← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36404

حقيقة العبودية

مجدي الهلالي

Полный текст (46 стр.). Показаны 36–46 · переход к 41.

стр. 36

ومع التكرار في عرض حقائق المعرفة بالله تأتي لغة الخطاب المعجز الذي لا يخاطب العقل فقط كما يحدث في الكثير من الكتب التي تعرض الحقائق العلمية - مثلا - والتي من شأنها أن تُضخم العقل دون أن يواكب ذلك تأثير واضح على المشاعر، مما يجعلها ضعيفة الأثر على السلوك .. فالمتأمل لخطاب القرآن يجده يمزج الفكر بالعاطفة .. يستثير كوامن العقل، ويستجيش المشاعر في وقت واحد مما يزيد الإيمان ويولد الطاقة، ويدفع صاحبه للقيام بمقتضى ذلك الإيمان من أعمال البر المختلفة. يقول محمد الغزالي ﵀: هذا الكتاب يعرف الناس بربهم على أساس من إثارة العقل، وتعميق النظر، ثم يحول هذه المعرفة إلى مهابة لله، ويقظة في الضمير، ووجل من التقصير، واستعداد للحساب (١). تأمل معي هذه الآيات وما فيها من حقائق تخاطب العقل وتستثير العاطفة: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٢، ١٣]. ومما يساعد العبد كذلك على تحويل الحقائق التي يطرحها القرآن إلى إيمان يرسخ في القلب: قيامه بقراءة القرآن بالطريقة التي أمرنا الله بها: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤] فترتيل القرآن والتغني به وتحسين الصوت عند تلاوته مع فهم المراد منه له وظيفة كبيرة في استثارة المشاعر ومزج الفكر بالعاطفة ومن ثَمَّ زيادة الإيمان في القلب. ألوان العبودية: عندما تستثار العاطفة تجاه قضية ما فإن هذا يعني دخول صاحبها في حالة إيمانية، فإذا ما استمر الطرق على مشاعره في نفس الإتجاه استقرت تلك الحالة المشاعرية، أو بمعنى آخر وقر الإيمان بهذه القضية في القلب، وهذا من شأنه أن يثمر سلوكاً يُصَدِّق هذا الإيمان، وهذا ما يفعله القرآن بمزجه الدائم بين الفكر والعاطفة، وبشدة طرقه على المشاعر، وتكرار هذا الطرق، أي أنه يُنشئ الإيمان في القلب ويجعل المشاعر تتجه إلى الله. مع الأخذ في الاعتبار أن القرآن يفعل ذلك مع كل ما ينبغي الإيمان به، فعلى سبيل المثال: لا يكتفي القرآن بتوجيه مشاعر الخوف من الله فقط بل يوجه جميع المشاعر من حب وخوف ورجاء وطمع وفرح وسكينة إليه سبحانه، أي أن القرآن يُنشئ الإيمان في القلب بقاعدته العريضة، ويجعل صاحبه يتقلب في جميع صور العبودية لله حسب الظرف القائم أمامه، فهو أمام السراء تجده يشعر بالامتنان تجاه ربه، وأمام الضراء تجده راضياً مستسلماً للقضاء .. يعيش دوما في حالة الافتقار إلى الله والانكسار الدائم له، والشعور بأنه لا قيام له ولا حياة ولا رشاد إلا به سبحانه. منهج القرآن في التعريف بالله: ولقد أفاض سيد قطب ﵀ في كتابه مقومات التصور الإسلامي في بيان منهج القرآن في التعريف بالله، وتحويل هذه المعرفة إلى إيمان حي يدفع للسلوك القويم فكان مما قاله:

