفة فقه الأولويات وكيفية الموازنة والترجيح بين المصالح والمفاسد إذا تعارضت فكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين .. (٢).
ومع فقه الأولويات هناك فقه المقاصد، وفقه الواقع، وفقه الخلاف .. كل هذه أمور من شأنها أن تكوِّن العقلية المتوازنة لأبناء الجيل الموعود بالنصر والتمكين.
- وسائل تحقيق الفهم:
من أهم وسائل تحقيق الفهم الصحيح للدين: القرآن الكريم، فهو كتاب يخاطب العقل، ويرسم فيه خريطة الإسلام بنِسَبِها الصحيحة، ويعطي لصاحبه تصورًا عامًا لكل ما هو مطلوب منه وعلاقته بكل شيء حوله، ولا يكتفي بذلك بل يضع كل أمر في حجمه المناسب له في شجرة الإسلام، فهو يرتب الأولويات، ويكوِّن العقلية المعتدلة المتوزانة، والتي تعطي كل ذي حق حقه .. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة:٢٦٩). قال ابن عباس: الحكمة: المعرفة بالقرآن (٣).
ومع القرآن فهناك دراسات للعلماء حول أصول الفهم، ولعل من أبرزها ما كتبه الشاطبي في كتابه: الموافقات والإمام الشهيد حسن البنا في رسالة التعاليم، حيث وضع فيها أصولًا للفهم .. هذه الأصول قام بشرحها العديد من العلماء، وتشكل بصورة عامة الشخصية العلمية المتوازنة للمسلم.
ويحسُن كذلك دراسة فقه الأولويات والمقاصد، وفقه الخلاف، مع الأخذ في الاعتبار بأن تأصيل الفهم الصحيح للإسلام، وتعلم الحكمة في التعامل مع أحداث الحياة يحتاج - مع الوسائل السابقة - إلى معلم ومربّ يسقي هذا العلم إلى تلامذته ويتابعهم في تعاملاتهم مع مجريات الأحداث ليتأكد من حُسن تطبيقهم لصفة الاعتدال والتوازن.
- الأخوة .. كيف تتحقق ؟
الأخوة في الله ثمرة طبيعية من ثمار الإيمان به سبحانه، ولازمة من لوازمه، وكلما تمكن الإيمان من القلب ازدادت درجة الحب في الله، كما كان حال الأنصار مع المهاجرين، فلقد انعكست قوة إيمانهم بربهم على تعاملهم مع إخوانهم المهاجرين لدرجة أنهم آثروهم على أنفسهم مع ما كان بهم من فقر وحاجة.
إذن فصفة الأخوة والترابط نتاج للمحور الأول وهو معرفة الله وما يؤدي إليه من قوة إيمان وحب له سبحانه، ومع ذلك فلابد لهذا الحب أن يترجم في صورة أفعال ترسخ مدلوله في يقين الإنسان، فكما أن الإيمان قول وعمل، فكذلك الأخوة ..
من هنا يصبح من الضروري وجود بيئة ووسط يتم فيه تطبيق وسائل وأعمال الأخوة من تكافل وإعانة، وإيثار، وسعي في قضاء الحوائج، و ...
ولابد من وجود بيئة ومحاضن يتم فيها تنمية الأخوة والترابط بين أبناء الجيل الموعود بالنصر والتمكين وإلا جفت الروح بين الأفراد ..
- الوسائل الإساسية:
مما سبق ينبين لنا أن الوسائل التي تتحقق بها المحاور الأساية لتكوين الجيل الموعود تدور حول: حسن التعامل مع القرآن وكل ما يخدمه، حسن التعامل مع أحداث الحياة والاعتبار بها، الصحبة الصالحة.
стр. 49
فالقرآن هو الوسيلة الفعالة للمعرفة .. معرفة الله ، ومعرفة النفس، ومعرفة الدنيا، ومعرفة الآخرة.
وما تتميز به معارف القرآن أنها تتكرر في الكثير من السور بأساليب مختلفة، وتخاطب العقل والوجدان ليتم من خلال ذلك ترسيخ تلك المعارف في يقين الإنسان، وتوجيه مشاعره نحوها مما يثمر إيمانًا حيًا قويًا.
أما أحداث الحياة: فكل ما يحدث للإنسان هو بمشيئة من الله ، وما من مشيئة لله إلا وراءها حكمة تصب في مصلحة البشر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة:١٤٣).
فما الحياة إلا رسائل متتابعات من الله تعرفنا به سبحانه، وبأنفسنا، وبقيمة الدنيا، وبقيمة الآخرة ..
نعم الكثير منا غافل عن هذه الآيات: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف:١٠٥).
ولكن من خلال حسن التعامل مع القرآن، والانتباه التدريجي الذي سيحدث للفرد كنتاج لهذا التعامل، سيكون من السهل عليه قراءة الرسائل الإلهية والاعتبار بها، وحسن الفهم عن الله ، وربط أحداث الحياة به، لتزداد المعرفة واليقين به سبحانه وبالدار الآخرة ويزداد الحذر من النفس والدنيا ..
أما الصحبة الصالحة فهي تعد بمثابة البيئة التي من خلالها يمارس أبناء الجيل الموعود صفة الأخوة مما يثمر جيلًا قويًا مترابطًا كالبنيان يشد بعضه أزر بعض.
ومن خلال الصحبة الصالحة والبيئة التربوية كذلك يتم ممارسة بعض الوسائل التي تعين على زيادة المعارف السابقة وربطها بالواقع ليزداد الإيمان والانتباه.
وفيها يتم مدراسة كل ما يخدم القرآن ويؤكد على ما فيه من الحكمة والمعاني الإيمانية كالسيرة والتاريخ وأصول الفهم، ومن خلالها يتم التواصي بالحق وبالتواصي بالصبر، وتثبيت الأفراد لبعضهم البعض.
- المربي:
ومع هذه الوسائل الثلاث " القرآن - الاعتبار - الصحبة " يأتي دور المعلم والمربي ليربط الوسائل بعضها ببعض .. يأخذ بيد الضعيف حتى يشتد عوده ويدخله إلى عالم القرآن، حتى يرد موارد الإيمان فيه، ويستطيع أن يعتبر بأحداث الحياة ويقرأ الرسائل الإلهية ويقترب من ربه.
ووجود المربي كذلك مهم لشحذ الهمم للتشمير للآخرة والزهد في الدنيا.
ومن أهم أداواره: ضبط الفهم لدى الأفراد وتعليمهم الحكمة، والتأكد من حسن ممارستهم لها في مجيرات حياتهم.
стр. 50
الفصل الرابع
الجيل الأول وأدوات التغيير
стр. 51
الفصل الرابع
الجيل الأول وأدوات التغيير
إذ ما نظرنا للجيل الأول، جيل الصحابة رضوان الله عليهم، والذي يُشكل أمامنا النموذج الذي حقق شروط النصر والتمكين فأوفى الله بوعده معه ومكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ..
إذا ما نظرنا إليهم، وبحثنا عن الأدوات التي تعاملوا معها ليصبحوا بهذا المستوى الراقي، لوجدنا أن هناك ثلاثة أمور رئيسية شاركت في ذلك وهي: منهج التغيير وهو القرآن، والمربي المشرف على عملية التغيير وهو الرسول ﷺ ، والوسط الذي تم فيه التغيير وتكوَّن من خلاله الجيل المترابط المتآخي.
- منهج التغيير:
إذا كانت أغلب صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين تنطلق من قوة المعرفة بالله وباليوم الآخر، وتنطلق كذلك من قوة الزهد في الدنيا، والحذر من النفس، فإن القرآن يقوم بتحقيق كل ذلك بسهولة ويسر.
