جاء في الأثر: إن الله تعالى ليصيب العبد بالأمر، وإنه ليحبه، لينظر كيف كان تضرُّعه إليه. (١)
* أخي ..
إن بعض الناس لا يرغب في نزول المطر لأنه يراه عائقًا أمام حركة السير، وسببًا لبعض الحوادث.
ولكن المطر- في حقيقته- من أجَلّ صور الرحمة الإلهية بالناس، فيه ينبت الزرع وتحيا الحياة، وترتوي المخلوقات، وليس معنى عدم استشعار البعض لهذه الحقيقة أن يتوقف نزول المطر- رحمة بهم على حد زعمهم- بل إن الرب الرحيم يرى المصلحة العامة لعباده فُيقدِّر الأقدار، ويحرك الأحداث من أجل تحقيقها.
فالابتلاء وإن كان في ظاهره الضيق والعنت إلا أنه يحمل في طياته رحمات كثيرة ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
الشفقة الإلهية
ثم تأمل معي هذا الحديث لتدرك بعضًا من أبعاد الشفقة والرأفة الإلهية بعباده والتي تزداد وتزداد عند ابتلائهم.
عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد قال تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول، قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد». (٢)
أما يوم القيامة فالتكريم الخاص ينتظر أهل البلاء الذين نجحوا في مادة الصبر. يقول ﷺ : «يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرِّضت في الدنيا بالمقاريض». (٣)
الابتلاء بالذنب والحرمان من الطاعة
ومن المظاهر العجيبة للرحمة الإلهية ابتلاؤه لعباده بالذنب، والحرمان من الطاعة، بتركهم لأنفسهم وعدم إعانتهم وتوفيقهم للقيام بالطاعة والإقلاع عن الذنب، فيستشعروا وقتها مدة فضل ربهم عليهم، وأنهم به لا بأنفسهم، وأنه لو تخلى عنهم طرفة عين لهلكوا، ولضلوا، ولوقعوا في أشد المعاصي.
وفي المقابل لو استمر إمدادهم بالتوفيق والإعانة اللازمة للقيام بالطاعة، وترك المعصية، فمن المتوقع أن يتسرب إلى نفوسهم داء العُجب، فيعجبوا بأعمالهم، وبصلاحهم، ويغترون بذلك، ويظنون أن لهم مكانة خاصة عند الله بهذا الصلاح وهذه الأعمال، ويحتقرون غيرهم من المقصرين، فتكون هذه الطاعات سببًا لارتدائهم رداء الكبر، ومن ثمَّ استدعائهم لغضب الله وعقابه المُستحق للمتكبرين.
لذلك كان الابتلاء بالذنب، والحرمان من الطاعة من لطف الله الخفي بعبده، بل من دلائل حبه له أحيانًا.
جاء في الحديث: «يقول الله : وإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأكفه عنه كيلا يدخله العجب، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني عليم خبير» (٤).
ولعلنا بذلك ندرك مغزى قوله ﷺ : «لو لم تكونوا تذنبون، لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العُجب العُجْب». (٥)
ومما يؤكد هذا المعنى ما قاله ﷺ للصحابة «لو أنكم تكونون على كل حال على الحالة التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا، لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم». (٦)
стр. 37
الرحمة الواسعة
إن رحمة الله بعباده ولطفه الخفي بهم ليس له حدود ولا يمكن للعقل البشري أن يدرك أبعاده، ويكفي أنه كتب على نفسه الرحمة، ففي الحديث «إن الله حين خلق الخلق كتب بيده على نفسه أن رحمتي تغلب غضبي». (١)
وجاء في الأثر أن بني إسرائيل قالت لموسى ﵇: «هل يصلي ربك؟ قال موسى: اتقوا الله يا بني إسرائيل. فقال الله يا موسى: ماذا قالت لك قومك؟ قال: يا رب قد علمت، قالوا: هل يصلي ربك؟ قال: فأخبرهم أن صلاتي على عبادي أن تسبق رحمتي غضبي, لولا ذلك لأهلكتهم». (٢)
ومن أعظم الأدلة التي تؤكد هذا المعنى: رحمته سبحانه بالعصاة له والكافرين به، فهو سبحانه لم يمنع عنهم رزقه رغم عصيانهم وابتعادهم عن طريقه، ولم يُعجل نهايتهم فلعلهم يعودون إليه في لحظة من اللحظات ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ويكفينا في ذلك ما حدث من فرعون من طغيان فاق الحدود، ومع ذلك أمهله الله وأرسل إليه موسى وهارون ﵉ ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤] فظلا يحاورانه ويثُبتان له بالأدلة الدامغة ألوهية الله وربوبيته على خلقه، ولكنه أبى واستكبر .. وكان ما كان من تتبعه لموسى في البحر إلى أن أغرقه الله .. في هذه اللحظات- لحظات النهاية، وبعد أن أصبح الغيب عنده كالشهادة قال ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
شهادة لا تنفع في هذا الوقت، وقت الغرغرة ونزع الروح، ورؤية الملائكة، ومع ذلك فإن جبريل ﵇ كان له موقف عجيب انطلق من إدراكه لمدى سعة الرحمة الإلهية، وانطلق كذلك من بغضه الشديد لفرعون وأفعاله الطاغية، وكبره وإصراره على الكفر رغم ما رأى من آيات مبصرة.
يقول ﷺ : «لما أغرق الله فرعون، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل: يا محمد! فلو رأيتني وأنا آخذ من ماء البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة». (٣)
رب رءوف:
* أخي القارئ, لعلك قد لمست مدى شفقة أمك عليك وهي ترغِّبك في تناول وجبة الإفطار قبل ذهابك لمدرستك أو عملك خوفًا عليك من أن يداهمك التعب والإرهاق.
وأين هي رحمة أمك وعطفها-مهما بلغا- من رحمة ورأفة الرءوف الرحيم، الذي يعاملك ويعاملنا جميعًا بشفقة تفوق وتفوق شفقة أمك بك.
فمع أنه- يكلفنا بأداء العبادات ليجزينا عليها الجنة، إلا أنه لا يريد لنا أن نقع في مشقة أو حرج من أدائها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
يطالبنا بالصوم، ثم يرغبنا في التعجيل بالفطر، فيكفي الصيام حتى المغرب، ولا داعي للتأخير أكثر من ذلك حتى لا يزداد الإرهاق، ففي الحديث القدسي: قال الله : «أحب عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا». (٤)
ويحثنا كذلك على السحور، وعلى تأخيره قدر المستطاع لينشط به الصائم ويقوى، ويهون عليه صيام يومه.
قال ﷺ : «تسحروا فإن في السحور بركة». (٥)
стр. 38
ربك- أخي- علمنا على لسان نبيه ﷺ كلمات نقولها حتى لا يصيبنا مكروه، ففي الحديث: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم- ثلاث مرات- فيضره شيء». (١)
وعند الخروج من المنزل ومواجهة أحداث الحياة أوصاك أن تقول: «بسم الله، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيقال لك: كُفيت ووقيت وهُديت، وتنحى عنك الشيطان».؟ (٢)
وتأمل معي هذه الوصية النبوية التي تقطر شفقة ورحمة إلهية:
«من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب». (٣)
ربك أوصاك على لسان نبيه بأن تميط الأذى عن الطريق كيلا يتسبب وجوده في إيذاء الناس؛ شفقة عليهم ورحمة بهم.
ولكي يشجعنا على تنفيذ هذا الأمر أعد مكافأة خاصة لمن يقوم بذلك, قال ﷺ «كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل فأُدخل الجنة» (٤)
فأي شفقة ورحمة تلك التي يغمرنا الله بها؟!
رفع الحرج
ومن مظاهر رحمة الله وشفقته بعباده رفع الحرج عنهم من خلال تخفيف العبادات عند مظنة وقوعهم في مشقة.
فالصلوات الخمس التي لا يستغرق أداؤها وقتا طويلا، والتي نستفيد نحن منها لتسكب داخلنا الطمأنينة، والسلام الداخلي، ومع ذلك، ففي وقت السفر، ومظنة التعب، فإنه سبحانه يخفف عن المسافرين عدد ركعات الصلوات الرباعية ليجعلها ركعتين، ويسمح لهم كذلك بالجمع بين الصلوات تخفيفًا عليهم، ورفعًا للحرج عنهم، مع العلم بأنه ليست كل الأسفار تسبب تعبًا ومشقة ولكنها الرحمة الإلهية التي تغمر الجميع ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ولعلمه سبحانه بأن البعض قد يتحامل على نفسه ولا يأخذ بهذه الرخص فلقد أخبرنا على لسان نبيه بأنه- سبحانه- يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. (٥)
ومن مظاهر رفع الحرج قوله ﷺ : «وُضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». (٦)
ومنها كذلك: عدم محاسبتنا عما نحدث به أنفسنا من مخالفات- وما أكثرها- يقول ﷺ : «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به». (٧)
ومن مظاهر رفع الحرج أيضًا مراعاته سبحانه للحاجات الفطرية للناس وحالات الضعف البشري التي تعتريهم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ومنها السماح للناس وهم في رحلة الحج أن يبيعوا ويشتروا ويتزودوا بما يريدونه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
لا تنس أنك عبد
إن العبد- أي عبد- من المفترض عليه أن يقوم بالتكاليف التي يطلبها منه سيده لمجرد أنه عبد، وأن هذا سيده، وليس له أيضًا أن يسأل عن سبب تكليف سيده له بذلك، ولا أن ينتظر أجرًا عليه، لأنه يخدمه بموجب أنه عبد عنده.
стр. 39
أي أننا وإن افترض الله علينا ما شاء من عبادات فهذا ما تقتضيه عبوديتنا له سبحانه، ويقتضيه كونه مستحقًا للعبادة، وعندما نراه- جل شأنه- يخفف عنا بعض التكاليف، ويرفع بعضها في أوقات معينة، مراعاة لظروف البعض، فهذا منتهى الرحمة والرأفة من الرب بعبيده المكلفين في الأصل بطاعته وعبادته.
شريعته كلها رحمة
ومما يؤكد هذا المعنى أن أحكام الشريعة التي أمرنا الله أن نتحاكم إليها ونتعامل بها ما هي إلا مظهر عظيم من مظاهر رحمته بعباده، ألم يقل سبحانه لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فالحدود على سبيل المثال لو تأملناها جيدًا لوجدناها بمثابة السور الشائك الذي يحمي بناء المجتمع المسلم، والذي لا بد من وجوده وإلا ضاع الأمن والأمان والثقة والاستقرار ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
والجهاد في سبيل الله ما هو إلا مظهر عظيم من مظاهر الرحمة بعموم الناس.
فإن قلت: كيف يكون القتل والدماء رحمة بالناس؟!
يكون رحمة بالناس لأن من خلاله يزيل المسلمون العوائق التي تحول بينهم وبين دعوة الناس الذين لا يعلمون شيئًا عن الإسلام، فطغاتهم يشكلون حائلا يحول بينهم وبين وصول الدعوة إليهم ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
تقليل الأعمال في أعيننا
ومن مظاهر رحمة الله بعباده أنه سبحانه يريد منهم أن يؤدوا ما أمرهم به كي يدخلهم الجنة، ولأنه يعلم كراهية نفوسنا للتكليف وحبها للراحة، فإنك تجده يقلل الأعمال المطلوبة في أعيننا ليسهل علينا أداءها، فيقول لنا عن الصيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤] تأمل عبارة: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ وما فيها من معان الاستدراج وتيسير العبادة.
ونفس الأمر بالنسبة للحج: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
أما بالنسبة للمحرمات فهو سبحانه يخبرنا بأن كل الأطعمة والأشربة مباحة لنا إلا بعض الأصناف اليسيرة، ولو اضطررنا لتناولها فلا إثم علينا ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥].
الرحمة المدَّخرة
إن الحديث عن مظاهر الرحمة الإلهية لا ينتهي، وكيف له أن ينتهي وقد أخبرنا سبحانه بأنه ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] فرحمته سبحانه قد شملت كل شيء ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
ولعل أفضل ما نختم به الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله تعالى هذه البشرى التي حملها إلينا رسول الله ﷺ عندما أخبرنا بأن الله قد خلق مائة رحمة جعل جزءًا واحدًا منها للدنيا يتراحم بها الناس فيما بينهم، أما بقية المئة (التسعة وتسعون جزءًا) فقد ادخرها- سبحانه- ليوم أحوج ما نكون فيه إلى الرحمة, ليوم القيامة.