стр. 37

" والمنهج القرآني يزحم الشعور الإنساني بحقيقة الألوهية، ويأخذ على النفس أقطارها جميعا بهذه الحقيقة وهو يتحدث عن ذات الله - سبحانه - وصفاته، وآثار قدرته وإبداعه، فتتمثل في الضمير البشري تلك الحقيقة .. حقيقة الذات الخالقة لكل شيء، المالكة لكل شيء، المحيطة بكل شيء، المهيمنة على كل شيء، المدبرة لكل شيء، المؤثرة في كل شيء، وتشغل مشاعر الإنسان وحسه، وضميره وعقله وكيانه كله بهذه الحقيقة وخصائصها، وقدرتها وقوتها، ورحمتها ورعايتها، وجلالها ومهابتها، وأنسها وقربها، وإحاطتها بالكون والناس في كل وضع وفي كل حال، بحيث تستشعر النفس - كما هو الأمر في الواقع - أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن ليس مهرب منه ولا فوت، وأن ليس سواه عون ولا سند، وأن ليس هناك وجود لشيء - قائم بذاته - إلا ذات الله سبحانه، القوامة على جميع الخلائق الفانية. وهذا هو الشعور القوي الغامر الحي الذي يخرج به الإنسان من قراءة القرآن الكريم .. منهج فريد: (والمنهج القرآني في التعريف بحقيقة الألوهية منهج فريد .. إنه يوقع على أوتار النفس البشرية جميعها، ويدخل عليها من منافذها كلها، يوقع على أوتار الخوف والحذر والرجاء والطمأنينة، وعلى أوتار المهابة والجلال والأنس والود، وعلى أوتار القهر والجبروت والرأفة والرحمة، وعلى أوتار النقمة والعذاب والنعمة والعطاء) (١). القرآن وشهادة التوحيد: " .. ولقد جلى القرآن للناس حقيقة الألوهية من خلال آثار فاعليتها المتجلية في الكون والحياة المصرفة لأقدار العباد، وعرض لهم من هذه الآثار في الأنفس والآفاق ما يملأ الكينونة البشرية بالإجلال والحب، وبالخشية والتقوى، وبالرجاء والثقة، وبالأنس والقرب، وبالحذر واليقظة، وبالشعور الدائم بوجود الله - سبحانه - وحضوره، بحيث لا يملك القلب المؤمن أن ينسى، أو أن يغفل عن ذلك الوجود وعن هذا الحضور لحظة في أي وضع وفي أي حال. وشهادة أن لا إله إلا الله .. تتطلب أن يصل الإحساس بوجود الله - سبحانه - ووحدانيته حد اليقين الناشئ من مثل الرؤية والمشاهدة، فهي رؤية ومشاهدة لهذه الحقيقة بآثارها في أغوار النفس المكنونة، وفي صفحات الكون المنشورة .. رؤية واضحة ومشاهدة مستيقنة، تقوم عليها شهادة (٢) ". المنة الكبرى: (إن حقيقة الألوهية - كما يجلوها المنهج القرآني - ذات أثُر إيجابي في ضمائر المؤمنين وعقولهم، وفي واقعهم وحياتهم، بقدر ما هي في ذاتها حق، وبقدر ما هي ذات بهاء وجمال وكمال. إن الضمير البشري لا يستقيم بغير هذه الحقيقة. إن العقل البشري لا يستقيم بغير هذه الحقيقة. إن الحياة البشرية لا تستقيم بغير هذه الحقيقة. ولئن امتن الله على عباده أن خلقهم، ورزقهم، وكفلهم .. فإن جلاء حقيقة الألوهية في القرآن على هذا النحو - وجلاء سائر الحقائق الأخرى - لهو المنة الكبرى التي تعدل .. بل ترجح كل تلك المنن. ولا عجب أن يذكر - سبحانه - في مقدمة الآلاء في سورة الرحمن، والتي عدد فيها آلاءه في الأنفس والآفاق وفي الدنيا والآخرة، نعمة تعليم القرآن) (٣).