стр. 52
فمع الله: يقوم القرآن بتعريف العبد بربه إلى أقصى ما يمكن أن تتحمله قدراته العقلية، ويصل به إلى أقرب ما يمكن أن يكون عليه بشر بعد الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه - ويقوم القرآن كذلك بربط تلك المعرفة بمجريات الحياة، فلا يرى العبد إلا حكمة الله وراء أفعاله ومشيئته سبحانه، فينعكس ذلك على تعامله حتى يصل إلى درجة الإحسان بأن يعبد الله كأنه يراه، فيناجيه من قريب، ويستشعر قربه منه، وقيوميته عليه، فيأنس به، ويزداد شوقه إليه ..
ومع الآخرة: فالقرآن يكشف للإنسان حقيقة أصله الحقير، ومدى ضعفه وعجزه، وجهله وحجم احتياجاته المطلوبة للاستمرار في الحياة وأنه بالله لا بنفسه، ولو تخلى عنه طرفة عين لهلك.
ومع بيان هذه الحقائق فإنه كذلك يعرفه بطبيعة نفسه المحبة للشهوات، المائلة للفجور والطغيان، الآمرة بالسوء ليشتد حذره منها، فلا ينسب لها فضلًا، بل يجاهدها، ويُروضها على الصدق والإخلاص ..
فإذا ما ربط العبد بين هذه المعارف وبين ما يحدث له في حياته تأكدت لديه حقيقة نفسه، وعاش أبدًا عبدًا ذليلًا منكسرًا لله متحررًا مما سواه.
- صفاء النبع: .. هذا الدور الخطير للقرآن لا يمكن أن يحدث إلا إذا تفرغ له العبد تفرغًا كبيرًا، وأعطاه وقته وقلبه وعقله، وأقبل عليه بكيانه ووجدانه، ولم يخلط معه غيره - وبخاصة في البداية - حتى يكون النتاج صحيحًا نقيًا مثمرًا .. وهذا ما حدثمع الصحابة رضوان الله عليهم، فلقد أدركوا قيمة القرآن وأن سبب نزوله الحقيقي هو هداية الناس إلى الله، وقيادتهم الآمنة إليه، فانكبوا عليه، وتفرغوا له، وساعدهم على ذلك أستاذهم ومربيهم، معلم البشرية محمد ﷺ ، فقد كان ﵊، حريصًا على وحدة التلقي وصفاء النبع الذي يستقي منه الصحابة فكان دائم التوجيه لهم بعدم الانشغال بغير القرآن حتى يستطيع القرآن أن يقوم بدوره كاملًا في التغيير الجذري دون تشويش من أي شيء آخر ..
انظر إليه ﷺ وقد جاءه عمر بن الخطاب ﵁ يومًا بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقال: " يا رسول الله، إني أصبت كتابًا حسنًا من بعض أهل الكتاب "، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (أمُتهوِّكون فيها ياابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيحدثوكم بحق فتكذبوا به، أو باطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا لما وسعه إلا أن يتبعني) (١).
إذن لم يكن القرآن وحده لديهم على الساحة بل كانت هناك كتب اليهود والنصارى، وكان هناك ميراث الحضارات المجاورة، ولكنه ﷺ كان حريصًا على صفاء المنبع الذي يستقي منه الصحابة مصادر تكوينهم ليصفو النتاج.
ويؤكد الشهيد سيد قطب ﵀ على هذا المعنى في تعليقه على هذه الحادثة فيقول:
" إذن فقد كان هناك قصد من رسول الله ﷺ أن يُقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل في فترة التكوين على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده، ويستقيم عودهم على منهجه وحده، ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب ﵁ يستقي من منبع آخر".
كان رسول الله ﷺ يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤثر غير المنهج الرباني الذي يتضمنه القرآن (٢).
стр. 53
- من ذاق عرف:
لقد ذاق الصحابة حلاوة الانشغال بالقرآن، وأدركوا قيمته، وشاهدوا ثمرة ذلك في واقعهم الذي تغير تغيرًا جذريًا، وأصبحوا شخصيات أخرى غير تلك التي كانت قبل إسلامهم، وكأنهم ولدوا من جديد (١)، ومن هنا كان حرصهم الشديد على تبليغ هذه الرسالة إلى من بعدهم، وكانوا ينزعجون من انشغال الناس بشيء غير القرآن. فهذا عبد الله بن مسعود ﵁ يأتيه اثنان من التابعين بصحيفة يريدان منه أن يقرأها ويقولان له: هذه صحيفة فيها كلام حسن، فقال: " هاتها، يا خادم هاتي الطست فاسكبي فيها الماء، فجعل يمحوها بيده، ويقول ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ﴾ (يوسف:٣) ". فقلنا انظر فيها، فإن فيها كلامًا عجبًا، فجعل يمحوها ويقول: " إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره" (٢).
- المعجزة القرآنية:
إذن فحرص الصحابة على تبليغ وصية نبيهم بالانشغال بالقرآن وحده، وبخاصة في فترة التكوين الأولى ناتج عن رؤيتهم لنتاج المعجزة القرآنية التي أحدثت فيهم تغييرًا جذريًا وأحيتهم الحياة الحقيقية: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام:١٢٢).
لقد أدركوا قيمة النور بعد أن عاشوا سنين طوالًا في الظلمات ..
فإن قلت إن التغيير الضخم الذي حدث للصحابة، وانعكس على واقعهم كان بسبب وجود رسول الله ﷺ بينهم؟!
نعم، إن وجود الرسول ﷺ بين الصحابة له دور كبير في ضبط عملية التغيير وتجويدها، وترشيدها بصفته معلم ومربٍ - كما سيأتي بيانه - أما منهج التغيير والمصنع الذي دخله الصحابه فغيَّرهم هذا التغيير فهو بلا شك القرآن الذي قال عنه الله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر:٢١).
ويؤكد على هذا المعنى سيد قطب ﵀ فيقول:
"لو كان وجود شخص رسول الله ﷺ ، حتميًا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض إلى آخر الزمان. "
ولكن الله سبحانه تكفل بحفظ الذكر، وعلم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله ﷺ ، ويمكن أن تؤتي ثمارها، فاختاره إلى جواره، بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الرسالة، وأبقي هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان.
إن النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن .. فما كان حديث الرسول ﷺ وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع، فعندما سُئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ قالت: (كان خلقه القرآن) (٣).
- المدينة فتحت بالقرآن:
ولعل من أوضح الأمثلة التي تؤكد هذا المعنى أن القرآن هو الذي فتح المدينة كما قال الإمام مالك وغيره، وذلك قبل هجرة الرسول ﷺ إليها، فبعد بيعة العقبة أرسل ﷺ مصعب بن عمير إلى يثرب ومعه ما معه من القرآن .. فماذا حدث؟!
стр. 54
دخل النور قلوب أهل يثرب فامتلأت بالإيمان، وتغيرت التصورات والاهتمامات، وتوحد الفرقاء، واجتمعوا جميعًا على كلمة واحدة، وتمسكوا بحبل الله المتين وهو القرآن فكان منهم ما كان من المستوى العجيب في البذل والتضحية والإيثار .. كل ذلك حدث قبل مجيئه ﷺ إليهم، والدليل على ذلك ما فعلوه مع إخوانهم المهاجرين من تكافل وإيثار في الدوُّر والأموال والثمار مع فقرهم وشدة حاجتهم، وما كان هذا ليحدث لولا المستوى الإيماني الراقي الذي وصلوا إليه من خلال القرآن: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:٩).