قال ﷺ : «إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة
طباق بين السماء والأرض، فجعل منها في الدنيا رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، وأخَّر تسعًا وتسعين، فإذا كان يوم القيامة أكملها
بهذه الرحمة» (١).
стр. 40
وكذلك قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب بشر، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه»؟ (١).
* * *
سابعًا: من مظاهر حب الله لك:
تيسير طريقك إلى التوبة
والرجوع إليه
كان رجل في بني إسرائيل اسمه «الكفل»، وكان معروفًا بين الناس بفحشه وإجرامه، وذات ليلة وبينما هو في منزله إذ سمع طرقًا على بابه، فقام ليفتحه فإذا بامرأة يقطر منها الحياء وقد جاءته لتطلب منه أن يقرضها مبلغًا من المال لحاجتها الضرورية إليه، فيوافق على إقراضها بشرط أن تمكنه من نفسها، فتضطر المرأة للموافقة، وعندما يقترب منها إذ بها ترتعد، فيسألها عن السبب، فتجيبه بأنها لم تفعل هذا من قبل، وإنها تخاف من غضب الله عليها.
هنا توقف الكفل عما كان ينوي فعله، وقال لها: من الذي ينبغي له أن يخاف من غضب الله: أنا أم أنت؟ ثم أعطاها ما تريد من مال، وتركها تنصرف، والندم يعتصر قلبه على آثامه التي اقترفها، وعلى استخفافه بأوامر ربه، ثم توجه إلى الله بهذا القلب المنكسر يسأله العفو والصفح والتوبة.
هل انتهت القصة على هذا الوضع؟!
لا، فقد حدث أن جاءه الموت وهو في هذه الحالة، فلما أشرقت الشمس وجاء الصباح، فوجئ الناس, جيرانه ومعارفه الذين تركوه بالليل, وهم يعلمون عنه ما يعلمون, فوجئوا جميعًا بأن باب داره مكتوب عليه «إن الله قد غفر للكفل».
لم يصدقوا ما قرءوه، فهرعوا إلى نبيهم، فأوحى الله إليه بما حدث، فأخبرهم خبره، فتلقوه فاغرين أفواههم، غير مصدقين ما حدث.
بلا شك- أخي القارئ- أن هناك دروسًا كثيرة تحملها هذه القصة، لعل من أهمها أن الله عندما وجد من الكفل هذه التوبة الصادقة، وهذا الندم، أمر ملك الموت بأن يأخذه على هذا الحال لُينهي حياته نهاية سعيدة، فربما- كما في علم الله- أنه إذا ما استمرت حياته لعاد مرة أخرى لغيه وعصيانه.
ومن هذه الدروس كذلك معرفة مدى حب الله العظيم لعباده فكتابة العبارة على الباب ما هي إلا رسالة للناس جميعًا بأن رحمة الله واسعة .. تسع الجميع، فلا ينبغي لمذنب مهما كان جُرمه أن ييأس أو يقنط من بلوغها، والدليل أن الكفل قد غُفرَ له .. إنها رسالة تقول لكل فرد: أقبل ولا تخف، فربك ينتظرك.
وكيف لا يكون الأمر كذلك، والله يحب عباده جميعًا، ويريد لهم الخير، ودخول الجنة، وينتظر من أي منهم التفاتة صادقة إليه ليقبل عليه، ويعفو عما مضى منه.
ومما يؤكد هذا المعنى ما حدث لقاتل المئة نفس:
قال ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على راهب، فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمَّل به مئَة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قَتل مئة نفس فهل له من توبة؟
فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أُناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يفعل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم- أي حكمًا- فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» (٢).
стр. 41
وفي رواية: «فأوحي الله تعالى إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقرَّبي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له».
لا يحوجنا إلى المشي الكثير
نعم، أخي القارئ، إن ربك ينتظر منك أي بادرة صادقة في العودة إليه، ليقترب منك ويقترب، ولا يحوجك إلى المشي الكثير، كما في الحديث القدسي: « .. ومن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ... » (١).
يعلق الإمام النووي على هذا الحديث فيقول:
أي من تقرب إلى بطاعتي تقربت إليه برحمتي، وإن زاد عبدي زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود (٢).
فهل توافقنى -أخى- أن هذا الحديث وغيره مما سبق ذكره يدل على شدة شوقه سبحانه لعودة عبادة إليه، وأنه أشد شوقا لهذه العودة من العبادة أنفسهم؟!
ولو كُشفت الحُجُب، وتأكد الشاردون عن الله من هذه الحقيقة لماتوا خجلا منه سبحانه.
بابه مفتوح للجميع:
* أخي .. ما تعليقك على قوله ﷺ : «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (٣)؟
ألا يكفيك دليلا على حب ربك لك أن جعل بابه مفتوحًا أمامك ليل نهار، وبدون وجود حاجب ولا واسطة، فمتى شئت، ومتى رغبت في الدخول عليه دخلت؟!
ألم يكن من الممكن أن يكون الدخول على الله ودعاؤه في وقت محدد بالليل أو بالنهار، وعلى من يريد أن يجاب طلبه أن يجتهد في تحري هذا الوقت كما يحدث مع كل صاحب سلطان.
ولكنه لم يشأ أن يفعل ذلك، فلم يغلق بابه أبدًا في وجه أحد مهما كان جُرمه.
نعم، مهما كان جُرمه.
وليس ذلك للمسلمين فحسب بل لجميع عباده من يهود ونصاري وملحدين وبوذيين, ومن منافقين، وفاجرين، وقطاع طرق، ومجرمين.
أليس كل واحد من هؤلاء له مكان في الجنة يريد الله له أن يشغله، ولا يتركه؟!
فإن كنت تشك في هذه الحقيقة فتأمل معي توجيهه لرسوله الكريم: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] هكذا بكل بساطة.
وتأمل خطابه للمنافقين، فبعد أن حذرهم وخوفهم من مآل أفعالهم عاد فلم ييئسهم من رحمته بل جعل الطريق أمامهم ممهدًا للتوبة والعودة إليه ﴿﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا - إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦].
وبعد ذلك يأتي التأكيد على أن الله لا يريد أن يعذب أحدًا من خلقه ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧].
وتأمل كذلك - أخي القارئ - خطابه للذين يعذبون الناس, الطواغيت الظلمة, هؤلاء لو تابوا لتاب عليهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠].
стр. 42
والذين يروعون الآمنين ويقطعون الطريق حدد الشرع جزاءهم ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. ولكن لو تاب هؤلاء اللصوص القتلة لتاب الله عليهم كما جاء في الآية التي تليها:
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤].
وكذلك الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ - إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠].
أقبل ولا تخف
* أخي, إن ربك ينتظرك - وينتظرنا جميعًا - يناديك: أقبل ولا تخف .. متى جئتني قبلتك، وعلى أي حال تكون فيها «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة» (١).
نعم يا أخي إن مغفرته سبحانه تسع كل ذنوبك، وكل ذنوبنا، كل ما هو مطلوب منك أن تُقبل عليه بصدق, أن تعتذر له عما مضى من ذنوب وتقصير.
فإن قلت ولكن ذنبي كبير .. أكبر مما يتخيله أحد.
لا يا أخي، لا تقل هذا، فماذا فعلت؟!
هل سرقت، هل زنيت، هل أشركت، هل ...
مهما فعلت فبابه مفتوح لك .. أتدري لماذا؟
لأنه يريد أن يتوب عليك ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧].
ولماذا يريد أن يتوب عليك؟
ليدخلك الجنة، دار أبيك، والتي فيها جزء مخصص لك ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وليس أدل على ذلك من فرحته سبحانه الشديدة عندما يتوب عبد من عباده ولو كان من أشد المعاندين له.
تأمل معي قوله ﷺ «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح» (٢).
وإليك كذلك هذا الحديث العجيب, قال ﷺ : «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد» (٣).
يعلمنا ما نقوله لنتوب
لما عصا آدم ﵇ ربه، ندم ندمًا شديدًا، ولكنه لم يعرف كيف يعبر عن ندمه واعتذاره لربه, فرأى منه الله هذه الحال فدلَّه - الرحيم - على ما يقوله له، ليختصر عليه الطريق ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
стр. 43
وكذلك ما حدث مع بني إسرائيل، فبعد أن ارتكبوا كبائر الذنوب، وعبدوا العجل، وقالوا لنبيهم: أرنا الله جهرة و .. أراد الله أن يتوب عليهم فدلهم على وسيلة ذلك والألفاظ التي يقولونها ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨].
فأي رب غفور رحيم هو ربنا!
يعلمنا كلمات نقولها، وأدعية ندعوه بها تحمل معان عظيمة، ثم يخبرنا بأننا لو قلناها بصدق غفر لنا ذنوبنا وأعطانا مرادنا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
هذه الكلمات النورانية لو أردنا نُعبَّر عما تحمله من معان بكلمات من عندنا فكم عبارة سنقولها؟ وهل سترقى تلك العبارات فتليق ببلاغة الآيات؟!
ثم إن هذه الآيات وغيرها من الأدعية مما ورد على لسان المؤمنين, من الذي أنزلها؟!
أليس هو الله ؟!
ومن هم هؤلاء المؤمنين الذي يقولونها؟!
إنهم ليسوا أشخاصًا بعينهم، ولكنها نموذج يقدمه الله لنا لكي يختصر علينا طريق اختيار الكلمات والعبارات التي تنال رضاه، وتستفتح باب فضله وكرمه، فيجيب علينا - حين نرددها - بفتح خزائن عفوه وفضله ورزقه.
وقد ورد أن العبد حين يقرأ: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ يجيب سبحانه: «قد فعلت»، فإذا قال: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ يجيب الله: «قد فعلت» وهكذا (١).
فانظر إلى مدى حب الله لنا, يعلمنا ما نقول، ليجيبنا بعد القول: قد فعلت!.
عدم الاستقصاء
أرأيت لو أن زميلا لك قد أساء إليك إساءات بالغة، وارتكب في حقك مخالفات جسيمة، ثم جاءك بعد أن أفسد وأفسد ليعتذر لك عما فعله, أليس أدنى ما يتوقع منك ساعتها أن تجلس معه وتعاتبه، وتطلب منه إصلاح ما أفسده قبل قبول اعتذاره، وأن تأخذ منه المواثيق على ذلك؟!
ولكن الله لا يفعل معنا ذلك، فهو يقبل منا الاعتذار - مهما كان حجم جرائمنا في حقه - دون استقصاء، كما حدث مع موسى ﵇ فبعد أن قتل القبطي، وقبيل هروبه من مصر قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ فبماذا أجاب الله؟ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ لماذا المغفرة بكل هذه السهولة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
لا يطالب أحدًا بإصلاح ما أفسده إلا إذا كان في حقوق الناس - رحمة بهم - أما ما كان في حقه سبحانه، فهو يتجاوز عنه .. لماذا؟!
لأنه لا يريد أن يضع أي عقبات أمام طريق التوبة.
يريد أن يجعل الطريق سهلا ميسرًا للجميع دون استثناء.
يكفي أن يندم المرء على ما فعل، ويستغفر الله بصدق ويتوب إليه.
يكفي ذلك، فليس المطلوب منه تقديم كشف بالمخالفات التي ارتكبها، وكيف سيصلحها .. تأمل معي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ ما الذي سيحدث إن فعل ذلك؟ ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. لا يجده منتقمًا ولا يجده جبارًا. بل يجده فرحًا بتوبته، لأنه يحبه، وينتظر منه هذه التوبة ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
стр. 44
يسهل علينا طريق التوبة
ولأنه سبحانه يحبنا ويريد لنا الجنة، لذلك فهو يسهل علينا طريق التوبة من كل جانب.
يطمئننا بأنه سيغفر لنا جميع ذنوبنا - مهما بلغت - وذلك بمجرد توبتنا ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ويؤكد لنا رسول الله ﷺ على هذا المعنى فيقول: «إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب أذنبت، فاغفره، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا، فقال: ربَّ أذنبت آخر، فاغفر لي. قال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم أصاب ذنبًا، فقال: ربَّ أذنبت آخر، فاغفر لي، قال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» (١).
يعني- كما يقول ابن رجب - ما دام على هذا الحال كلما أذنب استغفر (٢).
أتدري ما الذي يغضب ربك غضبًا شديدًا؟
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسأله عن سعة رحمة الله، فقال:
«جئت تسألني عن سعة رحمة الله؟ وأخبرك أن الله تعالى يقول: ما غضبت على أحد غضبي على عبد أتى معصية فتعاظمها في جنب عفوي، فلو كنت معُجَّلا أو كانت العجلة من شأني لعجلت للقانطين من رحمتي» (٣).