стр. 38

نموذج لا يُنسى: وقبل أن نختم الحديث في هذا الفصل نسوق كلاما للشهيد سيد قطب حول النموذج الذي صنعه القرآن، والذي تمثل في الجيل الأول، وكيف وصلوا إلى معرفة الله وتحققوا بصفات الربانيين .. يقول ﵀: لقد كنت - وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى - أقف أمام شعور الجماعة الأولى بوجود الله - سبحانه - وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم، فلا أكاد أُدرك كيف تم هذا؟ كيف أصبحت حقيقة الألوهية حاضرة في قلوبهم وفي حياتهم على هذا النحو العجيب؟ كيف امتلأت قلوبهم وحياتهم بهذه الحقيقة هذا الامتلاء؟ كيف أصبحت هذه الحقيقة تأخذ عليهم الفجاج والمسالك والإتجاهات والآفاق، بحيث تواجههم حيثما اتجهوا، وتكون معهم أينما كانوا وكيفما كانوا؟ كنت أدرك طبيعة وجود هذه الحقيقة وحضورها في قلوبهم وفي حياتهم .. ولكني لم أكن أُدرك كيف تم هذا؟! حتى عُدت إلى القرآن أقرأه على ضوء موضوعه الأصيل وهو: (تجلية حقيقة الألوهية، وتعبيد الناس لها وحدها بعد أن يعرفوها .. ). وهنا فقط أدركت كيف تم هذا كله! أدركت ولا أقول - أحطت - سر الصناعة! عرفت أين صُنع ذلك الجيل المتفرد في تاريخ البشرية وكيف صُنع! إنهم صُنعوا ها هنا بهذا القرآن! بهذا المنهج المتجلي فيه! بهذه الحقيقة المتجلية في هذا المنهج! حيث تحيط هذه الحقيقة بكل شيء، وتغمر كل شيء، ويصدر عنها كل شيء، ويتصل بها كل شيء، ويتكيف بها كل شيء. لقد وُجدت هذه الحقيقة في نفوس الناس وفي حياتهم كما لم توجد من قبل قط في نفوس الناس وفي حياتهم .. وُجدت بكل مقوماتها، وبكل إيحاءاتها، وبكل تأثيراتها .. وُجدت حية فاعلة قوية شاملة .. تتعامل مع الناس - كما تتعامل مع الوجود كله - ويتعامل معها الناس - كما يتعامل معها الوجود كله. الله هو الأول والآخر. والله هو الظاهر والباطن. والله هو الخالق والرازق. والله هو المسيطر والمدبر. والله هو الرافع والخافض. والله هو المعز المذل. والله هو القابض والباسط. والله هو المحيي والمميت. والله هو النافع والضار. والله هو المنتقم الجبار. والله هو الغفور الودود. والله هو العلي الكبير. والله هو القريب المجيب. والله هو الذي يحول بين المرء وقلبه. والله هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. والله هو العليم بذات الصدور. وهو معهم أينما كانوا. وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو. وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته. وهو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. لا ملجأ من الله إلا إليه. وما لهم من دونه من وال، وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً. وهكذا .. وهكذا .. جعلت هذه الحقيقة تملأ على الناس حياتهم، وتواجههم في كل درب، وتتراءى لهم في كل صوب، وتأخذ على أنفسهم أقطارها، وتعايشهم وتساكنهم بالليل والنهار، وبالغدو والأسحار، وحين يستغشون ثيابهم، وحين تهجس سرائرهم، وحين يستخفون من الناس. بل حين يستخفون من نفوسهم التي بين جنوبهم. حقيقة الربانية: بهذا كله وُجدت - في الأرض وفي دنيا الناس - حقيقة أخرى .. " حقيقة الربانية " متمثلة في ناس من البشر. وُجد " الربانيون " الموصولون بالله العائشون بالله ولله .. الذين ليس في قلوبهم وليس في حياتهم إلا الله، الذين فرغت قلوبهم من حظ أنفسهم، ولم يعد لهم حظ إلا في الله، ولله. وُجدت حقيقة " الربانية " هذه في الناس، حينما وُجدت حقيقة الألوهية بصورتها في عالم الناس. حينما وُجدت بهذه القوة، وبهذا الوضوح، وبهذا العمق وبهذا الشمول، وبهذه الإحاطة التي تحجب كل وجود غيرها، وتكشف كل مؤثر سواها، وترد الأمر كله - كما هو في حقيقته - لله.