- مفهوم الانشغال بالقرآن:
إذن فالانشغال بالقرآن والانتفاع بمعجزته والدخول في دائرة تأثيره هو العامل الرئيس الذي غيَّر الصحابة وصنع منهم ذلك الجيل الفريد الذي تفخر به البشرية حتى الآن.
وعندما نتحدث عن انشغال الصحابة بالقرآن فإن هذا يعني أول ما يعني، انشغالهم بتلاوته حق التلاوة، فكما قال ابن عباس في معنى حق تلاوته: "أي يتبعونه حق اتباعه" (١).
فقيمة القرآن الحقيقية في قدرته على التغيير وهذا بلا شك يستدعي فهم معانيه والتأثر بها والعمل بمقتضاها .. يقول عمر بن الخطاب ﵁: " لا يغرركم من قرأ القرآن إنما هو كلام نتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به" (٢).
وإن أردت مثالًا لطريقة الصحابة في قراءة القرآن فإليك هذا الأثر:
عن أبي ذئب ﵀ عن صالح قال: "كنت جارًا لابن عباس ﵄ وكان يتهجد من الليل فيقرأ الآية ثم يسكت قدر ما حدثتك، وذلك طويل، ثم يقرأ، قلت: لأي شيء فعل ذلك؟ قال: من أجل التأويل، يفكر فيه " (٣).
ويقول عباد بن حمزة: "دخلت على أسماء ﵂ وهي تقرأ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ (الطور:٢٧). فوقفت عندها تعيدها وتدعو، فطال علىَّ ذلك فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي وهي تعيدها وتدعو بها" (٤).
- لا بديل عن التدبر:
إذن فليس معنى الانشغال بالقرآن هو كثرة قراءته باللسان دون تدبر معانيه بالعقل، أو تحريك القلب به، فهذا إن حدث فلن يحقق مقصود القرآن، وما نزل من أجل تحقيقه.
قيل للسيدة عائشة ﵂ إن أناسًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا فقالت: (قرءوا ولم يقرءوا، كان رسول الله ﷺ يقوم ليلة التمام فيقرأ البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله تعالى ورغب، ولا يمر بآية فيها خوف إلا دعا واستعاذ" (٥).
وعندما قال رجل عبد الله بن مسعود ﵁: إني لأقرأ المفصَّل في ركعة، فقال عبد الله: " هذًّا كهذّ الشعر؟ إن أقوامًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع".
ويعلق النووي في شرحه لصحيح مسلم على قول ابن مسعود فيقول:
" معناه أن قومًا ليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان، فلا يجاوز تراقيهم ليصل إلى قلوبهم، وليس ذلك هو المطلوب، بل المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب" (٦).
стр. 55
- منبع الإيمان:
لقد تعامل الصحابة مع القرآن على حقيقته ككتاب هداية وشفاء وتغيير وتقويم، لذلك لم يكن همُّهم منصبًا على سرعة الحفظ أو قراءة أكبر قدر من آياته ولم يكن من بينهم الكثير من الحفاظ، مع شدة انشغالهم وتفرغهم للقرآن .. لماذ؟ لأن شغلهم الشاغل كان منصبًّا على العمل به والتغيير من خلاله.
لقد ذاقوا حلاوة الإيمان من خلال هذا الكتاب، فشغلهم ذلك عن حفظه، مع أهمية الحفظ كوسيلة يتيسر من خلالها تلاوة القرآن في أي وقت.
يقول الحسن البصري ﵁:
" إن رسول الله ﷺ تُوفي وما استكمل حفظ القرآن من أصحابه رضوان الله عليهم إلا النفر القليل، استعظامًا له، ومتابعة لأنفسهم بحفظ تأويله والعمل بمحكمه ومتشابهه" (١).
وفي هذا يقول ابن مسعود: "إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويعصب عليهم العمل به".
فإن قلت: ولماذا كان يصعب عليهم حفظ القرآن مع أنهم عاصروا نزوله خلال ثلاثة وعشرين عامًا، وهم أهل اللغة العربية وأولى الناس به؟!
فالجواب .. نعم، من الطبيعي أن يكونوا أكثر الناس حفظًا للقرآن ولكنهم لم يكونوا كذلك لأن اهتمامهم الأكبر كان منصبًا على العمل بالقرآن، وبخاصة أنهم أدركوا أن أهل القرآن هم أهل اتِّباعه، فإن صاحَبَ ذلك حفظ حروفه فذالك فضل من الله ونعمة كما قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "من جمع القرآن فقد حمل أمرًا عظيمًا، فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنه لا يوحى إليه (٢).
والذي يؤكد على هذا المعنى أن الكثير من أكابر الصحابة قد ماتوا ولم يستكملوا حفظ القرآن .. أخرج ابن سعد في طبقاته عن محمد بن سيرين قال: "قُتل عمر ولم يجمع القرآن" (٣).
ويقول ابن عمر ﵄: " كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا سورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به" (٤).
- ليست دعوة لإهمال الحفظ:
لا ينبغي أخي القارئ أن تفهم هذا الكلام على أنه دعوة لإهمال الحفظ، بل المقصد منه أن يراجع كل منا نفسه في طريقة تعامله مع القرآن، وأن يأتي أمره من أوله وليس من آخره، فأول أمر القرآن هو الانتفاع بمعجزته العظمى في الهداية والشفاء والتغيير، وما القراءة أو الحفظ إلا وسائل مساعدة لهذا الانتفاع، ومن الخطأ بمكان أن نجعل الوسائل المساعدة غايات مقصودة فيكون همنا قراءة أكبر قدر من آياته لا نجد فيه أي تغيير إيجابي ينتج من حفظ القرآن أو كثرة قراءته باللسان، فالقرآن ليس شربة ماء نشربها سريعًا لنرتوي، بل قول ثقيل يحتاج إلى روِّية وتأنِّ في تلاوته، وفي حفظه كذلك .. بل أشد، وهذا ما كان عليه الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل القرآن الحقيقيون، ومن أَوْلى الناس به ..
يقول أبو عبد الرحمن السُلمي أحد تلامذة الصحابة: "إنما أخذنا القرآن من قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزهن إلى العشر الأُخَر حتى يعلموا ما فيهن من العمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعًا وإنه سيرث القرآن من بعدنا قوم، يشربونه شرب الماء لا يجاوز هذا وأشار إلى حنكه" (٥).
стр. 56
- مع عبَّاد بن بشر:
مما سبق يتضح لنا أن الصحابة انتفعوا بالقرآن عندما تعاملوا مع أمره من أوله، وعاشوا مع حقيقته، ونهلوا من منابع الإيمان المتجددة فيه، فصاروا من أهله، وانجذبوا إليه فسيطر على مشاعرهم بصورة لم يمكن تصديقها، وإليك أخي القارئ مثالا عجيبًا لذلك:
رجع رسول الله ﷺ ومن معه من الصحابة من غزوة ذات الرقاع، وبعد جهد جهيد جاء الليل وأراد الجميع النوم، وكان لابد من حُرَّاس يحرسون المسلمين عند نومهم، فقام بهذه المهمة الصحابيان عبَّاد بن بشر وعمار بن ياسر، وتناوب الاثنان على الحراسة، وبدأ بها عبّاد ونام عمّار، فلما رأى أن المكان آمن صلى، فجاء أحد المشركين فرماه بسهم فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بسهم ثان فنزعه وأكمل صلاته، ثم رماه بثالث فنزعه وأنهى التلاوة وأيقظ عمارًا وهو ساجد، فلما سأله عمار لِمَ لمْ يوقظه أول ما رُمي؟ فأجاب: "كنت في سورة أقرؤها، فلم أُحب أن أقطعها حتى أنفدها فلما تابع علىّ الرمي ركعت فآذنتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفدها" (١).