لم تعلموا قدري لذلك أخطأتم في حقي
تخيل أن ابنًا من الأبناء قد أخطأ في حق أبيه، ويريد أبوه منه أن يعتذر ليسامحه على خطئه، فتراه يسهل عليه طريق الاعتذار، فيقول له لعلك لم تدرك أن ما فعلته كان خطأ، ولعلك قد أخذتك الغفلة حينها ولعلك .... ، فيجد الابن نفسه مندفعًا إلى الاعتذار بعد أن شعر بالأمان من جانب والده.
أكثر من هذا يفعله الله معنا, تأمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩].
وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].
إنها رسالة تطمين وترغيب تقول لنا: لقد أخطأتم واقترفتم السيئات لأنكم كنتم غافلين عني، جاهلين بقدري، فما عليكم إلا أن تستغفروني لأغفر لكم وأتوب عليكم.
لننتهز الفرصة
* أخي القارئ:
وفي نهاية الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب ربك لك، ولسائر عباده، تبق كلمة لا بد أن تُذكر في هذا المقام وهي أن كل ما قيل في الصفحات السابقة عن ترغيب الله لعباده في التوبة وتيسيره لطريقها، ما هو إلا استدراج منه سبحانه لهم لكي يسارعوا بالفرار والعودة إليه، ومن ثمَّ يرزقهم الحياة الطيبة في الدنيا، والجنة في الآخرة ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥].
ولكن هب أن البعض لم يستفد من هذه الفرصة العظيمة التي أتاحها الله له، ولم يتب إليه أو يقبل عليه، وظل في غفلته يمنَّي نفسه أنه سيفعل ذلك بعد حين .. بعد أن يحج، أو يزوج الأولاد، أو يخرج على المعاش ... بلا شك أن هؤلاء سيندمون أشد الندم عندما تتسرب أعمارهم يومًا بعد يوم دون أن يشعروا، ثم يفاجئوا بملك الموت أمامهم قد جاءهم ليقبض أرواحهم، ومن ثمَّ ينغلق باب التوبة أمامهم.
стр. 45
ومن عجب أن الرب الرحيم حذرنا كثيرًا من ذلك الموقف كي لا نقع فيه ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤، ٥٥].
فلننتهز الفرصة، ولنستجب لنصائح ربنا، ولنبادر بالاستغفار والتوبة، والاستفادة من ثمارها في الدنيا قبل الآخرة ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣].
ونختم الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله لعباده بقوله ﷺ : «إن للتوبة بابًا عرضُ ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها» (١).
ثامنًا: من مظاهر حب الله لك:
حلمه وصبره وستره لك
* أخي.
نعلم جميعًا أن الله حي قيوم لا يغفل ولا ينام, أحاط بالناس جميعًا لا تختلط عليه اللغات، ولا يتوارى عليه شيء ولو كان في قعر الجبال أو قاع البحار.
قريب منا جميعًا، يرى مكاننا، ويسمع كلامنا، ويعلم ما توسوس به أنفسنا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
لا يحدث شيء في أي مكان من الأرض إلا ويعرفه سبحانه، ويحيط به علمًا ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
لا يغيب عنه - سبحانه - سقوط ورقة يابسة من شجرة وارفة في ليلة مظلمة داخل غابة من الغابات الكثيفة ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
ومع هذا العلم وهذه الإحاطة فإنه سبحانه قادر مقتدر، لا يعجزه شيء أن يفعله إذا اراد أن يفعله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
كان معنا
يقينًا- أخي - أن الله لم يغب عنا ولو للحظة من لحظات حياتنا ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١].
معنى ذلك أنه كان معي ومعك حين عصيناه.
كان معك حين أطلت النظر إلى غير محارمك من النساء.
كان معك وقت أن سمعت مؤذن الفجر ينادي للصلاة، فلم تجب النداء بل تكاسلت وتجاهلت، وأخلدت إلى النوم.
كان معك وأنت تجتهد في إقناع الآخرين بشيء تعلم في قرارة نفسك أنه غير حقيقي، وأنك تكذب عليهم.
كان معي ومعك وقت كل معصية عصيناها، وكل تقصير قصرناه، وكان يقدر - سبحانه - على أن يأخذ الواحد منا على الحال التي كان عليها.
كان يقدر أن يأخذه وهو يكذب .. وهو يطلق بصره .. وهو يحسد غيره .. يأخذه في لحظات شهادة الزور أو لحظات تطاوله على والديه أو ....
كان من السهل واليسير عليه سبحانه أن يأخذنا في هذه الأوضاع المشينة ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧].
стр. 46
ولكنه لم يفعل، بل تركنا نعصاه، ونقصر في حقه أكثر وأكثر.
ولكن لماذا لم يفعل ذلك وهو القادر المقتدر؟!
الإجابة واضحة؛ لأنه يحب عباده ويريد لهم أن يُنهوا حياتهم نهاية سعيدة لذلك فهو يحلم ويصبر عليهم لعل لحظة تأتي عليهم يفيقون فيها من غفلتهم، ويتوبون إليه فيتوب عليهم ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦].
تأمل معي قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ - أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ - أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧].
لكنه لم يفعل، لأنه كما جاء في ختام الآية الأخيرة "فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [النحل: ٤٧].
نعم أخي القارئ، فربنا رب حليم، صبور، لا يؤاخذ عباده بأفعالهم السيئة ولو فعل لما تنعم متنعم بيومه أو ليله ولتذوَّق الجميع العذاب الأليم ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨].
جاء في الأثر: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل ﷻ : مَن أعظم مني جودًا والخلائق لي عاصون وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء.
من ذا الذي دعاني فلم أُلبَّه، أم من ذا الذي سألني فلم أعطه، من ذا الذي أناخ ببابي فنحيته (١).
وكان ابن السماك يقول في مناجاته:
تباركت يا عظيم .. لو كانت المعاصي التي عصيتها طاعة أطعت فيها ما زاد على النعماء التي تبتليها.
وإنك لتزيد في الإحسان إلينا كأن الذي أتيناه من الإساءة إحسان.
فلا أنت بكثرة الإساءة منا تدع الإحسان، ولا نحن بكثرة الإحسان منك إلينا عن الإساءة نقلع.
أبيت إلا إحسانًا وأبينا إلا إساءة واجتراء.
فمن ذا الذي يحصي نعمك ويقوم بإحسانك وبأداء شكرك إلا بتوفيقك ونعمك؟! (٢)
غضبة الكون
* أخي القارئ.
والله ثم والله لو قُدَّر لأحدنا أن يرى ما يحدث في الأرض كما يراه الملأ الأعلى لاستشاط غضبًا، ولألح على الله بتعجيل عقوبته لأهل الأرض جميعًا.
تخيل أنك ترى أناسًا يعيشون في ملك الله.
ويأكلون من رزقه.
وينامون آمنين في حفظه.
والخدم تحيط بهم من كل جانب .. مسخَّرة لديهم ومأتمرة بأوامرهم.
ثم بعد ذلك كله لا يذكرون من أكرمهم بهذا كله, لا يشكرونه، ولا يعبدونه، بل يعصون أوامره، ويجحدون نعمه، ويبارزونه بالمعاصي، ويدَّعون عليه الادعاءات, فمن قائل إن له ولدًا، ومن قائل إن له شريكًا، ومن قائل إن هناك إلهًا غيره.
تخيل أن هذا يحدث كل يوم، بل في كل وقت، وتخيل أنك ترى هذا كله، فماذا سيكون رد فعلك؟!
سيكون بلا شك رد الفعل الطبيعي الذي تعيشه كل المخلوقات التي تشاهد ما يفعله الإنسان من جحود وعصيان، وتجرؤ على ربه.
سيكون مثل رد فعل السماوات والأرض والجبال حينما يردد بعض الضالين أن لله ولدًا ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨، ٩١].
سيكون رد فعلك كالبحر الذي يستأذن كل يوم أن يغرق ابن آدم لكثرة معاصيه، وجرأته على ربه.
стр. 47
ولكن الحليم لا يسمح بذلك ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
الخليل يرى الملكوت
لقد حدث - أخي القارئ - لإبراهيم ﵇ ما كنا نتخيله منذ قليل "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ" [الأنعام: ٧٥] فلقد رُفع إلى ملكوت السماوات، ونظر إلى أهل الأرض، ورأى منهم ما رأى من معاص وفجور فماذا كان رد فعله وهو كما وصفه الله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
فعن سلمان الفارسي قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض رأى رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه، فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم مهلا فإنك رجل مستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث خصال: إما أن يتوب قبل الموت فأتوب عليه، وإما أن أُخرج من صلبه ذرية يذكروني، وإما أن يتولى فجهنم من ورائه» (١).
الستير
ومع حلمه العظيم وصبره سبحانه على عباده، فإنه كذلك ستير، يسترهم ولا يفضحهم رغم إساءاتهم البالغة.
تخيل - أخي القارئ- أن صديقك الذي يحبك وتحبه، قد علم أنك قد حسدته على الخير الذي أتاه .. ماذا ستكون مشاعره تجاهك؟!
ولو علم من اغتبته بما ذكرته عنه .. بأي وجه سيلقاك بعد ذلك؟!
ولو علم الناس حقيقة أمري وأمرك ومدى تقصيرنا في جنب الله، وجرأتنا على معاصيه أتراهم يُقبلون علينا ويبتسمون في وجوهنا؟ وهل سيلقون علينا السلام أصلا؟!
إن من أَجَلّ رحمات الله بعباده ستره لهم، وعدم انكشاف هذا الستر أمام بعضهم البعض، وإلا لما استطاعوا أن يتعايشوا فيما بينهم، أو يتوادوا، أو يتراحموا، ولما أقدم بعضهم على مساعدة البعض، ومن ثمَّ يصبح الجميع فريسة سهلة للشيطان.
بل إنه سبحانه يستحثنا على ستر بعضنا البعض، ووعد بعظيم الجزاء لمن ستر أخاه.
يقول ﷺ «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» (٢).
هذه في الدنيا, أما في الآخرة فيستمر الستر لعباده المؤمنين.
قال ﷺ : «إن الله تعالى يُدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، وستره من الناس، ويقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يُعطى كتاب حسناته بيمينه» (٣).
وإليك هذه القصة:
ونختم الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله لعباده بهذه القصة التي وقعت أحداثها في زمن موسى ﵇ إذ أصاب قومه القحط، فاجتمع الناس إليه، فقالوا: يا كليم الله, ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث، فقام معهم، وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون. فقال موسى ﵇: إلهي, اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرُضَّع، والبهائم الرُتع، والمشايخ الركع، فما زادت السماء إلا تقشُّعًا، والشمس إلا حرارة وأوحى الله إليه إنَّ فيكم عبد يبارزني منذ أربعين سنة بالمعاصي، فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم، فبه منعتكم.
فقام مناديًا وقال: أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة, أخرج من بين أظهرنا، فبك مُنعنا المطر.
стр. 48
فقام العبد العاصي، فنظر ذات اليمين وذات الشمال، فلم ير أحدًا خرج، فعلم أنه المطلوب، فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افُتضحت على رءوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منُعوا لأجلي، فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله، وقال: إلهي وسيدي, عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعًا فاقبلني، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القِرَب، فقال موسى: إلهي وسيدي, بماذا سُقينا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى, سقيتكم بالذي به منعتكم.
فقال موسى: إلهيّ أرني هذا العبد الطائع. فقال: يا موسى إنّي لم أفضحه وهو يعصيني، أأفضحه وهو يطيعني؟! (١).
تاسعًا: خطابه الودود
الذي يخاطبك به
الله يملك كل شيء في هذه الأرض التي نسكنها، والسماء التي تراها أعيننا ﴿للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠].
وكل المخلوقات التي نراها من جبال وأنهار وبحار وأشجار ورمال وأحجار ودواب و ...
كل هذا خاضع لله ﴿وَللهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].
وخضوع الكون كله لله خضوع سرمدي يغلّفه الحمد لإتاحته سبحانه الفرصة للوجود من العدم، واستمرار بقائه وحفظه، ويغلِّفه كذلك الإجلال لعظمته، والرهبة من جبروته وسلطانه ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
ومن مظاهر الإجلال والرهبة والخضوع لله عبودية الملائكة له سبحانه، فهناك بعضهم في حالة من الركوع منذ أن خلقه الله ، ومنهم من هو في حالة السجود له سبحانه منذ أن خلقهم ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ - يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
يقول ﷺ : «إن لله ملائكة في السماء قيامًا إلى يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم ملك تقطر من عينيه دمعة إلا وقعت على ملك يسبح، ولله ملائكة سجدوا منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رءوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفًا لم يتفرقوا عن مقامهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم ، فينظرون إليه ﵎، فقالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك» (٢).