стр. 39

وحينما وُجدت حقيقة " الربانية " هذه في دنيا الناس، ووجد " الربانيون " الذين هم الترجمة الحية لهذه الحقيقة .. حينئذ انساحت الحواجز الأرضية، والمقررات الأرضية، والمألوفات الأرضية .. ودبت هذه الحقيقة على الأرض، حرة من الحواجز .. حرة من المقررات .. حرة من المألوفات، وصنع الله ما صنع في الأرض، وفي حياة الناس، بتلك الحفنة من العباد، الذين تمثلت فيهم تلك الحقيقة الكبيرة، التي ليس ورائها حقيقة إلا ما اتصل بها واستُمد منها فأصبح له وجود مؤثر في هذا الوجود. وبطلت الحواجز التي اعتاد عليها الناس أن يروها تقف في وجه الجهد البشري وتحدد مداه. وبطلت المألوفات التي يقيس بها الناس الأحداث والأشياء .. بطلت المقررات التي كان الناس يحكمونها في الأوضاع والأحداث. وثبتت هذه القيمة الجديدة - في عالم الواقع - لأنها وحدها القيمة ذات الوجود الحقيقي الكبير! ووُجد الواقع الإسلامي الجديد .. وولد معه الإنسان الحقيقي الجديد (١).

стр. 40

الفصل الرابع نقطة البداية

стр. 41

نقطة البداية خلصنا مما سبق بيانه أنه لكي يُحقق المرء في نفسه صفات العبودية لله ، ويرتدي رداءها لابد له من معرفة عميقة به سبحانه .. هذه المعرفة تحتاج إلى معلومات .. هذه المعلومات بثها الله في الكون المحيط بنا، من مخلوقات تراها أعيننا، ومن أحداث تمر بنا في حياتنا. كما أرسل لعباده دليلاً يدل عليه، ويقود من يستخدمه إلى معرفته، وإلى الانتفاع بآياته المبثوثة في كونه .. هذا الدليل هو الكتاب الخالد .. القرآن الكريم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥، ١٦]. التمسك بالدليل هو البداية: إن القرآن الذي بين أيدينا وتراه أعيننا قادر - بإذن الله - على أن يعرفنا بربنا معرفة يقينية، وأن يُنشئ الإيمان بقاعدته العريضة في قلوبنا، وأن يجعلنا نربط حياتنا به سبحانه، وأن يعلمنا كيف نعتبر بآياته المنظورة، وكيف نستدل من خلالها على الله فتزداد بذلك المعرفة ومن ثَمَّ المعاملة والقرب. كل ذلك يفعله القرآن وأكثر وأكثر: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]. إذن فنقطة البداية في رحلة المعرفة والسير إلى الله هي اتخاذ الدليل الذي يدلنا على الله ويعرفنا به ... وهذه هي وظيفة القرآن المتفردة. ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم ﵀ فيقول: لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله (١). ولكي يقوم القرآن بهذه الوظيفة لابد وأن نتعامل معه على حقيقته ... وأنه أعظم وسيلة تعرف بالله وتُنشئ الإيمان في القلب ... تأمل معي تعليق الإمام البخاري على قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]. يقول: "لا يجد طعمه إلا من آمن به."