- السيطرة على المشاعر:
فإن كنت في شك من قدرة القرآن على الهيمنة على مشاعر الإنسان والسيطرة عليها فسل نفسك: لماذا ظل عبد الله بن مسعود ﵁ يردد قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه:١١٤) في ليلة حتى أصبح؟ ولماذا استمر عمر بن الخطاب ﵁ يردد في الفاتحة طيلة الليل؟! (٢) وغيرهم وغيرهم.
إنها حلاوة الإيمان، وخشوع القلب، ولذة القرب الحقيقي من الله، والشعور بالتغيير الذي يحدث لهم كلما رددوا الآية التي تحركت معها قلوبهم .. فهل من يعيش في هذه الأجواء، ويرى النور بعينه، يعود إلى الوراء، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيقرأ القرآن بلسانه وهو غافل عنه؟!
من هنا ندرك أهمية القرآن كمنهج أساسي لتتغير الذي حدث لجيل الصحابة رضوان الله عليهم.
- المربي والبيئة:
ومع المنهج العظيم المتكامل كان لابد من وجود موجه ومشرف ومتابع لسير عملية التغيير، ليتأكد من جودة النتاج وطيب الثمار، ولقد قام بهذا الدور المهم معلم البشرية، المربي العظيم رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة:٢).
لم يكن ﷺ معلمًا فقط، يُعطي توجيهاته للناس ويتركهم، بل كان معهم يعايشهم، ويتابعهم ويوجههم .. يشرح القرآن، ويؤكد معانيه .. يربط أحداث الحياة بالله ، ويرغب في الآخرة، ويُزَهِّد في الدنيا، ويُزكي النفوس، ويضبط المفاهيم، وينظم الحركة، وإليك أمثلة تؤكد ذلك:
في مجال ربط أحداث الحياة بالله : نراه ﷺ يؤكد لأصحابه على معاني الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، وعلى معاني العبودية له سبحانه، ويربط بين هذه المعاني وبين ما يحدث في الحياة، ففي الهجرة عندما دخل هو وصاحبه أبو بكر الصديق ﵁ إلى غار ثور شعر أبو بكر بقرب المشركين من الغار وأنهم قاب قوسين أو أدنى من رؤيتهما فقال له ﷺ كما جاء في القرآن: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة:٤٠).
стр. 57
وهذا أنس بن مالك يقول: "خدمت رسول الله ﷺ فما قال لي لشيء فعلته ... (لِمَ فعلت كذا وكذا) ولا لشيء لم أفعله: (ألا فعلت كذا؟) " (١) ... وقال: وكان إذا لامني بعض أهله يقول: (دعوه فلو قُدِّر شيء كان) (٢).
ويقول ابن عباس ﵄ كنت ردف النبي ﷺ فقال: (يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشئ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (٣).
انظر إليه ﷺ وهو يربط ما يحدث في الحياة بالله ، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الريح من روح الله تعالى: تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبُّوها، واسألوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شرها) (٤).
ويقول ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك، فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) (٥).
وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة والكثيرة التي كان يُوجِّه بها من حوله من أصحابه، وأمته من بعده، وهي تربط مجريات الأحداث بالله ، فيزداد بذلك التعلق به سبحانه، والتوحيد الخالص له.
- الترغيب في الآخرة:
أما ترغيبه ﷺ لصحابته في الجنة وتخويفهم من النار فما أكثر الأحاديث التي وصلتنا لتؤكد هذا المعنى ..
عن قبيصة ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: (يا أيها االناس، اذكروا الله، جاءت الراجفة، من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه) " (٦).
وفي الصحيحين من حديث البراء ﵁ قال: "أهدى لرسول الله ﷺ ثوب حرير، فجعلوا يعجبون من لينه، فقال ﷺ : (لا تعجبوا من هذا، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا) ".
وكان ﷺ يشحذ همم الصحابة لدخول الجنة فعن أسامة بن زيد ﵁ قال: " قال رسول الله ﷺ ": (ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وحبرة، ونعمة في حلة عالية بهية)، قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمِّرون لها، قال: (قولوا إن شاء الله)، قال القوم: "إن شاء الله" (٧).
стр. 58
- التزهيد في الدنيا:
كان ﷺ حريصًا على تزهيد الصحابة في الدنيا، وعدم تعلقهم بها .. عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ بالسوق والناس كَنَفتيه - أي عن جانبيه - فمر بجدي أسكّ ميت، فتناوله، أخذ بأذنه، ثم قال: (أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟) فقالوا: " ما نحب أنه لنا بشئ، وما نصنع به؟ " ثم قال: (أتحبون أنه لكم؟) قالوا: " والله لو كان حيًا كان عيبًا، أنه أسكُّ، فكيف وهو ميت! " فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) (١).
تخيل معي مدى تأثير هذا الموقف على الحاضرين من الصحابة، وكيف سيتعاملون مع الدنيا بعد ذلك؟!
وفي يوم من الأيام امتلأ المسجد في صلاة الفجر بالصحابة - رضوان الله عليهم - فعرف رسول الله ﷺ أن الكثير منهم جاء من أماكن بعيدة وذلك لعلمهم بأن أبا عبيدة بن الجراح قدم بمال من البحرين، فتبسم ﷺ حين رآهم ثم قال: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء) قالوا: أجل يا رسول الله، قال (فأبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) (٢).
وعندما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال له: (إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين) (٣).
- تزكية النفس:
أما في مجال تزكية النفس من قابليتها للفجور، ومن الشح المجبولة عليه .. فنجده ﷺ يوجه أصحابه للأعمال التي بها تتزكى أنفسهم، وتُروض على الصدق والإخلاص لله ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة،،، منها قوله ﷺ : (من تعظم في نفسه، واختال في مشيته، لقى الله وهو عليه غضبان) (٤).
وقوله: (من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم) (٥).
وفي الصحيحين أنه قد دخل عليه يومًا أبو موسى الأشعري ورجلان من بني عمه، فقال أحدهما: يا رسول الله أمّرنا على بعض ما ولاك الله ، وقال الآخر مثل ذلك، فقال ﷺ : (إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله، أو أحدًا حرص عليه).
هذا من ناحية حماية أصحابة من أنفسهم وغلق أبواب الفتنة أمامها، أما دلالته لهم على أعمال تُقَوِِّي إخلاصهم لله فكثيرة منها قوله ﷺ : (من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل) (٦).
وفي مجال علاج النفس من الشح المجبولة عليه، كان ﷺ يستحث أصحابه دومًا على الإنفاق في سبيل الله .. انظر إليه ﷺ وهو يقول لبلال ﵁: (انفق بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا) (٧).
стр. 59
وعن عبد الله بن عبيد قال: "جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: يارسول الله ما لي لا أحب الموت؟ .. قال: (هل لك من مال؟) قال: نعم يا رسول الله، قال: (فقدم مالك بين يديك) .. قال: لا أطيق ذلك يا رسول الله، قال: (فإن المرء مع ماله، إن قدمه أحب أن يلحق به، وإن خلفه أحب أن يتخلف معه) " (١).
- ضبط الفهم وتعليم الحكمة:
كان ﷺ حريًا على ضبط الفهم عند أصحابه، وتعليمهم الحكمة وفقه التعامل مع أحكام الدين واحتياجات النفس، فعندما بلغه تشديد عثمان بن مظعون ﵁ على نفسه قال له: (يا عثمان! أرغبت عن سنتي؟! فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكد النساء، فاتق الله يا عثمان! فإن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، فصُم وأفطر، وصلِّ ونم) (٢).