من أنت ؟
هذا الإله العظيم بعظمته وجبروته, بجلاله وكماله, بعزه وسلطانه كيف يخاطبك أنت؟! ومن أنت؟! أنت ذرة يسيرة في ملكه لا تساوي شيئًا بجوار جبل من الجبال أو بحر من البحار، بل إن الأرض كلها بمن عليها بالنسبة لمملكته لا تساوي مقدار حبة رمل من صحراء شاسعة لا حدود لها.
وبالإضافة إلى ذلك فلا تنس أن ربك هو الذي أوجدك من العدم، فقبل شهور من ولادتك لم تكن شيئًا مذكورًا.
وتذكر أن حياتك كلها متوقفة على إمداداته، ولو توقفت تلك الإمدادات لانتهت حياتك.
ما المتوقع أن يكون خطاب العزيز للذليل، والغني للفقير، والقوي للضعيف، والعظيم للحقير، والكبير للصغير، والمعطي للآخذ، والقادر للعاجز.
أليس من المتوقع أن يكون الخطاب الموجه إلينا يتناسب مع صفاته سبحانه وصفاتنا؟
أليس من المتوقع من إله عظيم له هذا الملك والجلال والكمال أن يكون خطابه عبارة عن تعريف بمهمتنا مع بيان بالأوامر المطلوبة منا وكفى؟!
ولكنه ليس كذلك.
إنه خطاب عجيب يقطر ودا وحبًا.
стр. 49
خطاب عنوانه ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
خطاب يطمئن مستمعه
لو تفكرنا فقط في خطاب الله لعباده - مؤمنهم وكافرهم - لتأكدنا من حبه سبحانه لهم، وحرصه عليهم.
إنه خطاب يطمئن من يسمعه ويدفعه ويستدرجه للفرار في اتجاه قائله .. الفرار إلى الله، لا الفرار منه.
ولنبدأ بصيغة النداء:
تأمل نداءه سبحانه للعصاة والمجرمين الذي يحادونه، ويجاهرون بارتكاب كل ما يغضبه، ويصرون على ذلك، بل ويستهزئون بالمؤمنين .. بماذا يناديهم: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
إنه يناديهم بـ: يا عبادي، بكل ما يحمله هذا النداء من ود، وتلطف، وحنان. ثم انظر إلى ندائه للبشر جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].
وتأمل نداءه للنصارى الذين ادعوا عليه زورًا وبهتانًا أن له ولدًا وزوجة - حاشاه- يناديهم بقوله: يا أهل الكتاب، فيشعرهم بأن هناك صلة قوية بينهم وبينه، وأنهم ليسوا ببعيدين عنه.
ثم تأمل وتأمل نداءه لليهود الذين ارتكبوا من الآثام، ومظاهر العلو والاستكبار ما ارتكبوا .. قتلوا الأنبياء، وعبدوا العجل، وحاربوا المسيح ﵇ وكذبوا بمحمد ﷺ و ... ومع ذلك يناديهم فيقول لهم «يا بني إسرائيل» .. يا أبناء النبي إسرائيل .. نداء لطيف رقيق من المفترض أن يستثير مشاعرهم، ويستدرجهم لإصغاء سمعهم لما يتضمنه الخطاب الإلهي.
خطاب يقول لك: أقبل ولا تخف
نعم، أخي القارئ، إن خطاب الله للبشر جميعًا خطاب مطمئن، يؤكد لهم فيه أن بابه مفتوح للجميع «يا ابن آدم إنك إن دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي».
«يا عبادي إنك تخطئون باليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم» إنه خطاب عجيب يناشدنا فيه الله أن نستغفره ليغفر لنا ... أن نستفيد بالفرصة المتاحة أمامنا قبل أن يحل بنا الأجل.
ففي كل ليلة وبالأخص ثلثها الأخير يوجِّه الله نداءه لعباده ويقول لهم: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟! (١).
فماذا تقول بعد ذلك؟!
ماذا تقول لمن يناديك وينادي عباده جميعًا فيقول: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم» (٢).
ماذا تقول لمن يطلب منك دومًا أن تحسن به الظن فهو لن يضيعك، ولن يتركك، فمراده دخولك الجنة. قال ﷺ «لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» (٣).
خطاب يستثير الهمم
ومن سمات خطابه سبحانه لعباده أنه يستثير همتهم لفعل الخير، وذلك من خلال قوة طرقه على مشاعر الرغبة، واستجاشته للعاطفة، والتركيز على الجزاء العظيم المترتب على الفعل الذي يريد منهم فعله.
فعلى سبيل المثال: الإنفاق في سبيل الله عمل عظيم يطهر نفس صاحبه من الشح، ويسمو بها إلى السماء، ويخلصها من جواذب الأرض، ومن ثم يصبح من اليسير عليها العمل للآخرة والزهد في الدنيا بمفهومه الصحيح.
стр. 50
هذا العلاج الناجع للنفس البشرية يريد الله أن يجعلنا نتناوله بكثرة حتى ننتفع به، لذلك فهو يحببه لنا، ويرغبنا في القيام به بأساليب شتى، من أهمها رصد الجوائز الكبيرة والمغرية لمن ينفق من ماله في سبيل مرضاته كما قال عز من قائل: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١].
ويتكرر هذا النوع من الخطاب الذي يستثير الهمم كثيرًا في القرآن: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ من هم؟!
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٦].
النصائح الغالية
أتَذْكر كم من المرات سمعت فيها نصائح غالية من أبويك وهما يوجهانك من خلالها نحو المعالي، ويحذرانك من العقبات التي قد تعترض طريقك؟
هذه النصائح ما انطلقت من ألسنتهما إلا بدافع الحب والشفقة والحرص على أن تكون في أحسن حال.
وكذلك يفعل الله مع عباده مع الفارق الكبير بين نصائحه ونصائحهم، وبين حبه وحبهم، وبين علمه وإحاطته بما يصلحك وبين علمهم.
فإن كنت تريد دليلا على ذلك فتأمل معي هذا الخطاب الناصح منه سبحانه للناس جميعًا والذي يقول فيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ - إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦].
وكذلك قوله لهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠].
وانظر إلى الخطاب الموجه لأهل الكتاب وما يحمل في طياته من نصائح غالية لهم على الرغم مما فعلوه من كفر وعصيان: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].
وتأمل كذلك خطابه الناصح لليهود: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤٠، ٤١].
стр. 51
أما المؤمنين فوصاياه لهم كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ - وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩، ١٠].
وأحيانًا نجد الخطاب جامعًا بين لهجة النصح ولهجة الإشفاق والحنو، التي يُشعر الله فيها عباده المؤمنين بمدى حبه لهم، وخوفه عليهم من الحساب في الآخرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].
﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧].
التوجيه غير المباشر
ولعلمه سبحانه بطبيعة نفوسنا، وصعوبة قبولها النقد والتوجيه المباشر، كانت توجيهاته سبحانه غاية في التلطف والتوجيه الغير مباشر، وإن أردت أن تتأكد من ذلك بنفسك - أخي القارئ- فما عليك إلا أن تقوم بإحصاء أوامره المباشرة في القرآن فستفاجأ أنها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وفي المقابل تجد أن الله كثيرًا ما يعرض لك أمرين ويبين سمات كل واحد منهما ثم يترك لك حرية الاختيار مثل قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف: ٤٦] وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١].
مراعاة النفسية البشرية
ومن أبرز صور مراعاة الخطاب الإلهي لطبيعة النفس البشرية عدم الإكثار من قوله «أنا» عند سرده لنعمه على عباده، وفضله الذي لا حدود له.
فالنفس لا تحب سماع هذه الكلمة بكثرة من الطرف الذي يخاطبها، ومع أن الله هو الذي خلقنا من العدم، وأعطانا من النعم ما لا يُعد ولا يُحصى، وأن من حقه أن يحدثنا بضمير المتكلم «أنا» وهو يعرفنا بنفسه وبنعمه وبقيوميته وقدرته و ...
إلا أنه سبحانه لا يفعل ذلك، بل يتحدث عن نفسه - في غالب القرآن - بضمير الغائب «هو» ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢].
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [غافر: ١٣].
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].
فأي رب رءوف ودود حي كريم هو ربنا.
стр. 52
ما بال أقوام ؟!
ومن صور مراعاته سبحانه لطبيعة النفس البشرية توجيهه الغير مباشر لعباده في خطابه لهم، فحين يريد تحذير المؤمنين من القيام بفعل ما، فإنه لا يتوجه مباشرة بذلك - في غالب الأحيان - بل يحدثهم عن أناس آخرين - بصيغة النكرة - ويشهَّدهم عليهم، ويجعلهم يستنكرون أفعالهم، مع أنهم قد يكونون هم المعنيين بهذا التحذير، ومن ذلك قوله تعالى: "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا" [إبراهيم: ٣٤] الخطاب هنا موجه لنا بأن علينا أن نجتهد في إحصاء نعم الله كصورة من صور الشكر، ومن المفترض أن يكون التحذير الذي تتضمنه الآية بعد ذلك من مغبة عدم ذكر النعم حتى لا نقع في دائرة الظلم والكفر موجه لنا كذلك، فهل جاء الخطاب يحمل هذا المعنى المباشر.
لا، لم يحدث ذلك، بل جاء وكأنه يخاطب شخصًا آخر: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
الخطاب موجه للإنسان, وكأنه شخص آخر بعيد لا نعرفه، مع أن الخطاب في بدايته موجه لنا، ومما لا شك فيه أن هذا التلطف العجيب في التوجيه والنصح له دور كبير في استقبال النصيحة بنفس هادئة.
لماذا العقاب ؟
ومن مظاهر خطابه المطمئن لعباده أنه يذكر لهم دومًا السبب الذي من أجله عاقب فردًا أو قومًا في الماضي، مع أنه الإله العظيم ملك الملوك الذي لا ينبغي أن يُسأل عما يفعل، لكنه في نفس الوقت الرب الودود الذي يحب عباده ويريد منهم أن يفروا إليه، لا أن يفروا منه، لذلك تراه سبحانه يُفصَّلِ في الأسباب التي أدت إلى عقوبة العصاة، وأنه قد صبر عليهم وأمهلهم وأعطاهم الفرصة تلو الفرصة، ولكنهم هم الذين أبوا العودة إليه، وأصروا على طغيانهم، واستكبروا عليه سبحانه، وحاربوا عباده، فاستدعوا بأفعالهم الكثيرة الظالمة غضب الحليم عليهم ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
ومع العقاب المستحق للظالمين، والذي يقع بعد طول إمهال، نجد التعقيب القرآني: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]. فالله لا يرضى لعباده هذا المصير، وأنهم هم الذين أبوا أو استكبروا إلا أن يسيروا إليه، ولو تأملنا القرآن لوجدنا أن هذا الأمر واضح فيه تمام الوضوح، وأن الله لا يظلم أحدا، لذلك نجده سبحانه يذكر لنا دومًا أسباب العقوبة التي يعاقب بها الناس.
تأمل معي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
فماذا فعل أهل سبأ؟ هل شكروا هذه النعم العظيمة؟ لم يفعلوا ذلك، بل أكلوا من رزق ربهم ولم يشكروا له؟ وتبطروا على نعمه، فاستدعوا العقاب من الله لهم ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ثم تأتي حيثيات هذه العقوبة ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ ويتلوها الخطاب المطمئن ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧].
стр. 53
وتأمل قوله تعالى وهو يحدثنا عن اليهود ولماذا عاقبهم بما عاقبهم، وكيف أنه صبر عليهم طويلا، ولكنهم هم الذين أصروا على طغيانهم ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾ تأمل قوله: ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ﴾.
وتمضي الآيات تعدد مظاهر حلم الله عليهم وتعدد كذلك مظاهر طغيانهم ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا - فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً - وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٤ - ١٥٦].
وكأنه يطلب منك الشهادة على الناس:
وفي بعض الأحيان نستشعر بأن الخطاب المتوجه إلينا يطلب منا الشهادة على فعل من الأفعال المشينة، كل ذلك لتزداد اطمئنانًا بأن الله ﴿لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢].
مواساته للمبتلين
ومن عجيب خطابه لعباده مواساته لهم عندما يحدث لهم مكروه بسبب ذنوبهم أو تقصيرهم.