стр. 42

لابد إذن من الاقتناع بأهمية القرآن في بناء الإيمان وتحقيق العبودية .. هذه القناعة ستثمر بمشيئة الله رغبة، وعلى قدر الرغبة والعزم يكون المدد من الله، فالإمداد على قدر الاستعداد، وكما قال ﷺ : "ومن يتحر الخير يُعطه " (١). وجاء في الأثر عن أبي الدرداء قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني وحببني إلى خلقي، ولن تستطيع أن تفعل ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصاً على ذلك أعنتك عليه، فإذا فعلت ذلك فخذ به اللذة والنظرة وقرة العين والطمأنينة (٢). فالرغبة والحرص هما مفتاح الانتفاع بالقرآن، ومفتاح لكل خير (٣) .. ألم يقل سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٧، ٢٨]. وسائل معينة: ومع الرغبة والحرص هناك بعض الوسائل التي من شأنها أن تسرع الخطى بنا للدخول إلى عالم القرآن والاغتراف من معينه ... هذه الوسائل يمكن أن نستخلصها من التفكر في هدفنا من التعامل مع القرآن، ألا وهو التعرف على الله وإنشاء الإيمان في القلب وبث الروح فيه، فالمعرفة تستدعي فهماً للآيات، واستمراراً لقراءتها والتعامل معها حتى يرسخ مدلولها في العقل، وتستدعي كذلك تجاوب المشاعر معها حتى تثمر إيماناً في القلب .. هذا الإيمان لن يستقر في القلب، ولن يشكل جزءاً أصيلاً من المشاعر إلا إذا حدث تكرار واستمرارية في الطرق على تلك المشاعر. إذن فقد وضحت أمامنا الوسائل ... مداومة على القراءة اليومية وبأكبر وقت ممكن ... قراءة في مكان هادئ -قدر المستطاع - يستجمع فيه المرء شوارد فكره ليستعين بذلك على التركيز مع الآيات وفهمها ... أيضاً لابد من تهيئة المشاعر واستجماعها مع القراءة وذلك يمكن حدوثه من خلال التباكي مع القرآن وتكلف الحزن ... وكذلك فإن القراءة الجهرية والترتيل وتحسين الصوت لهما أثر كبير في استثارة المشاعر وعدم شرود الذهن. وكما نُعمل عقولنا في أي شيء نقرؤه لكي نفهمه، علينا أن نفعل ذلك مع القرآن، فإذا ما حدث تأثر بآية من الآيات علينا أن نُكثر من ترديدها ليستقر مدلولها في عقولنا، وينمو الإيمان بها في قلوبنا .. وشيئا فشيئا يستقر هذا الإيمان في المشاعر. بهذه الوسائل السهلة يمكننا بمشيئة الله الانتفاع بالقرآن. التدبر والترتيل: ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الوسائل تدور في فلك الأمرين اللذين أمرنا الله بهما عند قراءة القرآن: الأمر الأول: تدبره عند قراءته: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [محمد:٢٤]. ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] والأمر الثاني: ترتيله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٤]. فالتدبر يخاطب العقل، والترتيل يخاطب المشاعر، فإذا ما قمنا بتنفيذ هذين الأمرين في نفس الوقت فسيؤدي ذلك إلى مزج الفكر بالعاطفة، ومن ثَمَّ زيادة الإيمان في القلب فنحقق قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]. هكذا كان يفعل الصحابة: إن كان الجيل الأول قد تحقق بصفات الربانيين، والعيش في حقيقة العبودية، فإن العامل الأساسي لهذا النجاح هو القرآن كما أسلفنا، فلقد كانوا يتعاملون معه على حقيقته، وكان أستاذهم ومربيهم محمد ﷺ يتابعهم في ذلك، ويرشدهم إلى الوسائل النافعة المعينة على فهمه والتأثر به.