انظر إليه وهو يعلم الصحابة الفهم الصحيح، وفقه الأولويات وذلك عندما رأوه يعطي للمؤلفة قلوبهم من الغنائم أكثر من بعض السابقين الأولين فيقول لهم: (إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلىَّ منه، خشية أن يكب في النار على وجهه) (٣).
ولما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم ﷺ على هدم الكعبة وردها إلى قواعد إبراهيم ﵇ ومنعه من ذلك - كما يقول ابن القيم - مع قدرته عليه، خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر (٤).
ففي الصحيحين أنه ﷺ قال للسيدة عائشة: (يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهُدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم).
ومما كان يعلمه ﷺ لأصحابه وأمته بعده أنه نهى أن تقطع الأيدي في الغزو (٥)، خشية أن يترتب عليه ماهو أبغض لله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا (٦).
- توظيف الطاقات وتوجيه الحركة:
ومع تعليمه ﷺ ودلالته لأصحابه على أبواب الخير، ومع متابعتهم والقيام بما سبق بيانه من مهام، فإنه كذلك كان يوظِّف الطاقات، ويُنظم حركة الأفراد، فلقد أمر مجموعة منهم بالهجرة إلى الحبشة كمكان آمن يحميهم ويحمي الدعوة من الإبادة، وكان مما قاله ﷺ : (إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه).
وبعد بيعة العقبة الثانية اختار ﷺ مصعب بن عمير ليرسله إلى يثرب يعلم ويدعو ..
وفي الأحزاب اختار حذيفة بن اليمان - دون غيره - ليأتيه بخبر المشركين، وفي خيبر أعطى الراية لعلي بن أبي طالب .. وأرسل ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل لدعوة أهل اليمن وتعليمهم ...
وهكذا كان ﷺ يُوظف الطاقات فيضع كل شخص في المكان المناسب لإمكاناته ..
من هنا يتبين لنا أهمية دور المربي ووظائفه، والذي تجلى بوضوح في أعظم مربٍّ شهدته البشرية ... محمد ﷺ .
стр. 60
- المحاضن التربوية:
ومع المنهج والمربي يبقي العنصر الثالث في عملية تكوين الجيل الموعود بالنصر والتمكين ألا وهو الجو التربوي، والوسط الذي يتم فيه التكوين، والناظر لسيرة رسول الله ﷺ وصحابته الكرام والطريقة التي تم بها تكوين هذا الجيل الفريد يلحظ أنه ﷺ ، لم يكن يكتفي بإسلام الفرد بل كان يأخذه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم ليكون مع إخوانه يتعلم ويتزكى، ويتآخى معهم.
يقول منير الغضبان: "أصبحت دار الأرقم مركزًا جديدًا للدعوة يتجمع فيه المسلمون ويتلقون عن رسول الله ﷺ كل جديد من الوحي، ويستمعون له ﵊ وهو يذكرهم بالله ويتلو عليهم القرآن، ويضعون بين يديه كل ما في نفوسهم وواقعهم فيربيهم ﵊ على عينه كما تربَّى على عين الله " (١).
وكانت المادة الدراسية التي قام بتدريسها النبي ﷺ في دار الأرقم: القرآن الكريم، فهو مصدر التلقي الوحيد، فقد حرص الحبيب المصطفى ﷺ على توحيد مصدر التلقي وتفرده، وان يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج والفكرة المركزية التي يتربى عليها الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة، وكان روح القدس ينزل بالآيات غضة طرية على رسول الله ﷺ فيسمعها الصحابة من فم رسول الله ﷺ مباشرة، فتُسكب في قلوبهم، وتتسرب في أرواحهم، وتجرى في عروقهم مجرى الدم، وكانت قلوبهم وأرواحهم تتفاعل مع القرآن وتنفعل به، فيتحول الواحد منهم إلى إنسان جديد بقيمه ومشاعره، وأهدافه، وسلوكه وتطلعاته. لقد حرص الرسول ﷺ حرصًا شديدًا على أن يكون القرآن الكريم وحده هو المادة الدراسية، والمنهج الذي تربى عليه نفوس أصحابه، وألا يختلط تعليمهم بشيء من غير القرآن (٢).
- التربية في المدينة:
وبعد الهجرة يتسع الوسط التربوي ليشمل الأنصار، فيتم التآخي بينهم وبين المهاجرين، وتستمر التربية في المجتمع المسلم الوليد، لتبدأ شيئًا فشيئًا تباشير فجر التمكين في الظهور.
نعم قد تكون صورة التربية اختلفت عما كانت عليه في دار الأرقم بمكة لكن جوهرها استمر من خلال المسجد، ومن خلال توجيهات الرسول ﷺ للصحابة ومعايشته لهم، وتفقده لأحوالهم ..
- الخلاصة:
وخلاصة القول أن العناصر الأساسية التي ساهمت في تكوين الجيل الأول هي:
القرآن، والمربي، والوسط التربوي
ومن خلال هذه العناصر الثلاثة ظهرت في هذا الجيل الصفات المؤهلة للدخول في دائرة المعية والنصرة الإلهية، فأوفى الله بعهده معهم، ومكنهم في الأرض، وملكهم ممالكها.
نعم، أهم هذه العناصر - بلا شك - هو القرآن، ولِمَ لا وهو المعجزة الكبرى التي نزلت من السماء، والتي يكمن سرها الأعظم في قدرتها على إحياء القلوب وتغيير الأشخاص تغييرًا جذريًا ... ليأتي بعد ذلك المربي والوسط التربوي كعناصر محسِّنة وضابطة للتغيير الذي يحدثه القرآن.
стр. 61
ومما لا شك فيه أن القرآن لا يمكنه أن يقوم بدوره في التغيير مع أحد من الناس إلا إذا أقبل عليه إقبال من يريد الانتفاع الحقيقي بمعجزته - كما فعل الصحابة - وهذا يستلزم منه أن ينشغل بالقرآن انشغالًا شديدًا، وأن يجعله المصدر الأول والرئيسي للتلقي وبخاصة في فترة التكوين الأولى، وأن يكون همه عند تلاوته هو فهم معانيه، والتأثر بآياته وتحريك القلب بها، وأن يحذر من الاهتمام بلفظه فقط، وأن يتأنى في حفظ آياته قدر المستطاع ليتسنى له العمل بها، وأن يعمل دومًا على ربط القرآن بأحداث الحياة، وعليه أن يصبر على هذه الطريقة في التعامل حتى يمكِّن القرآن من تغيير اهتماماته وتصوراته، والسيطرة على مشاعره، وتمكين الإيمان بالله واليوم الآخر منها ليكون النتاج بعد ذلك: عبدًا مخلصًا لله يردد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ? لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:١٦٢، ١٦٣).
стр. 62
الفصل الخامس
أين نحن من الجيل الموعود ؟
стр. 63
الفصل الخامس
أين نحن من الجيل الموعود؟
بعد أن استعرضنا سويًا صفات الجيل الموعود بالنصر والتمكين، وعشنا مع الجيل الأول الذي تمتع بتحقق الوعد الإلهي له بالنصرة والمعية والاستخلاف في الأرض .. وبعد أن وضحت أمامنا الرؤية لكيفية تحقيق هذه الصفات، يبقي سؤال مهم ينبغي أن نطرحه على أنفسنا وهو: أين نحن من الجيل الموعود؟!