فعلى سبيل المثال: عندما خالف الرماة أمر رسول الله ﷺ وحدثت الهزيمة نجد أن الخطاب القرآني يخفف عن الصحابة آثار ما حدث لهم، ويبين الأسباب، وأن ربهم نصرهم في البداية نصرًا مؤزرًا ولكنهم هم الذين اختلفوا وخالفوا أمر رسولهم فكان ما كان: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢].
ومع بيانه سبحانه لأسباب هزيمة المؤمنين وأنهم هم الذين تسببوا في ذلك إلا أنه يواسيهم، ويضمد جراحهم بكلام يقطر حنانًا وشفقة: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ - إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩، ١٠].
стр. 54
ويطمئنهم على إخوانهم الشهداء بأنهم في أحسن حال: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ - يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
وفي النهاية:
وفي نهاية الحديث عن هذا المظهر العظيم من مظاهر حب الله لنا ولعباده أجمعين أتركك أخي القارئ مع هذا الحديث القدسي لكي تقرأه وتعيش معه بعقلك ومشاعرك:
«إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلقُ ويُعبد غيري، وأُرزقُ ويُشكر سواي, خيري إلى العباد نازل وشرهم إليَّ صاعد. أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليَّ.
من أقبل إليَّ تلقيته من بعيد. ومن أعرض عني ناديته من قريب. ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد. ومن أراد رضاي أردت ما يريد. ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.
أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقنَّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، وإن لم يتوبوا إليَّ فأنا طبيبهم. أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من المعايب ... ».
* * *
عاشرًا: من مظاهر حب الله لك:
ترغيبك وترهيبك
ليس بخافٍ على أحد أن النفس البشرية إذا ما رُغَّبت في فعل شيء ما، وعلمت بما ينتظرها من جزاء حسن نظير قيامها بهذا الفعل فإنها تتشجع، وتقدم عليه بقدر ما تستثار فيها مشاعر الرغبة.
وفي المقابل فإنها إذا ما خُوَّفت، ورُهَّبت من القيام بفعل ما، وأن مكروهًا سيصيبها إذا ما فعلته، فإنها تُحجم عن القيام به بقدر ما ينسكب داخلها من خوف ورهبة.
هذه خاصية أصيلة من خصائص النفس البشرية, هذه الخاصية لها دور كبير في إقدام المرء على أداء العمل أو إحجامه عنه، ففي الحديث «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة» (١).
ويعلق المناوي في فيض القدير على هذا الحديث فيقول:
فكل من خاف الردى أو فَوْت ما يتمنى لا يركن إلى الراحة ولا ينتظر الصباح، بل يبادر إلى الحركة والسفر ولو كان بالليل (٢).
التربية الربانية
ولأنه سبحانه هو الذي خلق فينا هذه الخاصية، فإنه يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في تربيتنا وتوجيهنا نحو المبادرة لفعل الخير واجتناب فعل الشر.
تأمل معي قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
فالآية تدل دلالة واضحة على أن الله يخوفنا لنخاف ونترك طريق الضلال ونتجه نحو صراطه المستقيم فندخل الجنة.
انظر مثلا إلى قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦].
أرأيت صيغة الخطاب: ذلك الذي يخوف الله به عباده .. يا عباد فاتقون.
فمع أن الآية تتحدث عن النار وما فيها من عذاب، إلا أنها تحمل في طياتها دلالات عظيمة عن حب الله لعباده، وكيف لا ونحن نلمح فيها مناشدة من الله لعباده بأن يخافوا، ويحذروا عقابه لأنه لا يريد لهم أن يدخلوا هذه النار.
стр. 55
هل قامت القيامة ؟!
ثم إن ثمة أسئلة قد تقفز إلى أذهان البعض وهي:
هل قامت القيامة أم لم تقم؟
هل بالفعل دخل بعض الناس الجنة والبعض الآخر النار؟!
الإجابة معروفة للجميع, بأنه إلى الآن لم تقم القيامة ولم يتوزع الناس بين الجنة والنار.
إذن فلماذا يقص القرآن هذه الصور التفصيلية عن القيامة، والجنة والنار، وكأن الأمر قد انقضى، والأمور قد حُسمت مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ - الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥٠، ٥١].
هذا الحوار بين أهل النار وأهل الجنة لم يتم حتى الآن، فلماذا يعرضه الله لنا ويسرده بهذا التفصيل؟!
لماذا يحتل الحديث عن القيامة والجنة والنار هذه المساحة الواسعة من القرآن؟!
ألا توافقني -أخي القارئ- أن هذا التفصيل في عرض الجنة وكأننا نراها رأي العين، وكأن أهلها قد سكنوها وبدءوا في التمتع بما فيها من نعيم, ألا توافقني أن الغرض من ذلك هو استثارة رغبتنا لدخولها ومن ثمَّ الوفاء بحقها والسباق نحوها؟!
وكذلك عرض النار بهذه الصورة البشعة الكريهة، المنفرة لنخاف منها ونجتهد في الابتعاد عنها؟!.
وتأكيدًا على هذا المعنى أتركك مع هذه الآيات لتقرأها وتتدبر معانيها.
﴿إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ - أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ - فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ - عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ - يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ - بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ - لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ - وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ - كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ - فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ - قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ - يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ - أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ - قَالَ هَلْ أَنْتُم مُّطَّلِعُونَ - فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ - قَالَ تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ - وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ - أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ - إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ - أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ - إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ - إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ - طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ - فَإِنَّهُمْ لآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ - ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ - ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٤٠، ٦٨].
معنى ذلك أن التوسع في الحديث عن أحداث اليوم الآخر وما فيها من ترغيب وترهيب ما هو إلا مظهر عظيم من مظاهر حب الله لعباده.
وإليك هذا الدليل:
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].
أرأيت ما تحمله الآية من تحذير وتخويف؟ ورأيت بماذا انتهت؟!.
стр. 56
فالآية تدل دلالة قاطعة على أن الله يخوَّفنا ويحذَّرنا رحمةً ورأفةً بنا لكي نرتدع ونبتعد عما نهانا عنه.
فإن قلت وما الداعي لوجود النار من الأصل في ظل وجود هذه الرأفة والرحمة الإلهية؟!
هذا السؤال أجاب عنه القرآن في عدة مواضع منها قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦].
وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
لا يمكن أن يستوي - بأي حال من الأحوال - المجد المجتهد الذي ألزم نفسه الاستقامة على أمر الله مع من أسرف على نفسه، ولم يبال بأوامر ربه واستهان بها، وعاث في الأرض فسادًا.
إن من دواعي العدل والرحمة الإلهية ألا يستوي هذا مع ذاك ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨].
اللص والسجن
هب أن لصًا قد اقتحم قرية من القرى، واختبأ في بعض نواحيها، وظل يُغير كل ليلة على منزل من منازلها فيهدد أهله، ويسرق ما فيه.
تُرى على أي حال سيكون أهل هذه القرية التي كانت قبل مجيء هذا اللص آمنة مطمئنة؟!
بلا شك سيتبدل أمنهم فزعًا، وطمأنينتهم رعبًا وهلعًا، وكيف لا وكل واحد منهم يتوقع كل ليلة هجوم اللص على داره ... لا يعرف النوم إلى عينه طريقًا، بل ينخلع قلبه من الفزع إذا ما سمع صوتًا غريبًا حول داره.
هل من المناسب في ظل هذا الوضع المأساوي أن يُترك اللص هكذا دون العمل علىالقبض عليه والقصاص منه تحت مسمى الرحمة.
إن الرحمة تقتضي سرعة الإمساك به وحبسه لتعود السكينة للناس، ويعود إليهم أمنهم.
نعم، أخي القارئ، لا بد من عقاب المخطئ الذي أساء الأدب مع ربه وخالف أوامره، واستخدم ما سخره له من النعم الكثيرة في معصيته.
استخدم يده ورجله وعقله وعينيه ولسانه وشفتيه في محادَّة الله وعصيانه واستحلال محارمه، استخدم كل هذه الأشياء وغيرها -رغمًا عنها- ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].
ومع هذا كله فالله الرءوف الرحيم يحذر العصاة والكافرين, يستحثهم على التوبة ويرغبهم في الجنة ويخوفهم من النار لعلهم يعودون إليه قبل فوات الأوان.
تأمل معي هذه الآيات التي تؤكد هذا المعنى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ - أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ - أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧].
هل رأيت أخي القارئ بماذا اختتمت هذه الآيات التي تحمل تحذيرًا شديدًا للعصاة ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
نعم, إن ربنا لرءوف رحيم، وما عاقب إنسانًا إلا لأنه هو الذي استدعى واستحق العقوبة بأفعاله الكثيرة المخالفة لأوامر ربه والمستهينة به.
стр. 57
ولو كان الله يريد بالفعل أن يعاقب كل مخطئ على خطئه، وأن يقيم ميزان العدل على الجميع ما خوفنا كل هذا التخويف, يكفي أن يقول لنا بأن هناك حساب للمخطئ على خطئه، وأن النار في انتظاره، ولكنه-سبحانه - لم يفعل ذلك، بل حذرنا وحذرنا بأساليب شتى، وقص علينا ما سيحدث في يوم القيامة حتى صرنا وكأننا نراه رأي العين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١، ٢].
كل ذلك مبعثه الشفقة والرحمة ب الناس جميعًا ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
شمول الترغيب والترهيب
ولا يكفي أسلوب الترغيب والترهيب بذكر اليوم الآخر والجنة والنار، بل يتسع ويمتد ليشمل أمورًا كثيرة في حياة الفرد والجماعة، وليتناول الماضي والحاضر والمستقبل، كل ذلك ليحقق المقصود من استخدامه ألا وهو الاستقامة على أمر الله.
وإليك أخي القارئ بعضًا من التفصيل في هذا الأمر:
الناس جميعًا
لأن الله يحب عباده ويريد لهم الخير فإنه سبحانه قد شملهم جميعًا بتوجيهاته ما بين الترغيب والترهيب، فتراه - على سبيل المثال- يرغب اليهود فيقول لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ثم تراه يخوفهم فيقول لهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٢، ١٢٣].
وأهل الكتاب يخوفهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء: ٤٧].
ويرغبهم بقوله ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥].
والمشركين يقول لهم: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ وَمَن يُّشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
بل وحتى المؤمنين: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
الترهيب والترغيب في قصص السابقين
ومع شمول أسلوب الترهيب والترغيب لجميع الناس فإنه يمتد ليشمل الزمن كله ماضيه وحاضره ومستقبله.
فالله يدعونا في كتابه للاستفادة مما حدث مع السابقين في الأزمنة الماضية، فيرغبنا في الاحتذاء بالنماذج الصالحة، ويخوفنا من النماذج الطالحة.
стр. 58
فنجد أن الله سبحانه قد قدم إبراهيم ﵇ في القرآن، وفي أكثر من موضع كنموذج صحيح لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، لذلك فقد عرضه القرآن بطريقة ترغب القارئ وتحفزه على الاقتداء به ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ - وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣].
أما قارون، فكان نموذجًا فاسدًا لعبد آبق اغتر بماله وتوهم أن له مكانة أعلى من سائر البشر، وكذلك فرعون الذي طغى وتكبر، وقوم عاد وثمود وغيرهم من نماذج الظالمين المتكبرين, هذه النماذج أفاض القرآن في ذكرها، والمآل الذي صار إليه أصحابها ترهيبًا وتخويفًا لنا كي نجتنب ما فعلوه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
الرسائل الإلهية
هذا في الماضي، أما في الحاضر فيظهر أسلوب الترغيب والترهيب من خلال الرسائل الإلهية التي يُرسلها الله لعباده متشابكة مع أحداث حياتهم، فالبرق رسالة ترغيب وطمع في رحمة الله لما يبشر به من نزول المطر، وهو كذلك ترهيب لمن يراه حين يضيء السماء، ويشق السحب ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤].
والزلازل والبراكين والأعاصير، وكسوف الشمس، وخسوف القمر .. كل هذه رسائل تخويف، يخوف الله بها عباده، لعلهم يقدروه حق قدره فيعبدوه حق عبادته فيدخلوا الجنة: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
المستقبل والترغيب والترهيب
وأما ما يخص المستقبل فنرى القرآن والسنة قد امتلآ بالآيات والأحاديث التي تحدثنا عن اليوم الآخر والجنة والنار - كما أسلفنا - بأسلوب مثير، يستجيش عواطف الرغبة والرهبة, تأمل معي - على سبيل المثال - هذه الآية وما تحمله من خطاب يستثير العاطفة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥].