стр. 43

وإليك أخي القارئ بعضا من التفصيل حول هذه الوسائل - والتي تحدثنا عنها بإجمال في الأسطر السابقة - مع ذكر أمثلة تؤكدها من السنة المطهرة وفعل الصحابة رضوان الله عليهم. أولاً: الانشغال بالقرآن وتلاوته كل يوم: فمن البديهي أننا ما دمنا نحتاج إلى معرفة الله ، ودوام ربط أحداث الحياة به، والتجلبب الدائم بجلباب العبودية، فهذا يستدعي تلاوة القرآن كل يوم، وبقدر مناسب، وكلما أعطينا للقرآن وقتاً أطول من يومنا كان المردود أكثر إيجابية بمشيئة الله، وفي المقابل عندما لا نداوم على قراءته كل يوم فسيصعب علينا الانتفاع بما فيه ... قال ﷺ : " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصياً من قلوب الرجال من الإبل في عُقلها" (١). فلكي يسهل على اللسان قراءته، وعلى العقل فهمه، وعلى القلب التأثر به لابد من مداومة تلاوته وعدم جفائه ولو يوما .. قال ﷺ : "اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه" (٢). عن الحسن البصري قال: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان ﵁ حتى خُرق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه (٣). وعن ابن عباس ﵁ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا دخل البيت نشر المصحف فقرأ فيه (٤). ثانيا: التهيئة الذهنية: والمقصد منها تهيئة الذهن لفهم القرآن وعدم الشرود أو التيه في أودية الدنيا، وهذا يستدعي منا أن نقرأ القرآن في مكان هادئ قدر المستطاع دون وجود ما يشوش علينا صفاء أذهاننا، ومما يؤكد ذلك المعنى ما رواه أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: " ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة ". وجاء ذكر ذلك أيضا في الأمر بالإنصات وليس بالسكوت عند سماع القرآن لأن الفرق بينهما كبير: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] وقد فهمت الجن ذلك فنصح بعضهم بعضاً ليس فقط بالسماع ولا بالسكوت ولكن: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩]. ثالثاً: التهيئة القلبية: وهذه الوسيلة من أهم الوسائل التي تُسرع بنا الخطى نحو الانتفاع بالقرآن والتأثر به، وكيف لا وقد قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠]. وقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]. والمقصد منها تهيئة المشاعر لسرعة الاستثارة والتجاوب مع الآيات، ويمكن أن يتم ذلك من خلال القراءة بتباكي وتحزن وتخشع (أي تكلف ذلك) قال ﷺ : "اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" (٥). وقال: " أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله " (٦). وهذا عبد الله بن مسعود ﵁ ينصحنا قائلاً: "اقرؤوا القرآن وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة" (٧). ومما لاشك فيه أن المداومة على القراءة بتباك وتحَزُّن لها دور كبير في تحريك القلب وتأثره بالقرآن.

стр. 44

رابعاً: القراءة من المصحف: فالقراءة من المصحف لها فوائد عظيمة في عدم شرود الذهن، ومن ثم حدوث الفهم والتأثر، قال ﷺ : " من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف " (١). خامساً: الجهر بالقراءة والترتيل وتحسين الصوت: فهذه الوسائل لها وظيفة كبيرة في استجلاب التأثر، قال ﷺ : " ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به " (٢). وقال: حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنا " (٣). وكاد ابن مسعود يُقرئ القرآن رجلاً، فقرأ الرجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قال: كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال أقرأنيها: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] فمدها (٤). سادساً: إعمال العقل في فهم الآيات: فمما لا شك فيه أن تدبر العقل للآيات والاجتهاد في فهمها يشكل المحور الأساسي للانتفاع بالقرآن، فبدونه لن تتم التذكرة ومن ثم التأثر واليقظة: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٢]. فتدبر القرآن وفهمه - ولو إجماليًا- أمر لابد منه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. وقال الحسن بن علي: اقرأ القرآن ما نهاك، فإن لم ينهك فلست تقرأه. أي إن لم تعش مع القرآن وتفهم خطابه وما يأمرك به وينهاك فأنت بذلك لا تقرؤه قراءة صحيحة. ولأن القرآن حمال أوجه، فيمكن للجميع أن يتدبروه ويفهموه بقدر مستوى إدراكهم ... نعم، سيتفاوت الفهم من شخص لآخر، ما بين فهم عميق أو سطحي أو متوسط، لكن ليست العبرة بعمق الفهم، ولكن بالتأثر المصاحب لهذا الفهم، والذي من خلاله يزداد الإيمان، وينتبه القلب، وهذا أمر متاح للجميع بإذن الله. فن قلت: ولكني أجد بعض الكلمات التي لا أفهم معناها، وبعض الآيات لا أستطيع تدبرها، فماذا أفعل؟! علينا أن نمرر مالا نفهمه من آيات ونكتفي بالمعنى الإجمالي وذلك وقت القراءة سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، وهذا ما دلنا عليه رسول الله ﷺ بقوله: " إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه" (٥). فلنسترسل في القراءة ولنُعمل عقولنا في فهم ما نقرأ بدون تكلف، ولنمرر ما لا نفهمه، حتى نسمح للآيات أن تنساب داخلنا ويتصاعد تأثيرها شيئاً فشيئاً حتى نصل لمرحلة التأثر. ويمكننا بعد ذلك أن نعود للتفسير لفهم ما أُشكل علينا فهمه، ومعرفة الأحكام التي دلت عليها الآيات، ولكن في وقت آخر غير وقت القراءة. سابعاً: التجاوب مع القراءة: القرآن خطاب من الله يخاطبنا من خلاله، فعلينا أن نتجاوب مع هذا الخطاب، فإن كان هناك سؤال أجبنا عليه، وإن كان هناك أمر بالاستغفار أو التسبيح استغفرنا وسبحنا، وعندما نجد حديثا عن النار نستعيذ منها، وإن كان الحديث عن الجنة نتشوق إليها ونسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