الإجابة عن هذا السؤال تستدعي من كل منا أن ينظر إلى نفسه، ويرفع واقعه من حيث الاهتمامات والتصورات، والأحلام والطموحات، والأقوال والأفعال، والسر والعلانية، وأن يقيس هذا الواقع على صفات الجيل الموعود ومظاهرها المختلفة والتي تم استعراض الكثير منها في الفصل الثاني.
وبعد هذه المقايسة بين الواجب والواقع سيعرف كل منا أين هو من هذا الجيل.
ومما لا شك فيه أننا سنجد بعض الإيجابيات في واقعنا، وسنجد كذلك العديد من السلبيات.
نعم، في القلوب إيمان وحب لله، وفيها كذلك هوى وحب للدنيا ..
نريد أن نكون من أبناء الآخرة، ونود أن نكون كذلك من أبناء الدنيا.
نخطط لمستقبلنا الدنيوي أكثر مما نخطط لمستقبلنا الأخروي.
نريد أن نخدم ديننا ولكن مع الحفاظ على دنيانا ومكتسباتنا فيها.
إننا بهذا الحال لا يمكن أن نصبح من الجيل الموعود، فكما ذُكر سابقًا أن المعية والتأييد والنصر الإلهي لن يكون إلا من نصيب من يستوفي الشروط، وطالما أننا لم نستكملها فسنظل نراوح في أماكننا ..
لقد عاتب الله الصحابة - رضوان الله عليه - عتابًا شديدًا لأن بعضهم كان لا يريد الخروج مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، بسبب شدة الحر من ناحية، وطيب الثمار من ناحية أخرى .. تأمل معي ما قاله الله لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ? إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة:٣٨،٣٩).
فإن كان هذا العتاب للصحابة مع سابقتهم العظيمة في نصرة الإسلام، فماذا لو نزل القرآن علينا الآن؟ ماذا سيقول الله لنا فيه؟!
- فلنبدأ من الآن:
من هنا يتأكد لدينا بأنه إذا ما أردنا أن نكون من أبناء الجيل الموعود بالنصر فلابد من وقفة جادة مع أنفسنا، وإعادة ترتيب لأولوياتنا، وتحديد غايتنا بصدق.
стр. 64
لابد من وضوح الرؤية لدينا تجاه طبيعة ودور هذا الجيل، وأنه ليس كسائر الناس في أحلامه وطموحاته، وفي سعيه وحركته.
كلنا يقدر - بمشيئة الله - على أن يكون من جيل التغيير ... المطلوب فقط هو: همة وعزيمة وإصرار، وإلحاح على الله بأن يجعلنا منهم، وإقبال على القرآن ومعانيه بشغف ولهفة وإسلام قيادنا له، وتفريغ الكثير من أوقاتنا للقائه، وكذلك لابد أن نضع أيدينا في أيدي من سبقنا ممن يسعون لإعادة مجد الإسلام من جديد.
- انتبه:
هناك نقطة لابد أن تؤخذ بعين الاعتبار وهي أن بعضنا قد يرى الكثير من صفات الجيل الموعود وقد تمثلت فيه، فهذا - إن تم - لا يكفي، ولا يبرر له أن يسير منفردًا، فجيل التغيير ليس أفرادًا متناثرين هنا وهناك لا يشعر بعضهم ببعض، بل هو جيل مترابط متآخٍ يتحرك بخطوات موزونة، يقف كل فرد فيه على ثغر من ثغور الأمة الإسلامية .. يوقظ النائم، ويوجه اليقظان، ويوحد الجهود.
لابد من تكاتف الجميع والتفافهم حول المشروع الإسلامي - مشروع بناء مجد الأمة من جديد - فيقوم كل فرد بدوره فيه - وهذا بلا شك يستدعي تجميع الجهود والتنسيق بينها.
- ضرورة التخفف من الأثقال:
إذا كان للجيل الموعود صفات خاصة - كما مر علينا - من تعلق تام بالله ، وإخلاص له، وخوف منه، وحب له، وتواضع، وزهد في الدنيا، ورغبة في الآخرة، وعمل وجهاد لا هوادة فيه، و ..... فإن أكثرنا تأهلًا لاستكمال تلك الصفات هم أولئك الذين لم يغرقوا في بحر الدنيا، ولم تُضع الأثقال في قلوبهم وتجذبهم إلى الأرض، وتمنعهم من حرية الحركة.
تأمل معي - أخي القارئ هذا الحديث المتفق على صحته: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بُضع امرأة وهو يريد أن يبني بها، ولم يبن. ولا أخر قد بنى بنيانًا، ولم يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنمًا و خَلِفَات، وهو منتظر وِلاَدها، قال: فغزا، فأدنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها لي شيئًا، فحبست عليه حتى فتح الله عليه .. الحديث) (١).
فهنا اشترط هذا النبي ﵇ شروطًا لمن يريده للخروج معه في الغزو .. محور هذه الشروط عدم انشغال البال أو تعلق القلب بشيء من الدنيا ..
ويؤكد على هذا المعنى الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث فيقول ﵀:
"وفي هذا الحديث، أن الأمور المهمة ينبغي ألا تفوَّض إلا إلى أولي الحزم وفراغ البال، ولا تفوض إلى متعلق القلب بغيرها، لأن ذلك يضعف عزمه، ويفوت كمال بذل وسعه فيه" (٢).
وهذا هو المطلوب توافره في الجيل الموعود.
стр. 65
- الجنة هي الثمن:
نفس المعنى حدث مع أصحاب بيعة العقبة، فعندما طلب منهم رسول الله ﷺ حمايته ونصرة دينه لم يعدهم بشيء من الدنيا مقابل ذلك حتى لا تتعلق قلوبهم بها، بل جعل المقابل هو الجنة مع علمه ﷺ بما سيُفتح عليه وعلى أصحابه .. قال جابر بن عبد الله: "فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطرد في جبال مكة ويُخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلًا حتى قدموا عليه الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يارسول الله نبايعك: قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة) ".
قال: " فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ ، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة، فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله. قالوا: إمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا ولا نسلبها، قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة " (١).
ولقد ظل الأنصار على بيعتهم يدافعون عن الإسلام، ويحمون حوزته .. يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع، واستمروا في كفالة إخوانهم المهاجرين بل وإيثارهم على أنفسهم .. كل ذلك طمعًا في الشرط الذي بايعوه عليه ... الجنة، أخرج البزار عن جابر ﵁ قال: "كانت الأنصار إذا جزَّوا نخلهم قسم الرجل تمرة قسمين أحدهما أقل من الآخر، ثم يجعلون السَّعَف (٢) مع أقلهما، ثم يخّيرون المسلمين، فيأخذون أكثرهما، ويأخذ الأنصار أقلهما من أجل السَّعف حتى فُتحت خيبر، فقال رسول الله ﷺ : (قد وفيتم لنا بالذي كان عليكم، فإن شئتم أن تطيب أنفسكم بنصيبكم من خيبر، ويطب ثماركم فعلتم) قالوا: إنه قد كان لك علينا شروط ولنا عليك شرط بأن لنا الجنة، فقد فعلنا الذي سألتنا بأنَّ لنا شرطنا. قال: (فذاكم لكم) " (٣).
وهذا هو ما يريده الإسلام الآن. جيل لا ينظر لشيء من حطام الدنيا.
جيل بصره معلق بالسماء، يسعى دومًا لرضا الله والفوز بجنته، يتمثل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة:١١١).
ومما لا شك فيه أننا جميعًا نستطيع أن نكون من أبناء هذا الجيل لو استطعنا أن نُزيل الأثقال التي تجذب أقدامنا وأجسادنا وقلوبنا إلى الأرض.