الترغيب والترهيب في أفعال العباد:
ومع شمول أسلوب الترغيب لجميع الناس وامتداده عبر الزمان كله، فإنه كذلك يتناول الكثير من أفعال العباد, فيرغب في الإتيان بالأعمال الصالحة، ويُرهَّب من الإتيان بأعمال الفسق والفجور والعصيان.
فعلى سبيل المثال:
الترغيب في الإنفاق في سبيل الله:
الله أعطى للإنسان حرية الاختيار واتخاذ القرار، فهو لا يجبره على فعل شيء لا يريده، ومع ذلك فهو سبحانه يريد للبشر جميعًا دخول جنته، لذلك نجده سبحانه في خطابه إلينا يرغبنا في كل ما يقربنا من جنته، ويبعدنا من ناره ... يستثير رغبتنا لاتخاذ القرار بفعل الخيرات وترك المنكرات.
ولأنه سبحانه قد أسكننا الأرض ويعلم أن من أشد ما يحول بيننا وبين دخول الجنة: التعلق بزينة الحياة الدنيا، وأن أهم رمز للدنيا هو المال، لذلك فقد أخبرنا بأن من أهم العقبات التي تقف في طريق الجنة هي التعلق بالمال: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ - فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣].
стр. 59
والتغلب على هذه العقبة إنما يكون بدوام الإنفاق.
فالإنفاق إذًا طريق سهل لدخول الجنة, ولكن النفس لا تحب الإنفاق ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨].
من هنا نجد تنوع أساليب الحث عليه، وإنشاء الرغبة فيه, كل ذلك ليتغلب المرء على شح نفسه وخوفها من الفقر، ومن ثم اجتيازها للعقبة, ومن هذه الأساليب: التذكير بأهميتها وأنها من أبواب الجهاد في سبيل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُّلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠، ١١].
ومنها: التذكير بأن الإنفاق يرضي الله ويقرب صاحبه منه سبحانه: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨].
ومنها: التذكير بفضل العمل وثماره المتوقعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَّشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وأن من هذه الثمار ما يجدها صاحبها في الدنيا: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
والتذكير بأن المستفيد الأول من الإنفاق هو المنفق: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
والترهيب من تركها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
ويطمئننا بأن الذي يأخذها هو الله، ومن ثمَّ فلن تضيع على صاحبها: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤].
هذه المعاني العظيمة وغيرها كثيرًا ما نجدها تتكرر في القرآن بأساليب مختلفة.
وهكذا يصبح استخدام أسلوب الترغيب والترهيب من أعظم مظاهر حب الله لعباده.
كلمة أخيرة عن مظاهر حب الله لنا
عشنا سويًا في ظلال شجرة المحبة، ورأينا بعضًا من مظاهر الحب الإلهي لنا جميعًا ليبقى سؤال أوجهه إلى نفسي وإليك أخي القارئ وهو:
أما آن لي ولك أن نبدأ مع الله صفحة جديدة من الحب الصادق الذي يثمر طاعة له، وأنسًا به وشوقًا إلى لقائه؟!
ألا يستحق هذه الإله الودود الكريم أن نعامله معاملة تليق بجلاله وتتناسب مع ما يعاملنا به؟!
فلنبدأ إذن من الآن، وقبل أن تذهب تلك الحالة الشعورية التي صاحبتنا ونحن نتعرف على مظاهر حب الله لنا.
стр. 60
لنبدأ بدعائه سبحانه دعاء فيه إلحاح وتضرع ونسأله فيه أن يرزقنا حبه، وأن يهيمن هذا الحب على مشاعرنا حتى يصير حبه سبحانه الأحب إلينا من كل شيء، وندعو كذلك بدعاء النبي ﵊: «اللهم إني أسالك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك, الله ما رزقتني ما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغًا فيما تحب، اللهم اجعل حبك أحب إلى من أهلي ومالي، ومن الماء البارد على الظمأ، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين، واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين، اللهم أحيي قلبي بحبك واجعلني لك كما تحب، اللهم اجعلني أحبك بقلبي كله، وأرضيك بجسدي كله، اللهم اجعل حبي كله لك، وسعيي كل في مرضاتك» (١).
ولننتقل الآن إلى الوسائل العملية التي تمكن لحب الله في قلوبنا
стр. 61
الفصل الرابع
الوسائل العملية لتمكين حب الله في القلب
стр. 62
أمران لابد منهما:
إن كانت المعرفة هي طريق المحبة الصادقة لله كما أسلفنا في المقدمة- فإن هذه المعرفة، التي عشنا في أجوائها، تحتاج دومًا إلى تذكير يتجاوب معه الفكر والعاطفة, هذا التذكير الدائم من شأنه أن يبذر بذور المحبة في القلب، ويشكل قاعدته في المشاعر والوجدان.
ومع أهمية التذكير الدائم تأتي الأعمال الصالحة ذات الصلة بموضوع المحبة لتكون بمثابة الماء الذي يسقي بذور المعرفة بالله الودود، فتنمو شجرتها ويرتفع بنيانها، لتكون النتيجة هي استحواذ حب الله على أكبر قدر من مشاعر الحب داخل القلب ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦].
وسائل التذكير بمعارف المحبة
ووسائل التذكير بمعارف المحبة، ومظاهرها تتركز في أمرين عظيمين: كتاب الله المقروء، وكتاب الله المنظور.
أولاً: القرآن ودوره في إنشاء الإيمان والتذكير بمعارف المحبة:
القرآن هو أفضل وسيلة للتعريف بالله والتذكير الدائم بمظاهر حبه لنا، وأفضل وسيلة كذلك لتحويل هذه المعرفة إلى إيمان يستحوذ على مشاعر الحب داخل القلب ويوجهها للمولى سبحانه، قال ﷺ : «من سره أن يحب الله ورسوله، فليقرأ في المصحف» (١).
نعم، هناك وسائل أخرى تقوم بالتذكير بهذه المظاهر، تقف على رأسها السُنة والتي تعتبر شارحة للقرآن مؤكدة لما فيه، ومع ذلك يبقى القرآن الوسيلة العظيمة لدوام التذكير، وتقرير الحقائق، وإنشاء الإيمان، فهو دائم التعريف بالله وبأسمائه وصفاته ومظاهر حبه لعباده.
ومع هذا التعريف نجد التكرار للمعنى الواحد بأساليب مختلفة ليرسخ مدلوله في العقل الباطن للإنسان فيشكل جزءًا من يقينه ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١].
وفي عرضه للمعاني نجد أن العرض يخاطب العقل فيقنعه والمشاعر فيستثيرها، مما يحوَّل الحقائق والقناعات الفكرية إلى إيمان راسخ في القلب.
ومما يساعد القارئ على انتفاعه بالقرآن هو التزامه بما أمره الله به من تدبر وتفهم لما يقرؤه من آيات، وكذلك ترتيله لها, فالفهم والتدبر يخاطبان العقل فيقتنع، والترتيل يهز المشاعر، فيمتزج بذلك الفكر مع العاطفة ليثمر يقينًا في العقل، وإيمانًا في القلب، وهذا لا يتوافر في أي كتاب آخر على وجه الأرض ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
يقول ابن رجب: سماع القرآن ينبت القرآن في القلب كما ينبت الماء البقل.
стр. 63
تعرف على ربك
القرآن- أخي القارئ- هو أفضل وسيلة لغرس محبة الله في القلب، ولقد تم الحديث بشيء من التفصيل حول هذا الموضوع في أكثر من موضع سابق (١)، ولا داعي لتكرار ما قيل، ولكن نُذَكر بأمر هام وهو: أن إنشاء الإيمان في القلب من خلال القرآن لن يتم إلا إذا كان هدفنا حين نقرؤه أن نفهم ما نقرؤه - ولو بصورة إجمالية - وأن نجتهد في التأثر به من خلال الترتيل والتباكي مع القراءة. مع عدم إغفال أمر مهم أيضًا وهو كثرة قراءته، وإعطاؤه الأولوية الأولى في حياتنا.
قال حذيفة بن اليمان: اقرأوا القرآن بحُزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه ورتلوه ترتيلا (٢).
وبالإضافة إلى ذلك علينا ونحن نعيش في أجواء محبة الله ، وبعد أن تعرفنا على كثير من مظاهرها أن نتتبع هذه المظاهر ونحن نقرأ القرآن، فإن هذا من شأنه - إذا ما داومنا عليه- أن يؤكد ويرسخ مدلولها في اليقين، ويزيد الإيمان في القلب ويحوله إلى مقام ثابت.
نعم، علينا ألا نقف عند كل آية لنستخرج منها ما يدل على حب الله لعباده حتى لا تتحول القراءة إلى عملية عقلية فكرية فقط، فالمطلوب- كما قيل سالفًا - هو مزج الفكر بالعاطفة، وتجاوب العقل مع القلب، وهذا يستدعى استمرارية وانسيابية القراءة ليتسرب تأثيرها شيئًا فشيئًا إلى المشاعر حتى تصل فى النهاية لمرحلة الانفعال والتأثر.
معنى ذلك أنه من المناسب أن نبحث عن مظاهر المحبة في القرآن بصورة إجمالية، لا تؤثر بالسلب على تدبرنا العام للآيات، ولاتجعلنا نقف عند كل كلمة، ولعل ما قيل في الصفحات السابقة من شأنه أن يستثير مشاعرنا، وينشئ داخلنا حالة شعورية لمحبة الله ، فإذا ما استثمرنا وجود هذه الحالة، ودخلنا بها إلى القرآن فسنجد ما يؤكدها من آيات، وسنفاجأ وكأن محور القرآن الرئيس يدور حول هذا الموضوع.
* أخي القارئ:
إن القرآن هو أفضل وسيلة لتنمية حب الله في القلب والوصول لمرحلة الأنس به والشوق إليه سبحانه، لذلك أنصح نفسي وإياك أن نكثر من تلاوته بفهم وترتيل وتباك، وأن نتعرف على الله الودود من خلال هذا الكتاب وحبذا لو خصصنا ختمة أو أكثر لهذا البحث العظيم.
يقول ابن رجب: ومما يستجلب المحبة: تلاوة القرآن بالتدبر والتفكر لا سيما الآيات المتضمنة للأسماء والصفات والأفعال الباهرات، ومحبة ذلك يستوجب به العبد محبة الله، ومحبة الله له (٣) فتتحقق ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ : «ألا من اشتاق إلى الله فليستمع كلام الله فإن مثل القرآن كمثل جراب مسك أي وقت فتحه فاح ريحه» (٤).
وقوله: «ما من كلام أعظم عند الله من كلامه، وما ردَّ العباد إلى الله كلامًا أحب إليه من كلامه» (٥).
فالأمر واضح، والطريق معبد لتنمية حب الله في القلب، وكيف لا والقرآن بين أيدينا ولا يوجد أي شيء يحول بيننا وبينه، فكلما اهتاجت لدينا مشاعر الشوق إلى الله، وأردنا أن نسكنها, وكلما أردنا أن نأنس بالله، ونزداد حبًا له، وتعلقًا به فلنهرع إلى المصحف, نناجيه ونتحدث إليه - سبحانه- من خلال قراءتنا وتجاوبنا مع خطابه لنا, قال ﷺ : «إذا أحب أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ في المصحف» (٦).
فإن قلت: ولكن مشاعر الشوق إلى الله لا تهتاج علىَّ كثيرًا!
стр. 64
الحل أيضًا في مداومة قراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، لتزداد مساحة حب الله في قلوبنا شيئًا فشيئًا، فيثمر ذلك شوقًا مستمرًا إليه يجعل صاحبه في عجلة دائمة للاتصال بالله من خلال قراءة القرآن في الصلاة وخارج الصلاة وكذلك في الدعاء والذكر والمناجاة ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤].
وخلاصة القول:
إن أفضل شيء وأحب شيء نتقرب به إلى الله: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم والترتيل والصوت الحزين (التباكي) قال ﷺ : «ما تقرب العباد إلى الله بشيء أحب إليه مما خرج منه» (١).
وكلما ازداد حب المرء لربه، ازداد حبًا لكتابه ولكثرة قراءته.
قال أبو سعيد الخراز: من أحب الله أحب كلام الله، ولم يشبع من تلاوته (٢).
ثانيًا: التفكر في الكون وأحداث الحياة
الإيمان بالحقائق والمعارف التي تم ذكرها يحتاج إلى تذكرة دائمة تستثير المشاعر، وتُنشئ الإيمان وترسخه في القلب، والقرآن - كما أسلفنا - هو المدخل الأساسي لذلك بما فيه من آيات ودلائل تدل على الله وتعرفنا بمظاهر حبه لعباده ومدى رأفته وشفقته وبره بهم.
ومع الآيات المقروءة في القرآن تأتي الآيات المرئية والمنظورة في الكون وأحداث الحياة.