стр. 45

عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: صليت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فافتتح بالبقرة فقرأها، ثم افتتح بالنساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع (١). وكان ﷺ يمشي ذات ليلة في طرقات المدينة فسمع من يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فبكى وقال: نعم يا رب قد أتاني. وعن نافع قال: كان ابن عمر يقرأ في صلاته، فيمر بالآية فيها ذكر الجنة فيقف ويسأل الجنة، ويدعو ويبكي، ويمر بالآية فيها ذكر النار فيقف ويستجير بالله (٢). ثامناً: ترديد الآية التي تؤثر في القلب: بالمداومة على الوسائل السابقة ستأتي - بلا شك - لحظات يتجاوب فيها القلب مع آية من الآيات، ويتأثر بها، وهذا يعني دخول نور هذه الآية إليه، وهزها للمشاعر، وبث الروح فيه ... وهذا هو ما نريده. من هنا كان من الضروري استثمار تلك الفرصة العظيمة والسماح لأكبر قدر من النور ليدخل القلب، وذلك من خلال ترديد الآية - أو الآيات - التي أثرت فينا ... قال أبو ذر ﵁: قام النبي ﷺ بآية يرددها حتى أصبح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] (٣). وعن مسروق قال: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد يصبح يقرأ آية من كتاب الله، يركع ويسجد ويبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] (٤).

стр. 46

وأخيرًا أخي بالمداومة على هذه الوسائل يدخل نور القرآن إلى القلب شيئاً فشيئاً، وتدب الحياة في جنباته، ويصبح في حالة دائمة من التذكر والانتباه، وليس ذلك فحسب بل ستزداد يوما بعد يوم المعرفة بالله ، وستكون بعون الله معرفة مؤثرة تُنشئ الإيمان في القلب وترسخه فيه، لينعكس ذلك على معاملات المرء مع ربه فيزداد له حباً وشوقاً وخشية وإنابة وتوكلاً .. أخي الحبيب: إن القرآن يُعد بمثابة الغيث لقلوبنا، فإن أردنا حياة حقيقية فما علينا إلا أن نجعلها تتعرض لهذا الغيث المبارك ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً .. علينا أن نقترب دوما منه، ولا نجفو عنه، وأن نمكث معه أطول فترة زمنية ممكنة، وأن نقرأه بالطريقة التي أمرنا الله بها، وفصلها لنا رسولنا محمد ﷺ .. فإن فعلنا ذلك فسيستمر إمداده لقلوبنا - بإذن الله - فيطهرها، وينورها، ويبذر فيها بذور المعرفة، ويربيها ويغذيها حتى تنبت وتُثمر الثمار المباركة. جاء في الحديث: " مثل القرآن ومثل الناس كمثل الأرض والغيث، بينما الأرض ميتة هامدة، إذ أرسل الله عليها الغيث فاهتزت، ثم يرسل الوابل فتهتز وتربو، ثم لا يزال يرسل أودية حتى تبذر وتنبت ويزهو نباتها، ويخرج الله ما فيها من زينتها ومعايش الناس والبهائم، وكذلك فعل هذا القرآن بالناس " (١). كل ذلك أخي الحبيب سيتحقق بمشيئة الله إن أحسَّنا التعامل مع القرآن، واتخذناه دليلاً في رحلتنا المباركة .. رحلة المعرفة والسير إلى الله. والله المستعان وعليه التكلان ... وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.