وبما أن الشباب أقلنا أثقالًا فإنهم بلا شك أكثرنا استعدادًا لاستكمال صفات الجيل الموعود، مع ما يميزهم كذلك من عاطفة جياشة وعزيمة وقَّادة، وهمة عالية وهذا لا يعني بأننا لا نصلح لذلك، بل نصلح - والله - لو عقدنا العزم، وأخلصنا النية، وتخففنا من أثقالنا، وجعلنا الله فقط هو غايتنا، عند ذلك نكون كالشباب في همته وعاطفته وعزمه الوقاد.
стр. 66
- ليست دعوة للرهبانية:
ليس معنى ذلك أخي القارئ أن المطلوب من جيل الأمل ألا يتزوج أو يعمل أو ... ولكن المقصد أن يهيئ نفسه للدور العظيم المنوط به، وأن يستشعر أهمية هذا الدور وبأنه يسبق في الأهمية أي شيء آخر، وأن يعمل قدر جهده على استكمال ما ينقصه من الصفات السابق ذكرها، وذلك قبل دخوله إلى معترك الحياة وتعلق قلبه بالدنيا.
فمما لا شك فيه أنه إذا ما دخل إلى معترك الحياة بعد أن يخطو خطوات كبيرة في مجال بناء ذاته، واستكمال ما ينقصه، واستشعار بثقل الأمانة الملقاة على عاتقه .. لا شك أنه سيُكيِّف حياته تبعًا لواقعه ووقته الذي أوقفه لله .. فهو ليس شخصًا عاديًا ينحصر دوره في الحياة أن يعمل ويتزوج ويكون له أولاد يسعى من أجل تأمين مستقبلهم الدنيوي، ثم يموت ..... كلا، فهدفه السامي في الدنيا هو إيقاظ أمته وتوجيه عاطفتها وقيادتها في الضراء والسراء.
هذه الهدف يستدعي منه أن يُطوِّع كل ظروفه لخدمته.
نعم، سيتزوج ولكنه سيختار زوجة تعينه على تحقيق هدفه، وسيبحث عنها كثيرًا حتى يجدها مثله، تسعى مثل سعيه وتفكر مثلما يفكر، ليبدأ معها في تكوين البيت المسلم القدوة، الذي يهتم بقضية واحدة هي قضية الإسلام ..
لن يهتما بأن يكون مسكنهما واسعًا أو ضيقًا، وفراشه حديث أم قديم .. فمسكنهما ما تيسر، وملبسهما ما تهيأ .. يتحملان شظف العيش، والحياة الخشنة الناتجة من قلة دخل الزوج الذي ارتضى بأن يعمل بوظيفة بسيطة لا تستغرق منه وقتًا طويلًا بعد ذلك للمهمة الأعظم المنتدب إليها.
أما أولادهما فسيعملان سويًا على تربيتهما على حب الله والتعلق به، والتشمير للجنة، والزهد في الدنيا، والحذر من أنفسهم، ليكونوا معهما بعد ذلك من أبناء الجيل الموعود.
- محاور التكوين:
هذه الأجيال الشابة الواعدة من المناسب أن يتم التركيز معها على المحاور الثلاثة التي تنطلق منها صفات الجيل الموعود وهي:
أولًا: إيمان عميق بالله وباليوم الآخر .. يحرك القلب فيربطه دومًا بالله ، ويجعل صاحبه يعبد ربه وكأنه يراه .. ويريط أحداث حياته به سبحانه.
المطلوب هو إيمان ينتج عنه تعظيم لقدر الله في النفس، ويدفعه إلى الحب والرجاء والإخلاص له سبحانه، كما يدفع إلى المساعرة في الخيرات.
ومع الإيمان العميق يأتي الإيمان باليوم الآخر كدافع يدفع العبد للتشمير والسعي الدءوب لبلوغ الجنة والنجاة من النار ..
ثانيًا: تزكية النفس مع الشح المجبولة عليه، وإزالة أي مظاهر لتضخمها والتي لو تُركت لأصبحت بمثابة الصنم الذي يشرك به الإنسان في عبادته مع ربه، وفي استعانته كذلك، وهذا أمر في غاية الأهمية، ويغفل عنه الكثيرون، فالإيمان وحده لا يكفي، بل لابد من أن يصاحبه جهاد للنفس على الصدق والإخلاص، وإلا استولت تلك النفس على الأعمال الصالحة، وحولت مسارها من مسار الإخلاص لله والعمل من أجل رضاه، إلى مسار يخدم حظوظها ويُعظَّم قدرها ...
أمر يحتاج إلى شدة انتباه، وتركيز، وبخاصة في البداية - في مرحلة التكوين الأولى - لأن الخروج بالدعوة وسط الناس سيُعرض صاحبه للمدح والثناء والأضواء ... وهذا إن لم يكن يصاحبه تواضع واستصغار لشأن النفس، ورؤيتها بعين النقص والحذر فسيكون وبالًا على صاحبه.
ثالثا: الفهم الصحيح للإسلام بشموله واعتداله وتوازنه، والتعرف على فقه المقاصد والموازنات والأولويات، وكذلك الواقع الذي يحيط بالداعية.
- العودة إلى القرآن:
هذه المحاور الثلاثة لابد وأن يكون منطلقها الأساسي هو القرآن، فالقرآن هو المصنع الرئيسي للتغيير - كما مر علينا - وبدونه لن يكون النتاج كاملًا، ولن تكون الثمار ناضجة.
стр. 67
نعم، لا بأس من استخدام أي وسيلة تخدم المحاور الثلاثة، ولكن ليكن منطلقها القرآن، فالسيرة النبوية على سبيل المثال لها دور كبير في تقديم النموذج الذي كان عليه الجيل الأول .. هذه السيرة لابد أن تُربط بالقرآن وأن تُدرَّس كنموذج عملي تطبيقي له ..
والتاريخ الإسلامي كذلك، أما السنة فهي صنو القرآن، علينا أن نتعامل معها من هذا المنطلق ونعتبرها شارحة لما أُجمل بيانه في القرآن ..
- القرآن هو نقطة البداية:
إن الضامن الأكبر لاستمرار نمو الفرد وقيامه بتفيذ التوجيهات والتكاليف المختلفة، هو قوة إيمانه بالله وتعلقه بالآخرة، وأفضل منبع مستمر ومتجدد للإيمان هو القرآن: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال:٢). فالقرآن له قدرة عجيبة على استثارة المشاعر، والسيطرة عليها، وتوجيهها لله وليس ذلك فحسب، بل إن للقرآن خاصية عجيبة - لا توجد في غيره - وهي قدرته على جعل من يتعامل معه بطريقة صحيحة في حالة دائمة من الهمة والنشاط والتوقد والإيجابية، وذلك من خلال توليده المستمر للطاقة داخل نفس صاحبه كلما قرأه وتجاوب معه وتأثرت به مشاعره .. هذه الطاقة ستدفعه ليصرفها في أعمال البر المختلفة، والتي دلَّ عليها القرآن، مما يجعله أكثر الناس عملًا وإنتاجًا مع نفسه، ومع أهله، وفي محيطه الدعوي، لذلك ينبغي أن يكون الجهد الأكبر في البداية منصبًا على العودة الحقيقية للقرآن والانتفاع بمعجزته، والدخول في دائرة تأثيره وورود منابع الإيمان فيه، فإذا ما تم ذلك كان استكمال المحاور الثلاثة (الإيمان، التزكية، الفهم) من أسهل ما يكون.