فكل ما في الكون يدل على الله ويُذكِّر به ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
ولقد حثنا - سبحانه - على أن نتفكر في آياته المبثوثة في كونه، وفيما يمر بنا من أحداث في حياتنا لتكون وسيلة للتذكرة الدائمة به، ومن ثمَّ الوصول إلى معرفته، وحبه، والتعلق التام به.
تأمل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ - وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ - تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨].
ومما يلفت الانتباه أن الله يُصرف الآيات الكونية ويكررها بأشكال مختلفة، كما يكرر الآيات بأساليب مختلفة في القرآن ليتم من خلالها التذكرة والتبصرة، ومن ثم يزداد الإيمان رسوخًا في القلب ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥].
ومثال ذلك: الحر الشديد أو البرد الشديد، أو العواصف، أو ... كل ذلك آيات تذكر بالله .
وكما أن الله قد ذم من يعرض عن تدبر القرآن وفهم المراد من آياته، فإنه كذلك قد ذم من يعرض عن التدبر والتفكر في آياته المبثوثة في كونه ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧]. ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
لا بديل عن التفكر
لا بد إذا من التفكر في آيات الله المبثوثة في كونه المنظور والذي يشمل المخلوقات التي تراها أعيننا كالسماء والجبال والأشجار، ويشمل كذلك أحداث الحياة المختلفة التي تمر بكل إنسان.
﴿أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَّكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
فيستدل المرء من خلالها على الله فيزداد به معرفة، فإذا ما تجاوب القلب مع هذه المعرفة ازدادت مساحة الإيمان فيه، وانجلت بصيرته، وشيئًا فشيئًا يتنور القلب فيرى بهذا النور صفات ربه تتجلي من وراء كل شيء تراه عيناه، فيوحده التوحيد الحقيقي، ويربط حياته كلها به.
стр. 65
لذلك كان التفكر من أفضل العبادات سواء كان هذا التفكر في آيات القرآن، أو آيات الكون.
وصدق من قال:
إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة
يقول ابن رجب: كان السلف يفضلون التفكر عن نوافل العبادة، وكان أكثر عمل أبي الدرداء الاعتبار والتفكر (١).
تفكر يقود إلى المحبة
ولأننا في هذه الصفحات نتحدث عن محبة الله وكيفية غرس شجرتها في قلوبنا، لذلك فنحن نريد أن نتجه بعقولنا ومشاعرنا نحو التفكر في مظاهر حب الله لعباده التي تحدثنا سلفًا عن عشرة جوانب منها.
ومحيط التفكر في هذه المجالات يشمل أحداث الحياة التي تمر بنا، والمشاهدات التي نشاهدها، والأخبار التي تصل إلى مسامعنا، فنربط ما يمكن ربطه منها بالله الودود.
فعلى سبيل المثال:
سبق فضله وحبه سبحانه لعباده قبل أن يولدوا، فهذا الجانب العظيم من جوانب المحبة الإلهية لنا، يمكننا إدراكه من خلال ما نسمع وما نشاهد وما نقرأ عن الكفار والملحدين والوثنيين والمشركين وكل من ابتعد عن الإسلام، فنتذكر من خلال هذه المشاهد والقراءات مدى سبق فضل الله علينا أن لم يجعلنا منهم.
ومما يلحق بهذا الجانب أيضًا: رؤية المخلوقات الأخرى التي نشاهدها طيلة ساعات يومنا من جمادات أو حيوانات أو نباتات فنستشعر نعمة التكريم الإلهي لنا والتي سبقت وجودنا في هذه الأرض.
أما بالنسبة لجانب العافية وما فيه من عظيم فضل الله علينا فيمكن استشعاره من خلال رؤية أهل البلاء والنقص في العافية، فما من مرض يصيب إنسانًا وعوفيت أنت منه إلا ويُذكرك بمدى فضل الله عليك.
ونفس الأمر بالنسبة لجانب العصمة: فما من معصية تحدث أمامك أو تصل إلى مسامعك ولم تفعل مثلها إلا دليل على حب الله بأن عصمك من ارتكابها وصرف رغبتك عنها، وكرَّهك فيها، سواء صغرت تلك المعصية أو كبرت.
وكل طاعة نؤديها علينا أن نرى من خلالها حب الله لنا أن وفقنا وأعاننا على القيام بها.
أما جانب القيومية فما أسهل رؤيته من خلال ما قد يحدث لنا من منع وقتي لإمدادات ربانية اعتدنا أن تتوالى علينا ليل نهار مثل: اختلال توازن الجسم، خفقان القلب، ألم مفاجئ في الرأس ...
كل ذلك وغيره علينا أن نرى من خلاله قيومية الله لنا في حفظه لأجسادنا ليل نهار.
وبالنسبة لجانب التسخير: علينا أن ننظر بعين الاعتبار إلى كل الأشياء التي نتعامل معها، ونتفكر في مظاهر تسخيرها لنا، وكيف ستكون الحياة بدون ذلك التسخير.
وهكذا فى بقية الجوانب العشرة يمكننا أن نتعرف عليها ونربطها بالله الودود من خلال إعمال عقولنا في شريط أحداث الحياة الذي يمر أمام أعيننا دون توقف.
والذي يساعد الواحد منا على حُسن التفكر فيما يسمع ويشاهد: المداومة على قراءة القرآن والتفكر في آياته التي تتحدث باستفاضة عن الله الودود، فإذا ما أغلق مصحفه وانطلق إلى الحياة شاهد بعينه ما قد تعرف عليه في القرآن ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].
وبهذا يحدث الانسجام بين ما يقرؤه وما يشاهده، مما يكون له أكبر الأثر على علاقته بربه فتزداد معرفته به، ومن ثم حبه وأنسه وشوقه إليه.
قال ﷺ : «أعطوا أعينكم حظها من العبادة» فقالوا يا رسول الله: وما حظها من العبادة؟ قال: «النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه» (٢).
* * *
стр. 66
الأعمال الصالحة المقترح القيام بها
ومع أهمية وضرورة التفكر في القرآن والكون والتعرف من خلالهما على الله الودود لإنشاء وترسيخ قاعدة المحبة، إلا أن هذا وحده لا يكفي لتمكين هذه المحبة من القلب، فلا بد - كما أسلفنا - من القيام بأعمال تثبَّت القواعد وترفع وتدعم البنيان.
تأمل معي قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾
[النساء: ٦٦].
فالقيام بالأعمال الصالحة أمر لازم لتنمية الإيمان بالله الودود وتثبيته في القلب مع الأخذ في الاعتبار أنه كلما كان العمل الصالح له علاقة بهذا الموضوع كان تأثيره أشد وأشد من غيره.
وهناك أعمال صالحة لها ارتباط وثيق بموضوع المحبة علينا أن نكثر من القيام بها حتى تنمو شجرتها وتأتي بثمارها الطيبة.
ومن هذه الأعمال:
١ - ذكر النعم.
٢ - رحلات الاعتبار.
٣ - كثرة حمد الله باللسان.
٤ - مناجاة الله بالنعم (خاصة في جوف الليل)
٥ - تحبيب الناس في الله .
٦ - الإلحاح على الله بأن يرزقنا محبته.
وإليك أخي القارئ بعضًا من التفصيل حول هذه الأعمال:
* أولا: ذكر النعم
من طبيعة الإنسان أن مشاعر الحب داخله تتوجه لمن يُعطيه ويُحسن إليه، وكلما ازداد العطاء ازداد الحب خاصة إذا ما كان العطاء بلا مقابل، وصدق من قال: الإنسان عبد الإحسان.
وتحكي لنا كتب السيرة عن أحد المشركين وهو صفوان بن أمية، وكيف كانت مشاعره تجاه الرسول ﷺ .
هذه المشاعر التي كان يسيطر عليها البغض والكره، تبدلت تمامًا حتى صار رسول الله ﷺ من أحب الناس إليه بسبب عطائه المتواصل له من غنائم حنين والطائف.
فإن قلت: ولكننا لا نستشعر ذلك بشكل كافٍ تجاه الله مع ما أسبغ علنيا من نعم لا تُعد ولا تُحصى.
نعم، نحن نعيش في هذه الحالة - حالة الجحود للرب المنعم الودود - لأننا غرقى في نعمه، وفي الوقت نفسه لا نسمح لعقولنا بتذكرها، ولا لأعيننا برؤيتها، لأننا قد ألفنا تواصلها علينا حتى نسيناها.
لقد انشغلنا بجمع النعم، ولم نلتفت إلى من أنعم بها علينا فخفتت مشاعر الحب تجاهه سبحانه.
من هنا نقول: إن أهم عمل صالح يورث المحبة وينميها هو ذكر النعم وربطها بالمنعم ﴿فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩].
قال ﷺ : أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة ..... الحديث (١).
العبادة المهجورة
الأمر اللافت للانتباه أن هناك العديد من الآيات القرآنية التي تحثنا على القيام بهذا العمل العظيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨].
إن التفكر في النعم التي تحيط بنا من كل جانب وربطها بالمنعم له دور كبير في استثارة العقل، وتأجيج مشاعر الامتنان لله ومن ثم الخروج من حالة الغفلة إلى اليقظة والانتباه، لذلك كان ذكر النعم من أفضل العبادات.
وفي هذا المعنى يقول أبو سليمان الواسطي: ذكر النعم يُورث الحب لله .
ويقول الجنيد: إن الرضا يُنال بالتفويض، والتفويض يُنال بالمحبة، والمحبة تنال باشتغال القلب بالذكر في نعم الله (٢).
ويؤكد عمر بن عبد العزيز على أهمية هذه العبادة فيقول: التفكر في نعم الله أفضل العبادة (٣).
стр. 67
ويكفينا في بيان أهميتها وفضلها ما جاء في حديث الملائكة السيارة التي تلتمس مواضع الذكر فإذا وجدت واحدًا منها بعثت برائدهم إلى الله ﵎ فيقولون: «ربنا أتينا على عباد من عبادك، يُعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويُصلُّون على نبيك محمد ﷺ ، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول ﵎: غشُّوهم رحمتي» (١).
كيفية ذكر النعم
وذكر النعم يكون بالعمل على إحصائها- قدر المستطاع - من خلال الجوانب المختلفة التي تم الحديث عنها:
(نعم سبق الفضل - نعم الهداية والعصمة- نعم العافية - نعم التسخير - نعم القيومية والحفظ - نعم الإمهال والستر- نعم اللطف والرحمة- ... ).
فمن خلال توجيه الفكر إلى جانب من هذه الجوانب يمكن للواحد منا أن يُعمل عقله في تذكر ما أنعم الله به عليه في هذا الجانب، حبذا لو قام بتسجيل هذه النعم كتابة حتى يسهل عليه الرجوع إليها في أي وقت شاءه وقراءتها وهذا من شأنه أن يستثير مشاعر الحب لله داخله.
ومع قيام المرء بالتفكر في نعم الله عليه والاجتهاد في إحصائها مع نفسه، فعليه كذلك أن تكون له مجالس مع أهله وأصدقائه يتذاكرون فيها نعم الله عليهم.
ولقد كان الصحابة والسلف يجلسون مثل تلك المجالس التي تُذكرهم بفضل الله عليهم وتزيدهم حبًا له.
فعن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم»؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: «أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» (٢).
وجلس الفضيل بن عياض وسفيان بن عيينه ليلة إلى الصباح يتذاكرون النعم، فجعل سفيان يقول: أنعم الله علينا في كذا، أنعم الله علينا في كذا، أنعم الله علينا في كذا، فعل بنا كذا، فعل بنا كذا (٣).
فلنجلس مثل هذه المجالس المباركة وبخاصة مع الأهل والأولاد لنزداد حبًا لله ، وحبذا لو كانت هذه المجالس بعد النعم الكبيرة التي تمر بالأسرة كنجاح وتفوق الأولاد، وصيام رمضان وقيامه، و ...
القرآن يعلمنا
ونحن بهذه الطريقة نتعلم ونقتدي بالقرآن حيث كان يتنزل على رسول الله ﷺ بعد النعم الإلهية الكبيرة ليذكّره وأصحابه بها، وبما أنعم الله عليهم من خلالها فيزدادوا له حبًا وشكرًا، فبعد بدر وما كان فيها من نصر مبين نزلت سورة الأنفال تُذكّر بنعم الله العظيمة التي صاحبت هذا النصر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ - وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ - إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٢].
стр. 68
وبعد غزوة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا - إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ٩، ١٠].
* ثانيًا: رحلات الاعتبار
والمقصد من رحلات الاعتبار هو الذهاب إلى الأماكن التي يتواجد فيها أهل البلاء كالمستشفيات والملاجئ، ودور الأيتام وأصحاب الاحتياجات الخاصة، فهذه الرحلات لها دور كبير في إدراك حجم النعم العظيمة التي أمدنا الله بها وأغرقنا فيها.
وحبذا لو اصطحبنا في هذه الرحلات أهلنا وأولادنا ليدركوا معنا عظيم فضل الله.
* أخي , زر السجن يومًا لتعرف قيمة نعمة الحرية.
زر أقسام الحروق والكسور وأصحاب الحالات الحرجة لتدرك قيمة نعمة العافية.
أغمض عينيك وتفكر في صعوبة الحياة بدون أبصار.
تخيل نفسك، وأنت تشاهد الأخبار، مكان أصحاب المجاعات والزلازل والحروب والنكبات ثم ردد: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
ولا تنس أن تقول عند رؤية أهل البلاء: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا.
* ثالثًا: كثرة الحمد
حمد الله باللسان عمل صالح يحبه الله ، فعلينا أن نكثر منه.
ولكي يؤتي هذا الذكر ثماره المرجوة في تنمية المحبة لله في القلب، علينا أن نجتهد في مواطأة القلب اللسان وقت الذكر، أو بعبارة أخرى تجاوب المشاعر مع اللسان، والطريقة الميسرة لذلك أن نستفيد من الأوقات التي تستثار فيها مشاعر الحب لله كوقت تذكر نعمه المختلفة، وجوانب رحمته ولطفه وشفقته بعباده، و عند رؤية أهل البلاء والنقص.
فعندما نجد انفعالا وجدانيًا وتأثرًا لمظهر من مظاهر حب الله لعباده، علينا أن نسارع بحمده سبحانه، فيواطئ اللسان القلب، فيزداد التأثير والانفعال، ومن ثم تزداد المحبة أكثر وأكثر.
وصيغ الحمد كثيرة علينا أن نختار منها ما يناسب حالتنا الشعورية.
والطريقة الثانية التي من شأنها أن تجعل الذكر نافعًا هي أن نجتهد قبل الذكر في استثارة مشاعر الحب من خلال التفكر في جوانب حب الله لعباده، فإذا ما تجاوب القلب، وانفعلت المشاعر بدأنا الذكر.
يقول الحسن البصري:
إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا القلوب فنطقت بالحكمة (١).
* رابعًا: مناجاة الله بالنعم
من الأعمال الصالحة التي تورث المحبة والقرب من الله: مناجاته سبحانه بذكر نعمه التي أنعم بها علينا كما فعل إبراهيم ﵇ في مناجاته لربه: "الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" [إبراهيم: ٣٩].
فبعد إحصاء النعم، وبعد رحلات الاعتبار، وفي أوقات الخلوة به سبحانه علينا أن نناجيه ونتحدث إليه ونحمده على ما أنعم به علينا، وحبذا لو تضمنت هذه المناجاة النعم بصورة تفصيلية، وقد أحسن من قال في مناجاته:
أنت الذي صورتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي علمتني ورحمتني وجعلت صدري واعي القرآن
أنت الذي أطعمتني وسقيتني بغير كسب يدٍ ولا دكان
وجبرتني وسترتني ونصرتني وغمرتني بالفضل والإحسان
أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان
وزرعت لي بين القلوب مودة والعطف منك برحمة وحنان
ونشرت لي في العالمين محاسنا وسترت عن أبصارهم عصياني
وجعلت ذكري في البرية شائعًا حتى جعلت جميعهم إخواني
стр. 69
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني
ولأعرضوا عني وملوا صحبتي ولذقت بعد كرامة بهواني
لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني
ولقد مننت عليّ ربَّ بأنعم ما لي بشكر أقلهن يدان
من صور المناجاة:
عن أبى هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ ، فلما طَعِم وغسل يده - أو قال يديه - قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، من َّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد لله غير مودّع ربي، ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُري، وهدى من الضلالة، وبَصَّر من العَمى، وفضّل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين» (١).
فلتكن - أخي - مناجاتنا لله بالثناء عليه ومدحه، والاعتراف بنعمه، ولنداوم على ذلك حتى نذوق حلاوة حبه فنصل من خلال المناجاة إلى استشعار قربه منا وكأننا نراه فنكلمه على الحضور.
أفضل أوقات المناجاة:
ومن أفضل أوقات المناجاة على الإطلاق ذلك الوقت الذي يجد فيه المرء قلبه حاضرًا معه، ومشاعره متأججة ومتجهة نحو ربه.
أما أفضل الأوقات بالنسبة لساعات الليل والنهار، فمما لا شك فيه أن المناجاة بالليل خاصة في جوفه ونصفه الأخير لها تأثير عجيب على القلب، وكيف لا وقد وصفها الله بذلك: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: ٦].
فأفضل الأوقات التي يمكن أن يحدث فيها مواطأة بين القلب واللسان هي ساعات الليل، قال ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر» (٢).
وفي هذا المعنى يقول الإمام حسن البنا ﵀: يا أخي لعل أطيب أوقات المناجاة أن تخلو بربك والناس نيام، والخَليُّون هجع، قد سكن الليل كله، وأرخى سدوله، وغابت النجوم، فتستحضر قلبك، وتتذكر ربك، وتتمثل ضعفك وعظمة مولاك فتأنس بحضرته، ويطمئن قلبك بذكره، وتفرح بفضله ورحمته (٣).
وروى أبو نعيم بإسناده عن حسين بن زياد قال: أخذ فضيل بن عياض بيدي فقال: يا حسين ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: كذب من ادعى محبتي، فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل حبيب يحب الخلوة بحبيبه، ها أنذا مطلع على أحبابي إذا جنهم الليل مثلت نفسي بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على الحضور، غدًا أقر أعين أحبابي في جناتي» (٤).
وعن عنبسة بن الأزهر قال: كان محارب بن دِثار، قاضي أهل الكوفة، قريب الجوار مني، فربما سمعته في بعض الليل يقول وهو يرفع صوته:
«أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، وأنا الضعف الذي قويته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الغريب الذي وصلته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي مَوَّلته فكل الحمد، وأنا العَزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا السَّاغبُ الذي أشبعته فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي أدَّيته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، فلك الحمد ربنا حمدًا كثيرًا على حمدٍ لك» (٥).
стр. 70
سجود الشكر
ومن أفضل أوقات المناجاة والثناء على الله بنعمه: أثناء سجود الشكر .. ففي هذا السجود يكون الإنسان في حالة من التأثر، والتأجج المشاعري لما يرى من إحسان ربه عليه، لذلك علينا أن نستثمر هذا الوقت بمناجاة الله وذكر نعمه، ليزداد الحب، والشعور بالامتنان تجاهه سبحانه.
* خامسًا: تحبيب الناس في الله
ومن الأعمال الصالحة التي تسقي شجرة المحبة: تحبيب الناس في الله وذلك بالحديث معهم عن نعمه سبحانه ومدى حبه لهم ورأفته وشفقته ولطفه بهم.
فهذه الوسيلة لها أكثر من فائدة: منها أنها تذكر المتحدث بما قد يكون غفل عنه، فتجعله في حالة دائمة من التذكر والانتباه.
ومن فوائدها كذلك أنها تدفعه إلى العمل بما يقول حتى لا يدخل في دائرة من يقول ولا يفعل.
ومنها كذلك أنها من أفضل الأعمال التي يحبها الله ، ومن ثمَّ فإنها تعرض صاحبها لنفحات المحبة الإلهية.
عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يقول: حببوا الله إلى الناس يحببكم الله (١).
وجاء في الأثر أن الله أوحى إلى داود ﵇:
يا داود أحبني، وأحب من يحبني، وحببني إلى خلقي. قال: يا رب، هذا أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي فإنهم لا يذكرون مني إلا خيرا (٢).
وعن كعب قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: أتحب أن تحبك جنتي وملائكتي، وما ذرأت من الجن والإنس؟ قال: نعم يا رب، قال: حببني إلى خلقي، قال: كيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم آلائي ونعمائي، فإنهم لا يذكرون مني إلا كل حسنة» (٣).
وكان أبو الدرداء يقول: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحبون الله ويحببون الله إلى الناس، والذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله (٤).
نموذج عملي:
وإذا أردت أخي القارئ تطبيقًا عمليًا لهذه الوسيلة فانظر إلى قوله تعالى وهو يخاطب فيه نبيه، ويعلمه طريقة الدعوة وما ينبغي أن يتضمنه خطابها من تحبيب الناس في ربهم: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وهذا كثير في القرآن تأمل قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣].
ولقد كان رسول الله ﷺ مثالا كاملا للداعية الذي يحبب الناس في الله ، ويدفعهم للفرار إليه مهما ارتكبوا من آثام.
أتاه يومًا من الأيام شيخ كبير وهو يستند على عصاه، فقال: يا نبي الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر الله لي؟ فقال النبي ﷺ : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فإن الله قد غفر لك غدراتك وفجراتك. فانطلق وهو يقول: الله أكبر الله أكبر (٥).
وكذلك كان صحابته: فهذا أبو هريرة ﵁ يلقى الفرزدق وقد كان شاعرًا يقذف النساء، وكانت الناس تكره فيه ذلك، فماذا قال له أبو هريرة عندما لقيه؟
стр. 71
يقول الفرزدق: قال لي أبو هريرة: أنت الفرزدق؟ قلت: نعم. فقال: أنت الشاعر؟ قلت: نعم. فقال: أما إنك إن بقيت لقيت قومًا يقولون لا توبة لك، فإياك أن تقطع رجاءك من رحمة الله (١).
ومات لرجل ابن مسرف على نفسه، فلقيه عليّ بن الحسين فقال له: إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها فشهادة أن لا إله إلا الله، وأما الثانية فشفاعة رسول الله ﷺ ، وأما الثالثة فرحمة الله التي وسعت كل شيء (٢).
* سادسًا: الإلحاح على الله بأن يرزقنا حبه
علينا أن نسأل الله ونلح عليه بأن يرزقنا حبه، مثل ما كان يفعل رسول الله ﷺ ، فمن دعائه قوله: «اللهم إني اسألك حبك، وحب من أحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك. اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي ومالي وأهلي ومن الماء البارد على الظمأ».
وقوله: «اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إليَّ، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني في عبادتك».
واعلم أخي أن الله لا يرد سائلا عن بابه، فلو رأى منا صدقًا في طلب محبته لرزقنا إياها، وفتح لنا باب الأنس به والشوق إليه.
ونختم الحديث بأثر رواه الجنيد بإسناده عن صالح بن مسمار قال: بلغنا أن الله أرسل إلى سليمان بن داود ﵇ بعد موت أبيه داود ملكًا من الملائكة فقال له الملك: إن ربي أرسلني إليك لتسأله حاجة.
قال سليمان: فإني أسال ربي أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأسال الله أن يجعل قلبي يخشاه كما كان قلب أبي داود يخشاه.
فقال الرب ﵎: «أرسلت إلى عبدي ليسألني حاجة فكانت حاجته إليَّ أن أجعل قلبه يحبني، وأجعل قلبه يخشاني، وعزتي لأكرمنه. فوهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده (٣)».
* * *
стр. 72
كلمة أخيرة
حول الطريق إلى محبة الله
وخلاصة القول أن الطريق إلى محبة الله محبة صادقة مثمرة - يبدأ بكثرة قراءة القرآن بفهم وتأثر، وكذلك بالتفكر اليومي في أحداث الحياة التي تمر بنا وتحمل في طياتها مظاهر الحب الإلهي لنا من لطف ورحمة وقيومية وتذكير وتسخير.
ومع هاتين الوسيلتين العظيمتين اللتين من شأنهما إنشاء المحبة في القلب وغرس بذرتها وتأسيس قاعدتها، تأتي الأعمال الصالحة بعد ذلك لترفع البنيان وتسقي البذرة فلا تتركها إلا بعد أن تصبح شجرة وارفة مثمرة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وهذه الأعمال هي ذكر النعم، ورحلات الاعتبار، وكثرة الحمد باللسان، ومناجاة الله بالنعم، وتحبيب الناس في الله وأخيرًا الإلحاح على الله بأن يرزقنا محبته.
نسأل الله أن يجعل حبه يهيمن على قلوبنا وأن يفتح لنا باب الأنس به والشوق إليه وأن يجعلنا ممن قال في شأنهم ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] و ﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
وصلَّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
وللتواصل:
www. Alemanawalan.Com.
* * *