- مفهوم العودة إلى القرآن:
ومما ينبغي الإشارة إليه أن العودة إلى القرآن لا تعني أن يضع الفرد لنفسه برنامجًا يحفظ من خلاله القرآن في مدة وجيزة، أو يختمه في أيام، بل المقصد أن يعود إلى القيمة الحقيقية للقرآن والتي أنزله الله من أجلها كأداة ووسيلة ربانية للهداية والشفاء والتقويم والتغيير .. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء:٩).
هذا هو دور القرآن الحقيقي، وما قراءته أوحفظه إلا وسائل لتيسير الانتفاع بمعجزته، ومعنى ذلك أنه ينبغي على الجيل الموعود بالنصر والتمكين أن يقبل على القرآن بكيانه، وأن يُفرِّغ له أكبر وقت لديه، وينشغل به، ويجعله مصدره الأول للتلقي، ومما يعينه على ذلك أن يُخصص له وقتًا كل يوم، وأن يقرأه في مكان هادئ بعيدًا عن الضوضاء لتحسن استفادته منه، والتعبير عن مشاعره تجاه الآيات بالبكاء والدعاء، وعليه كذلك أن يهيئ قلبه قبل التلاوة بتذكر الموت والآخرة فقد قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق:٤٥).
ومع هذه الوسائل، ينبغي أن تكون القراءة بهدوء وترسل وترتيل، وكذلك بتركيز وبدون سرحان، وأن يجعل المعنى الإجمالي للآية هو المقصود، ولا يتوقف عند تفسير كل كلمة، بل ينبغي عليه أن يسمح لآيات القرآن أن تنساب داخله ويتصاعد تأثيرها شيئًا فشيئًا حتى تسيطر على المشاعر وتوجهها لله ، وهذا هو المقصد الأسمى من القراءة، فالتدبر وحده لا يكفي، بل لابد من التأثر والذي من خلاله يزداد الإيمان، وتتولد الطاقة ويحدث التغيير القويم.
وعندما يجد أحدنا قلبه ينفعل ويتحرك مع آية من الآيات فعليه أن يرددها مرات ومرات، لأنه كلما فعل ذلك ازداد الإيمان في قلبه .. هذا الترديد لا يوجد له حد أقصى، فطالما وُجد التجاوب استمر الترديد، فإذا توقف التجاوب، انتقلنا إلى ما بعدها من آيات.
стр. 68
أما بالنسبة للحفظ فعليه أن يتبع طريقة الصحابة في ذلك، بأن يأخذ بضع آيات ويعيش معها ويقرأ تفسيرها، ويطبق ما تدل عليه من خلق وسلوك ولا ينتقل إلى غيرها إلا بعد أن يتأكد من أنه يعمل بها .. كل ذلك ليَحسُن انتفاعه بالقرآن، وتصبح آياته حجة له لا عليه.
- مشروع النهضة:
أخي المسلم .. أختي المسلمة:
إن القرآن هو مشروع النهضة للأمة جمعاء، وهو الحبل الذي أنزله الله من السماء ليخلصنا مما نحن فيه .. فماذا نحن فاعلون؟
علينا أولًا: بالاعتصام بهذا الحبل والإقبال عليه، إقبال الظمآن على الماء بل أشد، وأن نُعطيه أفضل وأكثر أوقاتنا، فالحل - يقينًا للخروج من المأزق الذي نعيش فيه يبدأ بالتمسك بهذا الكتاب. فإذا ما تم لنا ذلك - وهو يسير لكل من أراده بصدق - فعلينا ثانيًا: أن ندعو الناس إلى القرآن، ونبث فيهم روحه، وننتشل من نستطيع انتشاله من جاذبية الأرض والطين لنربطه بحبل القرآن، وأن نستمر على ذلك حتى يأتي موعود الله.
- من أين أبدأ ؟!:
فإن قلت: ولكني الآن بمفردي .. أرى ما يحدث لأمتي من ذل وهوان، ولا أملك إلا نفسي، وأريد أن أكون من جيل التغيير .. فماذا أفعل؟!
الحل يكمن في العوة إلى القرآن والتمسك به، والعمل بما تدل عليه آياته، والاستفادة من الطاقة المتولدة عنه للقيام بأعمال البر المختلفة ..
نعم، هذا لا يكفي، فجيل التغيير مترابط متماسك متآخٍ .. يكمل بعضه بعضًا، يقف أفراده على ثغور الإسلام، ويشد بعضهم بعض ..
من هنا كان من الضروري البحث عنهم، والتواجد بينهم، فإن لم نستطع العثور عليهم فعلينا بالتمسك بالقرآن، والعودة الحقيقة إليه، لا العودة الشكلية، وعلينا أن ندعو من حولنا إليه ... الآباء والأمهات، الزوجات والأبناء، الأقارب والجيران والزملاء ..
لنتحرك بهذه الدعوة - دعوة العودة إلى القرآن - في كل مكان، ولا نكتفي بذلك، بل لتكن لنا محاضننا التربوية مثل المحاضن الأولى التي كانت موجودة في دار الأرقم وفي بيوت الصحابة كذلك، ولنا في قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁ الدليل على أهمية هذه المحاضن، فقد ذهب لأخته فوجد في بيتها خباب بن الأرت يعلمها وزوجها آيات القرآن ...
إذن لابد من وجود محاضن تربوية في بيوتنا .. الزوج مع زوجته وأولاده، والأخ مع أخوانه، وعلى قدر صدقنا في ذلك وتجردنا له، سيأتي اليوم الذي نتقابل فيه مع من يسير معنا في طريق الله فنضع يدنا في يديه لنُشكل سويًا ... الجيل الموعود بالنصر والتمكين.
стр. 69
الخاتمة
وبعد
قد يقول قائل: إن ما قيل في الصفحات السابقة من عودة مجد الإسلام من جديد، وعودة الخلافة، وأستاذية العالم، ضرب من ضروب الخيال وأحلام اليقظة التي يهدف بها إلى صرف الانتباه عن الواقع المرير الذي نحياه.
لا والله، بل ستكون حقائق قد نشاهدها قريبًا، وبأسرع مما نتوقع لو أحسنّا الفرار إلى الله، والعودة إلى كتابه، وربطنا أنفسنا به.
سنرى عز الإسلام بأعيننا لو تكاتفنا جميعًا في إيجاد الجيل الموعود ..
أخي المسلم، أختي المسلمة:
يقينًا سيعود مجد الإسلام من جديد، ولكن متى؟!
هذا السؤال تتوقف إجابته علىّ وعليك، فبأيدينا إن أصبحنا من جيل التغيير أن نجيب عن هذا السؤال، فنصر الله قريب: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:٢١٤).
هذا النصر ينتظر من يستحقه .. ولا تسل عن الكيفية التي سيحدث من خلالها النصر والتمكين فهذا ليس من عملنا، بل من عمل الله .
إن الذي أخرج يوسف من السجن .. ورفعه على العرش من خلال رؤية رآها الملك وفسرها له يوسف ﵇ لقادر على أن ينصرنا وبما لا يمكن تخيله، والذي نصر محمدًا ﷺ وأعاده إلى مكة فاتحًا منتصرًا بعد أن خرج منها مطرودًا، ليستطيع أن ينصرنا ويعيد لنا مجدنا وعزنا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (البقرة:١٠٦،١٠٧).
نسأل الله أن يجعلنا وأزواجنا وأبناءنا من جيل التغيير الذين يحبهم ويحبونه، وأن يستعملنا ولا يستبدلنا، ونسأله كذلك أن يبلغنا آمالنا، ويغفر ذنوبنا، ويحسن خاتمتنا.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين.